في مستشفى العزل مساءً. استيقظ سلطان بتكاسل، وقد بدأت تظهر عليه الأعراض هو الآخر، وأصبحت حرارته مرتفعة نوعاً ما. تحامل على نفسه وتحرك من جانب حبيبته التي تنام في عناقه بعمق. حاول أن لا يوقظها، ولكنها بمجرد ابتعاده فتحت عينيها مردفة بصوت متقطع واهن وقلق: "سلطان! إنت كويس؟ ملس على حجابها المربوط بطريقة عشوائية، وأردف بحنو وهو يقف: "كويس يا حبيبتي، متقلقيش. أنا بس هروح الحمام."
ترك يدها واتجه إلى المرحاض الخاص بالغرفة ودلف مغلقاً الباب خلفه، ثم استند على حوض الاغتسال يحاول التحكم في دوار الرأس الذي يهاجمه. فتح صنبور الماء والتقط حفنة بيديه الاثنتين ثم ألقاها على وجهه بطريقة فوضوية عله يفيق. رفع رأسه للأعلى فنتج عن ذلك ألم في جفونه وزاد دوار رأسه، فأنزلها ووضعها تحت صنبور الماء فانزلقت الماء فوقها بغزارة. ابتعد قليلاً يحضر تلك المنشفة الخاصة بالمستشفى ووضعها على رأسه يحاول استجماع نفسه وقد بدأ يتماسك قليلاً.
خرج من المرحاض بعد دقائق يلف المنشفة حول عنقه ويتطلع لحبيبته التي تجلس مستندة على الوسادة وتنتظره بتساؤل وقلق مردفة بصوت بطيء مرهق: "سلطان! إنت تعبت صح؟ أكيد تعبت. أنا قلتلك بلاش، قلتلك امشي إنت، ليه بتعمل فيا وفي نفسك كده؟ نظر لها وابتسم محاولاً التخفيف عنها، حيث أردف بمرح ومشاكسة: "الحمام هنا شكله حلو أوي. والميه حرارتها تحفة. ما تيجي نجربها! أمالت برأسها تنظر له بعتب مردفة بعدما فهمت محاولته:
"متحاولش يا سلطان، شكلك تعبان خالص." اتجه لعندها يجلس بجانبها مجدداً ويحاوط كتفيها بذراعه مردفاً بسخرية واقناع: "أومال إحنا هنا ليه يا ليني؟ بنهزر مثلاً؟ إحنا في مستشفى يا ماما يعني أكيد هنتعب وهنتعالج. المهم سيبك من تعبي، قولتي إيه تيجي ناخد شاور؟ نظرت له بعيون مرهقة تجيبه بخجل: "مينفعش طبعاً يا سلطان. إحنا هنا مش في بيتنا، عيب." أمال على وجهها يتحسس وجنتها مردفاً بحنو ومحبة:
"حبيبتي المؤدبة اللي خدودها بتحمر. أنا بهزر معاكي. طبعاً مينفعش ناخد شاور هنا عيب. بس ينفع نبوس؟ قولت إيه يا عسل؟ ابتسمت بوهن وأجابت بحب وخمول: "كنت هعمل إيه هنا من غيرك يا سلطاني؟ برغم إني زعلانة أوي من اللي عملته، بس وجودك هنا معايا فرق عندي كتير أوي. سلطان، هكافئك إزاي على تضحيتك دي؟ اعتصرها بحنو يتنهد عشقاً ثم أخْرَجَه مردفاً بصدق وانفاس ساخنة واعترافات مسكنة لأي ألم: "عارفة أول ما كلمتيني! وأول ما سمعت صوتك...
عرفت علطول إن فيكي حاجة. حسيت بيكي. ولما وداد قالت إنك هنا مفكرتش في أي حاجة غير إنك أكيد هتحسي بالوحدة. وده نفس إحساسي طول الأسبوع اللي فات. برغم إن كل عيلتي حواليا، بس أنا وحيد ويتيم من غيرك. علشان كده كان لازم آجي وأكون معاكي. أنا وإنتي مش اتنين يا سيلين، أنا وإنتي روح واحدة. أنا محتاج وجودك جنبي أكتر منك. محتاج حبك، وقلبك، وريحتك، وملامحك، تفاصيلك كلها بعشقها مقدرش أعيش من غيرها. علشان كده أنا اللي لازم أكافئك مش
إنتي. إنتي نصيبي الحلو من الدنيا ومن العذاب اللي أنا شفته في حياتي. مكافأتي ليكي هتكون بعد ما نخرج من هنا إن شاء الله. بس خليكي على طول جنبي، متخليش حد يكسرني بيكي. سيلين، أنا خوفي الحقيقي مش من مرض ولا وجع ولا موت. أنا خوفي يوم ما تبعدي عني، يوم ما أنادي عليكي ومترديش. لأن إنتي اللي هتاخد بأيدي للجنة. إنتي اللي أنا عايز أكمل معاها حياتي وحتى بعد عمر طويل ليكي طبعاً لو ربنا كتب لي أكون من أهل الجنة مش هتمنى غيرك."
هزت رأسها ونزلت دموعها على صدره بصمت، بينما هو شعر بها فابتعد ينظر لها بتعجب وحزن متسائلاً: "بتعيطي ليه بس؟ ابتسمت بوهن واردفت: "علشان بحبك أوي." ضحك بجاذبية مردفاً يغمزها بطرف عينه: "طب إيه؟ فين عربون المحبة؟ بطلي عياط علشان أنا مجبتش مناديل وأنا جاي."
أخفضت رأسها تبتسم بخجل، بينما هو اقترب منها وكاد أن يخطف قبلة ناعمة من شفتيها المنكمشتين لولا طرق الباب وتبعه دخول الطبيب وممرضتين ترتديان الملابس الخاصة بالعزل وتحملان وجبات الطعام الخاصة بالمستشفى كذلك الأدوية الخاصة بحالتهما. استغفر سلطان في سره مبتعداً، بينما سيلين احتمت في ذراعه بخجل، فأردف الطبيب متحمحماً: "بيتهيألي تصرفك كان غلط جداً يا أستاذ سلطان. كده مش تضحية، كده هلاك." أردف سلطان بثقة:
"صلي على النبي يا دكتور، ما فيش هلاك إن شاء الله. أنا وسيلين هنتبع التعليمات ونخرج من هنا بخير. والفضل في ده بعد ربنا لحضرتك والفريق اللي معاك." تنهد الطبيب يهز رأسه بيأس وينظر له بتعجب في أمر هذا المحب. كيف له أن يرمي بنفسه في الهلاك لأجل زوجته! فمثل هذا الوباء رأى أن المرء يفر من أهله لينجي بعمره. كيف له أن يأتي وبدون أي تردد يرمي بنفسه في عناقها، بل وفوق هذا يكون بهذه السعادة! حقاً لم يرى. اقترب منهما قليلاً
وأردف بعملية: "هناخد عينة دم منك للتحاليل وكمان هتعمل أشعة مقطعية. ثم التفت للممرضتين مسترسلاً: "ياريت تشوفوا شغلكم." أسرعت الممرضتان لإعطاء سيلين الأدوية المناسبة كذلك تحضير أسطوانة الأكسجين والماسكات الخاصة بالجلسات التي سيحتاجونها في الأيام القادمة. أردف الطبيب بترقب:
"لازم تعرفوا إننا في مرحلة جادة مش أي كلام. يعني فيروس كورونا مش سهل أبداً. ده فيروس خطير وللأسف خطورته بتكون مكثفة لأصحاب الأمراض المزمنة والجهاز التنفسي. علشان كده حاولوا بقدر الإمكان تلتزموا بالتعليمات. وقتها هتخرجوا من هنا على خير وفي أقرب وقت." أومأ سلطان مردفاً بتأكيد: "هعمل اللازم يا دكتور، متقلقش." اتجهت إحدى الممرضات تسحب عينة دم من سلطان الذي أشمر عن ذراعه، بينما هو يتطلع على سيلين ويبتسم بحب. أردف الطبيب
وهو على وشك المغادرة: "ياريت كمان تهتموا بالنظام الغذائي اللي المستشفى بتقدمه لأنه جزء من العلاج. عن إذنكم." خرجتا الممرضتان وكاد أن يخطو الطبيب، فـأوقفه سلطان مردفاً: "لو سمحت يا دكتور." لف الطبيب رأسه متسائلاً، فأردف سلطان بجرأة متحمحماً: "احم... بعد إذنك يعني، ما فيش أوضة غير دي؟ نظر له الطبيب متعجباً يردف بتساؤل: "عايز تتنقل من هنا! أشار سلطان بيديه عليه وعلى سيلين مردفاً بثبات:
"عايزين. الأوضة هنا مافيهاش خصوصية خالص والشباك الإزاز ده ميصحش أبداً كده. يعني ياريت أوضة لينا من غير الشباك ده." ابتسم الطبيب واردف ساخراً:
"واضح إنك يا أستاذ سلطان فكرت هنا فندق. هنا مستشفى وإنت وزوجتك في العزل، ويا ريت تقدروا خطورة الموقف وكويس أوي إن إدارة المستشفى سابك قاعد مع زوجتك في أوضة واحدة وفي سرير واحد كمان وده بسبب الموقف المتهور اللي إنت عملته. ولأن حالياً بنعاني من نقص في الأسرّة للأسف بسبب تزايد الحالات." تنهد سلطان مستغفراً في سره، ثم أردف بثبات وصلابة:
"تمام. يبقى على الأقل حط ستارة على الشباك ده. أنا مراتي محجبة ومينفعش أي حد معدي كده يشوفها. ويا ريت متعترضش علشان إحنا هنتعامل مع بعض فترة هنا، فـ خلينا نريح بعض يا دكتور وأنا تحت أمر المستشفى في اللي تطلبه." نظر له الطبيب من خلف كمامته وغطاء رأسه مردفاً بترقب: "تمام يا أستاذ سلطان. ياريت تكلم حد يجبلكوا اللي محتاجينه ويسيب الأغراض في استقبال المستشفى والممرضين هيوصلهالك. وبالنسبة لموضوع الستارة أنا هتكفل بيه."
أومأ سلطان بثبات: "تمام. كده يبقى شكراً أوي يا دكتور." غادر الطبيب، وبدأ سلطان يفقد تركيزه ثانياً وشعر برأسه تدور، مما جعله يحاول الوقوف متجهاً إلى المرحاض تحت أنظار سيلين الحزينة لأجله. رن هاتفها فتناولته بترقب، فوجدت المتصل هو آدم. تطلعت على المرحاض بحذر وقلق، ثم فتحت الخط وأجابت بصوت واهن وسعال: "الـو... آدم! إنت كويس؟ أردف آدم بتساؤل وقلق: "سيلين! إنتي فعلاً اتصبتي بفيروس كورونا!
الناس كلها بتتكلم والأخبار مالية الإنترنت، إيه اللي حصل وإزاي؟ تنهدت سيلين تستجمع أنفاسها مردفة: "لحقوا نشروا الخبر! المهم دلوقتي طمني عنك إنت، الأدوية عاملة معاك إيه؟ ضحك آدم ساخراً ثم تحدث بألم وحزن: "أبداً... شعري وجسمي بيتأكل... بسيطة يعني... متشليش همي، إنتي آخر واحدة تزعلي عليا." اهتز قلبها الحنون لأجله ولحاله، وأردفت مطمئنة بصوت واهن:
"متقلقش يا آدم، فترة وهتمر. خليك أقوى من كده، إنت قوي وهتقدر تتخطاها. متخليش المرض يهزمك، عافر عشان تبقى كويس." تنهد آدم مردفاً بيأس: "هحاول... بس قوليلي إنتي كويسة؟ وإيه حكاية كورونا دي وإزاي." تنهدت مردفة بتعب وتنفس بطيء: "أبداً... أكيد أخدتها من سفرية الصين. بس متقلقش الدكاترة هنا شايفين شغلهم فوق الممتاز." أردف آدم بهدوء: "متقلقيش... إنتي هتبقي كويسة جداً... لأنك بريئة... لأنك مظلومة ربنا هينجيكي."
تنهدت بصمت، بينما يقف على حافة باب المرحاض يطالعها بغضب وغيرة أعمَت عيناه حينما أردف بعيون سوداء ونبرة صلبة: "إنتي بتكلميه ليه؟ انتفضت تغلق الهاتف، ثم نظرت له بترقب مردفة: "خضتني يا سلطان. كان بيطمن عليا يا سلطان لأنه سمع بموضوع الكورونا." أردف وهو يقترب ويلتقط منها الهاتف بصلابة وخشونة: "متجننيش يا سيلين. هو إيه اللي بيطمن عليكي!
ده إنسان حقير وكان عايز قبل كده يأذيكي ويتعدى عليكي ومرة تانية كان بيحاول يقتلك. ده غير إنه دمر حياتنا. إزاي ده تتكلمي معاه؟ إزززاي." نظرت له بحزن وعيون زابلة وأردفت من بين أنفاسها المسحوبة: "فيه إيه يا سلطان إنت بتتكلم معايا كده ليه! قلتلك آدم مريض كانسر وأنا عمري ما هشمت أو هاخد حقي من إنسان مريض. عرف إن عندي كورونا من على الإنترنت واتصل يسأل. خلاص الموضوع انتهى." مسح على وجهه مستغفراً وأردف بحدة وغيرة:
"لو سمحتي يا سيلين... أنا لحد دلوقتي مش متأكد من موضوع تعبه ده. بس حتى لو حقيقي ياريت متتكلميش مع الإنسان ده." تملكه الغضب، فـعتدلت في جلستها وأردفت ببعض الحدة متناسية حالتها: "لأ على فكرة بقى يا سلطان مش من حقك تقولي أكلم مين وما أكلمش مين. الموضوع أبسط من...
سُحِب نفسها وبدأت تسعل بشدة متوقفة عن الكلام، فأسرع إليها سلطان يحاول إسعادها وهي تضع يدها على صدرها وتحاول استجماع أنفاسها وقد شعرت ببطء تنفسها بشكل كبير وهو أصبح كالمجنون بوجه شاحب من هيئتها، فاتجه إلى أسطوانة الأكسجين وأوصل بها الخرطوم والقناع وفتحها، ثم تمدد على الفراش وسحبها لعنده حتى التصقت في ظهره، فـممدها عليه وألبسها القناع متمسكاً بها جيداً يردف بحنو وندم: "سيلين اهدى... اهدى أنا آسف... اهدى خلاص."
بدأت تستعيد أنفاسها تحت جهاز الأكسجين الذي تدفق إليها وعيناها تغمض وهي تستند بظهرها على ضلوع صدره مستسلمة. أما هو فيلعن نفسه على تسرعه، ولكنه أحس بنار تحرقه عندما خرج من المرحاض ووجدها تحادثه. هو لا يقبله أبداً. يرى في عينيه ما لا تراه هي. أنه حيوان كاد أن يعتدي عليها. لن ينسى أبداً هيئته عندما اقتحم شقتهما ورآه يحاول كسر غرفتها. حتى وإن كان مريض فعقله لا يقبل عذراً.
تنهد بضيق وهو مازال يتمسك بالقناع واضعاً إياه على فم سيلين التي استعادت أنفاسها وأغمضت عينيها بإرهاق، فيبدو أن المرحلة القادمة لن تكون هينة. بعد مدة انتهت جلسة الأكسجين بعد دقائق، ومد يده يغلق محبس الأسطوانة، ثم رفع عن وجهها القناع وملس بحنو على بشرتها الناعمة، ثم دنا يقبل وجنتها وهي نائمة تأخذ قسطاً من الراحة. أخرج هاتفه من جيبه وما زال يحتفظ بها داخل ضلوعه وضغط بعض الأزرار ثم وضعه ليتحدث. أردف بصوت هادئ بعدما فُتح
الخط: "أيوه يا عمي. إزيك." أردف محمود بحنو وقلق: "سلطان يا ولدي. كيف الحال عندك؟ وكيفها مراتك؟ تنهد سلطان بعيون مرهقة يحاول التركيز مردفاً: "بخير يا عمي. المهم أنا عايز منك شوية حاجات وتبعتهملي على المستشفى هنا لو سمحت." أومأ محمود مردفاً بطاعة: "اطلب اللي بدك إياه يا ولد الغالي. وبكرة الصبح هتكون كل حاجة عندك." ***
عند نبيل الذي يجلس في شقته يتصفح الإنترنت وقد علم بخبر إصابة سيلين بالفيروس. يبدو أن أحدهم سرب الخبر إلى الإنترنت من المطار وأصبح الحديث الجديد للصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل، حتى أن البعض جمعوا بين مرضها وبين ما حدث مؤخراً في شركتها مدعين أنه عدل الله وأن هذا العقاب تستحقه. فبرغم ظهور براءتها إلا أن هناك بعض الفتن تقال. تعجب من ما حدث واردف بتساؤل: "كورونا! جالها كورونا؟ يعني بعد ما موضوع الصينيين اتحل اتصابت!
ثم ضحك بشماتة مسترسلاً: "هتلحقيها منين ولا منين يا بنت أخويا. هههههه معلش المؤمن مصاب." كان سعيداً بما يحدث معها ولكنه تذكر شيئاً فجأة فأردف: "آدم! *** صباحاً في الحارة. يجلس نعمان على أريكة منزله يتابع التلفاز بأريحية، فنظرت له زوجته حكمت بغضب مردفة: "هتفضل قاعد كده يا نعمان! ماتقوم تفتح المحل بقاله يومين مقفول." نظر لها نعمان واردف ببرود: "محل إيه!
هو ده محل. وبعدين ما ابنك المحروس مش عارف يشغله. أنا راجل كبرت وصحتي بقت على قدي. المفروض أنا أرتاح بقى وعيالي هما اللي يشيلوني." جاءت لمياء من المطبخ حاملة صينية مرصوص عليها أكواب الشاي تردف بتهكم: "قوم يابا قوم. إنت فكرت نفسك لسه في الصعيد ولا إيه! هنا لو قعدنا محدش هيعبرنا وهنموت من الجوع." نظر لها بغضب مردفاً بتأنيب:
"كله بسببك يا وش الفقر. مانتي اللي معرفتيش توقعيه وطار من إيدك. كان زمانك متنغنغة في العز ده كله. سنتين مخطوبة له وزي قلتك جتك الارف. غورى يالا إنتي وأخوكي افتحوا المحل وشغلوه. كفاية عليا أوي لحد كده. صرفت عليكوا ياما." نظرت له بحدة مردفة: "جرا إيه يابا. هو إحنا هنضحك على بعض!
دانت بقالك سنتين مصرفتش عليا جنيه. وسلطان هو اللي كان بيديني مصروفي. ده حتى لبسي وشحن تليفوني منه. وإنت نفسك كنت بتاخد مني فلوس ياما. يبقى خف يا حج نعمان وقوم اشتغل." تراجع نعمان عن حدته مردفاً بترقب: "طب قومي. قومي هاتي أي حاجة من شبكتك لما أبيعها وأجدد المحل. المحل الرجل خفت من عليه. قومي يابت." ضحكت ساخرة تردف باعتراض: "دانتا تاخد حتة من لحمي ولا تاخد حتة من دهبي. دول حقي وهيتعانوا للزمن."
اشتدت ملامحه مجدداً واردف بغضب معانداً: "طب ورحمة أبويا ما أنا متحرك من مكاني. وابقي انزلي بقى إنتي وأخوكي افتحوا المحل."
كانت حكمت تتابع بضجر، فهي معتادة على هذه النوعية من الحوار بينهما، أما لمياء وضعت الشاي ودخلت غرفتها تغلقها خلفها، ثم اتجهت تفتح خزانتها وتناولت مفتاح وضعته تحت صف ملابس، ثم أخرجت صندوقاً خشبياً وفتحت به ذلك المفتاح تنظر داخله بطمع وابتسامة ثعبانية لمحتواه الذي عبارة عن ساعات ومجوهرات خطبتها وبعض العملات التي ادخرتها على مر السنتين، مردفة:
"خليكوا إنتوا كده متتحركوش. كان نفسي أزودكوا بس هقول إيه. منـك لله يا سلطان يابن السوهاجي. ربنا ينتقم منك يا غدار." *** في الصعيد. أحضر محمود جميع الطلبات التي طلبها سلطان منه ليلة أمس، وكذلك بعض الملابس التي أحضرتها سهيلة لسيلين واستعد للسفر. أردف محمود وهو يقف أمام والده: "تؤمرني بحاجة يا حج. إني هاروح أوصلهم الطلبات وأطمن عليهم وأعاود علطول." أومأ توفيق مردفاً برتابة:
"تمام يا ولدي. بس حاول تبعد عن مكان العدوى. بزيادة سلطان ومرته. وصل الحاجة وعاود علطول. ومتنساش تدي لابن أخوك فلوس معاه." أومأ محمود مردفاً بتفهم: "معايا يا حج وعامل حسابي علشان هو جالي أدفع حساب المستشفى كمان وأزود هبابة لأن فيه هناك حالات كتيرة محتاجة رعاية. ربنا يعدي الوباء ده على خير. ويرجع هو ومرته بالسلامة." خرجت منيرة من غرفتها ترتدي عباءة سوداء وتضع حجابها على رأسها مردفة باحترام:
"بعد إذنك يا با الحاج أنا هروح مع محمود. نفسي أشوف ابني." نظر لها توفيق بقلق مردفاً بخوف: "اهدّي يابتي. مينفعش تشوفيه واصل. هو ومرته معزولين ومش هيدخلوكي. خليكي هنا وكلميه في التليفون أحسن." تنهدت بضيق مردفة بحزن وقد لمعت عيناها بالدموع:
"قلبي واكلني عليه أوي وعلى مراته. امبارح سمعت في التليفزيون على الحالات اللي اتصابت وناس كتير راحت. خايفة أوي وهموت. وحاسة إني متقيدة ومش عارفة أعمل حاجة. ياريتني كنت منعته يروح. بس برضه مراته يتيمة يا حبة عيني وملهاش حد. أنا بين نارين يا با الحاج ومش عارفة أعمل إيه." اتجهت سهيلة تحتضنها بحنو مردفة برتابة وحكمة:
"يا خالة منيرة خلي عندك ثقة في الله. إنتي لو روحتي أكده ولا أكده مش هتشوفيه. وسلطان مستحيل يرضى يجيبك واصل. يبجى إحنا هنا نقعد وندعيله هو ومرته يرجعوا بالسلامة." تنهدت تومئ بضيق واختناق وليس بيدها حيلة، بينما روايح تتابع بشماتة وتشفى بصمت. غادر محمود بعدما ودعهم جميعاً منطلقاً بسيارته إلى القاهرة. *** في الشركة. وقفت وداد في ساحة الموظفين تردف بناءً على تعليمات سيلين: "يا جماعة...
طبعاً كلنا عرفنا بالخبر المؤسف إن سيلين هانم اتصابت بفيروس كورونا أثناء تواجدها في الصين لحل مشكلة الشركة. علشان كده هي عملت مكافأة لجميع الموظفين هتتصرف الشهر ده مع الرواتب بس ياريت كلنا ندعيلها هو وجوزها الأستاذ سلطان لأن هو كمان معاها في المستشفى." تعجب الموظفون وبعضهم تسائل بفضول: "الأستاذ سلطان! مش ده اللي كان حارس شخصي ليها وهي طردته! أردفت وداد بثبات مانعة تكملة الحديث:
"ياريت نخلينا في شغلنا أحسن واللي يقدر يدعي للهانم هي وجوزها يدعي. أما بقى التساؤلات واللي حصل واللي محصلش فبيتهيألي مش من حق حد يدخل في حياة الهانم الخاصة. كل واحد يخليه في شغله وبس. عن إذنكم." غادرت هي عائدة إلى مكتبها لتباشر المهام التي أطلعتها عليها سيلين عبر الواتساب، بينما سمع نبيل ما قالته وداد للشركة ودلف مكتبه يجلس بغضب ووعيد: "سلطاااان... سلطاااان...
مابقاش نبيل الحلواني إن ما ندمتك يا كلب. والمليون اللي إنت خدتهم مني هتدفع مكانهم روحك. بقى إنت بقيت جوز سيلين هانم يا حتة حسالة! معلش... اصبر عليا." *** بعد ساعات في مستشفى العزل. استيقظت سيلين بإرهاق ووجع حاد في كامل جسدها تتطلع على سلطان النائم بقلق. حاولت إسناد نفسها قليلاً وأردفت تنادي عليه: "سلطان! لم يجيبها، فـرفعت يدها تتجسس حرارته فوجدتها مرتفعة جداً ويبدو أنه فاقد للوعي. اتسعت عيناها بخوف وأردفت تحركه بعنف:
"سلطاااان فوق... سلطاااان." تمتم بصوت منخفض أثر حرارته وصعوبة تنفسه: "صدري... محتاج هوااا." أسرعت تنزل من الفراش بترقب بعدما ارتدت كمامتها، وعندما لامست قدماها الأرض شعرت بدوار كاد يسقطها ولكنها تحاملت وأسندت إلى أن وصلت للباب، فحاولت فتحه ونظرت حولها تنادي بوهن: "دكتووور... أي حد هنا... إنتوا فييين." أسرعت إليها ممرضة ترتدي بذلة العزل وتحدثها بحذر مردفة:
"لو سمحتي يا هانم مينفعش تخرجي. ياريت تدخلي تاني وأنا هناديلك الدكتور." تنهدت سيلين مردفة بصراخ مكتوم وتألم: "جوزززي حرارته عالية جداً ونفسه ضيق خالص. خلي الدكتور يجيله حالا... بسررررعة." أومأت الممرضة وأسرعت تنادي الطبيب، بينما سيلين عادت للداخل بحذر كي لا تسقط واتجهت لعنده تنادي مجدداً بقلبٍ منفطر حزين ودموع: "سلطان... فوق علشان خاطري... سلطان إنت سامعني."
هز رأسه بتعب ومد يده يتناول يدها ويربت عليها كأنه يطمئنها، ولكن نفسه بطيء جداً ونبضه يكاد يعمل. جاء الطبيب مسرعاً يرتدي نفس البدلة واتجه يعاين سلطان بحذر فوجد حرارته عالية وتنفسه بطيء، فأردف للممرضة التي أتت خلفه: "جهزي الأكسجين فوراً... وهاتي إبرة ***." أسرعت الممرضة تلبي طلبه وبالفعل تم وضعه على جهاز التنفس الصناعي حتى تنتظم أنفاسه، وأعطى له الطبيب الإبرة الخافضة للحرارة مردفاً يسأل سيلين التي تقف تستند على
الفراش وتطالعه بحزن بترقب: "هو جوزك بيدخن! هزت رأسها تردف بوهن: "لأ خالص يا دكتور، ليه؟ تنهد الطبيب مردفاً: "الجهاز التنفسي عنده مناعته ضعيفة جداً. تكاد تكون معدومة ومش قادر يهاجم الفيروس." تنهد مسترسلاً وهو يفحصه مجدداً بترمومتر الحرارة: "طيب عنده حساسية أو مرض رئوي؟ هزت رأسها تردف بحزن وألم انتابها: "لأ... لأ خالص... هيبقى كويس صح! قول إنه هيبقى كويس." أومأ الطبيب مطمئناً يردف:
"اهدّي يا سيلين هانم. التحاليل هتظهر دلوقتي وهطمنك. متقلقيش خالص. إحنا مش هنقصر معاكوا." نظر للممرضة يردف بعملية: "جهزيه بعد ما جلسة الأكسجين تنتهي. لازم ياخد شاور بارد علشان يفوق." خرج بعدما فعل اللازم، وأردفت سيلين بغيرة وهي تطالع الممرضة التي تنتظر انتهاء جلسة الأكسجين: "خلصي إنتي الجلسة لو سمحتي واخرجي وأنا هدخّله ياخد الشاور." تطلعت عليها الممرضة مردفة باعتراض: "مش هينفع طبعاً. إنتي كمان مصابة ومش هتقدري."
نظرت لها سيلين بغضب وقد أتتها قوة لا تعلم مصدرها، يبدو أن الغيرة ضاعفت قوة المناعة لديها، فأردفت بنظرة صارمة وصوت حاولت أن تخرجه حاد: "هقدر. أنا أولى بجوزي. لو سمحتي خلصي الجلسة واخرجي." نظرت لها الممرضة بتعجب ثم هزت كتفيها بقلة حيلة تردف باستسلام: "تمام، اللي يريحك."
انتهت الممرضة من عملها وفصلت الأكسجين عن سلطان الذي بدأت تنتظم أنفاسه، ولكن حرارته ما زالت مرتفعة. خرجت الممرضة تغلق الباب خلفها بتهكم، بينما اتجهت سيلين إلى سلطان تناديه برفق مردفة: "سلطان! حبيبي... حاول تقوم معايا. تمام! أنا هسندك ونروح الحمام لأن لازم تاخد شاور."
تحامل سلطان على حاله وهو يحاول فتح عينيه، بينما هدأ تنفسه ووقف يحاول أن لا يلقي بحمله على جسدها الضئيل. وقف يدعي الاستناد عليها، بينما في حقيقة الأمر كان يضمها وهي تظنها تسنده، إلى أن وصلا للمرحاض. فتحت بابه وأدخلته ودلفت معه مغلقة الباب خلفها. اتجهت معه تسانده حتى وصل إلى قاعدة المرحاض فأجلسته عليها، واتجهت تحضر الدش المتحرك وقد فتحت صنبور الماء البارد مع قليل جداً من الماء الساخن حتى أصبحت تشبه في حرارتها قطرة العين. اتجهت لعنده مجدداً وقامت بنزع قميصه كذلك بنطاله وتركته بملابسه الداخلية. تناولت الدش وبدأت تسقط عليه الماء الهادئ بحنو ونعومة وهي تفرك شعره وتتمسك برأسه، ولكنه ارتعش بسبب حرارة جسده.
تطلعت عليه مردفة بترقب: "سلطان! الميه باردة عليك؟ هز رأسه بلا وقد بدأ يعتاد على حرارة الماء، فأغلقت الماء الساخن تماماً وقد انسابت فوقه مياه باردة فقط لتخفض من حرارته كما قال الطبيب. بعد دقائق بدأ سلطان يستعيد وعيه وتركيزه قليلاً وبدأ يدرك أنها قربه وتفرك رأسه بحنو، فمد ذراعيه يحتضن خصرها بحنو وتملك ويضع رأسه على معدتها مردفاً بحب ومشاكسة وصوت منخفض: "مش قلتلك ناخد شاور قولتي عيب! ضحكت بسعادة متناسية آلامها
تردف وقد ابتلت ملابسها: "ههههه... أيوه كده طمنتني عليك... بقيت أحسن! قبل أحشاءها بحنو يردف متنهداً عشقاً: "ربنا يخليكي ليا... مش عارف إيه اللي حصلي فعلاً... حسيت إن نفسي بيتسحب... واضح إن الفيروس ده مش سهل خالص." مدت يدها تغلق الصنبور واردفت بحزن وقلق: "سلطان، هو إنت عندك فعلاً مرض رئوي! يعني حساسية أو سعال مزمن؟ هز رأسه بنفي يردف: "لأ الحمد لله. متقلقيش أنا بقيت تمام." نظرت لملابسها المبتلة وقد تذكرت أمرها تردف:
"سلطان! شنطة الهدوم اللي كانت معايا في الصين بره... هروح أجيب منها غيار وأجي." أوقفها يردف بلغة آمرة: "استنى متخرجيش وإنتي مبلولة كده. أنا هجيبها." وقف بحذر وهدوء يتناول ملابسه ثم ارتداهم فوق ملابسه الداخلية المبتلة تحت أنظارها القلقة، ولكنه مضطر. خرج بهدوء للغرفة ثم اتجه للخزانة يحضر منها الحقيبة ويخرج منها ملابس حبيبته، ثم عاد إليها يردف بترقب: "سيلين بدلي دول. وأنا هستناكي بره." أردفت متسائلة بقلق:
"طيب وإنت هتلبس إيه؟ هدومك غرقانة ميه! أردف مطمئناً يبتسم لها: "متقلقيش عمي محمود زمانه على وصول ومعاه كل حاجة." أومأت باستسلام وخرج هو يجلس على الفراش ينتظرها، فجسده مرهق جداً، بينما طرق الطبيب الباب ودلف يطالعه بترقب متسائلاً: "سلطان! إنت كويس؟ أومأ سلطان مردفاً بإرهاق: "كويس يا دكتور. خير؟ تنهد الطبيب مردفاً بتعجب:
"مش عارف أقولك إيه يا سلطان. بس نتائج التحاليل أظهرت إن جسمك بيستقبل مادة مسممة. والمادة دي بطيئة المفعول وصعب ظهورها بسهولة. ودي بتسبب الوفاة على المدى البعيد." انصدم سلطان ونظر للمرحاض بحذر، ثم أردف متسائلاً قبل أن تخرج حبيبته: "إزاي يا دكتور الكلام ده. ومن إيه المادة دي؟ تنهد الطبيب يردف بترقب:
"واضح إن فيه حد متعمد يحطهالك في أكل أو مشروب. لأنها مستحيل تدخل الجسم بأي طريقة تانية. ياريت تراجع ذاكرتك كويس. وتعرف مين اللي ممكن يعمل كده. وتحمد ربنا إننا اكتشفنا ده دلوقتي قبل ما الموضوع يسوء. صحيح وضعك مع الكورونا هيكون صعب شوية. بس تأكد إننا مش هنقصر معاك." غادر الطبيب، بينما شرد سلطان يفكر بذهول وصدمة من ممكن أن يضع له سُمّاً قاتلاً في طعامه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!