بدأت حنين تطلع ورق عشان تطبعه وتنسقه. دخل عليها شاب قمحى، وعنيه رمادى، وشعره أسود وطويل، وعضلات بس شكله متبهدل ولبسه كله شحم، وكمان أديه. الهيبه غنى، والهيئه هيئة فقير. بص فى المطبعه ماكانش شايف غير حنين، الاله البشرية اللي رايحه جايه بتشتغل لوحده. خبط الأزاز فانتبهت للحظة. سرحت في شكله وهيئته الحلوة، ولكن اتكسفت وحطت وشها في الأرض. اتحركت للباب وفتحت الأزاز وسألت بنبرة جافة: "خير أفندم"
"أفندم.. أنا ماسمعتهاش من أيام الملك فاروق." "يووه… عايز إيه يا أفندم أنت." "العربية عطلت من امبارح وتلفوني فاصل، عايز أشحنه وأكلم سمكري يجيلي. من الساعة خمسة وأنا واقف ومافيش حد فاتح غيركوا في الشارع." "اتفضل يا أستاذ." رفع حواجبه ولوى بقه… وشد كرسي وقعد: "بس لو ممكن بس كوباية شاي وحاجة آكلها، إني جعان." "ماشي، هبعت أجيبلك طعمية سخنة وشاي يا أستاذ." "متشكر."
حنين فضلت تشتغل ومش عايزة تشغل باله بيها، وفيه حاجات كتير وأسئلة بتدور جوة دماغها. كلما تقوم تروح لمكنة التصوير تطلب منه يقوم عشان المكان ضيق، ماتلمسوش. "يا أفندم بعد إذنك." "قوليلي يا حنين بلاش أفندم." رفعت حواجبها مستنكرة، بنفس حركة هاللى خلته يستغربها. فضل يحرك صوابعه على المكتب بحركة متوترة وسريعة. "إنتي بتشتغلي هنا لوحدك." حنين خافت تقوله إن صاحب المكتبة راجل كبير في السن ومابيجيش هنا كتير، قالت باختصار:
"لأ، أنا وعم فاروق…" "أصلي ملاحظ إني مابتبطليش شغل." "شغلنا نبطله ليه؟ كنت إنت سبت عربيتك عطلانة ومشيت تجيب سمكري." "على رأيك…" حنين لاقت مجال عشان تسأل السؤال اللي تاعبها. "تلاقي صاحب الشغل يكدرك لو سبتها." "أيوه طبعًا، أنا بشتغل عند راجل واصل واتخدشت يطردني." "ياساتر.. فاكر نفسه ربنا، الأرزاق على الله." "أنا عارف يا أخت… اسمك إيه؟ "حنين." "حنين…"
حنين… وكأنه بيرددها، يحفظها في الذاكرة طويلة الأمد. صاحب أكبر منتجع سياحي وسلسلة فنادق هنا في القاهرة وشرم، وفيه بقي عنده أسطول عربيات. تيجى إيه حتة الكهنة اللي بره دي قدام العربيات التانية. بس لو انخدشت على مسؤوليتي أنا، حتة السواق الغلبان.
حنين كانت بتسمعه كويس، بس كانت بتشتغل. وشوية وجه القهوجي، بصينة عليها طعمية وعيش وكوباية شاي. هو حط إيده في جيبه مالاقاش فلوس. فهمت حنين وحطت إيدها في شنطتها وطلعت للساعي عشرة جنيه وعطاها له. "والله إنتي كده بتحرجيني يا آنسة حنين." "على إيه بس، الناس لبعضها." وكملت شغل. إيده وعمل سندويتش وبياكله: "إن شاء الله نردلك العزومة دي." "أنا مسامحة." قام وقف: "التليفون شحن…" وكأنه ماسمعهاش وعمل نفسه ماسمعهاش.
مسك تليفونه واتصل منه، وكان في انتظار رد. "مازن. باشا العربية عطلت مني ومش عارف أمشي وأسيبها. والله ما بأيدي، كنا الصبح بدري، وما كانش فيه طيب. ابعتلي السمكري، تليفوني كان فاصل، لسه شاحنه. هديك العنوان هو ( ) سحب تليفونه، وأخد آخر بؤ من كوباية الشاي الصغيرة. "متشكر يا آنسة حنين مرة تانية. ادعيلي صاحب الشغل ما يطردنيش." "العفو… يارب يستر علينا كلنا." مد إيده يسلم عليها. لفت وشها الجنب التاني.
عدا أسبوع والايام ماشية ببطء. في المكتبة كانت حنين شغالة شغل متواصل. سمعت صوت خبط على الازاز. رفعت عينها لاقت إياد واقف قصادها. وبعديها ابتسم ودخل. "صباح الخير." "صباح النور." "إزيك." "عربيتك عطلت تاني ولا إيه؟ " وابتدت تشتغل تاني. "لأ، أنا جاي أرد العزومة بتاعت المرة اللي فاتت." "عزومة إيه؟ مش قولنا دي كانت لله وكلنا على باب الله." "نعم؟ يعني تقصدي إن شحط زيي هيقبل صدقة من واحدة؟ دي حتى ما اتجوزتش."
"خلاص يا أستاذ، أنا عندي شغل، مش فاضيالك." "خلاص، اقبلي عزومتي." "جري إيه يا أستاذ؟ هو حد قالك إننا بنتعزموا ولا إيه." "لأ، محدش، بس أنا عليا دين لازم أردّه." "خلاص، قولت مسامحة." "وأنا ما يرضينيش." "طب هات عشرة جنيه." "إيه." "هات عشرة جنيه بس." طلع عشرة جنيه ومد إيده عطاها لها وهو مستغرب. خدتها حنين وطلعت بره، ولفت بعنيها كأنها بتدور على حاجة معينة، لقت واحدة ست ومعاها ولاد وعطتها الفلوس. "انت لسه واقف ليه؟
مش سددت دينك؟ اتفضل، عندي شغل." "يا سلام بقا جاي أردلك الدين اللي عليا تديه لحد تاني." "إيه الغلط في كده." "يعني أنا شايلك جميله وإنتي بتطرديني." "يا أستاذ، أنا زي ما إنت شايف عندي شغل، وأنا عملت ثواب مش مستنية منك تمنه. إجرى على الله." ضيق عينيه وسرح في لون عينيها وهي رافعة وشها وبتبص له. قرب عليها. قامت رجعت لورا. "إنتي عنيدة ليه؟ بقالي هعزمك، هو أنا هاخطفك." "جرا إيه يا أفندينا؟
ما توسع كده أحسن ما ألم عليك الشارع كله. هو إيه أصله ده؟ رجع للوراء بعد ما انتبه إن مافيش مساحة بينهم خالص. "يعني ما فيش طريقة تقبلي عزومتي." "لأ، اتوكل على الله، لاحسن صاحب الشغل يطردك بقا." "أيوه صح، فكرتني." خرج إياد وجواه ألف سؤال. إيه ده؟ إيه الكائن ده؟
شكلها باين عليها ما حلتهاش اللضي، ولابسة قديم وجزمتها مقطوعة، ومش راضية تاخد عشرة جنيه وهو متأكد إنها محتاجاها، ومش راضية تقبل عزومة وهي باين على وشها إنها أصلا ما فطرتش. البت كأنها بتطلعلي لسانها وبتتحداني.
حنين هي كمان كانت عاملة تفكر في المجنون اللي دخل عليها من شوية. النهارده شكله أحلى من المرة اللي فاتت. لابس قميص أبيض وبنطلون قماش أسود، وفاتح الزراير ومشمر وعضلاته باينة، وطوله، وشعره الأسود اللي نازل على وشه غصب عنه، وعنيه الرمادي الكحيلة، ودقنه اللي فيها طابع الحسن. تحسه إنه عنده هيبة، لكن هو مجرد سواق. انتهى اليوم وحنين ما بطلتش تفكر فيه. شئ جواها عايز يترمى في حضنه. وفي الآخر ضربت قلبها بالقلم. "جرى إيه يا بت؟
إنتي هتخيبى ولا إيه؟ اعقلي كده، الحكاية مش ناقصة، كفايا علينا اللي إحنا فيه." وحاولت تنساه تمامًا. فضلت حنين وفرح رايحين جايبين على شغلهم. ومافيش جديد. وإياد رحلها شغلها كذا مرة، وكانت كالعادة بتصده.
ما بطلش يراقب حنين ويحاول يعرف عنها أي حاجة، برغم محاولاته المستميتة في الوقوف جنب شغلها والإيقاع بها. كان ليل نهار بيفكر في البت اللي جننته بـ "أفندينا"، واللي شدته بـ بساطتها وعفويتها، اللي كل ما يفتكر صورتها بتكون كأنها حاطة إيديها في وسطها وبتطلعله لسانها وبتقوله "مش هتنسانى". بيفكر كتير أوي لدرجة إنه ابتدأ ينسى نفسه.
حاطط بيدخل صاحبه عماد، بيلاقيه عليه. وكالعادة بيلاقيه في عالم تاني، حاطط القلم في بؤه ومش داري بوجوده أطلاقًا. فبيخبطله على المكتب. "إنت يا أخينا؟ هييه مالك." "إنت جيت." "لأ، لسه. إنت فين؟ سرحان في إيه كل ده." "ااااه عماد… ياااه." "تلاقيها البت اللي قولتلي عليها قبل كده." "أيوه. يا عماد، تخيل ما رضتش تقبل عزومتي وأنا متأكد إنها ما فطرتش أصلًا." "ما قولتلك قبل كده، دي مش بتاعت صرمحة، دي سكتها دغري." "اه، جواز يعني."
"أيوه، إنت إيه شاغلك بيها كده." "غريبة: أول حد أقبله صافي كده بعيدًا عن جو البيزنس ده والمجاملات. بسيطة أوي، تحسها طفلة. ما حاولتتش تلفت انتباهي. تقدر تقول كده، اللي لفت انتباهي بيها إنها ما حاولتتش تلفت انتباهي." "ياسلام.. أجيب كمانجة ونعزف مقطوعة العشق في بنت العشوائيات." "بطل تريقة عشان ما أرفدكش." "طيب، أنا أعملك إيه؟ بقالك أسبوعين ما فيش غير البت دي على لسانك." "تساعدني." "أنا أساعدك إزاي؟
قولتلك دي جواز، وش. وأنا وإنت عارفين. وبعدين إنت عامل فيها شبح وقايلها إنك بتشتغل عند صاحب أكبر فندق في الشرق الأوسط وصاحب منتجع سياحي. وما حاولتتش حتى تقولها إن ده يبقى إنت." "يا ابني، هو أنا لحقت؟ دي أول ما شافتني مشحم كده. على طول قالتلي إنت بتشتغل على عربية. الصراحة قولت مش مهم، أهو برضوا أهو نبقى زي الناس الطبيعيين. واتحرر شوية. من جو الاستغلال." "وعشت الدور فيها."
"أيوه، عايز حد بجد يحبني ويخاف علي من قلبه. مش عشان فلوسي." "فرضًا بقا هي عايزة حد غني يعوضها اللي فات." "يوووو، ما قولتلك روحت أعرفها بنفسي. خدت العشرة منى، عطيتها للست بره دي. مش بتاعت فلوس على فكرة، ومش هيفرق معاها." "طيب، وهتعمل إيه." "مش عارف." "خلاص، اتقدملها. دي ولا سابع مرة بنتكلم في الموضوع ده." "طيب، اطلع بره." "ماشى… تاخد غرضك وتسبني." "يلا ياخويا من هنا." "يا بيئة."
عدا مدة وفتح الله كالعادة قاعد ع الفطار مع حنين وفرحه وزينات. "فرجت الحمد لله." "خير يا بو فرحة فتح الله." "بت يا حنين.. جايلك عريس." "مين؟ "هو إنت مش قولتي النوبة اللي فاتت هترضي بأي حد تاني غير سعيد." "أيوه يا جوز خالتي. مش معترضة. بس عايزة أعرف مين." قالتها ودموعها على خدها. "مبروك يا بنتي." "مبروك يا حنين." "وإنتي كمان يا بت يا فرحة."
"لولولولولوي لوى لوى لوى. يا مانت كريم يارب. أهي جات من عندك يارب وهطلع من البيت ده على رجلي، أحمدك يارب." "والبسمة على وشه. يلا خلينا نتفض." "مين دول يا حج." اتعدل في قعدته وقال بانشراح. "البت. حنين جايلها واحد مصري. سألت عليه، مش بطال ولا بطال. أنا عايز أشيل راسي بقا وأفوق لنفسي." حنين عيطت وجريت على أوضتها. "عيطتي؟ ما تعيطيش. اعملي حسابك جاى الجمعة هنتفق ونخلص." "ما خلاص بقا يا فتح الله، ما تضيقش البت."
"حرام عليك يا بابا والله." "حرمت عليكِ عيشتك. وإنتي كمان. عزام ابن عمك جايين من البلد، دول بقا هيكتبوا الكتاب وياخدوكي على طول. هما هيشتروا جهازك وطلباتك وكافة شئ. وأحلى حاجة مش هغرمك حاجة. أما البت حنين.. فربنا يقدرنا، عريسها كحيان، وبيشتغل زي حالاتي." سكتت ودموعها على خدها، لأنها عارفة خروج حنين وفرحة من البيت ده خروج بهجتها وروحها كمان. "بس أنا مش عايزة." "نعم؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟
حوشي يا بت سطر العرسان اللي بيخبط كل يوم، حوشي. ست الحسن والدلال اللي بيغير العرسان. خلصوني من قرفكم بقا، ضهري انقطع عليكوا." "يلا ينحش لسانك، بتردي عليا؟ طيب والله لأوديكى مكسرة." وقام يضربها. فدتها زينات وجريت على أوضتها بتعيط هي كمان. وزينات وأبوها فضلوا يتخانقوا خناقة كل يوم. فتح الله عايز يجوزهم عشان يتجوز ويخلف الواد اللي نفسه فيه، بعد ما أم فرح جابت فرح وشالت الرحم. دخلت فرحة أوضتها. لاقت حنين بتعيط هي كمان.
"بت يا حنين، إنتي زعلانة ليه؟ أديكي هتخلصي من الهم ده والعيشة دي." "قولي لنفسك." "أنا مش هخلص من العيشة، أنا هتدفن بالحيا." وانفجرت في العياط. مسحت دموعها، وطبطبت عليها. "يابت ده غني. وده كان نفسك فيه."
"أنا عمري ما كنت عايزة حد غني عشان فلوسه. أنا كنت عايزة حد يوريني الدنيا مش يدفني تحتها. هما في البلد ما بيشوفوش ضي الشمس، وإنتي عارفة سلوكهم. يعني كنت هنا بشوف الدنيا ومش طايلاها، وهناك هبقى طايلاها ومش شيفاها." وعيطت. "معلش، نصيبنا كده يا بت خالتي." "وهنفترق يا بت خالتي." عيطت هي كمان. "وحياة أغلى ما عندك، حُبي الواد اللي هييجي يخطبك وخليه يحبك عشان يخليكي تجيلي البلد. إنتي عارفة إنهم مش هيخلوني أجي هنا."
مش عارفة ليه جه في بالها إياد الوقت ده وسرحت. أحبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!