مضي يومان وحنين تختبئ بغرفتها لا تعرف لماذا تشعر أنه يراقبها. عطره الآخاذ يعلق بأنفها طوال الليل وفي الصباح يختفي. تجد أشياء جميلة يهديها إليها معلقًا إياها على باب غرفتها. أما هو، فيقضي المساء بجوار فراشها يتأملها بشغف ويحكي لها معاناته مع والده وخطيبته وكل ما مر به. كانت بالنسبة له شاطئًا مريحًا يجبره على نبذ ما في قلبه من ألم ليعود هادئًا مطمئنًا شاكرًا. وفي الصباح ينام طويلًا حتى لا يزعجها.
فتحت فرحة عينيها ببطء وثقل. شيء غريب بداخلها. خوف أم طمأنينة لا تدري. قاومت رغبتها في النوم وحركت رأسها لتستفيق. وتذكرت آخر ما حدث لها. كان سقوطًا من مكان مرتفع. نهضت من مكانها برعب. دارت بمقلتيها في المكان. ثم تذكرت ما حدث. نفضت الغطاء عن جسدها لتفحصه إن كان به أذى. كانت سليمة ولا يوجد بها خدش، سوى أنها ترتدي قميصًا أسود عاري الأكتاف. لطمت وجهها بعنف. وراحت تبحث عن ملابسها في الأرجاء. وهتفت بنبرة مذعورة:
–يا مصيبتك السودة يا فرحة، يا فضحتك يا فرحة. لم تجد سوى غطاء رأسها. طرحته على كتفيها وخرجت من الغرفة بتوجس. لم تصدر صوتًا وتعمدت الهدوء في خطواتها. وتسللت للخارج. سمعت صوتًا قادمًا من المطبخ. تحركت نحوه بحذر. ظهر لها ذلك المجهول الذي أنقذها أمس مولياً لها ظهره منشغلًا بالطبخ. وضعت يدها على صدرها وتنهدت بارتياح. قال زين دون أن يلتفت نحوها: –كل دا نوم، أنا افتكرتك متي.
أمالت رأسها بتعجب لتتأكد من أنه يحادثها. فإنه لم يلتفت لها وهي لم تصدر صوتًا. كيف عرف أنها خلفه على بعد أمتار؟ صاح بصوت عالٍ من بين ضجيج البوتاجاز. وأمال رأسه للخلف. –جعانة؟ تساءلت هي بضيق: –أنا فين؟ دار زين بجسده كاملًا وعقد ذراعيه أمام صدره. وقال بجدية: –سيناء. تشنجت قسماتها وهي تهتف: –نعم! إزاي وإمتى؟ حرك كتفيه غير مبالٍ: –مش كنتي عايزة تهربي! هدرت بضيق وعلا وجهها علامات الحيرة:
–أهرب مش أسافر. إزاي أصلًا جيت هنا وإزاي عشت بعد ما وقعنا من على الجبل؟ كان يستمع إليها باهتمام. وينتظر المزيد من الأسئلة. عاودت النظر إلى هيئتها وازدادت صدمتها وتشنج وجهها. كانت قد تناست أمر ملابسها لما وقع على مسامعها للتو: –مين اللي لبسني كده؟ دار بجسده كاملًا نحو البوتاجاز ليدير المقبض ويطفئه. وأجابها بلا مبالاة: –أنا! لم تستوعب كلامه ولم تصدقه أو لم تشأ تصديقه: –أنت.. إزاي؟ علا وجهه بشبح
ابتسامة وهو يقطع ما بيده: –زي ما أنتِ شايفة. تصاعد الغضب بداخلها وزمجرت بغضب وهي تهرول نحوه: –يا سافل.. يا قليل الأدب.. يا حيوان. وهجمت عليه بكلتا يديها وراحت تلطمه في ظهره بغل. أكمل هو ما بيده غير مهتم واسترسل ما يفعل. ببرود متناهٍ. زاد غضبها من عدم تأثره. فمسكت المعالق الخشب واستدارت تبحث عن شيء أكثر غلظة لتفرغ من شحنة غضبها.
وبمجرد ما استدارت، التف هو إليها وباغتها بحركة سريعة وجذبها نحوه من خلفها وقيد حركتها. وهمس ماكرًا: –أنتي طلعتي شرسة جدًا. واقترب أكثر من أذنيها بشفاه وهمس: –وأنتي نايمة أحلى. جحظت عينها من تجرؤه. وبسرعة أمالت رأسها نحو يده وقطمتها بغل. صاح هو متألمًا: –آآآه.. يا بنت العضاضة. أزاح يده عنها وأمسك يده متألمًا. فابتعدت عنه. وغطت كتفها العاري بإحكام. حرك يده متألمًا: –آخ.. أنتي طلعتي مش سهلة. –روحني. هتفت بها بحدة.
–أروحك فين؟ –عايزة أمشي.. من هنا.. رجعني مكان ما جبتني. خرج زين من المطبخ بخطوات هادئة وجلس إلى إحدى الكراسي ووضع ساقه على ساقه. وهتف بتفاخر: –أنتي مش قولتيلي هربني وديني أي حتة؟ وما ترجعنيش ليهم تاني. واللي أنتي عايزاه اتنفذ أهو. عايزة إيه تاني؟ تألمت وتذكرت مشكلتها الأساسية في فوضى ما حدث. جلست على إحدى الكراسي باستسلام وحزن. –ما أنا ما قولتيليش إني جاية من الصعيد لسيناء. هتف هو بضيق وهو ينظر إليها بطرف عينه:
–أنتي حكايتك إيه بالظبط؟ لم تجبه وسكتت عن عمد. ضيق عينيه الحادتين وهدر: –ما تردي. حركت رأسها بتعب. –أنا مش عايزة أتكلم في حاجة دلوقتي. اعتدل في جلسته بخفة وبحدة شديدة جعلتها تنتفض: –مفيش حاجة اسمها مش عايزة أتكلم دلوقتي. اللي أقوله يتسمع. وإياكي تكذبي في حرف. أنا جبتك معايا هنا لأنك اتشافتي معايا وعشان أضمن إنك عايشة. ورفع إصبعه محذرًا.
–وحسك عينك أي حاجة شوفتيها ينطق بيها لسانك هيكون آخر يوم في عمرك. واللي أقوله يتنفذ بالحرف. دلوقتي انطقي اسمك إيه بالكامل. كانت تنظر إليه برهبة شديدة. إذا من يقف أمامها ليس بشخص عادي. إنه ذئب شرس ورجل قاتل محترف. تعثمت في البداية. ولكن لا مفر ستجيب. فهي من وضعت نفسها في ذلك المأزق. –آآآآآسمي فرحة فتح الله القناوي. عاد لوضعه وجلس على الكرسي بحرية. –منين؟ –من الوراق. –وأصلنا من الصعيد.
رفع ساقيه على الطاولة وضع إحداهما على الأخرى. –مين اللي كانوا بيضربوكي على الطريق دول؟ حركت رأسها بتوتر. –قولتلك. دول ولاد عمي. وبينهم واحد المفروض خطيبي. زين حرك رأسه بحيرة. –ولما هما ولاد عمك وخطيبك إيه خلاكي تسيبيهم وتركبي مع واحد ما تعرفيهوش العربية؟ ارتبكت فرحة أكثر وراحت تزيل خصلات شعرها المتهدلة خلف أذنيها بتوتر. –عشان ما كنتش عايزة أتجوز. زين تفحصها بجرأة. أشعر لها بدنها وضغط على الكلمات وهو ينطقها.
–وما كنتيش عايزة تتجوزي ليه؟ أجابت بضيق: –عشان محدش خد رأيي. كانت جوازة غصب. تفحصها هو بعناية. ثم أخرج هاتفه الخاص بهدوء. وضغط أرقامه سريعًا. وانتظر الإجابة بوجه يصعب تفسيره. وتحدث بنبرة آمره: –أيوه يا عمار عايزك تسأل عن واحدة اسمها فرحة فتح الله القناوي ساكنة في الوراق. عايز تاريخ حياتها من أول ما اتولدت لحد دلوقتي. وأغلق الخط. وهب واقفًا من مكانه. والتقط قميصه المسجى على الأريكة بإهمال. ورفعه إليه ليرتديه.
وتحدث بجفاف: –عندك أكل في التلاجة، والبيت أمان. خدي راحتك لحد ما أتأكد من اللي قولتي. ولو طلع كذب وديني ما هيطلع عليكِ صبح. أغلق آخر زر في قميصه وهتف محذرًا: –وما أنصحكيش تخرجي. كانت تستمع إليه بخوف ولكن لا خيار لها. إنها علقت مع مجرم. فرغ فاه وهو يهذي: –آآآيه، أنا هفضل هنا. عدل هو ياقته وهتف وهو غير مهتم: –أنتي مش عايزة ترجعي وأنا كمان مش هسمحلك ترجعي بعد اللي شوفتيه.
لم تسمع سوى صوت الباب الذي انغلق بقوة. باب سجنها الجديد. هتفت هي برعب وهي تلطم خديها: –يا وقعتك السودة يا فرحة، يا مصيبتك السودة، يا غبائك يا فرحة، أنا اللي جبته لنفسي. في الصعيد. كانت زينات ترقد بلا حراك في الفراش. إذ أتى إليها الطبيب. التف حولها نساء العائلة بين مشفق وشامت دون الطبيب على الروشتة. بينما هتفت هنية وهي تضع طرف حجابها على فمها: –مالها يا دكتور؟ لم يحد نظره عما يكتب وأجاب وهو يعقد جبينه:
–هي تحت ضغط عصبي ونفسي. ترتاح بس وما حدش يضغط عليها. وهي هتبقى كويسة. ناولها أخيرًا الروشتة وهتف بابتسامة مزيفة: –ألف سلامة. التقطت منه الروشتة وهي تحدثه: –متشكرين يا دكتور. وفي غرفة أخرى. احتد الحوار وأصبح الصوت عاليًا. إذ تحدث وهدان بلهجة معاتبة إلى أخيه: –هنعمل إيه في العار اللي لحقنا ده يا فتح الله؟ خبط كفيه ببعض بضيق: –أعملكم إيه، البت وطفشت. لوح وهدان بيده وهو يقول: –خلاص نبلغ الحكومة. اعتدل أمين وصاح بغضب:
–كأنك اتجننت وتفضحنا. –إحنا نقلب عليها مصر كلها. وأما تيجي لاهي بتك ولا ليك عليها كلمة. إحنا هنربيها. هدر فتح الله منفعلًا: –اعملوا اللي تعملوه.
كان عزام صامتًا تمامًا طوال كل هذه المشاحنات. وبداخله نيران وانتقام ووعيد لتلك العروس الهاربة التي وضعت تحت قدمها شرف عائلة كاملة دون مبالاة. والتي أتت مع أمه من سنوات لتفتنه وهو شابًا صغيرًا وتتركه على لوعته. فهو لم ينساها طوال السنوات الماضية. تعلق بها من وقتها إلى الآن وكان يراها في أحلامه دومًا كنجمة تتدلل. وعندما سنحت الفرصة له اغتنمها بلا تفكير. أثناء عرض عمه الأكبر على أبناء عمومتها الزواج من ابنة عمهم المهاجر بناء على رغبته. هتف هو على الفور بأنه مستعد للزواج منها وحسن تأديبها لأنها آتيه من بيئة مختلفة.
كانت قاب قوسين أو أدنى من قبضته. وفجأة اختفت داخل سيارة ذلك الغريب واحتمت به عوضًا عنه. كان وعيدها منه لا تستوعبه ولن تعلم به. فقد كانت طفلة صغيرة حينما أتت مع أمها من سنوات لتحضر عزاء خالتها أمينة. ولم تدرك أي مشاعر ولم تلاحظ حتى ذلك المتيم بها. في سيناء.
ملت من الهدوء المميت في المكان. وكل ما يشغل بالها الآن هو أين اختفت ملابسها. تحركت في الشقة وحاولت استكشاف المكان. بحثت جيدًا وفتشت في كل الأرجاء ولم تجد شيئًا. أخيرًا دخلت المطبخ وسال لعابها نحو الرائحة الذكية التي تأتي من الطعام الذي أعده زين. ترددت كثيرًا قبل أن تمد يدها إليه. ولكن في النهاية استجابت لنداء معدتها وتناولت من ذلك المقلاة حساء عجيب ولكنه راق لها. فبدأت بالتهامه بتلذذ. في الساحل.
لم تبدل حنين إسدالها لمدة ثلاثة أيام. اليوم قررت أن تغسله على يديها وأن ترتدي أي شيء حتى الصباح. فقد اطمأنت من ناحيته أنه لم يعد يزعجها كالسابق. وترك لها مساحة خاصة. ولم تكن تدري أنه يأتي إليها سرًا ويجلس إلى جوارها لمنتصف الليل.
غسلت إسدالها وملأت البانيو بالمياه الباردة واستعدت لتنعم بالراحة. دار ما مضى من حياتها نصب عينيها. أغمضت عينيها وهربت منها دمعة شاردة. لم تجد مخرجًا من تلك الحفرة التي زج بها زوج خالتها بلا شفقة. ومن قبل أبيها. واه من جرح أبيها العميق. ويل من الألم ستعانيه مجددًا. آلاف الآهات مزقت قلبها. ستجعلها تقاوم بشدة. من استمال قلبها نحوه. فما عانته من قبل ليس بالأمر السهل.
أنهت حمامها وجففت جسدها بالفوطة جيدًا. وبحثت في خزانتها عن شيء مناسب لذوقه لترتديه. فلم تجد سوى هوت شورت من خامة الجينز وبدي. ارتدتهم بضجر وهي تهتف بتذمر: –هو فاكرني إيه؟ إيه الزبالة دي؟ استغفر الله العظيم. مش عارفة الحاجات دي بيدفعوا فيها فلوس إزاي. مشطت شعرها أخيرًا واندثرت تحت غطائها الرقيق واستسلمت نومها العميق.
كان إياد يراقب غرفتها من الحديقة الخاصة. كان منتظرًا بفارغ الصبر أن تطفئ النور كي يستمتع إلى جوارها. انتظر قليلًا كي يضمن غرقها في النوم. ثم ابتسم بسعادة وهو يلاحق عقارب ساعته بعينيه. دقت الثانية عشر واتجه إلى الداخل بخطوات سريعة. لقد اشتاق إليها حقًا. صعد الدرج قفزًا ووقف بجوار غرفتها برهة لينظم أنفاسه. نقر بخفة نقرات متتالية وتنصت جيدًا ليتأكد من خلودها إلى النوم. لكنه سمع صوتًا هامسًا. أوهمه. اقترب أكثر من الباب ليسمع بوضوح. ولكن لم يفهم شيئًا. طرق الباب مرة أخرى بصوت أعلى. ولكن لم يجد استجابة. دب القلق إلى أوصاله. وفتح الباب بلا تردد.
كانت حنين في زاوية الغرفة. اقترب أكثر منها. ولكن كانت تبدو في سبات عميق. ولكن كان وجهها متشنجًا ودموعها تسيل بغزارة. يبدو عليها القهر. شعر إياد بالضيق لرؤيتها في تلك الحالة. ناداها بصوت متحشرج وقلق: –حنين. لم تجبه بل ازدادت تشنجًا وراحت تصرخ: –حرام عليك، عملت فيا كده ليه؟
ازداد قلق إياد عليها وتمزق قلبه لرؤيتها في مثل هذه الحالة الصعبة. اقترب منها بسرعة. بدأ يهزها بقوة كي تفيق. ولكن كانت مستسلمة لذلك الكابوس الذي يزورها منذ الطفولة كلما واجهت شيئًا مقلقًا. اقترب منها أكثر وجلس إلى جوارها بطرف السرير. ورفع جسدها بين ذراعيه. احتضنها هو بقوة وراح يناديها في أذنها: –حنين، فوقي، فوقي حنين سمعاني. أخيرًا استجابت حنين وشهقت كالغريق: –هااااام. معه ردت إليه روحه التي كانت على وشك الخروج.
–مسح هو برقة بالغة على شعرها ليهدها وهتف يتسائل: –مالك يا حنين؟ –ابتعدت عنه ومالت بجسدها للأمام وأسندت رأسها إلى كفيها بتعب وتلاحقت أنفاسها. ناداها مكررًا: –مالك يا حنين؟ –هتفت بألم: –مجرد كابوس. تشنجت قسماته إذا شعر أنها تخفي عنه الكثير وهتف بضيق: –كدابة. في حاجة أكبر من أنه كابوس. فتحت عينيها ولم تجب. آثرت الصمت ودفنت جرحها الغائر داخلها. –بيتهيألك. أشاح وجه بعيدًا وزفر في ضيق وعاود النظر إليها هاتفا بحدة:
–لا كدابة. وما بيتهيأليش. وأنتي عارفة. إن الكذب حرام وبتكذبي وكمان على جوزك. ده أكبر حرام. قسما بالله لو ما قولتي انتي حرة يا حنين. رفعت وجهها نحوه أجابت بعند: –ما يخصكش وما يهمكش تعرف. أنا هنا عشان أقضي يوميني وأمشي. وده اللي يهمك. نهض إياد من جوارها واتجه نحو الباب. وشعرت حنين أنها لا تعني له شيئًا الآن. وألّمت نفسها على شعورها تجاهه ولو بقدر بسيط. توقف إياد عند الباب وأغلقه عليهما بقوة وسحب الكرسي وهتف ببرود:
–وادي قاعدة. ويا تقوليلي الحقيقة يا حنين. يا ننفذ اتفاقنا فورًا. مش بتقولي إن إني جايبك نقضي يومين؟ أنا سايبك بمزاجي يا حنين. افهمي دي كويس. أنتي دلوقتي مراتي قدام الدنيا كلها. مش هعرف أثبتلك إنك مراتي جوة بيتي. فإنجزي وخلصي وقوليلي أحسن لك. نزلت دموعها من فرط ضعفها وشعرت بمرارة الأيام التي ترعرعت عليها منذ نعومة أظافرها في فمها. وقالت بصوت حزين: –عايز تعرف إيه؟ بإصرار:
–كل حاجة. ليه فرحة قالتلي إنك مش عايزة تتجوزي حد غني؟ وليه زعلتي لما عرفتي إني إياد الأسيوطي؟ وليه بتجيلك كوابيس بالهستريا دي؟ وأهلك فين؟ أمك، أبوكي؟ ليه عايشة مع خالتك؟ سكتت قليلًا لتستوعب كل الإجابات التي ستؤلمها الآن. وتجسد أمامها ماضيها كأنه نصب عينيها. واعتدل إياد وضيق عينيه باهتمام. إذا بدأ عليها الإثارة قبل أن تحكيه.
–أمي متوفية. والسبب مقهورة. والدي كان عين أعبال الصعيد. راجل واصل وكلمته مسموعة. وأمي كانت بسيطة وعلى قد حالها. شافها والدي أعجب بيها واتقالها بالدهب زي ما بيقولوا. أهلها كانوا فرحانين. لأنها هتجوز عبد الرحيم بيه. عاشت وياه في قصره خدامة وعز ودهب وكل اللي تطلبه تلاقيه. لحد ما جيت أنا. وشوفت كل اللي حوالينا بيعملوا أمي على إنها بنك متحرك. سواء أهلها أو غيرهم متجاهلين سعادتها. أمي كانت بتحب أبويا بس أبويا كان كل يوم مع واحدة شكل ويرجع نص الليل. كانت أمي بتموت من جواها ومع ذلك عايشة تدي تدي كل اللي حواليها. أنا وأهلها وكل محتاج. في يوم من الأيام جه أبويا ومش أي جيه. دا جاي معاه واحدة.
وتجسدت الصورة نصب عينيها كاملة. دخل عبد الرحيم محتضنًا امرأة غريبة تهمس له في أذنه وتضحك عاليًا. تعجبت أمينة مما رأته ونزلت الدرج بسرعة وهي تتساءل: –مين دي يا حاج؟ جاب هو وهو يربت على كتف المدعوة بسعادة: –دي مراتي يا ولية. –ضربت أمينة على صدرها وصرخت: –يا مصيبتي.. اتجوزت عليا يا حاج. –الله، أنتي هتعلي صوتك يا ولية ولا إيه. اتكتمي وروحي حضريلي الحمام. مرت على صدرها بكفيها وهتفت قائلة:
–يا مصيبتي يا مصيبتي. وهونت عليك، حرام عليك يا شيخ. جحظت عينيها الأخرى وهو يصدح بصرامة: –حرمت عليكي عيشتك يا ولية. أنتي هتولولي في وشي يا بوز الفقر. سمعت ضحكة مجلجلة من المدعوة التي تقف بين أحضانه: –هيهيهيهيهيهيهيهبهي.. ما خلاص يا عبدوا بقىيلا إحنا وهي. سيبها تنصدم براحتها. استجاب سريعًا وهتف بنعومة غير معهودة: –عندك حق. ثم أشهر إصبعه في وجه أمينة محذرًا:
–خلي بالك يا ولية أنتي. الست دي سنيورة الدار. ما تعمليش أي حاجة. الخدامين يشلوها شيل من على الأرض. هتفت تلك اللئيمة بدلال ماجن: –لا يا عبدوا أنا عايزة دي اللي تخدمني. وأشارت بطرف بنانها نحو أمينة. لم يعترض عبد الرحيم وأجابه بالقبول وهو يمسح بأطراف أصابعه أسفل ذقنها: –ومالو. كلامك أوامر يا قمر.
عندها بكت أمينة بقلب يتمزق. لقد أحبته من كل قلبها وصبرت عليه طوال الأيام الخالية لكي يهتدي ويعود إلى منزله ويحنوا على ابنته. عشقته تلك الساذجة واستسلمت له ولم تدرك إلى أي منحدر سيلقي بها. كانت حنين تتابع المشهد من بين أخشاب السلم العالي وهي تبكي أيضًا على بكاء أمها. هتفت أمينة لتطفئ نيران قلبها وتعزيه بكلمات لعلها تهدئه أو تعيده إلى رشده: –منك لله يا شيخ. روحت فنيت شبابي عليك. حسبنا الله ونعم الوكيل فيك.
عندئذ رفع عبد المجيد يده عاليًا في الهواء وهوى بقوة على وجنتيها. فسقطت إلى الأرض. برزت عيناه بشرًا: –أنتي بتحاسبيني عليا يا سو. والله لأربيكي. نزلت حنين الدرج بسرعة لتحمي أمها بيديها الضعيفة المرتعشة. لكنه لم يتوقف وازداد عنفًا. وراح يلطمها في أجزاء متفرقة من جسدها وهو يهدر بانفعال: –شباب مين اللي فانيته. ما كله كان بحسابه. ليكي ولاهلك. يا عالم عرررر. رفعت أمينة وجهها نحوه وهي تنزف وتبكي:
–والله لأشتكيك لخالك يا عبد الرحيم. كانت تعلم أنه ليس له سلطان. تعلم مدى سلطته ونفوذه. ولكن كانت محاولة بائسة لردع ذلك الوحش الكاسر عنها. ركلها بقدمه بكل غل: –بتهرجي إيه. أنا اتخنقت منكِ ومن رغيك الفاضي. روحي وأنتي طالق بالتلاتة. كانت الكلمة كأنها طلق الرصاص حقًا. نطق حروفها فزع حقيقي. فزع من مستقبل. فزع من المجهول. انتابتها الصدمة وتوقفت عن البكاء تمامًا. هتفت بسخرية من معه:
–هههههههههههه.. مبروك يا أختي.. الفرحة بقت فرحتين. دس عبد الرحيم يده إلى جيب جلابيبه وأخرج أوراق مالية كثيرة وقذفها بإهمال بوجهها وهدر بحدة وانفعال: –خدي دول وبتك وماشي من هنا. مدتك خلصت. فارقي. لم تتحرك أمينة من فرط صدمتها وآلامها. وظلت تهتز بصورة فجائية. لم يبالي بألمها أو بحالتها السيئة. سحبها من ذراعها وهو يسحلها إلى خارج المنزل بعنف بالغ. سكتت حنين في جلبابه وهي تهتف بدموع ورجاء:
–آآآباه.. آبااااه.. حرام عليك يا أبوي. حرام عليك يا.. أبوي. لم يشعر بها والدها ولم يسمعها. وزجها إلى خارج البوابة. هنا وقفت حنين بوجهه. لم يهتم أو ليسمعها تبكي: –أباه حرام عليك. هدر غاضب: –حرمت عليكي عيشتك. غورى معها. ودفعها إلى أمها التي كانت مسجاة على الأرض بلا حراك. وأغلق الباب بوجهه. وتركهما في الخارج يقاسون صدمة مؤلمة. توقف قلب أمينة في تلك اللحظة إثر ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم. وظلت حنين تهتف ببكاء مرير:
–أمَــه، أمَـــه. وظلت تحركها بعنف حتى أدركت أنها وافتها المنية. في مكان مظلم منعزل. وقف زين مع شخص مجهول. زفر زين بارتياح: –ها. هتف الآخر مؤكدًا: –فعلاً هربانة وأهلها قالبين الدنيا عليها. ومن الواضح إنهم هيقتلوها. زم شفتيه: –اممم.. طيب. رفع ذلك المجهول يده نحوه متسائلًا: –إيه الآتي طيب؟ هتعمل إيه في المصيبة دي؟ حرك زين رأسه بضيق: –تؤ، هعمل إيه. قولي أنت؟ حك رأسه الآخر وهتف متحيراً: –مش عارف. حرك يده بلا مبالاة:
–خلاص خليها. أهي قاعدة لحد ما نخلص. باغته ياسين بغضب: –البت دي شافت كتير. اقتلها وأخلص منها. كدا كدا أهلها هيقتلوها لو شافوها. حدق زين في الفراغ. وأظلمت عينيه وهو يهتف: –ما هي هتموت. بس مش دلوقتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!