تحميل رواية عقيق إلدورادو بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جربت قبل كده تصحى من نومك تلاقي نفسك في عالم مختلف؟ الوقت فيه غير الوقت في عالمنا. والزمن بيمر فيه بشكل مختلف عننا. الناس فيه غريبة. وتقاليدهم أغرب. جربت قبل كده تعيش حياة مش حياتك؟ أنا ضي القمر، ودي حكايتي... انتهت أخيرًا من ترتيب كل حاجاتها في الشنط والكراتين، بتستعد للانتقال اخيرًا بعد ما قضت اكتر من عشرين سنة من عمرها في قلب الشقة دي. عاشت فيها طفولتها ومراهقتها وشبابها، كانت واقفة بتتأمل معالمها بعيونها الخضرا الواسعة اللي كانت بتلمع بحزن واضح، رابطة شعرها البني على شكل كعكة مشعثة، ملابسها...
رواية عقيق إلدورادو الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة ممدوح
ضحك الملك رسلان بسخرية بعد ما اتبدلت معالم وشه وقال باستهزاء:
"ما اندهشتش، مش بعيد قريب هلاقيهم نقلوا شعب أزتلان لإل دورادو!"
اتحركت بضع خطوات ناحيته واتكلمت بثقة:
"طب مش تعرف أنا جاية ليه الأول قبل ما تحكم عليا؟"
طلع الملك رسلان وقعد على عرشه وقال:
"تحبي أجهزلك جناح جمب بنتك؟ ما هو مش هينفع تسيبيها لوحدها برضه!"
تغاضت عن سخريته منها واتكلمت بجدية:
"ملك رسلان أنا بطلب منك الأمان ليا، ولأولادي."
عقد حواجبه بتعجب وهو مش فاهم مقصد كلامها، فرفعت هي راسها بشموخ وقالت:
"أنا اتجرأت وجيتلك هنا بنفسي، وهخون زوجي وشعبي ومملكتي في مقابل إنك تديني الأمان أنا وأولادي وميمسهمش سوء."
مقدرش يداري الدهشة اللي ظهرت على وشه، فقال:
"تقصدي إيه بكلامك ده يا ملكة آريا؟!"
ببرود قالت:
"اعذرني يا جلالة الملك، مش هتكلم غير لما تنفذ طلبي."
سكت شوية بيتمعن في ملامح وشها اللي كان باين عليها الجدية ومبتهزرش بتاتًا، وفي النهاية قال بأنف مرفوع يليق بمكانته:
"ملكة داريا أنا بمنحك الأمان ليكي ولأولادك. وده وعد من ملك مملكة إل دورادو العظمى."
ابتسمت الملكة آريا بانتصار، هي عارفة ومدركة كويس إن وعد الملك رسلان مبيتراجعش عنه حتى لو حصل إيه، هي كده ضمنته في صفها، فاتكلمت:
"جلالة الملك، يسعدني إنك وافقت على حمايتي. ودلوقتي هديك مقابل ده."
سكت الملك رسلان ومتكلمش بل فضل باصصلها بتردد، لحد ما قالت:
"ملك رسلان الجاسوس اللي بينكم هي الملكة زمرد، اتفقت مع الملك ضرغام على إنهاء حكمك في مقابل إن المملكة تبقى تحت حكم الملكة زمرد، وتحت سيطرة مملكة أزتلان."
"إيــه؟!" هتف بيها الملك رسلان بعد ما انتفض من مكانه زي اللي لدغته أفعى.
متهزتش الملكة آريا بل فضلت مكانها بصاله بقوة.
نزل الملك رسلان واتقدم ناحيتها لحد ما وقف قدامها فكملت هي:
"كان من ضمن اتفاقهم إنهم يخلوا الشعب يثور عليك فيعزلوك وبالتالي بعدها هتقدر تنهيك وتاخد الحكم منك، وكمان سحرت سمو الأمير عشان يبقى في صفنا."
رغم إن الملك رسلان كان شاكك في الملكة زمرد من البداية ولكن حس إن فيه لعبة في الموضوع، فتمالك نفسه وشبك أيديه الاتنين ورا ضهره ورفع راسه وهو بيقول:
"وإيه يثبتلي إن ده مش ملعوب من الملك ضرغام يا جلالة الملكة؟ اعذريني ولكن ثقتي في أي حد من شعب مملكة أزتلان معدومة لإن مفيش أكتر من ألاعيبكم."
ابتسمت الملكة آريا وبعدين قالت:
"صدقني، أنا كنت فرد من الخطة دي، لحد ما عرفت إن الملك ضرغام هيتخلص مني بعد ما يعرف يمسك مملكة إل دورادو عشان يقدر يكون مع الملكة زمرد اللي بتكون عشيقته القديمة."
اتسعت عيون الملك رسلان بصدمة وحس إنه على وشك فقدان توازنه، وقال بغلاظة:
"أنتِ مدركة خطورة اللي بتقوليه ده يا جلالة الملكة؟!"
ردت بثقة:
"عارفة كويس، ولو مكنتش عارفة مكنتش طلبت منك الأمان عشان أقدر أتكلم وأنا مطمئنة."
أدرك الملك رسلان إن من تعابير وشها بتتكلم بجدية، فحافظ على هدوئه وقال:
"احكي اللي تعرفيه."
تكلمت الملكة آريا:
"بعد زواجي من الملك ضرغام، اكتشفت علاقته بواحدة من مملكة أغارثا، استمرت علاقتهم وأنا صامتة لإني كنت حامل في رئبال."
رجعت بالذاكرة لأعوام ورا، لما قررت تعمل مفاجأة للملك ضرغام بإنها حامل بطفلهم الأول.
عرفت بإنه في القصر الجنوبي، خدت عربيتها العتيقة وحاشيتها واتجهوا لهناك.
نزلت من العربية واتجهت لجوا، الحراس بالطبع كانوا عارفين هي مين فمقدروش يقطعوا طريقها لإن مكانش فيه أوامر من الملك بكده.
دخلت لجوا بعيون لامعة وهي حاطة إيديها على بطنها بتربت عليها بحنان، وصلت للمكان بحماس سرعان ما انطفى لما شافت الملك ضرغام وهو قاعد على الأريكة وضامم واحدة غريبة ليه.
اللي بعدين اكتشفت إنها زمرد.
غصب عنها خانتها قطرة من الدموع مسحتها بسرعة وكملت:
"عدت أيام كتيرة وأنا براقبهم في صمت، عارفة كل اللي بيدور وساكتة تمامًا عشان ابني اللي بيكبر في احشائي. لحد ما بعدين عرفت بإنهم اتفقوا يربطوها بيك من خلال مقابلات في حفلات بتجمعكم عشان يقدر يتحكم في مملكة إل دورادو من خلالها، ولما ظهرت عقيق عرفوا إن كل خططهم هتفشل، ولكن في النهاية قدروا يخلوها تمشي بلا رجعة، وتم جوازك من زمرد، كان اتفاقهم إنهم هيشربوك سحر تدخل في غيبوبة على أثره ولكن مكانوش يعرفوا إنك محصن نفسك، وشربت زمرد هي السحر اللي انعكس ضدها، وقتها افتكرت إني خلصت منها، لحد ما فاقت."
سكتت شوية وبعدين كملت:
"قررت زمرد تبقى العين اللي لينا في مملكة إل دورادو ولكن مكنتش أعرف إنهم هيرجعوا علاقتهم ببعض، وبعد ما يقدروا يسقطوا حكمك وزمرد اللي تمسك المملكة، هيتخلصوا مني عشان يبقوا مع بعض. وقتها ملقتش حل غير إني آجي هنا، وأحط إيدي في إيدك عشان ننهي زمرد ومعاها الملك ضرغام."
كانت الحقايق اللي بتتضرب قصاد الملك رسلان عنيفة، مكانش متخيل إن هو وعقيق وقعوا ضحايا لعبة منهم!
فضل أعوام بيتعذب بسبب غياب عقيق، بيسأل نفسه أسئلة مش لاقيلها إجابة.
وكل ده بسببهم.
اهتزت نبرته وهو بيقول:
"عملوا إيه لعقيق؟"
رفعت الملكة داريا اكتافها وقالت بجهل:
"معرفش، زمرد وضرغام هما اللي يعرفوا إيه اللي دار بين زمرد وعقيق."
نكس الملك رسلان راسه شوية، وبعدين رفع عيونه وقال:
"أنتِ عارفة إن بعد كلامك ده مش هتردد أنهي حياة الملك ضرغام، وأكيد عارفة إني هقدر أعمل كده!"
هزت راسها مع ابتسامة بسيطة:
"عارفة. وأنا اللي بطلب منك ده بنفسي. انهي ضرغام يا جلالة الملك."
رفع راسه بشموخ وبتهديد قال:
"صدقيني يا آريا، لو اكتشفت إن ده ملعوب بينكم مش هتردد أنهي سلالتك كلها بدم بارد."
ردت بكبرياء:
"الأيام هتثبتلك يا جلالة الملك."
فضل باصصلها شوية، وبعدين هتف من غير ما يحيد بنظره عنها:
"يا حـراس!"
اتفتح الباب بسرعة ودخل عدد من الحراس، نقل الملك أنظاره بينهم ولكن اتعجب لما ملقاش قائد الحرس وسطهم، في النهاية قال:
"اقبضوا على الملكة زمرد في صمت تام وحطوها في الزنزانة الداخلية."
بص الحراس لبعض بتعجب من طلب الملك الغريب، ولكن انتفضوا لما هتف بحدة:
"نفذوا الأوامر!"
خرج الحراس بسرعة عشان ينفذوا كلام الملك، فاتنقل بنظره للملكة آريا اللي كانت مبتسمة بثقة، رفعت أنفها بشموخ وهي بتقول لنفسها إن زوجها هو اللي خدها عدوة ليه بعد ما فضل الساحرة عنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل قائد الحرس للمطبخ ونقل أنظاره بين الموجودين هناك، فشاف بنت من الموجودين بتجهز مشروب بأعشاب معينة كان عارف كويس إن ده مشروب الأمير بدر اللي اعتاد عليه قبل نومه.
تحرك ناحيتها وسند بإيده على المطبخ متصنع إنه بيتفرج عليها وقال:
"ممكن تجهزيلي مشروب؟"
تـوبصتله البنت بتشتت وقالت:
"حاضر، ولكن هاخد مشروب الأمير بدر ليه الأول."
مسك إيديها وقال بإصرار:
"لا معلش جهزيلي المشروب لإن الأمير مستنيني ضروري، وممكن آخد مشروبه معايا لو حبيتي."
لاحظ نظراتها المتخبطة وهي بتنقل نظرها بين كاس الأمير بدر وبين قائد الحرس، لحد ما اتنهدت باستسلام وراحت تطلع كاس عشان تعمله فيه عصيره، استغل قائد الحرس انشغالها وانشغال الموجودين وطلع من جيبه الزجاجة الصغيرة اللي ضي القمر إديتهاله وفضاها كلها في قلب الكاس اللي بيحتوي على مشروب الأمير بدر، ولما انتهى اتعدل وهو بيقول:
"بقولكمش لازم المشروب بقى، هقضيها نواشف."
نهى جملته وخرج من المطبخ تحت أنظار البنت اللي كانت شايلة طبق التوت وبصاله بتعجب، ولكن في النهاية رفعت أكتافها بقلة حيلة وبعدين اتجهت للصينية اللي عليها كاس عصير بدر وخدتها وخرجت لبرا.
كان بدر ما زال واقف بيتكلم مع داريا، اتجهت العاملة ناحيته بالصينية وانحنت وهي بتقول:
"مشروبك يا سمو الأمير."
بالفعل أخده منها وابتدى يشرب من الكاس، وعلى بُعد كان قائد الحرس بيتابع اللي بيدور عشان يتطمن إن الخطة ماشية بشكل سليم.
لـوهلة حس بدر بعدم الاتزان، فاترنج وهو واقف، قربت منه داريا وسندته وهي بتقول بقلق:
"بدر أنتَ كويس؟"
رفع عيونه ليها، كانت الرؤية مشوشة قدامه لحد ما ابتدت توضح بالتدريج، فضل باصصلها شوية بنظرات غريبة، حاسس إن جواه مشاعر متناقضة، مزيج بين الحب والكره متوجه لداريا، اعجاب وبغض، ارتياح وحقد.
الشعور وعكسه جواه، حس إنه غير متزن، وكانت شايفة داريا الحيرة اللي ظاهرة عليه، فسألت بقلق:
"بدر؟"
قالتها وهي بتلوح بكفها قدام عينيه، فهز راسه ونطق:
"ها؟"
قربت منه أكتر وقالت:
"مالك يا بدر؟ حساك مش بخير."
التشوش اللي كان جواه غريب، ففسر ده إنه تعبان من مجهود النهاردة، فبعدها عنه بنفور غريب اتملكه وقال:
"أنا كويس. كويس متقلقيش. محتاج ارتاح شوية بس."
كانت هتتكلم ولكنه قاطعها لما قال:
"تصبحي على خير."
حط الكاس اللي كان في إيده على طرف النافورة، وبعدين اتحرك عشان يرجع لجناحه، من حين للتاني كان بيترنج بعنف فيلحق توازنه بإنه يسند على الحيطة لحد ما الدوار اللي حاسس بيه يروح، فضل على الوضع ده لحد ما وصل لمكان جناحه فتحوله الحراس الباب فدخل لجوا بصعوبة شديدة وقفل الباب وراه وسند بضهره عليه وهو بينهج بعنف، كان باين عليه الارتباك والضعف الشديد، بيتنفس بعنف ووتيرته سريعة، متعرق بشدة لدرجة إن شعره كان لازق على جبينه، رفع خصلاته وابتدى يقلع ملابسه العلوية من احساسه بالاختناق وهو بيدلك رقبته بعنف، ولكنه اتجمد تمامًا مكانه واتسعت عيونه بدهشة لما شاف ضي القمر واقفة قدامه.
كان جواه احساسين مختلفين، كره وحب شديد، حاسس إن قلبه بينتفض بعنف، بيطالب بيها، وفنفس الوقت بيروح شعوره ده ويرجع مكانه البغض.
بنبرة متحشرجة وأنفاس متقطعة قال:
"أنتِ... بتعملي إيه هنا؟!"
كان بيحاول يتمالك نفسه وهو بيتكلم، فرفع إيده وشاور للباب وهو بيقول:
"اطلعي... برا!"
"آآآه...." زمجر بعنف وهو حاسس بصداع شديد بيلفح دماغه، فرفع إيده الاتنين وضغط على راسه وهو بيتألم، كانت واقفة بتتابع اللي بيحصله وهي مدركة إن ده كله بسبب الوصفة اللي صنعها سلطان ليه عشان تضعف من تأثير السحر فيقدروا يكسروه بسهولة.
كانت بتقاوم إنها تروح ناحيته تضمه وتمتص ألمه، ففضلت تتابعه بعيونه متعذبة، ولكن في النهاية همست:
"بـدر..."
ثبتت حركته ثبت عيونه اللي كانت بتلمع بعذاب عليها، ابتسمت بحزن وقالت:
"عارف يا بدر، من اليوم اللي وقعت عيني عليك فيه حسيت إني أعرفك بقالي كتير، وفعلًا طلعت عارفاك، علشان بقالك سنتين كاملين مبتفارقش أحلامي وبتناديني. الصوت الدافي اللي بينادي باسمي، وهيئتك الغامضة اللي كنت بتمنى أعرف إيه اللي وراها. ما أدركتش إني وقعت في حبك غير متأخر."
فضل باصصلها بأنفاس لاهثة، فمالت هي براسها للجنب وكملت:
"يوم ما اعترفتلي بحبك قد إيه كان شكلك لطيف يا بدر، ارتباكك، وسؤالك عن إذا كان احساسك تجاهي ده حب ولا لأ، عن جهلك بإيه هو الحب أساسًا. عيونه اللامعة والابتسامة اللي كانت على شفايفك، كل دي كانت علامات بتقولي إنك بتحبني فعلًا. إني أول حب يدق باب قلبك، حب نقي مش بيشوبه أي شيء!"
ضغط بدر على عيونه وهو بيجز على أسنانه بعنف وبيضغط بإيديه على دماغه كإنه بيقاوم حاجة، ولكنه اتجمد لما قالت:
"يا ترى كان احساسك إيه لما عرفت إنك هتخسرني يا بدر؟ وإن السم اللي دخل جسمي قوي ممكن مقدرش أقوم من تأثيره؟"
مردش عليها بل كان بيرتجف بعنف، فكملت هي:
"طب إيه احساسك لو إني ممكن اموت دلوقتي؟"
راقبها بتمعن وهو بيحاول يستشف مغزى كلامها، فقربت هي منه بخطوات بطيئة، وبدوره كان بيتراجع هو لورا لحد ما خبط في الباب بضهره وباصصلها بقلق وخوف غريب، وقفت هي قدامه، ونقلت عيونها على ملامح وشه اللي ظاهر عليها التعب والارهاق، رفعت إيديها وثبتتها على خده وهي بتقول بنبرة أقرب للهمس:
"أنا أدركت مؤخرًا إن حبي ليك وصل لإني ممكن أضحي بروحي علشانك يا بدر، زي ما عملت دلوقتي."
لوهلة حس بشلل في جميع أنحاء جسمه، فارتعشت شفايفه وقال:
"تـ... تقصدي إيه؟!"
حس بيها بتحط حاجة في إيده، رفعها قصاد عينيه فلقاها زجاجة تشبه زجاجات السم واللي كانت فاضية تمامًا، رفع عيونه ليها وهو بيتوسلها إن اللي في باله مش صحيح، فابتسمت هي وقالت:
"مش كنت عايز تقتلني؟ من حبي فيك قررتي أنهي نفسي بنفسي، عشان بس متبقاش عايش بذنبي يا بدر. عشان تعرف إني بحبك."
كانت ابتدى تأثير اللي شربته يتملك منها، حست بغمامة سودا بتشوش الرؤية، وفلحظات وقعت بين إيديه فاقدة الوعي، التقطها هو قبل ما تلمس الأرض، وفضل باصص ليها بصمت بيتأمل ملامحها بس، كان وشها شاحب بشدة، وكإنها فعلًا فارقت الحياة، لوهلة ارتجف جسده وحس بألم وصداع شديد بيضرب دماغه، ذكريات متقطعة بتتسلل ليه، وقت ما شافها واقعة على الأرض، هلعه وخوفه عليها، لما غفي جنبها وكان بيقوم يتطمن عليها، اعترافه بحبه ليها وآخرها لما حضنته بقوة.
انتفض جسده بعنف فوقعت منه وارتطمت بالأرض، أما هو فوقف مكانه يتشنج وهو باصصلها وبيصرخ بألم، وجع رهيب بينهش جسمه، كإن فيه حاجة بتتسحب منه بصعوبة، وقع على الأرض وهز بيتلوى زي اللي بيتعذب، أعصابه مشدودة، وشه شديد الاحمرار، جسده بينتفض وعروقه نافرة، لحد ما ابتدى يحس بوهن وضعف بيتملك منه، وقل انتفاضة جسده لحد ما سكن تمامًا وغاب عن الوعي هو كمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ماما!!"
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟!" هتفت بيها داريا بتعجب لما شافت والدتها خارجة من قاعة عرش الملك رسلان.
قربت منها الملكة آريا واحتوت كتفها وهي بتقول:
"داريا حبيبتي، عايزاكي تكوني واثقة إن عملت ده بس عشان احميكي أنتِ ورئبال."
عقدت داريا حواجبها بتعجب وقالت:
"عملتي إيه؟"
سكتت الملكة آريا ومردتش، فجزت داريا على أسنانها وهي بتقول بحذر:
"بقولك عملتي إيه يا ماما؟ ها؟ عملتي إيه؟!"
نقلت نظرها بين باب قاعة عرش الملك وبين والدتها وهي بتبصلها بشك، خاصة صمتها الغريب ونظراتها اللي كانت بتتأسفلها بيها، فاتوسعت عيون داريا بصدمة وهتفت:
"ماما متقوليش إنك خونتي الملك!"
ولكن لما مردتش صرخت بعنف وهي بتنفض إيديها عنها:
"خونتيه؟! خونتي الملك ضرغام يا ماما؟! خونتي بابا؟! ازاي عملتي كده؟! طب وأنا، ورئبال؟!"
حاولت تقرب منها الملكة آريا وهي بتقول:
"صدقيني يا داريا عملت كده عشانكم."
ولكن داريا دفعتها بعنف وهي بتصرخ:
"أنتِ بتقولي إيــه! أنتِ خونتي المملكة، خونتي زوجك! ازاي قدرتي تعملي كده! ليــه؟!"
نهت كلامها وهي بتبكي بإنهيار، مكانتش متخيلة إن أول واحدة تخون الملك هي!
فبكت الملكة آريا هي كمان وقالت بإنهيار:
"كان هيقتلني عشانها. كان هيقتلني عشان يفضل مع زمرد، ووقتها زمرد مكانتش هتردد تقتلك أنتِ وأخوكي عشان الطريق يبقى فاضي قدامها!"
اتجمت داريا تمامًا من قسوة كلام والدتها، فهزت راسها من بين دموعها رافضة اللي بيتقالها، ولكن قربت منها الملكة آريا وهي بتقول:
"صدقيني، زمرد تبقى عشيقة أبوكي القديمة، مكنتش هعمل كدة اقسم لكمكنتش هعمل كده غير لما سمعته لنفسي وهو بيوعدها إنه يخلص مني عشان يكون معاها."
فضلت داريا تهز راسها بعنف بالرفض، فقربت منها واحتوت الملكة آريا وشها بين إيديها وقالت:
"صدقيني يا داريا، الملك ضرغام قبل يضحي بيا عشانها. ومش بعيد هيضحي بيكوا بعدي."
"اسكتــي!" صرخت بيها داريا وهي بتدفعها بعنف في حين كملت تقاطع اللي هتقوله:
"اسكتـي. اسكتي متقوليش حاجة!"
نهت كلامها وهي بتتلفت تجري لبرا وهي بتبكي بعنف، حست نفسها على وشك الجنون، مكانتش تتخيل إن ده كله يحصل، مش قادرة تصدق كلام والدتها خاصة وإنها مشافتش أي حاجة تثبت ده.
وبدون تردد ركبت عربتها وقادت حصانها بنفسها بأقصى سرعة للمملكة عشان تحذر الملك ضرغام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتلملم في فراشه وهو بيتأوه بتعب، حاسس بصداع عنيف بيلفح دماغه، رفع إيده يدلك جبهته، سرعان ما استوعب اللي حصل وانتفض بفزع وهو بيهتف:
"ضـي القمـر!"
عقد حواجبه بتعجب لما شاف الملك رسلان وسلطان وقائد الحرس واقفين قدامه بيراقبوه بتتمعن، ولكنه التفت على بلهفة على صوتها الدافي وهي بتهمس برقة:
"بـدر.."
اتسعت عيونه وهو شايفها قاعدة جمبه على فراشه وبصاله بحنان وهي مبتسمة، فبدون تردد جذبها بعنف وضمها ليه بقوة تحت أنظار الموجودين وهو دافن راسه بين تجويف عنقها، أما هي اتملكها الخجل وحاولت تبعده عنها بإحراج وعينيها مثبتة على الموجودين وهي بتقول:
"بـدر، أنا كويسة متقلقيش."
بعد عنها واحتوى وشها بين إيديه وهو بيتفحصها بلهفة بيتأكد إنها سليمة في حين بيقول بجنون:
"السم.. كنتي واقعة.."
رفعت إيديها وبسطتها على شفايفه تقاطعه وهي بتقول:
"دي كانت خطة."
"خطة؟!" عقد حواجبه بدهشة وهو بيردد.
اتكلم قائد الحرس في الوقت ده وقال:
"كانت خطة بيني أنا والأميرة ضي القمر وسلطان عشان نقدر نكسر السحر اللي الملكة زمرد عملتهولك."
اتسعت عينيه بدهشة مش مستوعب اللي بيتقاله، فقرب منه الملك رسلان وربت على كتفه وهو بيقول:
"سعيد إنك رجعت لوعيك يا بطل. لحظات كمان ومكنتش هتردد ارميك في الزنزانة بنفسي!"
ضحك كل الموجودين على فكاهة الملك، أما سلطان فقرب بسرعة وطلع على فراش بدر بركبه ومال ناحيته لدرجة إن بدر اتراجع ورا بارتباك أما سلطان فكان بيفحصه بتمعن، سرعان ما بعد عنه وهو بيقول:
"مـدهش! أنا مش مصدق. متوقعتش إن الأمر ينجح!"
هز بدر راسه وهو بيقول بارتباك:
"لحظة، أنا مش فاهم حاجة. و.. مش فاكر حاجة كمان!"
مدت ضي القمر إيديها وثبتتها على كف إيده، فاتلفت يبصلها وهو حاسس بضياع، ضمت شفايفها بأسف وهي بتقول:
"الملكة زمرد سحرتك بطاعتها عشان تساعدها في اللي هتعمله."
كمل الملك رسلان:
"اتفقت مع الملك ضرغام وساعدت في إنهيار المملكة علشان الشعب يثور عليا فيعزلوني وبالتالي هتاخد هي الحكم والمملكة تكون تحت سيطرة مملكة أزتلان. وبما إنك تحت تأثير السحر فكنت ثائر عليا بسببها."
فاتدخل سلطان بسخرية:
"ودعونا لا ننسى إنك حبستني في سجن الملك المذهب وحاولت قتل ضي القمر."
اتسعت عيون بدر بصدمة من قسوة اللي بيتقاله، فنقل نظره لضي القمر اللي شددت من احتوائها لكفه وهي بترميه بنظرات داعمة.
مكانش مصدق إن كل ده حصل، حاجة أكبر من استيعابه تمامًا، آخر حاجة فاكرها إنه اكتشف إنها اللي اتسببت في تسميم ضي القمر.
شرد قدامه في الفراغ واتبدلت نظراته للغموض وقال:
"هي فين دلوقتي؟"
رد الملك رسلان:
"هربت بعد ما عرفت إن الملكة آريا اعترفت عليها."
عقد حواجبه بتعجب، فبصت ضي القمر في الوقت ده للملك رسلان بتتوسله إنها متقولوش على علاقة الملكة زمرد بالملك ضرغام، فهم الملك رسلان على طول نظراتها، فاتنهد بقلة حيلة وفضّل الصمت على الأقل حاليًا عشان ما يخسرش ابنه بعد ما صدق إنه رجعله من تاني.
اتكلم قائد الحرس في الوقت ده:
"لولا الاميرة ضي القمر مكناش قدرنا ننقذك او نكشف الملكة زمرد. هي الوحيدة اللي قدرت تعرف إنك مش في حالتك الطبيعية. وكمان قدرت تعرفنا العامل المضاد لتأثير السحر."
وجه نظره ليها بضياع، فابتسمتله بتشجيع وهي بترمقه بحنان، هي مدركة إنه ما زال في حالة تشتت، حتى ممكن ميصدقش كل اللي اتقال، بالنسباله صورة والدته اللي كانت في ذاكرته لسنوات اتمحت في لحظات، مكانش يتخيل إنها هتستغله بالشكل ده وتسحره!
معقولة هان عليها؟!
وجه أنظاره ليهم وقال بجمود:
"محتاج افضل لوحدي شوية."
نقلوا انظارهم لبعض، أما هو فقام ومشي بخطى بطيئة وخرج لشرفة جناحه، فبالفعل خرجوا جميعهم ما عدا ضي القمر اللي فضلت قاعدة مكانها تتابعه بعيونها وهي حاسة بالحزن على حاله، كان ثابت تمامًا، بيستقبل نسيم الهوا البارد من غير تأثر، حست هي بالقلق على حالته دي، فاتجهت ناحيته بهدوء وقربت منه وضمته من ضهره، شعر هو بقلبه بينتفض مكانه من قربها منه، ولكنه فضل ثابت وقال بجمود:
"كنتي قررتي تمشي!"
سندت راسها على ضهره وقالت:
"رجعت عشانك. عشان انقذك."
اتلفت ليها في الوقت ده، مد إيده مسك دقنها ورفع وشها ليه، اتأمل في ملامحه بحب جارف رغم مقاومته لمشاعره، ولكنه قال بنفس الجمود:
"مخوفتيش لأذيكي؟ إن مكونتش بالفعل اذيتك؟"
ابتسمت ليه وبعيون لامعة قالت:
"مش مهم حياتي. المهم إنك تكون بخير."
رغمًا عنه لانت ملامحه قصاد كلامها، فابتسم ليها وضمها ليه وهو ساند دقنه على شعرها، أما هي فاتشبثت فيه وهي بتنعم بقربه اللي اتحرمت منه، في النهاية رجع بدر ليها، بعد قسوة كبيرة طالتها منه.
وأخيرًا جه الوقت اللي هتنال فيه حبه.
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة ممدوح
نزلت من على حصانها ودخلت وهي شايلة فستانها وبتجري لجوا القصر الملكي.
مكانتش متخيلة إن الوضع هيوصل للشكل ده.
كانت متطمنة إن خطتها ماشية زي ما هي عايزة.
وقفت قصاد جناح الملك ضرغام وخاطبت الحراس قائلة:
_محتاجة أقابل الملك ضروري!
دخل واحد من الحرس وبعد دقايق قليلة خرج وهو بيسمحلها بالعبور، فدخلت بسرعة.
كان الملك ضرغام واقف في استقبالها وعلى وشه ابتسامة موحية، ولكنها اتكلمت بملامح متجهمة:
_تقدر تقولي آريا فين يا جلالة الملك؟
عقد حواجبه بتعجب من مغزى سؤالها، فكملت قبل ما تديله فرصة للكلام:
_أقولك أنا.
آريا عند رسلان دلوقتي.
ملكة مملكة ازتلان خانتك يا جلالة الملك.
قرب منها ضرغام وهو حاسس بالجنون من كلامها فهتف:
_إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا زمرد؟!
ضربته بقبضتها في صدره وهي بتهتف برعب:
_بقولك خانتك.
خانـتـنـا.
راحت قالت لرسلان على كل حاجة، أنا مطلوب القبض عليا يا ضرغام، رسلان مش هيرحمني ومش هيتردد يعدمني.
شفت الوضع اللي زوجتك حطتني فيه؟!
لقت نفسها دموعها بتنزل برعب، خايفة من انتشار اللي حصل في المملكة فالشعب وقتها مش هيتردد ينهيها قبل الملك باعتبارها خيانة عظمى، وخاصة إن شعب إل دورادو بيكره مملكة ازتلان بشدة.
كان الملك ضرغام مش مستوعب اللي بيحصل.
عمر ما آريا فكرت تخونه طول فترة زواجهم، بالعكس كانت بتتغاضى عن حاجات كتير.
إلا إذا...
اتوسعت عينيه بدهشة وقال:
_معقولة سمعت اللي دار بينا؟!
اتعصبت زمرد أكتر، فدفعته كذا مرة وهي بتصرخ:
_بقولك اكتشفوا خيانتي، هيقطعوا رقبتي قدام الكل.
أنتَ بتقول إيه دلوقتي؟!
أنا اتحطيت في الوضع ده بسببك وبسبب زوجتك!
جذبها الملك ضرغام وضمها ليه وسط اعتراضاتها وصراخها بعصبية لحد ما قدر يسيطر عليها وهو بيحاول يطمنها.
اتفتحت غرفة الجناح في الوقت ده بقوة ودخلت داريا اللي كانت وصلت علشان تحذره من اللي حصل، فاتجمدت تمامًا وهي بتنقل نظرها على المشهد اللي قدامها بعيون متسعة بقوة.
فانتفضت زمرد والملك ضرغام بصدمة.
وقف متجمد تمامًا مش عارف يبرر بإيه تصرفه ده، فاتكلم بتلعثم:
_داريا آآآ.....
نطقت بذهول:
_كان عندها حق!
ضم شفايفه بعجز، هو مكانش عايز إنه يتحط في موقف زي ده قدام بنته الوحيدة.
فنكس راسه من غير ما يرد.
أما هي فقالت:
_كان عندها حق في كل كلمة قالتها.
كنت هتخلص عليها عشانها!
هز الملك ضرغام راسه وقرب منها عشان يتكلم معاها، ولكنها هزت راسها بصدمة وبعيون مليانة دموع خرجت من الجناح وهي بتبكي بعنف.
هي اتهمت والدتها بالخيانة ولكن طلع عندها حق في النهاية.
اللي شافته قدامها كان اكبر دليل قدامها، ورغم ده قست عليها وسابتها ومشيت عشان تنقذ والدها!
خرجت لساحة القصر تتمالك نفسها.
سرعان ما مسحت دموعها بعنف بطرف أكمامها واتحولت ملامحها الحزينة للغضب والكره.
_داريا...
اتلفتت على صوت رئبال اللي اتعجب من حالتها دي، فقربت هي منه بسرعة وقالت من بين أسنانها:
_لازم نخلص على زمرد....
***
صحيت من النوم وهي بتتمطع بإرهاق.
سرعان ما اتعدلت وهي بتبص بتعجب للي قاعد قدامها بيراقبها في صمت.
كانت ملامحه غريبة، صامت تمامًا، قاعد على كرسي وثير جنب فراشها وبيراقبها فقط من غير تعابير.
فقالت بصوت متحشرج من النوم:
_بدر!
أنتَ هنا من امتى؟!
ومصحتنيش ليه؟!
سكت شوية من غير ما يرد، وبعدين اتكلم بجمود:
_كنت بفضل قاعد براقبها وهي نايمة على أمل إنها تفتح عيونها في يوم.
سنين عدت فيها طفولتي ومراهقتي وشبابي وأنا كل يوم قاعد بس بستناها!
اتبدلت ملامحها للحزن وحست بإنقباض صدرها على حاله.
كمل كلامه:
_كنت بقول تصحى بس وكل مشاكلي هتتحل، هعوض كل الأيام اللي مرت عليا من غيره.
بس متخيلتش إن بمجرد ما تصحى أول واحد هيدوق أذاها هو الشخص اللي فضل أعوام بيتوسلها تقوم.
رفع عيونه ليها اللي كانت مليانة عذاب وحزن شديد:
_تفتكري كنت استاهل منها كل ده؟!
رفعت غطاء فراشها، واتوجهت ناحيته وقعدت على مسند الكرسي، وضمت راسه لصدرها.
معترضش بل بالعكس سكن تمامًا.
مسدت هي على خصلاته الطويلة وهي بتقول:
_محدش يستاهل كل ده منها، لا الملك رسلان، ولا أنتَ خاصة.
مش ذنبك إنها فشلت تكون أم صالحة وفضّلت مصالحها الشخصية عليك.
بدر أي حد يتمنى بس إنك تكون موجود في حياته.
عمر المشكلة ما كانت فيك!
غمضت عيونه بألم وهي بيستمع لكلامها من غير ما يعقب عليه، ولكنه قال في النهاية:
_عيشت عمري كله بكن حقد تجاه عقيق عشان صورة خاطئة اترسخت في دماغي.
كنت بحاول أقتلك مرة.
وكنت هسبّب في إعدامك مرة.
كنت هأذي الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد!
احتوت وشه بين إيديها وأجبرته إنه يبصلها، واتكلمت بابتسامة دافية:
_ممكن ننسى اللي فات يا بدر، أنا هنا جمبك.
مفيش حاجز بينا تاني خلاص!
مفيش داعي إنك تفضل تلوم نفسك.
أنا مدركة كويس إن كل ده كان غصب عنك ومش زعلانة منك ولا بلومك أبدًا.
ولو اتعاد الزمن مش هتردد أحبك برضه.
رغمًا عنه ابتسملها ولانت ملامحه، يمكن أكتر حاجة بتهون عليه إنها جنبه.
كانت عندها استعداد تضحي بحياتها علشانه ومكانتش هتتردد.
رفع إيده يمسد على مكان الجرح اللي في كتفها من فوق ملابسها وهو بيرمقها بنظرات مليانة أسف، فضحكت هي وقالت:
_متقلقش، خدت مناعة.
ضحك هو كمان وجذبها وطبع قبلة على شعرها وبعدها عنه وهو بيقول بشقاوة:
_لازم اعلمك المبارزة عشان تقدري تقفي قصادي بعد كده.
بعدت عنها وانتفضت وهي رافعة إيديها قصاد عينه وبتقول:
_لا!
مبارزة تاني لا.
حرمت!
ضحك بشدة وهو بيراقب الذعر اللي ظهر على ملامحها، فحطت هي إيديها على وسطها واتكلمت بعبوس مصطنع:
_بتضحك عليا؟!
ماشي يا أبو ملاية!
وقف وجذبها ضمها ليه وهو بيقول:
_أهو أبو ملاية مبقاش قادر يستغنى عنك.
سكتت واحمر وشها من غزله ليها والمشاعر الرقيقة اللي بتجربها على إيديه، فبعد عنها وهو بيحرك حواجبه:
_جربتي قبل كده تمطتي خيل اسطوري؟!
وبعد وقت مش قليل.
كانت متشبثة بيه ومحاوطة ضهره وهي قاعدة وراه وساندة راسها على ضهره، في حين هو كان متمسك بلجام بجاسوس.
خرجوا برا حدود المملكة وابتدوا يتمشوا في وسط الأراضي الواسعة اللي حوالين المملكة.
كانت في نفس المكان اللي بتلاقي نفسها بتقوم فيه بعد ما بتتنقل للعالم ده.
نزل من على بجاسوس وساعدها في النزول بعد ما حملها من خصرها بخفة.
وقفت هي تلاعب بجاسوس وتملس عليه وهي بتقول:
_مش قولتلك هرجعلك صاحبك يا بجاسوس.
صهل بجاسوس وكإنه فاهم كلامها وابتدى يحرك راسها على جسمها كإنه بيشكرها.
أما بدر فابتسم وهو بيتفرج عليهم وقال:
_مكنتش متخيل إن العلاقة بينكم اتطورت بالشكل ده!
خاصةً إن بجاسوس عدواني تجاه أي حد، ولكن الظاهر إن أنا اللي معرفوش كويس.
ضحكت وهي بتداعب بجاسوس وقالت:
_لا ده بقى صديقي الصدوق.
خلاص لولاه مكنتش قدرت ألاقي سلطان وعرفنا ننقذ.
بصتله وهي بتحرك حواجبها بشقاوة:
_وبعدين أنا مش أي حد.
أنا مُقدّرة وخليلة الأمير بدر ولا إيه؟!
ابتسم على كلامها وقرب لبجاسوس وابتدى يداعبه كإنه بيشكره فصهل الحصان بقوة وهو مستمتع بلعبهم معاه.
اتمددت على الأرض الخضرا وهي باصة للسماء.
أما بدر فكان قاعد جمبها بينحت خشبة وبيصنع بيها وتد كإن دي الهواية المفضلة ليه.
سكتت حركة بدر شوية وبعدين قال:
_من امتى وأنتِ بتعرفي السباحة؟
عقدت حواجبها بتعجب واتعدلت وهي بتقول:
_أنا مبعرفش السباحة أصلًا.
بالعكس ممكن أغرق في شبر ماية.
رفع نظره ليها وفضل باصصلها شوية تحت أنظارها المتعجبة، ولكن في النهاية اتنهد وقال:
_لو حبيتي تحكيلي عن أي حاجة تخص حياتك، اعرفي إني هفهمك كويس يا ضي ومش هتردد أسمعك.
ضحكت ضي القمر اللي مكانتش استوعبت معنى كلامه وقالت:
_اعتبرني جنيتك السحرية.
هل ده هيقلل من حبك مثلًا؟!
فابتسم بدر ابتسامة خفيفة وهو بيهز راسه من غير ما يتكلم.
هو جواه أسئلة كتير برضه ولكن مش عايز يستعجل عليها.
كل شيء بوقته...
***
اجتماع طارئ عقده الملك رسلان بحضور ملك مملكة بريتيا اللي بيكون والد الملكة داريا وملك مملكة أغارثا والعديد من الممالك التانية.
حضرت الملكة داريا الاجتماع باعتبارها الشاهدة ومعاهم بدر والعديد من كبار الوزراء وقائد الحرس.
أما ضي القمر ففضلت تتابع اللي بيدور بينهم من على بُعد.
مقدرتش تسيب بدر من تطمن عليه وهو وسطهم، خاصة النقاش اللي هيكون داير بين الموجودين هو عن خيانة الملكة زمرد العظمى.
كان ملك مملكة بريتيا ثائر بشدة وظاهر عليه الغضب من اللي حصل لبنته الوحيدة، فاتكلم بصوت عالي وبقوة:
_اتأكد يا جلالة الملك رسلان إنك لو خدت قرار الحرب شعب مملكة بريتيا وجنودها مش هيترددوا أبدًا إنهم يعاونوك.
بسط الملك رسلان كفه على صدره بامتنان، فاتكلم ملك مملكة أغارثا واللي بتكون زمرد واحدة من شعبه:
_أنا بكررلك اعتذاري يا جلالة الملك.
صدقني شعب مملكة أغارثا بيستخدموا قدراتهم في السحر للخير فقط، ولكن زمرد خرجت عن المألوف عندنا وده يعتبر خيانة لتقاليدنا واللي منرضاش بيها أبدًا.
كان بدر صامت تمامًا وهو بيسمع الكلام اللي بيدور بينهم واللي كان قاسي جدًا بالنسباله لإن الأمر بالنسباله وصمة عار هتفضل تلاحقه، رغم إنه لسة ميعرفش بقيت التفاصيل اللي ممكن تصيبه في مقتل تمامًا.
فعشان كده مقدرتش ضي القمر إنها تسيبه لوحده.
تلفت بعينه كإنه بيدور عليها، هي الوحيدة اللي تعتبر مصدر أمانه دلوقتي، وبالفعل لقاها واقفة من على بُعد متابعاه.
أول ما شافت الحيرة اللي على وشه بصتله وهزت راسها ليه ورمقته بنظرات تشجيعية فابتسملها بامتنان.
تلفت على صوت الملك رسلان اللي قال:
_خطوة الحرب لا مفر منها، لازم ننهي حكم الملك ضرغام اللي كان حكم فاسد وكله مؤامرات.
ولكن لازم نقدر ناخد احتياطاتنا ونجهز عتادنا لأن المملكة مرت بأزمة الفترة اللي فاتت دي بسبب الألاعيب اللي اتعرضتلها.
اتكلم ملك مملكة بريتيا:
_هندعمك بكل اللي تحتاجه يا جلالة الملك.
وبالنسبة لمعاهدة السلام اللي بينكم فاحنا مدركين كويس إن ليك كل الحق في نقضها ومش هنلومك على حاجة زي دي.
_أشكرك يا جلالة الملك.
قالها بعملية، فوجه أنظاره لقائد الحرس وقال:
_أنتَ مسئول عن تجهيز الجنود من دلوقتي لحد بداية الحرب.
الأمر خطير المرة دي يا قائد الحرس ومش عايزين أي تهاون.
جنود مملكة إل دورادو لازم يخرجوا من الحرب دي يا منتصرين يا اما منتصرين، مفيش أي خيار تالت.
أدى قائد الحرس تحيته العسكرية وهو بيأكد على كلامه.
كانت ضي القمر مراقبة اللي بيحصل بقلق واضح، فكرة الحرب راعباها لإنها مدركة إنها مش هتكون بالسهولة دي.
مرعوبة من فكرة إنه يحصله مكروه.
حست بحركة جنبها واللي مكانش غير سلطان اللي قال:
_الحرب أمر مفروغ منها لا محالة.
ولكن بالنسبة لحربك أنتِ يا ضي القمر؟
بصتله بتعجب وهي مش فاهمة مغزى كلامه فردت:
_حرب إيه؟
اتكلم بابتسامة:
_الحرب اللي بين قلبك وعقلك بعد ما تعرفي الحقيقة.
قالها واتلفت وخرج من المكان، فمشيت وراه بسرعة وجواها فضول كبير، فقالت بنفاذ صبر:
_اتكلم يا سلطان من غير لف ودوران ارجوك، الموضوع مش مستحمل!
ولكنه كان بيتسند على عصاه وهو متابع حركته وبيتكلم:
_العلاقة بينك وبين الأمير بدر تطورت بشكل ملحوظ، تطورت لدرجة إن أكيد بعد انتهاء الحرب أول حاجة هتشهدها المملكة هي زفافكم الملكي.
وقف مرة واحدة وبصلها بقوة وهو بيقول:
_ولكن قبل تمني حياة سعيدة ليكوا، هل أنتِ مدركة لعواقب الأمر؟
عقدت حواجبها بتعجب، لوهلة حست بالقلق بيتسلل جواها فسألت بحذر:
_زي إيه؟!
ابتسم سلطان واتكلم:
_بمجرد ما يتم الزفاف، هتتربطي هنا.
في العالم ده للأبد.
يعني باختصار، البوابة اللي بين عالمنا وعالمك هتتقفل تمامًا.
لإنك هتكوني حققتي النبوءة.
يعني مش هتقدري تتنقلي بين هنا وهناك زي ما اتعودتي.
ولا هتشوفي جدتك يا ضي القمر، لإن خلاص قدرك هيكون هنا.
أما هناك فجسدك هيفنى.
تجمدت تمامًا مكانها لدرجة إنها محستش بيه إنه سابها ومشي.
لوهلة كان الأمر صعب عليها، ازاي هتقدر تبعد عن عالمها اللي يشبهها؟
هي بالفعل مكانتش هتتردد في الزواج من الأمير بدر ولكن كانت هتعتاد إنها تتنقل من هنا لهناك عشان متقدرش تسيب جدتها!
ولكن متخيلتش إن الأمر معقد بالشكل ده لدرجة مرفوضة!
قعدت على الأرض مكانها وسندت ضهرها على الحيطة وهي حاسة بتشتت، مش عارفة تقدر تتصرف إزاي.
يا تضحي بجدتها.
يا تضحي بحبها لبدر.
معقولة هتقدر تخذله تاني؟
هتديله أمل وتسيبه وتمشي ويفضل يتألم ويعاني زي الملك رسلان تاني؟!
شافها بدر من على بُعد بعد ما انتهى الاجتماع اللي أفضى بإن قرار الحرب أمر مفروغ منه، فاتجه ناحيتها وهو حاسس بالقلق.
كانت شاردة تمامًا لدرجة إنها محستش بأنه قعد على ركبته قدامها وهتف:
_ضي القمر..
انتفضت على لمسة إيده بخضة، فاتكلم هو بقلق واهتمام صادق:
_مالك يا ضي.
أنتِ بخير؟!
حاولت تبتسم وطمأنته:
_أنا كويسة.
خايفة عليك بس يا بدر.
خايفة من الحرب!
ابتسملها وملس على خدها وهو بيقول:
_متقلقيش، مش أول حرب تعدي على المملكة، وبعدين اللي قدامك ده فارس مغوار محدش يقدر ينافسه في المبارزة.
ضحكت وهي بتقول:
_ما أنا شوفت بعيني.
قام وقف ومد إيده ليها ساعدها تقوم، وقال وهو بيبص لعيونها مباشرة بنظرات مليانة حب جارف:
_تنتهي الحرب ونخرج منها منتصرين، وصدقيني مفيش أي حاجة هتبقى عائق بينا بعد كده يا ضي القمر.
هعملك زفاف ملكي ولا في الأحلام.
وبعدها مفيش أي حاجة هتأرق علينا حياتنا تاني.
كانت قادرة تميز كويس اللهفة اللي بيتكلم بيها، كان بيتكلم بكل جوارحه من غير ما يداري حبه ليها، وده شيء حسسها بالعجز.
مش هتقدر تئذيه تاني، كفاية خيبة أمله في والدته بعد كل الأعوام اللي انتظرها فيها.
وبدون تردد لفت دراعها حوالين خصره وسندت راسها على صدره، ضمها هو ليه وهو حاسس بتخبطها، ولكن فسر ده بإنه قلقها بسبب الحرب اللي هيشارك فيها.
أما هي فقررت إن بمجرد ما تخلص الحرب مش هتتردد إنها تحكيله عن كل حاجة، عن أصلها وعقيق والسلسلة، لازم يعرف كل حاجة يمكن هو نفسه يقدر يلاقيلها حل...
***
شافه وهو واقف مستنيها من على بُعد، كان واقف لوحده وسط أراضي واسعة بعيدة عن مملكة أزتلان لإنه ميقدرش يدخل هناك.
رغم الألم اللي كان متملك منه بسبب اللي هيعمله ولكنه حاول يدوس على مشاعره على قد ما يقدر.
شافها وهي نازلة من عربتها، بمجرد ما شافته جريت عليه وضمته وهي بتقول:
_بدر حبيبي.
شوفت اللي حصلي يا بدر.
الملك رسلان أمر بقتلي.
لازم نوقفه عند حده في أسرع وقت.
قالتها وهي بتبكي على كتفه، كان بيضمها ليه بصدق، رغمًا عنه مشاعره بتغلبه، مش قادر يتخيل إنها بالشكل ده!
ولكنه ابتسم بسخرية على حاله لما سمع كلامها الأخير وأدرك إنها عمرها ما هتتغير.
أما هي فكانت فاكرة إنه ما زال تحت تأثير السحر فكانت بتتكلم وهي مطمئنة.
بعدها عنه وابتسم ليها وهو بيقول:
_متقلقيش يا أمي.
ومتشيليش هم، كل حاجة هتنتهي قريب والألاعيب كلها هتنكشف.
عقدت حواجبها بتعجب من كلامه الغريب، فكمل بنفس الابتسامة:
_أنا عارف كويس إني مكنتش استاهل منك كل ده، رغم إنك شككتيني في نفسي بس وجود ضي القمر في حياتي اثبتلي إني اتحب فعلًا.
إني استاهل يتضحى علشاني، وإن فيه حد فارق معاه وجودي فعلًا مش مستغلني عشان مصالحه الشخصية واطماعه.
تجمدت الملكة زمرد وهي بصاله بصدمة، ارتجفت إيديها وقالت:
_بـدر..
بدر أنتَ...
فضل باصصلها هو ورفع إيده، وفجأة انتفضت بهلع لما اتملى المكان حراس من حواليها ظهروا من العدم.
وجهوا سيوفهم تجاهم، فاتكلم بدر في الوقت ده:
_ملكة زمرد.
أنتِ متهمة بالخيانة العظمى لمملكة إل دورادو...
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منة ممدوح
دخلت ضي القمر للمكتبة عشان تدور على حاجة تحل بيها مشكلتها.
هي كانت عارفة إن المكتبة فيها كتب كتيرة ممكن تساعدها، ولكن ذهلت من الحجم اللي شايفاه.
مكانتش متوقعة إنها كبيرة بالشكل ده واتأكدت إنها هتاخد وقت طويل عشان تقدر تلاقي حاجة.
وبعد دقايق طويلة من البحث وسط أرفف الكتب اللي بتتكلم عن الأساطير والعوالم الموازية، شالت كتاب لفت نظرها ونزلت من على السلم بحذر.
ولكن وقع الكتاب من إيديها على الأرض واتفتح ونزل منه حجر صغير.
سرعان ما أضاء الحجر ده بقوة وظهر عنه شعاع كبير اتشكل على شكل مثلث وبعدين ظهرت صورة عقيق!
اتجمدت ضي القمر وهي شايفاها قدامها، نفس ملامحها اللي تشبهها بالضبط.
بالفعل الرسومات مكدبتش.
ولا الملك رسلان!
واقفة رافعة راسها بشموخ، مبتسمة ابتسامة رقيقة.
اتحرك الشعاع ومنه اتحركت عقيق وقربت اكتر وقالت:
_ رسلان حبيبي.
أنا عارفة إنك أكيد هتبقى مصدوم دلوقتيهتسأل نفسك أسئلة كتيرة أولهم أنا ليه سيبتك...
لانت ملامحها واتبدلت للحزن وكملت:
_ صدقني كل اللي حصل ده مش بإيدي.
لو كنت فضلت هنا كنت أنتَ بنفسك عدمتني بإيدك.
بعد ما زمرد تثبتلك إني قتلت الوزير بِشر اللي قدر يعرف بجرايمها وألاعيبها ولكن قبل ما يقولك كانت خلصت عليه، وباستخدام رجالها كانوا هيشهدوا إني بالفعل قتلته وشافوني خارجة من غرفته.
وبعد ما تعدمني كانت هتقتلك أنتَ..
ياريتني كنت أقدر اساعدك بس للأسف أنا ضعيفة.
ضعيفة فوق ما تتخيلوكل الأدلة كانت هتكون ضدي.
زمرد أقوى مني يا رسلان.
حتى أقوى من حبنا.
ولكن صدقني كل اللي حصل مش بإرادتي، أنا كان ممكن أفديك بحياتي، وعلشان كده قررت أعيش بتألم في سبيل إني أكون الذكرى الجميلة في حياتك وكمان...
متفضلش عايش بذنبي...
وكمان تفضل عايش.
رسلان اتأكد إني عمري ما هنساك، هتفضلي حبيبي الأول والأخير.
حبيبتك عقيق..
انطفى الشعاع في الوقت ده.
أما ضي القمر فكانت واقفة متجمدة تمامًا بعيون متسعة.
مكانتش مصدقة اللي بيتقال قدامها، ده غير ألاعيب زمرد عليها وإنها اذتها وحبستها كانت هتلبسلها تهمة القتل!
ولكن اللي سببلها دهشة كمان إنها حست نفسها قصاد مراية بتعكس صورتها.
بس الاختلاف في نبرة الصوت بس.
عقيق كانت سايبة للملك رسلان رسالة وداع وكمان اعتراف بكل اللي عملته زمرد، ولكن الغريب إنه ملقاهاش لحد دلوقتي!
انحنت وشالت الحجر اللي كان مثلث الشكل، وفضلت بصاله شوية وهي بتقلبه بين إيديها وحاسة بالارتباك والصدمة.
وبعدين دارته في اكمامها وشالت الكتاب خدته معاها وخرجت من المكتبة.
الظاهر إن ده كان كتاب مميز عند عقيق، وإلا مكانتش خبت فيه الحجر..
دخل بدر عليها الزنزانة بخطوات بطيئة، ووقف قدامها يبص لحالتها بملامح جامدة تمامًا.
كإنه فقد الحياة من جواه.
رفعت زمرد عينيها اللي كانت حمرا ليه، وابتسمت باستهزاء وهي بتقول:
_ قدرت تبيعني يا بدر؟
حطتني في الزنزانة بإيدك؟!
اتكلم بنبرة جامدة:
_ مفيش مكان للخاين في مملكة إل دورادو.
وقامت وقفت وقربت منه، ولكن كان الحائل بينهم هو القضبان.
بصت لعيونه مباشرة وقالت:
_ للأسف يا بدر أنتَ بقيت نسخة مصغرة من أبوك.
عملتلك سحر؟آه وبعترف، بس السبب الوحيد اللي خلاني اعمل كده إني مخليهمش يئذوك!
مقدرتش أضحي بيك عشان أنتَ ابني!
رفع راسه ليها وبحدة قال:
_ أنا مش ابنك.
أنا بتمنى إنك كنت فضلت نايمة ومقومتيش، يمكن كنت فضلت محافظ على الصورة المثالية اللي سيبتيهالي وأنا صغير.
ولكن للأسف عرفت كل حاجة، من أول علاقتك بضرغام القديمة لحد حيلك عشان يثور الشعب على الملكات.
اوسعت عينيها واتراجعت عدة خطوات لورا بدهشة، فضحك هو بتريقة وقال:
_ فاكرة إني معرفتش؟
دي الحقيقة اللي الملك رسلان رفض يقولهالي لحد دلوقتي بس عشان خايف عليا من قسوتها!
ولكن مفيش حاجة بتتدارى دلوقتي يا جلالة الملكة.
عرفت بألاعيبك على عقيق عشان تبعد وتبقي أنتِ الملكة.
عرفت بإنك اتفقتي مع عدونا بس عشان اطماعكمقدرتش ترد عليه، ولكنها بلعت ريقها بارتباك.
فقال هو بقوة:
_ صدقيني، مش هتردد لحظة إني أنا اللي اعدمك بإيدي.
اشتعلت عينيها في الوقت ده بلهيب حاقد، فقربت خطواتها واتمسكت بالقبضان وهي بتقول بهسيس:
_ بقيت نسخة منه.
كإن رسلان هو اللي قدامي.
وصدقني لو كنت أعرف إنك بقيت تشبهه بالشكل ده، كنت خليتهم يقتلوك معاهم.
كنت دافعت عنك وقررت آخدك لصفي بدل قتلك...
لوهلة حس بألم في صدره من نظرتها اللي كانت بتحمل كره رهيب بيشع منهم، ولكنه فضل واقف مكانه بل وابتسم بسخرية رغم الوجع اللي جواه.
دخل الملك رسلان في الوقت ده ولما شاف الوضع اللي قدامه قدر يميز إيه اللي بيدور بينهم.
أما هي اتلفتت ناحيته وقالت بكره من بين أسنانها:
_ رسـلان.
آه رسلان.
هي غلطتي من البداية إني مخلصتش عليك من زمان.
ابتسم الملك رسلان وقال:
_ للأسف يا زمرد، هتموتي قبل ما تشوفي اللحظة دي.
ولكن كل اللي عايز أعرفه أنتِ عملتي إيه في عقيق!
أنتِ الوحيدة اللي عارفة سر هروبها.
قهقهت زمرد بشدة خلتهم يبصولها بإرتياب.
سكتت وبصت للملك رسلان وقالت بسخرية:
_ عقيق.
وأنتَ فاكر إن عقيق بريئة بالشكل اللي أنتَ متصوره؟!
متعرفش إن هي اللي قتلت بِشر زمان بعد ما كان هيعترفلك بخيانتها ليك معاه!
_ كفاية كدب!
هتفت بيها ضي القمر بحدة وهي بتتقدم لجوا بعد ما سمعت الحوار اللي بيدور بينهم.
لمعت عيون زمرد بحقد شديد وضغطت على القضبان بإيديها كإنها عايزة تفتك بيها.
وقفت ضي القمر قدامها تحت أنظار الملك رسلان اللي كانت حاسس بالصدمة من اللي اتقاله.
أما ضي القمى فقالت:
_ أنتِ معجونة من إيه؟
إيه الشر اللي جواكي ده؟!
أنتِ بنفسك اللي قتلتي بِشر ده بعد ما اكتشف كل ألاعيبك عشان ميروحش يقول للملك!
بهتت زمرد وشحب لونها، ولكنها حاولت تمالك نفسها وقالت بسخرية:
_ طبيعي إن اللي بتحمل دماء عقيق هي اللي تدافع عنها!
لاحظ الملك رسلان في الوقت ده الكتاب اللي بين إيدين ضي القمر، فعقد حواجبه وقال بتعجب:
_ ده كتاب عقيق المفضل!
ابتسمت ضي القمر وأكدت كلامه وهي بتقول:
_ بالظبط، كتاب عقيق.
واللي كانت سايبالك فيه رسالة ولكن للأسف مشوفتهاش لحد دلوقتي!
ويشاء القدر إني ألاقيها صدفة.
بصلها الملك رسلان باستغراب، فطلعت ضي القمر الحجر اللي بيحمل رسالة عقيق، ولكنها مكانتش عارفة طريقة عمله، فرمته على الأرض زي ما حصل وبالفعل طلع الشعاع منه وظهرت عقيق.
لمعت عيون الملك رسلان بحنين جارف واترنج لوهلة وهو بيهمس:
_ عقـيق!
سمعوا الكلام اللي عقيق قالتها، كان بدر حاسس بالذهول من الشر اللي متملك من والدته بشكل ميتصورهوش.
أما الملك رسلان كانت ملامحه بتشتد غلظة وتوحش من اللي بيسمعه، مكانش يتخيل إن السبب في معاناته بالشكل ده هي اللي واقفة قدامه واللي قرر يتجوزها عشان المملكة.
اتلفت ناحيتها فكانت متجمدة تمامًا، باغتها الملك رسلان بإنه قرب منها ومسك رقبتها بقوة من بين القضبان وهو بيزمجر:
_ هقتلك يا زمرد.
هقتلك يا ملعونة.
أنتِ إيه؟!
إيه الشر اللي بتملكيه ده!
كانت بتحاول تتملص من بين إيديه ولكن الملك رسلان كان فقد عقله تمامًا من كل الألاعيب اللي حصلتله بسببها.
حاول بدر يفرق بينهم بعد ما شاف حالة والده وزمرد اللي كانت بالفعل بتختنق لحد ما قدر يبعده عنها، فوقعت هي على الأرض وهي بتشهق وباصة ناحيتهم بصدمة.
أما بدر فكان باصصلها بعيون مليانة دموع محبوسة من القهر وهو متشبث بالملك رسلان عشان يمنع اقترابه منها، فهتف الملك رسلان بعنف:
_ صدقيني يا زمرد، هعدمك قصاد شعب المملكة كلهم، هخليكي عبرة يفضلوا يتكلموا عنها لأعوام.
تراجعت لورا زحفًا لحد ما سندت على الحائط وهي بتبصله برعب، أدركت خلاص إن دي نهايتها اللي مكانتش تتصور إنها قريبة بالشكل ده.
نفض الملك رسلان بدر عنه، ووطى أخد الحجر اللي على الأرض وهو بيبصله بحنين وعيون لامعة من الحزن.
هو الذكرى الوحيدة من حبيبته الغايبة.
هو الشيء الوحيد اللي بيحمل صورتها وصوتها اللي اشتاق له.
وفي النهاية رمق زمرد بنظرة أخيرة وبعدين سابها وخرج.
أما ضي القمر فاتجهت لبدر وربتت على دراعه ولكنه كان منفصل تمامًا وهو بيوجه لوالدته نظرات عتاب ولوم وقهر شديد.
ولكنها أجبرته إنه يتحرك معاها عشان ميفضلش قدامها...
كانت ضي القمر قاعدة مع جولينهار اللي كانت بترتب جناحها، فاتكلمت ضي القمر بتساؤل:
_ مين بِشر ده يا جولينهار؟
اتلفتت ليها بعيون واسعة فعقدت ضي القمر حواجبها بتعجب وسألت:
_ فيه إيه؟
قربت منها جولينهار وقالت بسعادة:
_ أنتِ نطقتي اسمي صح لأول مرة يا مولاتي!
هزت ضي القمر راسها بقلة حيلة فاتنحنحت جولينهار بسرعة وقالت:
_ عذرًا يا مولاتي.
بِشر ده كان الوزير الاكبر وصديق الملك رسلان من الطفولة، لحد ما اتقتل في غرفته في ظروف غريبة، ساءت حالة الملك بشدة وكان بيبحث بكل قوته عن اللي قتله واقسم إنه هيعدمه في ميدان المملكة ولكن مقدرش يعرف هو مين للأسف.
مطت شفايفها بتفهم، هي قدرت دلوقتي تميز خوف عقيق، بالفعل بشكل كبير مكانش هيصدقها خاصة مع الشهود اللي كانوا رجال زمرد لما يأكدوا اللي حصل.
زمرد كل مدى بتدهشها من كمية الشر اللي بتحمله جواها واللي مش لاقياله سبب لحد دلوقتي!
هي شافت بنفسها معاناة الملك من غياب عقيق اللي لحد دلوقتي بيتهز لما يسمع اسمها من شده عشقه ليها.
ازاي قدرت تعيش السنين دي كلها وهي شايلة الذنب ده وشايفة الملك بيتألم قدامها وساكتة!
نزلت ضي القمر لجناح بدر، فتحولها الحراس بسرعة الباب، كان واقف قصاد مراية غرفته بيعدل من الزي الحديدي اللي لابسه واللي شافته بيه قبل كده.
هي كانت عارفة مسبقًا إن النهاردة هياخدوا مسيرة لمملكة ازتلان وهتقوم الحرب.
وقفت تبصله بعيون معذبة وهي شايفة ملامحه المظلمة.
اتلفت هو ناحيتها وشاف دموعها المحبوسة، فاتنهد وشاورلها بإيده تيجي، بالفعل اتحركت وهي ماطة شفايفها بطفولية وبتقول:
_ بدر بالله عليك مش لازم تشارك في الحرب.
خلي الجنود يروحوا هما ومعاهم قائد الحرس.
مش هقدر اتحمل إن يحصلك حاجة!
ابتسملها بحنان وبضهر كفه ملس على وشها برقة وهو بيقول:
_ مقدرش يا ضي.
لازم أكون على مقدمة الجيش، ولا يرضيكي يقولوا عليا أمير جبان خاف يشارك في الحرب؟!
اتحركت بعشوائية وعبوس وهي بتقول:
_ يا بدر دي حرب مش لعبة، لو حصلك حاجة مش هقدر...
نهت جملتها اللي معرفتش تكملها من ارتعاش شفايفها والرعب اللي جواها من فكرة موته وهي بتبكي غصب عنها، فاتنهد وجذبها يضمها لصدره وهو بيملس على شعرها بحنان وبيقول:
_ اهديمش عايز اشوف دموعك يا ضيِّ.
يمتقلقيش هكون بخير.
بعدها عنه واحتوى وشها بين إيديه وهو بيقول بعيون لامعة بحب جارف:
_ صدقيني السبب الوحيد اللي هيخليني ادافع عن حياتي بكل استماتة هو أنتِ.
أنتِ سبب تمسكي بالحياة.
ابتسمتله بحب، فضم راسها لصدره وهو بيميل يستنشق ريحتها بولة وبيقول:
_ كفاية دموع بقى!
ولكنه كانت بتشهق بخفة، حس هو بألم من حالتها دي وقال:
_ طب بتعيطي ليه دلوقتي؟!
ردت بصوت متحشرج:
_ البدلة ناشفة أوي.
بعدها عنه وهو بيبصلها بصدمة، أما هي فكانت ضمة شفايفها بطفولية، فضحك بقلة حيلة ومال طبع قبلة عميقة على خدها وهو بيمسح بقايا دموعها بأطراف أصابعه.
نزل بدر اللي كان ضامم ضي لصدره وصلوا لساحة القصر فشافت عدد كبير من الجنود واقفين ده غير اللي منتظرينهم على حدود المملكة.
شافت الأحصنة الاسطورية الضخمة اللي كانت بنفس عدد الجنود، ده غير الاسلحة الكتير والقذائف اللي كانوا بيجهزوه.
لقت الملك رسلان وقائد الحرس منتظرينهم اتوجهوا ناحيتهم فشافوا الملكة آريا بتتكلم مع الملك رسلان وبتقول بتوسل:
_ يا جلالة الملك، أرجوك متئذيش أولادي، أنا طلبت منك الحماية ليا ولأولادي، مقدرش اتحمل خسارتهم!
رفع الملك رسلان راسه بشموخ وكبرياء وقال:
_ أولادك اختاروا صفهم بنفسهم يا ملكة داريا، طول ما هما بعيد عن الحرب محدش هيمسهم بسوء، ولكن مقدرش اسيبهم يئذوا حد من جنودي واسكتلهم.
شدت على خصلاتها وهي بتتحرك بحركة عشوائية بجنون، فقرب الملك رسلان من بدر وقال:
_ جاهز يا بطل؟!
أدى تحيته وهو بيقول:
_ على أتم الاستعداد يا مولاي.
لاحظ الدموع اللي محبوسة في عيون ضي القمر، فربت على كتفها وهو بيقول:
_ متقلقيش عليه، بدر من أقوى واكفأ الجنود في المملكة مش ولي العهد بس، أنا متأكد إنه هيقود الجنود للانتصار.
هزت راسها من غير ما ترد، فاتحرك بدر بدوره ناحية بجاسوس، قربت منه ضي القمر وملست عليه وهي بتقول بدموع:
_ بدر أمانة معاك يا بجاسوس، ارجوك رجعهولي بخير.
صهل بجاسوس بقوة كإنه بيأكدلها على كلامها، لفت عيونها لبدر وهي بتبصله بخوف كبير، فجذبها وضمها بقوة وبعد عنها وبعدين امتطى بجاسوس هو وباقي الجنود، ولكن قبل ما يتحركوا دخل جندي من الجنود على حصانه اللي هتف:
_ جلالة الملك، جنود مملكة ازتلان متجهين ناحيتنا!
اتنقلوا النظرات بينهم وبين بعض بصدمة، كانوا متوقعين إنهم هيغزوا المملكة ولكن اتباع ضرغام كانوا قدروا يحذروه.
طلع الملك رسلان سيفه ورفع في الهوا وهو بيقول:
_ اسمعوني كويس.
جنود ازتلان جم برجليهم على أساس هيقدروا يسيطروا على المملكة، ولكن ميعرفوش هما واقفين قصاد مين.
جنود مملكة إل دورادو الشجعان.
إلى الحرب!
رفع الجنود سيوفهم ومعاهم بدر وهما بيهتفوا واتحركوا بالأحصنة لبرا المملكة.
أما الملك رسلان فجهز نفسه وقرر يزود الحراس على القصر الملكي وياخدوا احتياطاتهم لأي هجوم.
وقفت ضي القمر تراقب أثر بدر وهو بيتحرك بحصانه بشموخ، ضامة قبضتها لصدرها وهي بتدعو إنه يرجعلها بخير.
وعلى غرارها كانت الملكة آريا حاسة برعب على أولادها وكانت بتدعو إنهم ميشاركوش في الحرب.
وقف بدر بجنوده وهما في أتم الاستعداد على حدود المملكة، ودقت طبول انذار الحرب داخل المملكة، فابتدى العجائز والنساء والاطفال يدخلوا بيوتهم ويقفلوا على نفسهم أبوابهم بخوف.
واللي عندهم دكاكين بيقفلوها ويعودوا لبيوتهم يأمنوا نفسهم.
ظهر جنود مملكة ازتلان من على بُعد، واللي كان بيقودهم رئبال ومعاه الملك ضرغام، حتى داريا شاركت في الصفوف هي كمان باعتبارها فارسة.
وقف الجيشين بينهم فاصل، كان بدر باصصلهم بشموخ وهو رافع راسه بكبرياء.
فاتقدم رئبال خطوتين بحصانه واتكلم:
_ اتمنى تكون المفاجأة عجبتك يا سمو الأمير.
قولنا مينفعش نخليك تقطع المسافة دي كلها فجينا بدالك، على الأقل تموت جنب مملكتك.
كويس إنك بتقود المعركة بنفسك يا سمو الأمير وما استخبتش ورا أسوار قصرك زي النساء.
ابتسمله بدر باستهزاز وقال:
_ مشكلتلك إنك دايما تخلط بيني وبينك يا رئبال، مكاني في صفوف الحرب الأولى من طفولتي، اتربيت أكون فارس شجاع، مش من أمثالك!
ومتقلقش، هتشوف بنفسك الهزيمة اللي هتتسبب بيها لمملكتك.
استفزه كلام بدر بشدة، فاتوحشت نظراته وجز على أسنانه وبعدين صرخ وهو بيرفع سيفه.
وبالفعل اتحرك كل الجنود واشتبكوا ببعض.
كانت حرب طاحنة قدر بدر يكون فيها شامخ.
جندي محترف.
فارس مغوار.
بيتصدى لكل محاولات قتله.
قدر ينهي عدد كبير من الجنود.
وطبعًا معاه قائد الحرس اللي كان قوي هو كمان.
اشتعلت النيران من حواليهم جراء رماة سهام مملكة إل دورادو اللي كانوا بيضربوا سهام مشتعلة من على بعد وقدروا يصيبوا عدد كبير.
أما بدر فكان وجهه وملابسه اتملوا بالدماء من المعركة، واتشعثت خصلاته واتعرق بشدة.
مرة ينزل من على بجاسوس ويحارب بإيده، وبعدين يرجع يمتطيه بخفة ويقاتل.
حاول الملك ضرغام إنه يتسببله بطعنة قاتلة، ولكن مقدرش واتحاشاها بدر بمساعدة بجاسوس اللي اتحرك بسرعة وجرحه بدر في جنبه فوقع من على حصانه واترمى على الأرض، مدالوش بدر أي اهتمام وكمل على بجاسوس القتال مع بقيت الجنود.
أما الملك ضرغام فكان بيشهق بقوة من الألم، وهو مثبت إيده على جنبه اللي بينزف بشدة من سيف بدر، حاول يتمالك نفسه ويتعدل ولكن مكانش قادر، حس بخطوات بتقرب منه، فوجه بصره ليها ولقاها بنته داريا!
وقفت قدامه، فرفعلها إيده بضعف وهو بيتنفس بعنف عشان تنقذه.
قعدت على ركبها قدامه وفضلت بصاله شوية وبعدين قالت:
_ أنتَ خسرت من زمان اوي يا جلالة الملك.
خسرت من يوم ما فضلت الساحرة على زوجتك وأولادك.
وبدون تردد طلعت خنجرها وطعنته في قلبه من غير ما يرفلها جفن.
شاف رئبال المشهد من على بُعد، فصرخ بقوة وبعيون متسعة من الفاجعة:
_ لاااا!
رواية عقيق إلدورادو الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منة ممدوح
كانت قاعدة في جناحها بتهز رجليها بارتباك، بتقاوم على قد ما تقدر دموعها المحبوسة. إحساس بالقلق والخوف رهيب، مكانتش تتخيل إنها تشهد أحداث زي دي. سامعة صوت الطبول اللي بتنذر بالحرب، جلبة بتعم المكان، أصوات عالية من على بُعد، خبط سيوف وانفجارات قذائف بتهز أرجاء القصر. مكانتش قادرة تتحمل تفضل قاعدة مكانها، فقامت اتحركت في الغرفة بلا هوادة وبعشوائية. كل خوفها عليه هو ليحصله حاجة، مش هتقدر تتحمل خسارته مرة تانية.
خرجت لشرفة جناحها فشافت عدد كبير من الحراس لأول مرة في الجانب ده من القصر، كان عدد مهول كلهم متحفزين ورافعين سيوفهم في استعداد. رجعت تاني تتحرك وهي بتاكل أظافرها بارتباك.
وبعدين خرجت من جناحها، مش قادرة تفضل قاعدة بالشكل ده، لازم تطمن. نزلت لتحت وأثناء مرورها شافت الحراس وهما بيتحركوا في ممرات القصر، لحد ما وقف قدامها واحد منهم وقال:
"يُستحسن ترجعي لجناحك يا مولاتي. الوضع هنا خطر. لو محتاجة حاجة ممكن نجيبهالك إحنا."
كانت مركزة معاه بل قالت بشرود وهي بتكمل نزول لتحت:
"أنا... أنا عايزة الملك."
قالتها وكملت سير لتحت. شافت الملكة آريا واقفة بتبكي على بُعد بإنهمار بعد ما عرفت إن أولادها مشتركين في الحرب. وكان واقف معاها صديقة ليها من مملكتها القديمة اللي قررت تبقى معاها في المحنة دي. فاتجهت ناحيتها بتردد. من وسط بكاء الملكة آريا لمحتها، فرفعت أنظارها ليها ولكن ضي القمر اترددت تروحلها فمدتهاش أي اهتمام. واتلفتت كملت بحث عن الملك.
كان واقف في ساحة القصر بيتابع اللي بيحصل أول بأول من جنوده. اتجهت ضي القمر ناحيته، فاتلفت ليها بسرعة وقال:
"إيه اللي خرجك؟ ارجعي على جناحك."
وجه نظره للحراس وقال:
"زودوا الحماية على جناح الأميرة ضي القمر. منضمنش إيه اللي ممكن يحصل. الأعداء كتير حوالينا."
ولكن ضي القمر ما استجابتش ليه ووقفت قدامه بدموع محبوسة وقالت:
"متعرفش حاجة عن بدر؟ خايفة يحصله حاجة يا جلالة الملك. صدقني مرعوبة مش بس خايفة!"
ابتسم وهو باصصلها بحنان. من الرعب اللي ظاهر عليها افتكر عقيق واللي كانت بتعمله ما يكون خارج لمعركة. الزمن بيتكرر بالفعل ولكن المرادي مع ابنه. رغم إنهم مش نفس الشخص، ولكن فيهم نفس الطباع، نفس الحب الغير محدود، الخوف ولهفة المشاعر.
رفع إيده وربت على دراعها وهو بيقول:
"متقلقيش. هييرجعنا بخير أنا متأكد. لحد دلوقتي الأخبار كويسة، وعرفت إن بدر قدر يصيب الملك ضرغام. جنودنا متقدمين بشكل كبير عليهم. ولو انتصروا هيتجهوا للمملكة ويغزوها، وبعدها هنسلم الحكم للملكة آريا، اللي هيكون حكمها تحت سيطرتنا، وبإدارة مملكة بريتيا."
رغم محاولاته لطمأنتها إلا إنه هو نفسه كان حاسس بالخوف والقلق على ابنه. معركة زي دي طاحنة، معملوهاش بقالهم أعوام بسبب الهدنة. كل اللي قالقه يحصل لابنه حاجة.
ابتسمت ضي القمر ليه، وبعدين سابته وراحت تقف على بُعد جنب جولينهار اللي احتوت كتفها وفضلت تربت على دراعها عشان تهدي من إنهيارها.
كانت الملكة زمرد لا زالت مرمية في الزنزانة، واقفة بتلف حوالين نفسها وهي سامعة دق طبول الحرب، ولكن كل اللي مجننها إنها مش قادرة تعرف إيه اللي بيحصل. بتمنى إن الملك ضرغام يقدر يكسب المعركة ووقتها هيكون الحكم تحت سيطرتها هي. نقلت بنظرها للحراس اللي واقفين على زنزانتها بضيق، كان الملك رسلان مشدد الحراسة عليها.
دقايق وسمعت صوت جلبة من فوق، كإنه صوت قتال وتأوهات. اتحفز الحراس وبصوا لبعض بقلق، وبعدين طلعوا سيوفهم واتحركوا بحذر على فوق عشان يشوفوا إيه اللي بيدور.
كانت هي ملاحظة اللي بيحصل، فاتقدمت واتشبثت بالقضبان وهي بتشب عشان تقدر تعرف إيه اللي بيدور. ولكن سمعت صوت عراك وضرب من فوق، وبعدين شافت واحد من الحراس بيتحرك ناحيتها بخطوات غير متزنة، وفلحظات اترمى على الأرض فشافت خنجر مطعون في ضهره.
تراجعت لورا برعب وهي بتبلع ريقها. دخل ملثم في الوقت ده، اتلفت حواليه تحت انظارها، وبعدين قرب منها وفتح الزنزانة بمفتاح خده من الحراس، واتقدم ناحيتها طلع خنجر ومد إيده ليها بيه وهو بيقول:
"الملك ضرغام بيبلغك تحياتها."
شرقت ملامحها ببهجة، خدت منه الخنجر بسرعة، فسابها الملثم وطلع لفوق. أما هي فكرت قبل ما تهرب تنتقم. ابتسمت بشر واظلمت ملامحها وهي بتنقل الخنجر بين إيديها.
طلعت لفوق وهي بتتسلل بقلق، شافت الحراس متجهين للزنزانة بعد ما شافوا الحراس مرميين مقتولين، ولكن قبل ما يشوفوها جريت ولفت من الناحية التانية. بالفعل اتقلب المكان جلبة، وابتدى الحراس يدوروا على الفاعل اللي شافوه من وسط الأشجار فجريوا وراه وكانوا بالفعل شكلهم يوحي بإنهم هيقدروا يمسكوه. واللي زود من تحفزهم أنهم عرفوا بهروب الملكة زمرد من زنزانتها.
انتفض الملك رسلان بصدمة من الاخبار اللي وصلتله، فاتجه ناحية ضي القمر وهتف:
"خدي الحراس واطلعي لجناحك بسرعة."
اترددت وهي بتقول:
"بس...."
"يــلا!"
صرخ بيها بعنف وبنبرة متحملش أي معالم للنقاش، واتلفت وسابها وهو مطلع سيفه وبيتلفت حواليه وهو بيكلم الحراس اللي سابوه واتحركوا عشان ينفذوا أوامره. أما هي اتحركت بالفعل عشان تطلع لفوق ولكن لمحت من على بُعد الملكة زمرد اللي قربت من ضهر الملك رسلان، فصرخت بدورها برعب:
"ملك رسلان... لاااااا!"
اتلفت ليها بتعجب وقبل ما يستوعب كانت زمرد طعنته بقوة في صدره وهي بتقول بشر:
"من البداية كان لازم نهايتك تبقى على إيدي يا رسلان. وأهي جت اللحظة اللي استنتها."
شخصت أبصار ضي القمر بهلع من المنظر اللي قدامها، أما الملك رسلان فاتشبث بإيدين زمرد اللي حركت الخنجر ودخلته لجوا أكتر فاتأوه بألم وبعدها وقع على الأرض. جريت ضي القمر واتحرك عدد الحراس الباقيين اللي شافوا المشهد اللي قدامهم، ولكن قبل ما يقربوا من زمرد كانت مسكت ضي القمر بعنف ووجهت الخنجر على رقبتها وهي بتهدد الحراس:
"لو قربتوا مني هقتل ملكتكم المنتظرة."
اتشبثت ضي القمر بإيديها بتحاول تبعدها عنها، ولكن زمرد كانت بتزود من خنقها وهي مقربة الخنجر من رقبتها. نقلت ضي القمر عينيها على الملك رسلان الملقى على الأرض وهو بيكح دماء وبيتحرك بضعف وهتفت:
"ملك رسلان... ملك رسلان استحمل بالله عليك..."
لكزتها زمرد بعنف وهي بتقول من بين أسنانها:
"اخرسي وبطلي حركة! كل اللي حصل ده بسببك يا ضي القمر. بسبب وجودك قامت حرب في المملكة، واتقتل الملك رسلان، بسبب وجودك هتنهار مملكة إل دواردو. وأنتِ وعقيق اكبر لعنة حلت على المملكة. وجودكم كان غلط من البداية."
هزت راسها بعنف وهي بتبكي بإنهمار ومثبتة عينيها على الملك رسلان، أما الحراس فكانوا موجهين اسلحتهم عليها ولكن مش قادرين يتصرفوا من الخوف على الأميرة والملك رسلان الملقى أرضًا واللي شاورلهم إنهم ميقربوش منها عشان ضي القمر متتأذيش.
اتراجعت زمرد وهي ما زالت متمسكة بضي القمر لورا قاصدة الهروب وسط مقاومة ضي القمر المستميتة وصراخها فيها، ولكن لوهلة صدرت ضربة عنيفة على دماغ زمرد من ورا، فصرخت متألمة وضعفت قبضتها، فاستغلت ضي القمر الوضع وضربتها بكوعها في بطنها بقوة فبعدت عنها زمرد وهي بتسب وتلعن، ولكن كانت الضاربة جاية من عصاية سلطان الخشبية اللي قال:
"ما اكتفيتيش بكل اللي عملتيه يا ساحرة!"
صرخت ضي القمر في الوقت ده للحراس:
"الحقوا الملك بسرعة!"
بالفعل جريوا الحراس على الملك، أما زمرد فدارت معركة بينها وبين سلطان اللي كان بيتحرك بخفة وبيضربها بعصايته الخشبية. استغلت ضي القمر انشغالها وسحبت السيف من واحد من الحراس وجريت ناحية زمرد، وقبل ما تطعنها حست بيها واتلفتت فجت الطعنة في دراعها اللي اتجرح بشكل كبير.
برقت بغضب رهيب وضربت ضي برجليها بقوة في إيديها فاترمى السيف منها على الأرض، وطت عشان تجيبه ولكنها ضربتها بقوة في وشها لدرجة إن اتنطر دماء من فوقها. ولكن ضربها سلطان بقوة بعصايته، واتدخل الحراس في الاشتباك اللي داير بينهم وحاولوا يسيطروا على زمرد اللي كانت ليها قوة قتالية جبارة بسبب سحرها اللي مستخدماه. قدرت توقع عدد كبير من الحراس، أما ضي القمر فكانت مرمية على الأرض بتتأوه بألم وهي حاسة بخدل في جميع أنحاء جسدها من الألم وبتزحف للوراء عشان تبعد عنها.
كانت زمرد قدرت تسيطر على الكاهن سلطان اللي حس بالتعب من كتر العراك بحكم سنة وقدرت توقعه على الأرض، فقربت منه زمرد وعلى عينيها كل معالم الشر وقالت:
"آه سلطان العجوز الأخرق. زهقت منك ومن استعراضاتك اللي ملهاش أي فايدة. حانت نهايتك دلوقتي."
وقبل ما تطعنه كانت لمحت ضي القمر ضفدعة سلطان اللي كانت على الأرض، فجريت بسرعة وبعصاية سلطان استخدمتها في إنها تطير الضفدعة اللي لزقت في وش زمرد بقوة.
حاولت زمرد تشيلها وهي بتتلوى بعنف، ولكن لوهلة ابتدى جسمها يرتجف بعنف، واطرافها تتحول للون الأزرق، وظهرت بقع حمراء كبيرة على جميع انحاء جسدها المكشوف، وفي لحظات سقطت على الأرض وهي بتنتفض بشدة جراء تأثير سم ضفدعة الكاهن سلطان لحد ما خرت سريعة بأبشع طريقة لدرجة إن جسدها ساح وعظمتها ظهرت من قوة السم اللي كان يشبه تأثير المواد الكاوية.
اتعدلت ضي القمر وهي بتنفس بسرعة وبتنهج من المجهود والرعب. اتحاملت على نفسها ووقفت، فقام سلطان في الوقت ده وقف وفضل باصص شوية لزمرد وبعدين قال لضي القمر من غير ما يتلفت:
"الضفدعة عمرها ما هتسامحك على اللي عملتيه فيها ده."
صدر صوت معترض من الضفدعة وكأنها بتوبخ ضي القمر اللي وقفت باصة برهبة لحالة زمرد اللي ملامحها تقريبًا مكانتش باينة. سرعان ما هزت راسها وهي حاطة إيديها على وشها من سلطان اللي مبياخدش أي موقف بجدية أبدًا.
افتكرت حالة الملك رسلان، فاتلفتت تدور عليه بعيونها وشافت الحراس أخدوه على جنب وكانت الملكة آريا واقفة بتبصله بصدمة. جريت ضي القمر بسرعة ناحيتها وبعدت الحراس عنه وقعدت على ركبتها بصدمة من حالته اللي شافته فيها، كان تقريبًا شحب تمامًا وهو حاطت إيديه مكان الجرح، فمالت رفعت راسه على رجليها وهي بتقول بلهفة:
"ملك رسلان... ملك رسلان أرجوك استحمل."
بصت للطبيبة اللي كانت واقفة ناكسة راسها بحزن وصرخت فيها:
"أنتِ واقفة بتعملي إيه؟! تعالي بسرعة عالجي الملك!!"
ولكنها فضلت واقفة مكانها وهي باصة بحزن على الملك. حسّت ضي القمر بالجنون في الوقت ده وصرخت:
"أنتوا واقفين كلكوا ساكتين. ليهم مش شايفين الملك تعبان؟!"
اتلفتت على لمسة ضعيفة من الملك رسلان، فبصتله بدموع ورعب واضح، كان مبتسم وهو باصصلها بعيون شبه مقفولة بضعف وحرك شفايفه بصعوبة وهو بيقول:
"أنتِ بطلة يا ضي القمر. دلوقتي بس عرفت إن مملكة إل دورادو هتحكمها ملكة حكيمة وقوية. ارجوكي يا ضي القمر خليكي جنب بدر، ومتسيبيهوش."
شهقت بعنف من بين دموعها اللي بتنزل بغزارة وقالت:
"متقولش كده ارجوك يا ملك رسلان، اتحمل بالله عليك. المملكة هتقع من غيرك!"
كح وهو بيتأوه بألم، وبعدين رفع عيونه ليها وقالت:
"قوليلي يا ضي القمر عقيق فين؟ ارجوكي ريحيني في آخر لحظاتي."
دمعت عيونها واهتز جسدها من قسوة اللحظة، واتكلمت بشفايف مرتعشة:
"عقيق ماتت يا جلالة الملك. ماتت من وقت كبير."
سكت شوية وبعدين قال:
"دلوقتي عرفت إن الحياة ملهاش معنى."
وفلحظة كح بعنف دماء غزيرة، وبعدها غمض عيونه ووقعت إيده اللي الأرض اللي سقط منها الحجر اللي بيحمل رسالة عقيق كأنه متشبث بيها حتى في آخر لحظاته. اتصدمت ضي القمر لما شافت حالته وهزته بعنف وهي بتقول:
"ملك رسلان... ملك رسلان لأ. متت موت موت بالله عليك. بالله عليك قوم. ملك رسلان!"
صرخت بجملتها الأخيرة بإنهمار وهي بتبكي بعنف. مكانتش متخيلة إن ده يحصل. قدرت زمرد تنتقم حتى قبل ما تموت. انتصرت.
سندت جبهتها على جبهة الملك اللي بين إيديها وهي بتبكي وبتنتفض وبتشهق بقوة. أما الحراس فوقفوا وهما ناكسين راسهم وضامين خوذاتهم لصدرهم في حالة حداد وهما مغمضين عينيهم بألم. أما جميع العمال اللي كانوا في القصر، فكانوا بيبكوا بصمت. ملكهم العظيم انتهى. انتهى حتى قبل ما يشهد الانتصار.
وقد كانت أكبر فاجعة مرت على مملكة إل دورادو العظمى بعد ما اتقتل الملك رسلان اللي حكمها لأعوام طويلة.
***
جرى رئبال على اخته ودفعها بعنف على الأرض وهو بيقرب من جثة والده بصدمة وبيصرخ فيها:
"أنتِ عملتي إيه؟! عملتي إيه؟!"
سندت بإيديها وهي واقعة على ضهرها وباصة لجثة أبوها بصدمة، مش مستوعبة إنها قدرت تعمل فيه كده. لوهلة عماها الانتقام بعد ما عرفت بعلاقته بزمرد، ولكن متوقعتش إنها ممكن توصل لإنها تقتل ملك مملكة أزتلان بنفسها. شافت رئبال وهو بيصرخ بقهر وبيرفع جثة ابوه يضمها ليه. أما داريا فكانت على مكانها مبتتحرش.
وبمجرد ما الجنود شافوا إن ملكهم مات، هبطت عزيمتهم وحسوا بالضعف، خاصةً بعد ما اتقتل عدد كبير منهم بالفعل بعد معركة دامية اثبتت فيها مملكة إل دورادو إنها المملكة العظمى بالفعل. في الوقت ده قدر يرفع جنود إل دورادو سيوفهم في وش العدو اللي المتبقيين منهم انبطحوا على الأرض باستسلام تام.
قرب منهم بدر ببطء شديد، ووقف قدام رئبال اللي رافع جثة أبوه على رجله، فشاف رئبال اقدام قدامه، رفع عيونه اللي مليانة دموع ليه، كانت ملامح بدر جامدة ومفيهاش روح. سكت شوية وبعدين قال:
"أظن الأمر محسوم دلوقتي يا سمو الأمير."
رفع راسه بقوة للجنود، هتف بشموخ ميليقش إلا بأمير زيه:
"زي ما أنتوا شايفين، سقط ملك مملكة أزتلان على يد بنته. وده معناه إن المملكة سقطت. أنا الأمير بدر رسلان، بعلن سيطرة مملكة إل دورادو الكاملة على مملكة أزتلان."
اتجاه الجنود بتوع بدر وقبضوا على رئبال وداريا اللي كانوا مستسلمين تمامًا، ولكن رئبال كان بيوجه نظرات قاتلة ووحشية لأخته اللي كانت متجمدة ومبتصدرش أي رد فعل.
وجه بدر كلامه لقائد الحرس وقال:
"اتوجه بالمسيرة لمملكة أزتلان، لازم يعرفوا إن المملكة أصبحت ولاية تابعة لمملكة إل دورادو العظمى."
أدى قائد الحرس تحيته العسكرية، وبالفعل اخد عدد كبير جدًا من الجنود واتجهوا في طريقهم لفتح مملكة أزتلان واعلان السيطرة الكاملة عليها. أما بدر فشاور براسه للجنود إنهم ياخدو رئبال وداريا للسجن.
وارتفع هنا هتاف الجنود بأغاني الحرب وهما بيدقوا على دروعهم وبسيوفهم وبيغنوا بصوت عالي، وبدر واقف مبتسم وهو رافع راسه بفخر. انتصار جديد بيتضاف لمملكة إل دورادو على إيديه. وآخيرًا أعدائهم سقطوا.
وقفت ضي القمر في انتظار بدر بملامح متجهمة على بوابة القصر الملكي. قرروا ميعلنوش وفاة الملك عشان عزيمة الجنود متقلش. كانت حاسة بموت روحها، مش قادرة تاخد أي رد فعل. سامعة صوت دقات طبول النصر وهتاف الشعب اللي كان بيستقبل جنوده الباسلين باحتفالات وهتاف. كلهم كانت الفرحة عارمة بالنسبالهم.
دخل بدر وجنوده من جوا المملكة بأحصنتهم الأسطورية وهما بيحيوا الشعب اللي كانوا بيغنوا بصوت عالي وبيهللوا فرحين. وصل القصر الملكي، شافته ضي ولكنها فضلت جامدة مكانها بملامح شاحبة وعيون وارمة من كتر الدموع.
وقعت عيون بدر عليها، فابتسملها بفرحة ولمعت عيونه بحماس. نزل من على بجاسوس بخفة، وقرب منها وقف قدامها وهو يتأمل ملامحها بعشق جارف. فضلت بصاله هي شوية، وبعدين اترمت عليه وضمته وهي لفة إيديها حوالين رقبته وبتبكي بقوة مهماش الدماء اللي مالية ملابسه ووشه، ولا جروحه اللي بتنزف، كل اللي كان هاممها هو إنه رجعلها بخير ومخسرتهوش هو كمان، وبرضه مش عارفة إزاي هتقوله الفاجعة دي في وشه. ضمها هو وفضل يملس على شعرها وهو دافن وشه في تجويف رقبتها وبيستنشق ريحتها بولة، بيهمسلها بحنان إنها تهدى بسبب انتفاضات جسدها من شدة شهقاتها، كأنها كانت الترياق اللي هتحسسه بإنتصاره فعلًا.
بعدت عنه في الوقت ده، وبصتله بعيون حمراء منتفخة وشفايف مرتعشة، من نظرتها قدر يعرف إن فيه حاجة مش طبيعية حصلت. حالتها مش خوفًا عليه بس. عقد حواجبه بتساؤل وقلق، فاهتزت وهي بتقول بصوت متقطع:
"أأ أنـا آسـفة."
وبعدها انهارت تمامًا في البكاء، فأدرك بدر إن خسارته المرة دي مش أي خسارة، وإنما فاجعة هتغير حياته كلها.
اتحرك بخطوات بطيئة مترجفة، بأكتاف متهدلة، ملامحه مصدومة، كإنه قادر يحافظ على توازنه بصعوبة. دخل للجناح ووراه ضي القمر اللي كانت بتبكي وبتنتفض بحزن من حالته، لوهلة اتجمد تمامًا لما شاف والده نايم على فراشه بلا روح. كان عنده أمل إن اللي اتقال كدب، وإنه هيرجع يلاقيه بخير ومنتظره عشان يفرحه بإنتصاره، لكن بمجرد ما شاف وضعه ده حس بخدل في أنحاء جسده، رجله بقت زي الهلام مش قادر يقف عليها، وبلا مقدمات نزل على ركبته وهو باصص لوالده بإنهمار وعيون شديدة الاحمرار. قربت منه ضي القمر بسرعة وضمته من كتفه، أما هو فصرخ بقهر لدرجة هزت جدران القصر وهي مكانها بتحاول تحتويه على قد ما تقدر.
أدركت وقتها إن بدر اتبدل تمامًا وإنه أصبح بلا روح.