الفصل 42 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
18
كلمة
6,905
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

عادت رجوه لخيمتها، وجلست تخطط لما ستفعله، وكيف ترد الصاع صاعين لسالم، ولكل القبيلة. تعلم أنها إن ماتت سيتألم هو، وإن تألم لن يترك أحد ممن أذوها دون عقاب. تثق به وبمحبته وأخذه لثأرها حتى بعد موتها، فقررت أن تريح الجميع منها وتستريح هي أيضاً، فلن تعيش حياة فُرضت عليها أبداً. نامت وأغمضت عينيها، ونوت أن تبدأ التنفيذ من الغد. أما سالم فنهض أخيراً وقرر العودة لخيمته.

وفور أن رأته مزيونه من بعيد ينهض، نهضت هي أيضاً وهرولت تسبقه نحو خيمتها. أبدلت ملابسها سريعاً ورشت عطرها وأشعلت البخور، ثم استوت على الفراش تمثل النوم. دلف للخيمة، اقترب منها وجلس بجوارها. فتحت عينيها وكأنها استيقظت للتو، سألته بهدوء: -هلا سالم، جوعان؟ انقوم نجيبلك وكل؟ -لا يامزيونه مو جوعان، ردي نامي.

-لا مافي نوم، طار النوم بجيتك. اذا انت رايد تنام نام، وأنا بقوم أحوص بالخيمة وأشوف ايش فيه وما فيه، ولا تخاف ماراح تسمع مني أي صوت يزعجك. -لا لا أبقي لا تقومين، خليكي معي شوي. قالها ثم نزع جلبابه ونام بجوارها واحتضنها بكلتا يديه ووضع رأسه فوق رأسها وأغمض عينيه. يعلم أنها تعرف كل ما يحدث، ولكن صبرها وهدوءها لا حدود لهما، وهذا ما يعجبه فيها ويشعره بالارتياح، فلا يصدر منها ما ينغص عليه حياته ويزيد من همه.

هي وخيمتها أصبحت راحته بالفعل كما طلب منها. أما مزيونه فدفنت رأسها بصدره وطوقته بذراعيها، تشعر به وبمدى جرحه وتلتمس له الأعذار. فهي اختبرت الحب من طرف واحد وتعرف جيداً كم يؤلم. ولكن عزاءها أن الله عوضها به. نعم، لم تحصل عليه كاملاً، وتعلم أنه معها جسد بلا قلب، ولكنها راضية وحامدة. وستفعل ما باستطاعتها كي تحصل على مكان ولو صغير في قلبه.

أغمضت عينيها واستسلمت للنوم أخيراً على دفء أنفاسه، فهو بجوارها ولا داعي لمزيد من القلق. أما هو فعرف من استسلامها السريع للنوم بأنها لم تكن نائمة كما كانت تدعي، ولم تنم من الأساس. وكانت محاولة منها لجعله يعتقد أنها لا تبالي بكل ما يحدث. وهذه طريقتها لفصله عن العالم الخارجي، وكانت ستنجح، ولكن في موقف آخر غير هذا. فما حدث اليوم كثير جداً على النسيان أو التخطي.

أما عند آدم، بعد أن صلى الفجر جماعة جلس مع عمه قصير وباقي الرجال المسؤولون عن استلام شحنات السلاح، ومن ضمنهم صياح. -عقاب، أقول لزوم تنتظر لتستلم هي الشحنة بنفسك، سالم مافي عقل ورابح لحاله ما يقدر. قفز صياح أمامه وقال: -أنا نقدر ياعمي، جربني وشوفني واذا ما استلمت الشحنة لحالي ووزعتها برفة عين ماتحسبني من ضمن الرجال. -اجلس ياصياح، الشحنة هالمرة كبيرة وما ينفع فيها لعب، هي فيها كل مالي وحالي.

-وأنا أخاف على مالك وحالك أكثر منك ياعمي، هاد أصبح مال أم مرتي، بس انت اترك كل شي علي أنا وهلال وبتشوف ايش راح نسوي. آدم: -ياصياح، القصة مو عافية ولا بالدراع تنحل، السلاح بالذات ما فيه لعب. -أعرف ياعقاب، وأعرف زين أن الممر لازم ينفتح غير ساعة وحدة وبيوم معين من الشهر وبليلة معينة. أعرف كل شي ومو أول مرة أسويها، أنا لي سنين معكم. انت سافر ياخوي، اشق بأشغالك وشركاتك واترك السلاح لينا ونحن سدادين.

نظر آدم لقصير ولم يرد على صياح، فهو بالفعل يريد السفر. فمله في بدايته وإن غاب عنه سيخسر كثيراً. فيفهم قصير بأن آدم واقع في حيرة من أمره، فقال له: -خلاص يا عقاب، روح انت لأشغالك متل ما قال صياح وأنا وهو وهلال ورابح بنستلم الشحنة ونوزعها. بس تابع معنا بالنقال وتابع مع الموردين وما تكف إلا والسلاح بالممر داخل علينا. -أبشر يا شيخ، أنا ماراح أترك الشحنة إلا وهي بين أياديكم.

والحين اسمحلي أنا بأخذ أهلي وأسافر غدوة، وبأقرب وقت نرد وان شاء الله تكون كل أمور القبيلة تحسنت. واذا قدرت أجي وقت استلام الشحنة باجي، وراح أعمل كل جهدي لأكون موجود وربك يسهل الحال. تنهد قصير وقد فهم ما يرمي إليه آدم ورد عليه: -بتتحسن، لا تحط ببالك، هاد كله لعب وليدات صغار وبينتهي. المهم انت دير بالك على روحك وأهلك وشغلك، لا تغفل ولا تتغافل يا عقاب وأوعاك تحط على الأرض، راح تلاقي الذياب بإنتظارك.

خليك دوم محلق فوق، ماتطالك يد ولا ناب. -الله يسترها يا عمى. يلا بخاطرك. -الله معاك يا وليدي. عاد آدم لخيمته يخبر أبوه وأمه بأنهم سيغادرون القبيلة غداً. واستلقى على الفراش يستريح قليلاً. فسألته أمه: -طمني يابني شفت البنت اللي اسمها رجوه اللي انكوّت بالنار، ياترى عاملة إيه دلوقتي؟ -ما أعرف ولا أريد أعرف. بس هي ما تموت ولا يجرا عليها شي، كام يوم وتقوم تفرفر بالبوادي وتنعق بحسها مثل غراب أكحل.

-يبني حرام عليك، دي البنت صعبانة عليا أوي من ساعتها. -لا تاخذك فيها شفقة، رجوه فانص والفوانص ما تجوز عليهم الشفقة. والحين جهزي حالنا يا أمي نريد نتحرك بالصباح الباكر. -حاضر يا حبيبي، إحنا نعتبر جاهزين، مفيش إلا أخرج أسلم على ستات القبيلة وأودعهم. -وين أبويا نايم؟ تصدقي من وقت رجله حطت القبيلة ماشفته غير بس مرتين وكانوا عابرين. أشوفه مندمج مع عمي قصير وباقي الرجال كثير.

-فرحان يبني باللمة والدفا اللي عاش عمره كله محروم منهم. طول عمره لا له حبايب ولا بيأمن لأصحاب. عمك الله يسامحه خلاه فقد ثقته في كل الناس، وما صدق لقى الناس الطيبين اللي هنا. تنهد آدم وأردف: -تعرفي يا أمي، أنا بالبداية كنت وااااجد زعلان وعاتب عليكم لأنكم تركتوني وما سألتوا، وااااجد بكيت بالليل وأنا أحس بالوحدة.

بس شفت الأم بالقبيلة شلون تقسى وتتحمل فراق وليدها وانفصاله عنها، وتشوفه مثل الضيف من الحين للحين وهاد لأجل مصلحته ولأجل يصير قوي. قلبي برد شوي. ومع الأيام، ومع معرفتي للسبب اللي بعدتوني لأجله حسيت إنه أصوب قرار أخذتوه بخصوصي. جبتوني للمكان اللي طلعت منه بكل شي حلو. والحين أقولك لو رجع بينا الزمن ما بتاخذوا غير هذا القرار. تبسمت عايده وهي تقترب منه، وأخذته بين أحضانها.

أما هو فدفن رأسه بين ذراعيها وأغمض عينيه، وكأنها واحة حنان ارتمى على أرضها بعد عمر من التعب. أما عند صياح بالخيمة. أخذ يندم وهو يشعل سيجارته الثالثة على التوالي. فهدرت به خوله: -كااافي دخان كااافي. -خايفة علي يا خولة؟ -لا خايفة ولا شي، بس الخيمة صارت كلها دخان وما عاد نعرف نتنفس. قوم اطلع للخلا واشرب اللي تشربه بس غادر. كتمت أنفاسنا. -لا ما طالع، أنا جالس مع أمي. اطلعي انت لخيام البنات وعوفي الخيمة.

-لا والله ما أطلع ولا أروح، ما يبطلون ضحك وغشمرة علي ويحكون بالعشق ويتغزلون بشباب القبيلة وأنا أستحي. -أقووول يا خولة، لمن يتغزلون بشباب القبيلة ما يجيبون سيرتي؟ ما في بنية تقول صياح كذا. مثلاً صياح جميل، صياح حلو، صياح زينة شباب القبيلة. ضحكت خولة ولم ترد عليه. ففتح عينيه على وسعهما، وخاصة وهي تعود للضحك كلما صمتت قليلاً. فقال لها: -خلص كافي ضحك عرفنا الجواب.

-زين عرفت، يلا قوم روح لخيام الشباب ونام حدهم ولا تيجي الخيمة. أنا نريد ناخذ راحتي بالنوم وأنت طابق على أنفاسي بقعدتك ودخانك. يلا روح وغدوه تعال لأمك، هي موجودة وين بتروح؟ تنهد ثم استسلم لأمره وغادر الخيمة. فخولة لن تسكت حتى يفعل ما تشاء. أما خولة فبعد خروجه نظرت لأمها وقالت: -أقول يا أمي، أريد أجيب ملابس جديدة تليق بمقام سلفة بت الشيخ. أريدهم ملونات ويظهرن جمالي، أنا من الحين كل العيون بتصير علي.

-روحي لأبوكي مناحي وجيبي منه قروش. أعطيهم للشيخة عوالي وهي تجيب لك من الحضر اللي تريديه. -حيّي عليا، أبوي يعطيني قروش؟ ومرته الخايسة تخليه يعطيني. هي لو شافته واقف معي تخرب الدنيا. إيش تسوي لو طلبته قروش؟ -دزي عليه وخديه بعيد وما تطلبي منه قدامها. -أقول يا أمي، هو أبوي له حق يتزوج عليكي وكل شي. وأنا لو منه بتزوج عليكي ثلاث، بس يعني إنت ليش ما كنتي مرة مفتحة وطالبتي بحقك وحقنا وشكيتيه للشيخة والشيخ؟

وكان جاب خيمتنا غصبن عنه وعطانا قروش متل الخلق والناس، وصرف علينا متل ما يصرف على خيمته الثانية ومرته وعياله؟ -لأن يا خايبة لو أنا سويت هاد الشي كان بوك رما لي قروش ما تكفيكم ولا تكفيني. لكن لما تركته واشتكيت بس جوعي وجوعكم للشيخ منصور تكفل بيكم وبأكلكم وشربكم وثيابكم، وعطاني حلال وساعدني أربيكم.

وحتى الشيخة عوالي ما قصرت، وأبوك ما تعدل حاله غير بس من كم سنة من وقت اللي مات أبو مرته وفات له حلال وهوايش وكام رأس جمال ومنهم عاشوا. -أييييه... طيب أقول يا أمي إنت ما تشتاقي لأبوي؟ يعني ما يهفّك الشوق يجيك ليلة ويبات بخيمتك؟ تنهدت أمها وقالت: -ااايييه، كان يهفني الشوق، بس مو كل الشوق مُلبى يا خولة. يلا الحمد لله، هي كانت مرحلة ببداية زواجه والحين نسيته ونسيت أيامه ونسيت الشوق.

-تعرفي يا أم خولة، أنا من اللي أشوفه منك ومن أبوي ما أريد أتزوج، وأرفض كل اللي يجوني. -أهووه... ليش إنت حد جا لك وطلب يدك ورفضتي؟ اسكتي يا خولة ونامي وكافي حكي ماله داعي وبطلي أحلام. -يا أخ اتركيني أتخيل، هو حتى الخيال ممنوع؟ -تخيلي بس غدوه، الحين نريد ننام. -نامي يا أمي نامي. أقول يا أمي، إيش رأيك أروح لرجوه نقعد معاها شوي وأخطف منها ملابس وأجري؟ -حيّي عليكي، والله ما راح تجيبها لبر إلا ورجوه مخلصة عليكي.

يا بهيمة مالك كم ساعة كنتي بتروحي فطيسة بيدها! -بس ما موتت، وماراح أحلاها والله. تنهدت أمها واستغفرت. فهي تعلم أن ابنتها ستفعل ما نوت عليه على أية حال، ورجوه لن تتهاون هذه المرة وستقتلها، ولا دية لها. في الصباح الباكر. غادر آدم بعد أن ودع رابح والبقية، وترك سالم ليستريح. ولكنه لحقه عند السيارة وودعه. ووقف يراقبه وهو يغادر القبيلة مع عائلته. وتمنى لو يستطيع المغادرة مثله وترك كل شيء وراءه.

فلو كان ذلك متاحاً لترك كل شيء وهرب بعيداً. عاد لخيمته ووجد مزيونه مستيقظة. استقبلته بابتسامتها المعتادة ونهضت لتلبس ملابسها. فتقدم منها سالم وسألها: -ليش تلبسين؟ وين رايحة؟ -طالعة أجيب الفطور والمي ياسالم. -وليش انتي تجيبي؟ ليش ما تعطي أمر لأي حد غيرك يجيب. انتي عروس ولا نسيتي؟ -ضحكت بتهكم لأول مرة وهي ترد عليه: -عروس؟ لا أنا أقول كافي معرّسة وأطلع أتهيأ بالشغل وأضيع الوقت الطويل. صمت وهو ينظر إليها.

فأدركت خطأها وقالت له: -اعتذر منك يا ابن عمي، مو بقصدي. أنا أقصد وقت تطلع لشغل أنا أضل لحالي و... -ششش، لا تبررين، حقك يا مزيونه، والله حقك. تعي يا مزيونه واقعدي أنا ما أريد وكل مو وقته. -ليش مو وقته ياسالم؟ انت من الليلة الماضية ما ذقت شي. -قبل الأكل يا مزيونه، إنت لك حق علي وأنا أحب أرد الحقوق لأصحابها. تعي يا مليحة واقربي علي. ضحكت وهي تراه يطوقها بيديه واردفت ممازحة:

-هااا تضحك علي وتقول ما أريد أكل وأنت تريد تفطر لصيمة؟ ضحك هو الآخر وضمها عليه وبدأ يعتذر لها بطريقته الخاصة عن كل الألم الذي سببه لها بالأمس. وهي تقبلت كامل اعتذاره وغفرت، وهذا كان جلياً على وجهها وابتسامتها التي لم تفارق شفتيها. أما في خيمة رجوه. -يلا يا رجوه قومي افطري معنا. -ما أريد، اتركوني بحالي. -كيف ما تريدين يعني؟ انت مريضة والوكل اللي راح يخليكي تشدي حيلك.

-مسك اشق بروحك وحلّي عني، وكلمة زايدة بتركلكم الخيمة وأروح أقعد براها. أو أقوم أدقك. -لا لا وعلى إيش، هاك صكرت فمي وأنت حرة تاكلين ماتاكلين ما يهمني. -شاطرة. بعد دقائق دلفت معزوزه من باب الخيمة وهي تقول: -هااا نهاركم باااهي يا صبايا قصير يا زينة صبايا البوادي. ان شاء الله أموركم مليحة. إيش أخبارك يا رجوه اليوم؟ -أخبار الهم والغم، إيش أخباري يعني، شو اللي تغير بالساعات اللي تركتيني فيهم؟

اقتربت منها وجلست بجانبها وقالت لها وهي تمسد على شعرها: -يا حبيبة قلبي، يا روح الروح إنت، هوني على نفسك وكل الأمور بتنحل. -ما في شي بينحل يا معزوزه، الأمور كل يوم تتعقد أكثر. حياتي ما عاد لها لزوم ولا أنا المحبوبة. ما في حد حبني بكل القبيلة غير سالم، بس خسارة حبني بطريقة ما كنت أريدها. -وليش ما تريدينها؟ أنا سمعت مسك وهي تنصحك وأنا أريد أعطيك نفس النصيحة. الفرصة ما زالت أمامك لا تضيعيها.

سالم يحبك وإذا شاورتي بروحه يلبي. قولي له أنك وافقتي تتزوجيه وهو الوحيد اللي راح يخلصك من كل اللي تعانين. -يا ناس افهموني، أنا ما أحب سالم هذاك الحب. ما أقدر أتخيله زوجي ومعي بخيمة وحدة ونفعل متل المتزوجين. سالم عندي متل هلال. تخيلي روحك مع هلال تجمعكم خيمة وحدة وراح تعرفي شعوري. -شعور كذاب وعقلك ما رد براسك وقلبك ما أدرك بيش ضحى. سالم مو متل هلال وإنتي تحبي سالم، ومع الأيام يا رجوه بتشوفي.

-معزوزه قومي اغربي عن وجهي، ردي لخيمتك وما تجيني. أنا لا أريدك لا انت ولا سالم ولا أريد أشوف أي بشر. -تم يا رجوه، أنا الحين بمشي بس شوي وأعاود ولنا كلام كثير، والكلام ما خلص. وتذكري إن الفرصة ما راح تطول، سالم أمامك وصياح خلفك. -وأنا ما راح أكون لهذا ولا لذاك يا معزوزه. غادرت معزوزه وهي تشعر بالشفقة على أختها وتسخط عليها أيضاً. فهذه العنيدة سوف تتعذب بعنادها ولن تستطيع النجاة إلا بسالم.

ولكنها لا تريد الاعتراف أو الاستسلام. مر اليوم ولم تتذوق رجوه طعم الزاد. أضربت عن الطعام وكانت هذه خطتها البطيئة للضغط على سالم. أما سالم فكان يسأل عنها من بعيد. علم بأمر رفضها للطعام وفطن لخطتها، ولكنه قال لنفسه بأنها لن تستطيع الصمود، ستضعف وتأكل إما اليوم أو الغد. أما في القاهرة. وصل آدم أخيراً وذهب لشركته فور وصوله، بعد أن أوصل أبويه للقصر. ووجد مدحت بانتظاره في مقر الشركة.

راجع كل شيء فوجد مدحت فعل كل ما أوصاه به وأتم العمل على أكمل وجه. فرح آدم كثيراً وتأكد أن مدحت شخص يعتمد عليه وبدايته موفقة. جلسوا حتى وقت متأخر من الليل في الشركة هما الاثنين يتباحثان في أمور العمل. وبينما هم كذلك سمعوا دقات على باب المكتب. فأذن آدم لمن بالباب بالدخول. وفوجئ آدم بحارس القصر والمسؤول عن الحديقة هو الطارق. فدعاه آدم للدخول. وهم أن يسأله عن سبب مجيئه وما هذا الصندوق الذي يحمله.

ولكن قاطعه رنين هاتفه، وكانت أمه المتصلة. فأجابها على الفور: -إيه ياحبيبي معقول كل ده في الشركة. بالراحة على نفسك يا آدم وقسم الشغل على الأيام يا نور عيني مفيش حاجة بتخلص مرة واحدة. -والله يا أمي ما انتبهت للوقت، آسف، الحين بنهي كل شيء وأرد للقصر. -طيب أنا عملت لك لقمة وبعتها لك مع البواب، تسيب كل اللي بإيدك وتاكل يا آدم وتبقى بعد ما تخلص ترجع للشغل مفهوم. -أبشري.

والله الأكل جه بوقته، قلبي حس بوليدك وبجوعه يا أم آدم. -وأنا قلبي له غيرك يحس بيه يا نبض قلبي إنت. سمع آدم أباه يتنحنح بجوار أمه، ففهم أن كلامها أثار غيرته، فضحك وأنهى المكالمة. واستدار ينظر لحارس القصر فلم يجده. ووجد مدحت قد فتح الصندوق وأخرج الطعام وبدأ في تناوله. متى حدث كل هذا لا يعلم. فقال له: -أنت لازم تعمل تحديات وكل متل اللي يعملوها الصينيين وراح تكون أشطر وأفجع واحد بينهم كلهم.

-اقعد اقعد الأكل جميل أوي وأنا كان واحشني أكل مرات عمي. -ع أساس ما كنت تاكل كل يوم من المجمدة؟ -والله الأكل خلص من امبارح واضطريت آكل من أكل فريال مرات عمك، ودا مش أكل دا تكفير ذنوب. ضحك آدم وجلس يشارك مدحت في تناول الطعام، أو يخطف من أمامه بعض الطعام قبل أن ينهي مدحت عليه كله. في شقة يحيي الجديدة. -يا يحيي أنا حاسة إني بتخنق في القمقم ده، أنا اتعودت على القصر والعيشة فيه ومش قادرة أتكيف مع الشقة دي شوفلك حل بقى.

-وأنا أعمل إيه يعني يا فريال، إنتي شايفة كل حاجة بعينك. ابن محمود خلانا عالحديدة، والقصر أخده ومبقاش باليد حيلة. -بص بقى يا يحيي أنا مش هستنى ياسين لما يخطط وينفذ والخطه تفشل وكل اللخبطة اللي بيعملها دي. أنا هتصرف وهخلص الموضوع بمعرفتي. -هتخلصي إزاي وهتعملي إيه؟ -ملكش فيه، إنت ليك النتيجة وملكش دعوة بالتدبير. -اعملي اللي تشوفيه يا فريال، ولو عرفتي تخلصي من الكل اخلصي. -اعتبره تم.

عاد آدم للقصر في نهاية الليل، وعاد مدحت لشقتهم الجديدة. ولولا غارات أمه المتكررة لبات في القصر مع آدم، ولكنه لا يحب الصدام معها. كانت فريال في انتظاره، وبمجرد دخوله أضاءت الضوء وسألته بغضب: -كنت فين للساعة دي يا مدحت أفندي؟ -مساء الخير يا ماما كنت في الشركة مع ابن عمي بنخلص شغل. -خلي بالك أنا سايباك بس عشان تعرف الشغل في الشركة ماشي إزاي، لأنها قريب أوي هتكون شركتك وإنت اللي هتديرها. -شركتي إزاي يعني مش فاهم؟

-مش مهم تفهم. المهم دلوقتي اتعشيت ولا أحضر لك العشا؟ -سيبك من العشا وردي عليا، هتبقى شركتي إزاي؟ أقسم بالله يا أمي لو آدم ابن عمي جرى له حاجة بسببكم أنا ما هسكت ولا هسامحكم. سيبوه في حاله بقى هو وعمي ومرات عمي كفاية عليهم كده إنتوا إيه؟ -إنت تخرس خالص وصوتك مسمعهوش. اتفضل على أوضتك. تحرك مدحت مبتعداً من أمامها فسألته مجدداً: -ما رديت علي اتعشيت ولا أجيب لك تطفح؟ -طفحت مع آدم في الشركة. -جبتوا أكل دليفري من بره يعني؟

-لا مرات عمي بعتتلنا أكل بيتي. صمتت فريال وأخذت تفكر بعمق، ثم تبسمت وكأنها وجدت الحل. مرت الليلة على الجميع، وفي الصباح استيقظ سالم وغادر خيمته بعد أن شعر بوخزات في قلبه، وذلك بعد أن رآها في منامه. كانت متعبة وتئن من الحروق وتطلب مساعدته، تنادي باسمه. فهب من نومه وأخذ يتلفت حوله. ثم ارتدى ملابسه وخرج سريعاً غير آبه لأسئلة مزيونه حول ما حدث له وأين ذاهب. وصل خيمتها وبالفعل سمع صوت أنين مكتوم.

دار حول الخيمة حتى أصبح عندها تماماً وصوت أناتها أصبح أعلى. تحدث من خلف قماش الخيمة بصوت منخفض ولكنه متأكد من أنها ستسمعه: -رجوه إيش فيك، يا رجوه ليش تأني جاوبيني، بشو حاسة يا نبض هالقلب. -ابتعد ياسالم، مالك علاقة بي ولا تسأل عن أوجاعي. متلك متل اللي ذبح شخص وجاي يمشي بجنازته. عوفني ياسالم ولا تشغل بالك وأشق بروحك ومرتك. -ما أقدر أعوفك وانت تعرفين.

والحين أنا ما أقدر أدخل عليك الخيمة وحد يشوفني طالع منها ويحكي كلمة عاطله. بس أريد أطمن عليكي ولزوم أشوفك بعيني. اطالعي يا رجوه من الخيمة بالله عليكي. -لا.. ماني طالعة ولا رادة وحل عني. حل عنييييي أنا أكرهك أكرهك يا أكثر حد أناني بالدنيا كلها، يا اللي ما تحب إلا روحك. -أنا يا رجوه؟ -أي أنت ياسالم. والحين اغرب ما أريد أسمع صوتك. صمتت وصمت هو، لا يعلم ماذا يفعل.

لا يستطيع المغادرة دون الاطمئنان عليها، ولا يستطيع المكوث بجوار خيمتها أكثر، فهذا سيجلب له المتاعب. فذهب لخيمة رابح، أيقظه وطلب منه أن يرسل معزوزه لرجوه. فذهبت معزوزه على الفور بعد أن عرفت من سالم أن رجوه تتألم. دلفت للخيمة وصاحت بها بغضب: -قلت لك اللي تسوينه ماراح يجيب نتيجة ولا راح تجني منه غير الوجع والألم. -ما حد له علاقة بي، كل واحد يشق بروحه. عوفوني أنا ما فيا حيل أجادل ولا أريد أشوف حد.

-زين، قومي كلي لقمة وبعدها ما حد راح يقرب عليكي لا يجادل ولا يحكي شي. -لا والله ما آكل ولا أحط الزاد بخشمي. -لمتى يا رجوه؟ -لحين الله يأخذ أمانته يا معزوزه، أنا خلص ما بدي هالحياة كلها، ما أريدها. -يا رجوه هاد اسمه كفر وقلة دين وقلة عقل بعد. -سميها كيف ما تريدين، بس عوفيني الله يخليك. غادرت معزوزه الخيمة وهي غاضبة. فهي تعلم أن هذه العنيدة لن يثنيها عن قرارها أي شيء، إلا رحمة من عند الله بها.

أخبرت سالم بأنها مضربة عن الطعام منذ الأمس فجن جنونه. أمر معزوزه بتجهيز الطعام وفور أن فعلت أخذه وذهب به لخيمتها وقد ضرب كل شيء عرض الحائط. تنحنح ودخل بعد أن رأى أخواتها كلهن بالخارج. وبمجرد دخوله أدارت وجهها بعيداً. اقترب منها ووضع الطعام بجوارها وجلس هو أيضاً. همس لها بحنو بالغ: -ليش تسوين بروحك هيك يا رجوه. يعني حياتك رخيصة عندك لهالدرجة يعني؟ -وايش تسوى الحياة والعمر واحنا ما نطول اللي نتمناه يا سالم.

ايش أسوي فيها الدنيا وأنا انرهنت لنباح وأمامك وانت ما تكلمت ولا منعت وتعرفني أموت ولا يجرا هالشي. معناها أنت تعرف إني هيك أو هيك بموت، بيش تفرق الطريقة والتوقيت؟ -أنا ما طلع بيدي أرفض أو أعترض يا رجوه، على أي أساس أعترض زواجك ها؟ بس قولي لي بربك على أي أساس؟ -على أساس أني بت عمك، رباية يدك وأنت بمقام خوي. أغمض عينيه وسحب نفساً عميقاً واستغفر بداخله قبل أن يرد عليها:

-هاد عندك إنت، أما بين أهل القبيلة أنا كنت راهنك، وأي تصرف راح يتفسر أنه تحت بند الغيرة والحقد، وتعرفين زين أنا آخر واحد يحق لي أتكلم بأمر زواجك. -إنت ما تقدر بس عقاب كان يقدر، ليش ما خليته يتكلم ويمنع عني حكم الموت ليش؟ أقولك ليش، لأنك واحد أناني. -كافي ظلم يا رجوه واسمعيني زين، أنا ما كنت رايد أجرحك، بس أنا فاتحت عقاب وقولتله، عرضت محبتك عليه وهو رفضها.

ترجيته لأجلك وهو قال على موته ولو إنت آخر بنت بالكون ما يتزوجك. -كذاب ياسالم. -وغلا رجوه عندي ما كذبت بحرف، هاد اللي تم واللي صار. ولو ما تصدقيني إسألي رابح هو يعرف كل شي صار. -رفضني. طيب ليش رفضني؟ -يحب غيرك يا رجوه، متل ما إنت تحبين غيري ورفضتيني. حجتك إن هاد حقك، طيب ليش ما تشوفي إنه حقه هو كمان. مو كل واحد حقه يقبل محبة الشخص اللي يحبه أو يرفضها، ولا تحللين لروحك وتحرمي على غيرك وتكيلي بمكيالين؟

-لا ياسالم ما أكيل بمكيالين، بس البنت غير الولد، البنت واحد بس اللي يملكها وما يحق لها غيره، ولهيك لازم ما تاخذ إلا شويقها. أما الولد يحق له يتزوج ٤، منهم شويقة ومنهم اللي تعجبه ومنهم اللي يتزوجها مصلحة بدون سبب. وإنا مستعدة أتزوجه ويتزوج بعدي، أو قبلي ما تفرق. سمع كلماتها وهدر بها قهراً: -كافي يا رجوه كافي، كافي لا تذلين نفسج وقلبك وتنزلين من روحك. الحب ما يذل لهالدرجة يعني، إي يعذب ويوجع بس ما يذل.

محبتك لعقاب ما توازي نص محبتي لك، ووقت حكيتي ما أريدك وقلبي تعلق بغيرك بعدت، ماتوسلت ولا ترجيت ولا حطيت حلول تحط من قدري وكرامتي ولا قبلت على نفسي. -أي ماهاد اللي توا نحكي فيه، إنت رجل والرجال غير. -العشق ما فيه رجال وبنت، العشق واحد ومتل ما ينزل قلب النساء ينزل قلب الرجال.

بس الفرق إن الرجال لازم يتحملون، يتحملون برغم الوجع اللي ما ينحمل، يتحملون وإلا يركبهم العار ويصيروا بين الناس ضعاف وحفنة مشاعر بعثرتهم وهزت ثباتهم. يعني فوق ضيم القلب ضيم الخوف من وصمة الضعف. صمتت واغمضت عينيها. فهو لم يخطئ بشيء ونعم هذه هي الحقيقة، ولكنها الآن لن تتعامل بالمنطق أو تقتنع. هي ترغب بشيء وتريد أن تقول له كن فيكون. ساد الصمت قليلاً، وظن سالم بأنها اقتنعت بكلامه، فقرب منها الطعام وأخذ منه

القليل ومده لها وهو يهمس: -يلا افتحي خشم السحلية وكلي كافي عناد. يلا وأنا بأكل معك، اشتقت لما كنا ناكل سوا وتخطفين من يدي الأكل وما تهنيني بلقمة. أغمضت رجوه عينيها وأدارت وجهها عنه. حاول معها مرة تلو مرة ولكن بلا جدوى، فاستشاط غضباً وغادر الخيمة وأخذ حصانه وانطلق به في الصحراء لعله يهدأ. أما في القاهرة. -آدم استنى باباك هيصلي الضحى ويروح معاك الشركة، هو قالي خلي آدم يستناني.

-تم يا أمي، أنا فايت عال مكتب أشوف شيء عاللابتوب لحين ينهي صلاته. دلف داخل المكتب وبدأ في مراسلة بعض الشركات ومتابعة التطورات. وفي هذه الأثناء سمع صوت يحيي يصيح في الخارج: -مرات عمي أنا جعااان وعايز من إيدك العجة اللي بعشقها ومعاها المخلل بتاعك وياسلام على كباية شاي مظبوطة جنبهم. -من عنيا يا حبيبي. -تسلم عيونك يا أحن وأطيب ست في الدنيا. قالها واقترب منها يقبل جبينها. وهمس لها ممازحاً:

-أنا مش عارف ليه ما جبتيش بنت شبهك كده كنت اتجوزتها وبقت نصيبي الحلو من الدنيا! -هههه معلش بقى نصيب وربنا ما أراد لي يكون لي بنت مع أني كنت أتمنى. -وأنا كمان والله كنت أتمنى. قاطعهم آدم وهو يقول بصوت عالٍ: -أشوف وصلة الغزل طولت، بس أبوي يتشطر علي وقت تحكي لي كلمة حلوة! وهنا رد عليه أبوه الذي خرج من الغرفة بعد أن أنهى صلاته:

-لا بقولك إيه يا حبيبي إنت وهو، إلا مراتي أديني بقولكم اهو، اتجوزوا وكل واحد فيكم يجيب له وحدة يغازلها طالما بتحبوا الغزل. إنما مراتي ليا أنا وبس. قالها واقترب منها يقبل جبينها ويدها، فتبسمت عايده وهي تشعر بأنها أميرة وسط ثلاث ملوك ويتقاتلون على محبتها. وغادرت على الفور تعد طعام الإفطار لمدحت الذي تزداد محبته في قلبها يوماً عن يوم دوناً عن عائلته، وخاصة منذ أن عاد آدم وأصبح الاثنان مثل الإخوة.

تناول مدحت الإفطار، وهموا جميعاً بالمغادرة، ولم تنسى عايده أن ترسل معهم صندوق الطعام البلاستيكي المليء بكل ما هو شهي ولذيذ من صنع يدها، والذي تمضي أغلب الليل تعده بمحبة ونفس راضية لأحبتها. فاحتضنه مدحت وتولى هو مهمة حمله ورعايته حتى مقر الشركة. وهناك سيكون تحت ناظريه حتى يحين موعد الغداء. مر يومان. ساءت فيهما حالة رجوه كثيراً، بلا طعام أو شراب، وأصبحت على حافة الموت.

أما سالم فامتنع مثلها عن تناول الطعام، وأقسم ألا ينزل جوفه الزاد قبل أن ينزل جوفها. وإن كان الموت هو قرارها، فليذهب معها أينما قررت الذهاب، فلا حياة بعدها تطيب ولا للعمر قيمة. وصل الخبر بالتأكيد للشيخة عوالي. حاولت مع رجوه مرة باللين ومرات بالشدة ولم تجد أية نتيجة لا لهذا ولا لذاك. فكانت تطلب من مايزه أن تنقط لها بضع قطرات من الزيت في فمها من حين لآخر، حتى لا يجف حلقها ويتشقق.

أما صياح وعائلته فكانوا أشد الناس حزناً على رجوه وحالها. ليس حباً فيها وإنما حرصاً على أحلامهم التي بنوها على هذه الزواج ويبدو أنها لن تتحقق. أما مكاسب فلأول مرة يرق قلبها على ابنتها وهي تراها تموت أمامها. دخلت عليها الخيمة واقتربت منها وجلست بجوارها، وهمست لها وهي تمسد على شعرها: -طول عمري يا رجوه أسب فيك وماراضية عن أفعالك، بس للحق كنت من جواتي أغار منك وفرحانة بيك.

أغار لأنك أخذتي حرية ما طولت أنا ربعها، وعشق سالم لك العشق اللي يخلي أي وحدة من نساء القبيلة وأي قبيلة تحسدك عليه، حتى أمك. أمك اللي قضت طول عمرها تجري ورا أبوك وتحاول بكل حيلها وقوتها تخليه بخيمتها وتضل حلوة بعيونه وما يعوفها مثل الخيمة المهجورة بس تلفها الرياح. سالم كان يتوجك ملكة على كل نساء القبيلة بمحبته، وما كنتي مضطرة تقيدي أصابعك شموع ليرضى عنك. كان القليل منك راح يخليه ممنون.

بس لأنك غبية ضيعتي كل المحبة ورمحتي ورا السراب، السراب اللي حطك على طريق الموت يا رجوه. يا خسارة وألف خسارة، كنت أشوفك بالجايات فوق جريد النخل عالية، بس إنت اخترتي تكوني تحت الرمال مدفونة ومنسية. نظرت رجوه لها بضعف. فليس هذا ما توقعته منها، وكالعادة خلفت توقعها. كانت تمني نفسها بضمة منها واستعدت لها بكل جوارحها حين جلست بجوارها، ولكن قسوتها غلبت أمومتها مجدداً.

وغادرت مكاسب خيمة رجوه بعد أن أتت تخبرها بأنها غبية وضيعت نفسها. فاغمضت رجوه عينيها ورغبتها في مفارقة الحياة صارت أقوى من بعد لقاء أمها. وحتى أبيها الذي لم يأت لرؤيتها ولو لمرة واحدة وهو يعلم حاله حال الجميع بأنها تحتضر. وحتى هلال يسأل عنها من بعيد ولم يقترب. أما معزوزه فكانت تتعذب ولا تملك عليها حيلة، حالها حال سالم.

ولكن الفرق أن معزوزه يرغمها رابح على تناول الطعام بالقوة من أجل الطفل الذي داخلها، ومن أجلها هي أيضاً. أما سالم فأنتهت معه كل حلول الأرض على يد مزيونه، واستسلمت تنتظر حلول السماء تنتشله مما هو فيه، لدرجة أنها ذهبت لرجوه بنفسها داخل خيمتها وحاولت معها أن تأكل، فقط لأجله. في القاهرة. استيقظ مدحت على هزات من يد أحدهم، وكانت أمه تقف فوق رأسه. اعتدل وسألها وهو يفرك وجهه: -صباح الخير يا أمي، خير فيه حاجة ولا إيه؟

حضرتك مصحيني بدري عن ميعادي بساعة ليه؟ -مصحياك عشان أقولك متروحش الشركة عند عمك وابنه النهارده أنا عايزاك توصلني البلد، خالك تعبان وعايزة أروح أزوره. -هو خالي ده مش من فترة قالوا إنه مات باين ورحتي البلد تعزي فيه؟ -لا كان تعبان تعب جامد مماتش. المهم متخرجش من البيت النهارده ولا تروح الشركة. غادرت الغرفة وظل هو يراقبها بعينيه وقد تولد في قلبه تيار من الخوف.

شعر بأن أمه تدبر لشيء واليوم ستنفذ، وهو لن يسمح لها بذلك أبداً. نهض وتحمم وارتدى ملابسه وخرج عليها، فهبت صارخة حين رأته: -أنا قلت إيه ولا كلامي ما بيتسمعش؟ فرد عليها وهو يجلس على طاولة الطعام: -مش رايح الشركة بس ورايا مشوار مهم هروح لواحد صاحبي في محافظة تانية، فرحه النهارده وكان داعيني وناسي، هرجع على بالليل خلي ياسين يوصلك أو بابا.

-صمتت قليلاً وهي تراقبه يتناول طعامه وقد تأكدت بذلك أنه لن يذهب بالفعل، فهو كف عن تناول الطعام في المنزل نهائياً منذ عمله في شركة عمه. وقالت له بنبرة يغلفها الهدوء: -ماشي بس خلي بالك من نفسك، هاخد أبوك معايا ياسين مش فاضي. تلفت مدحت حوله وأردف: -هي كارمن فين؟ -بايته عند صحبتها ساره من امبارح. تغيرت ملامح مدحت وترك الطعام من يده ونظر لها وتحدث بغضب:

-أنا مش سبق ونبهت عليها قدامكم متباتش مع البنت دي ولا حتى تصاحبها واني مرتحتلهاش من ساعة ما شفتها؟ -البنت كويسة بطل أوهام، إنت بس اللي بتفكر بعقلية رجعية متخلفة. خرج يحيي من غرفته على أصواتهم وقد سمع كل ما قيل. فنظر لمدحت وقال له محاولاً إنهاء هذا الجدال الصباحي: -ملكش دعوة بأختك يا مدحت، وطالما أنا عايش محدش يقولها تروح فين ومتروحش فين غيري. -ماشي بس كمان وقت ما تحصل حاجة محدش هيكون عليه لوم غيرك يا بابا.

بعد إذنكم أنا ماشي يا دوب الحق أشوف لي مواصلة. خرج ونظرت عايده ليحيي وأردفت: -النهارده هنخلص من آدم وهندق أول مسمار في نعش عيلة أخوك كلها يا يحيي، استعد. -مستعد وجاهز لكل حاجة. غادر مدحت المنزل وتوجه للشركة مباشرة، فقد قرر أن يؤمنها جيداً. وأعطى خبراً لرجال الأمن أن ينتبهوا جيداً اليوم. وهاتف آدم واخبره بأن ينتبه لنفسه في الطريق. ومكالمته أثارت الشكوك والخوف في نفس آدم، فرفض مرافقة أبيه له اليوم وتحجج بأن العمل قليل.

وأوصاه هو وأمه بعدم مغادرة القصر. وهاتف شركة الأمن التي تأخرت كثيراً في مهاتفتها بأن ترسل له أربعة حراس على القصر وأعطاهم العنوان. وغادر القصر وهو متوخي الحذر وعينيه كعيون عقاب تراقب كل صغيرة وكبيرة في طريقه، إلى أن وصل الشركة. أخبره مدحت بأن اليوم من المحتمل أن تكون هناك مؤامرة ضده وستنفذ. ولم يصرح أكثر، فعرف آدم بأن المؤامرة من عمه وزوجته ومدحت في موقف لا يحسد عليه.

انقضت الساعات سريعاً وقد اطمأن الاثنان بأن ليس هناك أية خطر، وأن مدحت كان متوهماً ليس أكثر. فانكب آدم على بعض الأوراق ينهيها. أما مدحت فلم يتحمل أكثر، لقد كان جائعاً وزوجة عمه كالعادة أعدت ما لذ وطاب. وهو لم يتناول فطوره جيداً، فنادى عامل البوفيه وطلب منه تسخين الطعام. فنفذ العامل وعاد بالطعام مسخن. فتح مدحت الصندوق وبدأ في تناول الطعام دون انتظار آدم.

وما كاد ينتهي منه حتى شعر بألم غريب وشديد في بطنه، وكأن أمعائه تذوب. أمسك بطنه ونظر لآدم وهمس له بوجع: -آدم إلحقني بطني بتتقطع. رفع آدم رأسه فوجد مدحت في حالة يرثى لها، يتألم ويتلوى، فأسرع إليه يس

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...