الفصل 27 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
23
كلمة
4,782
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

تململت فرحة في فراشها بتعب ورفعت رأسها قليلاً عن الوسادة لتجد نفسها على فراشها. رفعت يدها إلى رأسها لتتذكر ما حدث بالأمس واعتدلت قليلاً وهي تعتصر رأسها. نفخت في ضيق بعدما تذكرت ما حدث وأنها كانت تطيب زين، وبالطبع غفت ولم تدرِ ما حدث بعد ذلك. لعنت سلطان نومها الذي أحبط محاولاتها في الاهتمام به، وعوضًا عن ذلك، هو استكمل وحملها إلى فراشها ودثرها وهي لا تدري ماذا حدث أو حتى تستفيق.

أزاحت الغطاء ونهضت عن الفراش لتمشي بخطى سريعة نحو الخارج لتطمئن عليه. استدارت وعادت إلى المرآة لتهندم ملابسها وشعرها، وابتسمت لنفسها في رضاء. استدارت مرة أخرى حتى وصلت إلى الباب وفتحته. خرجت من غرفتها نحو الصالة ولكنها لم تجده. مكانه فارغ والغرفة خالية تماماً. لوت فمها بسخط وغضب من نفسها أنه خرج في مثل حالته الحرجة، كما أنه اهتم بها وهي لم تهتم به. ***

دخل أياد غرفته بعد معاناة وتعب طوال اليوم الماضي. لم ينم طوال الليل وأيضاً أتى مبكراً. أكاد أموت خنقاً من كثرة الهموم ومن حياة الكر والفر الذي يعانيها مع معشوقته المتمردة. خلع سترته وشرع في فك أزرار قميصه. جال بعينيه في الغرفة فلم يجد حنين. تحرك في الغرفة واتجه باتجاه الشرفة فلم يجدها. فدار على عقبيه إلى غرفة أخته. طرق الباب طرقات خفيفة. فأجابته أخته من خلف الباب: –ادخل.

دلف أياد وزع نظره في الغرفة بحثاً عن غايته، ولكن كانت الغرفة خالية إلا منها. سألته رودي بتعجب: –في إيه؟ يا أياد بتدور على حاجة؟ تنهد أياد وهتف متسائلاً: –ما شوفتيش حنين؟ حركت هي كتفيها بخفة وأجابت بالنفي: –لا ما شفتهاش النهاردة. حرك رأسه وعاد إلى غرفته وولج في هدوء ووقف في المنتصف ليفكر أين ذهبت. فقد رأى أمه بالأسفل تجلس وحيدة وتقلب في هاتفها.

التفت أياد أثر صوت. أدارت المقبض وكانت حنين تخرج من الحمام ترتدي قميصاً زهرياً شفافاً ومغرياً للغاية. كان أحد اختيارات فريال. تتمشى في شرود إلى الخارج ولم تنتبه لوجود أياد لقدومه في غير ميعاده. حظت عيناه في دهشة من التي تعامله بجفاء طوال اليوم وفي المساء تتزين. هنا قد أفلت زمام غضبه. أضيق عينيه وكز أسنانه وزمجر بغضب: –حنين!

فانتفضت على أثر صوته وانتبهت لوجوده في الغرفة. زاغ بصرها للبحث عن شيء تتستر به، فالتقطت ذاك الحجاب الملقى على الكرسي القريب وسارعت لتمسك به في عجل وتسترت به. بينما اندفع هو نحوها بسرعة وغضب وأمسك بكتفيها بقسوة وتلاشت المسافة بينهم وبدت بوادر البركان تشتعل.

أظلمت عيناه وتطاير الشر منها وتشنجت عضلات وجهه واصطكت أسنانه بشكل عنيف. كل هذه التفاصيل جعلت حنين ترتعش وتتوقع الأسوأ. حيث أدركت أنها قد أخرجت المارد عن المصباح. ووقفت شياطين الأرض بينهم. فالهدوء الغاضب بطبيعته مقلق. وغضب الهادئ بطبيعته مخيف. ***

نزل الجميع، كلاً من عزام، والده وهدان، وعمه أمين، وأولاد عمه عثمان وإسماعيل. دخل عزام إلى البيت بهيئة متعبة ومزرية للغاية. هرولت نحوه أمه والتف الحشد من النساء يهنئونه بسلامة الرجوع. بدأت صابحة تربت على جسده بعشوائية وقلق وهي تهدر ببكاء: –ولدي، أنت بخير؟ فيك حاجة؟ أمسك عزام يدها مقاطعاً: –خلاص يا أمي، أنا زين أهو قدامك. سيبني لأحسن جاي عايز أستحمى وأرتاح. بقى لي يومين واقف على رجلي.

وصعد باتجاه الدرج. حركت رأسها بإيجاب وهي تنادي على الخادمة: –يا خضرة، بت يا خضرة! تركض نحوها خضرة في عجل وهي تجيب بأنفاس متقطعة: –أيوه يا ستي. –روحي يا بت بسرعة حضري الحمام لسيدك عزام، وطلعيله خلاجات نضيف (ملابس نظيفة) –حاضر يا ستي. ركضت خضرة لتنفيذ الأمر. التفت إلى وهدان لتسأله: –جوالي يا حاج إيه اللي حصل؟ أجابها وهو يشرع في الجلوس: –أهه، ولدك خبط بنت على السكة الزراعية. اتسعت عيناها ولطمت صدرها: –وماتت؟

هتف أمين أخيه، والذي كان يجلس في مقربة منه وحرك رأسه بضيق: –يا ستي فال الله ولا فالك. تشنجت قسماتها وهدرت: –ما قصدتش، أنا ودي أطمن على والدي. صاح وهدان بها، بضيق: –أبوكِ، مش شفته بعينك أها سليم؟ الدور والباقي على المصايب اللي هتيجي من وراء الموضوع ده. هتفت صابحة بضيق وملل: –ما براحة يا حاج وطمنيني. تشارك هنية في الحوار وتسأل باهتمام: –بنت مين دي يا حاج؟ قاطعت صابحة الإجابة وقالت بتفاخر:

–تكون كيف ما تكون، تاخد قرشين ويتجفل المحضر. هنا نهض وهدان من مكانه وهدر بعنف وغضب ليرعبها: –انتي كيف تجولي أكده، وولدك يدوس على الناس من غير تمن؟ جاب لي مصايب يا صابحة. أهي طلعت بت الشرشيري اللي خبطها. اتسعت عين الجميع في صدمة، بينما غادر وهدان القاعة وهرول إلى الأعلى. لتمسك صابحة كتف أخيها أمين وتسأله بقلق ورجاء: –جوالي أصابتها خطرة؟ ***

ظلت تتراجع حنين ويتقدم أياد نحوها بوجه غاضب يحمل في طياته الكثير. بدأت تزحف للخلف بهلع وتوتر لتفر من نظراته المرعبة، ولكن أين المفر؟ إلى أن التصقت بالجدار فتوقفت، بينما هو سجنها بين ذراعيه. وهدر من بين أسنانه: –انتي عايزة إيه؟

ومد يده ليزيح عنها الوشاح بضيق وألقاه بعيداً لتظهر أمامه شبه عارية. شعرت بالبرودة تجتاح أوصالها واختفى من وجهها الدم. وسقطت دمعة متألمة على وجنتها. أرادت أن ترمي في أحضانه وتشكوه، فقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت. وهدر من بين أسنانه محاولاً كبح غضبه: –بتلبسي كدا ليه؟ وعايزة توصلي لأيه؟ لم تقدر حنين على النطق بأنها أوامر والدته وأنها تتحكم في كل شيء. خشيت مما قد تؤول إليه الأمور فيما بعد.

تعالت أنفاسها أثر قربه بهذا الشكل واحتجازها بين يديه خلق حالة من التوتر الحادة بينهم. ولمعت الدموع في عينيها، وتساقطت دموعها كالأمطار. لم يلاحظ أياد أي شيء سوى شوقه إليها. تحركت أحاسيسه ومشاعره نحوها بشكل طبيعي ليبادر أياد ويميل إلى عنقها ليقبلها برقة. لم تدرِ حنين ما العمل، لقد بدا لها حيواناً لا أكثر، لا يكترث إلا بشهواته ولا يرى الدموع على وجنتيها التي تتوسل له بأن يفهم من نفسه أنها مجبرة. فدفعته عنها باشمئزاز

وهتفت بنبرة متحشرجة: –لا، ابعد عني... أنا مش عايزة. اتسعت عيناه وأصبح يتخبط من تصرفاتها إلى أقوالها. بدت وكأنها تغريه أو أنها تتهيأ لمصالحته، ولكن إن اقترب منها دفعته. ما عاد أياد يتحمل المزيد من تناقضها أو حتى يسيطر على انفعالها أكثر من ذلك. ظل يحدق بها في غير استيعاب ومن ثم بدأ نوبة غضبه الحادة. أمسك ذراعها بقسوة ونبش أظافره به لتتأوه وتهتف متوسلة: –آه آه، آآآه إيدي! صرخ عالياً بصوت تحركت له الجدران:

–انتِ عايزة تجننيني؟ عايزة مني إيه؟ كتمت شهقاتها بيدها، وحاولت الصمود إذا كانت دائماً تتحمل الألم في صمت. ونظرت إلى يده التي تقبض على ذراعيها بقسوة إذا كانت تألمها بشكل حاد أثر أظافره المغروسة في جسدها. ورأت دماء تسيل من بين أظافره ليزيد تألمها وحاولت النطق من تعالى شقاتها. هتفت بخفوت وهي تبكي: –إيدي وجعاني. كان غاضباً إلى درجة أنه أصبح شخصاً آخر لم يألفه هو. لم يستمع إليها أو حتى يتعاطف معها،

بل هدر بجمود وازداد قسوة: –وماله؟ ما انتِ جرحتيني كتير، ولا عشان جرحي في قلبي ومداريه بتنكريه؟ وأمسك منكبيها وظل يدفعها بعنف وهو يهدر بحدة: –ركعت تحت رجلك وقلتلك بحبك، وانتي رفضتيني. اتحايلت عليكي وحالفتك ما تموتيش حبي ليكي بالبطيء. سبتك على راحتك ومنعت نفسي عنك عشان حتى تحسي بيا وتقدريه. لكن إزاي؟ شكلك يا حنين مش بتحبي المعاملة الرقيقة وعايزة توصّليني للجنون. وأنا بقي اتجننته.

هجم على عنقها بشراسة وبدأ يقبلها بعنف بالغ كأسد انقض على غزالة برية ليفترسها في نهم. بينما هي كادت أن تفقد وعيها. ألف صرخة في داخلها تصرخ في وجهه أن لا يفعلها ويظل في صورته الحسناء في نظرها. دفعته بيدها الضعيفة وكأنه ترجوه أن يظل شيئاً نقياً لا يشبه باقي الرجال الذين عرفتهم. أرادته حليماً ولكنه لم يتوقف، بل ازدادت عنفاً وقسوة معها وأصبح لا يدرك ما يفعله سوى أن يؤذيها كما أذته ليشفي جراح قلبه النازفة ويبث فيها كل ألم أذاقته إياه.

*** كان صوته المنفعل صدح في الأرجاء، فصعدت فريال الدرج واصطدمت برودي التي كانت تخرج من غرفتها أيضاً على أثر الصوت. لتنطلق فريال بسرعة وقلق: –في إيه؟ أخوكي بيزعق ليه؟ رفعت رودي كتفيها للأعلى وأجابتها: –ما أعرفش. فهمت رودي الاتجاه نحو غرفة أياد، ولكن جذبتها فريال لتقاطع مواصلتها في السير وبنبرة عنيفة محذرة: –تعالي هنا رايحة فين؟ أشارت رودي نحو غرفة أياد التي في نهاية الممر وهتفت: –رايحة أشوف بيزعق ليه؟

انتي عارفة أياد لما بيتعصب هيموتها في إيده. دفعتها دفعاً نحو غرفتها وهي تهتف: –ملكيش دعوة انتي، خليكي في مذكرتك. ورفعت يدها عالياً لتهتف بصوت عالٍ: –يا رب يموتها، مالناش في إيده. تسمرت رودي وقالت في دهشة: –إيه ده يا ماما؟ حرام عليكي، يعني لو كنت أنا كنتي هتقولي كدا؟ استخفت فريال بكلمات ابنتها وهدرت بسخرية: –آه، انتي بتقارني نفسك بمين؟

دي مش زينا، وانتي عمرك ما هتكوني مكانها. ادخلي بقي أوضتك لحد ما نبعت للمشرحة تيجي تاخد الجثة. شهقت رودي بفزع ووضعت يدها إلى فمها: –أو ماي جاد 🙅 oooh my god. ابتسمت فريال بمكر إذا شعرت بوشك التخلص من غريمتها التي لم تألفها ولم تستشعر حيالها أي شفقة أو رحمة.

في غرفة أياد، أمسك يدها بعنف وجذبها عنوة إلى الفراش، وكأنما تساق الشاة إلى الذبيح. عندها شعرت بالهوان وأن زجها في الشارع قادم لا محال بعد هذه المواقع. ربما كما هي، صرخت بعنف ودموعها قد شقت طريقها على وجنتيها: –خلاص، خلاص أنا موافقة. خد اللي أنت عايزه وسيبني وارحمني بس بالله عليك. لما ترميني ارميني مستورة، مش عايزة منك إلا دي. اديني أسدالي بس وخد كل حاجة.

حاظت عيناه في ذهول وتيبس في مكانه، وجاهد ليلتقط أنفاسه اللاهثة. أدهشته بتوسلها الحزين. وكانت كلماتها كالسيوف سقطت على قلبه. انهيارها أمامه بهذا الشكل جعله يفيق. شعر بالخجل من نفسه ولم يدري ما الذي يجب عليه فعله وما هي الأعذار التي سيقدمها عوضاً عن جرم وبشاعة ما قد نواه. لحظات مرت كالسنوات وهو يقف أمام معشوقته بهذا الذنب الكبير.

بينما هي احتضنت قدميها بذراعيها والتفت على نفسها وسارعت تلتقط أنفاسها وأجاشت في البكاء. ابتلع أياد ريقه وحاول الاقتراب منها ليحتضنها، وما إن شعرت باقترابه حتى ازدادت في الأنين. وخشيت تكرار التجربة وزحفت للوراء وهي ترتعش وتئن: –الأسدال بس، وخلاص والله ما هتكلم. أنا موافقة. الآن فقد عرف أياد ما يجب عليه فعله. عليه الابتعاد حتى لا يرى قبحه في عينيها الدامعة ولا يرى ما وصلت إليه نتائج تهوره وانفعاله. ومضى الليل الحزين.

*** لم ينم زين في تلك الليلة بعد محادثة صديقه، وتخطيطه لفكرة سليمة في إعادتها ليضمن سلامتها بشكل جيد. أما أياد فقد غادر ليلاً دون أي حديث مع أي شخص. في إيطاليا، كانت فرحة في انتظار زين في قلق. ظلت تتمتم مع نفسها وهي تقضم أظافرها: –ده إيه ده؟ إزاي أنام وأسيبه تعبان؟ إزاي أصلاً ما حسيتش بيه وهو بيوديني الأوضة؟ يوووه، مش عارفة افتكر أصلاً إزاي نمت. وتأففت في ضيق. دخل زين في تلك اللحظة وضيق عينيه وهتف: –مالك بتأففي ليه؟

انتبهت فرحة إلى صوته وركضت نحوه. ود زين في هذه اللحظة أن يفتح ذراعيه لها ويحتضنها دون مقدمات، ولكنه سيطر على هذه الفكرة وتوقف. هي وسألته باهتمام: –أنت كويس؟ ابتسم وهتف بتهكم: –ههه، آه. انتي شايفة حاجة غير كده؟ سارعت بالقول وهي تشير نحو صدره: –والجرح اللي هنا عامل إيه؟ هدر بسخرية: –جرح، جرح إيه ده؟ مجرد خدش بسيط. اتسعت عينها وعلا صوتها: –بسيط إزاي؟ ده انت نزفت وسخنت و... قاطعها زين:

–أيوه، أيوه، ونمت وشلّتيني، حطيتيني في الأوضة وغطيتيني... مش كده؟ عضت فرحة شفتيها بحرج وهربت بعينها عنه. فاسترسل وهو يميل رأسه نحوها بمكر: –أقولك عملتي إيه كمان؟ دائماً يحاول إظهار نفسه حقير أمامها. اتسعت عينها ونظرت إليه شزراً، فاتسعت ابتسامته لها وهتف مغتراً بنفسه: –أنا مش أي حد يغريني. أنا مدرب كويس أوي يا فرحتي. ابتسمت أثر ذكر اسمها بصيغة تخصه (فرحتي)

، وجاهدت في إخفاء ابتسامتها ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً. اندهش زين من ابتسامتها وهتف في عجب: –بتضحكي على إنك مش مثيرة بالنسبالي؟ ازدادت ضحكتها وهتفت بثقة: –لا الحمد لله، أنا واثقة من نفسي. كفاية إني أفقد توازن اللي مدرب كويس وخليته يقولي يا (فرحتي) عندها أدرك زين ما أضحكها، ولكنه لم يرتبك، بل هتف بثقة: –أنا بقولك كدا برفع من روحك المعنوية. وأنا لو عندي اسم ليكي هيبقي يا (مصيبتي) (بلوتي) (قدري) . اختاري انتي بقي.

وضعت فرحة يدها في جنبيها وهدرت بضيق: –بلوتك ده إيه؟ لولا مساعدتي أنا ما كنتش دخلت صالة اللورد اللي بتقول عليها دي. مر من أمامها وهتف بسخرية: –يا سلام! شايف أنا نجحنا قوي؟ مش بعيد اللي ضربناهم هناك دول بيطردونا. أقل حد هناك يعلن حرب على دولة بأكملها. التفت إليه: –يبقى مكانش لازم تغير عليا لدرجة إنك تضرب في الناس. رفع حاجبيه وجحظت عيناه: –أنا بغير عليكي؟ حركت كتفها بغرور: –طبعاً. هتف بتهكم:

–اسمها بحميكي. خلي بالك مصطلحاتك دي هتوديكِ في داهية. نزلت يدها من جانبيها ودفعته بغرور وكأنما تخبره أنها ترى العشق البين في عينيه، وأجابته بابتسامة غرور. فتف بنبرة ساخطة زين ليفسد غرورها: –على فكرة الدراي كلين جاي ينضف الغرف ويلا عشان نخرج. روحي اتخيمي كويس وتعالي. دلفة فرحة وعلى وجهها ابتسامة انتصار، وأغلقت الباب وهي تحادث نفسها بابتسامة واسعة: –يا واد يا تقيل، يا يا يا مجنني...

يا دا أنا بالي طويل وانت انت عجبني، بس يا ابني بلاش تتعبني عشان عمرك ما هتغلبني. واسترسلت في نوبة الغناء والرقص، فقد كان قلبها هو من يحركها. *** في شقة فتح الله، كان يتمطى بذراعيه على فراشه وإلى جانبه زوجته عواطف النائمة، ليصدح صوت هاتفه الجوال، فاعتدل في نومته لينظر إلى شاشته وهو يهتف بضجر: –في حد يتصل بحد بدري كدا؟ وازداد تأففه عندما رأى اسم برهام المتصل، ليضغط الزر ويجيب بنبرة ضيقة: –أيوه يا برهام، خير؟

حد يتصل بحد بدري كدا؟ صاح برهام بضيق مماثل: –بدري فين؟ السمس طلع والناس راحت أشغالها وانت لساك نايم. اعتدل فتح الله ليهتف بتأفف: –وانت عايز إيه يا برهام؟ أنام أصحى مالكش عندي حاجة. صاح برهام فيه: –لا ليا، ليا بت أخويا ولا نسيت؟ –ما نسيتش يا برهام. قلت لجوزها وقال حاضر. صاح قائلاً: –أنا ما ليش صالح بحديتك يا البت تيجي يا أنا اللي هجيلك وأخدك نروحله. تأفف فتح الله وهتف بتبرم:

–خلاص هقوله تاني يبعتها وينزلوا من على دماغي بقي. –هنزل من على دماغي يا واد عمي، بس جولو أبوها عايزها. صاح فتح الله: –ماشي، ماشي، هقوله. وأغلق برهام الهاتف في وجهه. استيقظت عواطف على تلك المحادثة المشحونة وهتفت وهي تفرك عينيها لتزيل آثار النوم: –في إيه يا فتح الله؟ بتتخانق مع مين ع الصبح كدا؟ وضع الهاتف إلى جواره بتأفف وهو يهتف: –ده برهام عم حنين. عايزها. مررت يدها على شعرها وهتفت: –حنين البت اللي جات هنا؟

دي حد يعوزها دي؟ أجابها فتح الله في سرعة: –لا عندك دي اللي بسببها إحنا متغنغين. ما الفلوس اللي معايا دي من عند أهلها وهي مكنتش بترضى تاخدها. أمت عواطف بسخط: –آآآه، طيب هنعمل إيه لما تخلص الفلوس دي دول يا حسرة؟ شوية آلاف وخد من التل يختلاش. أحاح فتح الله يده غير مبالٍ: –المهم إننا نعيش النهاردة، وخلي بكرة لبكرة. ***

كانت فريال تجلس في الحديقة تشعر بالسعادة بعد تلك الليلة التي مضت في حزن على تلك التي لا تألفها إلا وهي حنين، ولا تعلم أن عذاب حنين لا شيء أمام عذاب أياد الذي ترك الفيلا أمس في حالة صعبة. انضم إليها عاصم مرحباً: –صباح الخير يا فريال، شايفك مبسوطة. التفت إليه وبدأت السعادة تقفز من عينيها وهي تهدر: –إلا مبسوطة يا عاصم. إمبارح أياد كان بيزعق للبنت اللي ما تتسمى اللي فوق دي وشكله كدا ضربها علقة موتا. ابتسم عاصم ساخراً:

–ههه، أمال هو فين سبع الليل؟ فتحت يدها أمام كتفها وهي سعيدة: –ما أعرفش، بس مبسوطة أوي. وبفكر أطلع أطردها على ما يجي. ضيق عاصم عينيه وهتف: –اهدى يا فريال، استني لما يرجع وهو اللي يطردها بنفسه. وأنا هبلغه يطلقها من غير شوشرة. كفاية لحد كدا. كورت يدها وكادت تقفز في سعادة وهي تهدر: –ياس! ابتسم عاصم: –للدرجة دي يا فريال؟ اعتدلت في فرحة وهتفت بسعادة بالغة:

–ما تتصوروش فرحانة قد إيه. مش عارفة أحبها، البنت دي مش جاية على هوايا. إلا صحيح، قولي والمناقصة اللي بتتكلم عليها مش هتأثرهم؟ بالنهوض وهتف: –لا ما تقلقيش، إحنا فاضلنا أسبوع. على ما يعرفوا هتكون المناقصة تمت. ثم مال بجذعه وأمسك طرف ذقنها وهتف في حنو: –المهم عندي رضاكي. لم ينتظر رداً ودار على عقبيه وغادر. وكانت فريال في سعادة أشعرتها أنها ملكت العالم بأسره. ولدها الوحيد، حب زوجها وتنفيذ رغباتها. ***

كانت تجلس لينا على إحدى الطاولات بانتظار شخص معين. وضعت أصابعها تحت ذقنها وهي تهدر بشرود: –ولا حد ياخدك مني يا أياد. هفضل أطاردك لحد ما تبقي ليا وبس. قاطع شرودها شاب في عمر الثلاثين عاماً يرتدي كاب جلدي وجاكت بدون أكمام ومن أسفله قميص كاروهات. إنه على صحفي مأجور. هتف وهو يشرع في الجلوس: –اتأخرت عليكي معلش. فاقت من شرودها واعتدلت في جلستها: –ولا معلش ولا مش معلش، عملت إيه؟ انجز وقول. تنهنح وأجاب:

–أنا جهزت كل حاجة، بس فاضل حاجة واحدة. هتفت في سرعة: –إيه هي؟ ابتلع ريقه وازدادت توتراً وهتفت بنبرة متحشرجة: –الحماية. بطلب الحماية. انتي عارفة أنا هتكلم عن أياد الأسيوطي بجلالة قدره، ويستحيل ده يمر بسهولة. هيقطع لساني فيها، ودي حاجة مش قليلة. رفعت رأسها عالياً وطمأنته قائلة:

–لا متقلقش، أنت هتنقله على لساني أنا ومحدش هيمسك بشيء. وإذا كان على كدا بردوا من باب الاحتياط خد حذرك وانشر المقال واختفي أسبوع ولا حتى شهر لحد ما الموضوع يتنسي. خلاص كدا؟ حرك رأسه باستجابة وضيق عينيه في تساؤل: –ماشي، بس في سؤال كدا محيرني. هو صحيح اللي قولتي ده؟ خبطت على الطاولة بغضب وهدرت بانفعال: –وانت مالك يا بني آدم انت؟ مش هتاخد فلوسك، شئ ميخصكش. حرك رأسه وهتف: –خلاص خلاص يا ست الكل، اهدى بس أنا كنت بستفهم.

أمسكت حقيبتها ونهضت وهي تهدر: –ما تسألش. تركت المكان له، وهي في حالة غير طبيعية. فهدر بلا مبالاة: –وأنا مالي؟ وأنا مالي؟ ***

تمشت فرحة خلف زين وقلبها يقفز فعلياً من الفرح. كان زين يهرول في شرود. ظلت فرحة تجاهد في الوصول إليه وتهرول مثله، ولكن هيهات فقد سبقها. حتى تعثرت قدماها وكادت أن تسقط، فالتفت إليها زين وأمسك بخصرها في سرعة. علقت بصرها به في توتر وظلت تحاول فك شفرات تعبيرات وجهه. فقد ضمنت غيرته، ولكنها بحاجة إلى إشهار حبه. ابتلعت ريقها وهتفت وهي تنظر إلى عينيه: –إزاي عرفت إني هقع؟ على فمه بابتسامة تهكمية: –عيني في وسط رأسي، ولا نسيت؟

اعتدلت في وقفتها ودفعته. التف ليستكمل طريقه وهتف ببرود: –امشي كويس. دار على عقبيه بينما حكت هي رأسها بضيق. تناثر شعرها الأسود وملامحها الشرقية الجميلة جعل ذلك الشاب المار يقلب بها ويطلق صفيرًا عالياً. فإنتبه إليه زين وأمسك تلابيبه ودفعه بعيداً حتى أوشك على السقوط. ليهدر بضيق: –مجنون.

بينما التفت زين إلى فرحة ونظر إليها شزراً ودار وأولاها ظهره وتحرك. ما حدث جعل فرحة تقفز في فرح. إنه يغار عليها والعاشق فقط هو الذي يغار. حركت يدها في الهواء حول بعضهما وكأنها ترقص، فالتف إليها زين فجأة. فحركت يدها بعشوائية كي تشتت تفكيره عن ما فعلت وهدرت: –الدبان هنا مش ممكن. رفع زين حاجبيه وأشهر أصابعه محذراً: –اتظبطي بدل ما أظبطك.

حركت رأسها بإيجاب وأشارت نحو فمها بعلامات السكوت. وما إن أدار وجهه ثانياً حتى وضعت إبهامها على جبهتها ورقصت برأسها. فباغتها زين بحركة فجائية وجذبها من عنقها تحت إبطه واعتقل رأسها بيده. بينما هي قهقهت في سعادة: –هههههههههههههههه. عليهتف هو بابتسامة: –وربنا مجنونة. ***

انزوت السندريلا المنبوذة في جانب فراشها تحاوط يدها حول قدامها وتدرتدى أسدالها في حالة تأهب إلى زجها وقد حفرت الدموع على وجنتيها قنوات وتحول لون عينها إلى الدم، خائفة. كل ما يدور في عقلها هو تلك الليلة التي عاشتها من سنوات عندما سحل أبوها أمها وقذفها في الشارع. كما هي، تدعو أن يمهلها فرصة واحدة كي تتستر طالما حافظت على أسدالها حتى في نومها خشية من أن تستيقظ يوماً وتجد نفسها في الشارع. قلقها من تلك النقطة تحديداً يؤلمها.

تعالت طرقات الباب وخشيت أن تكون هي فريال التي هي إحدى أسباب انفعال أياد عليها. وضعت يدها على أذنها كي لا تسمع شيئاً وحركت قدمها في توتر. وإن فكرت قليلاً ستعرف أن فريال لا تستأذن في الدخول بل تقتحم دائماً دون إذن. دلف رودي وهرولت ناحيتها عندما رأتها في هذه الحالة. فتحت ذراعيها واتجهت نحوها وضمتها بيدها وهتفت في هلع: –مالك يا حبيبتي، اهدى.

ابتلعت حنين ريقها أثر اطمئنانها أنها رودي وليست فريال. وسمحت لنفسها بأن ترمي إلى كتفيها في سرعة وانهارت تماماً بين يديها حتى فقدت الوعي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...