الفصل 12 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
26
كلمة
5,379
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

كان برهان، أحد أعمام حنين، يهدر بغضب على فتح الله: _أنت اتجننت على الآخر يا فتح الله، جوزت البنت ولا خبرت حد فينا. كانا كلتنا مش مليين عينيك. هاج فتح الله بعنف: _يوووه، وأنا في إيه ولا إيه يا برهان، ما البنت اتسترت وخلاص. لم يهدأ برهان بكلماته، بل زادته غضبًا وصاح عاليًا: _أكده من غير ما تاخد رأينا، من غير ما تقول لحد. اتصلت، جولت جيلها عريس، وفي أسبوع جوزتها. هتف فتح الله متمتمًا:

_أهي اتسترت برضه، ما تجيبوش راسي بقى. أهي مع جوزها، الدور والباقي على بتي أنا اللي ما عرفلهاش مطرح. أمسك برهان عصا الأبنوس وأشار بها نحوه بضيق وهتف: _بجى أكده، طيب خليها تيجي هي وعريسها نشوفه ونعرفوا بتينا راحت لمين. تحدث فتح الله بلا مبالاة: _هبقى أدور على رقمه، وكلمها. اشتعلت كلماته فتيل الغضب لدى برهان، وأمال رأسه بضيق متجلٍ وصدح عاليًا: _تشوف رقمه؟

كأنك رميتها مش جوزتها، ماشي يا فتح الله. قسما بالله البنت دي إن ما جت هي وعريسها ولا الجوازة دي فلحت للدم، يبقى الركب بينتنا. وغادر المكان وسط صمت من إخوته الذين تابعوا المشهد. التفت أخوه وهدان ليلومه وهتف بضيق: _جبت الخراب وجيت يا فتح الله. جيتك السواد دي هتحط راسنا في الطين. ضرب أمين كفيه ببعض وهتف بعنف: _هتفتح الدم بينا وبين عيلة البدري واحنا مش قديهم. لم يبالِ فتح الله ونفخ في ضيق وهدر:

_أقول لكم، والله ما أنا قاعد فيها وسيبها لكم مخضرة. وشرع بالخروج، مخلفًا وراءه مصائب لا تعد ولا تحصى. *** على الطرف الآخر، كان أياد ينتظرها في غرفته، ممددًا على الأريكة، مساندًا رأسه بكفيه في شرود، وعلى وجهه تعابير السعادة وابتسامة راضية. يسبح في عالم آخر أثر اندلاع أول شرارة حبهم. شعوره الجديد بالراحة والطمأنينة أثر تعلقها بعنقه برغبتها، شعور أحبه كثيرًا، وتمنى أن يدوم بقاؤها في أحضانه أعوامًا لا تنتهي.

أما حنين، فبحثت كثيرًا في خزانتها عن ملابس فلم تجد شيئًا يناسبها. أفرغت كل ما في الخزانة على السرير، ووقفت وسط كل هذا حائرة. مطت شفتيها بامتعاض: _خلاص، هستنى الأسدال ينشف وأمري لله. خلعت عن الأسدال ودلفت إلى الحمام. ضيق عينيه في دهشة وتساءل: _اتأخرت كدا ليه؟ ونهض من الأريكة بخفة وهو يهتف: _هقوم أشوفها. تحرك نحو الممر المؤدي إلى غرفتها، وطرق الباب بهدوء مناديًا: _خلصتي يا حنون؟

كانت ترتدي البورنس وتعيد ترتيب أغراضها بملل في انتظار تجفيف الأسدال. تركت ما بيدها، وعلقت بصرها بالباب بريبة وهتفت: _أما الأسدال ينشف. ضحك أياد بصوت منخفض وهدأ من نفسه وهتف: _طيب ما تلبسي حاجة تانية. عاودت النظر إلى الدولاب وحركت رأسها بتذمر: _ما هو أنا مش هلبس الهدوم اللي أنت جايبها دي لو إيه حصل. ضحك أكثر، واصطنع الجدية:

_طيب يا حنين، أنا مستنيكي تحت. وقسما عظيمًا لو ما لبستي ونزلتي، لاطلع ألبسك أنا بنفسي. ويا رب ما تنزليش كمان عشر دقايق. ابتسم هو، وتحرك من جوار الباب ونزل إلى الدرج وهو يضحك عاليًا، متسائلًا من تلك الساذجة التي اقتحمت عالمه ببرائتها وطفولتها، وجعلته يعشقها حد الجنون. أما حنين، وضعت يدها على رأسها ولطمت عليها بيدها الأخرى بقلق. فهي تعلم مدى جرأته. *** في سيناء.

لم ينبس زين فمه بكلمة، ولا فرحة. كان الجو مملًا للغاية، هادئًا إلى حد بعيد. أخيرًا، تحرك زين من مجلسه بخفة وتحدث بنبرة حازمة: _طيب، طالما قعدتي معايا، فمش عايز أسئلة كتير ولا دوشة، ولا تردي عليا كلمة بكلمة. تقولي حاضر وبس. استمعت إليه فرحة وهي تحاول السيطرة على انفعالها. قد سلمت إليه برغبتها وبكامل إرادتها، خضعت ولم تتجرأ على التحرك قيد أنملة إلى خارج عالمه. فأصبح هو لعنتها الجديدة. استرسل هو بضيق متصاعد:

_لحد ما نشوف لنا حل في الشبكة السودة دي. تحرك نحو المطبخ ولم يضف شيئًا آخر. لقد بدأ هو أيضًا مشوشًا. *** في الساحل. جلس أياد ينظر إلى الساعة بابتسامة. ونهض عن مكانه ليجوب الرسبشن ذهابًا وإيابًا. خرجت حنين من غرفتها لتتمالك أعصابها بصعوبة، وتتحرك نحو الدرج ونزلت الدرج بخجل متزايد. إذ كانت ترتدي بنطال جينز مقطوع من أماكن متفرقة على طريقة الموضة، وتي شيرت أحمر كات مزركش بالورود.

انتبه هو إلى وقع أقدامها على الدرج فالتف باهتمام. ثم أطلق صافرة عالية فور رؤيتها. فدارت على عقبيها لتصعد مرة أخرى. قفز نحو الدرج بخفة ولحق بيدها وأمسك بها. وهتف بدهشة: _استني، رايحة فين؟ تدرجت وجنتاها إلى اللون الأحمر ولم تجبه. هتف هو وهو يتفحصها بجرأة: _وإيه الصياعة دي؟ أنتي انحرفتي ولا إيه؟ أمسكت بطرف أصابعها وطأطأت رأسها بخجل: _وبدي هو مهتم إلى تبريراتها البريئة: اللي لاقيته مش أنت اللي جايبه. ابتسم وهتف مازحًا:

_لا، تبريرك مش عاجبني. شكلك بتحاولي تغريني. اتسعت عينيها في صدمة و.. أشهرت أصبعها بوجهه محذرة: _بقولك إيه، احترم نفسك. تعالت ضحكات أياد وهتف معللًا: _عمري. ما أحترم نفسي. يلا عشان نفطر. اتجهت حنين إلى المطبخ لتعد الطعام. ودلف أياد ورائها، عقد ساعديه إلى صدره، وأسند كتفه إلى زاوية الباب، وأحنى قدمه وتابع خطواتها بشغف جلي.

شعرت أنها محاصرة من أثر نظراته التي لم تحيد عنها وازدادت ارتباكًا. فانزلقت السكين إلى يدها، جرحت طرف بنانها، تألمت وهي تهتف: _آآآه. اعتدل أياد بخفة وهرول نحوها بقلق بالغ، وقضب حاجبيه وهو يتفحص طرف بنانها: _الحمد لله، جات سليمة. مش تحاسبي؟ ابتلعت ريقا بتوتر، وهي تتحاشى النظر إليه. ضم يدها بين كفيه وقبلهما قبلة عميقة هادئة. سحبت يدها من بين يده وتظاهرت بالانشغال. قاطعها بيده وهي ينظر لعينيها برجاء: _حنين، أنا بحبك بجد.

كانت كلماته الصادقة تعبر إلى قلبها بسلاسة، ولكنها أيضًا لن تكون ساذجة كأمه. دارت بوجهها في المكان بتوتر وأثارت الصمت. أمسك هو يدها ليوصل لها أحاسيسه الدافئة وهدر بهدوء وهو ينظر إلى عمق عينيها الساحرتين: _حنين، قولتلك اديني فرصة أصحح الوضع اللي إحنا فيه. وقلتلك دلوقتي بحبك، وأنتي لي مصرة تتجاهليني. جثى على ركبته وهو ممسك بيدها ويقبلها: _سامحيني، أنا حقيقي بعشقك.

لم تتمالك حنين نفسها من فرط رومنسيته ومحاولاته في إيصال حبه لها، فأدمعت عينيها وهتفت. نهض مسرعًا ويحتضن وجهها بكفيه، هو يمسح بطرف أصابعه دموعها وهتف بصوت حنون: _أنا مش عايز أشوف دموعك تاني. أنا ما قولتلكيش إني بحبك عشان أضعفك، أنا قولت عشان تبقي أقوى. وأنا بوعدك إني عمري ما هكون سبب في دموعك دي.

كانت تنظر إلى عينيه الرماديتين الصادقتين، كانت تشعر بانجذاب قوي نحوه، ولكن دومًا هناك شيء في عقلها يمنعها من هذا الانجذاب ويعنفها على استسلامها. انتفضت من بين يديه وأزاحتهم عنها بهدوء ورجعت خطوتين إلى الخلف وهتفت بوجه غاضب: _أنا مقدرة تعاطفك معايا، بس.. بلاش تعملني إننا بنحب بعض. أنت عارف إنت جايبني لي، وأنا كمان عارفة. بلاش تمثيل وبلاش نتصنع مشاعر مش بتاعتنا. خلينا نخرج من حياة بعض من غير خسارة أكبر، لو سمحت.

عض يده هو في وتبدلت ملامحه إلى القسوة وعض على شفتيه. واندفع بضيق من جوارها ولم يجيبها. *** على الطرف الآخر عند فرحة. كان الأمر مشابهًا. فكانت دومًا تجلس في غرفتها تدعو الله بصوت حزين من فرط شدتها، ومن جلوسها بمفردها أغلب الأوقات. لا تستطيع حتى أن تفتح نافذة أو بابًا. ***

مضى يومان ولا جديد. انزوت حنين في طرف غرفتها، وهو أيضًا تحاشى الصدام معها، فقد شعر بإهانة شديدة أثر تعامله معها بكل هذه الجفاف، وأرهقه التفكير فيها، وأصبح حاله متحركًا لا يشعر طعمًا للحياة. *** مازال الوضع في الصعيد ناريًا ومؤثرًا على كل أفراد الأسرة. وانتشرت رجال العائلة بحثًا عنها ثأرًا منها. أما عند عزام، فكان وعيده مختلفًا، وعيد مغلولًا من تلك التي تعالت عليه وفضلت عليه غيره أمام عينيه.

كان يجلس في شرود في غرفته، قبل اقتحام أمه الغرفة عليه. نادته أمه صارخة وهي تمط شفتها بأسى على حالة ابنها وعدم إدراكه مناداته لها عددت مرات على الرغم من دنوها منه. هتفت بضيق وهي تعاود النداء مرة أخرى: _عزام، يوه، منها لله اللي كانت السبب. كان زمانك عريس دلوقتي ومتهني، يا ولدي. انتبه أخيرًا لندائها وتوقف عن تحريك إصبعه على طرف ذقنه: _خير، يا أمي. في حاجة ولا إيه؟ زفرت بضيق وهي تضع يدها في حجرها وهتفت بتأفف:

_ما فيش يا ولدي، بس حالتك مش عاجباني. ضيق عينيه في تساؤل: _مالها حالتي يا أمي؟ اتطلعت إلى وجهه بضيق وهي تهدر بتعصب: _حالتك لا تسُر عدو ولا حبيب. وشك راح زي المونة، وعنيك ما بتغفلش. ويا إما بدور على اللي يتقصف عمرها بدري، يا أمي. قاعد أكده ما دارينش بحدا أصلًا. امتعض وجهه وهو يهتف: _في يا أمي، هتكلميني كيف الابن؟ زفرت بضيق: _الابن بيتستروا، وانت اتوقف حالك باللي غارت. اعتدل في جلسته وهو يزمجر:

_يوووه، هتعدي عليا أومال؟ _وما عددتش لي؟ كان زمانك متهني وزين غير الفاجرة اللي مشيت وولعت الدار حريقة. اتجوز يا ابني وفرحني بيك. شاور لي على بت مين تكون وأنا أزوجهالك. شهر إصبعه في وجهها وهو يهدر بعنف بالغ: _ما هتجوزش يا أمي، ومش هيكون عروستي غير فرحة. وما حدش هيشكمها غيري. والله في سماه لأجيبها ولو في سابع أرض. وخرج مسرعًا بغضب دفعه للبحث عنها من جديد، وتركها تلطم كفيها ببعض وهي تهتف بصوت واضح:

_وقفتي حال ولدي وفضحتينا يا بت المنكوبة. *** في المساء.

دارت فرحة في المنزل لمحاولة أشغال فراغها وتخفيف وحدتها الموحشة، ولكن لا فائدة. أخيرًا قررت الاستسلام إلى النوم كي تنهي ذلك الوقت الذي لا يمر ولا تشعر بشيء. اتجهت نحو السرير العريض واندثرت تحت الغطاء تحاول إقناع نفسها بالنوم العميق. وتذكرت زين، إذا وقعت تحت سيطرته الكاملة أثر بقائها معه برغبتها. لا تعرف ما القادم، ولا تعلم ما هو المجهول، فهي في تلك الحالتين مجبرة لا مخيرة.

صمتت أفكارها إذ سمعت صوت انغلاق الباب، فأغمضت عينيها بقوة متصنعة النوم ومتحاشية المواجهة معه، ولتحتفظ بما بقي من كرامتها أمامه. فتح زين الغرفة ووقف مباشرة أمام السرير. تفرسها بعينين حادتين وهو يخلع عنه قميصه ويلقيه جانبًا. لوى فمه، وتحرك نحوها ثم جثى إلى طرف السرير عاري الصدر وأغمض عينيه. فتحت عينها ببطء، إذ شعرت بدفء جسده خلفها. همست في نفسها: _يا مصيبتي. كدا كمل العار.

همت بالتحرك ببطء وحذر لتبتعد عن الغرفة بأكملها، ولكنه جذبها إليه بقوة واحتضن خصرها. جحظت عيناها، وانتفض جسدها أثر حركته المفاجئة. وحاولت التملص بجهد ولكنه كان ممسكًا بها بقبضة حديدية. زفرت بصوت ضيق مسموع وهي توبخه: _إيه ده؟ إيه أصله إيه ده؟ بطل استهبال، وشيل إيدك. رفع رأسه قليلًا وفتح نصف عينه وهتف بضجر: _خير. بضيق أجابته: _وهيجي منين الخير؟ شيل إيدك عني. أغمض عينيه غير مبالٍ وأسند رأسه إلى الوسادة هاتفا بمكر:

_أنا مرتاح كدا. أعملت على أن تزيح يده بقوة وهي تهتف: _بس أنا مش مرتاحة. صاح عاليًا: _اسكتي بقى عشان عايز أنام. هدرت بضيق وهي تصك أسنانها بغلظة: _إن شاء الله مانمت. ارفع إيدك عني بدل ما أصوت وألم عليك الدنيا. عند إذن فتح عينيه بحدة واللمعت ببريق شيطاني عجيب. وقفز بخفة فوقها، لشهقت هي برعب أثر دنوه المفاجئ منها بهذه الصورة العدوانية التي لا تبشر بالخير. _هييييه! أنت اتجننت؟ ابعد عني. أمسك رأسيها وثبتها

بمهارة وهتف بنبرة محذرة: _لحد دلوقتي بعملك زي أسرى الحرب. ولسه ما شفتيش الوش التاني بتاعي. وأحسن لك ما تشوفهوش. ولما تحبي تطلبي مني حاجة، اطلبيها بأدب. ولعلمك قلة الأدب معايا ما بتجبش إلا قلة الأدب. اعقلي وحطي عقلك في راسك، وده لمصلحتك. ارتعشت من تحذيراته وبدأت فاقدة السيطرة على أنفاسها اللاهثة وهي تهدر بخوف بالغ: _أنا آسفة. أبوس إيدك ابعد عني بقى. ربنا يستر، حرام عليك.

ألقى نظرة أخيرة متشفية على تلك العنيدة، المتمردة، عندما تتحول إلى فأر منكمش بخوف. وعاد إلى وضعه بهدوء. فقفزت هي من السرير وهرولت بسرعة إلى خارج الغرفة، والتقطت قميصه المسجى على طرف السرير لتستر به من أعينه الوقحة. تابعه حتى توارت عن ناظريه تمامًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تسلية واضحة. *** عند حنين.

لم يجاف النوم عين حنين وسارت تتقلب يمينًا في أرَق، تعاتب نفسها على حديثها إليه ومشاعره كلها في حالة من التخبط. نهضت عن فراشها وتحركت في الغرفة المظلمة التي تسللها بعضًا من ضوء القمر. نفخت في ضيق عندما شعرت باشتياقها إليه. قد مضى يومان على ما حدث وهو لم يحاول حتى معاتبتها. فقد دحجها بنظرات تحمل الكثير من المعاني والألم، رآها جيدًا في لمعة عينيه، ولكنها تغافلت عنها تمامًا وآثرت الجمود. الآن لا تعرف سبب الندم المفاجئ أو حتى الاشتياق.

فتحت باب غرفتها كالمغيبة، ولا تعرف لما ساقتها قدماها نحو غرفته. وجدت الباب مفتوحًا بعض الشيء، فقد تركه أياد على هذه الحالة في حال أن هاجمتها الكوابيس من جديد. انتبه. دخلت دون تردد وبهدوء. دارت بمقلتيها في المكان بحثًا عنه في لهف واضح. وقع نظره عليه بسهولة، إذا كان مستلقيًا على فراشه. تحركت نحوه وجثى على ركبتيها تتأمله هيئته، وحدثت نفسها: _يا خبر، لو صحي دلوقتي هيقول عليا إيه؟ وطمأنت نفسها قائلة:

_ده نايم، مش هيحس بيا. سنحت لها الفرصة أخيرًا أن تراه جيدًا دون النظر إلى عينيه التي تربكها وتفقدها صوابها، وكان أكثر ما يؤلمها بهم هو صدقهم. هذه هي معاناتها: قلب يهوى وعقل يرفض. حفظت ملامحه عن ظهر قلب وهمت لتعود أدراجها بعدما هدأ قلبها قليلاً. تحركت بهدوء. فأمسك يدها. التفتت إليه وهي تعض شفتيها بحرج. ولكن ما زال مغمض العينين. هتف بإستمتاع وهو مغمض العينين: _خليكي. توترت هي وازدادت تعلثمًا وهي تهتف:

_أأأأه.. أنت.. صاحي؟ فتح عينيه التي بدا عليها آثار النوم وهتف مبتسمًا: _مجرد ما تتنفسي بس بحس بيكي. اعتدل في نومته، وهو ما زال ممسكًا بيدها وسحبها لتجلس مقابله على طرف الفراش وهتف برقة بالغة وبعبارات صادقة: _نفسك أفضل من عطور فرنسا، بينعشني ويفوقني ويسحرني وياخدني لعالم تاني عمري ما عشته. حنين. ازدادت توترًا. وحركت رأسها بالأرض. جذبها نحوه، وهو يمزح بتساؤل: _ما تعرفيش دكتور أروح له؟ ابتسمت، وهي تفرك أصابعه بخجل.

أمسك طرف ذقنها بأصابعه، استرسل: _وكدا أنا اتجننت رسمي. اتسعت ابتسامتها وتزايد في فرك أصابعها. هتف باسمها بجدية: _ليه ما اتجننش؟ اديني سبب واحد ما يخلينيش أتجنن دلوقتي. تسارعت هي دقات قلبها أثر حديثه الساحر وإتقانه في إخراجها من حالة إلى حالة. _والبنت اللي حبيتها واللي اتمنيتها قاعدة قدامي وبتضحك لي، اللي حفيت وراها عشان تبص لي راضية عني، جاية أوضتي وقاعدة قدامي. اقرصيني يا حنين يمكن بحلم.

كان كلامه عنها بهذه الصورة يحدث خللًا في توازن تفكيرها ولا يستطيع إنكار حبه البادي في عينيه بصدق. ابتسم أثر حالة السكينة التي انتابتها وداعب أرنبة أنفها قائلًا: _عيون قلبي أنتِ يا حنين. انتابها فضول نحو نطق هذه الكلمة الجديدة على مسمعها. ضيقت عينيها في تساؤل: _يعني إيه؟ ازدادت ابتسامته واعتدل في اهتمام واحتضنا يدها بين كفيه وهو يشرح لها:

_عيون قلبي معناها إن قلبي كان مغمض مش شايف حد يتحب أو يستاهل الحب. لما شفتك فتح وحب الدنيا وشافها حلوة، شافها تستحق إنها تتعاش بجد. شافك أنتِ ومش عايز يشوف غيرك. فرغ فاه وهي تستمع إلى كلماته العذبة المتقنة، وعلقت بصرها بعينيه كالمسحور، وهتفت بتواتر: _هأااااا. حرك كتفه بخفة وهو يمرح: _حبيتك يا حنين، إيه اللي هأااا. حاوط ذراعيه بكتفيها وضمهما بقوة وأسند رأسه إلى رأسها وهو يطلق تنهيدة حارة.

استجابت معه حنين، ولم تعارض رغبتها الملحة في احتضانه. أغمض أياد عينيه ليستشعر السكينة والهدوء الذي ينعم به الآن. نجح أياد بأن يغمرها بحنانه وبإحساسه، جعلها مستكينة إلى حد بعيد في أحضانه. كانت في شوق إلى الأمان الذي تستشعره الآن. رفع رأسه عنها وأراحها لتصبح في مواجهته وسأل وهو يحدق بعمق عينيها: _راضية بيا يا حنين؟ تقبلي تكوني على ذمة عاشق؟

علقت نظرها بعينيه التي أجبرتها على تحريك رأسها بالموافقة، فهي تحت تأثيرهما المغناطيسي لا حول لها ولا قوة. ابتسم ابتسامة واسعة ومال ليلتقط شفتيها وطبع قبلة عميقة ازدادت تشابكًا وجرفتهما نحو عالمًا آخر، زادتهما عشقًا. *** وأشرقت الشمس.

تململت فرحة بألم أثر تكورها على نفسها على تلك الأريكة الخارجية الضيقة. قاومت رغبتها الشديدة في النوم ونهضت بتكاسل، إذ من المناسب لها أن تنتبه جيدًا إلى تلك الذئب التي تقبع في عرينه. عدلت من قميصها لتهندم تبعثره وتحركت ببطء حذر لتتأكد من وجوده أو عدمه.

كانت غرفته مفتوحة كما تركتها أمس. غائط في سبات عميق. هرولت على أطراف أصابعها وهي تمر من أمام الغرفة لتستخدم المرحاض قبل استيقاظه. أنهت حمامها بهدوء وعادت لتخرج، ولكنها بوجه عابس يحك رأسه ويتحرك نحو المرحاض بنصف وعي. تحركت بسرعة من وجهه دون تعقيب. هتف في نفسها: _حتى وهو لسه صاحي غتت. خرج بعد قليل. وبدأ في تجهيز الإفطار في المطبخ المطل على الصالة على الطريقة الأمريكية.

تحركت ببطء لتشاهد ما يفعله وهو يوليها ظهره. وفجأة هتف دون أن يلتفت بصوت عالٍ وكأنه يعلم بأن نظراتها تتابعه: _تعالي، تعالي حضري الأطباق. انتفضت فرحة ووضعت يدها على صدرها لتتمالك فزعها وراحت تردد بهمس: _بسم الله الرحمن الرحيم. كان ما زال في وضعه ولم يتحرك، وكان صوت البوتاجاز عاليًا، وبكل الأحوال لا يستطيع سماع همسها. إلا أنه لوى فمه وابتسم وهتف مجددًا: _إيه، اتخضيتي؟ ارتاعبت فرحة من التقاط سكناتها دون التفات.

تحركت نحوه بأقدام مرتعشة وهتفت بذهول: _هو أنت مركب عين تالتة في راسك؟ أجاب بجدية تامة: _آه، وخافي مني. همست في نفسها وهي تفتح الدولاب لتخرج الأطباق: _ومين قال إني ما بخافش! التف هو وأفرغ المحتوى في الأطباق بآلية. التفتت هي لتغسل الأواني التي خلفها من طهيه. _سيبيهم وتعالى كلي، قالها بصوت أجش. أجابته بإيجاز وكأنما تتحاشى الحديث إليه: _بعد ما تخلص هاكل. عاد بجدية يهتف: _قلت لك تعالي. تعلثمت وهي تكمل ما في يدها على ألا

تجالسه أو حتى تقترب منه: _أصل.. تعمدت تضخيم صوته إثارة فزعها: _قلت إيه؟ أنا مش كل شوية هعيد اللي هقوله. ابتلعت ريقها بقلق وتحركت نحو الطاولة الصغيرة التي تتسع إلى فردين في جانب المطبخ. تناولت طعامه بسرعة قياسية ونهض بخفة باتجاه المطبخ مرة أخرى، بينما تركها هي تكمل الطعام بتوجس من أي حركة تصدر منه. هتف بصوت جاف: _تشربي شاي؟ أجابته بإيجاز: _لا. عاد النداء مجددًا وهو يسأل: _طيب تشربي نسكافيه؟ حركت عينيها بقلق أثر

تكرار أسئلة لا داعي لها: _لا، شكرًا. لوى فمه وهو يفرغ الماء الساخن: _وماله. أعملك ما خدام حضرتك. كان يتعمد استفزازها ونجح. هتفت بضيق: _الله، ما قلت مش عايزة. هتف بهدوء وهو يضع الكاتل: _ابتدينا النرفزة. تشنجت قسماتها بضيق: _أنت مستفز أساسًا. استمر في هدوئه: _ورجعنا لقلة الأدب. اتسعت عينيها بحذر وأثارت الصمت. ارتشف رشفة من الماء الذي بيده: _قولتلك قبل كدا قلة الأدب ما بتجبش غير قلة الأدب، صح ولا لا.

ابتلعت ريقها بتوتر وتذكرت. سيطرته عليها أمس. استشف هو حمرة وجهها برغم أنها مولية ظهرها، فابتسم. وهتف بجدية تامة وبصوت أجش: _اقلعي. انتفضت من مكانها أثر كلمته المرعبة واحتضنت قميصه الذي يسترها برعب. *** على الطرف الآخر حيث تخللت أشعة الشمس من بين فتحات البلكون الخاصة بغرفة أياد. استيقظت حنين بتكاسل شديد وسط الأغطية الذهبية الناعمة. ودارت بمقلتيها في المكان لمحاولة التذكر أين هي؟

اعتدلت في جلستها أثر رؤيتها أثاث غير مألوف عن الذي اعتادته. أزاحت خصلات شعرها المهدلة على جبيتها بتوتر وتذكرت ما حدث أمس. فتشنجت قسماتها ومالت برأسها للأمام وأسندتها بكلتا يديها وهي تردد بخفوت: _سلمتيله يا حنين، شوفي بقى اللي هيحصل لك.

من وراء رائحته العطرة تملا المكان وتقحمه بعالم آخر. نظرت إلى جوارها لتتأكد من وجوده أو عدمه. لم تجد سوى بعثرة الغطاء مكان نومه. أغمضت عينيها لتهدأ من روعها، فقد تركها بعدما أخذ ما أراد. والآن تستعد إلى الوقت الذي سيحين فيه زجها إلى الخارج، ربما بالملاءة التي عليها.

نهضت من الفراش بهدوء ولم تسيطر على رأسها فكرة طردها بعدما حدث ما حدث. اتجهت نحو الحمام لتدير المقبض لتجد وما جعل عينها تتسع في دهشة ووقفت بمكانها وأصبحت في حالة من التصنم. *** في سيناء. ضحك زين فور انقشاع تمردها وظهور ضعفها وتوترها الذي تعمد استفزازها. وهتف وهو يحتفظ بابتسامته: _هههههههه، اقلعي قميصي. عايز أخرج. زفرت أنفاسها التي حبستها بتوتر واستدارت لترجوه بأدب:

_لو سمحت سيبهولي. أنا مش متعودة على كده. وبعدين ما عيش هدوم. رفع حاجبيه وهتف بدهشة: _يا سلام، واخرج أنا كده. وأشار إلى نصفه العاري. أعادت الرجاء معللة: _أنت راجل ما حدش هيبص لك. قضب حاجبيه بعبوس وهو يسألها: _أنتِ شايفة إن ما حدش هيبص لي؟ تفحصت عضلاته المقسمة والبارزة بتوتر. _ده يغتصبوه بالشكل ده. فاقت من شردوها وتنحت بحرج: _اااحم. سيبهولي أرجوك يا ما تخرجش. لوح بيده في حركة تعجبية وصوت أيضًا متعجب:

_إيه بنت المجنونة إيه اللي وقعت فيها دي؟ اترميتي عليا منين إنتي؟ اخلصي يا بنتي خليني أروح أشوف حالي. ابتلعت كلماته على مضض لكي تحصل على ما تريد وهتفت تسأل: _طيب فين هدومي؟ أجابها بنفاذ صبر: _قولتلك اتقطعت واحنا بنط. أجابته بإستسلام: _طيب هاتلي غيره. تحرك من المطبخ وهدر ساخرًا: _أجيب لك غيرها وماله. وأجيب لك ورد؟ ودبدوب كمان؟ تفحصته بضيق: _أنت بتتريق؟ تحدث بجدية مصطنعة: _أعمل لك إيه؟

أنتِ يا بنت انتي ماسكة عليا ذلة ولا لوية دراعي عشان تتشرطي عليا؟ اعتدلت بخفة وأجابت وهي تتسلح بالقوة وهدرت باندفاع: _أيوه. مش أنا الشاهد الوحيد على... وماتت الكلمات والحروف على طرف لسانها أثر رؤية الغضب المشتعل من بين عينيه. أجفلت عينيها وابتلعت ريقها بتوتر أثر رؤيته بمقربة منها. اختصر المسافة بينهم بخطوة وجذبها من تلابيب قميصها بعنف لتصبح بين يديه واقترب من وجهها وتحسس وجهها بطرف أنفه وهو يهمس بهدوء:

_أنا كمان ممكن أمسك عليكي ذلة، مهو مش معقول واحدة حلوة زيك قاعدة مع راجل لوحديهم والشيطان تالتهم. وووو. اتسعت عينها بقلق واستجمعت بقايا قوتها ودفعته بقوة وركضت إلى الغرفة برعب جلي. ***

ما وجدته حنين أفسد كل ما كانت تفكر فيه. إذا استطاع أياد أن يثبت لها حبه برغم عدم تواجده إلى جوارها، إذ كان يملأ لها البانيو بالمياه والورود معًا، يفوح منه رائحة ذكية منعشة. دلفت عدة خطوات لتصدق هذا الحلم الوردي الذي تمنت أن لا ينتهي امتداد عمرها. جلست إلى طرف البانيو وداعبت بأصابعها الورود التي تطفو على المياه بابتسامة. ونهضت لتنفض عنها الملاءة وتخطو إلى داخله لتنعم بحمام هادئ ومريح.

خرجت بعد فترة تجفف شعرها بمنشفة بيضاء. اقتحم أياد الغرفة بسعادة. فزعت أثر حضوره المفاجئ. احتضنها بسعادة دون ملاحظة ذلك ليشعرها بمدى اشتياقه لها في هذه المدة القليلة. تنحت حنين بحرج وهي تهتف: _كنت فين؟ بعدها عنه بصعوبة وهتف بسعادة تقفز في عينيه: _مفاجأة. هتفت بعدم استيعاب: _يعني إيه؟ جذبها من يدها وهو يهتف بحماس: _تعالي أوريكى جبتلك إيه.

تحرك بها إلى خارج الغرفة يسحبها ورائه بخطوات واسعة واتجه نحو غرفتها. كانت كل فراشها مملوء بالأكياس الورقية الجذابة والملونة. قضبت حاجبيها بتساؤل: _إيه كل ده؟ هتف أياد وهو يلتف إليها: _ده لبس. البسي أي طقم من دول عشان المفاجأة. تطلعت إليه وهي في عدم استيعاب: _هنخرج؟ أومأ برأسه: _اممم. أومال هنفضل محبوسين هنا. أشارت بيدها نحو الفراش: _أيوه. بس ده كتير. هتف أياد بتفاخر وهو يرفع رأسه:

_مرات أياد الأسيطي ما يبقاش حاجة كتيرة عليها. ارتبكت أثر تباهيه بنفوذه وسلطته. مال رأسه إلى مستواها وهمس بنعومة: _البسي بسرعة بقى عشان نخرج. تحركت ببطء نحو الأكياس وتصنعت العبث بها ببطء لتخفي حزنها الذي استشفه أياد سريعًا، إذ شعر بسكوتها غير المبرر. إذ بدت على عكس ما تخيل حزينة. تحركت أمامه كآلة وليست هي من كانت بأحضان أمس ينعم بحبها ويحلق معها في الفضاء. اتسعت عينه بقلق وهو يناديها: _أنتِ تعبانة؟ فيكي حاجة؟

حركت رأسها نفيًا وأجابت بإيجاز: _لا. _لو مش عايزة تخرجي قولي. عادت لتصطنع ابتسامة: _لا أبدًا. التف أياد وخرج من الغرفة بصمت. لقد سبق الوقت لكي ينجز ما أراد قبل استيقاظها ليستطيع رسم ابتسامة راضية على وجهها، ولكن أحبطته هي بحالتها العجيبة. *** في سيناء. خرجت فرحة من الغرفة عندما سمعت انغلاق الباب وتيقنت تمامًا من خروجه من الهدوء الذي خلفه ورائه.

غادر زين بهيئته التي استنكرها. خرج وترك لها القميص الذي كانت متشبثة به. شعرت بلذة الانتصار وابتسمت لأنها أخيرًا حصلت على ما أرادت. ولم يغفل عقلها عن حركته اللطيفة أثر تركه لها وازدادت ابتسامة. هندمت ياقته بتعالي ولفح عطره أنفها فاستسلمت إلى استنشاقه بقوة واختزلته بداخلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...