الفصل 17 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
26
كلمة
2,765
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

في مكان مهجور للغاية، على نحيب فرحة المرتعش، سقطت بين يدي كابوسها المرعب وحيدة دون أي مدافع أو أي شخص، فقط هي وهو. هدر عزام وهو يقترب منها بصوت بارد مخيف: –بطلي عويل يا بت عمي. هخلص عليكي بسرعة، ما تقلقيش. أزاح الكمامة من أعلى فمه. لتصرخ بصوت عالٍ لعل يستمع لها إنس أو جان. ولكنه علا بضحكاته الشريرة التي أحبطت صوتها وأسكتتها. توقف عند توقفها ونبرة مخيفة استرسل: –صرخي، ما حدش هيسمعك. صرخي...

صراخك ده يا بت عمي هو اللي هيشفي غليلي منك قبل ما أموتك. مش انتي اللي قولتي الموت أهون عليا من إني أتجوزك؟ خلاص يبقى على يدي، بس أنا محتار، أسيبك هنا في الخلا للديابة تاكل جتك؟ أمسك ذراعها بقسوة وصاح بعنف: –لكن كيف؟ والديابة ما تاكلش النجاسة. دفعها بقسوة إلى الأرض لتسقط على التراب تلهث من فرط الرعب. أمسك ما يسمى بالكوريك ليحفر في الأرض بكل غل وهو يهدر من بين أسنانه مع كل حفرة: –هدفنك... وأخلص... من عارك.

علا نحيبها وهي تتابع حركاته المتتالية برعب. تفتت بصوت مبحوح: –أمي... أمي. ابتسم ابتسامة ساخرة تبعها بالقول: –ما تقلقيش، الكل عارف إن بتك الفاجرة هربت تاني. كلفتيني كتير عشان أجيبك لحد هنا. استنيت وصينية اللبن دخلتكم وحطيتلكم منوم، أمك شربت وراحت في سابع نومة، وانتي ما خبرش ليه ما شربتيش؟

يلا حلال فيكي. الضربة اللي أخدتيها. تصدقي أنا كان بودي أقطعك جطيع قبل ما أدنك هنا، بس جولت إن دفنك صاحية هيريحني أكتر. أشوفك وإنتي بتتخنجي من التراب زي ما خنجتي قلبي. جنبك وإنتي عمالة تتجلعي وتجولي دا لعان. كلماته وقد حفر حفرة كبيرة تسع جسدها. اقترب منها بينما هي تسارعت أنفاسها. صرخت من جديد وحاولت التحرك ولكن ما زالت مقيدة. زحفت للوراء. فتقدم هو بخطوات بطيئة واثقة نحوها.

مال بجذعه وأمسك قيد يدها وجرها منه نحو الحفرة. ازدادت هلعاً وصراخاً ولكنه لم يتراجع. دفعها نحو الحفرة بلا رحمة فسقطت في أعماقها. شهقت برعب وهي ترى نفسها داخل حفرة سحيقة. لم تناد باسم زين تلك المرة لشعورها بالخذلان من جانبه. انتحبت بشكل هستيري وهي ترى ذلك البارد ذو القلب الميت يهيل عليها التراب. استسلمت للأمر ولكن الروح غالية. حاولت النهوض ولكن لا فائدة، في يدها وقدمها المقيدتين تعيقان حركتها. هدر عزام بغل مبالغ فيه:

–هدفنك بالحيا زي ما دفنتي عرضي وشرفي وهربتي. وجاية قدام الكل تحضنيني فيه وتجوليلة الحقني؟ طيب يا بت عمي، خليه يلحجك. *** في فيلا عاصم الأسيوطي، كان الجو هادئ للغاية. فقد دخلت رودي إلى غرفتها لترتاح، وكذلك فريال وعاصم. في غرفة إياد وحنين. تمدد إياد إلى جوار حنين الغافية كالطفل، وأسند يده إلى رأسه وهو يتأمل وجهها الملائكي بشغف لا حدود له. لا يذكر كيف عشقها إلى هذه الدرجة أو متى غرق في سحرها الذي لا يقاوم.

لم يدرك كم من الوقت مضى وهو يجلس تلك الجلسة. تأبى عينيه النوم أو حتى التزحزح من جوارها. أخيراً، عادت إلى أحضانه، وإن كانت ليست كما رحلت. يكفي أنها إلى جواره، وسيعالجها بطريقته. لاحظ تقلص عضلات وجهها الحزينة وتساقط دموعها برغم من نومها. تحركت عيناه بتوتر واستعد لإيقاظها، ولكنها كانت أسرع بانتفاضتها من أعلى الفراش بفزع وصراخ عالٍ. اعتدل هو أيضاً واحتضن ظهرها ومال برأسه إلى كتفها وأخذ يهمس بقلق: –مالك يا حنين؟ في إيه؟

لم تتوقف وأزاحته بتعصب وقفزت من على الفراش ووضعت يدها على أذنيها وكأنها تخشى شيئاً: –ما تلمسنيش، ابعد عني... أنا متجوزة. أبويا هيموت. أياد لا. أيقن إياد من أنها في كابوس مفزع نما بداخلها بسبب والدها ونيته. نهض باتجاهها واحتضنها مجدداً وهتف بغضب ملجم: –اهدى حبيبتي، انتي في حضني أنا. هحميكي من الدنيا بحالها. ما تخافيش، وانتي معايا. توقفت عن مقاومته إثر شعورها بالأمان الذي تألفه وهدأت تماماً بين يديه.

مال بجذعه وحملها بين يديه وتشبثت هي بعنقه كطفلة صغيرة. ألقى نظرة على عينيها الغافية وابتسم ابتسامة حزينة إثر ما وصلت إليه بسبب والدها، وتوعد في نفسه على الإطاحة به، ولو كان آخر عمل يعمله في حياته. *** في منزل البدري، دخل عبد المجيد منزله الذي يتهرب منه ومن عويل امرأته وصراخات طفلته. سارعت إليه سناء مجدداً، وعندما رأتها تتقدم نحوه بتلك السرعة، زمجر هو بضيق وتعنّف:

–ما عيحصلش اللي في دماغك. راسي هطج منيكم. ما تخلونيش أرميكي انتي وبتك برة. لم يمنعها صرخته وهتفت تسترجيه ببكاء مرير: –خلاص يا عبد المجيد، ما عتحايلش عليك إنك تخلص بتي من عذابها وتوافق تعملها العملية. هترجاك بس تجوزها. فرغ فاه واستنكر كلمتها وكررها بدهشة: –أجوزها؟ هتفت هي من جديد بتوسل: –أيوه، حد يتجوزها وبعديها تعمل العملية. هدر بعنف وهو يقبض حاجبيه: –ع تجولى إيه يا ولية؟ انتي كنك اتجننتي. صاحت ببكاء:

–ما فيش حل غير أكده. تتجوز وتعمل العملية وتفضل بتك بت بنوت، وإني أبقى ضمنتها حية وخففت عنها عذابها. البت بتموت يا عبد المجيد وما عتبطلش منازعة، وإني مش هجف أتفرج عليها. لم يعبأ بكلماتها الحزينة ولا حتى تأثرها بابنتها، وكأن الله يسلط على السيئين سيئين أشباههم. وهتف معنفاً إياها على فكرتها البالية: –يا سلام، عدور أنا المنادي في البلد ينادي يا أولاد الحلال، بتي عايزلها عريس. والله اتجننتي يا بت الكلاب. أشارت

بكلتا يديها له تسترجيه: –لع لع لع، العريس موجود، جوزها زهير وخلاص زي ما كنت عاوز. لمعت عيناه ببريق غامض وظل صامتاً يفكر في عرضها الراجح، ثم حرك رأسه نافياً: –مش انتي اللي ما رضتيش من الأول، جاية بعد ما راسه اتعلجت ببت أمينة تجولي جوزهالوا؟ ما عيرضاش، ريحي روحك. جثا على ركبتيها من قلة حيلتها وعلا صوتها وهي تتوسل إليه:

–إني هحب على يده عشان يتجوزها، وأحب على رجلك انت عشان ترضي. أبوس يد الخلايج كلها عشان بتي تعيش يا عالم. لم يهتز أو حتى يرف له جفن وتحرك من جوارها باتجاه الباب، عائداً من حيث أتى حتى يهرب من محايلاتها التي لا تنقطع. *** في ذلك المكان النائي المهجور، أنهى عزام أغلبية عمله في تغطية جسد فرحة بالتراب وما تبقى منها فقط إلا وجهها. هدر وهو يستمتع برعبها الجلي على كل أنشأ في وجهها: –غسلت عاري منكِ، خلي التراب ينضف فجرك.

ازدادت نحيباً وهي تعرف أنه لا فرار هذه المرة وأنها ستغمض عينيها عن هذه الدنيا. وآخر ما رأته تلك السحنة المقيتة. اعتدل عزام وأمسك بالكوريك لينتهي عمله تماماً، ولكن قاطعه ذلك النور القادم من بعيد. توقف ورفع راحت يده ليحميه من تلك الإضاءة التي تسلطت على وجهه. توقفت السيارة وترجل منها شبح عزام الذي يبغضه، إنه زين تمام هيئته. كز على أسنانه وهو يندفع نحوه بغيظ يتعاظم بداخله.

بينما زين انتظر قدومه بفارغ الصبر كي يسحقه وينهي ذكراه للأبد. تبادل اللكمات بتعادل وهدر عزام وهو يلكمه بغل: –جيت إزاي؟ عرفت مكاني كيف؟ عاد إليه زين لكمته من جديد بعنف وأجابه من بين أسنانه: –بتسأل ظابط مخابرات عرفت إزاي؟ وقعت عينه على رأس فرحة التي تظهر من الحفرة وتأكد مما نوى مجدداً فعلها. ازداد عنفاً أكثر من ذي قبل وأوقعه أرضاً وقفز فوقه وأنهال عليه باللكمات حتى سالت الدماء من فمه.

لم يوقفه أي شيء فقد عزم على أن يفني روحه عقاباً على تجرؤه على لمس محبوبته الغالية من جديد. اقتحم المكان عربة ياسين المسرعة وترجل من العربة وتدخل في الأمر وهدر وهو يتقدم نحوهم: –انت كنت طاير يابني، ما عرفتش الحق. أمسك بيده ليمسك يد صديقه الغاضبة: –خلاص بقى يا وحش، سيبهولي. رفعه عنه بصعوبة ولكن ثورة زين لم تهدأ بل ركله عدة ركلات متفرقة. بغل ثم بصق عليه وهو يهدر: –كـــــــــلـب. ربت ياسين على ظهره وهتف بمرح:

–اممم، روح بقى شوف الجو وأنا هكتفك وأسبقكم. زفر زين أنفاسه وركض باتجاه فرحة التي أغمضت عينيها في حالة من الاستسلام والانتظار. ناداها بصوت حزين وهو يزيح عنها التراب الكثيف الذي أغرقها عزام به: –فرحة... فرحتي... قومي أنا جيت. فرجت سوداء عينيها الدامعة وانفجرت بالبكاء. لقد بات حبيبها أكثر من يعذبها. أزاح هو أكثر جزء من الرمال عنها ثم انتزعها من وسط البركة بخفة. وقد انتهى ياسين من تقييد عزام ودفعه بالسيارة فناداه عالياً:

–اخلص يا عم الحبيب، وأنا مش هدخل من غيرك. أومأ إليه برأسه ولم يجبه، فقد كان همه هو الاطمئنان على تلك الثرثارة التي صمتت فجأة وبدت كئيبة. هو يعلم أن ما مرت به صعب، ولكنه لم يعاهدها بذلك الشكل من قبل. فك وثاق يدها عنها وكمم غيظه عندما رأى تلك البقع الزرقاء أعلى يديها. هتف بصوت خفيض: –ما تقلقيش، أنا معاكي. نظرت إليه وهو يتابع حل وثائق قدمها بأعين غاضبة ثم صرخت به بعنف: –وأنا بكرهك، انت وحش، وحش جداً.

وانحدرت في بكاء هستيري كالضائعة. حدق إليها بحزن عميق. اقترب منها فدفعته بضعف. عض شفتيه واقترب منها مجدداً محاولاً تهدئتها. استرسلت هي بنبرة واهنة: –أنا ما بقتش عايزاك، الدنيا ما بقتش عايزانا مع بعض. العالم كله هيقف لو اتجمعنا. الحب جه عليا أنا وجاب آخره. أنا منحوسة. ابعد كفاية تعذيب فيا بقى. جيت ليه؟ رجعت ليه؟ أنا ما نادتكش. جيت عشان تشوفني كده، صعبت عليك مش كده؟

جيت عشان تحميني زي ما بتقول من اللي قتلتهم سوء. أنا مش عايزة حماية. سبهم يخلصوني من العذاب ده كله. كفاية كدا. كان يعض شفتيه وهو يراه في هذا الانهيار. تابعها بأعين تنزف دماً. اقترب منها وأمسك وجنتيها بين يديه ومال رأسه ليرى وجهها المنتكس وهتف بصوت حزين: –فرحة، أنا جيت عشانك، مش عشان صعبتي عليا ولا عشان أي حاجة تانية. ابتلع ريقه إثر نظراتها المتحيرة، فالشوق في عينيها يفضحها. استرسل بنبرة صادقة:

–أنا بـــــــــحــــــــبـــــــــك يا فرحة. لوت فمها كالطفل وكأنها تأبى التصديق. أضاف وهو يبتسم ابتسامة حزينة: –أنا بحبك، وما كنتش محتاج أبعد عنك عشان أعرف إني بحبك يا فرحة. حركت رأسها نافية وهتفت بتعند: –لا، انت عمرك ما حبيبتني. انت بتشفق عليا مش كده؟ صعبت عليك وأنا بتحايل عليك تاخدني من هناك، مش كده؟ حرك رأسه بغضب فهو لن يفشل في إقناعها ولن يسمح لأفكارها السلبية في إفساد لذة ما نطق.

مد يده في سرعة والتقطت سلسالها المعلق برقبتها ورفعه باتجاه نظرها. هدر بتعصب: –عارفة دي إيه؟ نظرت إلى محتويات السلسال بتعجب. وحركت رأسها نافية. حدق إليه بعمق ليضمن استيعابها وهتف بهدوء دقيق وهو يشير بطرف إصبعه لكل محتوى على حدة: –دي الرصاصة، وانتي عارفة إنها انتي. والفراشة دي... جهاز تتبع. اتسعت عيناها وهي توزع نظرتها بينها وبين عينيه في صمت. أكمل هو بمزاح: –والحصان ده أنا، عشان الرصاصة دي... وأشار باتجاه فرحة:

–صابت الحصان ده. وأشار إلى نفسه. اتسعت ابتسامته واحتضنته دون أن ينبث فمها بكلمة. غمض هو عينيه وهو يستمتع بالراحة في أحضان محبوبته الغالية. دقائق، وأزاحها ونهض عنها ومد يده ليوقفها. امسكت بيده. هتف باسماً: –يلا عشان نتجوز. لم تسندها قدمها وكادت أن تسقط من جديد ولكنه سارع بالإمساك بخصرها ومنعها من السقوط. اقترابه الوشيك وعينيه المفزوعة عليها، يده التي تلمسها بحساب، كل إنش فيه يوضح كم يعشقها. ولكنها تعشقه أكثر بكثير.

هو كان دوماً منقذها، بطلها الخارق الذي يأتي في أصعب الأوقات. هامت بعينيها في وجه الذي اشتاقت له. لم تفق من شرودها بملامحه إلا على صوته يناديها باسمها الذي عشقته للتو: –فرحة، فرحة. هتفت بشرود: –ها؟ ابتسم مشاكس: –يا بت، قولتلك يلا نتجوز. وضعنا بقى صعب. عقدت حاجبيها لتدرك أنها في أحضانه، لا يمر من بينهما الخيط. اندفعت عنه بخجل وهي تترنح قليلاً. امسك يدها بقلق: –انتي كويسة؟ حركت رأسها بهدوء. ابتسم

وسحبها من ورائه وهو يهتف: –طيب يلا بقى، ياسين زمانه خلل. تساءلت وهي تتبعه وتتشبث بيده: –هنعمل إيه؟ أجابها وهو يتقدم نحو السيارة: –هنروح لعمك و,,,,,, توقفت قدماها وسحبت يدها من يده. التفت إليها وهو يستنكر توقفها، ليجدها قد تغيرت. تهلل وجهها إلى وجه مكفهر يكسوه الحزن. لم تنظر سؤاله وهدرت بهدوء حذر: –من يوم ما سبت وعيني ما بطلتش دموع. قلبي وقف ميت مرة وناداك. ودلوقتي جاي نرجع عشان يبعدونا؟ حركت رأسها نافية.

–لا لا، مش هستحمل يفرقونا تاني. أنا عايزاك. وآخر مرة هقولهالك إنّي عايزاك. لو رحنا مش هيرضوا. ادفني هنا، أنا موافقة، بس ما تسبنيش تاني. حرك يده ليهذب شعرها المتناثر بعشوائية وابتسم ابتسامة هادئة وهو يهتف بحنو: –بتثقي فيا؟ أومأت برأسها بهدوء. ثم اصطنع التكشيرة وهتف متسائلاً: –هتسمعي كلامي؟ أومأت برأسها ثانياً بهدوء. ابتسم ابتسامة واسعة وحدثها بنبرة عشق خاصة ومميزة: –مش هسيبك، ما تخافيش. آخر مرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...