تحميل رواية عقيق إلدورادو بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جربت قبل كده تصحى من نومك تلاقي نفسك في عالم مختلف؟ الوقت فيه غير الوقت في عالمنا. والزمن بيمر فيه بشكل مختلف عننا. الناس فيه غريبة. وتقاليدهم أغرب. جربت قبل كده تعيش حياة مش حياتك؟ أنا ضي القمر، ودي حكايتي... انتهت أخيرًا من ترتيب كل حاجاتها في الشنط والكراتين، بتستعد للانتقال اخيرًا بعد ما قضت اكتر من عشرين سنة من عمرها في قلب الشقة دي. عاشت فيها طفولتها ومراهقتها وشبابها، كانت واقفة بتتأمل معالمها بعيونها الخضرا الواسعة اللي كانت بتلمع بحزن واضح، رابطة شعرها البني على شكل كعكة مشعثة، ملابسها...
رواية عقيق إلدورادو الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة ممدوح
بدر ما تظلمنيش بالله عليك!
قالتها بدموع وهي بتتوسله بنظراتها، مكانتش مصدقة إنه بيكرهها بالشكل ده.
لوهلة رقت نظراته ليها وهو شايف الإنهيار اللي هي فيه، هو بيحارب مشاعره اللي بتقوده ليها غصب عنه، ولكن كل حاجة بتمنع علاقتهم. احساس إنه تم اجباره عليها مش سايبه، رافضها بكل قوته. ده غير صورة والدته اللي قدام عينيه.
مال براسه بين القضبان بعد ما رجعت ملامح وشه للشراسة وتمتم بهسيس:
أنتِ اللي ظلمتي نفسك لما جيتي هنا برجلك!
قربت من القضبان ومسكتها بإيديها وهي بتقول ببكاء:
همشي، صدقني كنت همشي ومش هتشوفوا وشي تاني. من ساعة ما رئبال حط خنجره على رقبتي وأنا اقسمت إني همشي ومش هرجع هنا تاني. المكان هنا مش ليا، صدقني أنا اللي بقولك استحالة أنفع أفضل هنا!
لوهلة اتجمد تمامًا قصاد كلامها وبعدين سأل بتحفظ:
خنجر إيه؟
بكت بإنيهار وبنبرة مرعوبة وهي بتفتكر اللي حصل وكأنها بتشتكيله:
لما عرف إني شوفته وعرفت إن ليه يد في الحريق كان هيقتلني بالخنجر لولا الحرس اللي ظهروا قدامه فجأة. وقتها زقني وجري.
احساس من جواه كان بيقوله إن كلامها صح، إنها بريئة، إنها صادقة ومبتكدبش. نظرة عيونها اللي بتتوسله يصدقها، دموعها اللي مبتقفش، ملامح وشها المنهارة. ولكن رغم ده رفض عقله الاحساس ده، بل ونهره.
ابتسم بسخرية بزاوية فمه وقال:
من أول ضربة قلم بتغدري على شريكك؟
تمتمت بصدمة:
شريكي!
ربع إيديه قصاد صدره وبراس مرفوع قال:
أنا عارف بل ومتأكد إنك جاسوسة من مملكة ازتلان. المسرحية اللي عملتيها أنتِ ورئبال في الحفل وملامح وشك المذعورة لما قربلك بصراحة ابدعتي فيها.
اتبدلت الابتسامة لملامح مليانة شر، وزعق بحدة:
لكن اللي قدامك مش غبي عشان يفهم ده كله. أنا ولي عهد مملكة إل دواردو، الأمير بدر رسلان. متفتكريش إنك ممكن تتفوقي عليا بألاعيبك! الاعتراف هيكون افضل ليكي، على الأقل قعدتك هنا متطولش. فكري في كلامي كويس، كل ما انكرت كل ما معاناتك زادت.
خلص كلامه واداها ضهره عشان يمشي. اتشبثت اكتر في القضبان وصرخت بتوسل:
بدر، بالله عليك، أنا عارفة إنك بتكرهني بسبب عقيق. صدقني أنا مش هي ومليش علاقة بيها، أنا معرفهاش، والله أنا مش عقيق، أنا معرفش هي عملت إيه ومش عايزة أعرف. ارجوك متاخدنيش بذنبها. أنا عايزة سلسلتي بس، والله بمجرد ما أخدها همشي ومش راجعة تاني. صدقني يا بدر!
نهت جملتها وهي بتتنفض بقهر. كان واقف مديها ضهرها وهو بيشد على اعصابه وبيضغط على جفونه، صراع عنيف جواه مش قادر يسيطر عليه. خرجت جملتها الأخيرة بتنهيدة مليانة ألم وبين دموعها قالت:
بالله عليك متعملش فيا كده!
اتلفت ليها براسه بس، رماها بنظرة أخيرة مليانة تخبط مزيج بين الكره والغضب والحزن في نفس الوقت، وفي النهاية سابها وخرج بسرعة قبل ما يضعف قصادها.
بدر رسلان ملوش نقطة ضعف غير والدته.
ومش هيبقى فيه.
صرخت وهي بتخبط على الحديد بعنف وبقهر لما شافته مشي:
بـدر.. يا بـدر!
خبطت إيديها لآخر مرة في القبضان ولكنها اتألمت بسببها. ضمت كفها لصدرها وهي بتبص في اثره بعيون باكية ووش شديد الاحمرار. وبعدين اتجهت لزاوية في الزنزانة، قعدت فيها بإنهيار وضمت رجليها لصدرها ودفنت راسها بينهم وهي بتبكي بعنف.
خرج في طريقه لساحة التدريب في القصر كعادته، جواه طاقة غضب محتاج يطلعها قبل ما تولد انفجار. وكعادته بمجرد ما شافوه الحرس متجه ناحيتهم انحنوا وادوا التحية باحترام. دخل لجوا وهو بيخلع ملابسه زي ما اتعود لحد ما بقى عاري الجذع. مد إيده فاداله الحارس بسرعة سيفه. وهنا ظهر مبارزه وهو بيبصله بقلق، كان واضح عليه الغضب لدرجة إنه قلق لوهلة يقع صريع بين ايديه، ولكنه حاول يهدي نفسه. وعلى عكس العادة شاورله بدر هو بالبداية.
ركض المبارز ناحيته وبدأ القتال بينهم اللي بدر كان عنيف فيه بشكل لا يصدق. صوت زمجرته الغضبانة مع اصطدام السيفين في بعض بمنتهى العنف كان بيدوي في الارجاء لدرجة إن الحرس كان بيبصوا لبعضهم بقلق. وقبل ما يتمادى ويقتل المبارز وهو بيوجه سيفه لرقبته من غير ما يكون واعي اتلفت لما لقى قائد الحرس بيجري ناحيته وهو بيقول:
سمو الأمير!
وقف قصاده فاتعدل بدر ووقف وخصلاته الفاتحة لازقة على وشه ده غير جسمه اللي كان شديد التعرق. اتنفس المبارز الصعداء هنا بعد ما كان مذعور لما لقاه على بُعد قليل من إنه يلقى حدفه.
اتكلم قائد الحرس باستعجال:
الحراس بلغوني إن الملكة زمرد رجعت لوعيها!
رمى سيفه واخد هدومه وجري لمكان جناحها وهو بيلبس ثيابه على عجله. فتح الجناح بعنف ووقف اتجمد مكانه. كانت قاعدة على سريرها وساندة رجليها على الارض، وجمبها الطبيبة بتفحصها.
لوهلة اتجمد بدر لما رفعت عيونها الدبلانة ليه. اتجه ناحيتها ببطئ وسط نظراتها اللي كانت متعلقة بيه. قعد على ركبه قدامها. في الوقت ده استأذنت الطبيبة وخرجت عشان تسيبلهم مجال.
اتملت عيونه بالعبرات اللي كان رافض رفض تام إنهم ينزلوا وهمس:
أمـي...
لوهلة اتوسعت عينيها بدهشة وهي بتتفرس ملامحه بحذر شديد، لحد ما رفعت كفها المرتعش، وحطته على خده وهي بتقول بصوت ضعيف مش مصدق:
بـدر؟!
هز راسه بهدوء بالإيجاب. حست هي بالتشتت، مش مستوعبة إن طفلها الصغير كبر بالشكل ده وبقى رجل وسيم بالغ. اتملت عيونها بالدموع ورددت:
بدر.. ده أنتَ؟!
ابتسم من وسط انفاسه العنيفة، فنزلت هي من على السرير وجذبته لصدرها ضمته بقوة وهي بتقول:
بدر.. مش معقولة! أنتَ بدر؟ أنتَ ابني؟!
اتشبث هو بجسدها وهو بياخد شهيق طويل بيحفظ ريحتها اللي اتحرم منها، بيستمتع بنبرة صوتها وهي بتنادي اسمه. شهق بتأثر وهو بيقول:
وحشتيني، ليه سيبتيني كل المدة دي لـيه!
بكت بتأثر وهي بتضمه لصدرها. رفعت وشها بين إيديه وطبعت قُبل متفرقة على وشه وشعره، مش مصدقة إنها طولت بالشكل ده فعلًا لدرجة إن ابنها بقى رجل بالغ. مسك هو كفها وطبع عليه قبلة. فمسدت على وشه بحنان من بين دموعها وهي بتقول:
سامحني يا بدر.. سامحني على ضعفي، سامحني إني مكنتش الأم اللي تخلي بالها منك، سامحني إني سيبتك تكبر لوحدك من غيري.
ضمه بقوة وهو بيقول:
مسامحك. كفاية إني سامع صوتك. صدقيني يا أمي هجيب حقك، هنتقم من أي حد كان ليه يد في الوضع اللي وصلتيله.
بعدت عنه فجأة كإنها استوعبت حاجة. وبعدين تمتمت بصدمة:
عقـيق! أنا شوفت عقيق!!
احتوى وشها بين إيديه عشان يطمنها وقال بابتسامة:
دي مش عقيق يا أمي.. دي ضي القمر.
هزت راسها بالرفض وقالت:
لأ.. مش معقولة، هي عقيق أنا متأكدة!
فرد بدر بتأكيد:
صدقيني مش هي. السلطان قال إنها بتحمل دمها، قال إنها جاية تحقق النبوءة. ولكن المرادي النبوءة تخصني أنا مش الملك رسلان.
بصتله بصدمة واتوسعت عينيها بدهشة وتمتمت:
مش ممكن!
ابتسملها عشان يطمنها وهو بيقول:
متشيليش هم أنتِ، مش عايزك تقلقي من حاجة. اتأكدي إن أي حاجة عندي ولو ذرة شك ناحيتها إنها هتأذيكي.. هحييها من على وش الدنيا!
رفعت إيديها وربتت على خده بحنان وعيونها بتلمع بدفئ. اتمرمغ بين ايديها مستمتع بالمشاعر اللي اتحرم منها طول طفولته، مش مصدق أخيرًا إن دار حوار بينه وبين والدته. ضمها ليه، وسمع صوتها بتنادي باسمه.
كان يتخيل إن أخيرًا معاناته هتنتهي. أخيرًا والدته قدام عينيه بعد سنين حرمان.
صوت خبط على الجناح تليه فتحه فصلهم عن بعض. دخل الملك رسلان في الوقت ده بهيبته. وقف بدر وانحنى باحترام. أما الملكة زمرد ففضلت مكانها بصاله بجمود بعد ما قدرت تتعرف عليه كويس. رغم التجاعيد اللي ملت وشه والشيب اللي غزا شعره ولكنها قدرت تميزه كويس. مش هتعرفه ازاي وهي ما زالت فاكره ملامحه، يمكن هي الحاجة الوحيدة اللي فاكراها.
اتصال بصري طويل دار بينهم، كل واحد فيهم كانت جواه مزيج من المشاعر المتضاربة، لوم، عتاب، ممزوج بغضب وحقد!
اتحرك الملك وقرب منها أما هي فاتحاملت على نفسها ووقفت وهي ما زالت بصاله بجمود، فقال بنبرة عملية:
مبسوط إني شايفك واقفة قدامي أخيرًا بعد السنين دي كلها.
ابتسمت باستهزاء من كلامه، فاتلفت هو ناحية بدر وقال بأمر:
سيبنا شوية لوحدنا.
اتحرك باعتراض:
بس...
ولكنه شاف نظرة والدته التشجيعية كإنها بتطمنه. اتنهد بقلة حيلة وبعدين خرج وهو بيبص عليهم بنظرة أخيرة وبعدها قفل الباب وراه.
ربعت الملكة زمرد إيديها وهي بتقول بسخرية:
ملك رسلان! لوهلة مكنتش هعرفك. كبرت وعجزت وقربت تشيخ!
قرب خطوتين منها وهو بيقول بتريقة:
لو شاخت الملامح... رفع إيده وشاور بصوباعه على دماغه وكمل: فالعقل لسة شباب يا زمرد!
ضحكت بصوت عالي أما هو كان واقف بيبصلها بسخرية وشموخ. رفع راسه بكبرياء بعد ما سكتت وقال:
بما إن الظاهر رجعتي لسابق عهدك تاني.. فياريت منفتحش القديم تمامًا. لإن زي ما هتحكي أنا كمان هحكي يا زمرد.
تبدلت قسماتها للضيق وومضت عيونها ببغض. مال ناحيتها ورفع إيده وهو بيضرب على وجنتها بخفة:
متحاوليش تاخديني عدو يا زمرد وإلا هتخسري ابنك بإيدك. حطي عقلك في راسك وفكري كويس في اللي قولتهولك.
خلص كلامه ورمقها بنظرة أخيرة وبعدين سابها وخرج من الجناح، أما هي ففضلت واقفة مكانها تبص لاثره بغضب وكره رهيب بيشع من عينيها.
صباحًانامت مكانها من الارهاق، على نفس وضعها اللي فضلت عليه امبارح. لفة دراعها حواليها كإنها بتحتوي نفسها، دموعها الناشفة ملتصقة على وشها. اتأوهت بألم لما اتحركت من تيبس جسدها بسبب نومتها الغلط. اتلفتت حواليها باستغراب في الأول لما شافت المكان اللي هي فيه، ولكن بعد كده استوعبت.
قامت وقفت وهي بتتحامل على ألم جسمها لما سمعت صوت فتح باب الزنزانة الخارجي. وقفت بترقب فظهر واحد من الحراس اللي كان شايل بين إيده صينية خشبية صغيرة محتوية بأكل. فتح الزنزانة ودخل حط الأكل على الأرض من غير ما يتكلم وخرج تاني قفلها.
اتحركت ناحيته وهي بتقول:
أنا عايزة أقابل الملك رسلان.
مردش عليها فاتشبثت بالقضبان وهي بتقول بصوت عالي:
بقولك لازم اشوف الملك ضروري. ارجوك بلغه إن لازم اشوفه.
سابها الحارس ومشي من غير ما يرد، فضربت بقبضتها على القضبان بغضب وهي بتشتم وبتلعن دماغها إنها فكرت تيجي المملكة. ولكنها اتجمدت تمامًا لما شافت الملكة زمرد قدامها، واقفة ضامة إيديها الاتنين في بعض في حين بصالها بابتسامة واسعة مليانة كره بيشع من عينيها وكإن الماضي بيتعاد قصاد عينيها.
تمتمت ضي القمر بصدمة:
ملكة زمرد!
قربت منها بخطوات بطيئة لحد ما وقفت قدامها بتتأملها من فوق لتحت وبتتفحصها بعمق، فقالت بلهفة:
ملكة زمرد، بالله عليكي خرجيني من هنا، صدقيني أنا مليش علاقة بأي حاجة حصلت، أرجوكي اقنعي بدر إنه ظالمني.
كانت واقفة صامتة وهي بصالها بابتسامة مليانة سخرية، لحد ما اتكلمت:
غريب الشبه اللي بينكم.. حتى النظرة.. نفس نظرة التوسل والرجاء اللي كانت في عيونها.
اتجمت ضي القمر وهي بتحاول تستوعب كلامها، ولكنها هزت راسها وهي بتقول بروية:
بصي أنا عارفة إنك افتكرتيني عقيق، بس أنا مش هي صدقيني، أنا معرفهاش ولا عمري شوفتها في حياتي، صدقيني أنا قولت الكلام ده لبدر وهقوله ليكي، أنا مليش علاقة بعقيق اقسملك!
مالت الملكة زمرد ناحيتها وهي بتقول:
الماضي بيتكرر قدام عيني. زمان كانت عقيق بتتوسلني، أما دلوقتي فنسخة عقيق بتتوسلني برضه. أنا عارفة إن ممكن ميكنش ليكي علاقة بيها، ولكن كفاية إن بتشبهيها بشكل كبير. بتكرري نفس ماضي عقيق لما فرضت نفسها علشان نبوءة برضه، لحد ما في الآخر قدرت إني أخلص منها.
اتوسعت عيون ضي القمر بصدمة هتفت:
قتلتيها؟!!
ضحكت زمرد بشدة وبعدين قالت:
ياريت.. كانت في الخطة، ولكنها للاسف هربت بلا رجعة، ومن وقتها اختفت عقيق وأي أثر ليها.
اتراجعت لورا وهي مش مستوعبة إنها بعد ما كانت شايفة زمرد ممكن تكون ضحية طلعت هي الشر بعينه، فقالت وهي بتهز راسها:
أنتِ مش طبيعية! أنتِ مريضة، أنا معرفش ممكن تكوني عملتي لعقيق إيه، بس أنا متأكدة إنك أذيتيها جامد، زي ما دلوقتي هتخلي ابنك يبقى ظالم والسبب في قتل بريئة وبسببك برضه.. عشان ينتقم ليكي!
متهزتش زمرد من كلامها، بل بالعكس كانت بتزداد نشوة، وكإنها شايفة صورة عقيق قدامها وقالت:
مبسوطة إني فُقت دلوقتي بس عشان أشوف نهاية عقيق للمرة التانية.
وبعدين سابتها وخرجت من غير ما تضيف أي كلمة تانية. كانت ضي القمر مشدوهة من الوضع اللي هي فيه، مكانتش متخيلة إنها بالشكل ده. اسلوبها وكلامها اللي مبيحملش أي شفقة اكدتلها إن عقيق كانت ضحيتها لدرجة إنها هربت بسببها! متأكدة إن زمرد وراها أسرار كتير، وهي الوحيدة اللي معاها سر اختفاء عقيق.
ساند ضهره على جذع شجره، في حين كان بيصنع وتد من الخشب باستخدام أداة حادة، كانت بيدور على أي وسيلة يسكت صراخ عقله وقلبه، الصراع القائم جواه مبينتهيش. رفع عيونه لما حس بحركة قدامه، متخضش زي ما كان بيحصل مع الباقي لإنه خلاص قدر يحفظ حركات الكاهن سلطان. اتسند على عصاه وقعد جنبه، أما بدر فرجع صوب كامل اهتمامه على اللي بيعمله. كان الكاهن سلطان باصصله بخبث كإنه عارف الصراع اللي بيدور جواه، لحد ما اتكلم بدر ببرود:
اتكلم من غير لف ودوران.
بنفس اسلوبه المعتاد قال:
آآه سمو الأمير بدر الذكي.. الأمير بدر الفطين.. فطين لدرجة إنه عارف بل ومتأكد من جواه إن ضي القمر بريئة.
اتجمت إيد بدر اللي كان بيشتغل بيها. عرف الكاهن سلطان إنه قدر يستماله فقال:
الظلم ظلمات يا سمو الأمير. وأكيد آخر حاجة نتمناها هي إن ولي عهد وملك مملكة إل دواردو المنتظر يكون ظالم واتسبب في اعدام بريئة، والأهم من ده بيحارب قلبه كمان. ولكن هتدرك إن قلبك انتصر بعد فوات الأوان!
اتنفض بدر وبصله بحدة وهو بيقول:
بس أنا مبحبهاش!
ابتسم الكاهن سلطان باتساع وكإنه، وصل للي عايزه وقال:
ومين جاب سيرة الحب يا مولاي، أنا أقصد صراع ضمير قلبك مع عقلك.
للحظة تدارك اللي قاله فتنحنح بإحراج. أما الكاهن سلطان فقال:
الماضي له خفايا كتير يا سمو الأمير، اعبث في الماضي الأول قبل ما تغلط في المستقبل...
بص بدر قدامه في الفراغ وابتدى يفكر في الكلام اللي قاله سلطان اللي كان متابعه بابتسامة عريضة. اتلفت بدر ليه ولكن لقاه اختفى فجأة من غير ما يحس، فابتسم وهو بيهز راسه بقلة حيلة.
رفع معصمه يبص في ساعة إيده فعرف إن بالفعل ده وقت محاكمة ضي القمر، فضل متجمد تمامًا مش قادر ياخد قرار سليم.
خدوها الحراس من السجن بعد ما قالولها إن ده وقت محاكمتها. مشيت معاهم وهي حاسة بالارتباك والخوف من اللي مقبلة عليه. ضربات قلبها تكاد تصم آذانها، جملته بإنه مش هيسيبها غير على اعدامها مش بتفارقها. معقولة هينفذ تهديده.
دخلت قاعة المحاكمة، اتنفضت برعب لما شافت شخص شكله مرعب واقف بيراقبها وماسك سيف بين إيديه وقدامه خشبة مستديرة كإن دي اللي هيتنفذ عليها حكم الاعدام. فضلت واقفة مكانها بتبصلهم برعب، لحد ما اتفتح الباب اللي قدامها ودخل منه الملك رسلان ووراه الملكة زمرد اللي بصتلها بابتسامة واسعة وشمتانة.
جلالة الملك... قالتها ضي بلهفة وهي بتحاول توصله ولكن الحراس منعوها، فبكت بتوسل وهي بتقول:
جلالة الملك، صدقني أنا بريئة، أنا معملتش حاجة.
قعد الملك على عرشه واتكلم كإنه مسمعهاش:
ضي القمر، أنتِ متهمة بتآمرك على مملكة إل دورادو العريقة مع الأعداء لهدم استقرار المملكة.
ضي القمر بريئة... اتلفت الكل على الصوت اللي كان وراهم. اتوسعت عيون ضي القمر بفرحة، لما شافته قدامه. كان هو.. بدر.
يتبع.
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منة ممدوح
اتلفتوا كلهم على الصوت اللي وراهم. كان بدر اللي دخل بخطوات بطيئة وهو بينقل نظره على الموجودين لحد ما ثبتت عيونه على ضي القمر اللي اشرقت ملامحها بفرحة.
اتحركت الملكة زمرد خطوة وقالت بنبرة كإنها بتنهره: "بـدر!"
شاور لها الملك رسلان براسه وهو بيبعتلها نظرة حادة كإنه فاهم دماغها. هو مدرك كويس إنها هتكون أول واحدة فرحانة لو شبيهة عقيق اتأذت.
اتقدم بدر لحد ما وقف جمب ضي القمر اللي كانت لسة بتبصله بعيون لامعة. انحنى باحترام وهو مثبت كفه على صدره كالتحية المعتادة.
وبعدها اتعدل وهو بيقول بقوة: "جلالة الملك، سبق وأنا اللي قولتلك إن ضي القمر جاسوسة. وبتراجع دلوقتي عن اتهامي ليها."
"حاليًا.."
قالها بنبرة ذات نغزى وكإنه بيوصلها إنها في الوقت الحالي بس هي بتكون بريئة، ولكن ده مقللش من فرحتها إنه جه ينقذها بعد الكلام اللي قاله والكره اللي كان في عينيه.
شاورله الملك رسلان بإيده وهو بيقول: "قول اللي عندك يا سمو الأمير."
اتكلم بدر وهو رافع راسه بثقة: "احنا كلنا عارفين مين المتسبب في الحادث ده يا مولاي. ولكن ضي القمر ملهاش ذنب غير إن حظها السيء خلاها تشهد على اللي حصل وتكون الشاهدة الوحيدة، وده هيخليها في خطر لو فكرت تطلع من القصر."
ضي القمر شافت الأمير رئبال وحاول قتلها لما اكتشف إنها عرفت علاقته بالحريق، ولكن من حظها إن حضور الحرس انقذها.
ابتسم الملك ابتسامة خفيفة بتعبر عن فرحته. هو كان متضايق من فكرة إن ضي القمر تكون جاسوسة. لإن بالتالي هيشك بدوره في عقيق اللي مش عايز يمحي صورتها المثالية اللي في عقله.
فاتكلم برزانة: "إيه دليلك يا سمو الأمير إنها مش مشتركة معاهم؟"
رد بدر ببساطة: "وقت ما الحرس ظهروا في المكان لقوا ضي القمر واقعة على الأرض وهي بتتألم وكان باين عليها الذعر. وحسب كلامها ومن غير ما اقولها على كلام الحرس قالت إن رئبال خاف ودفعها وهرب بعد ما كان موجه خنجر على رقبتها. وبعدها فرّت ضي القمر بذعر من المكان وده لإن اللي اتعرضتله حاجة جديدة عليها."
كان الملك بيبصله بتمعن وهو بيدافع عنها باستماتة رغم إنه كان هيتسبب بأذاها. كان مدرك إن شفقته على الملكة زمرد هي اللي كانت بتجبره يتصرف بكره ناحيتها، ولكنه شايف كويس مشاعره اللي كانت بتتحرك ناحيتها من أول يوم شافها فيه.
وجه الملك رسلان كلامه لضي القمر وقال: "الكلام اللي بيقوله سمو الأمير ده صحيح يا ضي القمر؟"
هزت راسها بسرعة كذه مرة وهي بتقول بلهفة: "أيوه، أيوه صحيح."
وقف الملك فانحنى الجميع وقال هو بصوت عالي: "قرر الملك رسلان ملك مملكة إل دورادو تبرئة ضي القمر من التهمة الموجهة لها."
رفعت ضي القمر عيونها ليه بسعادة فغمزلها الملك رسلان ناحية بدر وبعدها سابهم وخرج من القاعة ووراه الملكة زمرد اللي بصتله لوم شديد حسسه بالغضب والضيق من نفسه.
أما ضي القمر فاتلفتت لبدر وقربت منه وبجراءة من غير ما تاخد مالها مسكت إيديه وهي بتقوله بامتنان: "أنا بشكرك جدًا يا بدر، بشكرك إنك مظلمتنيش."
لوهلة حس بكهرباء سرت في اوصاله. بص على إيديها اللي متشبثة بإيديه. ورفع عيونه لعيونها اللي كانت بتلمع بسعادة. حس لوهلة إنه بينجرف غصب عنه ناحيتها. فنهر نفس وجذب إيده من بين إيديها وقال بتوتر وفنفس الوقت بنبرة حاول تبقى غليظة: "متشكرنيش."
"مش سمو الأمير بدر اللي يعاقب فرد من الشعب على حاجة معملهاش."
"وده ميمنعش إني هفضل مراقبك لحد ما اعرف إيه وراكي يا ضي القمر."
انطفت ابتسامتها قصاد كلامه الجارح. فنكست راسها بتقاوم عيونها اللي اتملت بالدموع وقالت: "أنا.."
"أنا عايزة امشي من هنا."
رد بجفاف: "وإيه اللي مانعك!"
رفعت عيونها الحزينة ليه واللي كانت بتبصله بنظرات بتلومه فيها. وبعدين قالت: "السلسلة."
"مش هعرف امشي من غير السلسلة."
"وقعت مني ومش لاقياها. ساعدني الاقيها وصدقني مش هتشوف وشي تاني هنا."
قرب خطوة منها. وبصلها بعمق بيحاول يستشف اللي ورا ملامحه وقال: "للدرجادي مهمة عندك؟"
"جدًا..."
ردت بتلقائية. ولكنها تراجعت عشان ميشكش فيها واتنحنحت بارتباك وهي بتقول: "اقصد هي مهمة عشان تراث عائلتي. مقدرش اسيبه يضيع بالسهولة دي."
ضم شفايفه لبرهة. وبعدين اتكلم: "ويعني.."
"وقت ما تلاقيها هتمشي؟"
هزت راسها بتأكيد: "أقسملك همشي ومش هرجع تاني أبدًا."
"مش هتشوف وشي تاني في المملكة."
بعد ما كان مد إيده في جيب ملابسه الرسمية تراجع. لوهلة حس إن الكلمة ضايقته خاصة وإنها كانت بتقولها بتأكيد واصرار. لقى نفسه الفكرة ضايقته. كإنه لوهلة اتعود على وجودها ونقاشاتهم وخناقهم ولكن محبش يبين ده ليها وقال: "هكلف الحرس يدورولك عليها."
قالها واتلفت علشان يمشي. ولكن وقفته لما قالت: "بـدر.."
بصلها بتعجب فابتسمتله هي بامتنان وقالت: "شكرًا."
لقى نفسه غصب عنها بيبتسملها وهو بيهزلها راسه بهدوء. وبعدين خرج من المكان كله. لوهلة اتجمد تمامًا ووقف في منتصف الساحة. رفع كفه وبسطه على موضع قلبه. ولوهلة اتوسعت عيونه بصدمة. كانه لسة متدارك إن قلبه بينبض بعنف بس في وجودها!
الظاهر إن ضي القمر بقت خطر عليه ولكن هتفضل والدته عائق بينهم.
افتكر نظرة الملكة زمرد ليه. فاتجه لمكان جناحها بسرعة. هي أكيد حاسة بالغضب منه وهو متفهم ده كويس. خبط على جناحها فسمع صوتها اللي بيأذنله بالدخول. فتحوله الحراس الباب وبمجرد ما دخل جوا وشافته انتفضت من على سريرها بعد ما كانت قاعدة عليه واتجهت ناحيته بغضب وهي بتقول بعصبية: "يا خسارة يا بدر."
"يا خسارة بجد."
"للدرجادي أنا مش فارقة معاك؟"
"بتدافع عنها قصاد الملك باستماتة؟!"
"بالسرعة دي نقضت وعدك ليا!"
قرب منها واحتوى كتفها الاتنين بين كفوفه وقال بنبرة دبلوماسية: "أنا محدش فارق معايا غيرك يا أمي وأنت عارفة كده كويس."
"ولكن مملكة إل دورادو مينفعش يكون حاكمها ظالم. ضي القمر بريئة وأنا مقدرش اقول غير كده لحد ما يثبت العكس."
لوهلة التوى ثغرها بابتسامة مستهزئة وقالت: "بقيت نسخة طبق الأصل من الملك رسلان يا بدر."
"فعلًا ابن ابوك."
اتجمدت إيده اللي على كتفها بعد ما حس بنبرة الاهانة اللي وجهتها ليه. بعد عنها واتجهمت ملامحه وقال: "اعذريني يا جلالة الملكة."
"يمكن أنا فعلا اشبه للملك رسلان ولكن للأسف من طفولتي مكانش فيه غيره قدامي وحواليا."
تداركت اللي هي بتقوله فقربت منه بسرعة ومسدت على خده بكفها وهي بتقول: "متزعلش مني يا بدر، أنا معنديش اغلى منك."
"أنت ابني الوحيد اللي اتحرمت من إني اشاركه حياته وهو بيكبر. أنا قولت كده من ضيقي بس."
لانت ملامحه فمسك كفها وطبع عليه قبلة رقيقة وهو بيقول: "مقدرش ازعل منك يا أمي."
ربتت على كتفه وجذبته ضمته لصدرها. ولوهلة اتبدلت ملامحها للضيق والغيظ الشديد من غير ما ياخد باله.
في منتصف الليل والكل نيام. خرج بدر من جناحه وهو مرتدي ملابسه الرسمية ولكن المرادي كانت ملابس مناسبة للقتال وكإنه داخل على معركة ببدلته الحديدية. ووراه كان اتنين من الحراس. نزل لتحت واتحرك في ساحة القصر لمكان ما ولكنه اتجمد لما لمح ضي القمر قاعدة عند النافورة مدياه ضهرها وباصة قدامها بشرود. شاور للحرس يسبقوه. فانحنوا باحترام وبعدين سابوه ومشيوا. اما هو فاتحرك بحذر ناحيتها. وقف وراها وهو بيتأمل في خصلاتها اللي بتداعبها نسمات الهواء في حين كانت لابسة فستان نوم محتشم من اللون الوردي. ساندة بإيديها الاتنين على حوض النافورة. شافها وهي بتتنهد بعمق. فاتنحنح في الوقت ده وراح وقف جنبها. اتعدلت هي بسرعة بعد ما اتنفضت بخضة ومسحت بضهر إيديها دموعها اللي كانت على وشها وقالت بخضة: "بدر!"
لوهلة اتصدم لما لقاها كانت بتبكي ولكنه فضل ميبينش انه أخد باله فاتكلم وقال: "قاعدة هنا في الوقت ده لوحدك ليه؟"
هزت كتفها وردت ببساطة: "مش جايلي نوم."
لوهلة لقاها بتتأمله من فوق لتحت ولمعت عيونها بانبهار وبعدين قالت: "أول مرة أشوفك لابس كده."
ابتسم بزاوية فمه وقال: "كده ازاي؟"
ارتبكت لوهلة ولكنها ثبتت نظرها على عيونه الحادة اللي كانت بتلمع وقالت: "تشبه..."
"تشبه المحاربين اللي في الأساطير!"
لوهله راق له كلامها ونظرة الانبهار اللي على وشها فقال: "اشكرك على اطرائك."
لوهلة لقت نفسها بتضحك بشدة وهي بتقول: "ساعات بحسك جاي من الخمسينات."
ردد وهو عاقد حواجبه بتعجب: "خمسينات؟"
قدرت تميز إنه مش هيفهم كلامها فشاورت بإيديها وهي بتقول: "مش مهم متاخدش في بالك."
غير الموضوع عشان ميدخلوش في نقاشات وسألها: "كنتي شاردة في إيه؟"
"في القمر."
قالتها ورجعت بنظرها للقمر اللي كانت بدر في تمامه. فابتسم بتسلية وقال: "عشانه جزء من اسمك؟"
هزت كتفها وردت وهي بتمط شفايفها: "يمكن."
اتحركت كإنها افتكرت حاجة. فرفعت عيونها ليه وهي بتقول: "تعرف إن اسمنا إحنا الاتنين يشبه لبعض جدًا؟"
عقد حواجبه وقال: "ازاي؟"
قربت خطوة منه. وبعيون لامعة مليانة مشاعر اتكلمت برقة: "مفيش بدر من غير ضي قمر، ومفيش ضي للقمر من غير ما يكون بدر! احنا الاتنين بنكمل بعض."
"مينفعش واحد يظهر من غير التاني."
لوهلة حس بمشاعر جواه بتتضارب بعنف تحت تأثير كلامها ونظراتها البريئة بعيونها الواسعة الرقيقة خاصة بعد ما استرجع احلامه اللي كانت موجودة فيها دايمًا واللي انقطعت من يوم ما جت. فضل بينهم اتصال بصري من غير ما يحسوا. كل واحد فيهم بتشتعل مشاعر جديدة عليه مش مدركها محسش بدر بنفسه وهو بيبتسملها كإنه راقه كلامها اللي بيربطه بيها. ولكنه تدارك نفسه بسرعة وفصل الاتصال البصري اللي بينهم وقال: "ارجعي لجناحك الوقت اتأخر دلوقتي."
خلص كلامه وسابها ومشي فاتسعت هي ابتسامتها وهي بتبص لاثره وهو ماشي بعد ما قدرت تقرأ نظرة عيونه وارتباكه. وغصب عنه لقى نفسه بيلتفت براسه ليها يبصلها نظرة اخيرة اتضربت دقات قلبه عليها لما شافها مراقباه.
اتحرك في طرقات المبنى التاني من القصر ومنها لمكان مخفي في القصر يشبه لساحة التدريب اللي كان واقف فيه عدد من الجنود اللي كانوا مجهزين بسيوفهم ودروعهم. بمجرد ما ظهر الأمير بدر انحنوا كلهم وأدوا تحيتهم ليه. وقف بدر قدامهم ووراه قائد الحرس. فاتكلم بدر: "طبعًا قائد الحرس شرحلكم المهمة بالتفصيل. هنثأر للمملكة. مش هنسمح لعدو إنه ينتصر علينا بألاعيبه. ولكن هنثأر بنفس طريقتهم. هندوقهم من نفس الكاس ولكن الضعف عشان يعرفوا كويس إن مش مملكة إل دورادو اللي يتغدر بيها."
"مفهوم؟"
هتف الجنود في صوت واحد في حين بيرفعوا سيوفهم: "مفهوم يا سمو الأمير."
ردد تاني بصوت أعلى: "مفهوم؟"
فهتف الجنود: "مفهوم يا سمو الأمير."
قرب منه قائد الحرس ومال ناحيته وهو بيقول بحذر: "متأكد إنك هتشارك في المهمة دي يا سمو الأمير. الوضع ممكن يبقى خطر."
اتلفتله وربت على كتفه وهو بيطمنه وبيقول: "لو مش هشارك في الثأر يبقى خسارة فيا لقب ولي العهد يا قائد الحرس."
"زي ما رئبال اتجرأ ودخل قصري وحرق مخزني، هحرق قلبه هو كمان."
بعد عنه قائد الحرس بتفهم. وادى الاشارة للجنود اللي لبسوا كلهم في الوقت ده اقنعة وبقول ملثمين بحيث ميبانش من ملامحهم حاجة. اتحرك قائد الحرس وادى لبدر سيف ودرع وكمان القناع. رفع بدر سيفه لفوق فصاح الجنود بالتهليل. واتحركوا للأحصنة بتاعتهم واللي كانت مختلفة تمامًا عن شكل الأحصنة العادية. كانت احصنة ضخمة. معضلة بشكل مرعب. ده غير ملامحهم اللي مكانتش أليفة تمامًا بل تسبب الهلع. استقلوا الجنود الأحصنة. فقرب بدر وربت على واحد من الأحصنة اللي كان شديد السواد وقوي يشبهه. ربت على ضهره فصهل الحصان بصوت عالي غليظ. وبعدين استقله بمنتهى السهولة واتحركوا لطريق مملكة ازتلان اللي مكانتش تبعد عنهم بشكل كبير نظرًا لأنها من اقرب الممالك اللي بيتشاركوا حدودهم معاها.
كان الطريق مظلم بشكل مرعب. السكون بيحل على المكان إلا من صوت ارجل الأحصنة المهيبة.
وعلى بعد قليل من حدود مملكة ازتلان وقفوا على تلة عالية. نزلوا من على الأحصنة بتاعتهم واتحرك بدر على مقدمتهم. قرب منه قائد الحرس في الوقت ده واداله منظار يشبه لمنظار الرؤية الليلية. ابتدى يراقب ارجاء المملكة اللي كانت هادية تمامًا. حتى الجنود كانوا مطمئنين وحاسين بالسكينة. حتى كانوا متقاعصين عن الحماية. البعض منهم نايم. والبعض الآخر بياكل. وشوية بيتحاوروا مع بعض أو بيلعبوا. ابتسم بدر باستهزاء وقال: "المتوقع من جنود ملكهم ضرغام!"
وجه كلامه للجنود وقال: "الظاهر إن مهمتنا هتبقى أسهل مما نتوقع ولكن برضه لازم ناخد حذرنا. مش عايزين نثير بلبلة أو قلق. ومش عايزين حد يعرف إحنا مين."
"بالنسبالهم إحنا لصوص بس."
نهى جملته وبعدين قال: "انتشروا!"
ابتدى الجنود يتحركوا حوالين حدود القصر عشان يأمنوا المكان. واتجه بدر مع قائد الحرس والعديد من الجنود ناحية مكان معين قاصدينه. وقفوا قدام سور المملكة. شاور بدر لقائد الحرس وابتدوا يضربوا خطاطيف على مقدمة السور وبمنتهى السهولة ابتدوا يتسلقوا الجدار باحترافية شديدة. بمجرد ما طلعوا على السور شاورلهم بدر ياخدوا حذرهم لما شاف جنديين واقفين. اتسلل وراهم بهدوء وطلع خنجره ضرب واحد وقبل ما يستوعب التاني كان خلص عليه قائد الحرس. بعد ما انتهوا كملوا سير على السور بحذر لحد ما وصلوا قدام مخزن الاسلحة. نط بدر من على السور وابتدى يتقلب على الأرض لحد ما ثبت ووراه قائد الحرس والجنود. قدام مخزن الأسلحة لقوا عدد من الحراس اللي مكانش كتير. شاورلهم بدر بإيديه يستنوا. واتسلل لحد ما بقى ورا المخزن وبعدين إداهم الاشارة. وهنا اتضرب عدد مش قليل من الأسهم اللي صابت الحراس على غفلة. ابتسم بدر من تحت قناعه باتساع وبعدين اتحرك هو والجنود لجوا المخزن وابتدوا يطلعوا عدد كبير من صناديق الأسلحة اللي موجودة ويحملوها على عربة جابها أحد الجنود اللي معاه بعد ما قدروا يقتلوا الحراس اللي على البوابة الخلفية ويدخلوا بيها. حملوا الاسلحة كلها وشاورلهم بدر يتحركوا وبالفعل بعد ما اتطمن إن العربة خرجت بأمان طلع من معاه زجاجة تشبه المولوتوف لحد كبير وبعدين رماها في قلب المخزن اللي يحتوى على بقيت الاسلحة وابتدى يشتعل قفل باب المخزن وبعدين شاور لبقيت الجنود يتحركوا وبالفعل خرجوا كلهم بسهولة من البوابة الخلفية. وبينما هو على حصانه متجه لمملكته خلع القناع اللي على وشه وابتسم باتساع وهو بيوجه نظره لقائد الحرس لما سمعوا صوت جرس الانذار بيدق في المملكة. وأخيرًا انتصار آخر بيتضاف ليهم.
على بدايات ضوء النهار وصلوا أخيرًا لحدود المملكة. دخلوا لقصر المملكة بالاحصنة مع الجنود والعربة المحملة بالاسلحة فلقى الملك رسلان منتظره برا اللي ابتسم باتساع أول ما شافه. نزل بدر من على حصانه. ففتحله الملك دراعاته وهو بيرحب بيه وبيقول بفخر: "مش جديد على جنود مملكة إل دورادو."
"مش جديد على محاربيني الشجعان!"
قرب منه بدر فطبع الملك قبلة على جبهته وهو بيربت على كتفه وبيقول: "أنا فخور بيك يا بدر. كنت متأكد إنك هتثأر بذكاء. حقيقي فخور بيك."
رفع بدر كفه على صدره وانحنى وهو بيقول: "مدحك يسعدني يا جلالة الملك."
وجه الملك كلامه للجنود وقال: "نزلوا الصناديق. وأخيرًا قدرنا ناخد بثأرنا ولا عزاء للملك ضرغام."
وقف بدر جمبه وهو بيتابع الجنود وهما بينزلوا الأسلحة وبيعرضوها على الملك رسلان اللي كان بيقيمها. رغم إنها متجيش حاجة جنب الاسلحة اللي بتصنعها مملكة إل دورادو إلا إنها تكفي الغرض.
وعلى جانب تاني ارتفع صراخ الملك ضرغام اللي كان بيزمجر بمنتهى القهر والغضب وبكل الغل اللي جواه صفع قائد الحرس اللي قدامه بقوة اللي اصطكت اسنانه من الغيظ ولكنه فضل حاني راسه من غير ما يرد. أما الملك ضرغام فصرخ: "أغبياء!"
"أنا معين حراسة اغبياء!"
"ازاي قدروا يدخلوا من وسطكم."
"كنتوا فيــن!"
رد قائد الحرس وهو ناكس راسه: "صدقني يا مولاي خدونا على غفلة. ده غير إن مش كل الاسلحة اتحرقت في جزء كبير منها مسروق جلالتك والحراس قالوا إنهم كانوا لصوص ملثمين مش معروف هويتهم."
اشهر الملك ضرغام صوباعه في وشه وهو بيقول من بين اسنانه: "أنت تخرس خالص."
"فـاهم!"
"اللي حصل النهاردة كارثة أنت السبب فيها. وصدقني يا قائد الحرس لو معرفتش في خلال كام ساعة مين اللصوص دول هعلق رقبتك على جدار القصر كعبرة."
"ودلوقتي اختفـي من وشـي!"
"أمرك يا مولاي."
قالها قائد الحرس وبعدين انحنى ومشي. قرب منه رئبال في الوقت ده وقال: "حاسس إن الحريق ده ليه علاقة بثأر بمملكة إل دورادو. التوقيت غريب. ده غير سرقة معظم الاسلحة اللي كانت موجودة."
قرب منه الملك وتمتمت من بين اسنانه بشر: "ده أكيد."
"بس اقسملك لو مسكت دليل يدينهم مش هرحمهم من بين إيديا. هحرق أرواحهم كلهم قصاد عيني هخلي المملكة بكل اللي فيها رماد...."
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة ممدوح
تململت بتكاسل بعد ليلة صعبة قضيتها في محاولة النوم. ضرب شعاع شمس عنيف عينيها، فلفتت للجانب الآخر المعاكس له. ولكن لوهلة حست بخيال أمامها. فتحت عينيها سرعان ما انتفضت بفزع لما وجدت التي تجلس أمامها وتبصلها بخبث. اتعدلت بسرعة بتحاول تستوعب ما تراه ورددت:
"ملكة زمرد!"
فضلت تبصلها بنظرات مليئة كره وعلى وجهها ابتسامة غريبة ولم تتحرك تمامًا. بصت ضي القمر حولها بتعجب لحد ما قالت:
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
"تعرفي إني خضيت عقيق نفس الخضة دي قبل كده؟"
عقدت حواجبها باستغراب لما قالت الجملة دي من غير ما تتحرك. فكملت الملكة زمرد:
"كانت فاكرة إني جاية أقتلها. الحقيقة إني كان عندي النية في كده، بس التنفيذ كان عايزله تخطيط، زي ما بعمل معاكي دلوقتي!"
انتفضت ضي القمر من على سريرها بغضب وصاحت:
"أنتِ بتهدديني؟"
قامت وقفت وهي تتحرك ببرود تحت أنظارها لحد ما وقفت أمامها، وقالت:
"متخافيش، مش هقتلك دلوقتي."
مدت إيديها ومسكت دقنها ورفعت عيونها لها. وكملت:
"اوعي تكوني فاكرة هتقدري تاخدي بدر ابني لصفك! مهما حاولتِ هتفضل الأولوية ليا أنا. زي ما خدت الملك رسلان من عقيق هاخد ابني منك."
نفضت ضي القمر إيديها بعنف. ابتسمت وهي تقول باستفزاز:
"عشان كده الملك رسلان لسه بيدور على عقيق لحد دلوقتي؟ كان نفسي تشوفي نظراته لما شافني قدامه وافتكرني عقيق. حتى لو خدتيه منها فقلبه لسه معاها لحد دلوقتي!"
اشتعلت عينيها بغضب رهيب وكأنها دست على الجرح الذي ما زال مفتوحًا لحد الآن حتى بعد كل السنين دي. فبغتة منها مدت إيديها وقبضت على رقبة ضي القمر بكل قوتها. شهقت هي من المفاجأة، وحاولت تتملص من بين إيديها ولكن الأخرى كانت قوتها غريبة! في حين كانت تقول ببغض:
"الظاهر إنك مستعجلة على قدرك يا ضي القمر. هنهيكي دلوقتي!"
ابتدأ الازرقاق يتسلل لملامحها علامة على الاختناق. في حين مثبتة إيديها الاثنتين التي على رقبتها تحاول تبعدها عنها قدر المستطاع. في حين عينيها جاحظة من المفاجأة والاختناق. حركت ضي القمر إيديها ومسكت مصباح الشمعة الذي كان محطوطًا على الطاولة جنب السرير وضربتها بها على دماغها. فوقعت الملكة زمرد على الأرض.
بصت لها بصدمة ورمت بهلع المصباح الذي في إيديها على الأرض.
اتحاملت الملكة زمرد على نفسها واتعدلت وهي تتأوه. قامت وقفت تحت أنظارها وحطت إيديها مكان الضربة فلقت إيديها تطبع دمًا خفيفًا. بصت لضي القمر بسخرية وتمتمت من بين أسنانها:
"مش هسيبك يا ضي القمر. هفضل وراكي لحد ما أخلص منك بنفسي!"
نهت جملتها وخرجت من الجناح. فضلت ضي القمر باصة على أثرها بصدمة. وبعدين اتحركت وقعدت على السرير بانهيار وهي شاردة أمامها في الفراغ. مكانتش متخيلة إن زمرد بالشر ده! حاولت تقتلها من غير ما يرفلها جفن! دلوقتي توقعت كم المعاناة التي شافتها عقيق على إيديها وبسببها هربت!
دخلت في الوقت ده جولينهار ومعاها بنتين ماشيين بجرار ملابس. بصت لها باستغراب من حالتها دي ولكنها وقفت وقالت:
"سمو الأميرة. جيبتلك ملابسكم."
لم ترد عليها، فقربت لحد ما وقفت أمامها وقالت بقلق:
"أنتِ كويسة يا سمو الأميرة؟"
رفعت ضي القمر عيونها لها وفضلت شاردة فيها من غير ما ترد. فهزت جولينهار كتفها بقلة حيلة وبعدين شاورت للبنات اللي معاها يجهزوا ملابس ضي القمر.
***
خرجت ضي القمر لساحة القصر وابتدت تدور في كل الأماكن التي مشيت فيها يمكن تلاقي السلسلة ومنها تلاقي خلاصها. لوهلة سمعت صوت صهيل قوي. اتحركت تجاه الصوت الذي كان عاليًا بشكل غريب وكمان متوحش! مش صوت حصان عادي تمامًا.
لوهلة شافت ضهر بدر الذي كان غير ملابسه لثانية عادية على عكس البدلة الحديدية التي كانت شايفاه بها. اتجهت ناحيته ولكن بمجرد ما شافت الكائن الذي كان بجانبه صرخت بهلع:
"أعوذ بالله! أعوذ بالله إيه ده!!"
اتلفتت على صوت التي كانت واقفة تبص لحصان بدر الأسود بهلع. ضخامته الغريبة، وجسده المعضل بشكل غريب، عينيه التي كانت نارية، ده غير العلامة الغريبة التي في منتصف جبهته وشعره الناري الثقيل. اتلفت بدر على صوتها وهو يبصلها بتعجب. ولكن لم يأخذ باله من الحصان الذي اشتعلت نظراته ووجه لها نظرات تحذيرية وهو يقترب منها بخطوات هجومية بعد ما افتكرها مصدر تهديد. أول ما شافت ضي القمر المنظر ده لفت وهي تجري وتصرخ بصوت عالي بهلع، ووراها الحصان الذي ركض وراها بكل قوته عشان يفتك بها. اتلفتت برأسها تبص لملامحه المرعبة وأنيابه التي ظاهرة من فكه، فصرخت أكثر برعب، ولكنه توقف فجأة على صوت بدر الذي ركض ناحيته وأدى صوت صفير مميز بالنسبة له وهو يهتف:
"بجاسوس! توقف!"
توقف الحصان مرة واحدة، واتلفت لصديقه الذي اتجه ناحيته وربت على ظهره وهو يحاول يهديه. أما ضي فوقفت بدورها وهي تلتقط أنفاسها الضائعة ومثبتة إيديها على صدرها الذي ينهج في حين منحنية في وقفتها.
رافق بدر بجاسوس لها فاتراجعت لورا وصرخت:
"لا لا ابعد الكائن ده بالله عليك. شيطان ده ولا إيه؟ أعوذ بالله! انصرف انصرف!"
كانت تقولها بطريقة هستيرية وهي تشاور بإيديها خلت بدر ينفجر في الضحك وهو يقول:
"اهو بـ انصرف بتاعتك دي هسيبه عليك. يهدي ده حصان عادي."
ردت بهلع وهي تشاور عليه:
"حصان؟! ده منظر حصان بالله عليك؟! بص لوشه كده!!"
اتجه بدر ناحيتها وهو يقول:
"صدقيني حصان. ولكن اللي يفرقه عن الحصان العادي إن ده حصان محارب بنستخدمه في المعارك فقط عشان كده مبيظهرش كتير."
وجه نظره للحصان ونداه:
"بجاسوس.. تعالى.."
تحرك الحصان ناحيته بسكينة، فارتعبت ضي القمر ووقفت وراء بدر وهي متمسكة بملابسه بقوة وتقول:
"لا مشيه. هش هش. بالله عليك ابعده."
حاول بدر يطمنها لما قرب بجاسوس منه وبدأ يملس على رقبته وهو يقول:
"متخافيش. بجاسوس لطيف. اللي خلاه هاجمك دلوقتي لما صرختي فحس إنك تهديد وافتكرك هتؤذيه. ده لأنه وفي جدًا وممكن يفدي صاحبه بروحه."
اتلفت برأسه لها وهو يكلمها ولكن لوهلة تجمد تمامًا لما رآها بالقرب هذا منه. عيونها الناعسة التي ارتفعت إليه تركز في كلامه، ويداها التي تمسك بها ملابسه، كل هذا خلاه سرح غصبًا عنه فيها وهو يحس بأنفاسها ورائحتها القريبة منه. لوهلة انفصلوا تمامًا عن الواقع واتهدلت أنفاسهم وكأنهم سكارى، لحد ما انتفضوا على صوت صهيل بجاسوس الذي كان يحس بالغيرة لما حس بمشاعر صاحبه لضي.
اتنحنح بدر وهو يكمل:
"جربي المسيه. خليه يتطمن لك."
هزت رأسها بالرفض ولكنه جذبها عشان تقف جنبه وسط اعتراضها وجسدها المتيبس في مكانه. رفع كفها غصبًا عنها وحطها على رأس بجاسوس ولكنها حست بقشعريرة وخوف رهيب سيطر على جسمه. ولكن فضل بدر مثبت إيديها لحد ما خف تحفيز بجاسوس وابتدأ يحرك رأسه كمطالبة إنها تملس عليه. فابتسم بدر وقال:
"غريبة، بجاسوس أول مرة يتطمن لحد بسرعة لدرجة إنه يطالب بنفسه إنك تلاعبيه."
ضحكت ضي بانبهار وابتدأت تملس عليه والحصان يتحرك باستمتاع لدرجة إنه قرب منها يلاعبها. أما بدر فوقف مكانه يتفرج عليهم وهو مبتسم وهو يرى اندماجهم مع بعض وخوف ضي الذي زال تمامًا. ولكن عينيه كانت ثابتة على ضي بانفعالاتها وابتسامتها وهي تلعب مع بجاسوس لحد ما أخذت بالها فاتلفتت إليه بعيون لامعة وهي تبتسم له وتقول:
"غريبة، طباعه ودودة على عكس شكله!"
رد بدر بابتسامة:
"ده عشان اتطمن لك. إنما بجاسوس وأي حصان محارب من فصيلته طبيعتهم عدوانية، ده غير قوتهم الفتاكة في الحروب. قوة بجاسوس تكفي لأنه يخترق جدار مملكة من غير ما يتأذى وأسنانه تقدر تفتك بالمعادن."
وجهت أنظارها لبجاسوس وهي تلاعبه وتقول:
"شكلك عندك قدرات أكثر ما أتخيل."
سكتت شوية بدر وبعدين قال:
"صحيح، كنتِ بتعملي إيه هنا؟"
ردت ببساطة وهي تمط شفتيها بضيق:
"حاولت أدور على السلسلة في الأماكن اللي كنت فيها آخر مرة بس للأسف ملقتش ليها أثر."
لوهلة حس بالضيق من إصرارها فقال:
"أنتِ بتدوري عليها بإصرار كده علشان تمشي ولا علشان غالية عليكي؟"
سكتت شوية قدام سؤاله وبعدين قالت:
"الاتنين."
سكت ومرضيش يتكلم مرة ثانية في الموضوع رغم الضيق الذي حس به. ابتعدت في الوقت ده عن بجاسوس وقربت منه. وقفت أمامه وبصت لعينيه مباشرة وقالت:
"بدر..."
همهم وهو يبصلها بتساؤل. أسبلت عيونها بحزن وقالت:
"ممكن تثقي فيا؟"
عقد حواجبه بتعجب وبعدين سأل:
"مش فاهم؟"
مطت شفتيها وهو تقول بحزن:
"صدقني أنا مش ورايا حاجة من اللي في بالك. أنا مش جاسوسة، ولا جاية لغرض معين. عقيق اللي بحمل دمها دي عمري ما شفتها في حياتي ولا كنت أعرف بوجودها قبل ما آجي هنا، حتى وقت ما جيت هنا مكنتش أعرف أي حاجة. تقدر تقول إن القدر هو اللي جابني هنا بدون إرادتي."
كان يبصلها من غير ما يتكلم، نفسه يصدقها رغم إنه إحساسه بيقوله مبتكدبش. ولكن الأفكار التي اتزرعت فيه وهو صغير مش قادر يتخلى عنها غصب عنه. محبتش هي تضغط عليه وتجيب سيرة الملكة زمرد عشان ما تضغطش على الفتيل وتشعل الوضع بينهم. ولكن فضلت تسكت لحد ما تقدر تثبت عليها حاجة، أو يمكن تلاقي السلسلة قبل ده وتمشي من هنا. وقتها مش هتهتم بكل الماضي الذي حصل. ولكن هل هي هتقدر تمشي من هنا فعلاً؟ ولا هتسيب جزء منها هنا وهو قلبها!
اتحركت معاه وهي تتمشى بين الأشجار ومعاهم بجاسوس بعد ما طلب منها بحجة إنهم يدوروا على السلسلة. كانت تقطف من ورق الأشجار وهي تتكلم:
"بابا اتوفى وأنا صغيرة. فضلت عايشة مع ماما لوحدنا. مكانش ليا إخوات لإن ماما كان عندها مشكلة في الحمل لحد ما جيت أنا بعد سنين طويلة. وقتها سمتني ضي القمر لإني بالنسبة لها النور اللي في حياتها بعد سنين ضلمة. فضلت عايشة أنا وهي لوحدنا. مكانش لينا حد غير جدتي مامت ماما اللي كانت بتزورنا كل فترة. بعدها ماما تعبت فجأة و..."
توفت. تنهدت في جملتها الأخيرة وهي تقاوم دموعها تحت أنظاره وهو يرى تحفز ملامح وجهها كأنها تجاهد. فكملت هي:
"لقيت نفسي فجأة بقيت لوحدي في الدنيا. من غير أب أو أم. معرفش عيلة بابا فين، مفيش غير جدتي. اضطريت أسيب البيت اللي عشت فيه حياتي كلها وأنقل لمكان ثاني عشان مبقاش لوحدي، وروحت قعدت مع جدتي، ولكن فجأة لقيت نفسي هنا."
بص لها بترقب وهو يقول:
"إزاي؟"
رفعت كتفها وهي تقول:
"معرفش. زي السحر..."
كان من جواه عارف إن النبوءة هي اللي جابتها هنا، ولكنه كان رافض الفكرة نفسها. حتى كان دائمًا يدخل في نقاش مع والده بسبب كلام سلطان. اتنحنح بارتباك وبعدين قال:
"امبارح لما شوفتك... أقصد..."
فهمت اللي بيلمح عليه، لقت نفسها بتبتسم تلقائيًا لأنه مش عايز يحرجها. فردت:
"كنت افتكرت ماما. وحشتني أوي."
لوهلة حس بملامحه تلين وهو باصصلها بعمق. هو اتحرم برضه من وجود أمه لسنين طويلة في حياته وعارف الشعور ده. ولكن على الأقل كان نفسها لسه في الدنيا! كان قادر يشوفها كل يوم. أما هي اتحرمت منها للأبد.
كان سيتكلم ولكنهم اتلفتوا على صوت زمجرة بجاسوس. بصله بدر بتعجب وقرب منه وهو يبص في اتجاهه. ولكنه لوهلة حس بخيال يجري أمامه. لوهلة حس بالقلق والخوف عليها خاصة بعد محاولة قتلها الأخيرة فاتلفت لها وهو يأمرها بحزم:
"ارجعي على القصر بسرعة."
حاولت تعترض:
"بس..."
"_فورًا!_"
قاطعها وهو يأمرها بحزم. وبعدها قفز وامتطى بجاسوس بحرافية وابتدأ يتحرك به اتجاه المكان الذي ميزه بجاسوس. أما هي اتلفتت وجريت بالفعل عشان ترجع للقصر. وأول ما شافت قائد الحرس اتجهت ناحيته وهي تقول بأنفاس لاهثة:
"الحقوا الأمير بدر، في حركة غريبة في الاتجاه الشرقي للقصر وهو بيتبع الأثر مع بجاسوس."
بالفعل شاور قائد الحرس لباقي الحراس الذين جرى معهم للمكان الذي قالت عليه ضي القمر، التي كانت واقفة تتابع أثرهم وهي محتوية كفها على صدرها بقلق.
لوهلة انتفضت بخضة لما سمعت صوت سلطان وراءها يقول:
"قلقانة عليه؟"
كانت نبرته ساخرة قبل أن يكون سؤالًا. فهزت رأسها وكأنها كُشف أمرها بالرفض وهي تقول:
"لأ طبعًا. هقلق على مين! وبعدين أنتَ مينفعش تظهر زي البني آدمين كده لازم تقطع خلفي كل مرة!"
"_تأثير المهنة يا عزيزتي._"
قالها وهو يتقدم ليقف بجانبها. بصت له هي بترقب وسألت:
"سلطان، أنتَ متعرفش السلسلة فين؟"
ابتسم لها باتساع وقال بنبرة ذات مغزى:
"الظاهر إن فيه حد حابب وجودك هنا، لدرجة إنه مانع مغادرتك!"
بصت له بعدم فهم. فرقع كتفه بقلة حيلة. زفرت هي بضيق من أسلوبه المراوغ وسكتت شوية وبعدين قالت:
"هي الملكة زمرد السبب في هروب عقيق؟"
التفت الكاهن سلطان إليها فجأة وهو يبتسم باتساع. أما هي كملت بسرعة:
"أنا عرفت إنها كانت بتأذيها، حتى هي معايا حاولت... حاولت..."
كمل الكاهن سلطان عنها بعد ما فهم اللي ناوية تقوله:
"عزيزتي ضي القمر، في حاجات كتيرة أنتِ متعرفيهاش. ولكن بمكرك ودهائك هتقدري تكشفي حاجات كتيرة، وكمان تاخدي ناس لصفك. حتى ممكن تقدري تكشفي السر القديم اللي ممكن يغير حاجات كتيرة. أولهم مكانتك.."
عقدت حواجبها بتعجب وسألت:
"أي سر قديم؟"
اتلفتت لما أحست بحركة أمامها فشافت بدر راجع مع الحرس بعد ما مقدروش يلاقوا حد. رجعت بصت للكاهن سلطان ولكن للدهشة كان اختفى! اتوسعت عينيها بصدمة من خفته. ولكن في الآخر هزت رأسها بقلة حيلة. الظاهر إنها ابتدت تتعود على حركات سلطان هي كمان.
***
"مملكة أزتلان"
اجتماع طارئ مجتمع فيه الملك ضرغام وزوجته والأمير رئبال والأميرة داريا، ده غير العديد من الوزراء والنواب اللي ليهم مناصب عليا في المملكة. ده غير قائد الحرس وكبار الجنود. كان واضح على ملامحهم الجدية، ده غير إن كلهم متجهمين خصوصًا بعد الكارثة التي حلت عليهم. كان بالنسبة لهم شيء هين إنه الأسلحة تحترق ولكن إنهم يتسرقوا بالشكل المهين ده؟ ده غير دخولهم لقلب القصر الملكي بمنتهى السهولة ده شيء حسسهم بالإهانة.
على طاولة الاجتماعات المستطيلة كان يترأسها الملك ضرغام الذي تكلم بحدة:
"الكارثة التي حصلت في حقنا لا تُغتفر. وبالتأكيد كلنا عارفين إن دي ألاعيب مملكة إل دورادو عشان ياخذوا بثأر اللي حصل رغم إننا مش قادرين نمسك عليهم دليل يدينهم."
تكلم قائد الحرس في الوقت ده:
"مولاي، صدقني لو عاوزنا نعلن الحرب دلوقتي على المملكة أنا مش هتردد أفديها بروحي."
ابتسم له الملك ضرغام بسخرية، فاتكلم رئبال في الوقت ده:
"ونبقى إحنا اللي نقضنا المعاهدة من غير دليل ملموس، وبالتالي كل الممالك هتتحد ضدنا لأننا بالنسبة لهم هنبقى ناقضين عهد. ذكي يا قائد الحرس."
نكس قائد الحرس رأسه بإحراج، فاتكلم الوزير:
"إحنا محتاجين نلاعبهم بذكاء يا مولاي، زي إننا نضرب اقتصاد المملكة بإننا نبدل بضاعتهم ببضاعة مغشوشة، ده غير تزويد المعادن والمواد اللي بيستخدموها في صناعة الأسلحة. ممكن نرشي موردينها فبالتالي كل حاجة عندهم هتبقى غير صالحة للاستخدام."
هز رئبال رأسه بتأييد وهو يقول:
"كلام جميل. ولكن محتاجين عين لينا تبقى هناك."
شبك الملك ضرغام يديه وهو يقول بابتسامة واسعة:
"بالظبط كده. محتاجين عين لينا هنا."
فتحت باب القاعة في الوقت ده دخل الحارس الذي بص للملك ضرغام بنظرة ذات مغزى فشاور له بالإيجاب. خرج الحارس تحت أنظار الموجودين بترقب، بعدها دخل شخص خلى الكل يبصوا له بصدمة كبيرة.
كانت الملكة زمرد التي وقفت تتطلع على وجوههم بابتسامة ماكرة. اتكلم الملك ضرغام في الوقت ده وقال:
"أقدم لكم العين التي ستكون لنا هناك..."
رواية عقيق إلدورادو الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة ممدوح
قالت الملكة آريا بملامح مشدوهة بعد ما وقفت من مكانها بصدمة:
"زمرد!"
وجهت الملكة زمرد انظارها ليها وابتسمتلها بسخرية. كانت مدركة تمامًا إيه اللي بيدور في دماغ الملكة آريا والحقيقة دي كانت حاجة محسساها بالانتشاء. اتحركت ناحيتهم وشدت كرسي وخدته لجوار الملك ضرغام تحت انظار الجميع اللي مكانوش يقلوا صدمة عن الملكة آريا. قعدت بمنتهى البساطة وهي بتقول:
"إيه الترحيب الجاف ده؟ مش ممكن طباع مملكة ازتلان مش هتتغير نهائي!"
كانت نبرتها مليانة سخرية. وجهت الملكة آريا نظراتها للملك ضرغام اللي كانت ليها مغذى وصله كويس، ده غير أعصابها اللي بقت مشدودة. فشاورلها هو بتحذير واضطرت في النهاية إنها تقعد على مضض.
اتكلم رئبال في الوقت ده بتعجب:
"اعذرني يا مولاي، حضرتك جايبلنا ملكة مملكة إل دورادو بنفسها علشان تبقى جاسوسة لينا هناك؟ وإيه يضمنلنا إنها مش جاسوسة ليهم هما؟"
ابتسم الملك ضرغام بثقة وقال وهو بينقل نظراته بين رئبال وزمرد:
"متقلقش، زمرد أكبر حليفة لينا من زمان. هي محل ثقة."
سندت الملكة آريا ضهرها على الكرسي وهي بتبص للملكة زمرد من فوق لتحت وهي بتقول بتلميح وصلها:
"الظاهر إنك متغيرتيش يا زمرد. كنت فاكرة إن غيبوبتك الطويلة هتخليكي شخص تاني. على الأقل شخصية نضيفة وولائك يتغير للمملكة!"
فهمت مقصد كلامها كويس، ولكن رغم ده مأثرش فيها بتاتًا، بل قالت بثقة:
"مش زمرد اللي تتغير يا آريا. زمرد بتاعة زمان هي بتاعة دلوقتي بل وأقوى كمان."
تدخل في الوقت ده الوزير اللي تساءل بتعجب:
"اعذرني يا مولاي، ولكن الملكة زمرد عارفة إننا دلوقتي بنخطط لتدمير مملكة إل دورادو اللي هي بتكون موطن شعبها وزوجها، فالأمر مش منطقي بالنسبالي بتاتًا."
سندت بضهرها على الكرسي واتكلمت بثقة:
"غرضي مش تدمير مملكة إل دورادو، بل تدمير الحكم. وبعدها أبقى الملكة الوحيدة للمملكة. ووقتها طبعًا هبقى أكبر حليف ليكم والملك ضرغام عارف كويس إني محل ثقة واستحالة أغدر. ده هو شرطي الوحيد علشان اساعدكم. بعد ما نقدر ننهي الملك رسلان مملكة إل دورادو هتكون تحت حكمي وتحت سيطرة مملكة ازتلان!"
فقال رئبال بغموض:
"وبالنسبة لابنك؟ سمو الأمير بدر؟ بما إننا هننهي الملك رسلان فالحكم المفروض يروح لابنك."
"متحاوليش تقنعيني إنه هياخد صفنا. بدر يشبه لرسلان وميقلش عنه. بل لو ادرك خطتنا هيسعى للانتقام لحد آخر قطرة من دمه!"
ولكن كلامه ده مظهرش عليها أي تأثر، بل كان الحقد اللي مشتعل من زمان جواها هو اللي مسيطر عليها، فردت:
"بدر من دلوقتي هيختار طريقه. لو اختار طريق والده والنبوءة السخيفة اللي بتحتم عليه يربط نفسه بشبيهة عقيق، يبقى وقتها هنفيه بنفسي لمكان بعيد تمامًا. ووقتها هيكون بأمر ملكي."
يضحك رئبال بسخرية وهو بيشاور ناحيتها وبيقول باستهزاء:
"بتقولكم هتنفيه! مش هاين عليها إنها تقتله وجايين تقولوا أكبر حليف لينا!!"
خبطت الملكة زمرد بكفها على الترابيزة وهي بتقول من بين أسنانها:
"أنا مش هتسبب في قتل ابني الوحيد!"
اتكلمت الملكة آريا بسخرية:
"بس تتسببي في قتل زوجك وابو ابنك وتدمير شعب مملكتك ده اللي عادي؟!"
"اتجمدت لوهلة ومعرفتش ترد ولكنها فضلت تبصلها بنظرات كارهة مليانة غضب ومكانتش تقل نظرات الملكة آريا عنها."
اتدخلت داريا في الوقت ده. بالنسبالها بدر هو مكسب كبير ومتقدرش على خسارته، فقالت:
"أنا رأيي من رأي الملكة زمرد، وكمان ممكن نضمه لينا بطرق تانية."
صدرت ضحكة عن رئبال مليانة تريقة وقال:
"ودي واحدة مهووسة ببدر ما صدقت!"
بصتله داريا بغيظ وهي بتجز على اسنانها من سخريته منها. ولكن الملك ضرغام أيد كلامهم وقال:
"صحيح. داريا وزمرد عندهم حق. ممكن نضمه لينا من خلال داريا."
اتكلم رئبال:
"هتقنعيه ازاي؟ بدر يطيق العمى وميطيقش أميرتنا العزيزة."
"رئبـال!"
صرخت بيها داريا بضيق رهيب وكإنه بيصفعها بالحقايق اللي هي بتحاول تتغاضى عنها. ولكن الملك ضرغام ابتسم بخبث وهو بيوجه نظره لزمرد وبيقول:
"ده دور زمرد وسحرها!"
اتلفتتله الملكة زمرد بصدمة. فاتكلمت الملكة آريا بسخرية:
"ساحرتنا الصغيرة راجعة وبقوة!"
كمل الملك ضرغام عشان يحطها قصاد الأمر الواقع:
"أكيد الملك رسلان ملحقش يحصن بدر ضد السحر زي ما حصن نفسه. بكده الموضوع سهل بالنسبالك."
كان باين عليها التردد ولكن لوهلة اقتنعت بكلامهم. على كده مش هتئذي ابنها لو تم الأمر بل بالعكس هيكون في صفهم. أيدت داريا كلامه وهي بتقول:
"بالظبط. بتعويذه صغيرة هيبقى في صفنا. ولكن لازم نشيل العائق اللي بيني وبينه الأول."
ابتسمت زمرد وعينيها بتلمع بشر وانتصار:
"شبيـهة عقـيق! سيبوها عليا، هنهيها بطريقتي."
دخلت وراه جناحه وهي مشتعلة تمامًا من الغضب. كان بيخلع عنه وشاحه وتاجه الملكي وهو بيراقب حركتها العشوائية في الغرفة ومعالم الغضب والعصبية اللي ظاهرة عليها. زفر نفاذ صبر وقال:
"قولي اللي عندك يا آريا بدل ما تنفجري من الغضب!"
وقفت عن الحركة واتلفتت ليه وهي بتبصله بغيظ شديد. وبعدها اتجهت ناحيته بعصبية وهي بتقول:
"أنا مش متخيلة اللي أنتَ عملته! بتطلب العون من زمرد! عشيقتك القديمة!!"
نبرتها كانت مشتعلة من الغيرة. رفع راسه بشموخ وقال:
"أنتِ سامعة اللي بتقوليه يا جلالة الملكة؟!"
ولكن نبرته الحادة مأثرتش فيها بل كملت بغضب:
"أيوه سامعة كويس. ليه شايفني قولت حاجة غلط؟ ما هي عشيقتك فعلًا اللي كنت بتخوني معاها في بداية زواجنا!"
احتوى كتفها الاتنين بإيديه وهو بيقول بنفاذ صبر:
"قولتلك مليون مرة مش عشيقتي. كانت جاسوسة لينا على الملك رسلان. أنا بنفسي اللي دبرت لقاءاتهم ببعض عشان في النهاية يقع عليها الاختيار للزواج بعد اختفاء عقيق!"
ابتسمت بسخرية وقالت:
"الكلام ده تروح تقوله لأي حد إلا أنا يا ملك ضرغام. زمرد كانت عشيقتك قبل ما يكبر دورها وتبقى جاسوسة. فاكرني معرفش بلقاءاتكم في القصر الغربي؟"
بهتت ملامحه من الصدمة. فكملت وهي بتتأمل في ملامحه اللي شحبت:
"للأسف أنتَ اللي متعرفنيش يا ضرغام. كل اللي خلاني سكت إني اتخلصت منها لما دخلت في غيبوبة مجهول سببها. ولكن بعد عودتها دي ودخولها وسطنا صدقني لو حسيت بأي حاجة بتدور بينكوا تاني مش هتردد إني اقتلها واقتلك يا جلالة الملك!"
هتف بعصبية شديدة:
"أنتِ اتجننتي يا آريا! متنسيش نفسك، اللي قدامك ملك ازتلان!"
رفعت راسها بشموخ:
"واللي قدامك أميرة مملكة بريتيا قبل ما تكون ملكة مملكة ازتلان!"
نهت كلامها وخرجت من الجناح بعصبية. فوقف هو يبص لأثرها بذهول تام. مكانش متوقع إنها ذكية بالشكل ده لدرجة إنها تعرف اسرار كتيرة من الماضي والغريب إنها متكلمتش عنهم قبل كده إلا دلوقتي. واللي الأكيد تعرف حاجات تانية كتير.
***
لأول مرة تجتمع معاهم على سفرة واحدة من ساعة ما جت هنا. لوهلة حست بالدهشة. سفرة طويلة بشكل لا يُصدق. ولكن مش انواع الطعام اللي أثارت دهشتها ولكن الكؤوس والمعالق والاطباق اللي كانت مصنوعة من الذهب ومزينة بالأحجار الكريمة. المملكة دي بتدهشها كل مدى. كثرة استعمالهم للذهب والأحجار الكريمة كإنها شيء عادي مش ثمين بيذهلها!
كانت لوحدها على السفرة اللي بيترأسها الملك رسلان. اللي اتكلم وهو بياكل:
"كان عندي احساس جوايا إنك بريئة يا ضي القمر. أنا مدرك إنك مش عقيق، ولكن كفاية الشبه اللي بينكوا والدم اللي بتحمليه. عقيق طول ما كانت هنا عمرها ما صدر منها أي شيء سيء تجاهي، بالعكس كانت بتفضلني عن نفسها. كانت روحها بتروح لما تشوفني خارج لمعركة، وبمجرد ما ارجع ترتمي بين أحضاني وهي بتبكي من خوفها علي فقداني."
سكت الملك لما بدأت نبرته تتحشرج. بصتله ضي القمر بتأثر شديد. مكانتش متخيلة إن الحب اللي بينهم كان قوي بالشكل ده. كمل الملك كلامه:
"متتخيليش اختفائها مرة واحدة أثر عليا قد إيه. كنت زي اللي سلبوا منه وطنه. مكانش فاضل غير ساعات على زفافنا. دورت كتير عليها ولكن ملقتهاش. مبقتش عارف هي اتاخدت رهينة ولا هي اللي مشيت بإرادتها!"
افتكرت ضي القمر كلام الملكة زمرد في الوقت ده، فاتنحنحت بارتباك وقالت:
"مش يمكن حد خوفها؟"
رفع الملك أنظاره ليها بتعجب وقال:
"تقصدي إيه؟"
ارتبكت شوية وهي بتقول:
"أقصد حد هددها، حد كان بيتعمد إيذائها، حد مكانش حابب وجودها، فخافت مثلا وهربت؟"
ضيق الملك عيونه بشك وقال:
"أنتِ تعرفي حاجة يا ضي القمر؟!"
هزت راسها بدهشة مصطنعة وهي بتقول بتلعثم:
"أنا؟ لا خالص. أنا أصلًا معرفش أي حاجة!"
فضل الملك رسلان باصصلها شوية بشك، وسط توترها وعبثها في الطبق، لحد ما اتنهد الملك رسلان وقال:
"مش عارف ليه لأ! خاصة وإن العين كانت عليها بما إنها هتبقى زوجة الملك. ولكن كان ممكن تيجي تقولي، كنت هحميها، كنت هفديها بروحي! مش هنكر لما شوفتك يا ضي القمر وافتكرتك عقيق حسيت إن روحي اتسلبت وانفاسي اختنقت، مكنتش مصدق إني شايف عقيق قدام عيني، لحد ما عرفت إنك مش هي مش هنكر خابت آمالي. ولكن قدرت اتقبل الواقع زي ما اتأقلمت على غيابها."
كلام الملك رسلان حسته بيضربها في صميمها. كان كلام عاشق مجروح رغم الشيب اللي غزا شعره والتجاعيد اللي ملت وشه إلا إن قلبه لسة قلب شاب عاشق بيتألم من عذاب الحب. رفع عيونه ليها وقال:
"أنا مدرك إن بدر بيقع في حبك."
اتسعت عينيها بدهشة. فاتكلم قبل ما تقاطعه:
"صدقيني، أنا أقدر أميز كويس مشاعر اللي قدامي، وبدر مش أي حد ده ابني وفلذة كبدي! بدر ابتدت مشاعره تتحرك ناحيتك يا ضي القمر. وأنا كل رجائي ليكي إنك متكسريش قلبه وتختفي زي ما عملت عقيق. خليكي مع بدر واحتويه. أنتوا الاتنين مقدرين لبعض من البداية، لو الأمر عكس كده مكانتش النبوءة جابتك لحد هنا..."
كانت ضي القمر مشدوهة تمامًا. معقولة بدر ابتدى يحبها فعلًا؟ رغم إنه كان هيتسبب في إعدامها ولكنه في النهاية انقذها! ابتدت تفتكر اللحظات اللي جمعتهم من أول ما فتحت عيونها وشافته. نظرة عيونه، صوته المألوف ليها، أحلامها اللي بقاله سنين اللي بيشاركها فيها، قربهم من بعض وضحكهم ومواقفهم بخناقاتهم ونقاشاتهم. ماذا كان بدر وقع في حبها؟ فهي كمان وقعت صريعة في هواه!
اتلفتوا على صوته لما دخل وانحنى للملك وهو بيقول:
"بعتذر يا جلالة الملك عن التأخير ولكن شوفنا ظل في الجانب الشرقي من القصر وكنا بنتابع الموضوع."
اشار له الملك يجلس فقعد على الكرسي جمب ضي القمر ولكن من اتجاه الملك. فاتكلم الملك في الوقت ده:
"قدرت توصل لحاجة؟"
هز راسه وقال:
"للأسف لأ. استنتجنا إنه ممكن يكون حيوان اثار غريزة بجاسوس ولكن الوضع في المملكة ميطمنش فخدنا كل الاحتياطات."
أما ضي القمر كانت مفصولة تمامًا عن الواقع. بتراقبه بعيون لامعة وهو بيتناقش مع الملك رسلان. راسه المرفوعة بشموخ، خصلاته الفاتحة الطويلة، عيونه الحادة، ملامحه الوسيمة واسلوبه المنمق. هي فعلًا انبهرت بيه من أول يوم شافته. ولكن معقولة اتحول لحب من غير ما تاخد بالها!
حس هو بيها وبنظراتها، فاتلفت ليها ولوهلة اتجمد قصاد نظرة عيونها اللامعة اللي سحرته واللي كانت بتعكس مشاعرها زي المراية. مكانش واخد باله من إنها هي اللي جنبه رغم ريحتها المميزة اللي كانت بتداعب أنفه. اتبادلوا النظرات للحظة ولكن تداركت ضي القمر نفسها بسرعة ونقلت أنظارها على الطبق بارتباك بعد ما أدركت إنها تحت تأثير كلام الملك رسلان. لقته بيميل عليها وبيقول:
"أنتِ كويسة؟ حد ظهر قدامك؟"
هزت راسها بالرفض مع ابتسامة بسيطة وقالت:
"أنا كويسة."
ضم شفايفه بتفهم. وبعدين بدأ ياكل. ولكن اتصدمت لما لقته بيميل عليها مرة تانية وبيقول:
"بالمناسبة. مجتش فرصة اقولك إن فستانك جميل."
رفعت عيونها ليه بدهشة. بيتغزل فيها! لأول مرة نخرج منه كلمة مدح في حقها. كان هو برضه مستغرب من نفسه. لأول مرة يحس إن تصرفاته بتصدر منه بدون ارادة عنه. تنحنح باحراج وبعد وهو بيقول بتساؤل في حين بيتلفت حواليه بتعجب:
"الملكة زمرد فين؟"
"أنا هنا.."
اتلفتوا على صوت دخولها من وراهم. قعدت على الكرسي اللي بجانب الملك رسلان من الاتجاه التاني واللي مدلهاش أي اهتمام وكأنها مش موجودة. نقلت نظراتها على ضي وبدر وهي بتقول:
"اعذروني، حبيت أخرج اتجول في المملكة، حسيت إني مشتاقلها وحبيت اشوف التغيير اللي حصل فيها بعد السنين دي كلها."
ابتسم لها بدر بتأييد وقال:
"المهم تكوني انبسطتي يا أمير."
رفعت حواجبها وهي بترد:
"جدًا، فوق ما تتخيل. متعرفش هوا المملكة رد روحي ازاي!"
كانت ضي القمر بتبصلها بغيظ شديد. صعبان عليها بدر إنه يبقى مخدوع في أمه بالشكل ده. هو بيحاول يعوض السنين اللي مكانتش معاه فيهم ولكنه مش مدرك إنها كانت شيطانة بتستمتع بالأذى ودي حاجة مش هتقدر توضحهاله بسهولة. لقت المكان بيضيق عليها فاستأذنت إنها ترجع لغرفتها تحت أنظار الملك رسلان اللي خد باله من الوضع. وبعدها بدر اللي خرج يتفحص العمال اللي بيرمموا مخزن الأسلحة من جديد. استغل الملك رسلان عدم وجودهم واتكلم من غير ما يتلفت ليها:
"أنا بقول تبدئي تتأقلمي من دلوقتي على إن ضي القمر هي قدر بدر. أنا مدرك كويس نظراتك ناحيتها بس لإنها تشبه ضي القمر اللي بتكرهيها من صميمك. ولكن اعرفي إني هكونلك بالمرصاد ومش هسمحلك تأدي ألاعيبك هنا تاني!"
ابتسمت له بسخرية ورددت بنبرة مفهمش الملك مقصدها:
"مش يمكن النبوءة تتكسر المرادي كمان!"
بصلها الملك رسلان بتعجب. ولكن فضل ميدخلش معاها في نقاش حاليًا.
***
كانت نايمة على سريرها في جناحها وهي باصة للسقف بشرود. لحظات ولقت نفسها بتقوم وتتحرك قصاد المراية اللي في الجناح. وقف تتأمل نفسها وهي بتبتسم بخجل لما افتكرت مدح بدر ليها. اتأملت فستانها الضخم اللي كان باللون الوردي الداكن بأكمام طويلة جدًا بقماش شفاف وليه فتحة صدر صغيرة. لقت نفسها بتلف حوالين نفسها وهي بتضحك. مكانتش متخيلة إن كلمة بسيطة منه ممكن تحسسها بالحياة كده!
اتجهت لشرفة جناحها واللي كانت بتطل على الحديقة الخلفية من القصر. وقفت وهي ساندة على السور بتتفرج على الأراضي الواسعة اللي حواليها بهيام. مشاعر جديدة بتجربها لأول مرة. رغم علمها إن وجودها هنا أكبر خطأ ولكن مشاعرها بتتسلل داخلها غصب عنها.
لوهلة اتعدلت بسرعة لما شافته بيتحرك مع قائد الحرس وهو بيتكلم معاه وبعدين وقفوا قدام مرمى عينيها. وقفت تراقبهم بفضول، لحد ما لقته بيرفع عيونه اتجاهها وكإنه حس بوجودها فابتسمت هي رغمًا عنها. ولكنها اتعدلت على صوت خبط على باب جناحها وبعدها دخلت بنت من البنات اللي بتشتغل في القصر وهي بين إيديها صينية صغيرة عليها كاس بيحتوي على عصير طازج.
تقدمت منها وهي بتقول:
"اتفضلي يا سمو الأميرة."
عقدت حواجبها بتعجب وقالت:
"بس أنا مطلبتش حاجة!"
ابتسمت البنت بود وقالت:
"ده كاس عصير طازج يا سمو الأميرة أمروني اطلعه ليكي بعد الغداء."
مطت ضي القمر شفايفها بتفهم وبعدين خدته منها ورجعت سندت على السور تاني.
ووسط مراقبتها لبدر تاني ابتدت ترتشف من العصير بتلذذ. كانت محتاجة حاجة تعيد حيويتها فعلًا. وبعد ما وصلت لنص الكاس تقريبًا لوهلة حست بشعور غريب بيتسلل ليها. رجفة غريبة مع اختناق وألم بيتسلل لمعدتها لحد ما بقى عنيف لا يُحتمل. اتأوهت بقلم وهي بتحاول تتوازن. برقت بهلع لما بقى الألم بيفتك فيها ووقع الكاس منها اتدلق على الأرض. مسكت رقبتها وهي بتشهق وبتحاول تتنفس ولكن من غير فايدة كإن الهواء انعدم. بتختنق بل روحها بتتسلب. وفي النهاية وقعت على الأرض غايبة عن العالم تمامًا.
رواية عقيق إلدورادو الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة ممدوح
كان بدر واقف مع قائد الحرس بيتناقش معاه إزاي هيأمنوا حدود القصر بشكل مكثف خوفًا على الملك وأسرته.
من وقت للتاني كان بيرفع عينه لضي القمر اللي لمحها واقفة في شرفة جناحها.
رغمًا عنه مكانش قادر يشيح بنظره عنها.
كان حاسس بمشاعر عديدة جواه وهو شايف نظرة عينيها اللي ملاحقاه والاهتمام اللي هو شايفه منها.
كمل كلامه مع قائد الحرس اللي قال:
"ممكن نزود أكتر رماة السهام اللي على أسوار المملكة، ونزود عدد الحراس على الجبهة الشرقية والجنوبية، وممكن نزود المدافع على اسوار المملكة برضه كوسيلة دفاع."
هز بدر راسه ليه بتفهم وقال:
"كويس جدًا، وهنضطر نستخدم أسلحة مملكة ازتلان مؤقتًا لحد ما صناع الأسلحة ينتهوا و..."
سكن فجأة لما لمح التخبط اللي باين على ضي القمر من فوق.
كان باين عليها الاعياء وبتترنج وهي واقفة.
ضيق عيونه بتعجب فرفع قائد الحراس راسه مكان ما بيبص بدر وقال:
"سمو الأمير... الأميرة ضي القمر شكلها مش طبيعية."
ركز بدر في ملامحها لحد ما شاف الاختناق اللي ظاهر عليها وبعدين اختفت عن أنظارهم.
اتوسعت عيون بدر بصدمة وفي لحظات كان جري بهلع في اتجاه جناحها ووراه قائد الحرس.
صعد لجناحها وهو حاسس بقلبه هيتخلع من مكانه.
فتح باب الجناح بعنف ودخل لجوا، ولكنه وقف متجمد تمامًا مكانه لما شافها مرمية على الأرض فاقدة الوعي وملامحها شديدة الشحوب.
تمالك قائد الحرس صدمته وصرخ للعمال:
"هاتوا الطبيبة للجناح بسرعة!"
فاق بدر في الوقت ده وجري عليها، نزل على ركبته ورفع راسها بين إيديه وهو بيربت بخفة على خدها وبيقول:
"ضي القمر.. ضي القمر فوقي!"
باستخدام صوباعين حس نبض رقبتها اللي كان ضعيف بشكل غريب وكإنها بتودع الحياة.
حس هو بالهلع وقتها وابتدى يهزها وهو بيقول:
"ضي القمر قومي... قومي متستسلميش لأ!"
اتعدل وحملها بين إيديه فوقعت راسها على صدره، كانت غايبة عن الوعي تمامًا ومش مدركة لأي حاجة حواليها.
فضل باصص لملامحها شوية وهو حاسس بالرعب، الهلع بيتملك منه، مش فاهم إيه اللي حصلها.
اتجه بيها لجوا وحطها على فراشها وقعد جمبها يحاول يدلك إيديها وعينيه مثبتة على وشها الخالي من الحياة في انتظار أي حركة منها تخليه يتطمن.
دخلت الطبيبة في الوقت ده فانتفض يراقب اللي بتعمله بقلق.
رفعت الطبيبة عيونها ليه وهي بتقول:
"إيه اللي حصلها بالضبط؟"
رفع كتفه بحركة هسيترية وقال:
"مش عارف.. أنا مش فاهم. كانت كويسة، ظهر فجأة عليها الاعياء و...."
سكت فجأة لما حاد بنظره ناحية شرفة جناحها وثبتت نظرته على كوب العصير المرمي في أرضية الشرفة وتناثرت بقاياه.
فتمتم بصدمة:
"اتسممت!"
وجه نظره للطبيبة اللي كانت بتكمل فحصها:
"اتسممت. اتعرضت للتسمم!"
في الوقت ده طلعت الطبيبة ابرة وادتهالها، وابتدت تمزج أعشاب كتير قصاد عينه مع العديد من العناصر الطبية اللي بتستخدمها في العلاج.
أما بدر كان بيتحرك رايح جاي في الأوضة بعشوائية، مش متخيل إنها اتسممت جوا حيطان قصره!
اتحرك وفتح باب الجناح بعنف فانتفض الحرس وانحنوا بارتباك.
صرخ هو فيهم:
"تعرفولي مين المسئول عن محاولة تسميم الأميرة ضي القمر؟ صدقوني لو مجبتوليش الفاعل هيكون عقابكم عظيم. أما بقى لو قدرت اعرفه... فهو اللي حكم على نفسه بالموت بأبشع الطرق.."
تمتم نهاية جملته بنظرات مظلمة في حين بيجز على أسنانه بغيظ رهيب.
معقولة رئبال ليه دور في اللي حصلها لإنها كشفت ألاعيبه؟!
ولكن اللي كان بيكويه من جوا هو إنه مقدرش يحميها!
على بُعد كانت واقفة الملكة زمرد تراقب عصبية ابنها وهي مبتسمة باتساع.
هي مدركة كويس إن ضي القمر مش هتقدر تتحمل قوة السم اللي هي دستهولها في العصير بنفسها عشان تقدر تتخلص منها.
اتلفتت ورجعت لجناحها.
دخلت لجوا وهي بتدندن بسعادة.
زي ما اتخلصت من وجود عقيق نهائيًا قدرت تتخلص من ضي القمر.
فتحت أحد الادراج اللي بجانب فراشها وطلعت منه صندوق اسود عتيق، فتحته وبصت لمحتواه وهي بتقول بشر:
"متقلقش يا بدر، دورك اللي جاي..."
رجع تاني لجناحها، ففتحوله الحراس الباب.
لقى الطبيبة قاعدة جوار ضي القمر اللي كانت مازالت مش في وعيها، في حين محطوط على جبهتها قطعة من القماش المبللة بمياه باردة.
وقف بدر يبصلها بمشاعر متضاربة.
فوقفت الطبيبة بدورها وانحنت وبعدين قالت:
"الحقيقة نوع السم اللي شربته قوي جدًا فسببلها بحمى شديدة، حاليًا بحاول اهديها بالكمادات الباردة."
غمض عيونه يضغط على جفونه وهو حاسس بالقهر، وبعدين قال بنبرة جامدة:
"هتفوق امتى؟"
ردت الطبيبة بأسف:
"مقدرش احدد للأسف، حسب استجابة جسمها للعلاج."
"تقدري تخرجي."
قالها وهو بيتجه ناحية ضي القمر وقعد جمبها وهو بيتأمل في ملامحها.
انحنت الطبيبة باحترام وبعدين خرجت من الجناح.
أما بدر كانت متخبط بشدة، جواه صراع غريب.
لوهلة اتملكه ألم ورعب رهيب من فكرة خسارتها، مكانش متخيل إنها غالية عنده بالشكل ده وهو اللي كان بيتمنى يتخلص منها دلوقتي قبل بكرا؟!
ازاي هيقدر ينفذ وعده لوالدته وهو متحملش فكرة موتها وحس بالجنون!!
ولكن من جواه متأكد إنها بريئة، هي مش عقيق وملهاش علاقة بيها زي ما قالت، هو مصدقها.
حتى لو مبينش ده بس مصدقها ومش عايز حاليًا غير إنها تفتح عيونها الجميلة وتبصله بنفس النظرات اللامعة اللي بتسحره.
مد إيده وملس على ملامحها برقة كأنه بيحفرها جواه بيقاوم القهر اللي حاسس بيه تجاهها.
ورغم عنه لقى نفسه بيميل وبيطبع قبلة رقيقة على خدها.
بِعد شوية وقال بهمس جمب أذنها:
"قومي يا ضي القمر. مش قولتيلي إن مينفعش واحد فينا يظهر من غير التاني؟ بدر أهو موجود بس مستني ضيُّه! مفيش وجود لبدر من غير ضي القمر خاصته.."
بعد عنها وهو بيبصلها بعمق، ملامحها الشاحبة بتقتله، حيوية وشها اللي فقدته، مش متعود عليها صامتة بالشكل ده!
اتعدل وشال قطعة القماش من على جبهتها، وحطها في طبق الماية اللي جنبها، وابتدى هو يعملها كمادات.
فضل قاعد جمبها لوقت طويل لحد ما اتطمن إن حرارتها نزلت عن الأول بكتير، وقتها قدر يتطمن شوية، ومحسش بنفسه غير وهو غافي جمبها وهو ساند على قبضته على الفراش.
غفى وهو بيتأملها!
سمع الملك رسلان باللي حصل لخليلة ابنه.
اتملك منه الغضب بشدة بعد ما عرف بالطبع مين اللي هيكون الفاعل.
اتجه لجناحها وفتح الباب بعنف.
انتفضت الملكة زمرد من مجلسها وظهر عليها معالم الرعب، ولكن بمجرد ما شافت الغضب اللي ظاهر عليه رجعت قعدت تاني وهي بتعبث في اظافرها ببرود.
اتجه الملك رسلان ناحيتها وهتف بغضب:
"أنا مش قولتلك مفيش مجال لألاعيبك هنا! مصممة تعصي أوامري وتاخديني عدو ليكي!"
قامت وقفت وقربت منه وهي بتقول ببرود:
"أنا معملتش حاجة!"
حس هو بالجنون من الغضب اللي حاسس بيه فزعق بعصبية:
"الكلام ده تروحي تقوليه لابنك اللي شايفك ملاك ومش مدرك إن امه ما هي إلا إنسان متجسد في هيئة شيطان! البنت مأذتكيش في حاجة ليه مصممة تدمريها وتدمري ابنك معاها!"
مطت شفايفها بسخرية وقال:
"أولًا لو عندك دليل إن أنا اللي عملت كده طلعه. ثانيًا إيه دخل ابني بيها؟!"
ضحك بتريقة وقال بإهانة:
"طبعًا، ما لازم تبقي متعرفيش حاجة عن ابنك لإنك من ساعة ما فوقتي وأنتِ بتخططي لألاعيبك الشيطانية ومتعرفيش إن البنت اللي مرمية بين الحياة والموت ابنك عاشقها. عميتي عنيكي عن حالته والجنون اللي صابه لفكرة إنها ممكن تضيع من إيديه! مش مدركة حتى إن ابنك من خوفه عليها لسة قاعد في جناحها لحد دلوقتي وبيداويها بنفسه!"
اشتعلت جواها نيران مليانة حقد وغضب، فجزت على أسنانها وقالت:
"ابني شايفها مسئولة منه بس. أنا مش هسمح بحكاية عقيق تتكرر تاني. استحالة اخلي ابني يمشي ورا نبوءة سخيفة رابطاه بيها."
اتكلم الملك رسلان بنفاذ صبر:
"ابنك ماشي ورا قلبه مش ورا نبوءة زي ما بتقولي، رغم رفضه للنبوءة ونكرانه ليها إلا إن كان لقلبه رأي تاني، وطبعًا واحدة زيك مش هتفهم ده."
وبعدين كمل بتهديد:
"صدقيني يا زمرد، لو اتأكدت إنك ليكي دور في اللي حصل لضي القمر مش هتردد ارميكي في الزنزانة لحد ما تعفني."
قالها واتحرك عشان يمشي، ولكنه اتجمد مكانه لما قالت:
"أو تشربني سحر يدخلني في غيبوبة طويلة تاني؟"
فضل واقف مكانه مشدوه ومتحركش، أما هي فقربت منه ووقفت قدامه وعلى وشها ابتسامة مليانة سخرية وقالت:
"فكرك إني مش عارفة؟ غبي يا رسلان. أنا مدركة كويس إن مفيش حد غيرك ليه يد في اللي حصلي، أنتَ اللي دسيت السحر اللي صنعته في طعامي!"
بص لعيونها مباشرة وقالت باستهزاء:
"السحر اللي صنعتيه عشان تدسيهولي أنا!"
سكتت شوية وهي بترمقه بكره، فكملت هي بثقة:
"مش هتقدر تعملي حاجة يا رسلان. عارف ليه؟ عشان بدر مش عشاني.."
ابتسملها بتريقة وقال:
"متختبريش صبري يا زمرد. خافي من قوتي، وابنك اللي أنتِ ضامناه لصفك ده لو عرف حقيقتك مش هيتردد يقتلك بإيده.."
نهى كلامه وسابها وخرج من جناحها براس مرفوع بشموخ.
فضلت هي واقفة باصة لأثره بغضب رهيب، لحد ما زمجرت بحقد وخبطت الطاولة اللي كانت مرصوص عليها كؤوس وطبق فاكهة فاتناثرت محتوياته على الأرض وصوت صراخها الغاضب بيهز جدران جناحها.
اتحرك لجناح ضي القمر، فتحوله الحراس الباب وانحنوا تلقائيًا بمجرد ما شافوه.
ولكن أول ما دخل اتجمد تمامًا، كان ابنه غرقان في النوم جمبها فعلًا.
لوهلة اتبدلت نظراته للحنان، ابنه بيكرر نفس ماضيه، هو نفسه ما ادركش إنه عاشق لعقيق غير لما حس إنه هيخسرها، ابنه بيقاوح مع نفسه رغم معرفته بإن فيه مشاعر جديدة بتحيا جواه.
اتعدل بدر في الوقت ده بعد ما أدرك إنه غفى، اتلفت لما حس بخيال وراه، فاتعدل بسرعة بمجرد ما لقاه أبوه وقال:
"جلالة الملك؟!"
وقف فاتجه ناحيته وانحنى باحترام.
ابتسمله الملك رسلان بحنان أبوي وقال وهو بيشاور براسه ناحية ضي القمر:
"حالتها إيه دلوقتي؟"
وجه بدر نظره ليها ورد:
"حرارتها انخفضت، بس لسة مفيش مؤشرات على إنها هتفوق."
رفع إيده وربت على كتفه بدعم وهو بيقول:
"متقلقش، هتبقى كويسة."
بصله بدر بضعف، كانت عيونه مليانة عذاب، فاتكلم الملك رسلان وهو محافظ على نفس ابتسامته:
"أنا مدرك التخبط اللي أنتَ حاسس بيه، بس أنا راجل وقع في الحب قبل كده وجرب عذابه، وأقدر أميِّز كويس اللي بيعانى من مشاعره."
نكس بدر راسه ومقدرش يرد.
جذبه الملك معاه وخرجوا، فقابلوا قائد الحرس اللي انحنى وقال:
"جلالة الملك... سمو الأمير... لقينا العاملة اللي قدمت العصير لسمو الأميرة."
اتحرك بدر معاه بسرعة لأحد الزنزانات الداخلية في القصر.
دخل لجوا فشاف بنت قاعدة على الأرض وبتنحب بقوة.
اللي بمجرد ما شافته انتفضت واتكلمت بنواح:
"سمو الأمير... صدقني أنا مليش دعوة باللي حصل، أنا دخلت المطبخ وقالولي إن العصير ده مُجهز للأميرة ضي القمر، ارجوك يا سمو الأمير صدقني معملتش حاجة!"
اتكلم الأمير بدر بقوة:
"مين اللي قالك تطلعيه ليها؟"
ردت البنت بسرعة من بين دموعها:
"رحيق يا مولاي، رحيق العاملة في المطبخ."
تلفت بدر لقائد الحرس وقال:
"فين رحيق؟"
نكس قائد الحرس راسه وقال:
"مش موجودة يا سمو الأمير، اختفت تمامًا وحققنا مع كل العمال مش عارفين هي فين."
جز بدر على أسنانه بغيظ شديد وقال بأمر:
"تجيبولي رحيق دي من تحت الأرض بأي طريقة."
وجه نظره للبنت وقال:
"ولحد ما تظهر هتفضلي هنا في الزنزانة."
نهى كلامه وخرج من المكان وسط صراخ البنت وتوسلاتها ليه.
بعد مرور يومان تقريبًا...
انهى تدريبه المعتاد وطلع لجناحها عشان يتطمن عليها.
لحد دلوقتي مقدرش يوصل لحاجة تخص رحيق اللي اختفت تمامًا وكإنها مكانتش موجودة من الأصل، ده شيء كان محسسه بالعجز والضيق من نفسه، ده غير التشتت اللي هو فيه بسبب إنها مفاقتش لحد دلوقتي!
شاف الطبيبة خارجة من جناحها فاتجه ناحيتها بسرعة:
"طمنيني، وضعها إيه؟"
ابتسمتله وردت بعملية:
"حالتها بتتحسن يا سمو الأمير، ابتدى السم ينسحب من جسدها، الظاهر إن سمو الأميرة عندها قوة خاصة لدرجة إنها قدرت تتغلب على سم بالقوة دي."
لوهلة حس بإن روحه بترجعله تاني.
اتنهد بقوة وهو بيضغط على جفونه، فتحهم تاني وقال:
"هتفوق امتى؟"
ردت ببساطة:
"مسألة وقت مش أكتر، حسب ارادة أميرتنا!"
هزلها راسه بتفهم وشاور للحرس إنهم يكافئوها، وبعدين اتجه لجوا جناحها.
كانت الحيوية رجعت لملامحها شوية، ولكنها لازالت خافية عيونها المميزة عنه، ده غير صوتها اللي لوهلة اشتاقله!
اتحرك وقعد جمبها، وبعد وقت طويل قضاه بيتأملها فيه، رفع أنامله يملس على ملامحها برقة، وهو بيقول بصوت أجش:
"مش هتفوقي بقى يا ضي القمر؟ محتاج اشوف نظرة عينيكي لي. مش كفاية النوم ده كله؟! البدر غايب عنه ضيُّه بقاله يومين بحالهم!"
امتدت إيديه لخصلاتها شعرها بيملس عليهم وبيعبث بيهم بحنان.
وقت مش قليل عدى سرح هو فيهم تمامًا، لحد ما حس بحركة جمبه.
لوهلة افتكر إن متهيأله، ولكن صوت تأوهاتها خلاه ينتفض وهو بيهتف:
"ضي القمر!"
فتحت عيونها بصعوبة وهي بترمش كذه مرة، لحد ما وضحت ليها الرؤية وأول حاجة شافتها هي وجهه اللي كان متلهف للاطمئنان عليها.
بصوت ضعيف همست:
"بدر.."
بلهفة هتف:
"أنا هنا جمبك. قوليلي محتاجة إيه مني؟ حاسة بأيه؟ أخيرًا صحيتي يا ضي القمر!"
رفعت إيديها وحطتها على بطنها اللي بتتألم، ونطقت بصعوبة:
"ماية."
وكإنه كان مستني أمرها، اتلفت وصبلها في الكاس ماية، وبعدين ساندها تتعدل لحد ما بقت في حضنه تقريبًا وعاونها تشرب.
وبعدين ساعدها تحاول تقعد، اتكلمت ضي وهي بتتألم:
"إيه اللي حصلي؟ أنا مش فاكرة حاجة."
عبست ملامح بدر اللي رد وقال:
"حاولوا يسمموكي وبقالك يومين تقريبًا نايمة."
لوهلة حست بالصدمة، كان الأمر أكبر من استيعابها.
ابتدت الذكريات ترجعلها، بداية من محاكمتها اللي كانت هتنتهي بالاعدام لولا تدخل بدر، وبعدين محاولة الملكة زمرد لخنقها، وبعدها... تسميمها!
كل الأحداث دي كانت زيادة عليها، زيادة لدرجة مش قادرة تتحملها.
اتصدم بدر لما لقاها ابتدت تتنفض وهي بتبكي لحد ما اتحول بكائها لنحيب بإنهيار.
حس هو إنه متجمد تمامًا ونطق:
"ضي القمر!"
كانت بتشهق زي الأطفال، اتحول وشها لكتلة دموية، ودموعها كانت مغرقة وشها، ومن بين شهقاتها قالت:
"أنا عايـزة امشـي من هنامشيني من هنا بالله عليك، مش عايزة أرجع هنا تاني، أنا عايزة ارجع لبيـتي."
حس بدر بألم رهيب بيتملك منه، نبرتها المعذبة ونحيبها، فجذبها وضم راسها لصدره وطبع قبلة قوية على شعرها.
أما هي فضلت تكرر:
"عايـزة امشـي من هنـامش قادرة استحمل اللي بيحصليأنا عايزة السلسلةمشيني من هنــا.."
نهت جملتها وهي بتتشبث بملابسه بقوة ودفنت وشها في صدره وهي بتبكي بإنهيار.
كان بدر حاسس بتشتت كبير، مزيج بين الألم والضياع وتأنيب الضمير لإنه خبى عنها السلسلة للوقت ده كله.
بعدها عنها وهو محتوي وشها بين كفة إيديه الاتنين، مسح دموع عيونها بإبهامه وهو باصللها بحنان وقال:
"من يوم ما جيتي هنا وأنا حاسس إن فيكي حاجة مميزة، مبقتش قادر أقاوم نظرة عينيكي، ومبقتش عارف اطلعك من عقلي من وقتها، بفكر فيكي على طول من غير إرادتي. وقت ما لقيتك مرمية على الأرضحسيت إن قطعة من روحي بتضيع مني، مكنتش عايز غير إنك تكوني كويسة، كان الوضع بالنسبالي غريب لإني معيشتش المشاعر دي قبل كده."
كانت بصاله بدهشة من بين دموعها مش مستوعبة إن بدر اللي بيكرهها هو اللي بيقولها الكلام ده بنفسه ومن غير تردد.
أما هو فكمل بتخبط:
"تفتكري ده الحب؟"
نطقت بشفايف مرتعشة بذهول:
"حب؟!"
مال براسه للجنب، وابتسم ابتسامة خفيف وقال:
"الظاهر إنه الحبغريب الحب ده يا ضي القمر، خلاني احس باحاسيس جوايا مش قادر اترجمها ولا اوصفهالك."
مد إيده في جيبه وطلع سلسلتها رفعهت قصاد عينيها وقال:
"الحب غريب لدرجة إنه خلاني أناني وخفيت عنك السلسلة طول المدة دي كلها بإرادتي....."
رواية عقيق إلدورادو الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة ممدوح
تملكتها الصدمة وهي تنقل نظراتها بين السلسلة المتدلية من بين يديه وبين نظراته التي تفصح عن حبه لأول مرة، ولكنها أحست أن عقلها قد تشتت بين إحساسها بالغضب منه لأنه كان بإمكانه خلاصها طوال هذا الوقت، وبين مشاعره التي اعترف بها دون تردد.
في النهاية قالت بذهول:
"أنتَ... أنتَ كان معك السلسلة طوال الوقت هذا؟"
كان يتابعها بنظراته عندما انتفضت فجأة وهي تلف حول نفسها في الجناح بإعياء واضح، وتكمل:
"كنت تعرف أني أدور عليها طوال الوقت هذا وكنت تمثل أنك تدور معي؟!"
وقفت ودموعها تنزل بقهر، وكملت:
"كنت سأُحاكم وأُعدم بسببك، وتسممت بسبب أنانيتك، كان زماني مشيت من هنا قبل أن يحدث هذا كله!!"
وقف وتحرك ناحيتها وتكلم:
"لم أكن أريدكِ أن تمشي يا ضي القمر، لم أكن أريدكِ أن تذهبي دون رجعة كما تقولين، كنت أريدكِ بجانبي، أريد أن أراكِ أمامي دائمًا."
رفع يديه واحتوى كتفها، في حين كان ينظر إلى عينيها مباشرة:
"نعم، كنت أنكر مشاعري، لأني كنت أرى أني لكِ دور زيك زي عقيق في ما أمي وصلت له، ولكن الآن الوضع تغير يا ضي القمر."
"أنا لا أريدكِ أن تمشي. لأول مرة أمشي وراء نبوءة، أنا وأنتِ مقدران لبعض منذ زمان وأنا الذي كنت أنكر، ولكن كان لازم أعرف هذا عندما اكتشفت أنكِ أنتِ التي في أحلامي!"
اتسعت عيناها بدهشة وتمتمت:
"أحلامك!"
هز رأسه مع ابتسامة رقيقة:
"من سنتين وأنتِ لا تفارقين أحلامي، كان اسمك المميز فقط هو الذي لا يفارق لساني."
"حتى اليوم الذي جئتِ فيه المملكة، كنت أقول لكِ فيه..."
قاطعته وهي تقول بذهول، في حين كان يتردد في ذهنها أحلامها التي لم تكن تفارقها هي أيضًا:
"أخيرًا جئتِ، أنا مستنيكي من زمان..."
تجمد تمامًا وهو لم يستوعب كيف عرفت سر جملته، حتى ربط الأحداث. فاتسعت عيناه بذهول، فهزت هي رأسها مع ابتسامة رقيقة تؤكد ما في دماغه. تكلم هو بلهفة أول مرة تراها:
"قلت لكِ إننا مقدران لبعض."
"لا تمشي يا ضي القمر، أنا أريدكِ بجانبي، مكانك هنا!"
كانت متخبطة بشكل كبير، لن تستطيع أن تكمل حياتها هنا بهذا الشكل، هي هنا في خطر محقق، وللأسف لن تستطيع أن تثبت له سوء نوايا والدته لأنها ليست ندًا للألاعيب التي تدور هنا. لن تستطيع أن تترك عالمها وتفضل هنا. لو أكملت معه ستبقى مربوطة به!
مالت برأسها وعيناها امتلأت بدموع قلة الحيلة. رفعت كفها وبسطته بحنان على وجهه، في حين تقول:
"بدر، أنا أحبك."
"مش هننكر..."
امتلأت مشاعره بالسعادة، ففاجأته عندما ألقت نفسها فجأة بين أحضانه، مشددة ضمها بيديها حول خصره. أحس هو أن جسده تجمد من المفاجأة، ولكن لوهلة غمرته مشاعر لذيذة أول مرة يجربها على يديها. فلف يده حولها يجذبها إليه وكأنه يريد أن يخفيها بداخله، وهو يدفن وجهه بين تجويف رقبتها يستنشق عبيرها. ولكنه تجمد وانطفأت سعادته عندما قالت بشهقة متألمة:
"بس مش هينفع، مش هينفع صدقني."
حاول أن يبعدها عنه ليفهم كلامها، ولكنها كانت مثل الغريق الذي تعلق بقشة، زادت من تشبثها به وكملت ببكاء:
"أنا مكاني مش هنا يا بدر، مش هأقدر على الحياة هنا، المملكة دي مش مكاني والحياة دي كلها مش بتاعتي، صدقني مش هينفع!"
غمض عينيه يضغط على جفونه بألم وهو ناكس رأسه، في حين ذراعه متهدل بجانبه بعد ما كان يضمها. ابتعدت هي عنه في هذا الوقت، ورفعت عينيها إليه تتأمل الألم الذي على وجهه. هي أيضًا لم يقل عذابها عنه، ولكنها لن تستطيع أن تضحي بحياتها، لن تضحي بجدتها وعالمها الحقيقي. رفعت كفها وبسطته على خده، ففتح عينيه اللتين كانتا لامعتين بحزن عميق. فقالت هي بابتسامة متألمة:
"سامحني يا بدر، يمكن لو كنا في مكان آخر، صدقني عمري ما كنت هتردد أكمل حياتي معك، لكن الموضوع أكبر مني، مش بإيدي صدقني!"
امتدت أناملها وفتحت يديه التي فيها السلسلة وأخذتها منه وهي تكمل بصدق:
"أوعدك إني عمري ما هنسالك يا بدر، عشان أنتَ ما تتنسيش."
لم يقدر أن يتحمل كلامها أكثر من ذلك، بل ابتعد عنها وخرج من الجناح بسرعة تحت أنظارها الحزينة التي كانت تراقبها. نقلت عينيها هي إلى السلسلة التي بين يديها ورفعتها لتلبسها، فومض الرمز الذي على الحجر بقوة كأنه كان يبحث عنها، وبعدها انطفأ مرة أخرى. تحركت هي وقعدت على السرير وفضلت تنظر أمامها في الفراغ. رفعت يديها وبسطتها على صدرها الذي يصرخ من العذاب الذي هو فيه. وبعدها قامت وتحركت لتغير ثيابها، يجب أن تمشي من هنا قبل أن تتراجع. هل هي ضامنة نفسها؟ بتاتًا.
كانت تتأمل في جدران القصر وكل ركن فيه تودعه بنظراتها. اتجهت إلى جناح الملك رسلان بتردد، خبطت على الباب، ولما سمعت إذنه بالدخول، فتح لها الحراس الباب. دخلت فشافته قاعدًا على مكتبه في جناحه يكتب مراسيل بالحبر. أول ما رآها قام واقفًا واشرقت ملامحه وهو يقول:
"ضي القمر! أخيرًا فوقتِ. الحمد لله إنك بخير."
ابتسمت له بود، كانت ترى أن الملك رسلان، رغمًا عنه، عاطفته توجهه نحوها بسبب عقيق. وهذه حاجة كانت تدهشها أن رجلًا مثله حبه يكون صادقًا وقويًا بهذا الشكل. وقف أمامها فبدورها انحنت. نظر إليها بدهشة وقال:
"الظاهر إن تأثير السم خلاكي واحدة منا!"
ضحكت من كلامه، وبعدين فضلت تنظر إليه شوية حتى تكلمت:
"تعرف أن عقيق محظوظة جدًا لأنها وجدت واحدًا زيك يحبها بهذا الشكل؟ أنا متأكدة أنها لو كانت موجودة وعرفت أنك فعلت كل هذا لتجدها، لن تتردد في أن تفديك بروحها."
رغم كلامها الغريب إلا أنه ابتسم وقال:
"دون أي شيء، هي كانت مستعدة أن تضحي بروحها علشاني، وأنا متأكد أن سببًا كبيرًا هو الذي جعلها تختفي، ولكن كل ما أتمناه هو أن تكون بخير."
على ذكر السيرة، عبست ملامحها، ولكنها تكلمت رغم هذا:
"أكيد كانت بخير يا جلالة الملك، لكن أنتَ صح، سبب كبير هو الذي جعلها تهرب بلا رجعة، سبب الوحيد الذي أعرفه هو الملكة زمرد."
عقد حاجبيه بتعجب وقال:
"ما قصدك بكلامك هذا؟"
تحركت خطوة ناحيته، وقالت:
"الملكة زمرد وراها أسرار كبيرة جدًا يا جلالة الملك، ولكن ما أنا متأكدة منه هو أنها فعلت شيئًا كبيرًا جعل عقيق تهرب بلا رجعة. أرجوك يا جلالة الملك، أوعدني أن تأخذ بالك من نفسك ومن بدر، خليك حذر دائمًا منها."
كان يحس بالارتباك من كلامها الغريب، فقرب منها وهو يقول:
"ضي القمر، أنتِ تعرفين شيئًا ولا تريدين أن تقوليها؟"
هزت رأسها وهي تبتسم بحزن:
"للأسف مقدرتش أعرف، بس كل اللي أنا متأكدة منه هو أن عقيق لم تختفِ بإرادتها."
"أرجوك خليك حذر يا جلالة الملك، لا تثق في أحد أبدًا، خصوصًا لو كانت الملكة زمرد."
انتهت كلامها وانحنت بخفة وبعدين خرجت من الجناح. هي كده شبه انتهت دورها هنا وأدت واجبها. قدراتها المحدودة لن تجعلها تفعل أكثر من هذا. بسطت يديها على السلسلة تتأكد أنها في رقبتها، ونزلت لتحت لتخرج. ولكن رغم عنها وجدت نفسها تبحث عنه. سألت أحد الجنود فقال لها إنه في ساحة التدريب. اتجهت للمكان الذي جمعها به ذكريات لطيفة. بمجرد ما افتكرتها، وجدت نفسها تبتسم عندما جاء ببالها المعركة التي دارت بينهم. من كان يقول إن الشخص القاسي هذا هو نفسه الذي كان يعترف بحبه لها منذ قليل؟!!
وقفت من على بعد تراقب من وراء الحائط، مثل عادته يتبارز عاري الملابس. كان يبدو عليه الغضب وهو يقاتل الشاب الذي أمامه بكل قوة وكأنه يفرغ غضبه في القتال. وبالفعل لم يجد غير هذه الطريقة التي ستُهدئ النيران التي يشعر بها في صدره. وقفت تتفرج عليه وعلى وجهها ابتسامة حزينة وعيناها تومضان بعذاب. لو عليها، لفضلت هنا وأكملت باقي حياتها معه، ولكن واقعها يحتم عليها أن تمشي. لوهلة وجدت نفسها تعطي عقيق الحق في أنها هربت، رغم أن المقارنة بين حب عقيق وحبها فهي لا تأتي بشيء بجانب الحب الخالص للملك رسلان!
التفتت في هذا الوقت وقررت أن تمشي قبل أن يأخذ باله منها. ولكن بالعكس، كان قادرًا أن يلمحها من على بعد. رمى سيفه بسرعة واتجه وراءها وهو يلهث من المجهود بعد ما مال والتقط ملابسه من على الأرض ولبسهم بإهمال. ولكن وجد نفسه يراقبها ويتسلل وراءها. رآها تدخل المبنى الآخر من القصر، وبعدها تحركت كأنها حافظة خطواتها جيدًا. أحست هي بحركة حولها فاتلفتت لتبص بقلق، ولكنه كان قد اختبأ وراء جدار بسرعة. فهزت كتفها بلا مبالاة وكملت مشيًا وهو يتسلل وراءها. رآها تدخل للسرداب الذي أخذها منه قبل ذلك عندما حاول أن يهربها. راقبها فشافها تشعل مصباحًا وبعدين أمسكت فستانها وتحركت بروية لجوا السرداب. فضلت ماشية وهو وراءها حتى خرجت منه. وقفت تنظر للقصر بعيون لامعة للمرة الأخيرة. عمرها ما ستنسى غرابة ما عاشته هنا ولا الذكريات التي بنتها. كل شيء سيبقى في عقلها حتى تلفظ آخر أنفاسها.
تنهدت بضيق وبعدين بدأت تتحرك ناحية الغابة ووراءها بدر. كانت من حين لآخر تسمع صوتًا وراءها فتلتفت فجأة ولكنها لا تجد أحدًا فترجع لتكمل طريقها حتى وصلت للبحيرة. وقف بدر وراء شجرة من الأشجار وهو ينظر إليها بتعجب. لم يفهم ما سر وجودها هنا بالذات. رآها واقفة تنظر لصورتها المنعكسة على مياه البحيرة، كأن صراعًا يدور بداخلها. هي بالفعل كان صراعًا عنيفًا تملك منها، ولكن صوت العقل كان يخرس قلبها دائمًا. وضعت المصباح على الأرض وبعدين تمتمت:
"سأشتاق إليك يا بدر، سأشتاق إليك جدًا."
أخذت نفسًا عميقًا ورمت نفسها في البحيرة. طلع بدر من وراء الشجرة عندما رأى المشهد وصرخ بهلع:
"ضي القمـر!"
جرى بأقصى سرعته وملامح وجهه واضحة عليها الرعب والخوف. ودون تردد رمى نفسه في البحيرة وراءها. ولكن للأسف لم يجد لها أثرًا. اتسعت عيناه بدهشة من تحت الماء وبدأ يبحث عنها كالمجنون. لدرجة أنه هبط لعمق كبير ولكن لم يرها، لم ير لها أي أثر. أحس أنه على وشك الجنون، لم يفهم سر اختفائها. هو رآها وهي تنزل في الماء أمام عينيه، كيف اختفت بهذا الشكل.
سبح للسطح عندما أحس أن أنفاسه ستتقطع، وشهق بقوة وهو يدور حوله ويصرخ:
"ضي القمر، ضي القمر!"
خرجت منه زمجرة قوية محمولة بألم جبار:
"ضـي القمـر!"
شهقت بعنف وهي تلتقط أنفاسها الضائعة. نظرت حولها فلقت نفسها رجعت للبيت الذي لوهلة... اشتاقته! بالفعل اشتاقت لجدتها والبيت وللبلد! كيف كان ممكن أن تبعد عنهم! لوهلة أحست أنها سمعت صوت بدر الذي يصرخ باسمها وهي في الماء، ولكن فسرت هذا بأنه تهيؤات.
تعدلت ونظرت إلى الساعة، سرعان ما اتسعت عيناها بدهشة. كل الأيام التي قضتها هناك تلخصت في 4 ساعات ونصف هنا! بالفعل هي تذكر جيدًا التوقيت الذي دخلت تنام فيه والذي زاد عليه أربع ساعات ونصف فقط! ورغم هذا، الحياة هنا أسرع من هناك، والقرون التي تعدي هنا تكون سنوات معدودة هناك، بدليل أن عقيق هي جدتها الكبرى منذ قرون، وعلى العكس الملك رسلان ما زال موجودًا!
هناك نظام غريب بين العالمين لم تستطع أن تفهمه، ولكن كفى حتى الآن. انتهى دورها هناك.
قامت وهي تنفض الماء الذي يغرقها عنها. وقفت أمام مرآتها وهي تتأمل ملامحها. وبعدين امتدت يدها لتلمس السلسلة بحنان. ولكن بقلب مكلوم خلعتها عن رقبتها. وومض الرمز آخر نور له قبل أن ينطفئ لوقت غير معلوم. وضعت السلسلة في الصندوق وقفلته بالمفتاح العتيق، وبعدين وضعته في خزانتها كأنها توعد نفسها بأنها لن تكرر تجربتها مرة أخرى وستكتفي بعالمها.
التفتت إلى سريرها الغرقان تمامًا. ورغمًا عنها وجدت نفسها تضحك. لا تعرف ستجيب بأي مبررات أخرى لجدتها!
تحركت وتحاملت على نفسها، شالت المرتبة كعادتها وجرتها للبلكونة لتنشف. وبعدين خلعت فستانها العتيق والذي سيكون الذكرى الوحيدة الباقية لها من هناك.
غيرت ملابسها واتجهت إلى غرفة جدتها. فتحتها بحذر حتى لا توقظها، فلقتها ما زالت نائمة. غصب عنها وجدت نفسها واقفة تتفرج عليها، حاسة أنها اشتاقت إليها كثيرًا. وبعدين قربت منها ومالت، طبعت قبلة عميقة على جبهتها والتفتت لتخرج، ولكنها وقفت عندما سمعتها تقول:
"ضـي..."
نظرت إليها فلقتها فارغة يديها لها كدعوة لها لتنام في حضنها. ابتسمت ضي القمر بحنان واتجهت نحوها بسرعة واتمددت بجانبها ولفت ذراعها حول خصر جدتها. كانت تحتاج لحضنها فعلًا. كانت تحتاج لحضن يصبرها على الفراق. طبعت جدتها قبلة على شعرها وقالت:
"أنتِ كويسة يا ضي عيني؟"
تنهدت بعمق وهي تقول:
"كويسة يا تيتة، كويسة..."
هل هي فعلًا بخير؟ لسه لا تعرف، ولكن كل ما تعرفه هو أن ألم الفراق سيبقى ملازمها.
لم يقدر أن يأتيه النوم وقضى ليله يلف حول نفسه. لم يكن يستوعب ما شاهده. في لحظة قفزت في البحيرة ولم يعد لها أثر. كان يلف حول نفسه في جناحه بعشوائية وهو يتذكر عندما قال له الجنود إنها انتحرت في البحيرة، وبعدها وجدها راجعة للمملكة ببساطة شديدة، رغم أنهم قالوا إنهم فضلوا محوطين البحيرة لمدة ربع ساعة تقريبًا. لا يقدر أن يفهم ما علاقة البحيرة بها!
أحس جسده يشتعل، فقرر أن ينزل ليشم هواءً بالأسفل. لا يقدر أن يتخيل أنها قدرت أن تمشي فعلًا. الظاهر أن ضي القمر صادقة في كل كلامها فعلًا!
"حورية البحر اختارت العودة لأصلها!"
جاء صوت سلطان من ورائه، فالتفت هو بدوره عندما سمع كلامه الذي ترجمه بسرعة. ودون تردد قرب منه بملامح مشتعلة وقبض على تلابيبه وهو يزمجر بحدة:
"انطق وقل كل ما تعرفه. أنا أعرف أن كل شيء واصل لك يا سلطان، ما حقيقة ضي القمر؟ انطق!"
رفع يديه الاثنتين في علامة استسلام. أما الضفدعة التي كانت على عصايته فبدأت تصدر أصواتًا معترضة على إيذاء صاحبها. فتكلم سلطان بروية:
"اهدأ يا سمو الأمير، كل منا له أسرار. ولكن الشيء الوحيد الحقيقي المكشوف هو حبكم لبعض."
نفض بدر يده عنه بعصبية وهو يقول:
"حب إيه؟ ها؟ حب إيه وهي تركتني ومشيت! رغم معرفتها بمشاعري لها قررت أن تمشي. وأنا لا أفهم كيف مشيت، وإزاي اختفت في البحيرة، هي إيه بالظبط!"
رفع سلطان كتفيه وهو يرد ببساطة:
"كل واحد له طاقته يا مولاي، وطاقة ضي القمر نفذت. صدقني يا سمو الأمير، هناك أسرار كثيرة حولك، شرور أنفس تلاحقك رغم إظهار عكس هذا. خليك حذر يا سمو الأمير. ولو ضي القمر مقدرة لك، صدقني سترجع ثاني، ولكن خلي إيمانك بها صادق."
كلامه له كان يزيده اشتعالًا، فتكلم بحدة:
"يعني لن تتكلم أيضًا يا سلطان؟"
رفع كتفيه وهو يمض شفتيه ببراءة مصطنعة:
"أنا مجرد عجوز عفى عنه الزمن يا سمو الأمير، لا أكثر ولا أقل!"
أحس بدر بالتشتت تمامًا، وكأن الكون تحالف ضده. لم يحس بنفسه إلا وهو يجلس على الأرض في حين محتوى رأسه بين يديه. لوهلة أحس سلطان بالأسى عليه، فقعد بجانبه وهو يقول:
"سمو الأمير، صدقني هناك حقائق كثيرة غائبة عن عينيك، ولكن أنتَ الذي ترفض أن تبحث عنها بإرادتك. أسئلة بداخلك خائف أن تجد إجاباتها. لو قدرت أن تميز الصالح من الطالح، أشياء كثيرة ستتغير."
رفع عينيه إليه ينظر إليه بعجز رهيب، ولكنه التفت على صوت أحد الحراس الذي كان يركض نحوه ويقول:
"سمو الأمير... سمو الأمير!"
نظر إليه بدر ليقول، فالتقط الحارس أنفاسه الضائعة وبعدين فجر مفاجأته وقال:
"قدرنا نلاقي رحيق!"
انتفض بدر فجأة وبان عليه التلهف. حتى لو كانت مشيت وتركته، فهو لن يتردد في إنهاء حياة من تعمد أن يتسبب في أذاها! كان يتحرك مع الحراس للمكان المنشود، ولكن خافيين هويتهم بارتدائهم لأوشحة بنية تغطي أجسادهم كله. وصلوا لأحد البيوت البسيطة الموجودة في قرى بعيدة نسبيًا عن المملكة، على عكس الموطن الأصلي لرحيق، فأدرك أنها هربت بإرادتها. فشاور أحد الجنود لبدر أن هذا هو البيت. أعطاه بدر الإذن، فاقترب أحد الحراس الذي كانت هويته غير معروفة، ودق على الباب الخشبي العتيق. فتحت بنت في منتصف عمرها كان يبدو عليها البساطة. في حين كان بدر وباقي الحراس متخفيين حول البيت حتى لا تفزع عندما تراهم. نظرت إليه البنت بتعجب وقالت:
"نعم؟"
قال الحارس بفظاظة:
"أنتِ رحيق؟"
لوهلة أحست بالارتباك، فنقلت بنظرها وراءه لترى أحدًا معه أم لا. وبعدين قالت بقلق:
"أيوه نعم؟"
وفي لحظات كان هجم رجال بدر مشهرين سيوفهم عليها فصرخت هي بهلع وهي تتراجع لورا. دخل بدر البيت من وسط رجاله، وخلع عنه وشاحه، الذي بمجرد ما قدرت البنت أن تميز هويته اتسعت عيناها بهلع وقالت:
"أرجوك سامحني يا سمو الأمير. صدقني أنا ماليش علاقة بما حدث. أنا نفذت أوامر الملكة زمرد بس!"
تجمد بدر من الدهشة وقال:
"بتقولي إيه؟!"
نقلت البنت نظراتها بين جنوده برعب وهي تقول:
"الملكة زمرد هي اللي أمرتني أحط السم في مشروب الأميرة ضي القمر..."
رواية عقيق إلدورادو الفصل السابع عشر 17 - بقلم منة ممدوح
تحولت ملامح بدر للذهول، لم يكن قادرًا على تصديق أن والدته هي من دبرت ما حدث. سحب خنجره من جنبه ووجهه نحو رقبة رحيق التي برقت عيناها وصرخت بهلع. أما هو، فتبدلت نظراته للغضب وقال بين أسنانه بهسيس:
"إيه اللي يثبت كلامك ده؟"
بكت رحيق وهي ترتعش أمامه بخوف، وتقول بتلعثم:
"صدقني يا سمو الأمير، الملكة زمرد هي اللي قدمت لي السم بنفسها وأمرتني أحط الزجاجة كلها في مشروب الأميرة ضي القمر، ولما القصر اتقلب ساعدتني أهرب وجابتني للبيت ده. صدقني أنا مكنتش أقدر أرفض أوامر الملكة وإلا هتعاقب."
ظل بدر متجمدًا بعض الشيء يراقب تعابير وجهها المذعورة التي بدا عليها الصدق. فشال خنجره، وابتعد عنها وهو يقول:
"مكانش بإيدك ترفضي كلام الملكة زمرد، بس كان بإيدك تجيلي أو تروحي للملك رسلان وتحكيله على اللي طالباه منك."
نظر إلى الجنود الذين معه وقال لهم:
"خدوها للزنزانة الغربية من غير ما حد ياخد باله لحد ما نتأكد من صدق كلامها."
تحرك الحراس ناحيتها، فانهارت على الأرض وهي تبكي وتصرخ:
"عفوك يا سمو الأمير، أرجوك سامحني، أرجوك يا سمو الأمير."
ولكنه كان واقفًا، مدبرًا لها ظهره وهو يفكر. شعر أن صورة والدته اهتزت أمام عينيه. حتى لو فعلت ذلك بدافع الانتقام من عقيق، إلا أنها كسرت الصورة المثالية التي كان يراها فيها. كان يراها ملاكًا وقع ضحية لحياة صعبة بسبب حب الملك لعقيق، الذي لوهلة حس به. هو نفسه بمجرد أن شعر أن ضي القمر تأذت، اتجنن تمامًا. وكفاية العذاب الذي في داخله بسبب رحيلها!
أخذ الحراس رحيق وسط مقاومتها المستميتة ومضوا. أما بدر، فاتحرك مع الباقين للعودة إلى المملكة. ولكن بمجرد أن عادوا إلى القصر، أشار لهم بالعودة، وحرك اتجاهه نحو الغابة التي رأى عقيق تعبرها، ومنها إلى البحيرة حتى وقف أمامها. كان لديه أمل في أنها ستظهر فجأة، وتعود في كلامها وتعود للمملكة كما اعتاد منها. ولكن تبدلت ملامحه للحزن عندما لم يجد لها أثرًا، هذا غير الأسئلة التي لا إجابة لها عنده. ظل ينظر بعض الوقت لانعكاسه في الماء. معقولة هناك بوابة لا يعرفها أحد؟
وبدون تردد، رمى نفسه في الماء. ظل يبحث حوله على أمل أن يجد أي نفق أو مكان يمكن أن تعبر منه، حتى نزل إلى القاع تمامًا، ولكنه لم يستفد بأي شيء. مجرد بحيرة عادية لا يوجد بها أي شيء خارق للطبيعة. عاد ليخرج إلى السطح مرة أخرى وهو يلهث، ويعدل خصلات شعره الأشقر التي نزلت على وجهه. وبعد أن يأس من إيجاد تفسير منطقي، تحرك وعاد إلى القصر واكتافه متهدلة بخيبة أمل.
قرر أن يتجه إلى المكتبة التي في القصر، لعله يصل إلى أي شيء. حتى لم يفكر في تغيير ملابسه المبللة. وفي نفس الوقت، يشغل ذهنه عن ما فعلته الملكة زمرد. لم يكن قادرًا على لومها أو معاتبتها، وفي نفس الوقت لم يكن قادرًا على كتم الغضب الذي ينبع بداخله منها، لأنها كانت ستتسبب في إنهاء حياة المرأة الوحيدة التي أحبها.
دخل المكتبة التي كانت ضخمة جدًا بأرفف عملاقة مليئة بالكتب، ولكنها كانت خالية من أي شخص. ظل يتجول بداخلها وهو يتأمل عناوين الأرفف، حتى وقف أمام عنوان مكتوب عليه "الأساطير القديمة".
ظل يتنقل بأصابعه على عناوين الكتب التي أمامه، والتي كانت تنقل أساطير قديمة، حتى وقفت يده عند عنوان كان مكتوب عليه "القلادة المسحورة".
تذكر في ذلك الوقت سلسلة عقيق التي كانت ضي القمر تحملها. وبدون تردد، سحب الكتاب واتجه إلى إحدى الطاولات في المكان. جلس وفتح الكتاب الذي كان يحتوي على العديد من الصور للقلادة، وبدأ يقرأ بصوت مسموع:
"صُنعت قلادة من السحر المستخلص من الخير. كل من يحملها يتسم بصدق المشاعر والقلب الخيِّر. كانت قلادة الملك المذهب لزوجته الملكة كهرمان تحمل سحرًا لا مثيل له. ومنذ ذلك اليوم، تختار القلادة حاملتها بدقة. بعد الحروب العريقة التي أصابت المملكة، حاولت قوى الشرور في العالم امتلاك القلادة. فأسرع كبير السحرة بإلقاء القلادة في بحيرة باريمي التي تقع بالقرب من مملكة إل دواردو، واختفى بعدها بلا عودة. فصنع السحر المصنوعة منه القلادة قوة جبارة تسببت في إنشاء بوابة سحرية تنتقل بين العوالم. ومنذ ذلك الوقت، اختفت القلادة ولم تظهر. وقيل إن ظهرت القلادة في أحد الأيام، فقد استطاعت إيجاد الملكة المنشودة التي ستكون ملكة صالحة للبلاد."
عقد بدر حاجبيه بتعجب. معقولة كلام الأساطير يمكن أن يكون صحيحًا، وأن ضي القمر قادمة من عالم آخر؟ هز رأسه بالرفض وهو يضحك بسخرية على نفسه. هذه مجرد أساطير كانوا يحكونها للأطفال. كيف يمكن أن يصدق شيئًا كهذا! ولكن رغم ذلك، لم يكن يجد إجابة لأسئلته غير هذه، ولكنه لا يزال غير مقتنع بها.
***
"بدر... حبيبي!"
هتفت بها الملكة زمرد عندما رأته يمر من أمام جناحها. ظل واقفًا مكانه وهو يضم قبضة يده ويضغط على جفونه ليهدئ نفسه. التفت إليها، فقربت منه وهي تنظر إلى تعابير وجهه الغريبة.
رفعت كفها وملست على خده، ولكنه ابتعد عنها بنفور استغربته هي. فسألت بتعجب:
"مالك يا حبيبي؟ أنتَ كويس؟"
سكت بعض الوقت وهو يضم شفتيه، وبعدين في النهاية قال:
"أنا كويس."
قالها والتفت ليمشي، ولكنه تجمد مكانه عندما قالت:
"وصلت لرحيق مش كده؟"
التفت ليبصلها بدهشة. سرعان ما تبدلت نظراته للوم. ابتسمت هي بحنان مزيف، ثم أشارت له بيديها ليذهب إلى جناحها. فعرف أنها تريد أن تتحدث معه. تنهد بقلة حيلة، ثم اتجه وسبقها إلى الجناح. تبدلت ابتسامتها إلى أخرى خبيثة متسعة، ولحقته.
دخلت، فلقته جالسًا على الكرسي في جناحها يهز رجله بعصبية واضحة على ملامح وجهه. رفع وجهه إليها، ثم عاد لينظر أمامه مرة أخرى. لم يكن قادرًا على اتخاذ رد فعل تجاهها وهي تمثل نقطة ضعف له.
تحركت هي نحو طاولة تحتوي على زجاجة مشروب وكأسين. مثلت أنها تصب من الكأس وهي تقول:
"أنا مدركة أنتَ متضايق قد إيه مني دلوقتي يا حبيبي، وشايفني مؤذية."
استغلت أنه لا ينظر إليها، وأخرجت زجاجة صغيرة من بين أكمامها. فتحتها، فخرج منها غبار بسيط أسود اللون شكله مقلق، ودلقته في قلب كأسه. ثم لفت واتجهت نحوه وهي تمد يدها بالكأس إليه. بصلها بضيق، ثم قال:
"شكرًا، مش عايز."
رفعت يديه وخلته يمسك الكأس غصبًا عنه. فاتجهت هي وجلست على الكرسي الذي بجانبه وهي تقول:
"صدقني يا بدر، مكنتش عايزة تشيل ذنبها لما تنتقم منها علشاني. قولت أضحي أنا بس، تفضل أنتَ بدر ابني."
رفع عينيه إليها بعذاب وهو يقول:
"بس ضي القمر ملهاش ذنب يا أمي، كل ذنبها إنها شبه عقيق. حتى هي بإرادتها قررت تمشي من غير راجعة. وكانت مقررة ده من قبل ما تفكري تسمميها، بس أنا اللي كنت مخبي السلسلة عشان ما تمشيش."
سكت بعض الوقت يجمع كلامه، ثم قال بحزن:
"أنا حبيت ضي القمر يا أمي."
جزت على أسنانها، ولفت وجهها الناحية الأخرى تقاوم الغضب الذي ملأها. شعر بدر بالألم وجفاف حلقه، فبدأ يشرب من المشروب الذي في يديه.
التفتت إليه الملكة زمرد. سرعان ما اتسعت عيناها ولمعت بفرح. وابتدأت تبخ سمها وتقول:
"بدر حبيبي، مش عايزة مشاعرك تلغي عقلك. ضي القمر قدرت تخدعك ببرائتها المزيفة. ضي القمر تشبه عقيق، عقيق اللي دمرت حياتي. كنت أنا المقدرة للملك رسلان من البداية لولا هي ظهرت في حياته وخربت علاقتنا، وقدرت تخليه خاتم في أصابعها. خربت نظام المملكة وخربت حياتنا كلها. خلت الملك رسلان اتحول تمامًا وبقى شخص قاسي، حتى إنه رفضني وقرر يتجوزها هي. وبعد ما اختفت، مقلش إصرارها وكنت أنا مجرد شماعة يعلق عليها غضبه."
بدأ بدر يحس بتشوش في الرؤية. فقربت هي بدورها ورفعت الكأس لتجبره يشرب أكثر وهي تقول بخبث:
"اشرب يا حبيبي، اشرب."
قدرت أن تخليه ينهي الكأس كله، ومنها فقد بدر إدراكه للواقع تمامًا، وبات شخصية جامدة بلا روح. قربت هي منه وملست على خده وقالت:
"بدر حبيبي، أنتَ عارف أنا مين؟"
التفت وبصلها بعض الوقت، ثم ابتسم وقال:
"الملكة زمرد، أمي العزيزة الغالية. الوحيدة اللي كل قراراتها بتصب لمصلحة المملكة."
ابتسمت باتساع عندما رأت تأثير السحر يعمل بكفاءة، ولم يقدر الملك رسلان أن يحصنه لأنه كان ضامنًا عدم استيقاظها أبدًا. بدأت تبخ سمها في أذنه وهي تقول:
"بدر حبيبي، الملك رسلان قراراته الفترة دي بتدمر المملكة تمامًا. متصدقش أي حاجة بيقولها. أنا الوحيدة اللي لازم تصدقها يا حبيبي."
ابتسم لها بدر بحنان وقال:
"طبعًا يا أمي، مفيش غيرك عايز مصلحتي ومصلحة المملكة. وأي حاجة بتقوليها هتتنفذ."
بصلت له بترقب، ثم قالت:
"لسه بتحب ضي القمر؟"
ضحك بدر بقوة، ثم قال:
"مين ضي القمر اللي أحبها؟ شبيهة عقيق اللي بتتصنع البراءة؟!"
بصلها بقوة، ثم قال بملامح مظلمة وشر:
"تأكدي يا أمي إني بمجرد ما هشوفها، مش هتردد إني أملى سيفي بدمائها."
اتسعت ابتسامة زمرد لدرجة أنها نفسها تقوم ترقص وتهتف بنجاح مهمتها. ولكنها تمالكت نفسها، وربتت على يده بفخر. فبصلها بدر بابتسامة رقيقة.
***
أيام قضتها عازلة نفسها، ومطفية تمامًا. قليلة الكلام، الحيوية التي على وجهها لم تعد موجودة. لم تكن تتخيل أن الفراق بالنسبة لها سيكون صعبًا بالشكل هذا! لا يفارق بالها وأحلامها، التي يستنجد بها فيهم. كأنه مصمم يعذبها أكثر. كانت جالسة على الكنبة الصغيرة التي نقلتها في شرفة غرفتها، والتي أصبحت تقضي فيها معظم وقتها.
صوت دقات على باب غرفتها خلاها تعود من شرودها. كانت تعرف من صاحبته. دخلت جدتها وبين يديها صينية عليها طبق يحتوي على كيك، ومعهم كوب عصير طازج. قربت منها ووضعتهم على الطاولة التي أمامها، وطبعت قبلة على شعرها. فربتت ضي بدورها على كفها وهي تحاول أن تبتسم.
جلست جدتها بجانبها، فرجعت ضي القمر تنظر إلى الأراضي الزراعية أمامها. فاتكلمت جدتها بقلق:
"مالك يا ضي عيني؟ بقالك كام يوم حالك مش عاجبني!"
وكأنها داست على الفتيل، شعرت أنها ستنفجر. خانتها دمعة نزلت من عينيها فمسحتها بسرعة. مدت جدتها يدها ومسكت دقنها، وخلتها تبصلها غصبًا عنها. اتصدمت عندما رأت حالة عينيها التي تجاهد ألا تنزل دموعهم. فجذبتها لصدرها وهي تقول:
"يا نهار أبيض! مالك يا ضي عيني؟ إيه اللي فيكي يا حبيبتي؟!"
بكت ضي في ذلك الوقت بشدة. نزلت دموعها على وجهها وهي تتذكر شكله في أحلامها. كان مظهره يوجعها، حالة الضعف التي هو فيها، وهتافه باسمها إنها تلحقه. ولكن فسرت ذلك بأنه من اشتياقها له، وقاومت على قد ما تقدر أن ترتدي السلسلة وتعود للمملكة مرة أخرى. كانت جدتها تربت على ظهرها وهي حاسة بالقلق عليها. هي بالفعل شاحبة بقالها أيام ومش فاهمة إيه اللي بيحصلها. تداركت نفسها بسرعة، فابتعدت عن جدتها وهي تمسح دموعها بسرعة، وتقول:
"متقلقيش يا تيتة، ماما بس وحشاني. ووحشني بيتي ووحشني حياتي قبل ما أمشي."
تغيرت ملامح جدتها وتحولت للحزن، فجذبت رأسها وضمتها إليها وهي تقول بحنان:
"هي في مكان أحسن يا حبيبتي، وأنا معاكي أهو. هعملك كل اللي عايزاه، كفاية أشوفك كويسة يا ضي عيني!"
رفعت ضي كف جدتها وطبعت عليه قبلة عميقة، وهي تقول:
"ربنا يخليكي ليا يا تيتة."
***
"أنا مش قادر أفهم إزاي قدروا يسرقوا القافلة بتاعتنا من وسط الحراس!"
قالها الملك رسلان وهو يلف حول نفسه في جنون. يرى المملكة تنهار أمامه وهو لا يفهم ما الذي يحدث. كان الوزير وكبار المملكة والتجار وقائد الحرس جالسين حول طاولة الاجتماعات، وكمان بدر الذي كان ساكتًا تمامًا.
فاتكلم الوزير:
"فيه حاجة غريبة بتحصل بقالها أيام يا جلالة الملك. كل مواعيد القافلات معروفة بالنسبة لهم. ده غير التوريدات اللي بتوصلنا كلها مزيفة ومتجيبش قطعة ذهبية. ده غير الأسلحة اللي اتصنعت بالموارد اللي وصلتلنا طلعت رماد."
حس الملك رسلان بالقهر والغضب يتملكه. لم يكن قادرًا حتى على البقاء جالسًا يتكلم معهم. زعق بحدة:
"اللي بيحصل ده مش طبيعي أبدًا. الوضع ده جديد تمامًا. اقتصاد المملكة بينهار. الناس والتجار في حالة ثوران من اللي بيحصل. الوضع بقى لا يطاق! المملكة أول مرة تمر بأزمة زي دي من أيام صراعات ما بعد الملك المذهب!"
اتكلم قائد الحرس:
"الأكيد يا مولاي إن فيه جاسوس مدسوس بينا، والجاسوس ده قوته تكفي لأنه يكون عارف كل تفاصيل المملكة بالشكل ده!"
وقف الملك رسلان فجأة، ثم قرب من الطاولة وهو يقول:
"تقصد إيه؟"
فرد كبير التجار:
"يعني يا جلالة الملك، فيه شخص مقرب منك بيخونك وأنتَ متعرفش. والشخص ده ممكن كمان يكون من داخل القصر الملكي."
خبط الملك رسلان على الطاولة بحدة وهو يقول:
"مش ممكن، كل اللي موجودين في القصر هنا مستعدين يفدوا المملكة بأرواحهم. استحالة يبقى فيه خاين بينهم."
وجه كلامه لقائد الحرس:
"أنتَ مسئول من دلوقتي عن البحث عن الجاسوس اللي بينقل أخبارنا للممالك التانية واللصوص وقطاع الطرق. كثف البحث وعزز الجنود."
وقف قائد الحرس وأدى تحيته وخرج من المكان. وجه الملك كلامه لكبار التجار:
"لازم نعتمد الفترة دي على الاكتفاء الذاتي من موارد المملكة. مش هنستورد أي حاجة من برا طول الفترة دي. وقول للتجار وأصحاب الدكاكين ما يثقوش في أي حد من خارج المملكة."
وبعدين التفت للوزير وقال:
"ابعت رسول للممالك التانية عشان يساعدونا في إننا نوصل لـ اللصوص والمسئولين عن اللي بيحصل ده. وادعوا ملوكهم يزورونا في أقرب وقت عشان نتناقش في تبعيات اللي بيحصل."
خرج كل من كانوا في قاعة الاجتماعات لينفذوا كلام الملك رسلان، إلا بدر ظل جالسًا مكانه يراقبه بلا تعابير. وقف الملك رسلان بعد ما كان يتحرك بعشوائية، وتبدلت نظراته للتعجب من حالته وقال:
"مش شايف يعني إنك علقت على كل اللي بيحصل؟"
رد بدر ببرود:
"عشان كلامي مش هيعجبك."
اتجه الملك رسلان نحوه بخطوات بطيئة ووقف أمامه وهو يقول:
"وإيه بقى الكلام اللي مش هيعجبني؟"
وقف بدر وهو يبص له بجمود، ثم قال:
"سياساتك من الأول غلط. الظاهر إنك كبرت يا جلالة الملك، كفاية لإنك ما تكونش قادر تقود زمام المملكة."
حس الملك رسلان بالصدمة والغضب الرهيب من كلامه. فاشتعلت عيناه وصرخ بعصبية شديدة:
"أنتَ اتجننت يا سمو الأمير؟ مين أنتَ علشان تتطاول على ملك مملكة إل دورادو وتتهمه بالشكل ده؟!"
قرب منه بدر بشكل ملحوظ، ثم قال بابتسامة واسعة:
"ولي العهد، سواء شئت أم أبيت."
قالها وسابه وخرج ببرود رهيب، خلى الملك رسلان فضل واقفًا ينظر لأثره بصدمة شديدة. ابنه بقاله أيام مش على بعضه من وقت رحيل ضي القمر. حالته غريبة، يرمي كلامًا غير مفهوم، معزول تمامًا. ولكن الأحداث التي تحدث في المملكة لا تجعله مركزًا في أي شيء. حتى موضوع زمرد نسيه تمامًا.
خرج بدر من المكان، فلقى الملكة زمرد تنتظره. غير خطواته نحوها، فوقفت أمامه وقالت:
"مش قولتلك، الملك رسلان مبقاش الملك العظيم بتاع زمان. المملكة بتنهار بسببه. لازم ناخد منه الحكم في أقرب وقت."
هز بدر رأسه بتفهم وقال:
"صحيح، حكم المملكة مبقاش مناسبه."
نظر إليها، ثم قال:
"أنتِ الوحيدة اللي تقدري تديري زمام المملكة."
رفعت يدها وربتت على كتفه بتشجيع، ثم أخذته واتجهت لأحد الأماكن التي كانت معزولة بعيدة قليلًا في القصر الملكي. وقفوا وسط الأشجار، وتحرك بدر نحو حجر كبير. تحمل على نفسه وبدأ يحركه من مكانه، فظهر من تحته بوابة غريبة. فتحها ونزلوا لتحت، فكانت عبارة عن سجن قديم جدًا من أيام الملك المذهب، والذي لم يكونوا يستخدمونه. كان عبارة عن 3 زنزانات بعيدة عن بعض. واحدة منهم كان فيها رحيق.
وقفت الملكة زمرد أمامها وهي تتفرج عليها. كان يبدو عليها أنها ضعيفة وهزيلة عكس آخر مرة. رفعت عينيها إليهم بضعف، وهي تتوسل بنظراتها. أما الملكة زمرد، فحركت رأسها لبدر، ففتح الزنزانة واتجه نحو رحيق. وبدون تردد، رفع خنجره وطعنها به في قلبها حتى لفظت آخر أنفاسها.
تعدل وهو يمسح خنجره بملابس رحيق، ثم أعاده إلى جنبه مرة أخرى. لم يكن ظاهرًا عليه أي تأثر، وكأنه أصبح معدوم المشاعر. لم يهتز وهو يقتلها أبدًا. قربت منه ودخلت الزنزانة وهي ترفع فستانها بحذر، ثم ربتت على كتفه وهي تقول بتشجيع:
"كان لازم ننهي حياتها قبل ما يوصلها الملك رسلان. مش عايزين نسيب أي أثر ورانا."
لم يرد بدر وسابها وطلع على فوق وخرج من السجن. أما هي، فاتسعت ابتسامتها وهي تنظر للملقاة أمامها بشماتة. ثم خرجت من الزنزانة واتجهت إلى الزنزانة الأخيرة. بصت لمن كان جالسًا أمامها بتشفي وهي تقول:
"عاجباك الخدمة هنا يا سلطان؟"
ابتسم من دون أن يرفع عينه إليها، ثم قال:
"هتفضلي زي ما أنتِ يا جلالة الملكة، فاكرة إنك ملكتي الكون بخططك، ولكن في النهاية هتقعي صريعة أعمالك. صدقيني بدر أقوى من سحرك. مسيره يرجع لعقله ويعرف إنك أنتِ الوحيدة اللي لازم تترمي في الزنزانة دي. مسيره يكتشف كل ألاعيبك من أيام عقيق لحد دلوقتي."
ضحكت الملكة زمرد بصخب من تهديده المبطن، ثم قالت:
"مسكين يا سلطان."
قالتها ومشيت باتجاه الخروج، ولكن سمعته يهتف بصوت عالٍ:
"الظلم ظلمات يا جلالة الملكة."
"والشر الكامن في النفوس اللي بيقويها مسيره ينهيها."
"شئتِ أم أبيتِ..."
رواية عقيق إلدورادو الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منة ممدوح
فتحت عينيها ولقت نفسها في الغابة اللي بعد القصر الملكي، بصّت حواليها بتعجب، مكانتش فاهمة إزاي جت هنا.
كان الجو ضلمة والهواء عنيف بيحرك أفرع الاشجار وكإنه هيخلعها من شدته، اتحركت بتوتر والخوف بيتسلل جواها.
كان الهوا من شدته بيخليها تتراجع خطوات غصب عنها، فتحاول تقاومه وترجع تمشيهم تاني، لحد ما خرجت من اتجاه الغابة.
سرعان ما شهقت بخضة واتوسعت عيونها من الدهشة لما شافت القصر الملكي قدامها عبارة عن رُكام وبقايا قصر، مُتهدم كله تمامًا ومفيش أثر لأي حياة عليه.
بعض الأماكن منه بيصدر عنها دخان رمادي كإن كان فيه حريق عنيف هنا.
اتقدمت ببطئ ودقات قلبها بتزداد اضطراب، مش متخيلة المشهد اللي قدامها ومش فاهمة إيه اللي حصل هنا.
وقفت على بداية الرُكام تتلفتت حواليها بتدور على أي حد عايش ولكن كانت كل حاجة متدمرة تمامًا.
لقت نفسها بتصرخ مرة واحدة:
"بــدر!"
"ضي القمر!"
اتلفتت على صوته اللي كان وراها، كان واقف من على بُعد، وشه مُصاب بالجروح، شعره مشعث، هدومه متقطعة، وكإنه كان في معركة دامية طلع خسران منها.
اتحركت ناحيته وهي بتقول:
"بـدر؟!"
شافته وهو بيقع على الأرض وبينزل على ركبته بإنهيار من الألم والدماء اللي بتخرج من كل حتة في جسمه.
جريت عليه وهي بتصرخ باسمه برعب، نزلت على ركبتها واحتوت وشه بين إيديها وهي بتقول:
"بـدر... بدر حبيبي إيه حصلك؟ بدر رد عليا!"
رفع عيونه ليها بضعف، مد إيده اللي مليانة دماء وحطها على خدها وهو بيجاهد عشان يقول بضعف:
"انقذيني يا ضي القمر... ارجوكي متسيبني... مفيش غيرك هينقذني."
بكت بإنهيار وهي بتحاول ترفعه ولكن مقدرتش من تقل جسمه:
"بدر قوم معايا بالله عليك، متستسلمش... بالله عليك قوم."
ابتسم لها بضعف وقال:
"ضي القمر... أنتِ قدري... وخلاصـي..."
فتحت عيونها وهي بتشهق بفزع، اتعدلت على السرير وهي مثبتة إيديها على صدرها اللي تنفسه كان عنيف.
اتلفتت حواليها فلقت نفسها ما زالت في اوضتها وده كان مجرد كابوس من ضمن الكوابيس اللي بتتعرضلها بقالها مدة.
عدلت من خصلات شعرها وهي بتحاول تتمالك نفسها.
بدر بقاله أيام مش مفارق منامها وكل حلم أبشع من اللي قبله، فسّرت ده قبل كده إنه من الفراق ولكن لوهلة الأمر مكانش طبيعي، كإنه بيستنجد بيها بالفعل!
بدر بقاله أكتر من سنتين بييجي في أحلامها وهي كمان كانت مُقدّرة في أحلامه وكإن فيه عامل مشترك بينهم، إذًا فـ الاحلام دي مش مجرد صدفة.
بدر فيه حاجة فعلًا... بدر محتاجها!
قامت بسرعة واتجهت لدولابها، طلعت فستانها اللي جت بيه من المملكة، لبسته وبعدين طلعت الصندوق القديم، شالت منه السلسلة وفضلت بصالها شوية بتردد، مش عارفة اللي هتقدم عليه ده صح ولا لأ.
جواها احساسين عكس بعض، واحد بيقول إن دي مجرد احلام بسبب فراقها ليه، واحساس بيقول إن فيه حاجة غلط بتحصل في المملكة فعلًا.
حسمت قرارها بإنها تروح تتطمن من بعيد عليه، وبعدها تختفي تمامًا بلا رجعة.
بالفعل خدت نفس عميق وبعدها لبست السلسلة ببطئ، وللدهشة ومض الرمز اللي على الحجر بقوة غريبة، قوة مدهشة أول مرة تشهدها لدرجة إنها غمضت عينيها ورفعت إيديها قدام وشها من شدة الضوء اللي خرج منه.
وبعدين خفت الضوء التاني، بصت للسلسلة بدهشة، اتحول ضوء الحجر الأبيض لعلامات نارية بتمشي على جميع اتجاهات رمز المملكة.
أدركت ضي القمر في الوقت ده إنه فيه حاجة غلط فعلًا، المملكة بيصيبها ضرر بالفعل.
حست بارتباك شديد وخوف رهيب بيتملكها على بدر خاصة وإن مظهره في كابوسها في بالها، مش قادرة تتخيل إن ممكن يكون صابه مكروه وهي روحها فيه.
اتجاهت لسريرها اتمددت عليه وغمضت عينيها ببطئ.
سرعان ما حست بانتقالها، ففتحت عيونها اللي اتوسعت بدهشة شديدة لما لقت نفسها نايمة المرة دي جنب البحيرة!
بصت حواليها باستغراب، من وقت ما جت هنا وهي بتلاقي نفسها في الأراضي الواسعة اللي حوالين المملكة، ولكن أول مرة تلاقي نفسها عند بحيرة باريمي!
ازداد جواها إحساس بالرعب، فقامت واتحركت بسرعة اتجاه القصر الملكي.
لوهلة حست باطمئنان لما لقت القصر موجود على حاله ومحصلش فيه زي الحلم.
اتجاهت لباب السرداب فتحته ودخلت للقصر منه، عقدت حواجبها بتعجب لما شافت عدد الحراس اللي زايد عن العادة، وكمان الهدوء المريب اللي جوا القصر.
فضلت تتنقل بين الممرات بتدور عليه بعينها، لحد ما شافت حارس بيمر من جنبها وقال:
"سمو الأمير في ساحة التدريب."
لمعت عينيها بفرحة، مسكت فستانها ولملمته وجريت باتجاه ساحة التدريب.
بطأت من خطواتها لما شافته واقف مديها ضهره وماسك سيفه وباصص على الفراغ قدامه.
اتبادلت نظراتها للحنين، قد إيه كان واحشها ومفتقداه!
قد إيه الفراق كان عامل زي النار اللي بتكوي في قلبها!
أدركت في الكام يوم اللي بعدت عنه فيهم إنها بالفعل اتعلقت بيه ومشاعرها اتملكت منها من غير ما تحس!
اتحركت بخطى بطيئة ناحيته وكل ما بتقرب منه بتضطرب دقات قلبها من تخيلها لرد فعله لما يشوفها بعد ما قررت تمشي بنفسها.
وقفت وراه وبعدين همست:
"بـدر..."
عقدت حواجبها بتعجب لما شافت اعصابه بتشتد وجسده بيتحفز ولكنه متلفتش ليها، فسرت ده بإنه متضايق منها بسبب قرارها إنها تتخلى عن حبهم.
فعبثت بصوابع إيديها بارتباك ونكست راسها وهي بتقول:
"أنا عارفة إنك زعلان مني وفاكر إني اتخليت عن حبنا... ولكن صدقني يا بدر أنا عمري ما هتخلى عن حبك أبدًا... بس البُعد كان هو أنسب قرار لينا... أنتَ مش هتقدر تفهمني لإن الموضوع غريب ومش منطقي... بس صدقني لو عليا مش هكمل حياتي غير معاك."
سكتت شوية على أمل إنه يتكلم أو يقول حاجة ولكن قابلت ده بالصمت.
حست إن فيه حاجة غلط في الوقت ده، فرفعت ايديها اللي بترتعش بإرتباك وحطتها على كتفه وهي بتقول:
"أنتَ كويس؟ بـد......."
سرعان ما صرخت بفزع وهي بتنتفض لورا لما لف ليها فجأة وهو بيوجه سيفه لرقبتها.
بصتله بهلع ولكن اتصدمت تمامًا لما شافت نظرة عيونه، كانت غريبة، فاقدة للحياة، مفيهاش مشاعر، وكإنه إنسان آلي مبيحسش، مكانتش نظرة بدر اللي اتعودتها منه، حتى لما كان بيكرهها كانت برضه بتحب تبص لعيونه وبتجذبه.
ولكن دلوقتي.. فيه حاجة غلط فيها، كانت نظرة حسستها بالرهبة!
كانت حاسة إن اللي قدامها شخص تاني غير اللي متعودة عليه لكن مش قادرة تفهم!
ابتسم ابتسامة كانت مليانة شر، وقال من بين اسنانه:
"أخيرًا جيتيلي برجلك! أنا مستني اللحظة دي بقالي كتير يا ضي القمر."
بلعت ريقها بخوف وهي بتقول برعب:
"بـدر أنتَ بتعمل إيه.. بدر أنا ضي القمر!"
قربت السيف أكتر منها، وهو بيقول:
"عارف كويس إنك ضي القمر... ضي القمر اللي بتحمل دماء عقيق الملعونة... ودلوقتي هنهي الحكاية دي من جذورها زي ما انتهت زمان."
رفع سيفه عشان يضربها بيه، فصرخت ضي القمر بهلع وجريت من قدامه لحد ما بعدت عنه وهي بتتنفس بسرعة.
ابتسم بدر باتساع لما ضرب سيفه الهوا، أما هي وقفت تبصله بدهشة، مش مستوعبة إن ده بدر حبيبها اللي كان بيتوسلها تفضل جمبه.
أما هو فقال:
"جميل.. هنلعب لعبة الفار المذعور... أنتِ الفار... وأنا جلاده!"
نهى كلامه وهو بيجري ناحيتها، فلمت فستانها وجريت هربًا منه وهي بتصرخ من الهلع:
"بدر بالله عليك ارجع لوعيك... متعملش حاجة تندم عليها.. الحقـونـي!"
كان بيركض وراها باقصى سرعة، ملامحه مكانش باين عليها التهريج تمامًا، بل كانت مدركة إن بدر مش في حالته الطبيعية، كان كل ما بيقرب منها بيرفع سيفه علشان يضربها بيه، ولكنها كانت بتنتفض وهي بتصرخ برعب وبتبعد عنه وهي بتترجاه وبتبكي بإنهيار.
مش فارق معاها موتها ولكن كل اللي فارق معاها مين هيموتها!
مش عايزاه يعمل حاجة يندم عليها بعد كده بعد ما يرجع لوعيه.
صرخت بألم لما جرحها بسيفه في كتفها فاتكعبلت في حجر ووقعت على الأرض وهي بتتأوه وبتبكي من الألم والرعب في نفس الوقت.
رفعت كفها عن مكان الجرح واتصدمت لما لقته بينزف بغزارة.
بصتله بصدمة وهو بيتقدم ناحيتها، مكانتش مصدقة إنها هانت عليه وقدر يجرحها بالشكل ده!
وحبه ليها!!
وقف قدامها وهو بيبتسم بإنتشاء لما شاف الدم اللي نازل من كتفها، وقال:
"ودلوقتي لازم ننهي اللعبة."
رفع سيفه عشان يضربها بيه فصرخت وهي بتبكي بإنهيار:
"بدر بالله عليك متعملش فيا كده... أنا ضي القمر يا بدر، ضي القمر حبيبتك، البنت الوحيدة اللي قلبك دق باسمها، أنا ضي القمر قدرك اللي مكتوبالك، شريكة أحلامك بقالي أكتر من سنتين، أنا ضي القمر، البنت اللي جربت مشاعر الحب على إيدك أنتَ... أنا حبيبتك يا بدر... أنا اللي موجودة في قلبك... أنا اللي جزء من روحك... هتقدر تئذي روحك يا بدر... هـون عليك؟!"
"بدر أنا بحبك... متخليش دي تبقى صورتك الأخيرة اللي في ذاكرتي... أرجوك!"
قالت جملتها الأخيرة بأنفاس متهدلة وكإنها يئست أو فقدت الأمل.
كان باصص لعيونها وبيتمعن في كلامها، وكإن كهربا سرت لأوصاله.
نظرة عينيها كإنها بتجلده.
شافت هي عينيه اللي بتعمل مزيج بين الوميض اللي اتعودت عليه وبين الجمود اللي هو فيه.
وفجأة لقته رمى السيف من إيده، وركع على ركبته على الأرض وهو ماسك راسه بين إيديه.
انتفضت بخضة لما لقته بيصرخ بعنف، زمجرة متألمة خرجت منه صابتها في مقتل.
أدركت هي أن بدر مش في حالته الطبيعية وإن فيه صراع جواه بين نفسه وبين حالته الحالية.
فاستغلت هي وقت ضعفه ده وقامت جريت بسرعة من المكان.
صوت زمجرته بيعلى أكتر، صراخه بيضربها في صميمها، كانت حاسة بالعجز وحاسة بالألم اللي هو فيه.
أدركت في الوقت ده إن الحلم مكانش صدفة فعلًا، بدر محتاجها تنقذه، وكإنه عارف أن هي الوحيدة اللي هتقدر تفهم اللي حصله دونًا عن أي حد.
اتجمدت مكانها لما شافت الملكة زمرد واقفة بصالها بابتسامة واسعة، بتنقل نظرها بين ملامح وشها والجرح اللي بينزف في كتفها وكإنها كانت فاهمة اللي دار.
لمعت عيون ضي القمر بحقد واتجهت ناحيتها وهي بتقول بزمجرة شرسة:
"أنا متأكدة إن أنتِ اللي ورا حالة بدر... عملتي فيه إيه؟!"
رفعت راسها بكبرياء وبنفس الابتسامة قالت:
"من غير ما اعمل، بدر اختار الصف اللي هيقف فيه، وأنتِ من النهاردة عدوته... كويس إنك جيتي بنفسك يا ضي القمر عشان أشهد موتك على إيدك حبيبك!"
بكت ضي القمر بإنهيار وتوسلتها وهي بتقول:
"ارجوكي قوليلي عملتي فيه إيه، حرام عليكي ده ابنك... ليه عملتي فيه كده؟! أنتِ إيه؟! إزاي بالشر ده... إزاي هان عليكي تئذيه بالشكل ده!"
مدت الملكة زمرد إيديها، وفاجئتها لما ضغطت على جرح ضي القمر بقسوة، فصرخت وهي بتتألم، أما الملكة زمرد فقالت:
"هي دي نهاية امثالك، الموت يا ضي القمر، بدر هيفضل كده شئتي أو لأ، هي دي الشخصية اللي تليق على ابن الملكة زمرد."
دفعتها ضي القمر بدراعها السليمة وصرخت بتهديد:
"صدقيني أنا اللي هنهيكي يا زمرد، هنهيكي وأخلص الكل من شرك وأولهم ابنك المسكين اللي كل ذنبه إنه كان مصدق إن امه ملاك... خسارة فيكي إن يبقى عندك ابن زيه... صدقيني هعرف اطلعه من حالته الغريبة دي، ووقتها محدش هيخلصك من إيدي."
سابتها وجريت لجوا فوقفت الملكة زمرد تبصلها بغيظ شديد، وبعدها صرخت:
"يا حـراس!"
جريوا الحراس ناحيتها وهما منحنيين، فقالت بجمود:
"اقبضوا على ضي القمر وارموها في الزنزانة، مش عايزة يوصلها ماية أو أكل طول ما أنا عايشة!"
بصوا لبعض بقلق، فصرخت زمرد بحدة:
"نفــذوا الأوامــر!!"
أدوا تحيتهم العسكرية بسرعة وجريوا في الاتجاه اللي مشيت فيه.
كانت في طريقها عشان تدور على الكاهن سلطان، بالتأكيد هو الوحيد اللي عارف إيه اللي حصل لبدر وازاي تخرجه من وضعه، ولكنها وقفت لما حست بصوت خطوات وراها وصراخ بيقول:
"دوروا عليها في الاتجاه ده!"
برقت برعب ولمت فستانها وهي بتجري بهلع عشان تستخبى، زمرد شرها بيزيد، لازم توقفها، لازم الملك رسلان يعرف بكل اللي بيحصل.
وهي بتجري لقت نفسها بتصطدم بجسد صلب، اتأوهت بألم وهي بتتراجع لورا، سرعان ما سمعت صوت قائد الحرس وهو بيقول بقلق:
"أنتِ كويسة يا سمو الأميرة؟"
سرعان ما ثبت نظراته على مكان جرحها وقال بصدمة:
"أنتِ مجروحة!"
اتشبثت في هدومه وهي بتقول بتوسل:
"قائد الحرس... أرجوك ساعدني... أنا عارفة إنك مخلص لبدر والملك رسلان... بدر مش في حالته الطبيعية يا قائد الحرس أرجوك ساعدني ننقذه!"
عقد حواجبه بتعجب، ولكن قبل ما يستوعب كان الحراس شافوها وجريوا ناحيتها عشان يقبضوا عليها.
فانتفضت بهلع ووقفت وراه تتمسك بهدومه بقوة وهي بتصرخ:
"أرجوك متخليهمش يقبضوا عليا، لازم ننقذ بدر من شر الملكة زمرد بالله عليك."
نقل نظره ليها وهو بيقول:
"أنتِ تقصدي إيه؟!"
ولكن وقفوا الحرس قدام قائدهم في الوقت ده ووجهوا كلامهم لضي القمر:
"سمو الأميرة، مطلوب القبض عليكي... ياريت تستسلمي من غير مقاومة، دي أوامر الأمير بدر والملكة زمرد."
اتشبثت أكتر بقائد الحرس وهي بتترجاه:
"صدقني يا قائد الحرس، صدقني فيه حاجة غلط، أرجوك متسمعش كلامهم، المملكة وبدر في خطر!"
فضل باصصلها بتفكير شوية، وبعدين قال:
"أنا آسف يا سمو الأميرة، دي أوامر ملكية، وأنا اللي هنفذ الأمر بنفسي."
تـهدلت أكتافها بخيبة أمل، وتمتمت برجاء:
"قائد الحرس!"
وجه نظره للحراس وقال بأمر:
"تقدروا ترجعوا لأماكنكم، وأنا بنفسي هاخد الأميرة للزنزانة."
اتحرك الحراس بالفعل، فهو قائدهم وكلمته لا تُرد.
طلع قائد الحرس سيفه ووجهه ناحية ضي القمر وهو بيقول بجمود:
"اتفضلي من غير مقاومة يا سمو الأميرة."
مالت براسها ليه برجاء وعيون مليانة دموع، ولكن في النهاية اتحركت معاه وهي حاسة بعجز رهيب وفي نفس الوقت حاسة بخدل في جسمها من جرحها اللي نزف بشدة.
اتلفت قائد الحرس حواليه فشاف إن المكان خالي من أي حراس، وقف ودخل سيفه في جنبه تاني، فاتلفتت ليه ضي القمر تبصله بتشوش وتعجب في نفس الوقت.
اتكلم قائد الحرس في الوقت ده بصوت واطي:
"فهميني إيه اللي بيحصل، سمو الأمير بدر بالفعل مش في حالته الطبيعية بقاله أيام، شرس وغريب، مصاحب الملكة زمرد في كل خطواتها وثائر على الملك وقراراته."
لمعت عيون ضي القمر بفرحة شديدة لما أدركت إن اللي حصل ده كان مجرد خطة من قائد الحرس عشان يبعدوا عن اعين حراس الملكة زمرد لدرجة إنها دمعت من الفرحة، واتكلمت:
"أنا متأكدة إن بدر فيه حاجة... كإنه مش مدرك لتصرفاته وتحت تأثير حاجة مسيطرة عليه، أنا مش فاهمة ايه اللي ممكن يتسبب في ده ولكن المملكة هنا أكيد فيها أمور غير منطقية أكبر من إني افهمها... بدر متغير، وكإنه إنسان آلي أو جسد بلا روح، صدقني أنا أكتر واحدة قادرة أميز بدر، يمكن الكلام بالنسبالك غريب ولكن الاتصال الروحي اللي بينا أكبر مما تتخيل بكتير... بدر بيستنجد بيا في أحلامي بقاله أيام وده السبب اللي خلاني أرجع من غير تردد، وكمان هو اللي...."
سكتت وهي بتضم شفايفها بألم، فبصلها قائد الحرس بتفهم وقال:
"هو اللي طعنك بالشكل ده."
هزت راسها بالإيجاب من غير ما تتكلم.
فضل قائد الحرس يفكر شوية وبعدين قال:
"وإيه علاقة الملكة زمرد بكل ده؟!"
اتبدلت نظراتها للكره والحقد وقالت من بين أسنانها:
"أنا متأكدة إن ليها يد في اللي حصل لبدر، الملكة زمرد عبارة عن شيطان ماشي على الأرض صدقني، ليها ماضي محدش يعرف عنه حاجة ولكن الأكيد ميقلش بشاعة عن اللي بيحصل دلوقتي."
كان قائد الحرس حاسس بالارتباك، هو معاشر بدر من وهو لسة طفل صغير لدرجة إنه حافظه، بالفعل كلام ضي القمر صحيح ومنطقي.
رفع عيونه ليها اللي مكانش باين فيهم أي مشاعر بحكم مهنته وقال:
"كان بـ يُقال إن الملكة زمرد في الماضي ليها خبرة في السحر لدرجة إنها صنعت سحر لنفسها وهو اللي خلاها نايمة لحد وقتنا ده، ولكن معرفش الكلام ده موثوق ولا لأ."
اتوسعت عيون ضي القمر بدهشة ورددت:
"معقولة!! بدر مسحور؟!"
هز قائد الحرس كتفه بمعنى إن مفيش تفسير غير ده.
حست ضي القمر إنها على وشك الانهيار بسبب اللي بيتعرضله الراجل الوحيد اللي حبته، ولكن ده الوقت اللي لازم تكون فيه قوية.
بدر روحه اختارتها هي من بين كل الموجودين عشان يستنجد بيها، هو مدرك إنها هي الوحيدة اللي هتقدر تنقذه ولازم تبقى قد ثقته دي، لازم ترجع حبيبها تاني.
رفعت راسها بقوة غريبة اتملكت منها رغم الوهن اللي بدأت تحس بيه بسبب النزيف اللي مش مبطل حتى بضغطها عليه وقالت:
"لازم نروح للكاهن سلطان، هو الوحيد اللي هيكون عنده تفسير لكل اللي بيحصل ده، ولو بدر مسحور فعلًا فهو اللي هيعرف نفك السحر ده ازاى."
رد قائد الحرس بعجز:
"الكاهن سلطان... مختفي بقاله أيام بالفعل ومحدش عارف مكانه."
دبت برجليها على الأرض بضيق رهيب، كل ما بتحاول توصل لخيط بيتعقد منها.
فاتكلمت تاني بإصرار:
"يبقى لازم نطلب مساعدة الملك، لازم نفهمه كل اللي بيحصل."
أيدها قائد الحرس في رأيها وقال:
"بالفعل لازم يوصل خبر للملك، ولكن هو دلوقتي في زيارة لأحد الممالك عشان يشوفوا حل لاقتصاد المملكة اللي بينهار، بس متقلقيش زمانه في طريقه للمملكة."
هزت ضي القمر راسها بتفهم ولكنها بدأت تحس بدوار بيلفح راسها لدرجة إنها اترنجت، فسندها قائد الحرس بسرعة وقال بقلق:
"سمو الأميرة، لازم آخدك للطبيبة تداوي جرحك... أنتِ نزفتي كتير."
حاولت تتمالك نفسها عشان تتحرك معاه، ولكن لقت الدوار بيزيد، ومعاه غيمة سوداء اجتاحتها، فسقطت غايبة عن الوعي، وقبل ما تلمس الأرض كان لحقها قائد الحرس وشالها بخفة بين أيديه وهو متجه بيها لجناح الطبيبة في حين بيراقب المكان خوفًا إن حد من طرف زمرد يشوفهم.
رواية عقيق إلدورادو الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة ممدوح
أظن خطتنا ماشية زي ما أنتَ عايز يا ملك ضرغام!
قالتها زمرد وهي بتتقدم ناحيته بخطوات بطيئة متمهلة.
كان واقف مكانه بيتأملها وعلى وشه ابتسامة واسعة لحد ما وقفت قدامه، فقال هو:
كنت متأكد من قدراتك يا زمرد، حتى بعد ما فضلتي أعوام طويلة نايمة، مقدروش ينهوا قوتك.
كان عاجبها الاطراء اللي بيرضي غرورها، فرفعت أنفها بكبرياء وقالت:
ولكن أنا مش عايزة أي غدر يا ملك ضرغام، بمجرد ما الشعب يثور ويطالب بعزل الملك رسلان، المملكة هتبقى تحت حكمي أنا.
فرد بابتسامة واسعة:
متقلقيش، الملك ضرغام مبيرجعش في وعد قدمه، خاصةً لو الوعد ده كان ليكي يا زمرد.
اتسعت ابتسامتها وهي شايفة نظرات الاعجاب اللي كانت ظاهرة على وشه.
لوهلة زادت ثقتها بنفسها.
في يوم من الأيام كانت هي عشيقته ولكن في السر، وكانت بينهم ذكريات كتير.
لاحظت إنه اتقدم خطوة منها وهو ما زال مشبك إيديه الاتنين ورا ضهره، وجاب بعيونه على ملامحها وهو بيقول:
لسة زي ما أنتِ يا زمرد، مفقدتيش رونقك.
لسة ليكي طلة، ولسة ملامحك محببة حتى لو كبرتي.
تست راسها وهي بتضحك وبعدين رفعت عيونها ليه وهي بتقول:
الزمن كفيل يطفي أي حاجة يا ضرغام، فيه حاجات كتير اتغيرت بس أنتَ مش واخد بالك منها.
ولكنه فاجئها لما رفعت إيده وداعب خصلات شعرها تحت أنظارها المتعجبة وقال:
بالعكس، أنتِ الوحيدة اللي نظرتي ليكي عمرها ما اتغيرت.
نزل بإيده على وشها وثبته غلى خدها تحت أنظارها، وبعدين قال:
صدقيني يا زمرد، كان فيه فراغ كبير في حياتي طول الفترة اللي مكنتيش موجودة فيها، وكإني شيخت واتضاعف عمر فوق عمري، وبمجرد ما شوفتك واقفة قدامي حسيت إني رجعت شباب من تاني.
وقبل ما تتكلم أو ترد عليه، انتفضوا هما الاتنين لما اتفتح باب غرفة الاجتماعات ودخلت منه الملكة آريا اللي لمحت جزء من اللي كان بيدور بينهم.
فاشتعلت عينيها بغضب رهيب لما شافت الارتباك اللي ظهر على الملك ضرغام وانتفاضه عند دخولها.
أما الملكة زمرد فابتسمتلها بسخرية وهي بتبصلها من فوق لتحت باستفزاز.
فاتقدمت ناحيتهم وهي بتقول من بين أسنانها وبترمقهم بنظرات مشتعلة:
شكلي قاطعت حاجة مهمة.
حاول الملك ضرغام ميبنيش ارتباكه، وقال بتوتر:
لا أبدًا، كنا بنتناقش انا والملكة زمرد في اللي بيحصل في المملكة.
هزت راسها واتبدلت نظراتها للاستهزاء وقالت:
طبعًا طبعًا، وأنتَ إيه هيدور بينك وبين الملكة زمرد غير عن أمور المملكة.
يا جلالة الملك ضرغام.
كان أسلوبها مليان استهزاء واضح جدًا، فكملت:
عامةً الوزير مستنيك برا.
قالتها ولفت وخرجت وهي بتقفل الباب بعنف وراها.
وجهت الملكة زمرد أنظارها ليه لما شافت الارتباك اللي ظاهر عليه، واتكلمت بقوة:
شايفاك اتراجعت عن كلامك أول ما ظهرت آريا يا جلالة الملك.
حرك شفايفه عشان يتكلم ولكنها...
رفعت كفها في وشه وهي بتقول:
اسمعني كويس يا ضرغام، أنا مبقتش زمرد العشيقة السرية بتاعتك، ومش هقبل إني أكون حاجة في السر تاني، أنا دلوقتي ملكة، وهبقى حاكمة مملكة إل دورادو، مش هقبل غير إني أكون في النور!
حس في الوقت ده إنه هيخسرها.
فقرب منها بسرعة واحتوى كتفها الاتنين بذراعينه وهو بيقول:
صدقيني يا زمرد عمري ما هقبل ليكي بأقل من إنك تكوني ملكة، بمجرد ما الخطة تتم مش هتردد إني اتخلص من الملكة آريا بأي طريقة كانت.
أنا اكتفيت منها ومن كبرها ومن كلامها عن إنها كانت أميرة لمملكة قبل ما تكون زوجتي!
لفت زمرد وشها الناحية التانية، فمد إيده ومسك دقنها وأجبرها تبصله وقال:
صدقيني يا زمرد، وعد مني هتبقي أنتِ المرأة الوحيدة اللي في حياتي.
وعد.
لانت نظراتها في الوقت ده واتحولت لابتسامة واسعة، فابتسم الملك ضرغام بدوره.
وعلى بُعد كانت الملكة آريا واقفة على الجهة التانية من الباب ومايلة بتسمع اللي بيدور بينهم.
اتوسعت عينيها بصدمة، مش متخيلة إن الملك ضرغام بالحقارة دي وإنه قرر يتخلص من زوجته وأم أولاده عشان واحدة لعوب!
اتعدلت واتبدلت نظراتها للحقد وتمتمت:
صدقني يا ضرغام، هنهيك قبل ما تعملها، عشان تبقى تختار الساحرة كويس.
***
تلملمت على صوت حد بيتكلم من حواليها، ولكن مكانتش قادرة تفتح عينيها.
كانت مازالت حاسة بخدل في جميع أنحاء جسدها، ولكن لقت نفسها بتهمس بضعف:
بـ...بـدر....
حتى وهي بين الوعي واللا وعي كان هو الوحيد اللي في بالها.
كانت كل أمانيها إنه يكون بخير واللي حصل ده كله كوابيس من كوابيسها.
اتحرك الملك رسلان تجاهها لما سمع همسها باسم ابنه بعد ما كان واقف هو وقائد الحرس بيتكلموا مع الطبيبة.
وبعدين وقف جنبها وطبطب على كتفها السليم وهو بيقول:
متقلقيش يا ضي القمر، صدقيني هعاقبه على اللي عمله فيكي.
فتحت عيونها وحاولت تتعدل ولكن اتأوهت بألم من جرح كتفها المتخيط جديد.
وجهت نظرها للملك رسلان وقالت بضعف:
ملك رسلان.
أنتَ رجعت!
اتشبثت بدراعه وقالت بتوسل:
ملك رسلان، بدر في خطر لازم ننقذه!
بصلها بقوة وقال:
لازم ننقذه فعلًا بس من نفسه!
عشان بتهاون كتير معاه زاد في تمرده، ولكن مش أنا اللي يتلوي دراعي، حتى لو هو من صُلبي عندي استعداد احطه في الزنزانة بنفسي!
خلص كلامه واتحرك عشان يمشي ولكن ضي القمر مسكته عشان تمنعه.
اتلفتلها بتعجب فاتحاملت هي على نفسها وقامت وقفت وهي بتقول:
صدقني يا جلالة الملك، كل تصرفات بدر دي مش بإرادته، بدر مسحور!
اتوسعت عينه بدهشة وتمتم:
مسحور!
هزت راسها بعيون اتملت بالدموع:
صدقني، بدر النهاردة مكانش هيتردد يقتلني، لكن لما حاولت أفكره أنا مين فضل يصرخ كإنه بيتألم، كإنه في صراع بين نفسه وبين حاجة متحكمة فيه.
صدقني يا جلالة الملك بدر اللي بيعمله ده مش عشان يتمرد، ولكن هو مش مدرك، بدر بيحبني وأنا متأكدة، استحالة كان يفكر يئذيني!
اللي موجود دلوقتي ده مش بدر!
لوهلة مكانش مقتنع بكلامها وشايف إنها بتهذي أو من تأثير مشاعرها ليه، ولكن اتكلم قائد الحرس في الوقت ده وقال:
اعذرني على التدخل يا جلالة الملك، ولكن سمو الأمير بالفعل مش في حالته الطبيعية بقاله أيام، وعشانك يا مولاي منشغل في أمور المملكة مش واخد بالك.
كان حاسس بالدهشة من اللي بيتقاله، معقولة بدر بالفعل مش في حالته الطبيعية!
فسأل بتعجب:
ومين اللي يتجرأ ويعمل فيه كده!
الملكة زمرد.
قالتها ضي القمر بدون تردد وهي بتنقل نظرها بين قائد الحرس والملك رسلان اللي عقد حواجبه بصدمة، فكملت هي:
جلالة الملك، أنا متأكدة إنها هي اللي عملت فيه كده، صدقني، هي جواها شر خالص.
هي بنفسها اعترفتلي إنها كانت بتعذب عقيق لحد ما هربت ولكن مقالتش سبب هروبها الصريح!
لوهلة اترنج الملك رسلان من قسوة الحقايق اللي بتتضرب في وشه، مكانش مصدق إن هي اللي اتسببت في إن عقيق تمشي من هنا، بقاله سنين بيدور عليها، وسنين بيسأل نفسه ليه سابته؟!ليه اتخلت عن حبهم؟!
لدرجة إنه شكك في حبها ليه ولكن كان بينفي ده لما يفتكر اللي كانت بتعمله علشانه.
كانت حاسة ضي القمر بالحزن عليه، فكملت:
مكنتش عايزة اقولك أنا بنفسي يا جلالة الملك، عشان كده طلبت منك إن أنتَ اللي تدور بنفسك، ولكن عقيق كانت ضحية الملكة زمرد، كانت قاصدة تبعدها عشان تبقى هي الملكة، أنا معرفش ايه نوع الأذى اللي اتعرضتله عقيق على إيديها بس متأكدة إنه أكتر من اللي نتخيله بكتير.
اتحرك الملك رسلان وقعد على طرف السرير بضعف، مكانش متخيل إن حبيبته كانت بتعاني كتير وهو مكانش واخد باله.
هو مدرك من زمان شر زمرد وطمعها في الحكم وإنها حاولت تقتله كذه مرة وانتهت بالسحر اللي صنعته ليه عشان تخليه في غيبوبة وتمسك هي حكم المملكة بما إن ابنها لسة رضيع.
ولكن كان متوقع إنه قادر يلوي دراعها لما هددها بإنه هيكشفها قدام ابنه.
ولكن متوقعش إنها تستغل ابنه وتئذيه بالشكل ده!
إذا كانت عملت كده فعلًامعقولة تكون هي الجاسوسة اللي بتسرب معلومات المملكة لاعدائهم وقطاع الطرق!
وجه نظره لقائد الحرس اللي كان متابعه بتحفز، وقال:
روح لبدر وقوله إني عاوزه، لازم أشوف بنفسي تأثير السحر وأعرف وصل لأي مدى.
وكمان روح لوكر سلطان وهاته، هو الوحيد اللي هيقدر يبطل تأثير السحر ويحصنه!
اتكلمت ضي القمر في الوقت ده:
سلطان مختفي يا جلالة الملك، محدش عارفله أثر بقاله أيام.
هنا ابتسم الملك بسخرية وقال:
طبعًا.
عقدت ضي القمر حواجبها بتعجب وقالت:
يعني إيه؟
بصلها وقال بجمود:
زمرد عارفة إن سلطان هو الوحيد اللي بيقدر يبطل مفعول أي سحر هي بتعمله، أكيد هي اللي ورا اختفاؤه.
دلوقتي بس ابتديت اصدق اللي بتقولوه.
قام واقف وعدل من وشاحه وقال:
لازم ندور على سلطان بنفسنا.
وجه نظره لقائد الحرس وقال:
جمعلي عدد الحراس اللي تتأكد إنهم مش تحت تأثير زمرد، لإنها أكيد استخدمت سحرها ضدهم عشان يطاوعوها.
أدى قائد الحرس تحيته العسكرية وبعدين خرج عشان ينفذ اللي قاله، أما الملك رسلان فشاور لضي القمر تتبعه اللي اتحاملت على نفسها وقامت وراه.
***
كان الملك قاعد على عرشه في حين ضي القمر واقفة جنبه بارتباك وهي مثبتة عيونها على مكان الباب اللي هيدخل منه بدر.
دق الباب فاضطربت دقات قلبها من الرهبة، هي مش قادرة تتخيله في صورة الشخص اللي كان هيقتلها من ساعات.
دخلت بدر وهو بيقول بفظاظة:
طلبتني يا جلالة الملك.
ولكن بمجرد ما عينه وقعت على ضي القمر اللي واقفة جمبه اشتعلت عيونه بحقد شديد.
فقرب بخطوات سريعة منهم وحرك إيده حطها على موضع السيف، انكمشت ضي القمر على نفسها من الخوف.
ولكن وقف بدر مكانه لما قام الملك رسلان وشاورله بإيده بحدة وقال:
عندك يا سمو الأمير!
ثبت إيده على السيف وهو بيتنفس بعنف وعيونه مشتعلة وقال بزمجرة:
مولاي!
اتحرك الملك رسلان ونزل من على عرشه وبعدين وقف قدامه وهو بيبص لعيونه مباشرة، وبعدين قال:
مين سمحلك تتطاول على ضي القمر؟!
مش عشان هي خليلتك يبقى ليك الحق تئذيها براحتك!
جز بدر على أسنانه بغضب رهيب:
أنا مليش خليلة.
وبالذات لو كانت دي!
قالها وهو بيشاور تجاه ضي القمر اللي حست إن قلبها بيتفتت ميت حتة من قسوة كلامه.
فكمل بدر:
مفيش مكان للي بتحمل دماء عقيق الملعونة بينا.
قرب الملك رسلان خطوة منه وهو بيقول:
مش أنتَ اللي هتقرر مين يبقى بينا ومين لأ!
ضي القمر هتفضل هنا، تحت حمايتي، وصدقني يا بدر لو اتعرضتلها مش هتردد ارميك في الزنزانة واسلب منك جميع القابك أولها كونك ولي العهد!
ضم قبضة إيده وهو بيتنفس بعنف وكإنه ثور على وشك الانقضاض على عدوه، ضامم شفايفه بيحاول يتمالك أعصابه.
كان باين عليه إنه عكس طبيعته، بدر عمره ما عمل التصرفات دي قبل كده.
اتأكد الملك رسلان في الوقت ده إن بدر فعلًا مسحور، وتأثير السحر ظاهر على معالم وشه الشاحبه وعيونه الخالية من الحياة.
وجه نظره لضي القمر بنظرة رعبتها، وبعدين اتعدل وهو بيهدي نفسه وابتسم باتساع وهو بيقول بتهديد:
فاكرة إنك هتقدري تخلصي مني لما تبقي في حماية الملك؟!
صدقيني يا ضي القمر مش هتردد أنهيكي لو جتلي الفرصة.
اتنرفز الملك رسلان في الوقت ده وعنفه بحدة:
بـدر!
إياك تتطاول عليها, إيـاك!
متمشيش ورا كلام الملكة زمرد وتصدقها!
عند ذكر والدته لفله بنظرة حادة وكإنه داس على الفتيل وقال بحدة:
جلالة الملك!
أنا اللي مش هسمحلك تجيب سيرة الملكة زمرد بأي شكل.
كفاية إنها استحملت هوسك بالملعونة عقيق لدرجة إنك نفرتها علشانها، ودلوقتي هتنفرني أنا كمان عشان اللي بتحمل دمائها.
صدقني أنا اللي مش هسكت يا جلالة الملك.
صدقني!
خلص كلامه وسابهم وخرج، مسمعش لهتاف الملك رسلان باسمه وكمل بلا مبالاة، فتح باب القاعة بعنف وخرج بخطوات تكاد تفتك بالأرض.
اتنهد الملك رسلان واتحولت ملامحه للحزن، لف في الوقت ده لضي القمر وهز راسه بمعنى إن كل كلامها كان صح.
اتجه لسلالم العرش وقعد عليه بإنهيار وهو حاطت راسه بين إيديه الاتنين، طاقته بتنفذ، من ناحية المملكة اللي بتنهار، وابنه اللي بيضيع من بين إيديه.
ده غير سلطان اللي مش لاقيينه!
دخل في الوقت ده قائد الحرس اللي كان شاف خروج بدر بملامحه المشتعلة، ولما شاف الملك على حالته دي قدر يميز سببها.
اتجه ناحيته ووقف قدامه وهو بيقول:
مولاي...
رفع الملك رسلان وشه ليه ومتكلمش، فقال قائد الحرس:
أحد الحراس اللي كانوا مع سمو الأمير قالي إنهم لقوا البنت اللي حطت السم في كاس الأميرة ضي القمر.
اتعدلت ضي القمر في الوقت ده وهي بتتابعه باهتمام.
فنقل قائد الحرس نظره بين الملك رسلان وضي القمر وقال:
البنت اعترفت إن الملكة زمرد هي اللي أدتها الأمر.
انتفض الملك رسلان في الوقت ده وقال:
هي فين؟!
نكس قائد الحرس راسه وقال:
البنت اختفت من وقتها يا مولاي وملهاش أي أثر.
ضم الملك رسلام قبضته وهو بيجز على أسنانه بغيظ رهيب.
أما ضي القمر ففضلت واقفة مكانها متجمدة، هي كانت متأكدة أساسًا إن الملكة زمرد هي المسئولة عن تسميمها، فاتكلم قائد الحرس في الوقت ده:
مولاي أظن معانا الدليل دلوقتي إن الملكة زمرد بتتسبب في زعزعة استقرار القصر، نقدر نحاكمها.
اتنهد الملك رسلام وقال:
للأسف منقدرش يا قائد الحرس.
تأثير السحر على بدر مخليه مطيع تمامًا للملكة زمرد، لدرجة إنها لو طلبت منه يقلتني هيعملها من غير تردد.
لازم بدر يرجع لوعيه، وبعدين نكشف قدامه ألاعيب زمرد، وقتها هعدمها بإيدي الاتنين.
نهى كلامه وهو بيجز على أسنانه بغيظ شديد.
***
بجاسوس بجاسوس تعالى...
هتفت بيها ضي القمر لما شافته بيتحرك بعشوائية في المكان.
قرب منها الحصان بسرعة أول ما شافها وابتدى يمسح براسها في جسدها بحركات ودودة، أما هي فضلت تضحك وهي بتداعبه وبتقول:
مفيش غيرك فاكرني يا بجاسوس.
صديقك نسيني لدرجة إنه حاول يقتلني.
نهت جملتها وهي بتتنهد بحزن.
رفع بجاسوس راسه ليها وهو بيبص لعينيها كإنه فاهم اللي بيدور جواها، أما هي فكملت:
بس أنا متأكدة إنه هيرجع بدر اللي أنا أعرفه، مش هسيبه غير لما أنقذه.
لازم ألاقي سلطان بأي طريقة.
هو الوحيد اللي هيحط حد للي بيحصل.
اتلفتت على صوت جلبة وراها، شافت بدر من على بعد وهو واقف بيستقبل عربة باين عليها إنها ملكية وقفت في منتصف الساحة.
مد إيده ناحية باب العربة فشافت إيد أنثوية بتمتد ليه، سرعان ما اتوسعت عينيها بدهشة، كانت الأميرة داريا!
أميرة مملكة ازتلان.
حست بقلبها بينقبض بألم لما شافته بيرفع كفها ويطبع عليه قبلة وهو بيبصلها بعيون مُحبة ومبتسمها ابتسامته اللي اشتاقتلها بس للاسف مكانتش ليها!
كل تصرفات المحب مكانتش طالعة ليها هي!
فضلت مكانها تتأمل اللي بيدور بينهم، رفعت إيديها وثبتتها على موضع قلبها اللي بيصرخ من الألم، شافته وهو محتوى كتفها ومقربها منه، وبعدين دخلوا لجوا القصر.
اتملت عيونها بدموع القهر، وبعدين قالت وهي باصة على أثر:
بدر بيضيع مني يا بجاسوس.
بيضيع وأنا واقفة عاجزة مكاني.
صهل بجاسوس بقوة انتفضت على أثرها وهي بتبصله بتعجب، شافته وهو بيمشي وهو بيشم حاجة على الأرض وكإنه بيتتبع أثر.
بصتله ضي بتعجب وافتكرت اليوم اللي صهل بعنف قبل كده وهي مع بدر ووقتها شافوا ظل قريب منهم.
فقربت منه وهي بتقول:
بجاسوس.
أنت شايفة حاجة؟
رفع عينيه ليها وصهل كإنه بيجاوبها، وفجأة لقته بيجري بسرعة، فلمت هي فستانها وجريت وراه وهي بتصرخ باسمه ولكنه مكانش راضي يقف وكإنه شايف حاجة بالفعل.
لحد ما دخلوا بين الأشجار وابتعدوا تمامًا عن العيون، فوقفت تتلفت حواليها لما اتوقفت حركة بجاسوس تشوف إذا كان فيه حد حواليها ولا لا، وبعدين وجهت أنظارها ليه وهي بتقول بحنق:
لازم تكون حاجة مقنعة بعد ما قطعت نفسي معاك كده!
ولكن لقته بيقرب من صخرة معينة اللي كانت ضخمة شوية وبيتلفت حواليها وهو بيشمها وبعدين صهل بقوة، فاتجهت ناحيته بسرعة وابتدت تدور حوالين الضخرة إذا كان فيه حاجة ولا لأ، فقالت بضيق:
دي صخرة يا بجاسوس، أنتَ واخدني وراك ده كله عشان صخرة!
بصلها بجاسوس نظرة غريبة وكإنه متضايق منها أو نفذ صبره، وبعدين ابتدى يدفع الصخرة بدماغه لحد ما بعدها عن المكان.
عقدت ضي القمر حواجبها بتعجب لما شافت بوابة خشبية تحته، قربت منها تشيل الحشائش من عليها وهي بتتأملها بتعجب وارتياب، وبعدين اتحاملت على نفسها وفتحتها فطلع من المكان ريحة بشعة للغاية خلتها تفضل تكح بسببها.
ولما هديت الريحة نزلت لتحت بتردد كبير وهي بتتأمل المكان بتعجب واللي اتفاجئت إنه كان سجن!
اتوحت لأول زنزانة ولكنها تراجعت وهي بتشهق بخضة لما شافت بنت مقتولة في الزنزانة!
ولكنها انتفضت على صوته صفير من الزانزانة الأخيرة، اتحركت بخطوات حذرة بطيئة ومتمهلة، ولكنها اتجمدت تمامًا قدامها لما شافت الكاهن سلطان قاعد على الأرض وبيرسم بعصاه على التراب اللي في الأرض فهتفت بصدمة:
سلطان!
اتوقف عن الرسم ورفع عيونه ليها مع ابتسامة واسعة متليقش على حالته وقال:
مستنيكي بقالي كتير يا ضي القمر.
يتبع.
رواية عقيق إلدورادو الفصل العشرون 20 - بقلم منة ممدوح
اتحركت بلهفة وقربت من الزنزانة اللي قاعد فيها وهي بتقول:
_سلطان، لازم ننقذ بدر.
كان لسة قاعد مكانه وهو باصصلها بابتسامة غريبة، وبعدين قال:
_اتأخرتي ليه؟ كنت فاكرك ذكية أكتر من كده وهتلاقيني بسرعة.
وقفت مكانها متجمدة وهي بصاله بحواجب معقودة. هي عارفة إن سلطان مخه طاير ولكن متوقعتش إنها للدرجة دي. فاتكلمت بنفاذ صبر:
_سلطان، مش وقت استعراضات. بقولك الملكة زمرد سحرت بدر وأنتَ الوحيد اللي هتقدر تنقذه.
فعلها حواجبه وقال بسخرية:
_وأنا بإيدي إيه؟ أنا مجرد عجوز مضطرب عفى عنه الزمن.
زفرت بنفاذ صبر وهي بتقاوم إنها تخبطه بحاجة. وقربت تحاول تفتح باب الزنزانة ولكنه كان مقفول بالقفل. أما هو كان بيتابعها ببرود وهو بيقول:
_عارفة مشكلتنا إيه يا ضي القمر؟ دايمًا بنتعمد منشوفش الحقايق اللي قدام عينينا، زي مثلًا أنتِ. رغم إنك عارفة إن قدرك هنا ولكن مشيتي بإرادتك على أساس هتنتهي الحكاية عند كده. وبعدين رجعتي تاني بإرادتك. لسة فاكرة برضه إن دي مجرد صدف؟
وقفت إيديها اللي كانت بتحاول تحرك القفل. وفضلت بصاله شوية بنظرات مغتاظة. وبعدين سابته وراحت جابت حجر ورجعت تاني للزنزانة وابتدت تحاول تكسر القفل بالحجر. فكمل سلطان:
_حتى بدر، رغم إدراكه من البداية إن النبوءة صحيحة وإنك البنت اللي مبتفارقش أحلامه ولكن برضه فضل ينكر مشاعره باستماتة. ورفض إنه يدور في الماضي رغم إنه عارف هيلاقي تفاصيل كتيرة فايتاه.
رمت الحجر على الأرض وبصتلخ بعصبية شديدة وقالت:
_ممكن تبطل فلسفتك شوية وتساعدني أفتح الزنزانة عشان اخرجك!
_طبعًا. اتفضلي.. قالها ببساطة وهو مادد إيده بمفتاح عتيق ليها.
عقدت حواجبها بتعجب وبعدين سألت:
_إيه ده؟
رد بتلقائية:
_مفتاح الزنزانة.
لوهلة اتملى المكان بصمت رهيب. صوت صورصور الحقل شغال في دماغها، وهي متنحاله بصدمة من غير ما ترمش حتى. أما هو فكان بيبادلها بابتسامة مستفزة. فتحت شفايفها واتكلمت بذهول:
_يعني أنتَ كان معاك المفتاح كل الوقت ده وقاعد هنا برضه؟
رد بابتسامة صفراء:
_ما قولتلك كنت مستنيكي يا ضي القمر.
حست إنها هتموت مكانها لو فضلت قاعدة مع سلطان في مكان واحد. الراجل ده ما زال بيثير دهشتها من تصرفاته غير المنطقية كل مرة. ولكن ابتسامته وردوده الباردة استفزتها بشكل كبير. فمسكت الحجر وحدفته على الزنزانة وهي بتصرخ:
_ولما المفتاح معاك سايبني قاعدة بحاول أكسر القفل ليــه!!
اتراجع سلطان لورا ومظهرش عليه أي تأثر ولكنه رد:
_أنتِ مطلبتيش مساعدتي.
وقفت على جنب وحطت إيديها على جبينها وهي حاسة بفوران في دماغها من العصبية. وتمتمت وهي بتاخد شهيق طويل:
_يا ولي الصابـرين! يا ولـي الصـابرين!
اتلفتت ليه وبعدين اتقدمت خدت المفتاح منه بعنف وبعدين فتحت القفل بيه. فتحت باب الزانزانة وشاورتله يخرج وهي بتتكلم بعصبية:
_ممكن تخرج يعني لو تكرمت؟ لو مش واخد بالك فيه مملكة بتنهار برا وأنتَ قاعد تتفلسف هنا وتفقع مرارتي.
_أكيد. قالها ببرود وخرج وهو بيتسند على عصايته اللي على مقدمتها الضفدعة بمنتهى البساطة.
وقفت تبص لأثره بدهشة من تصرفاته. وقعت عينيها على الضفدعة اللي كانت بصالها بمنتهى البرود وبعدين طلعت لها لسانها كإنها بتستفزها هي كمان. ضربت كف على التاني وهي بتقاوم فكرة إنها تخلص منه ومن الضفدعة اللي بتعمل تصرفات ميعملهاش بني آدمين. ولكن اتجمدت عند البنت اللي مرمية صريعة في الزنزانة وحست بجسمها بيرتجف وبعدين قالت:
_إيه حكاية البنت دي؟
اتكلم سلطان ببساطة:
_دي من أتباع زمرد واللي حطتلك السم في مشروبك.
توسعت عينيها بدهشة ورددت:
_رحيق!
_ومين اللي عمل فيها كده؟
رد سلطان:
_حبيبك المسحور نهى حياتها بأمر من الساحرة الشمطاء.
فضلت واقفة متجمدة مكانها وعينيها مركزة على اللي دمائها كانت ناشفة على الأرض حواليها. لوهلة لقت جسمها بينتفض بعنف وهي بتتخيل بدر وهو بيطعنها لحد ما ازهق روحها بين إيديه من غير ما يرفله جفن. غمضت عينيها تضغط على جفونها بقوة من قسوة التخيل لوحده فما بالها بالحقيقة!
وبعدين لفت وشها بعيد عنها واتحركت عشان تطلع. ولكن قبل ما تخرج هي وسلطان لقت باب السجن بيتقفل عليهم ولكن مشافوش مين اللي قفله. جريت لفوق وهي بتصرخ:
_استنـى، استنـى! احنا هنـا!
فضلت تزق في الباب اللي اتقفل ولكنه مكانش بيتحرك:
_إحنـا هنا! الله يخريبيتك أهاليكم افتحوا البتاع ده! يا اللي منكم لله!
نهت جملتها وهي بتبكي بإنهيار لما أدركت إنهم اتحبسوا هنا وبقصد. أما سلطان فكان واقف بيتفرج عليها وهو حاطت إيده بيسد بيها أذنه وبعدين قال:
_كان الله في عون الأمير بدر. زوجته هتكون نواحة!
اتلفتت ليه ضي القمر على جملته الأخيرة. مسحت دموعها بطرف أكمامها بعنف واتقدمت ناحيته وهي بتقول:
_أنتَ إيه؟ ها؟ أنتَ جايب كل البرود ده منين؟! إيه يا شيخ إيــه يا شــيخ تلاجة!
اتراجع لورا وهو بيرفع إيده وبيقول بتوتر:
_أعصابك يا سمو الأميرة لترتكبي جريمة غير مقصودة.
شدت على شعرها بعصبية وصرخت:
_أقسم بالله يا سلطان لولا الحوجة لكنت أنا اللي مخلصة عليك!
صدر صوت معترض من الضفدعة وكإنها فاهمة كلامها. فوجهت ضي القمر صراخها ليها وهي بتقول بغضب:
_أنتِ تسكتي خالص يا حشرة يا اللي مش عارفالك نوع أنتِ!
انكمشت الضفدعة على نفسها بخوف. فاتنحنح الكاهن سلطان وهو بيقول:
_الضفدعة حيوان يا سمو الأميرة مش حشرة.
اتفلتت ليه ضي القمر وهي بترمقه بنظرة نارية بتهدد بإنها تفتك بيه فلف وشه بسرعة للناحية التانية وهو بيصفر متصنع الانشغال. اتجهت ضي القمر للباب تخبط بتحاول تزقه وهي بتقول:
_على آخر الزمن اتحبس في سجن تحت الأرض مع دجال!
صحح قائلًا:
_كاهن يا ضي القمر.
بصتله بطرف عينها فقال بسرعة:
_وتمشي دجال برضه!
ابتدت تزق في الباب وهي بتخبط على في نفس الوقت وبتصرخ:
_الحقـونا.. يا قائد الحرس! يا ملك رسلان!
ولكن بلا فائدة، فقعدت مكانها وهي حاسة بألم مكان جرح كتفها اللي لسة جديد. حطت إيديها عليه فشعرت بسائل لزج. أدركت في الوقت ده إن جرحها اتفتح تاني، فسندت راسها على إيديها وهي بتتنهد بعجز...
***
دخل بدر لقاعة الاجتماعات اللي كان قاعد فيها الملك رسلان مع قائد الحرس وهو متشبث بإيد الأميرة داريا. رفع الملك رسلان عيونه سرعان ما اتجمد تمامًا لما شاف المشهد اللي قدامه. انتفض من على كرسيه وقال:
_إيه اللي جاب بنت ضرغام هنا!
ضمها بدر ليه وبص للملك وهو على وشه ابتسامة واسعة وبعدين قال:
_أقدملك الأميرة داريا يا جلالة الملك. واللي بتكون خليلتي..
اتوسعت عيونه بصدمة وهو بينقل نظراته بين إيد بدر اللي محتوي بيها كتف داريا والتانية اللي متشبثة بيه وبتبصله بانتصار. فهتف الملك رسلان:
_أنتَ اتجننت يا بدر! ارجع لوعيك. من امتى وبنت ضرغام وأميرة مملكة ازتلان خليلتك!
بعد بدر عن داريا اللي كانت بتراقب الوضع بفرحة شديدة. جزء من أحلامها بيتحقق قدامها ولسة لما تتولى حكم المملكة. فاتحرك بدر لحد ما وقف قدامه. ورفع راسه بشموخ وقال:
_أنا في كامل وعيي يا مولاي. لو شايف غير كده فـ دي مشكلتك. أما بقى داريا فهي خليلتي من النهاردة. ولو على الصراعات اللي بينا وبين مملكة ازتلان فأنا شايف إن ده حل كويس عشان يعزز العلاقات بينا. مش قولتلك يا مولاي إنك محتاج تعيد دراسة سياساتك في الحكم؟!
كان الملك رسلان حاسس إنه متقيد تمامًا. مش قادر ياخد رد فعل ضد ابنه عشان مدرك تمامًا إنه مش واعي لكل اللي بيعمله. ففضل الصمت وهو بينقل نظره بين بدر وبين داريا. ابتسم بدر في الوقت ده بسخرية وبعدين اتلفت ورجع لداريا مسك إيديها وهو بيقولها بحنان:
_تعالي أخدك للجناح اللي خلتهم يجهزوه ليكي مخصوص.
اتسعت ابتسامة داريا ومشيت معاه بالفعل تحت مراقبة قائد الحرس والملك رسلان اللي قعد على كرسيه بإنهيار. وقف قائد الحرس وقرب منه ولكن مقدرش يتجرأ إنه يلمسه وحاول مواساته قائلًا:
_اعذره يا مولاي. إحنا بنسعى حاليًا عشان نخرجه من تأثير السحر. بمجرد ما يرجع لوعيه هينهي كل ده بنفسه.
رفع الملك رسلان عيونه ليه بعجز. وبعدين فضل باصص قدامه في الفراغ من غير ما يتكلم...
***
كانت قاعدة مكانها في السجن في حين كان الكاهن سلطان قاعد بيعبث بعصاه على الأرض. رفعت عيونها ليه وفضلت بصاله شوية وبعدين قالت:
_رغم إنك كنت عارف الحقايق دي كلها، ليه مفكرتش تقولها للملك رسلان؟ ليه مقولتلوش على سبب هروب عقيق؟ ليه سيبت بدر ماشي ورا زمرد لحد ما اذته؟ ليه سكت ده كله يا سلطان؟!
اتوقف عن الرسم وسكت شوية في حين هي متابعاه لحد ما قال من غير ما يرفع عينه ليها:
_أنا مش جاسوس يا ضي القمر. ومش وظيفتي إني اوعي كل شخص في المملكة. مهما كبار كفاية عشان يقدروا يدوروا على كل الحقايق اللي هما محتاجينها ولكن مش عايزين يبذلوا أي مجهود في اكتشافها. النبوءة من البداية كانت مضمونها إن هتيجي ملكة صالحة للبلاد بتحمل القلادة. والملكة الحقيقية هي اللي هيكونلها شأن هنا ومش هتكون ضعيفة. لإن مملكة إل دورادو ميليقش عليها إن ملكتها تبقى ضعيفة.
بصتله ضي القمر بصمت وبعدين قالت:
_عقيق كانت ضعيفة؟
رفع راسه ليها وبصلها في الوقت ده ورد:
_عقيق حبها للملك رسلان كان لاغي عقلها. كانت تقدر توقف زمرد من البداية، ولكن خافت تاخد أي خطوة. مكنش عندها الجرأة. ففضلت إنها تنفذ اللي اتطلب منها وتضحي بحبها في مقابل إن الملك رسلان يفضل بخير.
استنكرت كلامه فقالت:
_ده مش ضعف، ده حب. حب عظيم مش أي حد يقدر يفهمه.
صحح كلامها وقال:
_الحب اللي يخلي الإنسان عاجز، يبقى يلا فائدة. على عكسك أنتِ يا ضي القمر، خدتي خطوات كتير مخدتهاش عقيق. كشفتي الملكة زمرد، وقدرتي تميزي إن بدر مسحور، حتى قدرتي توصلي لمكاني اللي لو فضلوا يدورا أعوام مش هيلاقوه.
ضحكت بسخرية وقالت:
_وأهو بدل ما بقيت محبوس لوحدك بقيت معاك.
ابتسملها وقال:
_الفرج قريب يا ضي القمر. قريب جدًا.
حست هي بحركة حواليهم في الوقت ده. اتعدلت وقامت وقفت وقربت ودنها من الباب. فسمعت صوت خطوات ومعاه صهيل. لمعت عيونها بفرح وهمست:
_بجاسوس!
ابتدت تخبط على الباب وهي بتصرخ:
_بجاسوس! بجاسوس! أنا هنا! بــجاسـوس!
حست بصوت جلبة على الباب وكإنه كان بيجر الحجر. زقت الباب في الوقت ده لقته بيتفتح معاها. حست إنها على وشك الرقص من كتر الفرحة. خرجت لبرا فقابلها بجاسوس اللي فضل يداعب وشها وكإنها خلاص بقت صديقته المفضلة. فضلت تملس عليه وهي بتضحك وبتضمه ليها وبتقول:
_بـجاسوس! أنتَ بطل! أنتَ مدهش!
صهل في الوقت ده بقوة وهو بيلف حواليها بحماس وكإنه مبسوط من الاطراء ده. أما الكاهن سلطان كان متابعهم بعيون متسعة وبعدين قال:
_مـدهش!
بصله بجاسوس في الوقت ده وابتدت تتوحش ملامحه ويزمجر وهو بيتجه ناحيته. ولكن منعته ضي القمر وهي بتقول:
_بجاسوس، ده سلطان. هو الوحيد اللي هيقدر ينقذ بدر.
لانت ملامح بجاسوس وكإنه كان فاهم كل اللي بيتقاله. فرجعت ربتت عليه وقالت:
_ارجع لمكانك يلا. وأوعدك هرجعلك بدر من تاني.
صهل بجاسوس في الوقت ده وبعدين سابهم ومشي بالفعل. أما الكاهن سلطان فقال بإعجاب واضح:
_قدراتك بتبهرني بالفعل يا ضي القمر. قدرتي في لحظات تروضي اكتر كائن عدواني في المملكة كلها. ألا وهو حصان بدر الاسطوري!
اتجهت ناحيته وقالت:
_سيبك من كل ده. هنبطل مفعول السحر إزاي؟!
اتحرك الكاهن سلطان ووراه ضي القمر. كان ماشي وهو بيفكر وبيتكلم:
_أنا مش ساحر. ولكن المعروف إن لكل سحر ترياق بيكون مضاد لمفعول السحر. بيحمل العديد من المكونات، ولكن بيكون فيه مكون رئيسي معاكس للمكون الرئيسي في السحر المستخدم.
كانت بتتابع الكلام اللي بيقوله باهتمام شديد. وبعدين قالت:
_وإيه المكون الرئيسي لسحر الملكة زمرد؟
وصلوا في الوقت ده لوكر الكاهن سلطان. دخلوا لجوا فوقفت ضي القمر تتابعه وهو متجه لمكتبته الصغيرة وبعدين جاب كتاب وقعد على الكرسي. حط الكتاب على الترابيزة وابتدى يدور بين الأوراق وهو بيقول:
_ده اللي محتاج اكتشفه. زي مثلًا إيه اللي ممكن يضعف تأثير السحر حتى ولو بشكل لحظي؟
افتكرت ضي القمر في الوقت ده اللي حصل، فاتجهت ناحيته بسرعة وقالت:
_وقت ما شوفت بدر وحاول قتلي، حاولت افكره أنا مين. ولكنه وقع على الأرض وهو بيصرخ من الألم وكإنه بيصارع حاجة جواه!
اتتجمد الكاهن سلطان وكإنه جه في باله حاجة. رفع عيونه لضي القمر وفضل باصصلها شوية. اتوسعت عينيه وبعدين قال:
_مدهش! مـدهش!!
بصتله ضي القمر بتعجب. فقام الكاهن سلطان وقفل الكتاب اللي كان بين إيديه. وبعدين اتجه لمكان فيه ابريق كبير. ابتدى يطلع زجاجات غريبة من الأدراج بتاعته، واشعل النار تحت الابريق تحت عيون ضي القمر، فاتكلم الكاهن سلطان:
_زي ما قولتلك كل سحر بيبقاله قوة مضادة ليه. طبيعي سحر الملكة زمرد بيبقى أي مثيرات سلبية مع أعشاب بتعزز من تأثير السحر وكمان العنصر السحري بتاعها هو دمائها..
اتوسعت عيون ضي القمر بدهشة وبعدين قالت:
_دمائها!!
فوضح سلطان وقال:
_المملكة اللي كانت منها الملكة زمرد كانوا كلهم مشهورين بالسحر. ولكن بالسحر الخير. فـ دمائهم بتبقى معززة بعناصر سحرية بتخلي تأثير السحر قوي. ولكن بالطبع الملكة زمرد خرجت منذ زمن عن المألوف عندهم واستخدمت قدراتها في سحر الشرح.
حست ضي القمر إن دماغها بتلف بيها. مش مستوعبة اللي بيتقالها لإنها حاجات خارقة للمنطق. ابتدى الكاهن سلطان يحط العناصر اللي محتاجها في الابريق. كانت مواد مش معروف هويتها مع نباتات غريبة عليها. وقال:
_الترياق اللي أنا بستخدمه هيضعف من مفعول السحر ويخلي بدر يقدر يسيطر على قوته بس مش هيعالجه.
اتجاهت ضي القمر ناحيته وهي متعجبة وسألت:
_طيب إيه اللي هيعالجه؟
اتلفت ليها في الوقت ده وبصلها بقوة وبعدين قال:
_أنتِ..
قرب منها ووقف قصادها وقال:
_يا ترى حبك لبدر كفيل يخليكي تضحي بنفسك عشان تنقذيه؟
اتجمدت ضي القمر وهي بصاله بإرتياب واضح. بلعت ريقها بتوتر في حين سلطان كان ما زال مبتسملها بغرابة..
***
خرجت من وكر الكاهن سلطان وهي مشتتة تمامًا من الكلام اللي قالهولها. طلعت الزجاجة الصغيرة اللي دساها في أكمام ملابسها وفضلت بصالها شوية. ولكن انتفضت لما شافت حراس جايين من بعيد ودارتها تاني بسرعة وبعدين كملت مشي. اتوجهت للنافورة اللي في ساحة القصر وقعدت على طرفها، حاسة إنها مشتتة تمامًا، مش عارفة هل هتقدر تعمل اللي قالهولها سلطان ولا لأ! ولكن هي دي الطريقة الوحيدة اللي تقدر ترجع بيها بدر تاني.
رفعت عيونها للسما تدور على القمر ولكن للعجب كان مختفي تمامًا تحت الغيوم. حست بحركة جنبها. فلفت وشها واتسعت عيونها لما شافت بدر واقف جنبها باصصلها بعيون غامضة تمامًا، مشبك إيديه الاتنين ورا ضهره. نظراته كانت غريبة ولكن مكانش فيها أي حب ودي حاجة آلمتها بشدة!
رجعت رفعت عيونها اللي اترقرقت بالدموع المحبوسة للسماء تاني وقالت:
_القمر مش موجود. حتى القمر تايه. ضيُّه مش موجود لما بدره اختفى تحت السحب السوداء.
رفعت عيونها ليه اللي كانت بتجاهد متنزلش دموعها، كانت حاسة بإن جواه تخبط شديد. وبعدين قالت:
_مش قولتلك قبل كده مفيش وجود للبدر من غير ضي ليه، ومفيش ضي من غير ما يكون فيه بدر. دلوقتي لما واحد اختفى، السما بقت قاحلة، مفيش أي أثر للنور.
توسلته بنظراتها، ومالت براسها ليه وهي بتقول بشفايف مرتعشة:
_مش فاكر أي حاجة يا بدر؟ مش فاكر ضيَّك؟ معقولة مش فاكرني خالص؟!
وهو باصص لجوا عيونها قال:
_فاكرك كويس. فاكر ادعائك للبراءة، وفاكر إنك جاية تدمري حياتنا زي ما سبق وعملت اللي بتحملي دمائها!
نزل خط من الدموع على وشها، وهمست بارتعاش من قسوة كلامه:
_بـدر!
اتحرك خطوة وقرب منها وقال:
_استحالة احب واحدة زيك يا ضي القمر، وصدقيني لو بإيدي كنت قتلتك دلوقتي ولكن للأسف خدتي الملك لصفك زي ما عملت عقيق الملعونة. بس قريب كل ده هينتهي، كل حاجة في المملكة هتتغير وقتها مش هتردد اعدمك.
أدركت في الوقت ده إن السحر متمكن من بدر تمامًا. حست بألم رهيب بينهش صدرها. اتهدلت انفاسها وهي بتحاول تتمالك نفسها قدامه. ولكن في الوقت ده ظهرت الأميرة داريا اللي جت حطت إيديها على كتف بدر وهي بتقول برقة:
_حبيبي..
لف ليها بسرعة، سرعان ما اتبدلت تعبيرات وشه ولانت. مال طبع قبلة على خدها تحت أنظار ضي اللي بتتابعهم بقهر وقال:
_منمتيش ليه لحد دلوقتي؟
مطت شفايفها ببراءة وهي بتنقل نظراتها تجاه ضي القمر بخبث وقالت:
_مقدرتش أنام قبل ما أشوفك.
حست ضي القمر إنها هتنهار في الوقت ده، فسابتهم ومشيت تحت أنظارهم ولكن سرعان ما نسيوا وجودها واندمجوا مع بعض. اتلفتت ليهم قبل ما تدخل جوا القصر فشافتهم وهما واقفين بيضحكوا مع بعض. شافت بدر وهو بيرفع إيديه يداعب شعرها كإنها حبيبته فعلًا. كان المفروض هي اللي تبقى مكانها! كان المفروض الحب اللي ظاهر ده يبقى ليها هي!
شهقت بعنف من شدة ألمها ونزلت دموعها، فرجعت اتلفتت ودخلت لجوا وهي مثبتة إيديها على قلبها اللي بينبض بألم. لازم ترجع بدر حتى لو كلفها حياتها. مش هتقدر تسيبه وهو في الحالة دي. بدر محتاجه. محتاج وجودها ومحتاجها تنقذه. لازم تنقذه..
طلعت الزجاجة اللي مخبياها وبصتلها بعيون لامعة. وبعدين راحت تدور على قائد الحرس لحد ما لقته اللي أول ما شافها اتجه ناحيتها وسأل بقلق:
_مفيش أخبار عن سلطان؟
ضمت شفايفها وردت:
_لقيته. كان محبوس في سجن تحت الأرض بين الأشجار اللي في الاتجاه الشرقي.
اتوسعت عيونه بدهشة وقال:
_يا خبر! ده سجن الملك المذهب. محدش يعرف بوجوده غير الملك رسلان و...
ابتسمت بسخرية وكملت:
_والملكة زمرد طبعًا.
اتنهدت وبعدين قالت:
_رحيق كانت في زنزانة من الزنزانات اللي هناك، ولكنها كانت مقتولة. بدر اللي قتلها بأمر من زمرد.
حس قائد الحرس بالصدمة لدرجة إنه مقدرش يرد، فطلعت ضي القمر الزجاجة ورفعتها قدام عينيه وقالت بقوة:
_اسمعني كويس يا قائد الحرس. عشان نرجع بدر محتاجة مساعدتك في اللي هقولهولك دلوقتي...
***
على جانب تاني، دخلت الملكة زمرد لمكان عرش الملك رسلان اللي كان قاعد على عرشه وساند إيديه الاتنين وباصصلها بجمود. انحنت وهي بتبصله بطرف عينها وبعدين قالت بابتسامة صفرا:
_طلبتني يا مولاي؟
فضل مثبت عيونه عليها شوية، وبعدين نزل من على عرشه بخطوات بطيئة أثارت ربكتها في الأول ولكنها رفعت أنفها بكبرياء عشان متبينش قلقها. أما هو فقرب لحد ما وقف قدامها وبصلها من فوق لتحت وقال:
_مش ملاحظة إنك بقيتي تخرجي كتير اليومين دول من المملكة؟
ابتسمت وهي بتقرب منه أكتر وبتبص في عيونه وبتقول:
_إيه؟ مستكتر إني أحاول أعوض السنين اللي ضاعوا في حياتي بسببك؟
أشهر صوباعه في وشها وهو بيقول من بين أسنانه:
_بسببك أنتِ. بسبب السحر اللي عملتيه بإيدك يا زمرد، مش هنضحك على بعض، هتنكري إنك استخدمتي سحرك في الشر على عكس باقي شعبك؟
رفعت راسها بغرور وكأن مش فارق ليها كل الكلام ده. فاتكلم الملك رسلان بقوة:
_صدقيني يا زمرد لو اكتشفت إن ليكي يد في الإنهيار اللي بيحصل للمملكة هدمرك!
ابتسمت وقالت ببرود:
_ملكنا العظيم. اتمنى توفر تهديداتك للي يستاهلها. مش ليا أنا. اللي قدامك الملكة زمرد، أنا مش مجنونة عشان أدمر مملكتي بإيدي.
ضحك الملك رسلان بخفة وقال:
_مملكتك؟ أنتِ مجرد دخيلة على المملكة يا زمرد. بس عامةً مسير ألاعيبك هتتكشف. سواء ألاعيب دلوقتي، أو زمان...
لوهلة جفلت بقلق ولكنها حافظت على تعابير وشها وهي بتقول:
_وأنا منتظرة يا جلالة الملك..
قالتها وانحنت ليه وبعدين خرجت من المكان تحت أنظاره. فوقف هو يتابع أثرها وهو مشبك إيديه الاتنين ورا ضهره. دقايق عدت وهو واقف بيفكر مكانه، لحد ما اتفتح الباب ودخل واحد من الحراس اللي أدى تحيته وبعدين قال:
_فيه ضيفة عايزة تقابل جنابك يا جلالة الملك.
عقدت حواجبه بتعجب وقال:
_مين؟
دخلت الملكة آريا في الوقت ده، وانحنت بخفة وهي بتقول بابتسامة واثقة وراس مرفوعة:
_أنا يا جلالة الملك...