تحميل رواية عقيق إلدورادو بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جربت قبل كده تصحى من نومك تلاقي نفسك في عالم مختلف؟ الوقت فيه غير الوقت في عالمنا. والزمن بيمر فيه بشكل مختلف عننا. الناس فيه غريبة. وتقاليدهم أغرب. جربت قبل كده تعيش حياة مش حياتك؟ أنا ضي القمر، ودي حكايتي... انتهت أخيرًا من ترتيب كل حاجاتها في الشنط والكراتين، بتستعد للانتقال اخيرًا بعد ما قضت اكتر من عشرين سنة من عمرها في قلب الشقة دي. عاشت فيها طفولتها ومراهقتها وشبابها، كانت واقفة بتتأمل معالمها بعيونها الخضرا الواسعة اللي كانت بتلمع بحزن واضح، رابطة شعرها البني على شكل كعكة مشعثة، ملابسها...
رواية عقيق إلدورادو الفصل الأول 1 - بقلم منة ممدوح
جربت قبل كده تصحى من نومك تلاقي نفسك في عالم مختلف؟
الوقت فيه غير الوقت في عالمنا.
والزمن بيمر فيه بشكل مختلف عننا.
الناس فيه غريبة.
وتقاليدهم أغرب.
جربت قبل كده تعيش حياة مش حياتك؟
أنا ضي القمر، ودي حكايتي...
انتهت أخيرًا من ترتيب كل حاجاتها في الشنط والكراتين، بتستعد للانتقال اخيرًا بعد ما قضت اكتر من عشرين سنة من عمرها في قلب الشقة دي. عاشت فيها طفولتها ومراهقتها وشبابها، كانت واقفة بتتأمل معالمها بعيونها الخضرا الواسعة اللي كانت بتلمع بحزن واضح، رابطة شعرها البني على شكل كعكة مشعثة، ملابسها كان طاغي عليها اللون الاسود.
بالفعل ده معداش عشر أيام على وفاة والدتها اللي كانت كل حياتها تقريبًا من بعد موت والدها وهي في سن صغير، فجأة ومن غير مقدمات لقت نفسها لوحدها بطولها في مكان بعيد من غير أهل أو سند أو عيلة تكون واقفة في ضهرها.
هتشكر ربنا إن لسة فاضلها من عيلتها جدتها مامت والدتها، من غيرها كانت هتبقى وحيدة تمامًا.
رغم إن وجودها مش هيعوض غياب مامتها وباباها اللي كان غيابهم قاسي عليها بشكل رهيب، مسحت بسرعة بضهر كفها قطرة من الدموع خانتها ونزلت على وشها، ورفعت وشها لسقف الشقة وهي بتحاول تاخد نفس تقدر تتمالك بيه نفسه.
لازم تحارب في الدنيا دي لوحدها، وبمساعدة جدتها اللي مبقاش ليها غيرها بعد ما أهل باباها رموا طوبتها من زمان.
"إحنا خلصنا يا آنسة ضي. فاضل بس الكراتين اللي هنا ننقلهم، تقدري تتفضلي أنتِ وعلى بال ما توصلي البلد هنكون وراك."
تلفتت على صوت واحد من العمال اللي واقفين وراها، هزت راسها وهي ضامة شفايفها مع ابتسامة خفيفة وقالت.
"تمام."
"ياريت حد ينزلي شنطة هدومي وحاجتي عشان مقدرش اتحرك من غيرهم."
هز العامل راسه بسرعة.
"أكيد. تحت أمرك."
رمت نظرة أخيرة للشقة وهي بتستنشق ريحتها لآخر مرة، وبعدها اتحركت لتحت وهي بتقاوم دموعها.
كان احساس صعب عليها، قضت طفولتها ومراهقتها هنا.
كل ذكرياتها مع باباها ومامتها.
مكانتش تتخيل إن الدنيا هتكون قاسية عليها بالشكل ده.
غربة حاسة بيها وبتزيد في قلبها كل ما بتفكر إن خلاص مش هتشوف حد فيهم تاني.
كل الوقت ده بتحاول تشغل دماغها على قد ما تقدر.
التفكير هيقودها للجنون قريب!
سرعت من خطواتها لحد ما وصلت للشارع، كانت شايفة عربية نقل كبيرة العمال بينقلوا فيها عزال الشقة، ووراها كان تاكسي هيقلها للبلد اللي عايشة فيها جدتها.
ركبته واستنت لحد ما العمال نزلولها شنطها وحطوها في شنطة العربية، وبعدين اتحرك السواق بيها للمكان المنشود اللي راحته لعدد مرات قليلة.
الطريق خد منهم ٣ ساعات تقريبًا، لحد ما لقت نفسها في مدخل قرية ريفية، كان المنظر قدامها بيبعث راحة، الأراضي الخضرا بالمساحات الشاسعة، أشجار النخيل اللي مالية المكان، حست إنها في قلب مسلسل من اللي كانت بتتابعهم.
فتحت شباك العربية في الوقت ده وهي بتغمض عينيها وبتستنشق ريحة الخضرة بعمق، بنسيم الهوا اللي بدأ يكون بارد إلى حد ما بيداعب قسمات وشها، خلاص داخلين على بدايات الشتاء تقريبًا.
فتحت عينيها تراقب الناس اللي ماشيين في الشارع، والفلاحين اللي في قلب الأراضي، الأطفال الصغيرة اللي بتجري وتلعب في الماية اللي بيسقوا منها الأرض، لوهلة حست بدفئ رهيب في المكان عكس الإحساس في المدينة تمامًا.
بعد مدة لقت العربية بتدخل لبيت عتيق بدورين وجنينة صغيرة مليانة نجيلة وورد ونخيل برضه!
نزلت من العربية وهي بتتأمل المكان من حواليها بتقييم، لحد ما ابتسمت بعيون لامعة لما شافت جدتها واقفة على الباب مستنياها.
فتحت دراعتها ليها كنداء لبته هي بسرعة وهي بتجري عليها وضمتها بقوة وهي بتقول.
"وحشتيني يا تيتة. وحشتيني أوي أوي."
طبعت قبلات متفرقة على شعرها وجبينها بحنان وهي بتقول.
"وأنتِ كمان وحشتيني يا ضي عين تيتة. الدار نور بيك."
بعدت عنها وهي بتتأمل ملامحها اللي كانت تشبه لحد كبيرة ملامح والدتها، حتى هي نفسها ورثت لون العيون منها.
هي بالفعل كانت معاها من اسبوع لحد ما قررت ترجع البلد ولكن احساس إن مفيش غيرها في عيلتها مخليها متمسكة بيها واقنعتها تيجي تعيش معاها.
جذبتها جدتها لجوا وهي بتقول.
"تعالي يا ضي عيني، عاملالك محشي ورق عنب وفراخ بلدي يرموا عضمك. بقيتي هفتانة كده ليه!"
ضحكت ضي وهي بتدخل معاها وبتتأمل البيت اللي كانت عتيق ولكن جواها دفيء بشكل.
من البيوت القديمة اللي بتبعث الراحة.
فاقت على صوت جدتها لما قالت.
"هتلاقي أوضتك اللي جمب السلم على طول فوق، اطلعي خديلك دش وغيري هدومك على بال ما أجهز الطبلية."
هزتلها راسها وخدت شنطتها الصغيرة اللي كانت حاطة فيها أعداد قليلة من الملابس وطلعت على فوق.
كانت سلالم البيت من الخشب العتيق بيصدر صوت وهي طالعة لوهلة ممكن تبعث شعور إن السلالم ممكن تقع ولكن كان على العكس تمامًا، اتحركت بحذر وهي بتتفرج على المكان اللي عاجبها لحد كبير.
اتجهت للأوضة اللي جمب السلم، فتحت الباب ولوهلة قابلتها ريحة معطر ورد قوي، ابتسمت بحنية لما شافت قد إيه جدتها تعبت في ترويق الأوضة وتجهيزها علشانها.
اتجهت لباب البلكونة اللي كان في الأوضة وفتحته وهي بتستقبل النسيم القوي، دخلت لجوا وهي بتتأمل مساحات الاراضي الزراعية اللي حواليها، لوهلة لقت نفسها بتمد ايديها وبتفك شعرها عشان يداعبه الهوا، وغمضت عينيها وفتحت إيديها الاتنين وهي بتستنشق الهواء بقوة.
بداية جديدة؟ يمكن...
قضت وقت لطيف مع جدتها اللي كانت بتحاول على قد ما تقدر تعوضها عن الوحدة اللي حاسة بيه.
لوهلة سألت نفسها ليه كانت دايمًا بتتحجج ومبتجيش مع مامتها هنا؟
لوهلة ندمت على الوقت اللي قضته بعيد عنها ورغم ده معاتبتهاش نهائي!
"يلا يا ضي عينيا، اطلعي ناميلك شوية عشان الصبح هاخدك تتمشي في البلد."
هزت راسها وقامت طبعت قبلة على جبهتها وهي بتقول.
"تصبحي على خير يا تيتة."
طبطبت على إيديها وهي بتقول.
"وأنتِ من أهله يا ضي عيني."
اتسعت ابتسامتها ولمعت عينيها، قد إيه اضافتها لاسمها بيديله رونق خاص.
رونق دافئ.
رغم إنها مكانتش بتفضل اسمها دايمًا لإنه غريب.
ويمكن نادر ولكن لوهلة حست إنها حبته بسبب جدتها.
اتمددت على السرير وهي باصة للسقف بشرود، بتعيد كل الأحداث اللي حصلتلها، مدت إيديها والتقطت تليفونها من على الترابيزة جمبها، فتحته وطلعت صورة لمامتها وهي بتتأملها بعيون لامعة، اترقرت عينيها بالدموع اللي خانتها ونزلت غصب عنها وتمتمت.
"وحشتيني أوي يا ماما. محتاجاكي أوي جمبي. الوحدة دي جديدة عليا! ليه سيبتيني بدري كده!"
ضمت الموبايل لصدرها وغمضت عينيها وهي بتبكي، لحد ما راحت في النوم..
"ضي القمر. ضي.. أخيرًا جيتي. أنا مستنيكي من زمان."
صوت ذكوري مبيفارقش أحلامها، بملامح مش واضحة، ولكن كانت هيئته رجولية ضخمة.
راقبت المكان من حواليها، كإنها طايرة في السماء، حواليها سحاب كتير مداري ملامحه عنها ولكن ضوء القمر كان منعكس على عينيها بقوة فمخلي رؤيتها ضبابية، اتوترت وهي بتحاول تميز ملامحه وبتقول.
"أنتَ.. أنتَ مين؟"
بصوته اللي مصاحب بصدى صوت قال.
"أنا قدرك يا ضي..."
اتململت بضيق من نومها على أشعة الشمس القوية اللي استقرت على وشها مع صوت جدتها.
"يلا يا ضي كفاية كسل. قومي الفطار هيبرد."
فتحت عينيها بكسل وراقبت جدتها اللي بتشيل الستاير من على بلكونة اوضتها وفتحت بابها يدخل الهواء عشان يجدد جو الأوضة.
اتعدلت بتكاسل وهي بتتمطع وبتقول.
"صباح الخير يا تيتة."
اتحركت للباب وهي بتقول.
"صباح النور يا ضي عيني. قومي يلا اغسلي وشك واجهزي. يا دوب نفطر ونخرج."
"حاضر."
قالتها وهي بتشيل الغطاء من عليها وبتتجه للحمام، في حين خرجت جدتها من الأوضة عشان تجهز الأطباق.
نزلت بعد مدة قليلة واتجهت لجدتها اللي كانت في المطبخ، قربت منها وطبعت قبلة على راسها وهي بتقول.
"تعباكي معايا يا تيتة من ساعة ما جيت."
ابتسمتلها وهي بتديها الأطباق عشان تحطها على الطبلية الصغيرة اللي في الصالة وقالت.
"تعبك راحة يا ضي عيني. أنا عندي كام ضي برضه! ده أنتِ اللي باقيالي من ريحة امك الغالية!"
اتنهدت بحزن وقعدت على الأرض بعد ما جهزوا الأطباق، راقبت جدتها ملامحها اللي اتبدلت بآسى، وتمتمت.
"كانت بتحبك اوي يا ضي. متعرفيش عافرت قد إيه عشان أنتِ بس تيجي للدنيا."
نكست راسها وهي بتغمض عينيها بألم، فكملت جدتها وهي بترجع بذاكرتها.
"راحت لبدل الدكتور عشرة، لحد ما عرفت بوجودك جواها بعد ٧ سنين، وقتها استحملت ألم الإبر اللي خدتها طول فترة حملها فيكي عشان بس تشيلك بين إيديها وتسمع كلمة ماما منك. وقتها لما شرفتي قررت تسميكي ضي القمر عشان أنتِ اللي نورتي حياتها بعد سبع سنين قضتهم في ضلمة."
نهت كلامها بابتسامة دافية بتتأمل ملامحها، نزلت دمعة من عيون ضي مسحتها بسرعة بطرف إيديها، وتمتمت بصوت متحشرج.
"ربنا يرحمها..."
آمنت جدتها على دعاها، وابتدوا يفطروا رغم عدم رغبتهم، ولكن ضي كانت بتحاول متزعلهاش على قد ما تقدر، كفاية المجهود اللي بتعمله من ساعة ما جت عشان تسعدها ومتحسسهاش بالوحدة.
بعد ما انتهوا خدتها جدتها واتمشوا في البلد اللي كانت صغيرة مش كبيرة كعادة قرى الأرياف، كانت بتتأمل الأرضي من حواليها اللي بتتجول وسطهم، من حين لآخر بتقطف فراولة تاكلها رغم توبيخ جدتها عن كونها مرشوشة ومحتاجة تتغسل.
ولكن كانت بتعاندها وهي بتاكلها وبترفعلها حواجبها بعبث فتتنهد التانية باستسلام.
قعدت على طرف ساقية الماية اللي بتروي الأرض وهي شايفة جدتها بتقطف خضرة من بعيد، اتنهدت بعمق وهي بتمد إيديها للماية اللي كانت باردة بشكل ملحوظ ورشت شوية منها على وشها، لازم تتقبل قدرها، هي بقت هنا وانتهى الأمر..
كانت قاعدة في البلكونة على الكرسي وهي ضامة رجليها لصدرها ومحاوطاها، شاردة في الأجواء المظلمة من حواليها إلا من عواميد إنارة وضوء القمر اللي كان بدر ونوره قوي.
تعدلت بسرعة لما سمعت صوت طرقات خفيفة وبعدها الباب اتفتح، ابتسمت واتحركت لجوا لما شافت جدتها بتقرب منها وبين إيديها صندوق عتيق مقفول بقفلات.
نقلت نظراتها بين جدتها وبين الصندوق بفضول، فقعدت جدتها على السرير وحطت الصندوق قدامها، وبعدين طبطبت بإيديها على طرف السرير فاتجهت ضي بسرعة وقعدت مكان ما شاورتلها.
طلعت جدتها مفتاح صغير كانت عاملاه سلسلة ولابساها في رقبتها، وابتدت تتكلم وهي بتفتح الصندوق.
"من أيام جدة أمي والصندوق ده موجود. تقدري تقولي تراث بتتنقله الأجيال، جدة أمي سلمته لأم أمي، وبعدين خدتها أمي، وبعدها وقع في إيدي، بس ملحقتش أديه لمامتك للأسف. يمكن اتأخرت أو يمكن نسيت، بس جه الوقت أسلمك أنا التراث اللي ملحقتش أديه لوالدتك."
لمعت عيون ضي بالدموع، ففتحت جدتها الصندوق اللي كان جواه مراية عتيقة مرصعة بالأحجار الكريمة وحوافها مصنوعة من الدهب، ومعاها سلسلة غريبة بحجر داكن شكله ملفت، أخدت السلسة من بين إيدين جدتها وهي بتبص للحجر بتعجب، كان موشوم جواه رمز غريب مش مفهوم ولكن شكلها كان جميل لدرجة أعجبتها، اتكلمت جدتها في الوقت ده وقالت.
"تبان إنها غالية كقيمة مادية، ولكن بالنسبالنا كان أهم حاجة قيمتها المعنوية، إنها ذكرى من ستات عيلتنا، سواء أنا أو والدتي كنا بنخاف نلبسها لتضيع مننا وسط شغل الأراضي هنا، فكان كفاية علينا إننا نستلمها وتفضل معانا بس، كان أساسها إننا أخيرًا خدنا ميراثنا العتيق. وأنتِ كمان مش واجب عليكي تلبسيها لو مش حباها، ولكن كفاية إنك خلاص ورثتي تراثنا."
ابتسمتلها ضي بسعادة وهي بتنقل نظراتها بين السلسة وبين جدتها اللي رفعت إيديها وطبطت على رجل ضي وهي بتقول بحنان.
"تصبحي على خير يا ضي عيني."
قالتها وسابتها وخرجت من الأوضة بخطوات بطيئة تليق على سنها، فضلت ضي تتأمل في السلسلة والمراية، قد إيه احساس إنها تمسك حاجة بقالها سنين طويلة جميل بشكل!
سابت المراية وخدت السلسلة واتجهت لمراية أوضتها الكبيرة ووقفت قصادها وهي ماسكة السلسلة، ورغم عنها لقت نفسها بتلبسها ووقفت تملس عليها وهي مزينة رقبتها وتتأمل انعكاسها في المراية، ولكن مخدتش بالها من العلامة الغريبة اللي في حجر السلسلة، واللي ومضت بشكل غريب بمجرد ما حطته على رقبتها، وكإنه لقى الشخص المنشود!
ابتسمت بسعادة وراحت حطت المراية في الصندوق وقفلته بالمفتاح وحطته على الترابيزة جمبها، واتمددت على السرير وهي بتملس على حجر السلسلة اللي كان لونه مختلف لحد ما غلبها النوم بعمق....
رمشت كذه مرة عشان تحاول تتعود على الضوء القوي اللي ضرب عينها لحد ما قدرت تفتحها، كشرت باستغراب وهي شايفة السماء في وشها فتمتمت بتعجب.
"أنا نمت في البلكونة ولا إيه!"
اتعدلت وهي بتدعك عيونها بارهاق، سرعان ما اتجمدت تمامًا أول ما شالت إيديها وهي بتراقب المكان من حواليها باستغراب، أرض مليانة عشب باللون الوردي واسعة جدًا ومهولة من غير حدود تبين نهايتها، ولكنها كانت فاضية وخالية من الناس، اتوسعت عينيها بدهشة بعد ما أدركت إن دي عمرها ما هتكون القرية.
تلفتت حواليها وظهر على ملامحها الهلع وهي بتقول.
"أنا... أنا فين؟!"
اتحاملت على نفسها وقامت وفضلت تمشي وهي مش عارفة هي راحة فين، مش قادرة تستوعب المكان اللي هي فيه، المكان على قد ما شكله جميل ولكنه مهيب في نفس الوقت، شافت سور من بعيد كإنها قلعة تشبه للأفلام القديمة اللي كانت بتشوفها، ولكن السور ده كان باللون الدهبي كإنه مصنوع من الدهب الخالص، اتحركت ببطء لحد ما ابتدت تشوف الكلام المكتوب على حجر كبير.
"مملكة إل دورادو!"
تمتمت اللي مكتوب وهي بترمش كذه مرة بدهشة، وكملت.
"مملكة إيه؟ أنا بحلم ولا إيه؟! إيه اللي بيحصل ده!!"
اتحركت بخطوات مترددة لجوا المملكة، لوهلة شافت الناس اللي كانوا بملابس غريبة عن عالمها، واللي كانوا بيتأملوها بنظرات متفحصة وكأنهم عارفين إنها غريبة خاصة بملابسها اللي أول مرة يشوفوها.
كانت بداية المملكة سوق على طول الشارع الطويل بياعينها بيهتفوا بصوت عالي عشان يجذبوا الناس، سجاد وأقمشة، خضار وطيور وحيوانات، تقريبًا كل حاجة موجودة، كانت بتبصلهم بدهشة وبعيون متسعة، ركنت على جنب بهلع لما سمعت صوت بيؤمرها تبعد، وجهت أنظارها ليه فلقته شخص متحرك بعربية عتيقة بحصان تشبه للي كانت موجودة زمان.
رمشت كذه مرة وهي بتكمل حركة وبتتعمق أكتر لجوا، الشوارع بتوسع أكتر وابتدت المملكة تظهر أكتر، كان شكلها مهيب، لحد ما وصلت لمكان يشبه الميدان واتحول السوق لمحلات راقية صغيرة مختلفة عن البي في عالمنا.
اتحركت لحد ما لقت نفسها قصاد نافورة ضخمة عليها علامة حست إنها شافتها قبل كده.
شهقت بدهشة ورفعت إيديها ومسكت السلسلة اللي كانت لسة على رقبتها، رفعت الحجر الكريم قصاد عينيها وللدهشة... كانت نفس العلامة!
اتنفضت وهي بتسيب السلسة برعب لما لقت العلامة اللي في حجر بتومض بألوان مختلفة ومعاها العلامة اللي موجودة على النافورة، اتراجعت بهلع لدرجة إنها اتكعبلت في حجر ووقعت على ضهرها، اتحاملت على نفسها واتعدلت لحد ما وقفت مكانها وسط الزحمة والصوت العالي وهي مش مستوعبة أي حاجة من اللي بتحصل، حاسة إنها بتحلم أو وقعت على دماغها، المظهر اللي قدامها مشافتهوش غير أيام ما كانت بتسمع مسلسل حريم السلطان!
وقفت وهي بتلف حوالين نفسها بتنقل نظراتها على المكان اللي كان غريب ومجهول بالنسبالها، حطت إيديها على دماغها اللي كانت بتدور، صداع رهيب وألم عنيف اتملك منها من الدوشة والربكة والهلع اللي حاسة بيه، محستش بنفسها غير وهي واقعة على الأرض وغايبة عن الوعي تمامًا....
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثاني 2 - بقلم منة ممدوح
الحراس لقوها مغمى عليها في الميدان يا سمو الأمير.
قالتها الحكيمة اللي كانت مسئولة عن ضي وهي واقفة ناكسة راسها باحترام وقلق. كانت واقفة قصاد الأمير بدر، الأمير والوريث الشرعي الوحيد لمملكة إل دورادو. كان واقف وهو بيتابعها بعيونه البنية، في حين ضامم إيديه الاتنين ورا ضهره. لابس الملابس الملكية المعتادة، بنطلون قماش واسع وعليه قميص مزين بقطع من الأحجار الكريمة وعلى ضهره وشاح باللون الأحمر بيزينه رمز المملكة المعروف. ضامم حواجبه وهو بيتأمل الغايبة عن الوعي تمامًا ومستلقية على السرير قدامهم.
سكت شوية وبعدين قال:
محدش عرف عنها حاجة؟
هزت راسها وردت من غير ما ترفع عينها ليه:
لأ يا مولاي. محدش عارف عنها حاجة. دي غير هدومها الغريبة اللي محدش قدر يميز هي من أنهي مملكة.
هز رأسه بتفهم وقال وهو بيقرب من ضي:
هتفوق امتى؟
ردت بسرعة:
شوية وهتفوق يا مولاي.
شاور ليها بإيده فخرجت بسرعة بعد ما انحنت باحترام. وقف هو يتأمل في ملامحها اللي كانت مألوفة ليه بشكل كبير لدرجة إنه عبس بضيق رهيب. شاف سلسلة متدارية تحت هدومها الغريبة بالنسباله فمد إيده بتردد عشان يطلعها وملامحه اتملت بالفضول. لوهلة اتملت عينيه بالدهشة واتوسعت وهو بيتأمل السلسلة. بالفعل هي مألوفة ليه مكانش مجرد إحساس.
فتحت عيونها في الوقت ده ووقعت عينيها عليه. كان بالنسبالها شاب غريب ولكن وسيم وملامحه غير معتادة تمامًا، بشعره الفاتح الطويل اللي نازل على عينيه لإنه كان مميل عليها، وعيونه الحادة الضيقة. رفع عينيه ليها واتجمد لما اتقابلت نظراته مع عيونها الواسعة اللي سحرته بشكل ملحوظ. حست هي بقبضته على السلسلة فاتنفضت وهي بتزقه وبتصرخ:
حـرامـي!
حاول يهديها ولكنها مديتوش فرصة وانتفضت من على السرير وهي بتكمل:
الحقونــي! حرامـي!
من الصدمة مكانش عارف يتصرف ازاي، فقرب منها وهو بيحاول يكتفها عشان يهديها فزقته وهي بتصرخ:
اوعى ياض حرامي! الحقوني الله يخريبيت اهلك أنا لسة واخدة السلسلة تقوم تاني يوم تتسرق. إيدك ياض الحقونـ....
كتم باقي صراخها وهو بيكمم بوقها بإيديه، وثبت حركة جسمها بالإيد التانية. حاولت تتملص منه ولكنها اتنفضت لما زعق في وشها:
اخرسي بقى!
جفلت وهي بتبصله برعب وعيونها متسعة بهلع. كانت ملامحه غضبانه ومنزعجة بشكل كبير، فاتكلم من بين أسنانه بتحذير:
لو فتحتي بوقك بصوتك اللي عامل زي صوت صورصار الحقل ده هدفنك مكانك هنا. فاهمة ولا لأ؟
هزت رأسها برعب لما لاحظت وجومه ونبرة صوته اللي مكانش فيها أي هزار. في الوقت ده اتفتح الباب ودخل الملك اللي كان يشبه بدر لحد كبير ولكن كان باختلاف شعره الابيض والتاج الضخم اللي على راسه واللي كان مصنوع من الدهب الخالص ومرصع بأحجار كريمة حجمها كبير. بِعد بدر بسرعة عنها وانحنى وهو بيقول:
جلالة الملك..
شافها باصة لحركته بتعجب، فمد إيده ومسك راسها وخلاها تنحني غصب عنها وسط اعتراضها. أما الملك فاتجمد تمامًا لما شافها، لوهلة لقى نفسه بيرجع سنين لورا، عيونه لمعت بحنين، وقرب منها وهي بيتأمل في ملامحها عن قرب وتمتم:
عقيــق!
عقدت حواجبها وسألت ببلاهة:
مين؟
كانت الدهشة بتزيد على ملامحه كل ما بيزيد تأملًا فيها، وهمس:
عقيق. دي أنتِ؟!
نقلت نظراتها بينه وبين بدر باستغراب ورددت:
عقيق مين؟ وأنا فين؟ وأنتوا مين؟ وإيه جو حريم السلطان ده. وأنتوا لابسين ملايات على كتفكوا ليه؟!
لكزها بدر بحدة فصاحت متألمة وهي بتقول بضيق:
إيدك يا زفت. يعني حرامي وإيدك طويلة كمان!
جز على أسنانه بغضب رهيب، فبلعت ريقها وهي بتبسمله بسخافة. هنا عقد الملك حواجبه وسأل:
إن مكنتيش عقيـق. فأنتِ مين؟
ردت بتلقائية:
أنا ضي عادي. أنتوا بس اللي شكلكوا هربانين من مصحة. يا إما أنا اللي طبّقت على مسلسل هندي لحد ما دماغي اتلحست. كل اللي اعرفه إني لازم امشي من لوكشين تصوير جودا أكبر ده.
قالتها وهي بتتجه لبرا، اتجمدت إيديها على أكرة الباب لما سمعت صوت بدر من وراها بحدة:
استني عندك!
بلعت ريقها بارتباك واتلفتت ليهم بحذر. قرب بدر منها ومسك السلسلة وهو بيقول:
دي كانت معاها وقت ما كانت غايبة عن الوعي في الميدان يا جلالة الملك.
اتحرك الملك بسرعة ومسكها بين إيديه وسط تعجب ضي وقال:
مش ممكـن. دي سلسلة عقيق!
نقل نظراته بين السلسلة وابنه بدهشة. وبعدين وجه كلامه ليها وهو بيقول:
أنتِ جيبتي السلسلة دي منين؟
مطت شفايفها وهي بتقول:
لا دي حكاية طويلة. جدة ام جدتي كانت معاها السلسلة دي و....
قاطعها الملك وهو بيقول:
عقيق....
زفرت أنفاسها بضيق وقالت وهي بتجذب السلسلة من بين إيديه:
وربنا ما اعرف إيه عقيق اللي فلقت دماغي بيها دي! وبعدين حد عاقل يسمي عقيق! بقولكوا إيه أنا بدأت ازهق. ارجع للعزبة منين بقى؟
كان الملك في حالة دهشة وهو باصص لابنه، فقرب بدر منه وهو بيقول بضيق:
جلالتك. يمكن هي لصة وسارقة السلسلة.
تمتمت ضي بدهشة واستنكار:
لصة! لصة مين يا حرامي السلاسل. أومال او مكنتش قافشاك وأنتَ بتسرقها من رقبتي وأنا نايمة!
حذرها وهو بيقول من بين أسنانه:
اخرسي.
شاورت بإيديها وهي بتقول بسأم:
يا عم اقعد بالملاية اللي حاطتها على كتفك دي!
اتكلم الملك في الوقت ده:
مش معقولة! دي نسخة طبق الأصل من عقيق. غير السلسلة اللي في رقبتها كمان!
زفر بدر بضيق وقرب منها وهو بيقول:
جدة أم جدتك دي اسمها إيه؟
ردت بسخرية:
جدة أم جدتي؟ أنا معرفتش اسم جدتي نفسها غير وأنا في ساتة ابتدائي. يا راجل اسأل أسئلة معقولة!
ضم بدر قبضة إيده بغيظ شديد وقال من بين أسنانه:
مولاي، أنا صبري بدأ ينفد. هي بتتبع أسلوب ملاوعة ومش عايزة تعترف. أنا بقترح نرميها في الزنزانة لحد ما تعترف بكل اللي تعرفه.
شهقت ضي بقوة وقالت:
نـ إيه يا عينيا؟ أنا قولت برضه إنكوا عالم مخابيل وعايشين أيام السلطان سليمان. بقولكوا إيه أنا جيبت أخري. هفوق من أم الحلم المتخلف ده امتى!! أنا سايبهالكوا وماشية..
اتلفتت وفتحت الباب عشان تخرج، ولكن اتجمدت مكانها أول ما لقت الحراس في وشها موجهين السيوف ليها. بلعت ريقها برعب ورجعت قفلت الباب وهي بتقول:
أنا بقول أفضل أحسن لحد ما نحل الموضوع ده. قولتو لي عقيق ده اسم ولد ولا بنت؟
بصلها بدر بجمود لوهلة، وبعدين حرك راسه بقلة حيلة وهو حاطت إيده على وشه بنفاذ صبر، فابتسمت هي ببلاهة.
اتحركت هي ورا الملك بعد ما أمرها تيجي معاه. لقت نفسها رغم عنها بتبص على بدر اللي كان واقف قصاد الأوضة وهو بيبصلها بنظرات قاتمة غريبة. لوهلة حست إنه مبيحبهاش أو مش طايقها ولكن مفهمتش إيه السبب. كانت بتتأمل القصر الملكي من حواليها اللي كان بمساحات مهولة، بتصميم عتيق وأثاث أعتق. حست إنها دخلت في سرداب زمني ورجعت منه للماضي اللي قبل ولادتها بأعوام طويلة جدًا. واللي لاحظته إن في كل جزء من القصر موجود فيه العلامة اللي في سلسلتها واللي شافتها في النافورة اللي في الميدان بتاع المملكة. لاحظت برضه حيطة موجود عليها لوح مرسومة لملوك وملكات المملكة من قديم الزمن لحد الملك الحالي، وكان فيه لوحة موجودة لبدر وتحتها مكتوب ولي العهد ولكن اسمه كان مكتوب بلغة غريبة مقدرتش تميزه.
بالفعل كان حاسة نفسها في أجواء مسلسل من الأجواء اللي حواليها واللي مش قادرة تستوعبها. وأخيرًا وصلوا للغرفة المنشودة. كانت منعزلة وبعيد عن باقي القصر بشكل ملحوظ.
فتح الحارس الباب للملك وهو بينحني باحترام، فبص لـ ضي وشاورلها تيجي وراه ودخل لجوا. وبالفعل اتجهت وراه على طول. سرعان ما اتجمدت مكانها وهي حاسة بخدل في كل جسمها وهي شايفة أوضة فيها عدد قليل من اللوحات الكبيرة المرسومة لواحدة نسخة طبق الأصل منها ولكن الفرق هي الملابس الغريبة اللي كانت لابساها واللي تشبه لملابس المملكة!
اتوسعت عينيها وهي بتتأمل في اللوح اللي حواليها تحت أنظار الملك. قربت من لوحة ووقفت قدامها وهي بتتأمل في ملامحها بدهشة. مدت إيديها تلمسها عشان تتأكد إن دي حقيقة أو حتى إنها مش واقفة قصاد مراية. سمعت صوت الملك من وراها وهو بيقول:
من زمن طويل جدًا اتصنعت سلسلة من السحر، اهداها الملك الأكبر لزوجته تعبيرًا ليه عن حبه الكبير ليها. مرت المملكة بحروب طويلة جدًا، صراع بين الممالك البقاء فيها كان للأقوى. في وقت الثورة والاضطراب وعدم الاستقرار اللي كان في المملكة، السلسلة دي اختفت وسط الدمار اللي حصل. وقتها في ناس قالوا إن الساحر رماها في البحيرة واختفى. وبعدها ظهر كاهن قال إن سحر السلسلة بيلاقي صاحبة نصيبها وصاحبة نصيبها هي الملكة المنتظرة!
وفي وقت من الأوقات أول ما استلمت الحكم، ظهرت واحدة فجأة في طريقي، كانت تايهة وحاسة هي مش عارفة هي فين، بتتلفت حوالين نفسها زي الضايعة ومش لاقية وطنها. ولكن كل اللي ميزها هي السلسلة اللي كانت لابساها! وقتها ومن غير تردد عرفت إن هي دي الملكة. وقعت في حبها من أول نظرة، وهي كمان حبتني. ولكن كانت بتختفي كل فترة وترجع. كنت بحس إن وراها سر غريب ولكن محبتش أضغط عليها. كان كفاية عندي إني حققت النبوءة. ويوم جوازنا وتتويجها كملكة، اختفت ومرجعتش تاني لحد يومنا ده. وقتها اتجوزت الملكة زمرد عشان المملكة، وفضلت عايش على أمل إني ألاقيها تاني..
رفعت ضي إيديها تملس على الملامح المرسومة قدامها وهي بتهمس بصدمة:
مستحيـل!
حست بالملك بيتحرك لحد ما وقف وراها وقال:
كانت هي. عقيـق. النسخة المطابقة تمامًا منك!
اتلفتت ليه بملامح مشدوهة، وهي بتهز راسها بالرفض لكل اللي سمعته. ولكن الملك قرب منها وقال بحدة:
إيه صلتك بعقيق؟
هزت راسها وهي حاسة نفسها على وشك الجنون وقالت:
معرفش. أنا معرفش. أنا مش فاهمة حاجة. أنتوا مين؟ وأنا فين؟ أنا كنت نايمة في البلد عند تيتة. أنا مش فاهمة حاجة.. أنا لازم أمشي من هنا، لازم اصحي من الحلم ده!
كشر الملك وقرب منها وهو بيقول:
مش هتمشي من هنا غير لما تقوليلي فين عقيق؟ فين صاحبة السلسلة؟
صرخت ضي في الوقت ده بإنهيار:
معرفش. والله معرف. أنا عايزة ارجع لتيتة.
قالتها وهي بتنهار على الأرض وبتبكي بإنهيار. الوضع اللي هي فيه غريب، حست بتلف أعصابها، يعني إيه تبقى قاعدة في بيتها في ٢٠٢٤ وتلاقي نفسها في عالم غير عالمها في زمن غير زمنها؟!
رفع الملك راسه بشموخ واتكلم بنبرة قوية مفيش جواها رحمة:
ولحد ما تعرفي مكان عقيق، هتفضلي هنا.
خرج من الأوضة وهو بيقفلها وراه بقوة، ووجه كلامه للحراس:
متخلوهاش تخرج من هنا مهما حصل!
انحنوا الحراس باحترام وأخدوا مكانهم على الباب. فضلت ضي مكانها وهي بتتأمل المكان من حواليها. لوهلة حست إنها اتجننت، ولكن الأكيد إنها بتحلم.
"هي نايمة في بيت جدتها على سريرها ولسة بتحلم. هي نايمة في بيت جدتها وعلى سريرها ولسة بتحلم."
فضلت تكرر الجملة دي كذه مرة وهي منكمشة على نفسها في الأرض لحد ما راحت في النوم بعد يوم مجهد بالنسبة ليها ولأعصابها.
خبط بدر على باب جناح والده فسمع صوته بيأذنله بالدخول. فتح الحراس الباب ليه فدخل لجوا. شافه قاعد على مكتب في جناحه، كان مشغول وهو بيكتب بالحبر على ورق. وقف قدامه وانحنى باحترام، فشاورله والده يقعد وبالفعل نفذ طلبه. اتنحنح بدر وقال:
أقدر أعرف هنعمل إيه مع البنت اللي معاها السلسلة؟
ساب الملك اللي في إيده وبصله وهو بيقول:
أنا متأكد إنها ليها صلة بعقيق وممكن توصلنا ليها.
ضم بدر قبضة إيده وظهر عليه الضيق الشديد. حاول يتمالك اعصابه ويتكلم بنبرة هادية وقال:
اعذرني يا مولاي، ولكن البنت دي مش عقيق اللي بتدور عليها. مش عشان الشبه الكبير اللي بينهم يبقى فيه صلة وكمان بتقول إن السلسلة بتاعة جدة والدة جدتها، يعني أكيد عقيق مش كبيرة للدرجة دي!
كان الملك بيبصله بعمق وهو ملاحظ الغضب اللي باين على ابنه، فاتنهد وهو بيقول:
أنا مدرك إنك متضايق عشان والدتك. وحاسس إن عقيق ليها دور في عدم تناغمي معاها. ولكن عقيق هي الأولى يا بدر، ولولا اختفائها كانت هي اللي هتبقى الملكة.
فتح بدر بوقه عشان يتكلم ولكن قاطعه الملك وهو بيقول:
تقدر تتفضل دلوقتي.
ضم شفايفه بضيق ورمى أبوه بنظرة أخيرة قبل ما يخرج من الأوضة. وقف مكانه لوهلة بيحاول يتمالك أعصابه. غمض عينيه بيضغط على جفونه بقوة، وبعدين فتحها مرة واحدة واتحرك لجناح والدته وهو بيحاول يتمالك نفسه على قد ما يقدر. بمجرد ما الحراس شافوه فتحوله الباب بسرعة. دخل لجوا واتبدلت خطواته القوية لتانية متهدلة وهو شايفها نايمة على السرير غايبة عن الوعي زي طبيعتها. بقالها سنين طويلة على نفس الوضع ده، مبتتحركش ومبترجعش لوعيها من وقت ما حاولت الانتحار. وكل ده بسبب... عقيق!
قرب منها وقعد على الكرسي جمبها ومد إيده مسك كفها وضمه لقبضته. وهو بيتأمل ملامحها الساكنة بقهر. من ساعة ما وعي على الدنيا وفيه مشاكل بين والده ووالدته وكل ده بسبب حبه المزعوم للمجهولة عقيق. واللي كلف أقوى الحراسات بإنهم يدوروا عليها.
كانت والدته بتراقب اللي بيحصل ده وهي حاسة بالقهر. كانت بتشحت الحب والمشاعر منه ولكن كان جاف معاها وكإنه بيعاقبها لغياب عقيق! رغم إنها ملهاش أي ذنب ملقتش حل قدامها غير إنها تنتحر وتتخلص من الحياة البائسة اللي متستحقهاش! ومن وقتها وعجزت كل الطرق إنها تفوقها من غيبوبتها.
يُقال إنها شربت سحر يخليها طايفة لوقت متعرفوش. ويُقال إنها اخدت حاجة بقصد الموت ولكن دخلت في غيبوبة بدالها. ولكن كل اللي عارفه إنه عاش طفولته من غير امه. كان محروم منها طول حياته رغم وجودها. وبرضه والده متعظش ومحسش بالذنب، بل ولسة بيدور عليها برضه! مش مراعيه ولا مراعي وجعه من وضع والدته!
رفع إيده ومسح قطرة من الدموع خانته وسالت على وشه، قام وقف ومال ناحيتها طبع قبلة على جبينها وهمس:
أوعدك بحق الحزن اللي عيشيته. هتخلص من عقيق وأي حاجة ممكن توصلنا بيها!
بعد عنها وخرج من الجناح وغير طريقة لمكان الجناح البعيد اللي حطها فيه، عينيه مظلمة، ملامحه متوحشة، وكإنه ناوي على كارثة.
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثالث 3 - بقلم منة ممدوح
ضيضي قومي يلا!
قالها بدر وهو بيهزها بعنف، ولكن خرج صوته هامس عشان محدش ياخد باله من محاولته لتهريبها بعد ما قدر يسرب الحراس اللي واقفين على بابها.
اتململت هي بكسل، واترسمت ابتسامة رقيقة على شفايفها من صوته المألوف ليها.
كانت فاكرة إنها في أحد أحلامها اللي كانت بترافقها كل ليلة بصوته الذكوري وكلامه الغريب كل مرة.
فهمست:
ده أنتَ!
عقد بدر حواجبه بتعجب وهو بيبص حواليه باستغراب. ولكنه أدرك إنها لسة مش في وعيها، فلكزها مرة تانية بطريقة أعنف وهو بيقول بنفاذ صبر:
يا ولي الصابرين! قومي يا ضي اخلصي!
اتعدلت فجأة واتمحت ابتسامتها واتحولت لملامح مذعورة وهي شايفاه قاعد على ركبه قدامها ومش باين من ملامحه غير عينيه الحادة الداكنة اللي منعكس عليها أشعة القمر.
فتراجعت لورا زحفًا وزعقت:
عايز مني إيه؟!
زفر بضيق ورد باستهزاء:
يعني هعوز منك إيه؟ مش عايزة تمشي من هنا؟ يلا هساعدك بشرط مشوفش وشك في المملكة دي تاني، فاهمـة؟
قالها بحدة. فقامت وقفت وهي بتنفض هدومها وبتقول بتريقة:
ده مين المجنون اللي هيعوز ييجي هنا تاني! ده أنتوا كلكوا منخوليا!
ردد بعدم فهم:
مـ إيه؟!
ولكن هز راسه بقلة حيلة وهو بيقول:
أيًا كانهاتي السلسلة دي، ويلا عشان تمشي من هنا.
حطت إيديها على السلسلة وضمتها لصدرها وهي بتقول باستنكار:
لا يا حبيبي! سلسلة إيه اللي تاخدها، أنتَ عايزني أضيع تراث عيلة أمي!
زفر بنفاذ صبر وقال:
خليهالك. عامة أنا لا عايز اشوفك هنا تاني لا أنت ولا عقيق ولا أي حاجة ليها علاقة بالست دي، مفهوم!
قالتها وهي بتسيبه وبتخرج لبرا براس مرفوع بكبرياء:
احسن برضه.
وقف هو يبص على أثرها بذهول. مجنونة؟ بالفعل مفيش تصرف واحد عاقل عملته لحد دلوقتي.
هو مدرك إن وراها سر، ولكن مش مهتم يدور وراها، يكفي إنها تختفي وتبعد عن حياته هي واللي اسمها عقيق!
خرج وراها بسرعة قبل ما حد من الحراس يشوفها. جذبها من دراعها بعنف، وقبل ما تصرخ كان كمم بوقها بإيده وهو بيقول:
بطلي تصرخي لمرة في حياتك. كفاية هنتمسك قبل ما نتحرك خطوة واحدة بسبب صوتك!
هزت راسها كذا مرة برعب، لحد ما دفعته بعنف وهي بتقول بهمس:
إيدك لو لمستني تاني هخليك تروح تدفنها بنفسك.
اتجمت إيده في الهواء وهو بيبصلها بدهشة. ولكنها هزت رأسها بتأكيد على اللي بتقوله.
زفر بقلة حيلة ومشي قدامها بنفاذ صبر وهو بيقاوم إنه يفتك بيها.
كان الجو ضلمة بشكل مرعب. ممرات القصر مش ظاهر منها نور إلا من ضوء القمر اللي مديها شكل مرعب زي أفلام الرعب.
كانت ماشية منكمشة على نفسها وهي بتتلفت حواليها بخوف. اتنفضت بهلع واتشبثت بدراعه المعضل بقوة لما سمعت صوت جاي من الشباك الطويل الازاز اللي باين منه أفرع الشجر العملاقة.
هز بدر راسه بيأس وقال بتريقة:
دي بومة. حد يخاف من بومة؟! خاصة لو من نفس الفصيلة!
سابت إيده وهي بتبصله بدهشة بعد ما استوعبت إهانته وقالت:
أنتَ....
جذبها قبل ما تكمل كلام من إيديها لأحد الأزقة اللي موجودة في القصر وهو حاطت إيده على شفايفها بعد ما حس بحركة قريبة منهم، وشاورلها بإيده إنها تسكت.
كانوا قريبين من بعض بشكل ملحوظ، خاصة المكان اللي واقفين فيه كان ضيق جدًا. فضل هو باصص بطرف عينه بحذر لحد ما شافهم بيبعدو عنهم.
رجع بصلها تاني. ولوهلة حس بنفسه اتجمد قصاد عيونها اللي كانت بتلمع بلونهم المميز بفعل ضوء القمر.
ارتطمت أنفاسهم في الوقت ده بفعل قربهم الكبير. ولكن حست هي بالوضع اللي هما فيه فانتفضت وهي بتبعد عنه وبتحاول تعيد اتزانها تاني.
اتنهد هو بيحاول يتمالك نفسه بعد الاحساس اللي سيطر عليه.
كإنها مألوفة بشكل كبير. مش عشان نفس شكل عقيق، ولكن فيه حاجة حاسسها بتميزها!
عدل خصلات شعره اللي نزلت على وشه، ورجع خرج وهو بيتنحنح.
أما هي فكانت بتحاول تتجنب النظر ليه وهو كذلك.
اتحرك قدامها من غير ما يتكلم أو يقول أي حاجة.
وبعد وقت قليل لقت نفسها قصاد بوابة من قلب سرداب من داخل القصر. فتح الباب بسهولة وبعدين اتعدل وهو بيبصلها وبيقول:
دي كانت نهاية رحلتنا. وزي ما قولتلك أتمنى مشوفكيش هنا تاني، يا ضَـي!
لوهلة لقت نفسها بتبص لعيونه الحادة. من وسط الاضواء الخفيفة حست إنها شافت العيون دي قبل كده. ده غير نبرة الصوت الرجولية المميزة. ولكن في الوقت ده حست بجرحه لكبريائها فقالت براس شامخة:
صدقني، آخر امنياتي إني اشوفك تاني.
ابتسم ابتسامة بزاوية بوقه، وهو بيقول ببرود:
شعور متبادل. يا ضَـي!
كان بيتلذذ باسمها اللي جزء منه ليه شعور خاص عنده.
بادلته الابتسامة، فشاورلها براسه إنها تتحرك.
اتحركت بالفعل وهي بتراقب المكان من حواليها. المكان كان عبارة عن أشجار كبيرة وزرع فقط. رغم الرعب اللي كانت حاسة بيه إلا إنها كانت متمسكة بأملها بإنها تقدر ترجع.
اتلفتت رغمًا عنها وهي بتبصله وهو واقف يراقبها. ولوهلة تمتمت:
معرفتش اسمه إيه. على العموم فرصة سعيدة يا متعجرف أبو ملاية!!
وكإنه حس باللي بتقوله، فابتسم وهو بيراقبها، لحد ما بعدت بشكل ملحوظ عنه. وفلحظات اتبدلت ابتسامته لعبوس، واظلمت نظراته واصبحت ملامح أكثر فتكًا.
وفجأة صرخ:
يا حــراس!
فلحظة جه عدد كبير ناحيته وهما بينحنوا، فبص في أثرها وهو بيقول:
فيه جاسوسة هاربة من القصر. عايزها حية أو ميتة. يـلا!
فلحظات اتحركوا الحراس مكان ما شاور ليهم، كانوا عدد كبير كلهم بيتحركوا بالسيوف والرماح.
أما هو وقف مكانه وتمتم:
سواء أنتِ أو عقيق، كان لازم دي تكون نهايتكم.
كانت ماشية بين الأشجار وهي ضامة نفسها برعب. من حين لآخر بتتنفض لما تسمع صوت للطيور الليلية.
كانت بتقاوم على قد ما تقدر البكا، مش عارفة هي ممكن تروح فين أو تتصرف إزاي، متعرفش حتى طريق الرجوع.
ولكن اللي متأكدة منه إن ده حلم وهينتهي.
كل ده حلم ومجرد خرافات. مفيش عوالم موازية. كلها تراهات!
لوهلة سمعت صوت جلبة حواليها، وقفت مكانها وهي بتبص وراها بتعجب. لحد ما سمعت صوت بيقول:
دوروا عليها هنا. فيه أثار أقدام.
شهقت بهلع وتمتمت:
يا ابن الغدارة!
وفلحظات بقت تجري بأقصى سرعتها، بتقاوم الألم اللي حاسة بيه من أغصن الاشجار اللي بتخبطها في وشها وهي بتجري.
لوهلة شافها واحد من الحراس اللي صرخ بأعلى صوت:
لقيتها!
وفلحظات لقت مجموعة كبيرة من الحراس بيجروا وراها وهما بيصرخوا بإنها تقف.
محستش غير بدموعها اللي مغرقة وشها من الإنهيار والرعب وهي بتصرخ:
يارب لأ، يارب لأ. مش عايزة أموت هنا، يا مـامـا!
وكإن رجليها بتجري من غير إرادتها، متعرفش حتى جابت السرعة دي منين. ولكن كل اللي كانت عارفاه هي إنها لازم تنجو بحياتها ولازم تخرج من العالم الغريب ده.
شافت نور واصلها من آخر الغابة، زودت من سرعتها لحد ما خرجت، لقت نفسها وسط أراضي زراعية مهولة ملهاش آخر.
وقفت مكانها وهي بتبكي وبتتنفس بصوت عالي من المجهود وهي حاسة بالعجز.
ولكن اتنفضت لما سمعت صوتهم من وراها، فابتدت تجري بسرعة كبيرة وهما وراها.
لوهلة انكمشت لما لقت السهام حواليها في كل حتة وهي بتصرخ برعب.
حقيقة مكانتش بتشوف الأحداث دي غير في الأفلام الأجنبية اللي كانت مفضلة ليها، فصرخت بهلع:
والله ما هسمعها تاني. امسح القنوات كلها. وهمحي حريم السلطان من دماغي بس أخرج من هنا و...آآآه!
صرخت بألم بصوت عالي لما مر سهم من أحد الحراس جنبها ولكنه جرح كتفها.
حطت إيديها على الجرح اللي بينزف بصدمة، واتلفتت وهي بتزعق بصوت عالي:
إلهي تبقى تتشل في إيدك!
كملت جري لحد ما لقت قدامها بحيرة كبيرة جدًا. وبدون تردد خدت نفس عميق وراحت ناطة فيها.
ولغبائها مكانتش تعرف السباحة أساسًا!
وقف الحراس مكانهم على حواف البحيرة وهو بيدوروا عليها، ولكن مكانش ليها أي أثر.
بصوا لبعضهم لحد ما قال القائد بحزم:
لو مخرجتش في خلال خمس دقايق هنقول للأمير إنها انتحرت!
لقت نفسها بتتحسب لتحت، في حين بتعافر هي عشان تطلع للسطح بعد ما حست إن فيه حاجة غريبة بتسحبها لتحت، جاذبية مهولة مش قادرة تقاومها.
ابتدت الماية تدخل لمجرى تنفسها بعد ما كتمت أنفاسها لمدة طويلة. حست في الوقت ده إنها هتموت خلاص من غير ما حد يلحقها، فقررت تستلم لقدرها.
وبالفعل غمضت عينيها، وسابت نفسها للجاذبية تسحبها لتحت.
مشافتش السلسلة اللي ابتدت تومضت ببطء لحد ما ظهر منها شعاع قوي في وسط الماية.
فتحت ضي عينيها بضعف وشافت السلسلة اللي طايفة قدام عينيها وصادر منها نور قوي، وفلحظات لقت نفسها بتتسحب بعنف وسط النور ده.
شهقت بعنف وهي حاسة إنها رجعت للحياة تاني. ابتدت تسعل بعنف وهي حاسة بالماية اللي جوا صدرها بتخنقها.
لحظات واتجمدت تمامًا وهي شايفة نفسها جوا أوضتها في بيت جدتها وعلى سريرها.
اتوسعت عينيها وملت الفرحة وشها وهي بتقول:
كنت بحلم. كنت بحلم!
ولكنها اتجمدت لما لقت نفسها غرقانة بالماية وسريرها كمان غرقان كإنها كانت بالفعل في قلب البحيرة.
بصت على نفسها باستغراب وهي مش فاهمة حاجة، لحد ما اتأوهت بألم في كتفها.
فكت ازرار بيجامتها ونزلت كتفها. اتفاجئت لما شافت الجرح اللي في كتفها مكان الرمح بينزف.
حطت إيديها عليه وبصت على الدم اللي اتطبع في إيديها وهي بتردد:
مكنتش بحلم!
قامت اتحاملت على نفسها بصعوبة وهي بتبص على سريرها الغرقان بدهشة، واتجهت بخطى بطيئة وبصت على انعاكسها في المراية.
كانت هيئتها مذرية تمامًا، غرقانة بالماية، شعرها مليان أغصن وورق شجر لازق فيه، الجرح اللي في كتفها بينزف، ده غير الجروح والكدمات اللي في رجليها.
كل ده علامات قالتلها إنها مكانتش في حلم، وإن كل اللي عاشته ده كان حقيقة!
وقعت بنظرها على السلسلة اللي في رقبتها، فاتنفضت بهلع وهي بتشيلها بسرعة وبترميها على الأرض وهي بتبصلها برعب، ولاحظت إنها ومضت بخفوت وبعدين اختفى ضوئها.
قعدت على الأرض مكانها بضعف وهي حاسة بخدل في جميع أنحاء جسدها من الصدمة، وفلحظات بدأت تبكي بعنف.
لحظات واتحول البكاء لانيهار. مكانتش عارفة هي بتبكي على الأحداث الغريبة اللي عاشتها، ولا الألم اللي في كل جسمها، ولا فقدها لوالدتها!
ولكن حست في الوقت ده إن كل الضغوطات اللي مرت عليها في حياتها اتراكمت في الوقت ده.
كانت قاعدة في أوضتها على مكتبها بعد ما خدت شاور وغيرت هدومها وطهرت جروحها. لسة مش مستوعبة أي حاجة حصلت لحد دلوقتي.
فتحت اللاب توب بتاعها وابتدت تبحث في محرك البحث "مملكة إل دورادو".
اتصدمت لما بالفعل لقت مقالات كتيرة عن اسم المملكة. دخلت على واحد فيهم وابتدت تقرأ المكتوب بتمعن:
ظهرت إل دورادو لأول مرة كقصة عن ملك اسمه المذهب، يُقال أنه كان يغطي جسده بغبار من الذهب ويرمي الجواهر المزخرفة والأحجار الكريمة في بحيرة كجزء من الإحتفال بتتويجه، وتحولت هذه القصة إلى أسطورة مملكة كاملة بدلًا من قصة رجل واحد!
كانت بتتسع عينيها بدهشة. هي بالفعل حست إن المملكة مليانة بالدهب والأحجار الكريمة بشكل زيادة لدرجة استعجبتها! خاصة السور الكامل من الدهب اللي كان حوالين القصر، ده غير تاج الملك وملابسه اللي كانت مرصعة بالأحجار الكريمة وكمان ملابس الأمير ابنه!
نزلت لتحت في الموقع شوية وكملت قراءة:
أسرت المملكة الذهبية الكثير من عقول المغامرين، وقيل أن إل دورادو موجودة بجوار بحيرة غواتافيتا في كولومبيا، وعندما وجد المستكشفون البحيرة، خفضوا مستوى المياه ليجدوا مئات من القطع الذهبية والأحجار الكريمة دون وجود أثر للمملكة الأسطورية.
اتجمدت تمامًا وهمست وهي شاردة قدامها بصدمة:
مستحيل! كولومبيا إيه! كانوا بيتكلموا عربي عادي!
نقلت بنظرها ناحية السلسلة اللي مرمية على الأرض وتمتمت:
معقولة!
حست بأنها على وشك الجنون، فقفلت اللاب توب وقامت اتجهت للبلكونة اللي في اوضتها. فضلت واقفة مكانها وهي بتراقب الأراضي الزراعية، مش قادرة تستوعب.
بالفعل فيه أسطورة عن المملكة لكن محدش قدر يوصلها. افتكرت كلام الملك عن إن السلسلة مسحورة وبتلاقي صاحبتها، واللي بتقع في إيدها بتكون الملكة المنتظرة!
معقولة هي الملكة المنتظرة؟!
هزت راسها وهي مش قادرة تصدق، مش قادرة تحدد هل دماغها اتأثرت بوفاة مامتها وكل اللي حصلها ده مجرد تهيؤات بتهرب بيها من الواقع، ولا هي عاشت الاحداث دي بالفعل!
اتلفتت ناحية سريرها الغرقان وضحكت بسخافة. كفاية السرير اللي طالع منه الماية ده!
اتجهت ناحيته وحاولت تتحامل على نفسها لحد ما جرت المرتبة للبلكونة عشان تنشفها في الهوا. هي حتى مش هتقدر تنام عليها بالشكل ده. وازاي هيجيلها نوم بعد اللي شافته!
لوهلة لقت نفسها بتفكر فيه. هيئته الملوكية بملابسه الرسمية الغريبة والملاية اللي حاطتها على كتفه، ده غير ملامحه الغريبة ونظراته القوية و..
عبست قسماتها وضمت قبضة إيديها وقالت بغل وهي بتجز على أسنانها:
ابن الغدارة ضحك عليا وسلط الحرس ورايا! مكانش لازم اثق بواحد حاطت ملاية على كتفه برضه!
محستش بالوقت اللي مر وهي بتفكر في اللي حصل، فاتعدلت بسرعة لما حست بجدتها بتفتح الباب وبتدخل. اتلفتت بسرعة تراقب نظرات جدتها اللي اتنقلت بين السرير الفاضي والمرتبة اللي محطوطة في البلكونة وغرقانة بالماية.
حست ضي بنظراتها فقالت بسرعة:
اوعي تفهمي غلط!
اتحركت من المطبخ وهي بترص الاطباق على الطبلية، ومن لحظة للتانية بتنقل نظراتها على جدتها. بتحمد ربنا إنها مخدتش بالها من وضعها. بالفعل هي اختارت ملابس محكمة تمامًا عشان الكدمات والجروح متشوفهمش.
قعدوا على الطبلية، وراقبت جدتها وهي بتاكل، لحد ما اتنحنحت بتوتر وقالت:
تيتة، بالنسبة للسلسلة اللي اديتيهالي، محدش لبسها قبل كده خالص؟ يعني أنتِ مثلًا، مامتك، جدتك، كده يعني؟
بصتلها جدتها بتعجب من سؤالها، ولكنها جاوبت ببساطة:
معتقدش، إحنا كنا بناخدها كتراث، وبعدين كنا بنخاف نلبسها لتضيع وسط شغلنا في الأرض. اتقالنا إن السلسلة دي من حجر كريم يسوى شيء وشويات، فكنا بنخاف على ضياعها وبنكتفي بإنها تكون معانا.
مطت شفايفها وسألت:
يعني معقولة محدش لبسها خالص؟
رفعت جدتها اكتافها وقالت:
معرفش، مفكرتش أسأل السؤال ده قبل كده.
اتنحنحت ضي مرة تانية وهي حاسة بسخافة سؤالها وقالت:
طب محسيتيش قبل كده إنها بتنور، مسحورة، أو بتاخدك لعالم تاني؟
ضحكت جدتها وردت:
سلامة عقلك يا ضي، الأفلام اللي بتشوفيها أثرت على دماغك.
ضحكت ضي وهي بتجاريها عشان متحسش بغرابتها، شربت من الماية اللي قدامها بتوتر وهي بتسأل:
أول واحدة كان معاها السلسلة دي مين؟
ردت جدتها بتلقائية:
تقريبًا هي جدة أمي، سمعت قبل كده من أمي إنها لقتها بالصدفة وخدتها، كان اسمها عقيق تقريبًا.
شرقت ضي وهي بتشرب وابتدت تكح بعنف واتبدلت ملامحها للدهشة واتوسعت عينيها وهي بتقول:
عقـيق!
رواية عقيق إلدورادو الفصل الرابع 4 - بقلم منة ممدوح
عايزة أعرف الحجر اللي في السلسلة دي نوعه إيه، مدت بالسلسلة اللي في إيديها لصاحب محل الدهب اللي في القرية، بعد ما سألت جدتها إذا كان فيه ولا لأ. محتاجة تعرف إيه اللي بيحصل حواليها، خاصةً بعد ما جدتها قالتلها إن عقيق صاحبة السلسلة، واللي هي تبقى جدة أم جدتها!
لوهلة حست إن عقلها وقف، إذًا عقيق اللي الملك بيقول عليها هي شخص كان موجود من سنين ممكن توصل لقرون عادي، فـ إزاي هي كانت من أيام الملك ده؟ إلا إذا كان الزمن هناك مختلف.
حست بدوار بيلفح راسها، ولكنها حافظت على توازنها لما قال الراجل اللي كان بيدقق في السلسلة بعدسة مكبرة:
"ثواني وجايلك."
قالها وغاب بالسلسلة جوا. وقفت هي تهز رجليها وتتحرك في المحل بتوتر وهي بتتأمل في المجوهرات اللي قدامها ولكن بالها مشغول، بتحاول تجمع الخيوط. عقيق كانت هي صاحبة السلسلة، وكانت المفروض تبقى الملكة واختفت، وده لأنها أكيد أدركت إن العالم ده مش عالمه.
هاده غير الشبه الرهيب بينهم اللي مربك جدًا بالنسبالها، مش معقولة چيناتها توصل لإنها تبقى نسخة مطابقة منها! ولكن للأسف مقدرتش توصل لأي صورة أو رسمة تخصها في عالمها لإن ده كان صعب جدًا. والمربك اكتر إن هي اللي جه عليها الدور ولبست السلسلة بعد أجيال، وفي الآخر تكتشف إن الملك حبيب جدتها الكبيرة لسة عايش ويدوب الزمن عدى ببطء هناك عكس هنا عدى قرون تقريبًا.
مسكت راسها وهي حاسة نفسها على وشك الإنهيار، بالفعل اللي حصل مكانش صدفة. مقدر ليها هي اللي تلبس السلسلة عشان تبقى من نصيب الملك أو... المتعجرف صاحب الملاية! معقولة؟!
هزت رأسها وهي رافضة الحقايق اللي قدامها، مش ممكن إن ده كله حقيقة، هي لحد دلوقتي شاكة في صحة قواها العقلية! اتعدلت بسرعة لما شافت صاحب المحل بيخرج من الأوضة اللي كان دخلها. اتجهت ناحيته وكان الفاصل بينهم فاترينة ازاز، فقال هو:
"السلسلة دي عتيقة. تصميمها مبهر ومش موجود دلوقتي. والحجر اللي فيها من العقيق."
وسعت عينيها بدهشة، سرعان ما ضربت رجليها على الأرض بعنف كذه مرة وهي بتقول:
"لا بقى كده كتير!"
ردد بتعجب:
"أفندم؟"
غمضت عينيها وضغطت على جفونها وهي بتحاول تتمالك نفسها، وقالت بابتسامة صفرا:
"لا أبدًا ولا حاجة."
هز الراجل كتفه وقال:
"بس مقدرتش أميز العلامة اللي على الحجر دي بترمز لإيه. بس عندي استعداد أشتريها بسعر هيعجبك جدًا، وأنا هراضيكي فيها."
جذبت السلسلة من بين إيديها وسط اعتراضه وقالت من بين أسنانها:
"شكرًا يا عمو تعبتك معايا. يلا سلامو عليكو."
قالتها وخرجت وسط تعجب الراجل واعتراضه إنها محاولتش حتى تتفاهم معاه. مشيت في الشارع وهي بتتأمل في السلسلة وبتقول:
"يعني جدتي اسمها عقيق. والسلسلة حجرها عقيق. وإل دواردو مشهورة بالأحجار الكريمة. وبرضه بقنع نفسي إن كل ده صدفة!"
حطت السلسلة في شنطتها وهي بتتجنب تلبسها، وراحت للبيت وهي حاسة إن دماغها هتنفجر من التفكير. كل حاجة غير منطقية. الأحداث والخيوط اللي ربطتها في بعض. واللي لو فكرت تحكي لحد عليها هيتهموها بالجنون أكيد!
ما صدقت إن الليل جه عشان تقدر تختلي بنفسها من غير ما جدتها تاخد بالها أو تلاحظ حاجة. وقفت قدام المراية وهي ماسكة السلسلة بين إيديها وباصة لانعكاسها بتردد. الفضول قاتلها ومحتاجة تعرف حاجات أكتر. مش قادرة تقاوم فكرة إنها انتقلت لعالم تاني، عالم غريب فيه ناس المفروض إنهم اساطير. قدامها اكتشافات كتيرة لو راحت هناك. ده غير عشان تتأكد من سلامة صحتها العقلية.
ولكن في نفس الوقت جواها خوف من الأحداث اللي حصلت. ده لسة الجرح اللي في كتفها مخفش!
حطت السلسلة على الترابيزة وقعدت هي على الكرسي قصادها تتأملها بتفكير. بتحاول تنهر نفسها وتمنعها من تكرار التجربة ولكن فضولها مش قادرة تسيطر عليه. فضلت على الحالة دي أكتر من ساعة ونص، عينيها ثابتة على السلسلة. تقوم تقف وترجع تقعد بتردد تاني. لحد ما قررت وقامت اتجهت للترابيزة. خدت نفس طويل وزفرته على مهل عشان تجهز نفسها، ورفعت ايديها لبست السلسلة ببطء. اللي بمجرد ما لامست رقبتها ومضت العلامة اللي موجودة في الحجر. غمضت عينيها وبمنتهى البلاهة رفعت إيديها وهي بتقول:
"يلا بينا!"
فتحت عينيها ببطء وبملامح منكمشة من الخوف. وبعدين لقت نفسها لسة في الأوضة. بصت للسلسة بتعجب وبعدين غمضت جفونها ورفعت إيديها تاني وهي بتقول:
"لمملكة إل دواردو الأسطورية!"
ولكن للعجب محصلش حاجة برضه! رفعت الحجر قصاد عينيها وهي حاسة بالاستغراب، وضربت بقبضتها على الحجر وهي بتقول:
"أنتَ عِطلت لما عوزتك ولا إيه؟ ماشي خلف خلاف!"
زفرت بضيق لما ملقتش حاجة اتغيرت. ابتدت ترجع بذاكرتها لورا، وقالت وهي بتلف حوالين نفسها:
"الأول تيتة إدتني السلسلة، وبعدين حطيت الصندوق جمبي، وبعدين... نمت!"
اتوسعت عينيها بدهشة لما ابتدت تربط الخيوط ببعض وقالت:
"لازم أبقى لابسة السلسلة وأنام عشان اقدر اتنقل للعالم ده."
اتجهت بأنظارها للمرتبة اللي لسة غرقانة وملحقتش تنشف لإن الجو مبقاش حر زي الأول. زفرت بضيق وبعدين طلعت بطانية من دولابها وفرشتها على الأرض، واتممددت عليها وهي بتقول:
"مملكة إل دواردو... وأنا جيالك..."
غمضت عينيها واتسحبت في نوم عميق.
فتحت عيونها وهي بتحاول تتغلب على أشعة الشمس. سرعان ما اتعدلت بسرعة لما لقت نفسها في نفس المكان اللي صحيت فيه قبل كده. صرخت مرة واحدة:
"ده نفعت!"
وقفت وهي بتبص حواليها بدهشة. محستش بنفسها غير وهي بتتنطط وبتلف حوالين نفسها وهي بتصرخ بفرحة:
"نفعت! أنا مطلعتش مجنونة! أنا مش مجنـونة!"
وعلى بُعد كان واقف عاملين من المملكة بيراقبوها باستغراب. اتلفت واحد للتاني اللي جمبه وشاور بصوباعه جمب راسه بعلامة معناها إنها مجنونة. أخدت ضي بالها منهم ووقفت بسرعة وهي بتبصلهم بابتسامة مليانة بلاهة وبعدين شاورتلهم بـ باي باي. فرفعوا كتفهم وسابوها ومشيوا من غير ما يهتموا بيها. حست بالاحراج هي ولكن مهتمش كتير وابتدت تحدد المكان اللي مشيت فيه قبل كده.
"يعني إيه مش لاقيينها!"
زعق بيها الملك اللي كان بيتحرك بعصبية وهو بينقل نظراته علي الحراس اللي قدامه واللي كانوا منزليين رأسهم بخوف ورهبة. كانت ملامحه غضبانة ومش بتبشر بالخير. اتكلم قائد الحرس من غير ما يقدر يرفع عينه ليه:
"يا مولاي صدقني مسيبناش مكان في المملكة إلا و...."
قاطعه الملك وهو بيرفع كف في وشه فسكت القائد بسرعة ونزل راسه بخوف ورهبة. رجع الملك ثبت إيديه الاتنين ورا ضهره وقال:
"ده اسمه استهتـار! اسمـه لعـب عيـال. حرس ماسكين أمن مملكة كاملــة، مش عارفين يلاقوا بنت واحدة قدرت تهرب منهم!"
كان واقف بدر بيراقب اللي بيحصل بسأم من على بُعد وهو واقف ساند بضهره على الحيطة ومربع إيديه الاتنين. زفر بضيق لما شاف إن والده بقى في اقصى درجات غضبه وممكن يعاقب الحراس بسببه. فاتجه ناحيته وهو بيقول عشان يهديه:
"اعذرني يا مولاي. ولكن أنا شايف إن الموضوع واخد أكبر من حجمه!"
اتلفتت له الملك بسرعة وهو بيقول بعصبية أكبر:
"والله عال! بقيت دلوقتي تعدل عليا وشايفني بكبّر المواضيع! مش شايف لسة بدري يا سمو الأمير؟ طب استني لحد ما يتم تتويجك!"
نكس راسه وهو بيقول بضيق:
"مش القصد يا مولاي!"
قرب منه وأشهر صوابعه في وشه وهو بيقول بعصبية:
"مش من حقك تعدل على قراراتي! أنا لسة بصحتي ومتجننتش. فاهم يا سمو الأمير؟"
هز راسه بسرعة ورد:
"العفو."
"فاهم يا مولاي."
فضل واقف للحظات يبصله بنظرات نارية، لحد ما سابه واتلفت ومشي. فانحنى الحراس بسرعة برهبة لحد ما مشي.
"يرفع قائد الحرس نظره لبدر وهو حاسس بالأسف عليه، فشاورله بدر براسه من غير ما يتكلم.
اتكلم قائد الحرس:
"يلا لازم نكمل بحث عنها. مش عايزين نتعاقب من الملك!"
أدوا الحراس التحية العسكرية بأحترام وبعدين اتحركوا كلهم. ولكن قبل ما يمشي قائد الحرس قرب من بدر وطبطب على كتفه وسابه ومشي.
فضل بدر واقف مكانه وهو ناكس راسه وضاغط على جفونه، في حين ضامم قبضة إيده بقوة. فتح عينه مرة واحدة واللي كانت مشتعلة بغضب رهيب. اتحرك واتجه في ممرات القصر بخطى تكاد تفتك بالأرض، لحد ما وصل لساحة المبارزة اللي في القصر. ابتدى يتحرك وهو بيقلع هدومة الملكية وهو بيتقدم للساحة وبيرميها وراه على الأرض بإهمال، كاشفة عن عضلاته وجسده الرياضي. اتجه لمنتصف الساحة وشاور بإيده فجه العامل بسرعة وهو حاني راسه وحط سيفه في ايده. مال بدر براسه للناحيتين. فقرب منه اللي هيبارزه وهو بيقول بتردد:
"مش هتلبس درع يا مولاي؟"
هز راسه بالرفض وهو بياخد وضع الاستعداد وقال:
"هات أعلى ما عندك. اعمل حسابك، لو اتهاونت مش هتردد في قتلك."
خد المبارز وضع الاستعداد وهو بيبتسمله بثقة، وشاورله بإيده بإنه يروحله. وفلحظات قفز بدر في الهواء وهو مشهر سيفه، وابتدت المعركة بينهم اللي كانت نتيجتها محسومة. مين هيقدر يغلب بدر برضه؟!
كانت بتتمشي في شوارع المملكة، لكن المرة دي من غير ما يكون باين عليها الهلع. حبت إنها تستكشف كل حاجة موجودة. حست إن كل حاجة مميزة هنا، شكل الناس وتقاربهم من بعض، الابتسامة اللي مبتتشالش من على وشوشهم ملابسهم الغريبة اللي لوهلة حست إنها عايزة تلبس زيهم. لوهلة جذبها بائع مجوهرات، الذهب والأحجار الكريمة اللي كان عارضهم ملفتين. ما شافتش مجوهرات تشبهم قبل كده. اتجهت ناحيته تتفرج على اللي موجود وسط مراقبته ليها بابتسامة دافية. لحد ما لفتت نظرها اسورها رقيقة من الدهب مرسوم عليها رمز المملكة. اخدتها بين إيديها وهي بصالها بإعجاب لاحظه هو، فقال هو بود:
"ذوقك مختلف يا هانم، دي آخر قطعة موجودة منها."
ضمتها ليها بإعجاب، فقال:
"سعرها ٣ قطع ذهبية بس."
لوهلة عبست ملامحها، ومالت تحطها مكانها وهي بتقول:
"لا شكرًا، ممكن وقت تاني."
ولوهلة وهي بتميل ظهرت السلسلة اللي في رقبتها، واللي أول ما شافها البائع اتوسعت عينيه بدهشة وقال:
"الملكة المنتظرة!"
اتعدلت وهي بتبصله بتعجب:
"نعم؟"
أخد الاسورة اللي حطتها مكانها وأداهالها وهو بيقول:
"اتفضلي خديها. مش عايز أي مقابل. ولو عجبتك أي حاجة خديها من غير مقابل، دكاني تحت أمرك يا جلالة الملكة."
عقدت حواجبها باستغراب ورددت:
"مين؟"
رد بسرعة البائع:
"أكيد أنتِ يا جلالة الملكة، اعتبريها هدية صغيرة تليق بجنابك يا مولاتي."
كانت بصاله بتعجب من اللي بيقوله، ولكنها خدتها وقالت وهي بتتحرك بعد ما حست إنه مش طبيعي:
"شكرًا!"
اتحركت وكملت مشي وهي بتراقب الأجواء من حواليها. مسكت الاسورة قصاد عينيها وهي بصالها بإعجاب. وبعدين لبستها في إيديها.
"أهي يا حراس!"
اتلفتت على صوت الزعيق اللي كان قريب منها، فلقت عدد مش قليل من الحراس اللي بيشاوروا عليها. محستش بنفسها غير وهي بتجري بأقصى سرعة وهما وراها. أما هي صرخت وقالت:
"أنا متربتش اقسم بالله. بعشق المعاناة. بموت في ضيق التنفس. ما كنت نايمة عند تيتة واكلة شاربة نايمة قاعدة، عاجبك جو عسكر وحرامية ده يعني!"
فضلت تجري برعب بتتلفت ناحيتهم من حين لآخر وهي خايفة لحد فيهم يصيبها بالسيوف اللي معاهم. ولكن للأسف لقت نفسها في زقاق مسدود. فضلت تتراجع بضهرها وهي بصالهم برعب وبتقول:
"بقولكم إيه. اللي هيغدر بالبتاع اللي معاه ده هزعله."
قرب منها قائد الحرس وهو بيقول:
"سيدتي، مولاي بيدور عليكي بقاله كتير. ياريت تتفضلي معانا، متقلقيش محدش يقدر يأذيكي."
مطت شفايفها بتريقة قالت:
"محدش يقدر آه. ما أنا جربت!"
شاورلها قائد الحرس وهو بيبتسملها باتساع. فعدلت من هدومها ورفعت راسها بغرور واتحركت من بينهم بثقة واهية متعرفش جابتها منين. ولكن لوهلة الجلالة خدتها!
وصلوا للقصر اللي مكانش بعيد، دخلت مع قائد الحرس لجوا وهي بتتأمل المكان اللي ملحقتش تشوفه. كانت جنة! قصر عملاق بطراز غريب مشافتش زيه قبل كده. بحديقة ضخمة مليانة أشجار بأنواع مختلفة، ده غير النافورة اللي متوسطة مدخل القصر واللي كان عليها نفس الرمز. مشيت لجوا ولوهلة وقعت عينيها على بدر اللي كان أنهى جولته بالمبارزة. حست بنفسها اتجمدت لما شافت هيئته المهلكة، ومقلش هو صدمة عنها لما شافها. كان فاكر إنه اتخلص منها خصوصًا لما الحراس قالوله إنها غرقت في البحيرة بعد ما رمت نفسها فيها!
رمى السيف واتجه ناحيتها بأنفاس لاهثة من المجهود العنيف اللي عمله. كانت بتتأمله وهو جاي عليها بخطى واثقة. شعره الطويل نازل على جبينه اللي كان مليان بالعرق من المجهود. ده غير جسمه الرياضي الضخم اللي كان متعرق برضه ولكن بالإضافة لشوية جروح.
قرّب منها ووقف قدامها، نظرات الاعجاب مقدرتش تخفيها. كانت عينيها متسعة بإنبهار. بصلها بتريقة وقال:
"الظاهر إن ملكتنا عندها خياشيم!"
لوهلة استدركت نفسها على نبرة صوته اللي مليانة تريقة، فكتفت إيديها وهي بتقول بكبرياء:
"مش هتقدر تخلص مني بسهولة. كان بينا اتفاق وأنتَ بدأت بالغدر، يبقى الاتفاق ملغي! متجيش تلومني بعد كده."
رفع حاجبه بإعجاب من جرئتها. جه الحارس في الوقت ده بعد ما مدله إيده، فحطله فيه قميصه. لبسه من غير ما يقفل أزراره وقال بتسلية:
"حلو. حيث كده أبدأ أخطط من دلوقتي بنهاية تليق بيكي!"
قربت منه وهي لسة مربعة إيديها، بصت في عيونه الحادة مباشرة وقالت:
"أعلى ما في خيلك اركبه يا أبو ملاية."
بعدت عنه وهي بتتكلم بتهديد:
"وبعدين اعمل حسابك إني مهمة عند الملك، فياريت تحترم ضيوفك بدل ما احكي للملك إنك هربتني امبارح وكمان حاولت تقتلني!"
جز على أسنانه بغيظ. أما هي فابتسمت باستهزاء وسابته ودخلت لجوا، تحت انظار قائد الحرس اللي كان بيراقبهم من على بُعد.
اتجه بيها لمكان مجلس الملك، شاورلها تفضل هنا ودخل وانحنى باحترام وهو بيقول:
"جلالة الملك، أ....."
قاطعه كلامه دخول ضي وهي بتقول باستهزاء:
"أنا جـيت!"
رمت بنظراتها على قائد الحرس باستهزاء وقالت:
"عندي لسان أتكلم، متتعبش نفسك انت."
بصلها قائد الحرس بغيظ، دخل في الوقت ده بدر وراهم وراح وقف قدام الحيطة وسند ضهره عليها، فبصتله بطرف عينها بنظرات ذات مغزى وبعدين وجهت انظارها للملك اللي قام واتجه ناحيتها وهو بيقول:
"خالفتي أوامر الملك. قولتلك هتفضلي هنا لحد ما أذنلك وبرضه هربتي!"
رفعت كتفها وقالت بتريقة:
"ما هو معلش متستناش مني أفضل هنا بعد ما ترميني في أوضة ضلمة مليانة لوح وموقفلي اتنين على الباب ماسكين سيوف!"
ابتسم بحنين وهو بيتأمل انفعالها، كإن عقيق هي اللي قدامه. تعابير وشها، نبرة صوتها، نسخة تشبهها تمامًا! هز راسه بتفهم. مكانش عايز يبني خلاف بينهم لحد ما يوصل للي هو عايزه، فقرب منها وهو بيقول:
"تعرفي عقيق منين؟"
ردت بتلقائية:
"جدة أم جدتي."
بصلها الملك برفعة حاجب فحست هي بسخافة اللي قالته وإنه من المستحيل يتصدق فقالت:
"جدة جدتي؟ أم جدتي، ممكن جدتي، خالة أمي."
كانوا بيبصولها ببلاهة وكأن اللي قدامهم مخبولة، فزفرت بنفاذ صبر وهي بتقول بابتسامة سخيفة:
"المهم إنها قريبتي وخلاص. متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي!"
هز بدر راسه في الوقت ده بقلة حيلة، وكإنه بيقول مفيش فايدة. أما هي ففضلت واقفة بتنقل نظراتها عليهم وهي شايفة بصاتهم ليها، لحد ما ثبتت على الملك وهي بتبتسم باتساع وبتميل براسها وبتقنع نفسها إنها متجريش منهم دلوقتي بعد ما وقعت نفسها في مأزق.
رواية عقيق إلدورادو الفصل الخامس 5 - بقلم منة ممدوح
كانت واقفة بتنقل نظراتها عليهم بإرتباك، بعد ما الملك رجع قعد مكانه لما لقى نفسه مش مستفيد منها بمعلومة تقدر توصله لعقيق.
سمعته وهو بيؤمر واحد من الحراس يروح يجيب واحد اسمه سلطان.
حست لوهلة إنها ندمت برجوعها للعالم ده، بتشتم نفسها ميت مرة على تهورها وفضولها اللي بيوقعها دايمًا في مشاكل.
بصلها الملك بقوة وقال:
_مش هتقولي عقيق فين برضه؟
ربعت إيديها وهي بتقول بضيق:
_ما أنا لما بقولك الله يرحمها بتتعصب عليا، أقولك إيه يعني؟!
خبط الملك الصولجان اللي في إيده على الأرض بعصبية، مش قادر يقتنع إن عقيق مبقتش موجودة، فرجع قال:
_الانكار مش هيفيدك بل بالعكس هييجي بنتايج عكسية عليك.
اعترفي!
شاورت ضي بإيديها وهي بتقول بتريقة:
_ما لما قولتلك تبقى جدة أم جدتي مصدقتنيش برضه.
اتعصب الملك أكتر وقام وقف ونزل من على عرشه.
انكمشت ضي في نفسها بخوف وهي شايفة الغضب باين عليه، بلعت ريقها بتوتر وهي بتتابع خطواته بقلق، لحد ما وقف قدامها وقال:
_عايزة تقنعيني إن عقيق بالعمر ده؟
لا وكمان أنتِ حفيدتها؟
عقيق مستحيل تتجوز غيري.
مستحيل قلبها ينبض لحد غيري!
دورت ضي وشها وهمست بسخرية:
_أومال لو اتأكد إنها اتجوزت وخلفت وولادها خلفوا وولاد ولادها خلفوا وولاد ولاد ولادها خلفوا هيعمل إيه!
خبط مرة تانية بالصولجان جمبها، فاتنفضت واتعدلت وهي بتبصله بخوف.
ضيق عينيه وهو بيقول:
_عامةً.
الكاهن هو اللي هيحسم الأمر.
رددت ضي بسأم:
_إيه جو الدجل ده بقى، هي ناقصة عفرتة أكتر من العفرتة اللي أنا فيها!
اتفتح الباب في الوقت ده، اتعدل الملك وهو بيبص بلهفة للحارس اللي دخل وانحنى وهو بيقول:
_مولاي.
الكاهن برا منتظر أمرك.
_دخله مستني إيه!
قالها الملك بتلهف، فانحنى الحارس ورجع.
وبعد ثواني قليلة دخل شخص مرتدي عباءة مغطى راسه ووشه بالطاقية الخاصة بيها، كان ناكس وشه في الأرض فمش ظاهر منه حاجة، أحدب الضهر، ماسك في إيده عصاية من الخشب واقف على مقدمتها ضفدعة.
ضيقت ضي عينيها باستغراب وهي شايفة إن الضفدعة اللي شكلها مريب مش لايقة تمامًا على هالة الرعب اللي حواليه.
قرب الكاهن منهم من غير ما يبان حاجة من ملامحه، لحد ما وقف عند ضي.
رفع وشه مرة واحدة ليها فانتفضت بخضة وتراجعت لورا.
كان عجوز كإنه عايش بقاله قرون، عينيه الواسعة المريبة، حواجبه البيضا الخفيفة، والتجاعيد اللي مالية وشه من العجز.
أول ما وقعت عينه عليها وعلى السلسلة اللي في رقبتها اتوسعت عيونه وقال بإنبهار:
_مُدهش!
اتحرك وبقى يلف حواليها ببطء تحت انظار بدر اللي كان متعجب من اللي بيحصل.
أما ضي فكانت بتبلع ريقها بتوتر.
وقف مرة واحدة ومد إيده مسك الحجر اللي في السلسلة اللي على رقبتها، وقال بغموض:
_أخيرًا جيتي بإرادتك يا ضي القمر!
اتنفض بدر في اللحظة دي زي الملسوع وهو حاسس بالصدمة، وردد بعد استيعاب:
_لحظة!
ضي إيه؟!
اتلفت ليه الكاهن وهو باصصله بابتسامة ذات مغزى وهو بيراقب علامات الدهشة اللي ظهرت على بدر، كأنه هو الوحيد اللي عارف السبب لصدمته.
كانت ضي مركزة مع الضفدعة الغريبة اللي بصالها وبترمش بمنتهى البرود وكإنها بتستهزأ بيها، فمدت إيديها بفضول قاصدة تلمسها تشوفها حقيقية ولا لعبة متحركة.
اتلفت ليها الكاهن فجأة وهو بيبعد العصاية عنها وبيقول بنبرة مرعبة:
_قبل ما تحاولي تلمسيها خليني اقولك إيه هيحصلك.
أولًا هتحسي بكهرباء في إيديك.
ثانيًا هينشف الدم من أطرافك وصولًا لكل عروقك، وبنفس الوقت يبتدي جسمك يتملي بفقاقيع شكلها مقرف.
لحد ما تلاقي نفسك ابتديتي تحسي بالاختناق من تأثير السم.
وبعدين.
بووووم.
ضي القمر بقت مجرد ذكرى.
بصتله بتعجب وهي منكمشة على نفسها بخوف، فمد العصاية ليها وهو بيقول باستهزاء:
_تحبي تلمسيها؟
ضمت ضي إيديها لصدرها برعب وقالت:
_لأ شكرًا.
_رد متوقع.
قالها الكاهن ببساطة وهو بيرجع العصاية مكانها تاني.
هنا حس الملك بنفاذ صبره، فوجه كلامه للكاهن بعصبية:
_مش وقته استعراضات دلوقتي.
أنتَ عارف كويس أنا جايبك هنا ليه!
اتجه الكاهن ناحية الملك وبقى يلف حواليه وهو بيقول ببساطة:
_جلالة الملك.
لا لا لابلاش عصبية.
العصبية مش حلوة عليك.
اتنرفز الملك في الوقت ده وصرخ في وشه:
_سلطان!
اتراجع الكاهن في الوقت ده وهو بيبلع ريقه بقلق لما عرف إنه أشعل الفتيل في الملك، ورجع وقف جمب ضي وهو بيقول:
_طيب، طيب، طيب.
من غير غضب!
اتوجهت نظراته لضي وهو بيقول:
_ضي القمر!
النبوءة بتتحقق!
عقدت حواجبها بتعجب وقالت:
_معلش أنتَ عرفت اسمي منين؟
قرب بوشه منها فاتراجعت لورا وهي حاسة بالاشمئزاز من رائحة أنفاسه الكريهة، أما هو فابتسم وقال:
_مفيش حاجة بتخفى عني.
عن الكاهن الأعظم سلطان!
ردت بسخرية:
_دجال يعني.
عبست ملامحه وهو بيقول:
_كاهن.
_دجال.
_كاهن.
شددت على الحروف باستفزاز:
_دجــال.
_كـ.....
_اخرسوا أنتم الاتنـين!
اتنفضوا هما الاتنين على صوت الملك اللي كان جاب أخره وكان بيتنفس بصوت عالي من العصبية.
وجه نظره للكاهن وشاورله بتهديد:
_لو متكلمتش دلوقتي هخليك أنتَ وضفدعتك دي وجبة للأسود النهاردة!
اصدرت الضفدعة صوت غريب معترض وهي بتبص للملك بغضب، فبلع الكاهن ريقة واتكلم بسرعة:
_النبوءة يا مولاي.
السلسلة بتلاقي صاحبتها.
وصاحبتها بتكون الملكة المنتظرة.
ووقع الإختيار على ضي القمر!
هنا اتكلمت ضي باستنكار:
_لحظة.. إيه؟!
مدالهاش اهتمام، بل اتكلم الملك وقال:
_وليه شبه عقيق بالضبط.
قال الكاهن بنبرة حزينة وهو بيأدي حركات درامية:
_آه عقيق.
الملكة المختفية.
كسرتي قلب الملك بغيابك!
_سلطان!
قالها الملك بنفاذ صبر، فاتكلم سلطان بسرعة:
_من نفس النسل يا مولاي.
ضي القمر بتحمل دم عقيق.
وسبب اختيار السلسلة ليها هو ده، الشبه ده مش صدفة بتاتًا.
سحر السلسلة عارف كويس هو بيعمل إيه.
جت ضي القمر.
عشان تعوض كسر عقيق للنبوءة.
عقدت ضي بين حواجبها وهي بتقول:
_إيه العبث اللي أنا بسمعه ده!
لاح الحزن على وجه الملك بعد ما حس إن أمله بيتبدد، وقال:
_يعني عقيق مش هترجع؟
ابتسم الكاهن وهو بيقول بغموض:
_عقيق اختارت اصلها، اختارت الناس والمكان اللي يشبهها.
الدور باقي على إختيار ضي القمر.
هل هتختار المكان اللي يشبهها، ولا المكان اللي مكانتش تتخيل تكون فيه!
بصتله ضي وهي عارفة مقصد كلامه، حست لوهلة إنها فهمت، جدتها عقيق مقرتش تخاطر إنها تفضل هنا، يمكن كان حواليها ناس بيحبوها في عالمها الأصل، أم وأب، أهل حواليها، فقررت تضحي بحبها المزعوم في سبيل الناس اللي بيحبوها.
كان الكاهن بيتأملها وعلى وشه ابتسامة مليانة مكر، كإنه كان عارف اللي بيدور في بالها دلوقتي، كلامه رغم إن المعظم مفهمهوش إلا إنه بيخرج بحذر، كل كلمة كانت مقصودة بمعنى مفهوم بالنسبة للشخص المعني.
غمض الملك عينه بألم، حلمه طول السنين دي في إنه يشوف عقيق بيتبدد، الظاهر إن حكايتهم منتهية من زمان وهو اللي كان متمسك بأمل واهي بس.
مجرد ما شاف ضي القمر خلاه رجع لسنين ورا من أول يوم شافها فيه، ولكن هتفضل هي ضي القمر مش عقيق، رغم الشبه الكبير بينهم لكن واضح الاختلاف في الجوهر فيه.
فتح عينه وهو بيتنهد بقلة حيلة، وشاور براسه لقائد الحرس، اللي جه بسرعة وانحنى ليه، فقال الملك:
_خدوا ضي القمر ترتاح.
شاورلها قائد الحرس تتحرك ولكنها قاومت وهي بتقول:
_لحظة.
مش همشي معاه غير بشرط!
بصلها قائد الحرس والملك بدهشة، أما الكاهن كان بيبتسم باتساع وهو شايف جرئتها قدامه.
خبط الملك بصولجانه وهو بيقول بحدة:
_وصلت الجرأة إنك تتشرطي على الملك!
ربعت ضي القمر إيديها ورفعت راسها بكبرياء وهي بتقول:
_عشان دي مش حاجة تعجيزية.
أنا عايزة حريتي!
ضيق الملك عينه وهو بيقول:
_بمعنى؟
قربت منه ضي بقوة غريبة اتملكتها، وبصت في عينه وهي بتقول:
_يعني لو حبستني في أوضة ضلمة ووقفت عليا حراس ماسكين سيوف صدقني ههرب ومش هتشوفوا وشي تاني أبدًا.
الأوضة هتفضل مفتوحة، أخرج واتمشي براحتي، حتى أخرج اتفرج على المملكة براحتي برضه.
مش هقبل بمعاملة السجينة أبدًا!
بصلها الملك في عينيها مباشرة، كانت عينيها بتلمع بجرأة رهيبة، جرأة شافها في عيون عقيق بس، ملقاش نفسه غير وهو بيكلم قائد الحرس من غير ما يحيد بنظره عنها:
_نفذ للملكة المنتظرة اللي عايزاها.
استنكرت بتعجب:
_إيه؟
ملكة مين؟!
ولكن كان التفت وهو بيديها ضهره ورجع قعد على عرشه.
أما الكاهن فهلل بفرحة بعد ما كان بيتابع اللي بيدور بينهم بتمعن:
_مدهش.
رائع.
أنا مش مصدق اللي شايفة.
_اخرس يا سلطان.
قالها الملك بغضب فانحنى بسرعة من غير ما يتكلم بخوف.
كانت ضي لسة عينيها على الملك بدهشة، هل بالفعل هيصدقوا النبوءة وهيعتبروها الملكة؟
مدهش فعلًا مكدبش الكاهن!
اتجه قائد الحرس ليها وهو بيقول باحترام:
_اتفضلي يا مولاتي، هرافقك لجناح.
هزت راسها بقلة حيلة، هي لسة مقتنعة إنهم كلهم مجانين، ولكن هتساير الأمر لحد ما تعرف نهاية الموضوع ده إيه، اتجهت معاه بالفعل، كان سايبها ماشية قدامه وهو وراها باحترام.
وقعت بنظرها على بدر اللي كان واقف متجمد وهو ضامم قبضة إيده الاتنين ونظراته الغامضة ثابتة عليها، اتأملته من فوق لتحت، سرعان ما اتبدلت نظراتها لاستهزاء، رفعت مناخيرها بغرور بعد ما حادت بنظرها عنه، واتجهت بخطوات واثقة لبرا كإنها بتقل منه وده سببله غضب شديد من القدر اللي مُصر يعانده.
اتجهت نظرات بدر للملك، أما الكاهن فحس إن الوضع مشتعل بينهم، فقرر يتسحب لبرا من غير ما حد يشوفه، ولكن اتجمد على صوت الملك وهو بيقول:
_لينا لقاء تاني يا سلطان.
انحنى بسرعة وهو بيقول:
_تحت أمرك يا مولاي.
وخرج لبرا وهو بيجري بأقصى سرعة متليقش على سنة أو هيئته.
بعد ما لقى بدر إن مفيش غيره موجود، اتحرك بخطوات بطيئة لحد ما وصل قدام الملك، رفع راسه ليه وقال بجمود:
_أنتَ مصدق اللي سلطان قاله ده؟
رد الملك ببرود:
_سلطان مبيكدبش.
حرك بدر إيده بنفاذ صبر وهو بيقول:
_بحقك يا مولاي!
مين بيصدق دلوقتي في موضوع النبوءات ده؟
كله تخاريف من وحي خيال كاهن عقله باظ!
بصله الملك بقوة وقال:
_سلطان اتنبأ بوجود عقيق، ودلوقتي اتنبأ بضي القمر.
والشبه اللي بين ضي القمر وعقيق؟
ودم عقيق اللي بتحمله ضي القمر.
تفتكر كل ده صدفة!
ربع بدر دراعه المعضل وهو بيقول بابتسامة هازئة:
_عايز تقول يعني إنك هتتجوز ضي القمر على الملكة زمرد؟
هتتجوز بنت في ربع عمرك تقريبًا تحت مسمى بنحقق النبوءة؟
ابتسم الملك وهو بيبص لبدر بقوة وقال:
_تؤ.
نبوئتي اتكسرت من وقت اختفاء عقيق.
النبوءة دي تخص الملكة المنتظرة.
حس بدر باللي بيلمح ليه، ففك إيده وهو بيقرب ببطء وبيقول بحذر:
_تقصد إيه يا مولاي؟
بادله الملك بنظرات قوية، وكإنه بيقوله إن اللي في دماغك صح، فاتجمد بدر تمامًا وشرد في الفراغ من قدامه.
كانت واقفة في نص الجناح اللي جهزوه ليها وهي بتتأمله بإنبهار، كان جناح غير اللي حبسها فيه، فراش وثير متغطي بملايات باللون النبيتي، ده غير تصميم السرير نفسه اللي معمول بالدهب.
قربت منه وهي بتتلمسه وبتقول بإنبهار:
_عندهم كمية دهب كفيلة تخلي كل واحد من ال ٧ مليار بني أدم ملياردير!
يارب نص عيشتكم!
بعدت عن السرير واتأملت باقي الأوضة، خزانة تشبه الانتيك بتصميم راقي وكبيرة، ومراية بيضاوية كبيرة حوافها مطلية بالدهب برضه، أريكة عريضة مزينة بالأحجار الكريمة، ده غير السجاد الفخم.
حست إنها بتعيش أجواء المسلسلات اللي كانت بتتابعها، ولكن معايشة الوضع غير ما كانت بتشوفه، كل حاجة مبهرة حواليها!
اتحركت ناحية البلكونة اللي كانت في الأوضة، فتحت بابها وخرجت، كانت على شكل نص دائرة، بتطل على الحدائق اللي ورا القصر، ولكن في دور عالي لو وقعت منه هتتفتت حرفيًا.
طبيعة القصر معمول على مكان يشبه التلة، فكل جزء فيه عالي بحيث يقدروا منه يشوفوا كل المملكة.
اتلفتت لما سمعت خبط على باب جناحها، اتفتح الباب ودخلت بنت لابسة فستان زي بقيت اللي شافتهم في القصر، انحنت ليها وهي بتقول:
_مولاتي.
جلالة الملك أمرنا نبدل ملابسك بتانية تليق بجنابك.
بصت للفستان العصري اللي كانت لابساه بتعجب، دي اتعمدت إنها تلبسه قبل ما تنام عشان يليق بالمكان، بصتلها بتعجب وقالت:
_وماله فستاني؟
بصتلها البنت بتردد، وانكمشت معالم وشها وهي بتحاول تلاقي كلمة مناسبة لحد ما قالت:
_آآآآ يعني.
غريب!
زفرت ضي أنفاسها وهي بتقلب عينيها بملل وردت:
_طيب.
شاورت البنت لحد برا، فدخلت مجموعة من البنات وهما بيجروا عارضة طويلة من الخشب متعلق فيها فساتين بأشكال مختلفة.
اتوسعت عيون ضي بدهشة وهي شايفة المشهد اللي قدامها، حاجات مكانتش تحصل إلا في خيالها!
فضلت البنت تنقي من الفساتين لحد ما طلعت واحد باللون النبيتي الممزوج بالرصاصي واللي كان منقوش بورود سوداء، قربته منها وهي بتحطه جنبها وبتقول:
_ده هيليق على لون بشرتك يا مولاتي.
تأملت الفستان بإنبهار، لدرجة إنها سلمت نفسها ليهم، ساعدوها في لبس الفستان اللي كان تقيل بطريقة غريبة، صففولها شعرها بعناية وسابوه مفرود على ضهرها، وزينوا راسها بتاج صغير بيتدلى منه طرحة شفافة على ضهرها.
وقفت تتأمل نفسها بإنهيار قصاد المراية، طلة ملوكي خرافية، كانت البنت واقفة وراها وهي بتقول:
_طالعة مبهرة يا مولاتي!
كانت عينيها بتلمع بإعجاب واضح، لفت حوالين نفسها وهي بترفع الفستان التقيل، لوهلة حست إن الحياة هنا عاجباه.
رغم غرابة الوضع ولكن حبت الموضوع!
دقايق ولقتهم داخلين ليها بصواني مرصوص عليها أكل، في حين اتكلمت البنت:
_جلالة الملك وصانا نهتم بيكي من ناحية كل حاجة.
ابتسمتلها بفرحة وقعدت علشان تبدأ بالأكل، بالفعل هي حست بالجوع بعد الوقت ده كله في التجول من غير أكل.
وبعد مدة لقت نفسها لوحدها في الأوضة، قاعدة على سريرها بتتأمل المجوهرات اللي جابوهالها، كانت بتتأمل في الأساور والخواتم اللي مرصعة بالأحجار الكريمة وهي بتقول:
_لو خدت حاجة من دول وفكرت ابيعها هتخليني ولا نجيب ساويرس!
ولا أخدهم كلهم وافتح محل مجوهرات في البلد؟
قاطع تفكيرها في الوقت ده خبط على الباب، أذنت ليهم بالدخول، فدخلت واحدة من البنات ولكن مختلفة عن اللي كانوا عندها، انحنت باحترام وقالت:
_مولاتي.
سمو الأمير بدر مستنيكي في الساحة.
عقدت حواجبها بتعجب، الاسم ده اول مرة تقريبًا يتقال قدامها، فسألت بجهل:
_مين بدر ده؟
اتوسعت عينيها بدهشة وقالت:
_قصدك المتعجرف أبو ملاية؟!
بصتلها البنت باستغراب وهي بتهز راسها بجهل ولكن مكانتش فاهمة اللي هي بتقوله، فتمتمت بتريقة:
_اسمك بدر!
خسارة فيك الاسم والله ده أنتَ محصلتش نيزك!
رفعت عينيها للبنت اللي كانت مستنياها وهي مش فاهمة اللي بتقوله، فاتعدلت وهي بتقول بغرور:
_قوليله مش جاية.
وأنا إيش ضمني إنه مش هيقتلني ويدفني في قلب الساحة دي!
وبعد مرور دقايق.
جهت لتحت مع البنت وهي بتلعن نفسها على فضولها اللي هيوديها في داهية قريب، وقفت قبل ما تخرج للساحة ومالت للبنت وهي بتقول:
_بصي.
عايزة ييجي تلات اربع حراس كده ييجوا يقفوا من بعيد يراقبوا اللي هيحصل.
لو قتلني يروحوا يقولوا للملك بسرعة.
بصتلها البنت بتعجب ولكن هزت راسها بالايجاب عشان متنالش من غضبها، فهي بالنسبالها الملكة المنتظرة.
اتجهت لبرا ولكن وقفت وهي بتبص للبنت بتعجب وبتقول:
_مش هتيجي؟
ردت البنت من غير ما ترفع راسها:
_مش هقدر يا مولاتي، سمو الأمير قالي أوصلك بس.
رفعت كتفها بعدم اهتمام واتجهت للمكان اللي اتقالها عليه، كان ساحة فاضية متحاوطة بسور، بصت حواليها في المكان اللي كان خالي من أي حد باستغراب، حتى المكان كان شبه ضلمة إلا من ضوء القمر.
اتلفتت بسرعة لما سمعت صوت خطوات من وراها، سرعان ما اتوسعت عينيها بدهشة وبلعت ريقها برعب وهي شايفة بدر بيتجه ناحيتها بنظرات قاتمة وفي إيده سيف!
رواية عقيق إلدورادو الفصل السادس 6 - بقلم منة ممدوح
اتراجعت لورا وهي بتبصله برعب. كان بيتقدم ناحيتها وهو مثبت نظره عليها، عينه الداكنة غامضة بشكل غريب. ارتكبت هي وقالت:
"عايز إيه؟"
ولكنه مردش عليها. فضلت تتراجع وهي بتقول:
"والله العظيم لو قتلتني لأقول للملك اخليه يعلقك من ملايتك!"
مكانتش مدركة سخافة اللي بتقول من الرعب. اتكعبلت من طول الفستان ووقعت على الأرض وهي بتصرخ بألم:
"حسبي الله. ماكنش ليا في دور نازلي هانم ده. أبو فساتينكوا يا شيخ!"
غمضت عينيها برعب لما وقف قدامها استعدادًا للموت. ولكن عدى لحظات ومفيش أي حاجة حصلت. فتحت عين بتردد ووراها التانية. لقيته مدد إيده بالسيف ليها. بصتله بتعجب:
"بتعرض عليا اقتلك ولا إيه مش فاهمة؟"
قال ببرود:
"يلا هتبارزيني."
اتحاملت على نفسها وقامت وقفت وهي بتقول باستنكار:
"هـ إيه يا عينيا؟ ابارز مينهو أنا مستغنية عن روحي!"
مد بإيده بالسيف بإصرار:
"خدي السيف."
كتفت إيديها وهي بتهز راسها بالرفض:
"والله ما يحصل. سيف إيه اللي امسكه واحاربك بيه. أنا أخري سكينة السلطة!"
زفر بنفاذ صبر وقال بتريقة:
"ما يصحش يا مولاتي، أنتِ عايزاهم يقولوا جلالة الملكة المنتظرة جبانة ومبتعرفش تمسك السيف؟"
شوحت بإيديها وهي بتقول:
"ملكة منتظرة إيه! بقولك إيه أنا عمالة أهاودكم من الصبح وبكدب الحقيقة اللي قدام عينيا!"
عقد حواجبه وقال باستفهام:
"حقيقة إيه؟"
"انتو عالم منخوليا!" قالتها وهي بتلف عشان تجري. ولكن لقته بيمسكها من أطراف الفستان وبيجذبها. فحاولت تتملص من بين إيديه وهي بتقوله:
"لا بقولك إيه. سيب الفستان، ولا! سيب الفستان بقولك ده مصروف عليه!"
وقفها قدامه وحط في إيديها السيف بالإجبار. بمجرد ما مسكته انحنت بيه على الأرض من تقله وهي بتقول:
"يا نهار اسود. كام كيلو ده!"
هز راسه بقلة حيلة وبعد عنها وهو بيقف في وضع الاستعداد. أما هي اتحاملت على نفسها وشالته بالعافية وهي بتقول:
"والله أنا مليش في ده كله. سيف إيه اللي امسكه وابارز بيه. أنا لا عايزة أبقى ملكة ولا نيلة!"
بصتله برعب وهو بيتربصلها. كانت حاسة بالخوف. وأول ما لقته بيجهز عشان يهجم عليها، اتلفتت وجريت وهي بتجر السيف على الأرض بإيد، والإيد التانية شايلة بيها طرف الفستان اللي كان بيكعبلها وهي بتصرخ:
"يالهــــوي. الحقـوني. ابن المجنونة عايز يغزني بالبتاع التقيل ده!"
ابتسم باستهزاء وفي ثانية كان بيجري وراها. اتلفتت لورا برعب فلقته بقى قريب منها. صرخت بهلع:
"الله يخريبيتك. الله يخربيت معرفتك. الله يخريبيت مملكتك على السلسلة اللي كحرتتني من ساعة ما لبستها دي و آآآآه."
صرخت بألم لما داست على طرف الفستان ووقعت على الأرض. اتعدلت بسرعة وشافته بيتقدم ناحيتها. رفع السيف ونوى ضربها. ولكنها كانت مسكت سيفها بالعرض فخبط السيفين في بعض بقوة لدرجة إنها صرخت بألم.
رمت بعدها السيف وهي بتقول:
"إلهي تتشل في إيدك. أنت متسلط عليا من أنهي داهية!"
اتعدل ووقف وهو مبتسم وبيبصلها باستهزاء وردد:
"براڤو، زي ما توقعت."
بصتله بتعجب. فرمى سيفه على الأرض واداها ضهره وهو بيقول:
"غريزة البقاء على قيد الحياة بتطلع قدرات هايلة من الإنسان مكانش متوقع إنه يشوفها. زي صدك للسيف دلوقتي."
اتعدلت بألم وتمتمت:
"إلهي يتقطع خبرك من الحياة واخلص منك بقى!"
افتكرت إن بكده خلصت المبارزة. ولكن بصتله بتعجب وهو بيخلع وشاحه وسترته العلوية لحد ما بقى عاري من فوق. غمضت عينيها بخجل وهي بتقول:
"أنتَ بتعمل إيه يا متخلف أنتَ!"
بصلها باستهزاء من وشها اللي احمى بشدة من الاحراج، وقال:
"امسكي سيفك يلا!"
فتحت عينيها بسرعة وهي بتتنفض وبتقول:
"إيه؟ لا بقى أنتَ زودتها. وربنا لو قربت مني لتزعل."
شال سيفة واتجه ناحيتها. فارتجفت وهي بتبص حواليها زي الفار المذعور وقالت:
"أنا عيلة صغيرة. أنا عيلة والله. ملكة إيه اللي بيقولوا عليها. روحوني العزبة وأنا مش هخطي المكان ده تاني."
رفع إيده بالسيف فغمضت عينيها برعب. رجعت فتحتها فلقت السيف على بُعد قليل جدًا من رقبتها، لدرجة إن سنه لامس رقبتها. بلعت ريقها برعب وهي نازلة بنظرها عليه، لحد ما بعده بدر عنها وشالها ورماه في الأرض. خدت نفس طويل زفرته على مهل براحة.
"كان هيقتلها. المجنون كان هيقتلها!"
اداها ضهره وهو بيحرك راسه للناحيتين فصدر صوت طرقعة. فكرت هي بالهرب ولكن اتجمدت لما قال:
"قدامك فرصة واحدة تجاوبي على ٣ اسئلة."
اتلفت وقرب منها وهو بيعد على صوابعه:
"واحد. إيه حكايتك. اتنين. جاية من أنهي مملكة. تلاتة. اجابة السؤال الأول والتاني."
بلعت ريقها بتوتر وقالت:
"أنا...أنا مليش حكاية. ومش جاية من حتة."
بص لعينيها مباشرة وهو بيقول بقوة:
"أنا متأكد إن وراكي حاجة. وهعرف سر فتح حكاية عقيق دي بعد الوقت ده كله. صدقيني لو عرفت إن هي اللي باعتاكي عشان تخربي طمأنينة المملكة. روحك مش هتكفيني."
رددت باستهزاء:
"باعتالي من الآخرة. آه."
اتلفت واداها ضهره عشان يمشي. فقالت هي بجرأة كانت عارفة إنها هتندم عليها:
"بقولك إيه يا نيزك أنتَ!"
رجع بص ليها وردد بتعجب:
"نيزك!"
قربت منه وقالت بقوة:
"اطلعلي من نظرية المؤامرة اللي أنتَ فيها دي. لا تسوي حالك محور الكون يا أبو ملاية!"
وقف وهو باصصلها بدهشة. غصب عنها لقت عينيها بتنزل لجروحه اللي كانت مدماة الصبح لما شافته. ورددت باستهزاء:
"لولا إن شوفت الدم بعينيا كنت شكيت إنك بني آدم وعندك دم! استر نفسك اجري بدل ما واقف تتمنظرلي بعضلاتك وعاملي فيها محمد رمضان!"
ابتسم ليها ومال ناحيتها وهو بيقول بهسيس:
"جرئتك عاجباني يا ضي القمر، بس صدقيني ده مش في صالحك. متخلينيش احطك في دماغي!"
رفعت عيونها ليه وربعت ايديها وهي بتقول:
"بعد كده لما تحب تنتقم، استخدم حاجة بنفس قوة عدوك عشان تبقى المعركة عادلة. مش تستغل ضعفه. يا سمو الأمير!"
رفع حاجبه باعجاب واضح وهو بيقول:
"اتفقنا يا ضي القمر."
رفع راسها بغرور، ولمت فستانها واتحركت لجوا بخطوات مليانة كبرياء، وسط مراقبته لأثرها لحد ما اختفت.
"عاجباه؟ جدًا. جرئتها بتخليه يحس بإثارة وانتشاء رهيب، ولكن ده مش هيقلل من الحقيقة، إنها بتحمل دم عقيق السبب الرئيسي في تعاسة امه."
ضم قبضة إيده في الوقت ده، وقتمت ملامحه وهو بيجز على اسنانه بعنف.
اتحركت لمكان جناحها وهي بتضرب برجليها على الأرض بعنف، مش مصدقة إنه كان بينه وبين قتلها لحظات. تمتمت من بين أسنانها بغيظ:
"مش طبيعي، اقسم بالله ما طبيعي. ماشي يا أبو ملاية ماشي!"
ضربت برجليها على الأرض وهي بتقول بنبرة على وشك البكاء:
"وربنا كان هيعملها. والله لاشتكيه للملك أخليه يعلقه من شعرتينه اللي فرحانلي بيهم دول!"
اتحركت للدور اللي فوق، ولكن لوهلة اتجمد خطواتها لما شافت الحرس واقفين قصاد جناح معين يعتبر لوحده في المرر كله. اتحركت ناحيته بفضول شديد. ولكن قطع طريقها واحد من الحراس وهو بيقول:
"ممنوع!"
رغم عنها لقت نفسها بتسأل بفضول:
"جناح إيه ده؟"
رد الحارس:
"ده جناح الملكة زمرد. وممنوع دخول أي حد إلا بإذن الأمير بدر."
هزت راسها بتفهم، واتحركت وهي جواها فضول كبير تعرف سر الاهتمام الكبير بجناح الملكة اللي لحد دلوقتي مشافتهاش ولا مرة!
استغلت إن الكل نايم وأنوار القصر انطفت، اتسللت من جناحها وهي بتتأكد إن مفيش حد في الممر برا. حاولت تفتكر على قد ما تقدر الممرات اللي خدها بدر منها. وبعد محاولات وتوهان كتير قدرت أخيرًا توصل للسرداب اللي تحت القصر واللي بيخرجها للبوابة اللي الخلفية.
فتحت باب السرداب، سرعان ما بلعت ريقها برعب وهي باصة على المكان الضلمة اللي قدامها، واللي شكله يهلك من الرعب. تمتمت بخوف:
"منكوا للهم. فيش حاجة طبيعية عندكوا أبدًا! وأنا إيه يضمنلي دلوقتي إني ملاقيش مصاص دماء مقابلني في وشي!"
خدت نفس طويل زفرته على مهل، وبعدين تمتمت:
"استعنا على الشقا بالله!"
بمجرد ما خطت لجوا اتقفل الباب وراها بقوة، فاتنفضت بهلع وهي بتزعق:
"يا أخي هي ناقصة قطع خلف!"
اتحركت ببطء وهي بتبلع ريقها بقلق. فضلت تبص حواليها وهي ماشية، حاسة إن مع أقل حركة ممكن تحصل هتموت من الرعب مكانها.
غمضت عينيها وابتدت تجري عشان تقلل من الوقت اللي هتقضيه هنا، لحد ما شافت الباب من على بُعد. اتسعت ابتسامتها وفتحت وخرجت. وقفت تتنفس بصوت عالي وهي حاطة إيديها على قلبها وحانية راسها. وبعدين اتلفتت وبصت على القصر العالي جدًا بتفكير.
"تحرك وابتدت تقول: لازم أعدي الغابة دي. وبعدها فيه بحيرة. فـ ارمي نفسي في البحيرة دي عشان اتنقل لعالمنا."
اتحركت بتردد لجوا الغابة وهي بتكمل:
"ولا كانت ضربة حظ بس وهموت المرادي؟ يادي المصيبة وأنا هعرف منين غير لما أجرب تاني!"
مكانش قدامها حل غير ده بالفعل، دي الطريقة الوحيدة اللي لقت نفسها بترجع لعالمها بيها. كان لازم ترجع، مش هتفضل هنا طول الوقت، لازم تتنقل بين هنا وهناك عشان جدتها، متقدرش تسيبها لوحدها خاصة لو اكتشفت عدم وجودها في البيت! ممكن تموت من الرعب عليها!
وصلت أخيرا لآخر الغابة، اتحركت بتردد ناحية البحيرة الكبيرة واللي كان ضوء القمر منعكس عليها. وقفت على حوافها وبصت لانعكاسها في الماية بشرود، خايفة لتكون المرة اللي فاتت هي مجرد صدفة. مقدامهاش غير إنها تجرب.
خدت نفس عميق ورمت نفسها في البحيرة، وسابت نفسها تنزل للقاع. فتحت عينيها فلقت السلسلة بتومض بقوة. برقت وهي بتهتف في الماية بفرحة ولكن نسيت وشربت كمية ماية مهولة، لحد ما لقت نفسها بتتسحب جوا بوابة من النور.
نفس عميق خدته وهي بتكح بعنف من كمية الماية اللي شربتها. بصت حواليها ولقت نفسها في أوضتها، على نفس البطانية اللي كانت فارشاها على الأرض، واللي كانت اتغرفت بالماية هي والأرض كالعادة.
بعد ما قدرت ترجع نفسها لوضعه الطبيعة، وقفت وهي بتتأمل المكان حواليها وبتجمع الخيوط ببعضها. الملك قالها إن السلسلة دي مسحورة، وقت الحرب رماها الساحر في بحيرة واختفى، إذن دي البحيرة اللي اترمت منها السلسلة، واللي هي كمان عبارة عن بوابة بين العوالم، ووقتها السلسلة جت للعالم بتاعنا ولقيتها عقيق!
رفعت بإيديها خصلات شعرها المبلولة اللي كانت نازلة على وشها وهي بتقول:
"مش ممكن! كل حاجة مترتبة! أنا لازم اقعد مع الكاهن سلطان بكرا، أكيد عارف كل حاجة!"
لوهلة اتملكها الدهشة لما وقعت بعنيها على الساعة اللي على المكتب بتاعها. قربت منها ومسكتها بين إيديها بتعجب. كانت لسة الساعة اتنين ونص بالليل! ده الوقت اللي ضي قررت تنام فيه. توسعت عينيها بدهشة.
"معقولة الوقت بيقف هنا لما بتتنقل هناك؟ ازاي مخدتش بالها من أول مرة لما لقت نفسها راجعة بالليل برضه رغم اليوم الكامل اللي ضاع هناك! كل حاجة بتحصل حواليها بتسببلها دهشة رهيبة! كل حاجة مترتبة وماشية برتم معين ودقيق."
هزت راسها بعدم استيعاب وبعدين اتجهت للبطانية اللي على الأرض شالتها ودخلتها البلكونة تنشرها. الظاهر إن كل مرة هتضطر تنشر حاجة شكل!
صحيت بدري وقررت تنزل هي تحضر الفطار عشان تريح جدتها شوية. من ساعة ما جت وهي شايلاها حرفيًا. كانت واقفة في المطبخ لما دخلت عليها جدتها وهي مستعجبة من صوت الدوشة بدري كده. سرعان ما ابتسمت وهي بتقول:
"ياااه. إيه النشاط ده كله!"
التفتت ليها ضي وقالت:
"قولت أخليكي تاكلي من إيدي مرة."
قربت منها جدتها فطبعت ضي قبلة على خدها وهي بتقول:
"صباح الخير يا أحلى تيتة في الدنيا."
طبطبت عليها و:
"صباح النوم يا ضي عيني. عاملالنا إيه النهاردة؟"
ضحكت ضي وقالت:
"هو فيه أحلى من الفطار المصري الأصيل. فول وطعمية وبيض طبعًا."
شمرت ضي إيديها وهي بتقلي البيض، فكشفت عن الاسورة اللي خدتها من البائع في المملكة. قربت منها جدتها ومسكت إيديها وهي بتتفحص السلسلة بتعجب:
"إيه دي يا ضي؟ أول مرة أشوفها معاكي."
ارتبكت وقالت بكذب:
"دي اسورة كانت ماما جايبهالي."
لاحظت جدتها العلامة اللي بتزينها كلها فقالت:
"مش دي العلامة اللي على السلسلة؟"
حاولت ياقوت تشوش على الموضوع، وخدت الاطباق عشان تخرجها برا وهي بتقول:
"يمكن صدفة يا تيتة."
سابتها وخرجت. لكن رغم عنها اتسعت ابتسامتها، دليل آخر يعرفها إن كل اللي بيحصل ده حقيقة. مش تهيؤات من دماغها...
كان نايم على سريره في جناحه وهو باصص للسقف بشرود. من ساعة ما قال الكاهن على اسمها وهو مش مستوعب. معقولة هي اللي بيشوفها في أحلامه طول الفترة دي؟!
رجع بذاكرته لآخر حلم جاله قبل ظهورها في المملكة على طول تقريبًا. لابس زيه الملكي، في اتم الاستعداد لليوم اللي انتظره. قرب منه الملك وشال التاج من على راسه وحطه على راس بدر وهو بيبتسمله. ووسط فرحته، في لحظات كل الأنوار انطفت من حواليه. المكان بقى ضلمة جدًا. اتلفت حواليه بتعجب وهو بيدور على اهله، ولكن مش شايف حد. كأن المكان اتبدل ولقى نفسه وسط أرض واسعة ملهاش حدود. ضيق عينيه وهو شايف من بعيد ضوء القمر نازل من على بُعد. ولكن حس إنه شايف حد من بعيد. لحد ما بالفعل لقى هيئة أنثوية متجهة ناحيته بخطوات متمهلة، لابسة فستان ضيق مش زي الملابس بتاعة المملكة. بتقرب منه وبيتبعها شعاع القمر، لحد ما وقفت قدامه. مكانش شايف ملامحها من الضلمة، ولكن كان شايف الابتسامة اللي اتشقت على شفايفها. لمعت عيونه بفرحة، وقرب منها رفع إيده وهو بيملس على خدها، فمالت براسها وثبتت أيديها على إيده اللي على وشها. وقتها ضحك بسعادة وقال:
"أخيرًا جيتي يا ضي القمر؟ أنا مستنيكي من زمان.."
اتنفض واتعدل على السرير وهو بيمسح وشه، مستنكر اللي بيحصل بل ورافضه تمامًا. استحالة يبقى قدره مرتبط بواحدة بتحمل دم وصفات اللي اتسببت في تعاسة حياته. هو بيحمل حقد وبغض ناحية عقيق، وهي تقريبًا عقيق!
قام اتحرك في جناحه زي التايه، عايز يعاند القدر بأي طريقة، مش هيتقبل إنه ده يكون مصيره.
لقى نفسه رغمًا عنه رايح لعنده. لازم يلاقي اجابات، مش هيفضل بالوضع ده كتير. وقبل ما يوصل لجناحها حس فجأة بالتردد وكان هيرجع، ولكن ملى الإصرار عيونه تاني واتجه للباب.
دق عليه بهدوء ولكن مسمعش صوت. دق تاني وهو بيستنتج إنها راحت في النوم. رغمًا عنه لقى نفسه بيفتح الباب ببطء عشان متصحاش وهو بيطل براسه بتردد. عايز يشوف شكلها وهي نايمة.
لحظات وفتح الباب على وسعه لما لقى سريرها فاضي. دخل الأوضة وهو بينادي:
"ضي القمر!"
وقف مكانه في الأوضة وهو حاسس بالدهشة. سرعان ما اتبدلت ملامحه للجمود. اتجه للبلكونة اللي في أوضتها. وقف من غير ما يسند على السور، وشبك إيديه الاتنين ورا ضهره، وفضل باصص على الحقول اللي قدامه بشرود تام.
"كان متوقع؟ مش هينكر هو حاسس إن وراها حاجة أساسًا. رغم إنكارها لكن هو كده كده كان هيفضل وراها."
افتكر كلام الملك لما كان بيقول إن عقيق كان بيجيلها اوقات بتختفي وتظهر. ضي القمر وراها سر. وهو نفس السر اللي كانت عقيق بتحمله....
رواية عقيق إلدورادو الفصل السابع 7 - بقلم منة ممدوح
بسبب تعب جدتها المفاجئ، لم تقدر العودة للمملكة لأيام. رغم أن فضولها كان سيقتلها لمعرفة تفاصيل كثيرة خاصة من الكاهن سلطان، لكن للأسف لم تكن تستطيع ترك جدتها وحدها. تعمدت أن تقلع السلسلة وقت نومها حتى لا تنتقل للعالم الآخر دون أن تنتبه. وبعد أن اطمأنت أن جدتها نامت وأخذت علاجها كله، عادت لغرفتها ووجهها يظهر عليه الإرهاق. تمددت على سريرها وهي تنظر للسقف بشرود، تتذكر كل الأحداث التي عاشتها هناك.
لوهلة تمنت أنها من عالم مثل هذا، كل شيء فيه دافئ وجميل، بعيدًا عن مكائد بدر لها. لوهلة وجدت نفسها تضحك عندما تذكرت آخر موقف بينهما عندما بارزها بالسيف. أحداث لم تكن تتخيل أنها ستعيشها أبدًا. وبعد تفكير طويل، غرقت في نوم عميق.
"أنتِ فين يا ضي القمر؟ أنا ما صدقت لقيتك. ما تبعديش..."
فتحت عينيها على صوت النداء بالصوت المألوف لها. كانت في قلب غابة مظلمة مليئة بالأشجار شاهقة الطول. تلفتت حولها وهي تدور على مكان الصوت وقلبها ينبض بخوف. نادت بصوت عالٍ:
"أنتَ فيـن!"
"ضي القمر!"
بدأت تتلفت بجنون أكثر وهي تحاول أن تجده، كأنها كالغريق الذي يتعلق بقشة، تايهة تبحث عن وطنها. تحركت بحذر بين الأشجار وهي ما زالت تتلفت عليه، حتى وقفت مكانها عندما رأته واقفًا من على بعد. لم يظهر من الظلام إلا هيئة جسمه التي انعكس عليها ضوء القمر الخفيف.
تحركت نحوه بخطوات بطيئة متمهلة. وكلما اقتربت منه، اتسعت ابتسامتها. رأته وهو يفتح يده لها ويشير لها أن تقترب، فزادت من سرعتها حتى أصبحت أمامه. رفعت عينيها إليه، فهمس هو بنبرة عذبة مليئة بالألفة وكأنه يتلذذ باسمها:
"ضي القمر..."
ابتسمت باتساع. في ذلك الوقت، ظهر نور قوي في المكان كأنه نهار، ووضحت ملامحه المحببة لها، بعينيه البنيتين وخصلات شعره الفاتحة التي تنزل على عينه. تنهدت هي وتمتمت:
"بــدر...."
انتفضت من نومها وهي تتنفس بصوت عالٍ. وضعت يديها على صدرها وهي تحاول أن تتمالك نفسها وتتمتم:
"يا ساتر يارب... جاثـوم!"
عدلت خصلات شعرها التي ثارت على وجهها ورجعتها للخلف وهي تكمل:
"حتى مش عاتقني في أحلامي!!"
لوهلة تداركت الأمر. الأحلام التي تأتيها منذ أن أصبح عمرها 18 سنة بشكل غريب ومتتابع، كلهم عبارة عن شخص بنفس الهيئة والصوت يبحث عنها حتى اليوم الذي جاءت فيه وأخذت السلسلة. تذكرت الحلم الذي قال لها فيه إنه ينتظرها منذ زمن! وقتها اتسعت عيناها بدهشة. الظاهر أنها هي المختارة منذ زمن فعلًا. منذ أن دخلت هذا العالم، وصوت بدر مألوف لها بشكل كبير. معقولة تكون هي المختارة فعلًا!
حست أنها على وشك الجنون من ربط الأحداث حولها. يجب أن تعود لسلطان بعد أن تطمئن على جدتها. الظاهر أن الموضوع أكبر منها بكثير ومترتب منذ زمن...
دخلت المملكة وعلى وجهها معالم الاستغراب. لأول مرة تجد السوق لا يعمل. الطرقات فارغة وليست مزدحمة، إلا من بعض الناس القليلين جدًا والذين كانوا يجرون بطريقة غريبة. أكملت مشيًا ولم يقل الاستغراب الذي على وجهها، حتى اقتربت من القصر الملكي. وقتها، جرى قائد الحرس بسرعة نحوها بمجرد أن رآها وهو يقول:
"أخيرًا ظهرتي يا مولاتي. بندور عليكي بقالنا أيام. لو ما كنتيش ظهرتي النهاردة، كنتي هتبقي في مشكلة كبيرة مع الملك!"
عقدت حاجبيها بتعجب، ولسه ستتكلم، ولكنها وجدت قائد الحرس يلتفت وينادي باسم جولينهار. دقائق وخرجت الفتاة التي كانت معها في الجناح قبل ذلك. أول ما رأتها، أشرقت ملامحها بسعادة وجرت نحوها وهي تقول:
"مولاتي! الحمد لله إنك بخير."
مشت معها ضي وهي تلتفت حولها بتعجب. القصر كان مليئًا بالتوتر الغريب. الساحة كان يوجد بها عمال كثيرون يجرون حرفيًا حول أنفسهم وهم يحملون معدات كثيرة. فسألت باستغراب:
"هو فيه إيه؟ هي الناس كلها بتجري ليه؟!"
ردت جولينهار بحماسة:
"النهاردة يوم التأسيس يا مولاتي. الترتيبات لازم تقوم على قدم وساق. أي غلطة ولو صغيرة عقابها هيبقى رادع. محدش حمل غضب الملك لو الاحتفال ما تمشيش زي ما هو عايز."
رددت ضي:
"يوم التأسيس!"
دخلت لجوا طرقات القصر، فقالت جولينهار:
"كل سنة بيبقى عندنا يوم اسمه يوم التأسيس. الذكرى السنوية لتأسيس مملكة إل دورادو العريقة. بنحيي فيها ذكرى الملك المذهب، اللي بيكون الملك الأكبر، واللي من نسله الملك رسلان والأمير بدر."
مطت ضي شفتيها وهي تحس بالانبهار. فكملت جولينهار:
"الحقيقة يا مولاتي، الملك قلب المملكة عليكي. افتكرنا صابك مكروه!"
طمنتها ضي وهي تقول ببساطة:
"لا متقلقيش. أنا بس خرجت برا حدود المملكة وتوهت شوية."
نظرت إليها جولينهار بتعجب. كان السبب غير مقنع تمامًا، خاصة ملابسها الغريبة التي ترتديها عكس آخر ملابس رأوها بها. ولكنها فضلت ألا تعلق مهما كان، فـ ضي هي الملكة المنتظرة، لا يمكن أي تجاوز معها. فقالت:
"المهم إنك بخير يا مولاتي. لازم نروح جناحك دلوقتي عشان نجهزك. لازم تظهري بأحسن مظهر، خاصة إن الاحتفال ده هيضم ملوك وأمراء ممالك كثيرة."
وقفت ضي باعتراض وهي تقول:
"لأ... لازم أشوف سلطان الأول."
عقدت جولينهار حاجبيها بتعجب من طلبها وقالت:
"الكاهن سلطان؟!"
هزت ضي رأسها ببساطة. فاستنكرت جولينهار وقالت:
"بس يا مولاتي..."
قاطعتها ضي:
"لا من غير اعتراض. لازم أشوفه دلوقتي. الموضوع مهم. خديني ليه."
رغم التردد الذي كان ظاهرًا عليها، إلا أنها وافقت أمام إلحاح ضي خوفًا من أن تشتكيها للملك. وغيرت طريقها للمكان الذي يجلس فيه سلطان. ولكنها رغم ذلك، قالت بقلق:
"أنا هوصلك لوحدك، لكن مقدرش أدخل معاكي يا مولاتي. سلطان مخبول وتصرفاته مش متوقعة."
ابتسمت ضي بقلق. هي أيضًا خائفة منه، خاصة بعد الاستعراض الذي فعله أمامهم. ولكن لم يكن أمامها حل آخر، فهزت رأسها بتفهم.
لاحظت أنهم يغيرون طريقهم لممرات تحت القصر، وكل مدى الجو يصبح مظلمًا أكثر. حتى وجدت نفسها تحت في سرداب حالك السواد. تحركت جولينهار ووطت ومسكت شيئًا من على الأرض. وبعدها ظهر ضوء خافت، فشافت في يدها مصباحًا بداخله شمعة هو الذي ينور، والذي الظاهر أنها كانت تعرف مكانه. أعطته إياها جولينهار. فأخذته ضي بتردد. وبعدها اتجهت لواحد آخر، أشعلته وأشارت لها أن تتقدم. فارتبكت ضي وهي تقول:
"أنتِ متأكدة إن سلطان عايش في الأنقاض هنا؟"
ردت جولينهار بصوت هامس:
"قولتلك يا مولاتي. الكاهن سلطان مش طبيعي، ومش أي حد يقدر يدخل وكره."
أخذت ضي شهيقًا طويلًا وزفرته على مهل وهي تقول:
"ربنا يستره."
وصلوا أخيرًا لآخر الرواق. رفعت ضي يدها بالمصباح، فشافت أمامها بابًا ضخمًا من الخشب العتيق، والذي كان متشققًا وكأن المكان مهجور. تكلمت جولينهار في ذلك الوقت:
"وصلنا يا مولاتي."
"اضطر أسيبك. مقدرش أغامر وأدخل لجوه."
نظرت إليها ضي بتوسل، ولكن جولينهار رفعت كتفيها بأسف، وبعدين انحنت بخفة وسابتها ومشيت. فقالت ضي:
"جولنار... يا جولنار... طب عشان خاطري!"
ولكنها اختفت عن أنظارها تمامًا. تلفتت في ذلك الوقت لتنظر للباب وهي تحس أنها على وشك البكاء من الخوف الذي تشعر به. بلعت ريقها برعب ورفعت يديها وخبطت على الباب ببطء. لوهلة انتفضت بهلع عندما رأت الباب يفتح لوحده مصدرًا صوت تزييق جامد. لوهلة فكرت أنها تلف وتجري، ولكن فعلًا كانت تحتاج إجابات لأسئلتها. شجعت نفسها ودخلت بحذر وهي تتفقد المكان. كان عبارة عن وكر كبير جدًا بإضاءة صفراء، مثل البيت المهجور، ليس أنيقًا ولا مرتبًا كباقي القصر. يوجد طاولات كثيرة عليها برطمانات تحتوي على أنواع غريبة من الزواحف والحشرات، هذا غير القدر الكبير الذي كان على النار والذي كان يغلي بسائل لزج باللون الأخضر!
وعلى جنب آخر، كان فيه مكتبة عتيقة مليئة بكتب كثيرة جدًا عليها كمية تراب وأعشاش عنكبوت. لوهلة حست بالاشمئزاز من المكان الذي كانت أجوائه ترهب النفوس! تحركت بتردد ناحية المكتبة وهي ترى العناوين المكتوبة بلغة غريبة، رأتها مرة واحدة فقط تحت لوحة بدر المعلقة في القصر. مدت يدها لتمسك الكتاب، ولكنها انتفضت وهي تصرخ بهلع عندما ظهر الكاهن أمامها مرة واحدة وهو يقول:
"أخيرًا جيتي برجلك!"
وضعت يديها على قلبها ووقفت تنظر إليه بغيظ شديد. أما هو، فابتسم ابتسامة أظهرت أسنانه الصفراء وانحنى وهو يقول بسخرية:
"بعتذر يا مولاتي. خضيت جنابك."
وقعت بأنظارها على الضفدعة التي على مقدمة عصايته، والتي كانت تنظر إليها وهي ترمش ببطء وبسخرية. وبعدين نظرت لسلطان الذي قال وهو يعطيها ظهره:
"عادة ممنوع دخول أي حد هنا وإلا مصيره هيبقى الجنون."
تلفتت نحيتها مرة واحدة ووجه العصا إليها، فاتراجعت للخلف وقال:
"أنتِ استثناء يا ضي القمر."
حط يده على ذقنه وهو يقول ببلاهة:
"وعقيق برضه كانت استثناء!"
فتحت فمها لتتكلم، ولكن قاطعها عندما قال:
"أنا عارف أنتِ عايزة إيه."
رفعت حاجبها وقالت:
"إيه؟"
"إجابات."
قالها ببساطة وهو ينظر إليها بنظرة ذات مغزى جعلت ملامحها تتبدل للدهشة. فرجع يكمل:
"عايزة إجابات لكل الأسئلة اللي في دماغك."
قربت منه بتوسل وهي تحس أنها على مشارف الجنون، وقالت:
"عايزة إجابات فعلًا، ومفيش قدامي حد غيرك. أنا عارفة كويس إنك مدرك أنا مين أو جاية منين. أنتَ لمّحت بده، والأكيد إن محدش في المملكة دي غيرك عارف السر ده."
قرب ولف حولها وهو ينظر إليها بتقييم ويقول:
"مدهش... ذكية... عبقرية... ولماحة. ولكن إجاباتك مش عندي، لإنك عارفة الإجابات كويس أوي يا ضي القمر. عارفة زي ما أنا عارف إنك ربطتي الأحداث!"
اتسعت عيناها بدهشة ورددت:
"أنتَ إزاي؟!... أنتَ إيه؟!"
وقف مرة واحدة أمامها ورفع العصا لفوق وهو يقول ببساطة:
"أنا سلطان المجنون. مجرد عجوز عفى عنه الزمن!"
كانت الدهشة لا تزال على وجهها، فكمل:
"مصيرك يا ضي القمر مربوط من زمان، من قرون في عالمك. من وقت ما عقيق لاقت السلسلة. حملك لدم عقيق هو أكبر لعنة صابتك."
قالت بصدمة:
"يعني أنا الملكة المنتظرة؟!"
خبط بالعصا على الأرض، فانتفضت الضفدعة وهي تصدر صوتًا معترضًا، وقال:
"قدرك متحدد من ولادتك يا ضي القمر. هيحصل اللي مكتوب. بس هيحصل اللي مكتوبلك."
خبط مرة ثانية بالعصا بقوة. فامتلأ المكان بغبار عنيف جدًا لدرجة أن الرؤية تشوشت، ولم تعد قادرة تتنفس أو ترى كويس. فضلت تكح بعنف وهي تحاول تزيل الغبار من الهواء من حولها. وبمجرد أن اختفى ووضحت الرؤية، تجمدت تمامًا عندما وجدت نفسها برا قدام الباب!
تلفتت لتنظر للباب وهي تقول:
"والله؟ لا بجد والله؟!"
أدركت أن سلطان شبه طردها. هي لن تستطيع أخذ معلومة مفيدة منه. الظاهر أنه عجوز اتجنن وعفى عنه الزمن فعلًا، أو يمكن هو رجل ليس سهلًا يخرج الكلام منه بحذر! دبت برجليها على الأرض بغيظ، وبعدين وطت، أخذت المصباح واتحركت لبرا السرداب. وبمجرد أن طلعت لنور القصر، لقت جولينهار تنتظرها بالخارج. أول ما رأتها، جرت نحوها بلهفة وهي تقول:
"أخيرًا! أنا قلت المجنون ده قتلك واستخدم دمك لوصفة من وصفاته المجنونة!"
نظرت إليها ضي بسخرية وقالت:
"لا كلك واجب فعلًا يا جولنار."
"جولينهار يا مولاتي!"
صححت بحياء. فعلقت ضي بسخرية:
"قال يعني كده اللي بقى مفهوم أوي!"
وقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها الخرافية بأعين متسعة من الانبهار بعد أن انتهوا من تزيينها. كانت ترتدي فستانًا ضخمًا مكونًا من عدة طبقات كعادة الفساتين الملكية هنا، باللون السماوي المنقوش بجزء من الأمام باللون السكري، نازلًا بعدة طبقات، ويزينه من على الصدر فيونكة كبيرة. نازل بأكمام واسعة من عند المعصم مخروطية الشكل. أقل كلمة تقال عنه إنه مبهر!
عملوا تسريحة رقيقة لشعرها وزينوه بقطع من الأحجار الكريمة الملونة، وتاج صغير جدًا مصحوبًا بوشاح نازل على ظهرها.
لفت حول نفسها وهي تقول بانبهار:
"رهيب! ولا كإني في العصر الفيكتوري!"
رددت جولينهار بتعجب:
"عصر إيه يا مولاتي؟"
نظرت إليها ضي بنفاد صبر وأشاحت بيديها بلا مبالاة وهي تعود لتتأمل التفاصيل الموجودة في الفستان والإكسسوارات التي ترتديها، حتى دخل أحدهم بانحناء باحترام وهي تقول:
"مولاتي. جلالة الملك ينتظرك في جناحه قبل بداية الحفلة."
رفعت فستانها الثقيل جدًا لتذهب معها. وبمجرد أن تحركت، اتكعبلت في طبقة من طبقات الفستان ووقعت على الأرض. جرى كلهم نحوها ليحاولوا إنقاذها، ولكنها أشارت لهم أن يقفوا وهي تقول:
"أنا كويسة."
تحاملت على نفسها لتقف حتى عرفت. وجاءت لتتحرك، اتكعبلت مرة ثانية ووقعت على الأرض. فصرخت بغيظ وهي تضرب على الفستان وتلعن اليوم الذي فكرت أن ترتديه فيه.
"مش معنى إني اديتك حريتك زي ما طلبتي، إنك تختفي بالأيام من غير ما نعرف عنك حاجة وترجعي بمنتهى البساطة!!"
قالها الملك بنبرة قوية وهو رافع وجهه بشموخ، في حين ضم كفيه وراء ظهره وينظر إليها من فوق لتحت. فقالت ضي بتبرير:
"أنا بس خرجت وحصلت ظروف مقدرتش أرجع للمملكة بسهولة و..."
تكلم الملك رسلان بغضب وقوة:
"اسمعي يا ضي القمر، أنا مش عايز قصة عقيق تتكرر. كانت غلطتي الوحيدة إني محاولتش أدخل جواها وأعرف أسرارها، ولكن صدقيني مش هكرر الغلط ده مرتين. من هنا ورايح هتفضلي تحت عيني. حرة آه، ولكن مش هسمح إنك تخرجي لوحدك أبدًا. هيفضل متابعك على الأقل اتنين من الحراس. لحسن حظك بس إن النهاردة يوم مهم في المملكة، وإلا كنت وجهتلك عقاب رادع!"
فتحت فمها لتتكلم، ولكنه قاطعها عندما رفع كفه في وجهها. وبعدين أشار لها أن تمشي، فاتحركت بالفعل وخرجت بعد أن نظرت إليه بغيظ شديد وتمتمت:
"حقها تيتة عقيق والله تطفش منك!"
بدأت مراسم الحفل، والتي كانت مهيبة للغاية. دخلت فرقة ملكية تعزف وتدق الطبول. وبعدين خرج الملك رسلان، والذي كان في أبهى طلة وهو يرتدي تاجه المليء بالأحجار الكريمة وماسك صولجانه. صعد على عرشه، ووراه الأمير بدر، والذي لم يكن يقل عنه، ولكن الفرق وسامة الشباب!
لوهلة خطفت طلته أنفاس ضي، التي كانت تتأمله بإعجاب واضح. نظر إليها هو بطرف عينه، التي تجمدت بمجرد أن رأى هيئتها الجديدة عليه، والتي كانت ملفته لدرجة الهلاك! بعد نظرة الانبهار هذه، لاحظت أن عينيه تميلان بنظرة غريبة لم تستطع هي تفسيرها، ولكن المتأكدة منه أنها نظرة ليست عادية تمامًا.
كان الحفل مليئًا بشكل رهيب. شعب المملكة كله موجود يحتفلون باليوم العظيم بالنسبة لهم، هذا غير ملوك وأمراء الممالك الأخرى، والذين يبدو من ملابسهم الرسمية والمجوهرات من هم.
وقفت الموسيقى مرة واحدة، ووقف معها الملك رسلان من مكانه وهو يحيي شعبه بيديه. وابتدأ يتكلم برأس مرفوع بشموخ:
"سعيد جدًا بحضور أصدقائي الملوك من الممالك الأخرى عشان يشاركوني اليوم العظيم ده. يوم تأسيس مملكة إل دورادو العظمى، واللي أسسها من قرون الملك الأكبر، الملك المذهب..."
ارتفع التصفيق في ذلك الوقت من كل الحضور. فرفع يده، وتلقائيًا سكت الجميع. فكمل كلامه:
"حبيت أخلي الاحتفال مميز يليق بتاريخ المملكة وتاريخ الملك المذهب، اللي فنى عمره لأجل المملكة دي. واللي بقسم أنا الملك رسلان، ملك مملكة إل دورادو العظمى..."
أشار في ذلك الوقت نحو بدر وكمل:
"... وولي العهد المنتظر الأمير بدر رسلان، بأننا هنفني عمرنا في سبيل إن المملكة تزدهر."
ارتفع صوت التصفيق مرة ثانية. فانحنى بدر والملك تلقائيًا ليحيوهما. في حين أن ضي كانت تراقب كل ما يحدث بملامح وجه ظاهر عليها البلاهة من الصدمة.
ابتسم الملك رسلان في ذلك الوقت وقال:
"وفي اليوم المميز ده، حابب أفجرلكم مفاجأة أنا نفسي في غاية السرور منها. أقدم لكم خليلة الأمير بدر والملكة المنتظرة لإل دورادو... الأميرة ضي القمر."
اتجهت كل الأنظار عليها بفضول من المكان الذي أشار إليه الملك. فاتسعت عيناها بدهشة وانحبست أنفاسها من الصدمة وهي تقول:
"يا واقعة سودة!...."
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثامن 8 - بقلم منة ممدوح
إيه اللي بتقوله ده يا مولاي؟!
كانت صدمة بدر متقلش عن ضي القمر، والده خد خطوة هو مخدش رأيه فيها أصلًا، كانت ملامحه مشدوهة ومش مستوعب الموقف اللي حطه فيه.
فبصله الملك بتحذير، وللأسف مكانش يقدر يغلّط الملك ويعترض على الكلام اللي قاله، ففضل السكوت بعد ما نكس راسه وضم قبضة إيده وهو بيجز على أسنانه بغضب.
كانت بتبص للناس اللي اتوجهت أنظارهم ليها بريبة، أما اللي جنبها فمالت ناحيتها وهي بتهمس:
_يعني أنتِ خليلة الأمير بدر؟
_ولا أعرفه.
قالتها باندفاع خلتها تبصلها بتعجب، فكمل الملك وهو بيقول بابتسامة عريضة:
_مكانش ليه داعي نخبي الموضوع أكتر من كده، خاصة بعد قصة الحب الكبيرة اللي بين الأمير بدر والأميرة ضي القمر.
استنكرت وهي رافعة حاجبها بدهشة وقالت:
_عيب لما تبقى راجل كبير وكداب!
حست إنها عايزة تجري من النظرات اللي بقت متسلطة عليها وكأنها عروسة لعبة بيقيموها. وطبعًا ده ميخلاش من نظرات البغض والغيرة من بعض أميرات الممالك التانية، خاصة وإن بدر كان يعتبر من أوسم الأمراء والأشد بنية.
فاقت على العاملات من القصر عشان يساعدوها تطلع تقف جنب بدر والملك، فمشيت معاهم على مضض وهي بتبلع ريقها بقلق، لحد ما سابوها واقفة جنب بدر اللي كانت عينيه احمرت من كتر الغضب.
فتمتمت بغيظ:
_الله يخريبيتك أنتَ وأبوك!
همس من بين أسنانه بعصبية:
_أنتِ تخرسي خالص، لو مكونتيش رجعتي من الداهية اللي جيتي منها مكانش كل ده حصل.
ردت بضيق:
_داهية تبقى تاخدك أنتَ!
رفع عيونه في الوقت ده ليها يبصلها بنظرات فتاكة، حست لوهلة إنه هينقض عليها يخلص عليها، فبلعت ريقها برعب. ولكن اللي أنقذها لما الملك اتكلم وهو بيشاور عليهم:
_سعيد الحقيقة إن الأمير بدر أخيرًا لقى اللي تناسبه، وفي أقرب وقت هندعوكم لمراسم الزفاف الملكي.
ارتفع صوت التسقيف بحرارة مع صياح الشعب بفرحة على المناسبة الجديدة في المملكة. أما بدر فبعد جملة "اللي تناسبه" رفع عينه ليها وهو بيبصلها باستهزاء. لاحظته هي فغلي الدم في عروقها وقالت:
_لا بقولك إيه، اظبط نظرتك دي!
دور وشه الناحية التانية ورفع إيده عشان يحيي الموجودين، أما هي فكانت بتبصله بسأم. اتأوهت بألم لما لكزها في جنبها عشان ينبهها، فرفعت إيديها هي بملامح متغاظة وأبتدت تحييهم في حين تمتمت:
_مكدبتش لما قولت إنكو عالم منخوليا والله!
اتحرك الملك ووراه بدر وضي اللي كانت بتجاهد عشان متتكعبلش بفستانها، ونزلوا عشان يندمجوا بين الحضور. كانت متضطرة تحضر ترحيبات الملك رسلان بملوك وأمراء الممالك التانية. وطبعًا مخلاش الأمر من التبريكات.
رغم الأجواء الغريبة ليها إلا إنها حست بالألفة، خاصة وإن المعظم كانوا بيباركوا بحفاوة بالفعل وكانوا فرحانين من قلبهم.
لـوهلة حست بإن الملك ملامح وشه اتغيرت للغضب أو الضيق. نقلت بنظراتها على بدر فلقته مصوب أنظاره على مكان ما. لاحظت من على بُعد دخول مجموعة من الأشخاص واللي ملامحهم مبعثش الراحة أبدًا.
وأول ما وقعت عينيهم على الملك رسلان وبدر اترسمت ابتسامة ساخرة على وشوشهم كإن كل واحد فيهم كان بيناظر غريمه. رفع بدر وشه للملك وبأعصاب مشدودة قال:
_مولاي!
ربت الملك على كتفه وهو بيقول:
_مش عايزين حاجة تعكر صفو احتفالنا.
"اسيطر على أعصابك على قدر ما تقدر."
شافتهم بيتجهوا ناحيتهم، الملك براس شامخ وكبرياء، وبدر بملامح مشدودة ومتحفزة ده غير قبضة إيده اللي كان ضاممها بقوة.
اتلفتت ضي لجولينهار اللي كانت وراها وسألت بتعجب:
_مش فاهمة حاجة!
فردت جولينهار في حين نظراتها مثبتة عليهم:
_وصل ملك مملكة ازتلان يا مولاتي. كان فيه حروب طويلة بين إل دواردو وازتلان، ولكن الحروب وقفت بقالها أعوام بعد اتفاقية السلام الأخيرة، ولكن ده مقللش من البغض والعداء اللي بين المملكتين، بالعكس كل مملكة متحفزة للتانية.
نقلت ضي بنظراتها عليهم لحد ما ثبتت على شخص كبير في السن من عمر الملك، ولكن على العكس كان وشه مليان ندوب عميقة وكإنه كان في معركة طاحنة. لاحظت جولينهار نظراتها فاتكملت:
_ده الملك ضرغام، ملك مملكة ازتلان. أما بالنسبة للجروح اللي في وشه فاللي سببها ليه الملك رسلان، يمكن دي حاجة مخلية العداوة مستمرة، لإنه كل ما بيبص لمرايته، بيسوف أثر هزيمته قصاد الملك رسلان!
"واللي جمبه الملكة آريا، مراته العقل المدبر لكل شر بيحصل في المملكة."
"على الشمال ابنه الأمير رئبال، يمكن أبغض من والده، كله حقد تجاه الأمير بدر لإنه قادر يلفت النظر عنه."
بالفعل ثبتت نظراتها مكان ما قالت، كان شاب طويل وفي جسم بدر تقريبًا، ولكن مش بنفس وسامته، بشعر اسود غزير واصل لكتفه، وعيون زرقاء حادة مش مريحة. كانت نظراته مثبتة على بدر اللي مد إيده يسلم عليه، وبالفعل كان سلام متحفز تمامًا وأي حد يقدر يميز العداء اللي بين الاتنين.
على الجانب الآخر لاحظت البنت اللي مركزة مع بدر، بشعرها الأحمر الغجري وعيونها الزرقا مع ملابسها الملكية فكانت فاتنة. لوهلة حست بالضيق منها فشاورت ناحيتها براسها وهي بتقول:
_ودي؟
ردت جولينهار:
_دي الأميرة داريا ابنة الملك ضرغام وشقيقة رئبال، طبعًا عيلة زي دي مش هتطلع ملاك برئ وسطهم.
هزت راسها بتفهم وهي بتقول:
_واضح.
كملت جولينهار:
_كان من ضمن اتفاقية السلام بين المملكتين إنه يتم الزواج بين الأمير بدر والأميرة داريا، ورغم إنها سعت لده كتير وحاربت عشان تقدر تملك الأمير بدر إلا إنها فشلت والأمير بدر رفض رفض تام، ولكن هي شبه ميئستش بالعكس منتظرة أقرب فرصة تقدر تقرب بيها. ده غير إنها حاولت قبل كده تشعل حرب بين المملكتين عشان بس تقدر تتجوز الأمير كوسيلة لوقف الحرب.
اتوسعت عين ضي بدهشة، لوهلة خدت بالها من نظراتها لبدر، كإنها بتتعمد يبقى فيه كلام بينهم. لحد ما اتصدمت لما ثبتت نظرات داريا عليها، وكأنها عارفة هي مين كويس. اتأملت ضي من فوق لتحت، وبعدين ابتسمتلها ابتسامة خبيثة حست فيما معناها إنها غريمتها!
رغم مشاعرها اللي تكاد تكون مش موجودة ناحية بدر ولكن حست إنها في مبارزة لازم تثبت إن هي الكسبانة فيها كوسيلة إنها ترفع من كرامتها قصاد الفاتنة اللي تعتبر غريمتها!
محستش بنفسها غير وهي متجهة ناحيتهم وسط نظرات جولينهار المستغربة. راحت عندهم ولاحظت إن النظرات ثبتت عليها، فاتلفت بدر بدوره باستغراب لحد ما شافها بتقف جمبه وبتنحني وهو بتقول برقة في حين بتبص لعيونه بوداعة وهي بترمش:
_سمو الأمير...
رفع حاجبه باستغراب كإن حاسس إن اللي قدامه مش طبيعية. فاتكلم الملك في الوقت ده:
_كويس إنك جيتي يا ضي القمر عشان أقدمك لضيوفنا.
بص لداريا في الوقت ده وكمل كلامه وهو بيقول بنبرة وصل مغزاها ليها كويس:
_الأميرة ضي القمر، خليلة الأمير بدر وزوجته المستقبلية.
لـوهلة اتبدلت نظرات داريا لتانية أكثر قتامة، في حين شافتها وهي بتجز على أسنانها بحقد. فانحنت ضي القمر وعلى وشها ابتسامة موجهة ليها هي بس، وسط متابعة بدر ليها باستغراب. فمال ناحيتها يهمس بتعجب:
_أنتِ مخبوطة على دماغك ولا حاجة؟
فردت عليه بنفس الهمس:
_لو عايزني اعملك فضيحة هنا دلوقتي معنديش أدنى مشكلة!
نهت جملتها وهي بتبسمله بسخافة فبادلها هو كمان بابتسامة صفراء وراها نظرات مليانة غيظ كانت هي بص اللي شايفاها. وبعد الترحيب اللي كان مصطنع بدئت مراسم الاحتفال. ارتفع صوت الموسيقى الملكية الهادية، فابتدى الكل يتجمع لساحة الرقص، الأمراء والملوك وحتى عامة الشعب ولكن كانوا سايبين الساحة فاضية من النص للأمير بدر وضي القمر وكانوا منتظرين يفتتحوا الرقصة هما.
حاول بدر يتملص من الموضوع ولكن نظرات الملك حذرته من إنه يعمل حاجة تثير شك الموجودين، فاتجه ناحية ضي اللي كانت بتبص على اصطفاف المعازيم على شكل دائري بانبهار. لحد ما عقدت حواجبها بضيق لما وقف بدر بطوله الفارع قدامها وأعاق عنها الرؤية بطوله اللي كان يفوقها بمراحل. رفعت عيونها ليه فمد هو إيده ليها وقال بسأم:
_يلا.
علقت باستغراب:
_يلا فين؟
_نرقص.
قالها بضيق شديد وكان باين عليه إنه مجبر. اتلجلجت هي وحست بالاحراج من فكرة إنها تكون وسط الناس دي وقالت بتوتر:
_لأ، نرقص إيه! مبرقصش أنا.
زفر أنفاسه بنفاذ صبر وقبل ما تستوعب كان جذبها بعنف مش ملحوظ لمنتصف الساحة. وقف وهو ماسك إيد ضي وفارد إيده التانية ومنحني. فهمست ضي برعب:
_الله يخربيتك!
_الله يخريبـيبت معرفتك. مبعرفش ارقص.
رد بسخرية:
_من امتى وأنتِ بتعرفي تعملي حاجة!
بصتله بغيظ وقالت:
_هنقل أدبنا بقى!
بصلها بطرف عينه بتريقة، فارتفع صوت الموسيقى الهادية في الوقت ده، فقال هو:
_سيبي نفسك ليا.
_أسيب إ.......
وقبل ما تكمل جملتها كانت شهقت بخضة لما جذبها ليه مرة واحدة فبقت شبه ملتصقة بصدره. مسك كف إيديها وهو بيفرد دراعها بطول دراعه وسط نظراتها المذعورة. بص لعيونها مباشرة وابتدى يتحرك بيها على أنغام الموسيقى.
ومعاهم بدأ الكل يرقصوا معاهم ولكن كانت الاضواء كلها مسلطة على بدر وضى. لـوهلة لقت نفسها بتتسحب قدام نظرة عيونه اللي كانت مسلطة عليها. حست إن فيه مشاعر ابتدت تتسلل ليها من درجة القرب الرهيبة بينهم. مقلش هو عنها، حس إنها مميزة، فيها شيء مختلف رغم إنه دايمًا حاسس إنها غريبة الأطوار بل ومتأكد إن وراها سر.
ده غير دم عقيق اللي في اوردتها!
لقت كل حاجة بتختفي من حواليها عدا هو وعيونه وامتلاكه لجسمها اللي كان بيتحرك معاه بسلاسة. الرهبة اللي كانت حاسة بيها اختفت تمامًا بين إيديه. الرقصة كانت مبهرة كإن الاتنين كانوا مفصولين عن العالم، لدرجة إن اللي كانوا بيرقصوا وقفوا عشان يتفرجوا عليهم.
وطبعًا كانت عيون داريا الغضبانة متابعاهم من على بُعد. ابتسم الملك رسلان باتساع وهو شايف حكايته مع عقيق بتتكرر قدامه بس المرادي بطل الحكاية هو ابنه.
رفع بدر كف إيده ومشاه على وش ضي، وبعدين بعدها عنه ولفها حوالين نفسها كذه مرة، وفي النهاية جذبها ليه بقوة فمالت ناحيته وهي حاطة إيديها على صدره، أما هو كان محتوي خصرها بإيديه الاتنين في حين أنفه شبه ملامس لانفها وكأنه على وشك تقبيلها!
وكانت دي نهاية الرقصة الملكية اللي ارتفع بعدها التصفيق من حواليهم خلاها رجعت للواقع بعد ما حست لـوهلة إنها تاهت في بحور مشاعر غريبة ساورتها للحظات. بعدت عنه وهي بتنحني معاه ووشها ظهر عليه معالم الخجل من الوضع.
وقعت عيونها على داريا اللي كانت مبتسمة ليها بسخرية وبتصقف ببرود كأنها بتستهزأ بيها. واتحركت ببطئ ناحية بدر ووقفت قدامه بعد ما ارتفع صوت الموسيقى مرة تانية وهي بتقول:
_دوري.
رفعت ضي حاجبها بتعجب وقبل ما تستوعب كان جذبها شخص من الحضور عشان ترقص معاه كتقليد من ضمن الاحتفال. ولكن كانت الرقصة مبتطولش وتلاقي نفسها مع شخص تاني عشان ينولوا شرف الرقص مع الأميرة. وكان الوضع ده المفروض يتم مع بدر برضه ولكن داريا فضلت متمسكة بيه وهي بتنقل نظراتها لضي باستفزاز وبالفعل قدرت تستفزها.
وقبل ما تتجه ليهم كان جذبها شخص كمان ولكن مال ناحيتها وهو بيقول بهسيس:
_ضي القمر...
رفعت عيونها ليه بتعجب ولكن سرعان ما اتسعت بدهشة لما شافته، كان الأمير رئبال، واللي كان بيبصلها بنظرات الأسد اللي هينقض على فريسته. حست هي بالنفور منه فمال ناحيتها وهو بيقول:
_محصليش الشرف إني اتعرف بيكي، ولكن دي أنسب فرصة، الأمير رئبال، ولي عهد مملكة ازتلان.
هزت راسها مع ابتسامة سخيفة وهي بتقول:
_تشرفنا.
حاولت تبعد عشان تمشي ولكنه جذبها تاني وهو بيقول:
_مش كفاية.
بصتله بتعجب، وقبل ما تتكلم كان قطع حديثهم بدر اللي وقف قدامهم وهو بيقول بابتسامة مليانة مقت شديد تحتها:
_مضطر أخد منك الأميرة ضي القمر يا رئبال.
اتلفت رئبال ليه ببطء كإنه قاصد يستفزه. وبعدين بعد عن ضي وهو رافع إيديه الاتنين قصاد وشه وهو بيقول بسخرية:
_أكيد. دي خليلتك في النهاية.
جذب بدر ضي من إيديها ووقفها جمبه وهو بيقول بتحذير وصله:
_كويس إنك عار.
قالها وخد ضي وكان بيجرها وراه حرفيًا، في حين كانت هي بتحاول تساير خطواته ورافعة الفستان عشان متقعش وهي بتقول:
_يا عم اصبر! أنتَ مركب عجل في رجلك. احترم إن فيه أنثى رقيقة وراك هتتقلب على وشها!
وقف بيها في مكان خالي من الناس، جذبت هي إيديها تضمها ليها في حين بتبصله بغيظ. أما هو فقرب ناحيتها وهو بيقول بضيق:
_لحد ما تغوري من هنا، لو مش عايزة توقعي نفسك والمملكة في كوارث ابعدي عن رئبال وعيلته!
حركت إيديها في الهوا وهي بتقول بعصبية:
_ما حضرتك اللي سيبتني وماسك في اللي اسمها داريا دي، عايزني أعمل إيه يعني؟!
أشهر صوباعه في وشها وهو بيقول من بين أسنانه:
_ابعدي عن رئبال، وأي حد من مملكة ازتلان عامة، وياريت تبعدي عني شخصيًا!
قالها وسابها وهو بيتلفت وبيمشي، فدبت على الأرض وهي بتقول بغيظ:
_ماشي يا أبو ملاية. مـاشـي!
اتلفت في الوقت ده ورجع ليها تاني بملامح قاتمة وأعصاب مشدودة. انكمشت على نفسها بخوف وهي بتقول:
_إيه فيه إيه! على فكرة الملك هيزعلك لو عملتلي حاجة.
كلامها ده زود من غيظه ناحيتها، فمال ناحيتها وهو بيقول:
_صدقيني هعمل اللي أقدر عليه عشان أخليكي تختفي من هنا. مش هسيبك يا ضي غير وأنا كاشف كل اللي وراكي!
سابها ومشي المرادي، فضمت شفايفها بغيظ، وبعدين صرخت:
_أعلى ما في خيلك اركبه يا أبو ملاية!
ضربت برجليها على الأرض كذه مرة بغضب وهي حاسة إنها هتعيط من الغيظ. أما بدر فكان حاسس بنار مستعرة جواه، كرهه لعقيق مع المشاعر اللي ابتدت تتحرك جواه ناحيتها غصب عنه واللي بدأ يكتشفها حديثًا خلاه غاضب وناقم عليها.
وقف من على بُعد فأخد باله منه الملك رسلان، هزله بدر راسه فاستأذن الملك من ضيوفه واتجه مكان ما دخل بدر.
كان واقف في الردهة وهو بيتحرك حوالين نفسه وبيمسح على وشه عشان يحاول يتمالك اعصابه، لحد ما وصل الملك عنده وهو بيقول:
_ياريت تكون حاجة مهمة يا بدر اللي تخليني أسيب الاحتفال وأجيلك هنا!
اتحرك بدر ناحيته وقال بضيق:
_مولاي، ده مكانش اتفاقي معاك. إحنا متفقناش عامة. أنا مدرك إن جلالتك الملك وكل قراراتك وراها حكمة. ولكن ده مستقبلي يا مولاي، ليه تربطني بواحدة لمجرد نبوءة قديمة قالها سلطان المجنون!
كتف الملك إيديه الاتنين ورا ضهره، ورفع راسه بشموخ وهو بيقول بحدة:
_أفهم من كده إنك معترض على أوامري يا سمو الأمير؟
غمض بدر عيونه بضيق، فتحهم تاني وهز بيقول بنبرة حاول تكون هادية:
_مولاي، قرارك ده مبنى على عاطفة مش عقل. جلالتك عايز تعوض عدم اتمام جوازك من عقيق فيا أنا وضي، وده شئ انا مش هقبل بيه!
قرب الملك منه بخطوات بطيئة ووقف قصاده وهو بيقول بتحدي:
_جوازك من ضي القمر هيتم والنبوءة هتتحقق يا بدر رغمًا عنك. لو لقيت أي اعتراض منك بعد كده هعتبره تمرد على أوامر الملك!
لـوهلة اتجمد بدر مكانه وهو باصص لوالده بدهشة. لأول مرة يحس إنه بقى أناني بالشكل ده. اتبادلوا النظرات لبرهة واللي كانت مليانة عتاب من بدر، لحد ما هز راسه في النهاية وسابه وخرج من الردهة، ومنها كان قاصد يسيب الحفل ويمشي.
ولكن بمجرد ما خرج اتجمد تمامًا مكانه، شلل تام في اجزاء جسمه، اتوسعت عيونه بدهشة وهو شايف اللي واقفة قدامه، وهمس بصدمة:
_أمــي!!
رواية عقيق إلدورادو الفصل التاسع 9 - بقلم منة ممدوح
رجعت لمكان الحفل وهي بتحاول تتمالك نفسها قدر المستطاع، الظاهر إن بدر حطها في دماغه فعلًا ومش هيسيبها، ولكن اللي شاغل بالها هل هتقدر ترجع لعالمها بالفعل ولا الملك هيشدد الحراسة عليها.
آخر مرة اكتشفت إنها راحت ورجعت في نفس الوقت، ولكن هي مش متأكدة، ومتقدرش تغامر بحاجة زي دي وجدتها لسة تعبانة.
لاحظت إن فيه عيون متسلطة عليها وبتراقبها، رفعت راسها وبالفعل كانت داريا اللي كانت متابعاها هي ووالدتها الملكة آريا بنظرات متفحصة، فبدورها ابتسمتلهم باستفزاز خلت الاتنين يبصوا لبعض بغيظ شديد.
فكرت تستغل إن المعظم منشغلين في الحفل وتحاول تمشي ولكن بمجرد ما خطت خطوة واحدة لفت نظرها سيدة في منتصف عمرها، خارجة من الرواق اللي بيأدي للدور العلوي، حالتها كانت لا يُرثى لها، ماشية حافية، بثياب نوم محتشمة، شعرها الفاتح مفرود على ضهرها، ملامحها ظاهر عليها التعب بالهالات السودا اللي تحت عينيها وشحوب قسماتها، كانت بتتعثر وهي ماشية وبتتلفت حواليها باستغراب وكإنها بتتأمل ارجاء القصر من أول وجديد.
واثناء ما كان الجميع بيرقصوا ويحتفلوا، وقفوا متجمدين تمامًا، في حين صدع صوت بيقول:
"ملكة زمرد!!!!"
حست ضي إنها سمعت الاسم ده قبل كده، لحد ما افتكرت إن دي زوجة الملك رسلان بعد عقيق، بصتلها باستغراب من إنها مشافتهاش قبل كده خالص ده غير الحراسة اللي كانت على جناحها.
أما الملكة زمرد اتلفتت على أثر الصوت بتعجب، لحد ما ثبتت عينيها على ضي اللي كانت بصالها بدهشة، اتحركت ناحيتها بخطوات بطيئة، ولكنها وقفت على بُعد مش قليل منها، وقالت بصوت ضعيف مليان كره:
"عقــيق!"
"أمـي!"
همس بيها بدر بعد ما اتجمد تمامًا، مكانش مصدق إنه شايفها واقفة قدام عينيه، بعد أعوام طويلة قضاها وهو بيراقبها نايمة بلا حراك قضى طفولته ومراهقته وشبابه وهي نايمة.
سرع من خطواته لدرجة الجري، وقف قدامها وهو بيقول بعدم استيعاب:
"أمـي... مالِت براسها ليه باستغراب بعيونها الواسعة الجميلة، ولكن اتلفتت مرة تانية ناحية ضي وهي بتقول كإنها بتشتكيله:
"عقيق... عقـيق"
نقل بدر عيونه بينها وبين ضي اللي كانت واقفة حاسة بالقلق، احتوى كتفها وهو بيتأمل في ملامحها بنظرات مليانة حنان جارف وقال:
"دي مش عقيق يا أمي"
فضلت بصاله شوية تتأمل في ملامحه، كإنه شكله مألوف ليها، نزلت دمعة من عيونها على بشرتها الشاحبة غصب عنها، وغمضت عينيها بوهن مستسلمة للضباب اللي بيلاحقها، وقبل ما تقع على الأرض مسكها بدر وضمها بين أحضانه وهو بيبصلها بملامح على وشك البكاء.
ارتفع الهمس بين كل الموجودين، كانت شبه معجزة إن الملكة زمرد تقف على رجليها بعد سنين طويلة، مشهد عاطفي بين الأم وابنها خاصة بدر اللي لوهلة حس قد إيه هو ضعيف لدرجة إنه مش قادر يسندها.
خرج الملك رسلان في الوقت ده، ولكنه اتجمد تمامًا مكانه من المشهد اللي قدام عينيه، وقال:
"زمـرد!"
اتلفتله بدر وبصله بنظرة أصابت الملك في صميمه، كانت مليانة تأنيب وبغض، وفلحظة شالها واتحرك بيها بخطوات سريعة لمكان جناحها، ومن حين للتاني بيبصلها يتطمن عليها.
صاح الملك في الوقت ده بعد ما استوعب الوضع:
"بسرعة، بلغوا الطبيبة تيجي على جناح الملكة زمرد"
قالها واتجه هو كمان ورا بدر.
لاحظت ضي إن الجميع كانوا مصدومين من اللي حصل، نقلت نظراتها على جولينهار اللي كانت حاطة إيديها على شفايفها من الصدمة، وقالت:
"يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!"
دمعت جولينهار في الوقت ده بتأثر وهي بتقول:
"دي معجزة يا مولاتي، معجزة حصلت للملكة زمرد، الملكة بقالها أعوام في سبات طويل مش معروف سره، بعد ما الأطباء عملوا كل اللي يقدروا عليه عشان يفوقوها وفشلوا!"
عقدت ضي حواجبها بتعجب وقالت:
"يعني متعرفوش سبب إنها تفضل في غيبوبة الوقت ده كله؟"
هزت جولينهار راسها وهي بتمسح دموعها وقالت:
"لأ يا مولاتي، محدش عارف غير الملك والأمير بدر"
بصت ضي على أثرهم بشرود وتمتمت:
"الجمـيلة النائمة!"
تناقل الملك ضرغام وابنه رئبال النظرات الخبيثة بين بعض، لحد ما شاورله الملك ضرغام براسه، فابتسم رئبال باتساع، وسابهم وخرج لمكان مش معروفة هويته، وسط نظرات ضي اللي أخدت بالها من اللي داير بينهم.
تجهت داريا ناحيتها، ووقفت جمبها وهي بتقول من غير ما تتلفت ليها:
"من الواضح إن الملكة زمرد محبتكيش نهائيًا"
سكتت ضي ومردتش عليها، الملكة زمرد بالفعل كانت بتبصلها كأنها بتبص لعدوتها، ده غير نطقها لاسم عقيق وبعدها اغمائها، ولكن فسرت ده على إنها غيرة أنثوية بين واحدة واللي كانت حبيبة زوجها قبلها، رغم إنها مش مقتنعة بالسبب ده برضه.
مالت داريا ناحيتها وهمست:
"على كده بقى اسمك عقيق ولا ضي القمر؟"
بصتلها ضي بحدة، فجه صوت من قدامها واللي كان من الملكة آريا اللي قالت بابتسامة واسعة:
"عقيق دي تبقى حبيبة الملك رسلان واللي اختفت قبل يوم زواجهم والتتويج، غريبة يا ضي القمر، من وقت ما شوفتك وأنا بشبه عليكيشكلك مألوف جدًالحد ما حصلت معجزة الملكة زمرد واللي حسمت الأمر"
كتفت ضي إيديها قدام صدرها وقالت:
"أنا اسمي ضي القمر، ومعرفش مين عقيق دي، والملكة زمرد لسة فايقة من غيبوبة طويلة ممكن تكون خلطت بيني وبين حد تاني!"
خلصت كلامها ورفعت فستانها ومشيت من جنبهم، كان الوضع غريب جدًا بالنسبالها، الظاهر إن مش بدر بس اللي هيبقى حاطتها في دماغه!
كانت هتحاول تهرب من المكان ولكن وقف قدامها مجموعة بنات من المملكة، واللي كانوا حابين يتعرفوا على خليلة الأمير بدر، ومن كترهم مقدرتش تتخلص منهم بسهولة.
وقف بدر والملك رسلان برا جناح الملكة زمرد لحين انتهاء الطبيبة من فحصها، كان بدر ساند على الحيطة جنب باب الجناح وهو مربع إيديه وباصص قدامه بشرود، ومن حين للتاني بيبص ناحية الملك اللي كان واخد الردهة رايح جاي بتوتر.
فقال بدر بجمود:
"متحاولش تمثل يا مولاي، محدش هيصدق لهفتك على الاطمئنان عليها!"
وقف الملك مرة واحدة وبصله بصدمة، وقرب منه وهو بيقول بصوت غليظ:
"أنا مدرك إنك بتقول كده من حزنك على والدتك، ولكن رغم عنك دي بتكون زوجتي وملكة المملكة، سواء قبلت أو لأ"
أضحك بدر بسخرية وهو بيقول:
"اللي يسمع كلامك ميقولش إنك السبب الرئيسي لغيبوبته، ولا تصرفاتك مكانتش قررت تنهي حياتها"
"بـدر!"
زعق بيها الملك وهو ضامم قبضة إيديه بعنف، في حين اتحولت قسماته للغضب، قرب منه وأشهر صوباعه في وشه وهو بيقول:
"اللي قدامك ده الملك رسلان قبل ما يكون والدك، الاحسن إنك تحافظ على احترامك!"
بصله بدر بسخرية، ولكن قاطع الجو المشحون بينهم خروج الطبيبة من جناح الملكة، اتعدل بدر واتحرك ناحيتها، فانحنت هي ليهم وبعدين قالت:
"أنا اديت للملكة ابرة هتنيمها لكام ساعة، عودتها بعد الاعوام دي كلها سببتلها صدمة من التغير اللي شافته حواليها، ده غير الوهن اللي في جسمها بسبب رقودها لفترة طويلة، وبعد ما تصحى من تأثير الابرة هفحصها تاني جلالتك"
خلصت كلامها فشاورلها الملك تمشي، انحنت ليهم وبعدين سابتهم ومشيت، اتحرك بدر بسرعة عشان يدخل الاوضة ووراه الملك، ولكن بدر اتلفت وقال بجمود:
"الطبيبة قالت إنها نايمة، أول ما ترجع لوعيها هخليهم يبلغوك"
فتح بدر الباب ودخل وقفله وراه، أما الملك ففضل مكانه مشدوهمكانش مستوعب إن غضب بدر وصل للشكل ده، معتبره شخص غريب ملوش الحق في إنه يقرب منها.
في النهاية اضطر إنه يتحرك ويرجع للحفل اللي سابه معلق.
دخل بدر الجناح وفضل واقف مكانه على الباب، عيونه مسلطة على اللي نايمة بهدوء وسكينة على الفراش الوثير، قرّب منها بخطوات بطيئة متمهلة، الجمود اللي كان على ملامحه اتبدل لملامح تانية حزينة ومهمومة، وقف قدامها وقعد على ركبه وهو باصص على ملامحها الهادية والشاحبة، مد إيده وملس على ملامحها بحنان، وبعدين مسك كفها بين إيديه وقال:
"مش قادر أصدق إني أخيرًا شوفتك وأنتِ واقفة على رجليكي، سمعت صوتك بعد سنين طويلة، صوتك اللي كان نفسي اسمعه من زمان يا جلالة الملكة، مش قادر أصدق إني بصيتي في عينيا، إني شوفت نظرتك ليامتعرفيش أنا كنت مستني اليوم ده قد إيه، إني ابقى طفل عادي والدته حواليه، عيشت كول عمري مفتقد حنانك، وللاسف ذاكرتي مساعدتنيش إني افضل فاكرك في طفولتي!"
نزلت دمعة من عيونه خانته غصب عنه، مسحها بسرعة وهو بيكمل باصرار:
"صدقيني مش هسمح لأي حد يجرحك أبدًا حتى لو كان الملك نفسه، كفاية عندي إني اشوفك واقفة على رجليكي تانيه، محي أي أثر من عقيق تمامًا ومش هسيب حاجة تقلق راحتك، المهم متخذلينيش أنتِ وقومي يا مـامـا..."
خلص كلامه وقام وقف ومال طبع قبلة على جبهتها، وبعدين خرج من الجناح بعد ما نظراته رجعت للجمود والغضب تاني.
رجع لمكان الحفلة، وقف من على بُعد لما شاف الملك واقف على عرشه وهو بيقول بتفاخر كعادته:
"طبعًا كلكم شوفتوا المعجزة اللي حصلت، الملكة زمرد رجعت لوعيها تاني بعد أعوام طويلة بنتألم فيها من غيابها، واختارت يوم مميز في المملكة، كإنها كانت حاسة إن ابنها الوحيد قدر يلاقي شريكة حياته، وأخيرًا رجعت ملكة مملكة إل دورادو"
ارتفع صوت التصفيق والتهليل من كل الموجودين، ضم بدر قبضة إيده بغضب رهيب، الملك رسلان قادر يستغل كل الظروف ويخليها لصالحه، حتى لو كان على حساب زوجته وابنه.
قرر يسيب هو المكان كله وخرج من ساحة الاحتفال وهو مش عارف هيروح فين.
لوهلة لمح ضي وهي بتتسلل، غير طريقه وقرر يشوف إيه اللي ناوية عليه، اتسلل وراها من غير ما تاخد بالها، ولكن لقاها شبه بتلف حوالين نفسها وواقفة بتشاور على ممرين وهي بتقول كلمات غريبة مكانش فاهمها:
"حادي بادي كرنب زبادي..."
"أنتِ بتعملي إيه!"
اتنفضت بهلع على الصوت اللي وراها، اتلفتت ليه فلقته واقف باصصلها بتعجب وهو مربع إيده قدام صدره، ملست على رقبتها بارتباك وقالت:
"أنا؟ بعمل إيه؟ مبعملش حاجة أنا!"
حاولت تغلوش على الموضوع واتصنعت الغضب وهي بتقول:
"أنتَ بتراقبني ولا إيه؟!"
ابتسم بزاوية فهمه بسخرية وهز رأسه بقلة حيلة وبعدين اتلفت عشان يمشي، فمشيت هي وراه بسرعة وهي بتقول بفضول:
"هي زمرد دي والدتك؟"
بصلها بطرف عينه ورد بجمود:
"اسمها الملكة زمرد"
زفرت بنفاذ صبر وهي شبه بتجري وراه عشان تلحق خطواته وقالت:
"سيبك من الفشخرة الكدابة ديهي، في غيبوبة بقالها كام سنة؟ وإيه سبب الغيبوبة؟ ودلوقتي بقت كويسة؟"
وقف مرة واحدة وقرب منها وهو بيميل ناحيتها وقال:
"عمرها ما هتكون كويس طول ما عقيق أو اللي من نسلها موجودة هنا في المملكة!"
خلص جملته وكمل مشي، فجريت وراه وهي بتقول بعصبية:
"أنتَ ليه مش عايز تقتنع إن أنا مش عقيق، افهمك ازاي يعني، أنا مش عقيق، ولا عمري شوفتها، ومليش دعوة بيها، ومسمعتش عنها غير لما جيت هنا!"
مردش عليها وكمل مشي بلا مبالاة وكإنها مبتتكلمش من أساسه، فوقفت هي بعد ما تعبت وبصت على ضهره وهو ماشي، دبت برجليها على الأرض بطفولية وقالت:
"ماشي يا أبو ملاية!"
اتلفتت عشان ترجع لمكانها، وبعد توهان قدرت أخيرًا توصل لساحة القصر اللي هتعبر من خلاله عشان تروح للمبنى التاني اللي فيه السرداب اللي هتخرج فيه على برا، لوهلة كان المكان مذهل بالنسبالها، الاضاءة الخفيفة، الساحة الواسعة، الأشجار والنباتات الغريبة سحرتها!
وقفت قصاد النافورة الضخمة اللي موشوم عليها رمز المملكة ووقفت تتفرج بانبهار على المياه اللي كانت بتخرج منها لأول مرة.
وفي النهاية قررت تمشي قبل ما حد ياخد باله منها، ولكن قبل ما تتحرك لفت نظرها شخص ملثم مش باينله ملامح بيجري في اتجاه معين.
ضيقت عينيها بتعجب، ومشيت بحذر وراه، وقفت ورا الشجرة تراقبه، شافته بيتلفتت حواليه بحذر، لحد ما ظهر قدامه شخص تاني ملثم، إداله حاجة في إيده وبعدين اتحرك هو في اتجاه، والشخص التاني في اتجاه تاني، مشيت وراه ضي، فشافته وقف وشال القناع من على وشه وهو بيعدل خصلات شعره، شهقت ضي ورددت:
"رئبال!"
اتلفت فجأة بخضة على صوتها، بص حواليه بقلق واتحرك ناحيتها وهو بيقول:
"أميرة ضي القمر! أنتِ هنا من امتى؟"
بصتله بتعجب ورهبة في نفس الوقت وقالت:
"أنتِ كنت مخبي وشك ليه؟"
رفع كفوفه في ود مصطنع، وقرب منها وهو بيقول بحذر:
"أنتِ شوفتي إيه بالضبط؟"
ردت بتلعثم:
"كنت بتدي... واحد... حاجة"
اتصدمت لما لقته احتوى كتفها واتحرك بيها وهو بيقول:
"أميرة ضي القمر، في حاجات كتير أنتِ متعرفيش عنها حاجة، وأنا عاذر جهلك بالأمور دي، أحيانًا ممكن تشوفي حاجة وتفسريها بطريقة غلط!"
نفضت إيده عنها وقالت باصرار:
"لأ، أنا متأكدة إنك أديته حاجة، وكمان شوفت الملك وهو بيشاورلك، والاحسن تقول إيه اللي وراك بدل ما أروح افتن عليك للملك رسلان!"
ضحك رئبال بشدة لدرجة إنه حس إن أنفاسه هتنقطع، وسط نظراته المتعجبة وفنفس الوقت الغيظ اللي كان ماليها، فقال هو:
"غبية يا ضي القمر، أنتِ متأكدة إنك هتبقي الملكة المنتظرة بعقليتك دي؟"
في الوقت ده حست بحركة غريبة، بعدها دخان كثيف جدًا ونور ظاهر من العدم، وبعدها صوت صراخ بيقول:
"حـريق! حـريق!"
اتلفتت ناحية رئبال اللي اتسعت ابتسامة بشدة وقالت:
"أنتَ..."
رجعت تاني تبص لمكان الحريق، ولكن استغل رئبال انشغالها وفاجئها بإنه زقها بعنف لحد ما اصطدمت بقوة بضهرها على شجرة، اتأوهت بألم ولكن رئبال كمم فمها بإيده وطلع خنجر وجهه لرقبتها، فبصتله بذعر وهي بتهز راسها بـ لأ.
ابتسم رئبال باتساع وهو بيقول:
"خسارة يا ضي القمر، واحدة زيك كان خسارة تموت بالشكل ده، ولكن دي جزاة الفضول برضه، كان لازم تتعلمي متدخليش نفسك في اللي ملكيش فيه"
دمعت عيونها بهلع وهي بتبصله برعب ونظرات متوسلة، مكانتش متوقعة إن نهايتها هتكون هنا.
على جنب تاني كان الملك ما زال بيحتفل مع ضيوفه، قرب منه الملك ضرغام وقال بابتسامة سعيدة استغربها الملك:
"مش متخيل أنا سعيد قد إيه بعودة الملكة زمرد، أكيد هي كمان هتكون في كامل فرحتها لما تشوف قد إيه المملكة ازدهرت بالشكل ده"
ابتسم الملك رسلان ورفع رأسه وهو بيقول بغرور:
"طبعًا هتكون سعيدة، خاصة لما تعرف قد إيه حاولوا الأعداء يوقعونا ولكن مقدروش، ببساطة لإن مملكة إل دورادو من أقوى الممالك، مش هتيجي شخصيات وضيعة وتقدر تمسها!"
مال ناحيته وهو بيقول بصوت شبه هامس:
"مهما حاولوا مش هيقدروا يوصلوا لثغرة تهدنا"
اتحولت ابتسامة الملك ضرغام لتانية مليانة حقد وكره، وقال بنبرة ذات مغزى:
"طبعًا طبعًادي حاجة مفيهاش شك يا ملك رسلان"
لحظات انفتح باب الساحة، وجري قائد الحرس وهو باين عليه الهلع:
"مولاي!"
اتعدل الملك رسلان وبصله باستغراب، اتهدلت نظرات قائد الحرس وقال:
"حريق يا مولاي، مخزن الأسلحة والقنابل اشتعل...."
رواية عقيق إلدورادو الفصل العاشر 10 - بقلم منة ممدوح
صراخ اتملى في القصر الملكي.
انتفض بدر بصدمة من غرفة والدته، وخرج بيجري وهو حاسس بالصدمة والذعر. في الوقت ده، صدع صوت جرس الإنذار في المملكة. انتفض الضيوف وخرجوا عشان يشوفوا إيه اللي بيحصل.
أما الملك ضرغام وزوجته والأميرة داريا، فضلوا واقفين مكانهم. اتجهت الملكة آريا ناحية ضرغام وهي بتقول:
_ مكنتش متوقعة إن رئبال ينجح!
ابتسملها بزاوية فمه وقال:
_ متستهونيش بقدرات ابنك.
ابتسمتله باتساع، فكمل هو:
_ ولسة، نهاية رسلان وسلالته هتبقى على إيدي.
كان رئبال مازال موجه خنجره على رقبة ضي القمر، اللي كانت بتتنفس بسرعة برعب. شاور رئبال ناحية الحريق وهو مبتسم بشر وقال:
_ شايفة الحريق اللي هناك ده؟ ده ميجيش نقطة في بحر اللي هعمله فيهم. مش هرتاح غير ومملكة إل دورادو بقت ماضي، وتبقى ولاية من ولايات مملكة أزتلان.
ودلوقتي يا ضي القمر، هاخد روحك على إيدي، عشان تبقى الضربة بالضعف لبدر لما يلاقي خليته مقتولة وفي قصره.
رفع إيده اللي شايلة الخنجر وهو ناوي يطعنها. غمضت ضي القمر عينيها في استسلام. ولكن لوهلة، اتجمدت إيد رئبال في الهواء لما حس بحركة قريبة منهم. وبالفعل، كان عدد من الحراس اللي بيجروا ناحية مكان الحريق. حس هو بالارتباك من إنه يتكشف، فدفع ضي القمر بعنف، خلاها وقعت على الأرض وهي بتتأوه بألم، وجري بأقصى سرعته.
اتجه الحراس ناحيتها أول ما شافوها. ساعدها واحد منهم إنها تقوم وهو بيقول:
_ سمو الأميرة، أنتِ كويسة؟
هزت راسها ليه واتعدلت، فرجع قال:
_ ياريت ترجعي على القصر، المكان هنا مش أمان، خاصة واحنا لسة منعرفش الفاعل.
قالها وسابها وجري هو واللي معاه. اتلفتت هي حواليها بخوف وهي بتدور بعينها على رئبال. فشالت فستانها وجريت بأقصى سرعة وهي بتبكي بعنف.
زودت من سرعتها، متلاشية تمامًا الصراخ والدوشة والجلبة اللي حاصلة بسبب الحريق. ومنها اتجهت للسرداب وهي بتكمل جري. كان كل اللي في بالها إنها لازم تمشي من هنا.
خرجت من السرداب وجريت في الغابة. وقفت عند البحيرة وهي بتتنفس بعنف وبتتلفت حواليها تتأكد إذا كان فيه حد بيتبعها ولا لأ. حطت إيديها على صدرها وخدت نفس طويل عشان تقفز. ولكن للصدمة، إيديها اللي على صدرها لمست فراغات. اتوسعت عينيها برعب لما أدركت إن السلسلة مش في رقبتها.
_ يا نهار أسود!
قالتها بصدمة وهي بتملس على رقبتها وصدرها بجنون.
_ السلسلة... لا لا لا... السلسلـة!
قعدت على الأرض بانهيار وهي بتبكي بعنف. السلسلة كانت هي الرابط الوحيد بينها وبين عالمها. من غيرها مش هتقدر ترجع لبيتها. فضلت تخبط إيديها على الأرض بإنهيار.
اتحاملت على نفسها وقامت وقفت. بصت لانعكاسها في الماية، كانت حالتها لا يُرثى لها. مدت إيديها هي بعصبية، وخلعت الوشاح بالتاج اللي على راسها بعنف وحدفته على الأرض وهي بتصرخ بقهر:
_ لازم ترجع، لازم تلاقي السلسلة بأي طريقة، هي السبيل الوحيد لعودتها، ووقتها عمرها ما هترجع هنا تاني.
كان واقف مشدوه من المشهد اللي قدامه. مخزن عملاق مليان بكل ذخيرة وأسلحة المملكة مشتعل. جز على أسنانه بغيظ وهو شايف الكل بيتعاون عشان يطفوا النار. اتلفت بنظره للملك رسلان اللي مكانش يقل صدمة عنه. فاتبادلوا النظرات لحد ما اتكلم الملك رسلان وهو حاسس بالقهر على اللي صابهم:
_ أنا متأكد إن الحريق بفعل فاعل، استحالة اشتعال النيران ده يكون طبيعي.
بالفعل بدر كان متأكد هو كمان من إن فيه ملعوب. شدد على فكه وقال:
_ استغلوا انشغالنا في الاحتفال وقدروا يحققوا اللي عايزينه.
رجع بص الملك رسلان قدامه وسأل بجمود:
_ ضرغام وابنه؟
رد بدر بغضب رهيب:
_ مفيش غيرهم. حتى لو مقدرناش نثبت ده، فصدقني يا مولاي هنتقم بنفس طريقتهم الحقيرة. هضربهم في وقت اطمئنانهم. هستغل شعورهم بالأمان.
غلب على نبرة الملك الحنان الأبوي اللي بدر محسش بيه من زمان. لوهلة، نقل نظراته بين كفه اللي على كتفه وبين نظرته الأبوية.
في أثناء طريق عودته، لاحظ وجود شيء بيومض في الظلام من وسط الأشجار على بُعد. ضيق عيونه بيحاول يميز إيه هو، واتحرك ببطء وحذر. لحد ما وقعت عينه على السلسلة اللي في الأرض واللي كان رمز المملكة بيومض فيها. اتلفت حواليه عشان يشوف اذا كان حد موجود، وبعدين انحنى ومسكها بين ايديه. ولوهلة، اتسعت عيونه بتعجب.
_ كانت السلسلة بتاعة عقيق واللي كانت ضي القمر لابساها دايمًا.
عقد حواجبه باستغراب من سر وجودها هنا وفي موقع قريب من موقع الحريق. ده غير اختفائها المفاجئ.
خرج من وسط الأشجار وبصوت عالي قال:
_ يا حـراس!
ركض العديد من الحراس ناحيته وانحنوا باحترام. قرب منهم بدر وهو بيبص لوشوشهم المنحنية وقال:
_ حد فيكم شاف الأميرة ضي القمر؟
اتقدم واحد من الحرس وأدى تحيته فسمحله بدر يتكلم لما شاورله براسه فقال:
_ كنت واقعة على الأرض وسط الأشجار يا مولاي، ساعدتها وطلبت من جلالتها ترجع للقصر عشان المكان خطر عليها.
اتقدم واحد كمان من الحرس وقال:
_ شوفتها بعد الحريق وهي بتجري في ساحة القصر يا مولاي وكان ظاهر عليها الهلع.
وقف بدر مكانه بجمود تام. لوهلة كان حاسس إنها بريئة. ولكن من خلال ربطه للاحداث فهي أول المشتبهين بيهم. شبك إيديه الاتنين ورا ضهره، ورفع راسه بشموخ، وقال وهو بيتحرك رايح جاي قصاد الحرس:
_ اسمعوني كويس. الأميرة ضي القمر مشتبه بيها. ابحثوا عنها كويس. عاملوها معاملة المجرمين. هاتوها من تحت الأرض وخدوها للزنزانة الداخلية. مش عايز أي تهاون معاها.
أدى الحراس تحيتهم وهما بيقولوا في صوت واحد:
_ أمرك يا سمو الأمير.
اتحرك الحراس بالفعل للبحث عنها، أما هو فطلع السلسلة اللي كانت في قبضة إيديه، ورفعها قصاد عينه وهو سايبها متدلية، وتمتم:
_ الظاهر إني استهونت بيكي زيادة يا ضي القمر. شيء متوقع من واحدة بتحمل دم عقيق.
اتحرك ورجع لمكان الحريق. لقاهم قدروا بالفعل يطفوه ولكن لسة مش قادرين يدخلوا. قرب بدر للملك وقال:
_ هنقدر نلحق نعوض الخسارة؟
هز الملك راسه واتنهد بقلة حيلة. وبعدين قال:
_ هخلي صناع الاسلحة يعملوا كل اللي يقدروا عليه عشان يعوضوا حتى نص الأسلحة والذخيرة اللي اتدمرت.
رفع راسه ليه وسأل:
_ قدرت توصل لحاجة؟
رفع بدر السلسلة قدام عيون الملك وابتسم بسخرية وهو بيقول:
_ الظاهر إن فيه جاسوس بينا.
اتوسعت عيون الملك بدهشة. وهتف بعدم تصديق:
_ أنتَ متأكد من اللي بتقوله ده؟
ضم بدر السلسة لكفه تاني ونزل إيديه، ورفع كتفه وهو بيقول ببساطة:
_ علشان لقيت السلسلة في مكان قريب من الحريق وكمان الحراس شافوها وهي بتجري واختفائها الغريب؟ فـ آه متأكد.
بص الملك قدامه بدهشة، فردد:
_ تفتكر ليها علاقة بمملكة ازتلان؟
مط شفايفه ورد:
_ وليه لأ؟ مش بعيد تكون منهم أصل.
وهو الظاهر خلط بين عقيق وبينها.
كان بدر بيراقب كل التخبط اللي باين على ملامح والده ده وهو حاسس بالانتصار.
رجعت خطواتها تاني وهي بتدور بين الأشجار. ولكنها حاولت على قدر ما تقدر تدور بحذر، لحد ما لقت نفسها بترجع لبوابة سرداب القصر تاني. اتلفتت حواليها بحذر، وقبل ما تدخل اتنفضت بهلع لما سمعت صوت من وراها بيقول:
_ ضي القمر المسكينة. ضي القمر صاحبة الحظ السيء.
بلعت ريقها بعد ما حست لوهلة إن قلبها هيقف من الخضة. لقت قدامها الكاهن سلطان ظهر من العدم فجأة. بصتله باستغراب. فقرب هو منها بشكل ملحوظ وهو بيبص على رقبتها، فاتراجعت لورا وانكمشت على نفسها بقلق. أما هو بِعد فجأة وقال:
_ ضيعتي بوابتك بإيديكي.
رفع ضهر إيده على جبهته وقال بنبرة درامية:
_ آه يا ضي القمر المسكينة. ضي القمر صاحبة الحظ السيء.
زفرت بضيق عشان يوقف مسرحيته وقالت:
_ بقولك إيه، من غير رغي كتير لو تعرف مكان السلسلة قولي عشان امشي من هنا، وصدقني عمري ما هفكر ارجع تاني.
اتحرك حواليها وهو بيقول بسخرية في نبرة حزينة:
_ مسكينة يا ضي القمر. فاكرة إن الأمر بمنتهى السهولة؟ جيتي هنا بإرادتك ولكن خروجك من هنا مش بإرادتك. المكتوب هيحصل يا ضي القمر.
كانت حست بالدوار من كتر ما لف حواليها، فجزت على أسنانها وقالت:
_ لو هتقول حاجة مفيدة قولها، مش هتقول سيبني أدور على السلسلة اللي وقعت مني دي.
قالتها وسابته ونوت تدخل للسرداب ولكنها اتجمدت مكانها لما قال:
_ آه ضي القمر اليتيمة صاحبة الحظ السيء. مكتوبلها الصعاب في كل حياتها. مش كفاية موت والدتها، حتى حبها الحقيقي طريقه مليان بالشوك!
اتلفتت وهي مضيقة عينيها بتعجب، وقربت منها وهي بتقول:
_ أنت تعرف الكلام ده منين؟
ابتسملها وقال:
_ أنا اعرف عنك كل حاجة يا ضي القمر. كل حاجة. زي ما عارف بالمشاعر اللي بتتسلل جواكي. حب عذري واقف على باب قلبك وهيقتحمه من غير استئذان.
فحاولت تتوه على الموضوع وهي بتقول بعصبية:
_ أنتَ... أنتَ بتقول أي كلام على فكرة. أنا ماشية.
قالتها وسابته ومشيت، ولكنها سمعته بيقول من وراها:
_ الماضي حائل بينكوا يا ضي القمر. خلي صبرك طويل. وبعد الصبر جبر ليكي ولقلبك.
مردتش على كلامه بل وكملت دخولها للسرداب.
دخلت للقصر ومنها اتجهت للمكان اللي جت منه. لما حست إن الاجواء هديت شوية أدركت إنهم قدروا يسيطروا على الحريق. فكرت إنها تشوف بدر أو الملك وتحكيلهم على اللي حصل ولكن لازم تلاقي السلسلة الأول.
خرجت لساحة القصر، ولكن بمجرد ما خطت برجلها هناك اتفاجئت لما الحراس اتجمعوا حواليها في شكل دائرة ورفعوا سيوفهم ليها. حست هي بالرعب وهتفت بارتباك:
_ انتوا... انتو بتعملوا إيه؟ نزلوا سيوفكم. أنا الأميرة ضي القمر.
نزل قائد الحرس من وسطهم واتجه ناحيتها بخطوات بطيئة. جريت هي ناحيته وكإنها بتتعلق في قشاية وقالت:
_ قولهم ينزلوا اسلحتهم يا قائد الحرس. قولهم إنهم هيتعاقبوا على اللي بيعملوه ده.
ولكنه كان باصصلها بجمود تمامًا. وقف قدامها وقالت بنبرة مفيهاش أي شفقة:
_ أميرة ضي القمر، مطلوب القبض عليكي بتهمة التآمر مع الأعداء لتدمير المملكة.
شهقت بهلع واتوسعت عينيها برعب:
_ إيه اللي بتقوله ده؟ تآمر إيه واعداء مين؟
وجه نظره للحراس وقال بأمر:
_ خدوها للزنزانة الداخلية لحد ما يتم محاكمتها.
امسكها اتنين من الحراس واتحركوا بيها، ولكنها كانت بتصرخ وتحاول تتملص من بين إيديهم:
_ سيـبوني، أنا معملتش حاجة. ابعدوا. زنزانة إيه؟ يا قائد الحرس، يا ملك رسلان، يا بــدر!
لقت نفسها في النهاية بتترمي في زنزانة تحت الأرض وبيتقفل عليها بالقضبان. اتحاملت على نفسها وقامت وقفت ومسكت في القضبان الفاصل بينها وبين الحراس وهي بتقول بإنيهار:
_ بالله عليكم، والله ما عملت حاجة. خرجوني من هنا!
ولكنهم سابوها وخرجوا. فضلت تصرخ وتضرب على القضبان بكل قوتها لحد ما حست بالتعب. سندت براسها على الحديد وهي بتتنفس بعنف من التعب. قعدت بإنهيار مكانها وسندت بضهرها على القضبان الحديدة، واحتوت وشها بين كفوف إيديها وهي بتبكي بعنف.
سمعت صوت خطوات بتقرب منها لحد ما وقفت وراها. شالت إيديها ورفعت عيونها الوارمة واللي ما زالت مليانة بالدموع واتنفضت بسرعة لما لقته بدر اللي كان واقف باصصلها بجمود. مسكت في الحديد اللي فاصل بينهم وقربت وهي بتقول بتوسل:
_ بدر، بدر الحقني بالله عليك. أنا معملتش حاجة والله. رئبال هو اللي عمل كده. شوفت الملك ضرغام وهو بيشاورله كإنهم متفقين، وبعدين شوفته وهو حاطت حاجة مخبية وشه وادى لواحد حاجة وبعدها ظهرت النار. خرجني يا بدر بالله عليك والله ده اللي حصل.
ولكنه كان باصصلها بجمود تام كإنه مستنيها تخلص. سكتت وهي بصاله بدهشة من رد فعله، فابتسم بزاوية فمه وقال:
_ آخيرًا وقعتي يا ضي القمر. قولتلك مش هسيبك. كنت انتقم من عقيق اللي دمها بيجري في عروقك. هنهيكي وهنهي أي حاجة ليها علاقة بيها.
اتراجعت لورا بصدمة من كلامه، اكتشفت إن هو اللي ورا ده كله، فقرب هو من القبضان وقال بشر:
_ أوعدك هتخرجي من هنا، بس على حكم اعدامك.