وقف ياسين ببنطال كافيه يناسب قامته الطويلة وتيشرت أسود بدون ياقة، يرتدي نظارة سوداء ببرواز معدني، في نقطة فارغة في وسط الصحراء. يتابع ساعة يده بقلق وتوتر. عقد ساعديه وأسند إلى سيارته في ملل، في انتظار رفيقه الذي ظهر بعربة جيب عالية تناسب البيئة الرملية التي تحيط بهم. اعتدل سريعا ووقف في انتظاره.
ترجل من السيارة سريعا واتجه نحو الباب الآخر. تعجب ياسين من تصرفه، ونظر من تحت نظارته باهتمام، إذا بدا له شيئا مهما بعد كل هذا التأخير. التقطت فرحة الغائبة عن الوعي، وحملها بين يديه. يتطاير شعرها الأسود مع الرياح كالليل آتٍ في ضوء النهار. اتسعت عين ياسين وهتف بتعجب: -إيه دا؟! أجابه زين وهو يقترب منه بجمود: -دي فرحة فتح الله القناوي. أسنانه في غضب وهدر بضيق: -إنت اتجننت!
أنا لازم أكلم اللي معانا، عشان يعرفوا جنانك دا وصل لحد فين. ودس يده إلى جيبه وأخرج هاتفه وشرع في ضغط الأزرار. قاطعه في ذلك زين بغضب: -انتوا مش كل اللي يهمكم العملية، هتم بأي طريقة. ودي، وأشار إلى فرح، محدش له داخل بيها. أنا اللي أقرر مصيرها، لأن مصيرها بين إيدي وبس. وكزه ياسين في كتفه بتعصب:
-أنت غبي من الأول لما وقفت ليها على الطريق، وبغبائك دا فتحت العين عليك. وأديك لسه بتكمل في اللي هيقضي عليك وعليها. أنت مش مسافر تصيف، أنت مسافر لجهنم الحمرا، رايح للموت برجليك. ويا عالم ترجع تاني على رجليك ولا لأ. لم يغضب منه زين، لأن ما قاله هو الحقيقة التامة. اقترب ياسين منه ووضع يده أسفل ظهر فرحة من بين يديه وهو يروضه: -هاتها يا زين، هرجعها لأهلها. ابتعد بها لخطواتين للخلف وأزاح يده بها بعيدا عن يده:
-لا، هتفضل معايا. عندها هدر ياسين بغضب: -يعني إيه؟ هي لعبة دي؟ بني آدمة يا زين، وشغلنا كله تحت النار. وجودها معاك خطر عليك وعليها. زمان الدنيا كلها مقلوبة عليها، قبلك أنت ومفكرين إنها تخصك ونقطة ضعفك. إحنا في شغلتنا دي ما ينفعش يبقى لينا نقطة ضعف. قبض جيدا على رسغ فرحة الغائبة عن الوعي، وحدق لصديقه بتحدي: -وأنا بقا هعمل العكس وهوريكوا كلكم إني قادر أحمي نقطة ضعفي.
ضيق عينه ليأسه من إقناع ذلك العنيد المتهور. واقتحم المكان صوت مروحية تهبط باتجاههم. حول نظرهما معا إليها. *** في الساحل،،،،، دخل إياد حاملا حنين إلى غرفته ووضعها برفق على الفراش. ثم جلس إلى جوارها يتحسس جبينها ويتفحص نبضها بقلق. إذا كانت روحه تنازع الألم عوضا عنها. شعوره باحتمال فقدانها هزم كل قواه وجعله عاجزا تماما عن مواصلة الحياة. اقترب منها وأمسك يدها ومال جبينه إلى جبينها وهمس بنبرة متحشرجة:
-بلاش يا حنين تختبري حبي ليكي أكتر من كدا. أوعك يا حنين تودعيني. وداعك ليا دا أكتر حاجة توجعني بجد. حبيتك، بلاش أرجوكي تختبري حبي ليكي. جاهد حتى لا تذرف عينيه تلك الدموع المزعجة، ولكن فشل. طرقات الباب تعالت في هذه اللحظة. حاول تجميع شتات نفسه وهتف بصوت عالٍ: -أيوه، مين؟! أجابه أحد أفراد حراسته القارعة: -ده الدكتور يا سعادة الباشا. ترك يدها وابتلع غصته المريرة وهدر بجمود: -خليه يدخل.
أدار مقبض الغرفة. تقدم الطبيب نحو حنين المسجية على الفراش وتساءل: -خير؟ أولاه ظهره ليخفي آثار ضعفه وتظاهر بالقوة وهتف بنبرة متحشرجة: -وقعت من درابزين اليخت في المياة. وعض شفاه بألم. بدأ الطبيب في الكشف واختلس إياد النظر إليه على حين غفلة ليطمئن قلبه إذا كانت بصحة جيدة أم لا. أنهى الطبيب الكشف والتفت نحو إياد وهتف: -هي كويسة، أنا اديتها حقنة وهتفوق بعد لحظات. أجابه بنبرة جافة: -عندها إيه؟! أمسك القلم وبدأ في
كتابة الروشتة وهو يحادثه: -المفروض إنها ما يغمى عليها كل دا، لكن بعد وقعها في المياة نقدر نقول إن الإغماء بسبب حالتها النفسية. يعني رفضها الحياة. حدق إياد إلى الطبيب بدهشة ولم تتحرك أي من قسماته، بينما تابع هو قائلا بجدية: -ودي تبقى محاولة انتحار...... التفت إياد محاولا إخفاء صدمته بعيدا عن أعين الطبيب الذي تفحصه هو الآخر بدقة عالية واسترسل وهو يمد يده تجاه بالروشتة ويحادثه باهتمام:
-دي شوية أدوية مهدئة، مش عايزين ضغط على أعصابها. يعني بشكل أوضح هي محتاجة معاملة خاصة. قاطعه إياد بغضب: -خلاص، أنت هتعلمني أعامل مراتي إزاي؟! توتر الطبيب قليلا وهو يجيب عليه بهدوء: -العفو يا أفندم، بس أنا..... -خلاص اتفضل.... قالها إياد مقاطعا مرة أخرى، يريد إخفاء ألمه في غضبه. استجاب الطبيب وخرج مسرعا، وانهار سقف العالم فوق رأسه عند سماع كلمة (محاولة انتحار)
. شعر إياد أنه يدفع ثمن أخطاء لم يقترفها، لا ذنب له فيها. معاناة جديدة سيعيشها مع معشوقته. *** في سيناء هتف ياسين محذرا: -كدا اللي بتعمله غلط، وهتأذي نفسك. لم يستمع له، اندفع نحو المروحية بثقة وهو يحمل تلك المغيبة عن العالم بين يديه. تحرك من ورائه ياسين في محاولة أخرى لتغيير قراره، وأمسك كتفه: -يابني، اسمعني. هضيعنا كلنا. العملية كلها هتبوظ بسبب البت دي وياريتها هتنفع. دا أنت هضيعها معاك.
ابتلع ريقه بقلق واحتدت عيناه وهو يهدر إلى صديقه بحدة، أحكم قبضته على ذراع فرحة: -مش هسيبها إلا أما أتأكد إنها في أمان. أنت عارف كويس إنها اتشافت معايا والدنيا كلها هتقلب عليها. أجابه ياسين بنبرة جافة: -وأنت مالك، مهتم ليه؟! توتر قليلا وهتف بجدية: -أنا مهتم بيها. لوى فمه ياسين وأجابه بسخرية: -أنا قلت أنت مهتم بيها. تأفف زين من مراوغة صديقه وهتف بجدية: -أنا ماشي. باغته ياسين بنظرة حادة، وهتف بضيق:
-ابقى خلي بالك عليها، وبلغني أول بأول بالجديد. اتجه زين نحو المروحية وصعد إليها، وزفر بارتياح ونظر إلى فرحة التي بين يديه وتأمل سكونها. أزاح خصلات شعرها المتناثرة على شعرها وهتف بهدوء: -ماتخافيش، انتي معايا في أمان. *** في الساحل جثى إياد على ركبتيه أمام مخدع حنين حيث بدأت تفتح عينيها ببطء. ونظر لها نظرات تحمل الكثير من الأسى والحزن ثم هتف: -للدرجة دي بتكرهيني؟
كنتي قولتيلي إنك بس مش بتثقي فيا، وأنا كنت هقدر دا. بس ما تحاولي تنتحري يا حنين، مش للدرجة إنك تحسسيني إنك مجبرة على التكيف معايا. حركت رأسها في استنكار وهتفت لتنفي: -أنا.. أنا... لا. لوح بيده لها بالسكوت، واسترسل: -خلاص يا حنين.. ما تتعبيش نفسك.. وتحبيني بالعافية. أنت مش مجبرة على حاجة. أنا حاولت أخليكي سعيدة.. حاولت أعيشك أحلامي زي ما حلمت بيها معاكي... لكن... -انتي لسه مش مستعدة تقبليني حبيب...
أنا تعبت من نظرتك ليا بعد كل مرة بيحصل بينا حاجة.. تعبت من الشعور إني بغصبك على دا... أنا مش كدا يا حنين، مش أنا اللي آخد حاجة أنتِ مش مستعدة تديهالي، حتى ولو كان حبك.... أوعدك إني مش هقرب ليكي تاني، ومش هضغط عليكي بحبي. هحاول أسيطر على مشاعري أكتر، بس ياريت... تخلي صورتنا حلوة قدام الناس. خليهم يفتكروا إننا عايشين طبيعي. انتفض من أمامها مندفعا خارج الغرفة، يحبس في مقلتيه دموع الألم الذي يعتريه.
حدقت حنين نحو الباب الذي أصبح فارغا من أثره.. وترقرق الدموع في عينيها وهتفت محدثة نفسها: -ده فهم إني حاولت أنتحر... ياربي.. أفهّمه إزاي إني دوخت ووقعت غصب عني.. أكيد هيفهم إني بقول كدا عشان أسترضيه...... تنهدت قليلا... -يلا، أهي فرصة أدّي لنفسي أعرف حقيقة مشاعري بعيد عن قربه اللي بيشتتني دا. *** في الصعيد
كانت زينات تقف في ردهة المنزل الكبير الذي يطل على الحديقة المزدهرة. ولازالت بقايا الصدمة التي ألقاها برهام على مسامع زينات عالقة بذهنها، جعلتها في عالم آخر من القلق والخوف. تريد أن تحتضن ابنتها، تريدها إلى جوارها، ولكن لا تريد لها مصيرا مظلما كذلك الذي تعانيه. زفرت بألم: -آه.... يا فرحة، يارب استرها عليها، يارب أنت عالم بحالي وغني عن سؤالي. اقتحمت صابحة المكان وهي تهتف ساخرة: -ادعيله ياخدها.
احتشنت قسمات زينات عند سماع صوت صابحة وتذمرت وهي تهدر: -يا أختي حرام عليكي، سيبيني في اللي أنا فيه. اقتربت منها وهدرت ساخرة: -اللي انتوا فيه ولا اللي إحنا فيه. جيتوا وجبتوا الخراب وياكم. استدارت زينات لها بغضب: -مالك قرشة مالح، من وقت ما جيت لي، عايزة إيه يا صابحة؟ سبتهالك مخضرة من سنين، حلي عن دماغي وسبيني دلوقتي في اللي أنا فيه. حركت صابحة رأسها بطريقة شرسة وهدرت:
-أنا مش قرشة مالحتك يا أختي، أنا عايزة أجرك أنتِ بين سناني. رجعتوا أنتِ وجوزك ليه؟ مش أخدتم جاسمكم ورحتوا مصر؟ ما بقالكمش هنا لا بيت ولا أرض. رحتوا اتمرمطوا وسفيتوا التراب أشكال وألوان، وأما شبعتم فقر جيتِ رسمتوا على جوازة بتكم هنا تاني؟ بتزرعلكوا هنا شجر (شجرة) عشان تنعموا في خيرها. وما توجعش ميلة البخت إلا على ولدي، زينة الشباب يتعمل فيه أكده. اللي كان يمشي كيف السبع، كل البنت تتمنى التراب اللي تحت رجله.....
بتك أنتِ تهرب منه قبل فرحها بأسبوعه. هتفت زينات بمرارة: -يا ستي حرام عليكي، إحنا مش عايزين كدا. من الله فتح الله هو اللي اتفق وياكم من ورانا. إحنا جبنا على عماى، وبتي بس تيجي وهعرف منها كل حاجة. لوت فمها بسخرية:
-أيوه أيوه، اعملوهم علينا. مش عايزة خيال علينا كهنة البندر. أنتِ عارفة إني بت الحاج سعفان، وأنتِ يا سلفتي قيمتك مش جمتي عشان تقعدي تتحدتي معايا على الفاضي والمليان. أنا من الأول قلت لهم الجوازة دي ما هتجيب غير الخراب. يلا خليهم كلهم يشربوا من مجايبهم. *** على الطرف الآخر
فتحت فرحة عينيها بثقل وظلت تقاوم النعاس المسيطر على عينيها. وتداعيات الخطر بدأت. دق ناقوس مرور لمحات عما حدث لها من قبل. ضرب، اسم صقر، إطلاق ناري، جثث، زين، حقنة، برودة، انعدام الرؤيا. وضعت يدها على رأسها متألمة. قاومت بعينيها الإضاءة العالية بالغرفة وأخيرا حدقت بالمكان مليا لتميز أين مصيرها هذه المرة.
*غرفة بيضاء، أثاث راقٍ وستائر مزهرة، جو هادئ تداعبها نسمات الهواء. اعتدلت في نومتها والتفتت إلى نفسها. جحظت عينها بفزع أثر رؤيتها ترتدي روبا من الستان أبيض اللون. ونهضت في عجل. بحثت في الأرجاء عن ملابسها ولكن لا أثر. اتجهت إلى الخارج بحذر وأدارت المقبض بهدوء وتحركت على طرف بنانها ودارت بمقالتيها في المكان لتخمن أين هي.
كانت الردهة بها أريكة جلدية سوداء وطاولة من الزجاج ومزهرية بها ورود طبيعية، بينما لون الحائط كان خليطا بين البني والأبيض وبروز جبسية على شكل حجر. وقعت نظرها على شرفة في منتصف الردهة. تسللت نحوها لمعرفة موقعها الآن. وما أن اقتربت حتى رأت صاحب الشعر البني وعريض المنكبين موليا ظهره لها، مرتديا تي شيرت رياضي على الأكتاف يمثل شكل X. شعرت بالطمأنينة قليلا.
وتحركت نحوه وهي ترفع عنقها إلى الشارع لتلاحظ مباني صغيرة وشارع كلاسيكي وأعمدة إنارة مختلفة عما رأت من قبل. سألت بدهشة: -احنا فين؟ ابتسم زين أثر سماع صوتها وهتف مرحبا وهو يستدير لها شيئا فشيئا: -اممممم... إيطاليا باين. -ها اااا فغر فاها وهي تهتف بذهول. ابتسم زين لها قائلا: -حمد لله على السلامة. ضيقت عينيها في ضيق ووكزته بكلتا يديها في صدره وهي تهدر بغضب: -أنت جبتني إزاي هنا؟ انطق، وكمان عطتني حقنة في رقبتي، انت مين؟
انت مين؟! اعتقل يدها وهتف: -إيه يا بنتي، مش أنتِ اللي قولتيلي خرجني من هنا؟ انتي نسيتي؟ هدرت بضيق وهي تسحب يدها من بين يديه: -قولتلك خرجني من هنا، مش خرجني برة مصر. عقد حاجبيه بسخرية: -على فكرة بقى انتي كل مرة تقولي كدا وتتحايلى عليا وترجعي تتضايقي. أجابت في تحير: -يعني إيه؟ مش هرجع مصر تاني؟ وتشنجت عضلات وجهها وهتفت: -انت السبب. أشار لها بإصبعه وهتف بجدية: -أعتقد إنك قولتي إنك هتثقي فيا.
حاولت تجميع شتات تفكيرها واعتصرت رأسها كي تتذكر ماذا هدرت أيضا: -أنا، قولت كدا. تحرك إلى الداخل واستند إلى الأريكة وعقد ذراعيه أمامه: -واعتقد كمان إنك قولتي هتسمعي الكلام. هتفت بدهشة: -أنا، قولت كدا. حرك كتفه بخفة وهو يهتف: -دا غير اللي قولتي تحت تأثير المخدر. اللمعت عينيها ببريق الفضول وتساءلت: -قولت إيه؟ دار من حولها وهو يبتسم بخبث: -كتير، حاجات زي أنا بحبك كدا. اتسعت عيناها وزاغ بصرها وهي متحيرة: -أنا، قولت كدا.
ووضعت يدها على صدرها ثم فجأة جحظت عيناها واللمعت عينيها بغضب. -هدومي فين هدومي. حك زين رأسه وتظاهر عدم الاستماع: -بينما هتفت هي مجددا: -مين اللي أخدها؟ مين أصلًا اللي لابسا ني كدا. ابتسم ماكرا: -خلاص بقى يا فرحة، هو أنا غريب. اتجهت نحوه بضيق وبدأت تقذف نحوه كل ما يأتي في يدها، حتى أمسكت المزهرية. فرفع يده محذرا: -أوعك يا فرحة، دي تموتني.
لم تبالِ وقذفته فعلا وتفادها هو بحرفية. ثم زفر بارتياح أثر تفاديه لهذه الكارثة واطمئن حينما رآها أفرغت كل ما حولها. هتفت من أسنانها: -يا سافل، يا حيوان، قليل الأدب، ي... قاطعها هو بمرح: -خلاص بقى يا فرحة، هي أول مرة يعني. المهم اللي إحنا فيه دلوقتي، احكيلي عن اللي حصل قبل ما أوصلك. اهتزت مقلتاها بتوتر وسألته بقلق: -مين صقر؟ تابع باهتمام: -أنا. -سألته بحيرة: -اسمك زين ولا صقر؟ ضيق عينه غير مبالي:
-اسمي زين وصقر وممكن هنا ابقى جو، وكمان شوية شبح. تقدري تقولي ما فيش حاجة تأكد اسمي، أي واحد فيهم. اتسعت عينها وهتفت بقلق: -ااا... أنت مجرم...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!