في فيلا عاصم الأسيوطي؛ جلست حنين وهي في عالم آخر من الشرود، تجلس في الشرفة وأصبحت كالسندريلا المنبوذة. اقتحم إياد عليها الغرفة لتفيق من شرودها. اعتلت. انتظر قليلاً قبل أن يقترب منها. بينما هي حدقت للفراغ. جلس أمامها وزفر بهدوء، ثم جذب الكلام عنوة: "الظابط اللي كنت كلمته على موضوع فرحة طلب صورة ليه." تنحنت بخفوت وهتفت: "أنا معايا صورة زي ما قلت لك، بس في البيت التاني." "تحبي نروح نجيبها دلوقتي؟ أجابت بتمني: "يا ريت."
أجابها بإيجاز: "طيب، اجهزي وأنا مستنيكي." نهض بخفة ودار على عقبيه تاركاً لها الغرفة. *** في الجامعة الأمريكية؛ وقفت رودي مع رفيقاتها يتبادلن الضحكات. لا يلحظون تلك الأعين الراصدة لكل حركاتها وسكناتها، والذي لم يتردد أن تخطو قدماه بكل غرور نحوهم. قاطع ضحكاتهم وتحدث بثقة عالية وغرور من تحت نظارته السوداء: "إزيكم يا بنات." لم تجبه أي منهن، وصمتنا جميعًا لوجوده الغير مرغوب فيه. إنه الشاب المستهتر (مازن خليل شهدي)
، طويل القامة ذو شعر قصير من اللون الأسود، ويتمتع ببشرة قمحية وأعين حادة وواسعة. هو ليس مجرد شاب عادي يريد التطفل على الفتيات، بل هو ابن أكبر منافسي شركات الأسيوطي، والد أعدائه. لذلك لا رودي ولا أصدقاؤها يطيقون معاملته أو حتى وجوده. لم يخل مازن من تلك الوضع، بل زاد وأمسك رسغ رودي وهتف بمكر: "جري إيه يا رودي، ما فيش معرفة ولا إيه؟ دحجته رودي بنظرات مشتعلة. ودفعت يده بكل غضب وهدرت بإنفعال: "انت اتجننت يا حيوان؟
رمقها بغضب مشتعل وكاد بنظراته اقتلاعها من مكانها. ولم تهب هي به، بل نظرت له بعدم اكتراث: "أنا حيوان يا رودي، تعالي نتكلم على جنب." وهو ليمسك يدها للمرة الأخرى. ولكن ابتعدت رودي وأشارت له محذرة: "إياك تفكر حتى تكررها، وقتها هقطعها لك." وقفنا الفتيات والفتيان يشاهدون تلك القطة الهادئة عندما تصير شرسة. وتابع المشهد الذي أحرج أكثر الشباب تعنتاً وكبرياء، تدفعه وتحذره ابنة عاصم الأسيوطي.
ضاقت عينها وسط ذلك الحشد الذي سخط عليه، وأراد أن يرد كرامته. فأمسك يدها للمرة الثانية بتعنّت وعنف وإصرار. مما جعلها تدفعه وترفع يديها بسرعة وتلطمه لطمة قوية على وجهه. تعالت الشهقات وسط الفتيات، ومنهن من صور اللقطات وفيديوهات لتلك المشاحنة الفريدة من نوعها. وقف صامتاً هو، يستوعب ما فعلته هي، والتي أبداً لن يجرؤ على فعلها رجل، وليست امرأة. دحجته رودي بنظرات احتقار واندفعت من وسط الحشد للخارج. ليصيح
هو في المتواجدين بغضب: "واقفين كدا ليه... يلا." *** في الصعيد؛ وقف عزام أمام إحدى الغرف بانتظار خروج الطبيب المعالج لمعرفة الحالة التي وصلت لها ضحية شروده وعدم انتباهها إلى الطريق. خرج الطبيب من الغرفة أخيراً يزيح عنه القفاز الطبي. فسارع إليه عزام بتوجس: "خير يا دكتور طمني." تسائل الطبيب: "انت اللي خبطها؟ أجاب عزام بضيق: "هو أنا كنت قاصدها؟ هي اللي طلعت جدامي فجأة، المهم هي كيفها؟ حرك الطبيب رأسه وهو يهدر:
"كذا كذا لازم محضر وأي حد يتعرف عليها بس لما تفوق." نفخ عزام بضيق: "ما قولتش لع، بس نعرفوا عندها إيه." أجابه الطبيب: "كسر في الحوض نظراً للإصابة القريبة، وتهشم في الذراع الأيسر." عزام شفتيه وهو يهتف بضيق: "طيب ممكن أشوفها يمكن نتعرف عليها." "آه ممكن، بس ممنوع إنك تمشي قبل المحضر،" وتركه وغادر. دلف عزام إلى الغرفة بحذر وهو يتمتم بخفوت مضجر: "أما نشوف مين اللي طلعت لي زي القضاء المستعجل دي." *** في إيطاليا؛
كان زين هدفه الرئيسي هو حماية فرحة. حاوط كتفها بذراعيه وإطلاق النيران، بينما وضعت هي يدها على أذنيها وتغمض عينها بفزع. تحرك بها زين إلى الخارج وهو ينوي الدفاع عنها لآخر لحظة. فباغتة أحد الحراس بضربة قوية إلى رأسه. دفعته معها إلى الأرض. نظرت له بقلق وخوف. بينما نظرة لها زين نظرة حائرة وأغمض عينيه وهو يزيح يده عنها. لينهض بخفة ورشاقة وكأنه ينفض نفسه. وبحركة سريعة التف إلى من أسقطه أرضاً ليلكمه في وجه ويتصدى له الآخر.
زحفت فرحة على الأرض في تراجع ونهضت لتتابع مع باقي المتفرجين وهي تشهق في خفوت وقلق. كان زين سريعاً في الدفاع عن نفسه، وإلى جانب صدّه للهجمات، أصيب مرات متعددة في أنفه ووجهه. إلى أن وصل ذلك الثمل إلى يد فرحة وحاول جذبها نحوه. ولكنها شبّكت قدامها في الأرض وصرخت عالياً وهي تحاول تخليص يدها. التف إلى صوتها زين واندفع كالثور الهائج في حلبة فارغة. تمكن سريعاً من الحارس الذي يضربه وكسر عنقه.
وانطلق نحو فرحة وأمسك إحدى الزجاجات الممتلئة بالنبيد في يده وهو يتقدم نحوه مزمجراً. وقفز عالياً وأسقط الزجاجة بعنف على رأسه. فتناثر منها المشروب في كل مكان يصاحبه دماؤه. وفي عجل جذب فرحة إلى أحضانه وأشهر سلاحه في وجهه بعشوائية ليضمن أنه لا جديد سيقفز إليه ويهاجمه. وخرج بها وهو يخطو معها إلى الخلف وقابض يده على ذراعيها بقوة. *** في شركة الأسيوطي؛ كان إياد سيئ المزاج اليوم وعصبي، يصرخ في الموظفين.
لا تفهم الأسباب ولا يحظى الجميع بتوتره الزائد وتعنفه الغير معهود مع الجميع. توقف عن العمل وعن التفكير وكأنه أصيب بالشلل في تفكيره. أصبح يكور كل ما يخطه يده من خطوط هندسية ويلقيه بإهمال في سلة المهملات. دلف إليه صديقه عماد واندهش من الفوضى العارمة في المكان، كما أنه استمع إلى صراخه المتكرر على الموظفين بلا سبب. وهما ليتساءل في حيرة: "مالك يا ابني؟ مال الدنيا زعفران كدا ليه؟ حصل إيه لكل ده؟
نفخ إياد بضيق جلي، وألقى ما في يده بإهمال ودحجه بنظرات قاتمة وهو يهدر يهدر بضيق: "إيه في إيه؟ كل أما حد يشوفني يقول لي مالك، هو أنا اتحننت وأنا ما أعرفش ولا إيه؟ اندهش عماد من رد فعله واندفاعه بهذا الضيق الغير مبرر. فأعتدل في جلسته وهمهم بخفوت: "والله دا اللي باين." رفع صوته قليلاً ليهدئه: "لا يا حبيبي ما فيش حاجة، أنت زي الفل، إحنا اللي النهاردة كلنا فجأة قررنا نضايقك." ضيق عينه وأوشك على ضربه من تحسسه السخرية
في كلامه وهدر بإنفعال: "أنت بتريق؟ لوح عماد في وجهه نافياً: "وأنا أقدر بردوا، بس قول لي أنت عامل إيه النهاردة." "زفت،" أجابه وهو ينهض عن مكتبه ويضرب بقوة على سطحه. ضحك عماد ضحكة ساخرة، وجاهد أخفاها حتى لا يثير حنق صديقه وهتف: "لا مهو، باين." التف إليه إياد بضيق وهدر بإنفعال: "يووو انتوا هتقرفوني ليه؟ أنا ماشي." وهما يجمع أغراضه في سرعة وإلية تامة. ازدادت دهشة عماد من تصرفاته الحادة والغير طبيعية. فنهض من كرسيه
ووقف إلى جواره يتساءل: "يا ابني مالك." خرج مسرعاً ولم يجبه. *** في فيلا الأسيوطي؛ نهضت حنين عن الفراش مبكراً وتوالت هي اليوم مهمة فتح الستائر والنوافذ قبل أن تصل فريال إليها. ارتدت أسدالها وصّلت الضحى ونهضت ترتب الغرفة، لتنشغل عن آلامها الروحي الذي يسكنها. وتتناسى ما عانته في الأمس من إذلال واحتقار.
وكعادتها اقتحمت فريال غرفتها دون سابق إذن، ولم يعد ذلك يشكل فارقاً مع حنين فقد أصبحت بلا كيان أو هدف واستسلمت إلى واقعها المرير. هتفت بسخرية: "كويس إنك صحيتي، بس اللي مش كويس لبسك ده، أنا جايلي صاحباتي النهاردة وعايزين يتعرفوا عليكِ. ولا إيه؟ تنزلي لهم كدا." ابتلعت غصتها المريرة وهتفت بخنوع: "اللي تشوفيه هعمله."
رمقتها فريال بنظرات متعجبة من استسلامها وتنفيذها للأوامر بسلاسة وبدون أي اعتراض، كما لو كانت جسداً بلا روح. لكن هي انتبذت نفسها وباتت تشعر أنها جسد بلا روح، قد قضي عليها تماماً بعدما أعلنت فريال سلطتها وأوهمتها أنها نكرة لا تعني شيئاً لأياد سوى أنها نزوة. *** في الصعيد؛ دخلت صابحة غرفة ابنها الذي تغيب عن الإفطار ولم تراه من الأمس. فتعجبت من كون فراشه مرتب وكأنما لم يمسه أحد، فانتابها القلق وخرجت بسرعة.
وهي تهتف بصوت عالٍ: "أبو عزام، أبو عزام." واتجهت إلى قاعة المجلس بالأسفل. أجابها وهدان بعنف: "إيه يا ولية، بتصرخي عليا لي؟ التقطت أنفاسها اللاهثة وهي تهتف بقلق: "ولدي ما جاش من امبارح." صمتت قليلاً ليستوعب ما قيل. وسرعان ما تشنج وجهه بضيق: "يعني إيه؟ تلاقيه رجع متأخر، وخرج بدري." أجابته نافية: "لأ، سريره ما اتلمسش، ولدي ما جاش، اتصرف، قلبي واكلني عليه." هتف وهدان مطمئناً:
"تلاقيه، نزل يجيب سماد، ما انتي عارفة عوايده دي." لم تهدأ صابحة بهذا الاحتمال، لأنها كانت لا تألف تصرفاته في الفترة الأخيرة. فوضعت يدها على صدرها وهي تتحدث بألم: "لأ، أنا قلبي واكلني عليه." دس وهدان يده إلى جيبه وهدر بانفعال: "خلاص يا ولية، هتنوحي لي؟ هنتصل بيه." أخرج هاتفه الخلوي وأخرج رقمه وضغط زر الاتصال وانتظر الإجابة. وضع وهدان الهاتف على أذنه وانتظر الإجابة بفارغ الصبر. حتى أجاب عزام بصوت متعب: "أيوة يا أبويا."
أجابه وهدان بسرعة بينما أمسكت صابحة في يده بقلق: "انت فين يا ولدي؟ سحب وهدان أنفاسه اللاهثة وهدر بتعب، بعدما قضى طوال الليل بين المستشفى والقسم. "أني في الجسم (القسم) يا أبويا." فرغ فاه وهدان وهتف بدهشة: "جسم إيه يا ولدي؟ حصل إيه؟ بينما شهقت صابحة: "جسم... ولدي." أجابه عزام بإنهاك: "حادثة بسيطة يا أبويا." هدر وهدان بقلق: "حادثة إيه؟ عندها صرخت صابحة: "يا مصيبتي... ولدي." وكزها وهدان في كتفها وهو يهدر بعنف:
"يا ولية اسكتي خليني نستفسر منه، انت فين يا ولدي نجيلك وفيك حاجة ولا لأ." نفخ عزام بضيق: "أني كويس يا بوي، ما تقلقش، أنا خبطت حد بالعربية." نادى وهدان بسرعة: "جوالي على مكانك أجيك." *** في إيطاليا؛ عاد زين بصحبة فرحة إلى الفندق في صمت. بينما لاحظت فرحة آثار دماء على قميصه تتوسع. فهرولت إليه وهي تفتش في ملابسه بقلق بالغ وتتساءل: "إيه دا؟
كان زين بدأ في تصبب عرقاً من أثر المعركة العنيفة الذي خاضها بمفرده وقد أصيب من قبلها. هنا تذكرت فرحة عندما وقعا معاً وأغمض عينيه وتركها. كان من أثر الطلق الناري الذي أصابه في كتفه الأيمن. جحظت عينها وأسرعت تمزق قميصه بقلق وبسرعة. وما أن رأت جرحه حتى رفعت يدها إلى شفتيها لتكتم شهقاتها المتواصلة. حاول زين فتح عينيه بصعوبة وهتف بصعوبة: "في شنطة تحت الكنبة دي هاتيها."
حاولت فرحة تجميع شتات نفسها وهي تبحث في الأرجاء وكأنها في صحراء واسعة. وأخيراً انتبهت إلى الكنبة التي في جانب الردهة وركعت على ركبتيها ومدت يدها نحوها. وحركت يدها إلى أن اصطدمت بشيء صلب فجذبته إليها. واتجهت إليه في عجل وقدمتها إليه. رفع يديه والتقطها واعتدل ليخلع عنه قميصه وعاونته في ذلك فرح دون تردد. فابتسم زين وهتف ممازحاً: "أنتي بتعملي إيه يا بت انتي؟
لم تتوانى فرحة أو تفهم مقصده أو حتى تكترث إلى المسافة المتلاشية بينهم. وتابعها زين بأعين لامعة وهمس في أذنها التي اقتربت من شفتيه وهي تخلع عنه يده: "أنتي عايزة إيه؟ رفعت وجهها إليه وجذبها سحر عينيه البدائية. فعلقت بصرها وهتفت بتوتر: "بقلعك." أغلق نصف عينيه وزفر بهدوء: "بتردهالي." ابتعدت عنه وازدادت توتراً وأزاحت إحدى خصلات شعرها إلى خلف أذنها وهدرت: "خليك في اللي انت فيه." تأوه تأوهاً خفيفاً، وكأنما تذكر.
وفتح الشنطة التي كانت تحوي الإسعافات الأولية وشرع في العمل وكأنه طبيب محترف. *** في فيلا الأسيوطي؛ جلست حنين بين أصدقاء فريال المتصابين والذي يتضح الثراء على ملابسهم ومجوهراتهم يتفاخرون بأحدث ما اشتروا. فكانت تلك الجلسة لا تناسب تلك الشاردة في عالم بعيد عن ذلك العالم المزيف. وكزتها فريال بخفة في كتفها. فانتبهت وهتفت بتعلثم: "ها" "هاتي" تحدثت فريال من بين أسنانها بنبرة تنم عن غضب: "ها إيه؟ جك أوي." ثم هتفت عالياً
بضحكة مزيفة: "قدمي لناريمان هانم النسكافية يا حبيبتي." حاولت حنين أن تضبط ارتباكها وهي تبحث بعينيها وسط الأشياء عن ذلك النسكافيه وبدت مشوشة من فرط الضغط. فصاحت فريال بغضب ملجم: "إيه يا حنين يا بنتي، مش شايفاه ولا إيه؟ اهو." وأشارت لها عليه. فالتقطته حنين وجاهدت ارتعاشة يدها ولكنها من فرط نظراتهم التفحصية إليها وقلقها المفرط من ذلك الجمع وكأنها صورة وجبروت فريال مكررة إلى أربعة أشخاص. وعلى أتم الاستعداد على الفتك بها.
أفلت ما في يدها على يد ناريمان، والتي صرخت من حرارة المشروب. بينما وضعت فريال كفيها على وجهها في صدمة وشهقت. وهدرت ناريمان بإنفعال: "مش تفتحي، انتي إيه إيه دي يا فريال." وصاحت إحدى زميلاتها بسخط: "قلة ذوق." هدرت الأخرى: "مش تعلموها الأتيكيت." "قلة ذوق." لم يتبقى في الجمع من لامها ووبخها. كادت أن تنفجر في البكاء وركضت من بينهما نحو الدرج. كطفلة تختبئ من العقاب. دخلت إلى غرفتها ووقفت أمام المرأة لترى نفسها.
ذات الفستان الأحمر عاري الكتفين والمكياج الصارخ التي أمرت المزين به. شعرها المبعثر. وبحثت جيداً عن نفسها في المرأة فلم تجدها. لقد حولتها فريال إلى دمية. دمية تصنعها كما تشاء. انهارت في البكاء. فقد ضاعت حنين بين مأساة ماضيها وألم حاضرها. دفنت وجهها في كفيها وهي لا تعلم ماذا سيحدث غداً. كل ما تتمناه هو أن تنهي معاناتها. لا تريد الراحة. تريد فقط أن تجرب ألا يؤلمها شيء. فقد ألمتها الحياة أكثر ما ينبغي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!