ذهبت فرحة بصحبة حنين إلى البيوتي سنتر، كان المكان يوحي بأنه قاعة أمراء وليس بمكان عادي. اتسعت عين فرحة وهتفت بإعجاب: –دا شكله ابهة اوى. حنين: –ايوة تلاقي صاحب الشغل. وسكتت فجأة لشعورها بعدم الاطمئنان. قالت فرحة ممازحة: –طيب ما تخليه يعرفني صاحب الشغل. حنين ضحكت: –وربنا انتي مجنونة.
اُصطحبت الفتيات إلى غرفة لتجهيز العروس. في ظرف ساعات، أتقنت خبيرات الشعر وخبراء التجميل عملهن على حنين، وجعلنها شيئًا آخر، أزلن عنها آثار الإجهاد التي اعترتها الفترة السابقة.
اتجهت حنين إلى غرفة منفصلة لترتدي فستان زفافها. خلعت عنها عباءتها السوداء وارتدته بحرص، وقفت أمام المرآة الكبيرة بالغرفة، تغنجت بفستان زفافها اللامع، ودارت حول نفسها بسعادة عدة مرات سريعة حتى طار ذيله. كان جميلًا براقًا يأخذ العقل بذيل طويل ولون زاهٍ. رفعت يدها إلى السماء في تمني أن يصلح الله أحوالها وتعيش حياة راغدة مستقرة مع زوجها.
خرجت للفتيات لإتمام زينتها. ارتدت حجابًا مناسبًا وعليه تاج فضي اللون. لم تفرط في زينتها، بل اختارت الهادئ. أتمت الفتيات عملهن، وهتفت المباركات والتهنئة من الجميع. –بسم الله ما شاء الله، أجمل عروسة. –ألف مبروك يا جميل. –مبروك يا عروسة. –مبروك يا قمر. احتضنتها فرحة بشوق، وذرفت الدموع على فراقها. فهي أختها وأقرب صديقة لها، أكثر من كونها ابنة خالتها، هي تعني لها الحياة. مسحت دموعها بطرف إصبعها.
–ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك. سيطرت حنين على دموعها قدر المستطاع حتى لا تفسد زينتها، وقالت بنبرة متحشرجة: –الله يبارك فيكي حبيبتي، وربنا يسعدك انتي كمان. لوحت فرحة بيدها بهدوء: –بس اوعك تعيطي، هتبوظي الدنيا. حركت حنين رأسها بالإيجاب: –مش هعيط، بس قول لي هو كدا حلو. تأملتها بإعجاب: –طالعة زي القمر ما شاء الله عليكي، مش لايقة للفقر أبداً يا حنين، شكلك زي نجوم السينما اللي بنشوفهم. هزت رأسها غير مبالية وقالت بخفوت:
–أنا راضية بنصيبي، وانتي أكتر واحدة عارفة إن دا اللي كنت بتمناه. ربتت على كتفها بحنو: –عارفة... ربنا زي حقق مناكي، يسعدك معاه، وحبيه يا ياحنين عشان خاطري، الولا شكله بيحبك. همست بشرود: –هآآآ، بيحبني. فتحت إحدى العاملات بالخارج الباب وهتفت بسعادة: –العريس وصل، يلا يا عروسة.
نهضت حنين من مقعدها، وساعدتها فرحة في ضبط فستانها. وضعت حنين يدها على صدرها وقرأت إحدى الآيات الكريمة مما تحفظ لتخفف من توترها وقبضة قلبها التي ساورتها فجأة. في الخارج، كان إياد اليوم في أبهى حالاته. ارتدى بدلته السوداء وقميصًا أبيض لامعًا، وصفف شعره بعناية أضافت له جاذبية مع وجهه الحسن. كان معه صديقه عماد فقط، فهو لم يخبر والده بموعد زفافه حتى، لشعوره أن الأمر ما هو إلا تمثيلية هزلية ليس إلا، وليس بالأمر الجدي.
وقف مبتسمًا ابتسامة نصر على ثغره، فالأمور تجري كما يشاء. ما هي إلا ساعات وستصبح ملكة بمجرد ورقة يستطيع تمزيقها في أي وقت. لم يجرؤ أحد على الالتفاف بكلمة واحدة، فهي كما يرى ليس لها سند أو ظهر تحتمي به. ظهرت أمامه حنين برفقة فرحة. كانت في عينه كأنها حورية سقطت من السماء، مكافأة لا يستحقها. تعلق بصره بتلك الأميرة التي تقترب منه في خجل، وتأسره رويدًا رويدًا. فالنظرة في وجهها البريء نعيم لا يستحقه الشياطين.
مال إليه عماد وهمس في أذنه ممازحًا: –كدا أقولك مبروك صح؟ والله يا واد عرفت تنقي، والله يا واد خدت السنيورة. ابتسم إياد بتفاخر: –ما بيقعش إلا واقفه. غمز بطرف عينه وتركه مهرولًا نحوها. اقترب نحوها، وتسارع نبضها حتى وصل مسامعها. وبرقة شديدة قبل جبينها، تبعها هامسًا برقة مستعارة: –مبروك يا عروستي. تدراجت وجنتها باللون الأحمر وهمست بخفوت: –الله يبارك فيك. تدخلت فرحة بمرح: –يلا بقا كل سنة وانتوا طيبين.. أقصد ألف ألف مبروك.
ضحك إياد على مزاحها: –عقبالك يا ستي. –وانت طيب. مد إياد يده نحو حنين لتضع يدها في يده دون تردد، واتجها معًا نحو السيارة المزينة التي تنتظرهم في الخارج. قادهم عماد حيث منزلها بالوراق في سرعة. انحنى إياد بكتفه نحو حنين هامسًا: –أنا كان نفسي أعملك فرح كبير يلقيق بالجمال دا كله، وأقول للعالم كله إني متجوز أحلى بنت في العالم كله. عضت شفتيها بخجل: –إنشاء الله هعوضك، وهعملك كل اللي انتي عايزاه. تحنحت حنين بحرج شديد:
–حنين.. ممكن أروح البحر. قبض وجهه بدهشة. أسرعت قائلة: –لو مش يضايقك. هز كتفه بخفة: –لا ما يضايقنيش أبداً. نادى على عماد: –عمده. –أيوه. –اطلع بينا ع النيل. قبض وجهه وسأل بإندهاش: –دلوقتي. غمز إياد بطرف عينه إلى صديقه لينفذ المطلوب دون اعتراض أو سؤاله. هتف مغمغماً عماد: –اااايوه قولتلي. وبالفعل تم.
وقفت أمام المياه بشرود. دائمًا البحر يمثل لها مخاوفها. كلما احتاجت أن تهدئ أعصابها من ضغط ما مرت به، أو يشتد عليها ذكرى ماضيها المؤلم، تأتي إليه لتستعيد قواها. ولكنها أبدًا ما حاولت النزول إليه، كان هو الفوبيا الخاصة بها. كان إياد يتابعها بنظرات خبيثة، عازمًا على تنفيذ ما أراد تحت ما يسمي الزواج. فبينه وبين ما نوى عدة خطوات. اقترب أكثر منها إلى أن تلاشت المسافة وأصبحت معدومة. همس في أذنها برقة:
–في واحدة تيجي البحر بفستان فرحها. أربكها قربه المفاجئ الذي قطع سيل تفكيرها، وهتفت بشرود: –اها…. طيب يلا بينا. عادت معه إلى السيارة. وكانت فرحة تعرفها أكثر من نفسها، تشعر بألمها وتشعر بما تعانيه، وتمنت في نفسها أن يسعدها زوجها وأن ترتاح من معاناتها التي خلفت فيها أثرًا لا يُمحى. انطلقت السيارة سريعة نحو منزلهما البسيط، واستقبلها جيرانها بزغاريد وفرحة، إلا شخصًا واحدًا.
كان سعيد القهوجي، الذي لم يحظَ برضاء حنين وقبولها زوجًا لها، وقبل أن يندمل جرحه، تزوجا بأخرى حتى قبل محاولة لمرة أخرى ليظفر بها. فهي كانت فتاة أحلامه من حيث الجمال والأدب والأخلاق العالية، كما أنها وحيدة مثله. صعدت منزلها البسيط لتودعه، لتستقبلها زينات بفرحة ممزوجة بدموع. اتجهت إليها بخطوات واسعة واحتضنتها زينات، وتمالكت دموعها وقالت: –مبروك يا بنتي، ربنا يسعدك قادر يا كريم. والتفت نحو إياد توصيه برجاء
أمومي حاني بالغ العطف: –خلي بالك عليها يابني، حطها في عينيك. استشعر إياد مدى حقارته بما ينوي فعله مع تلك المسكينة التي اؤتمن عليها، وفجأة أصبحت في ذمته وفي رقبته يوصى عليها. قاطع الشرود صوت جاف لفتح الله: –مبروك يا حنين يا بنتي، مبروك يا إياد يابني. أشهر إصبعه في وجه حنين محذرًا: –خلي بالك جوزك واسمعي كلامه، مش عايزك تيجي غضبانه بيت جوزك أولى بيكي. وشدد على تلك الكلمة.
وللحظة واحدة كان كل شيء على ما يرام، والأمور تجري بسلاسة، إلى أن دخل رجل ذو هيبة، فسكتت الأصوات والتف الجميع إليه يتسائلون بهمس: من… هذا؟ دار بعينيه في المكان بنظرات استحقار تامة، وبعلامات وجه غضب عارم. هتف بنبرة ساخرة وهو ينظر نحو إياد: –مبروك يا عريس.. مش تعزمني. اتسعت عين إياد بدهشة وغمغم بصدمة: –بابا. –أيوه بابا. نظر إلى حنين نظرة استحقارية وتحدث بتعالٍ: –مبروك يا عروسة، عرفتي تلعبي عليه. تزايدت دهشتها وتعلثمت:
–ألعب عليه. تحدث هازئًا: –أيوه، ولا انتي ما تعرفيش إنك متجوزة إياد الأسيوتي، ابن أكبر مجموعة فنادق المعمورية. كانت الصدمة الأكبر من نصيب العروس المسكينة. تعالت شهقات فرحة وزينات، ووضعن أيديهن على أفواههن من فرط الصدمة. ساد الصمت للحظات لإدراك هذه الكلمات التي صدمت الجميع.
تدارك فتح الله حجم خطأه الآن في عدم البحث عن هوية الشخص الذي سلمها الأمانة وزوجها بلا رحمة، وزوجها خارج منزله كي يتسع إليه المكان ويفعل ما يريد، ولكنّه لن يعترف بذلك الخطأ، سيستمر في عناده وقسوته بلا قلب. أما حنين، شعرت بأن الأرض تدور بها، ودت الآن أن تبتلعها الأرض ويخفى ذكرها للأبد. ما كانت أبدًا تود الوقوع في نفس المأزق الذي وقعت فيه أقرب الناس إليها من زمن بعيد، وكأن القدر يلعب معها لعبة أخرى لن تتحملها.
تدخل فتح الله، وعلا صوته غاضبًا: –إحنا ما كناش نعرف ابن حضرتك، الأستاذ جالنا وقلنا إنه سواق على قد حالاته، وبعدين يا حاج الجوازة تمت وكتبنا الكتاب تم، إيه المطلوب نعملك إيه؟ إحنا نفركش الفرح ونفرج خلق الله علينا والبت اليتيمة دي يوقف حالها.
كان كل ذرة في جسد حنين تبكي إلا عينيها، ألم لدرجة الموت. للحظات شعرت أن الدنيا وردية، وفجأة تبدلت وأصبحت عواصف ورعد. دومًا كرهت تلك الطبقات العالية وكرهت معاشرتهم لما يعيد الماضي نفسه حتى تنفتح جراح عميقة داخلها لن تندمل أبدًا مدى الدهر. لوح والده غير مبالٍ بجلبته الذي أحدثها: –خلاص، أنا أصلاً مش جاي أبوظ الفرح، أنا جاي أصحح الوضع. التفت إلى إياد، أمره: –تعالى يلا وهات عروستك، أمك مستنياك في القاعة وأهلنا هناك.
اتسعت عين إياد بصدمة جديدة أكبر من توقعه: –ااايه بتقول إيه. ابتسم فم والده بتلذذ وقال معللًا: –بقا ابن الأسيوتي يتجوز، بتيم الصحافة والإعلام في انتظارك، يلا يا عريس. صفع إياد جبهته على سخرية القدر منه وعلى تخطيط ردة فعل والده الغير متوقع بالمرة الذي أربكه، وتسرب الخلل إلى خطته. صاح والده بنبرة حازمة: –يلا يا عريس. تسمرت قدم حنين بالأرض كشجرة ثابتة تأبى التحرك. صاح بصوت محتدٍ عالٍ فتح الله غير عابئ بصدمتها:
–يلا يا بت مع جوزك. استنجدت عطفه فرحة: –بابا… استنى.. حرام عليك. أجاب هو بعنف: –حرمت عليكِ عيشتك، آخرسي انتي كمان. ليه غبرة. أمسك ذراع حنين بقسوة ودفعها دفعًا للأمام: –يلا يا محروسة اتفضلي. كانت حنين في عالم آخر، كأنه يدفعها نحو الهاوية. أما إياد، كان يدور حول نفسه حائرًا، لا يفكر سوى بالكارثة التي حلت عليه الآن وسيصبح مرة أخرى حديث الصحف. تدخلت زينات وأبعدت يد فتح الله عنها قائلة بضجر: –كله بسببك.
رفع يده عليها وصاح محذرًا: –ما تخلينيش أتعاغب عليكِ يا زينات ونفرج خلق الله علينا. أمسكت فرحة يده دفاعًا عن والدتها: –خلاص يابابا، اهدى. أنزل يده وزجر بصوت غاضب: –ماشي يا بت الناقصة، هديت. اسمعي بقى منك ليها، جوازة وتمت، خلصونا.
همس الجيران الذي تابعوا المشهد بصمت عجيب في تساؤل، أما أن كانت حنين على علاقة مع هذا الفتى أو ما شابه لزواجها به بهذه الصورة وإصراره العجيب في إتمام الزيجة حتى وإن كانت فيها مراوغة وشك. فهي في موقف لا تحسد عليه. ربتت زينات على ظهر حنين وهي تحبس دموعها وهمست بحنو: –يلا يا بنتي.. ما تفرجيش الناس علينا.
نظرت حنين إليها نظرة ترجى بأن ترفض هذا العرض وتعود ابنة أختها المطيعة التي طالما أحبتها، ولكن قابلتها هي أيضًا بنظرات استعطاف، اشفاقًا على حالتها وخشية من ردة فعل فتح الله. حركت رأسها باستسلام، فليس لها الحق في الرفض. أخيرًا تحركت قدمها… وخطت نحو الباب بحزن. تبعتها فرحة وزينات في أسى مماثل. صاح فتح الله مناديًا فرحة وزينات: –رايحين فين؟ العروسة للعريس والجرى للمتعوس. ادخلوا.
وتركها تواجه مصيرها وحدها. وخرجت حنين تحبس في عينيها شلالات الدموع، تساق في يد مشتريها بلا وعي ولا شعور. انتظر والد إياد ابنه وتأمل هيئته بعينه بهدوء، ودحجه بنظرات تشفي، ولوح بيده وهو يستدير قائلًا: –يلا.
ونزل معها. ركب سيارته الفارهة. شعرت حنين بالاختناق. ساد الصمت التام على الجميع. كان إياد يفكر في مكيدة والده المدبرة والمقصود بها إذلاله وجعله عبرة، وإعطائه درسًا لا يمكنه نسيانه. فطالما كان ينتظر الفرصة تسنح له لفعل هذا، واليوم أتت إليه الفرصة بعد قراره الزواج من حنين التي هي بالنسبة لطبقتهم الراقية بنت العشوائيات التي لا تناسبه. سينعته الجميع بالجنون وبميوله إلى الصنف الركيك من وجهة نظره، بعدما كان مرتبطًا بملكة الجمال السابقة
(لينا السعدي) وتركها بفضيحة لا تقل عن التي ستحدث اليوم. وسيظهر اليوم بمظهر لا يليق بتكبره وتعاليه على كل بنات طبقته ورفضه الارتباط بهم. فلا أحد يعلم ما كانت نواياه وليس لديه مبرر ليفعله، ولن يجول بخاطرهم ما كان ينوي فعله بتلك المسكينة وماذا سيفعل الآن بعدما انقلب السحر على الساحرة. توقف عماد بالسيارة ليقطع حبل أفكاره. سريعًا ترجل إياد من السيارة متجهًا نحو الباب الآخر ليفتح الباب إلى حنين. قاطعه عماد متسائلًا:
–انت ناوي تكمل في المهزلة دي؟ روح يا إياد اعتذر لابوك والغي كل حاجة. ضغط على أسنانه بقوة وزاغ بصره في المكان: –خلاص اتورطنا. بص هناك، وأشار نحو باب الفندق حيث توافدت الصحفيون والكاميرات في خطوات واسعة نحوهم، لا لتقاط الصور الأولى لزفاف. عماد قبضته نحو فمه بتوتر: –كدا اتدبست رسمي وهيتقال عليك بتاع بنات شوارع. نفخ إياد بضيق وتحرك نحو حنين ليساعدها في النزول. فتح الباب.
كانت حنين تحدق للفراغ، لا تدري أي وجه من الضياع وصلت. تشنجت قسمات إياد بعدما وقف ممسكًا الباب بيدها للحظات ولم تستجب هي. هتف بتوتر: –يلا. لم تتحرك هي وبدت كأنها لم تسمعه. تزايد شعور إياد بالضيق وهمهم بخفوت: –ياربى مالها دي. نادى مرة أخرى: –يلا يا بنتي.
ابتلعت غصتها المريرة في حلقها ونزلت من السيارة، وتوالت الأضواء والصور عليهم غير محددة العدد. أزعج الضوء حنين أكثر وجعلها تجفل مرارًا وتكرارًا، فهي أول مرة يسلط الضوء عليها أو يكترث أحد لأمرها. تبطأت ذراع إياد ورسم هو ابتسامة زائفة محاولًا أن يكون طبيعيًا. وتحرك بخطوات سريعة نحو القاعة لينهي كل هذه الضجة التي سببت له الانزعاج هو أيضًا. دخلا معًا.
والدته كان مهتمًا بالقاعة للغاية من حيث الفخامة والتزيين، وبدأ كأنه أمر عادي زواج ابنه. وصل إياد وحنين لباب القاعة. وتوقفت الموسيقى وساد الهدوء تمامًا. كل الأنظار صوبت نحوهما، خاصة حنين. رفع إياد رأسه متمسكًا بكبريائه ووزع نظره على الجميع بتعالٍ، وهو يعلم كل ما يدور في عقولهم. ثم ابتسم ابتسامة ساخرة عندما رأى كل أصدقاءه وأفراد عائلته جميعًا وغيرهم. لم ينسَ أباه فردًا ليزيد من إذلاله ويصغره أمام الجميع.
أما حنين، كانت مستاءة للغاية، فكل الموجودين يرتدون سراويل لا تناسب أعمارهم ولا طبعها الديني. ثم إنهم يحدقون إليها بنظرات استحقار صامتة جعلتها تشك في هيئتها وشعرت بالعرى أمامهم. والتفتت إلى انعكاسها في مرآة الفندق لتتأكد من طلتها. اقتربت عليه والدته فريال، مغتصبة الابتسامة على وجهها النضر الذي يكسوه الزينة المفرطة. عرفتها حنين من الوهلة الأولى لأنها تحمل نفس العينين الرماديتين التي يمتاز بهما إياد، وكذلك بعض الملامح.
احتضنته بهدوء وأمسكت يده: –حلو كدا يا إياد تكسر بفرحتنا كلنا. نفخ في ضيق: –خلاص بقي يا ماما، اللي حصل حصل. ثم قالت بإستسلام: –خلاص يا إياد، مبروك. لم تكتراث لحنين أو تبدي اهتمامها، فقد تفحصتها جيدًا. أقبلت امرأة في عمر حنين، هي أخته رودي، احتضنته وقالت مشاكسة: –مبروك يا ديدو، كان نفسي أشمت فيك من زمان. ابتسم إياد ابتسامة ساخرة: –ما هو ما فيش أكتر من كدا شماة. استرسلت بمزاح:
–ما انت اللي بتجيبه لنفسك. يلا يا حبيبي على الكوشة عشان تتزفت، أقصد تزف. وكزها إياد بمرح: –وسع لنا الطريق يا أختي. لا أحد يعير حنين الأهمية، مما بعث في نفسها الحزن علاوة على ما مرت به منذ ساعات. سارت معه على ممر طويل في نهايته كرسيين مزينين بأبهى زينة. لم يتوقف الهمز واللمز عليهما الذي وصل إلى مسامعهم. –إياد الأسيوتي متجوز محجبة؟ دا ما بيركعهاش. –غاوي رمرمة. –بيئة. –طويلة. –قصيرة. –بيضاء. –سمراء. –وحشة وحشة وحشة.
استمعت حنين إلى كل التعليقات بأسى، وكذلك إياد الذي دفعه شيئًا قويًا إلى طمأنتها. مال إليها بجذعه وأطبق كفه على كفها الرقيق وهمس قائلًا: –مش عايزك تهتمي بيهم، ثقي في نفسك… انتي دلوقتي حرم إياد الأسيوتي، واللي هيبصلك بعين هقلعهاله. لم يكن كلامه مطمئنًا لها، بل كان يقلقها أكثر ويؤكد لها ظلمة مصيرها، فقد أثبت نفوذه وسيطرته الكاملة تمامًا كوالدها قبل بداية حياتها معه.
بدأ الحفل، وأتت المباركات عمدًا ليدحجو العروس بنظرات حاقدة مغلولة لتزيد من ضيقها وتوترها. وكان الصخب عاليًا، ولكن لم تتوقف نظراتهم نحوهم والغمز. سار إياد وعروسته حديث الموسم للطبقة الرفيعة التي لا تقبل أي جديد ولا تعترف سوى بالمظاهر الخادعة. أحرز إياد على ضبط نفسه وحاول التعامل بحذر. وضاق أنفاسه وشبعت أذنه مما سمع، فقد نجح والده في إفساد خطته ومزاجه وشاهده يقف بعيدًا يتابع المشهد بتسلية عجيبة وهدوء مخيف.
بعث الضيق في نفسه وجعله يتنفس بصعوبة. أحكم قبضته على البيبيون وحرك رأسه يمينًا وشمالًا ليتنفس براحة. فوقع بصره على حنين الشاردة وتلمع بأعينها دمعة براقة. أخيرًا لاحظ وجودها، لكنها لم تشعر بتلك التي سحبها إلى عالمه، مستغلًا ضعفها وقلة حيلتها وعدم قدرتها على الرفض. نفخ في ضيق، لنفي شعوره بالذنب. أمسك إياد يدها بتودد وحدثها أخيرًا: –كفاية كدا، يلا بينا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!