في شركة عاصم الأسيوطي جمع مديرين الشركة وكل من له شأن في اجتماع طارئ. وجلس على قمة الطاولة يهتف بصوت مسموع ليلفت انتباههم: الصفقة اتأجلت لأسباب غير معروفة. تهامس الموظفون بقلق. فاسترسل عاصم مطمئناً: لكننا هنبص للجانب الإيجابي، هنراجع كل حاجة بدقة ومش هيفوتنا حاجة. طبعاً زي ما قولت قبل كده إني مش عايز غلطة، لأن المناقصة دي هترفعنا السما. ولذلك هنرفع حالة التأهب القصوى. سكت قليلاً ليتفرس بوجوههم وتساءل: أي أسئلة؟
ليجيب الجميع بهدوء: لا يا أفندم. أشار بيده وهتف: تمام، كل واحد على شغله. تحرك الموظفون للخارج ماعدا إياد، ظل يجلس مكانه. رمقه والده بنظرات ساخطة واستدار بكرسيه المتحرك في ضيق. بينما تابع إياد خروج آخر الموظفين باهتمام حتى يضمن عدم سماع أحد لهذا الحوار المحتدم. وهتف واثقاً: أنا عايز أسافر الصعيد. كور عاصم يده بغضب وضغط بها على رأسه بتشنج. التفت إليه عاصم وهو يحاول كبح زمام غضبه وهدر بتعصب وهو يعامله كأقل
من موظف عادي داخل شركته: يا ابني أنت مش سامعني بقول إيه؟ مفيش إجازات. لوى إياد فمه بتأفف ونظر لوالده بتعند وأفرج عن آخر ما وصل إليه قائلاً: هتف إياد بغيظ: خلاص يبقى هستقيل. عندها قفز عاصم عن كرسيه في غضب وجمع وعلا صوته بانفعال:
يا ابني حرام عليك، كل مرة بحتاجك جنبي ما بلاقكش. بقول وبشدد، عندنا صفقة مهمة ورافعين حالة التأهب القصوى، وأنت عايز تستقيل مرة واحدة من نفسك. كون سندي، أنا تعبت فعلاً من تصرفاتك وما بقتش عارف أتصرف إزاي معاك. لم يتحرك لإياد جفن من غضب والده، فهو لا يرى والده سوى آلة بشرية تتنافس لكونها الأفضل في عملها وتحقيق الإنجازات دون الالتفات لإنجاز واحد داخل منزله وبين أولاده.
ومع ذلك، فهو لا يزال والده، سيفعل ما يريد وبعدها سيترك تلك الإمبراطورية ويتمرد. هتف ببرود تام: خلاص يا بابا، هستنى لحد المناقصة. وبعد المناقصة هستقيل من الشركة ومن البيت. هستقل بذاتي وهعيش لوحدي أنا وحنين. دقق عاصم في الإصرار الذي ولد في عين ولده والذي بدا جلياً أنه لا تراجع فيه. وهتف متوعداً: ماشي. ****************************************************************** في منزل الشرشيري نادى بصوت عالٍ على إحدى الخادمات:
بت يا لوزة، الشاي لعمك سالم. كان سالم رجل كبير السن وكبير العائلة، يدير المجالس العرفية بمهارة شديدة ويفض النزاعات المستعصية. هتف: يدوم كرمك. كان الشرشيري قد اكتشف ماهية الحوار قبل أن ينبث فمه بكلمة، وهدر متبنياً: إياك تكون جاي عشان الموضوع إياه. إني مش هرجع عن قراري. هتف الحاج سالم وهو يهدئه: وأفرض محتاج توعية، ما أوعاش. هدر بضيق طفيف: أنا ما عايزش كلام في الموضوع ده تاني، الكلام خلص. عندئذ هم الحاج
سالم بالنهوض وهدر بغضب: يبقى الجعدة ما لهاش لازمة. سارع الشرشيري بمسك طرف جلابه قائلاً: والله ما يصير تطلع من داري زعلان، اجعد واستهدي بالله. جلس سالم وهو يتمتم: لا إله إلا الله. ليسترضيه قائلاً: جول ما عندك وأني سامعك، بس ما تغصبنيش على حاجة. حدثه الحاج سالم بحمية بالغة: ما حدش غاصبك. حادثة وحصلت لبتك، قضاء وقدر، ما نقدرش نعترض على أمر ربنا. صاح مندداً: ما اعترضتش، رضيت. استرسل قائلاً:
والبت اتعرفت قصتها، وجم قالوا طالبين يدها. إيه يخليك ترفض؟ عتلاقي أحسن من عزام؟ فين جدع مجتدر وزينة الصعيد كله. هدر الشرشيري متبرماً: وأنا ما عايز أجوزها. البت كبرت يا شرشيري، دي في بلدنا تبجي بارت (عنست) . إيه يمنع الجواز؟ واحد وكسرها وجيه يصلح اللي اتكسر، نجوله لأ. بتك عندها ٢٥ سنة، يعني اللي جادها (قدها)
مخلفين عشرة. وبعد الحكاية دي كمان محدش هيجولك بكام. تميل أنت بختها وتاجي على اللي جالك. أنا شاري بعيبها وتجوله لأ. الرجل سايج كفر عليك، وأنت مصلب رأيك ليه؟ شعر الشرشيري بقربه من الاستمالة بعد كل هذه الحقائق المؤكدة، خاصة أن طبع زهرة الناري سبب رئيسي في نفور الرجال منها، ومنذ أن كانت في سن العشرين ولم يتقدم لها أحد بسبب طباعها الحادة. ولسانها السليط. هتف أخيراً بقليل من اللين: خلاص، هنسأل البت ونشوف رأيها.
هدر سالم بحزم: وإن مارضتش، تكسر دماغها. خليها تتكن في ضل راجل بدل ما هي جاعدة زي البيت الوقف. سكت الشرشيري وحدق في الفراغ بشرود. ******************************************************************* في منزل البدري كانت بدر لا تفارق حنين أبداً، سعيدة بأختها التي حطت بها الأقدار. إلى منزلهم كي تؤنس وحدتها ووحشتها، وكعادة بدر تثرثر كثيراً: الصراحة يا أبلة، جوزك جميل خالص زي نجوم السيما وشكله. ابن حلال. ابتسمت
حنين لها وهتفت بفرحة: الحمد لله. ربنا يرزقك إن شاء الله، لما تكبري تجوزي بواحد زيه. انطفأت عيناها وازداد بريق الحزن أثر سماعها كلمة زواج. وهتفت بارتباك: ده في الأحلام يا أبلة. قضبت حنين حاجبيها متسائلة وهي تربت على كتفها بحنو: ليه بس كده يا حبيبتي؟ زاغ بصرها وتسارعت أنفاسها مع الدموع وهتفت بحزن: أبويا... قاطعت ذلك الحوار سناء، والتي كانت لا تغفل أبداً عن مراقبة حنين أو تبعد عن ظلها. هدرت بحزم قائلة:
بـدر، امشي انجري على المطبخ. أطاعت الابنة الأوامر وهي توزع نظرها بينهما بتوجس وخرجت مسرعة. رمقت حنين سناء بنظرات نارية وسألتها بضيق: إنتي بتزعليها ليه؟ ارتخت قسماتها المتشنجة وهتفت متصنعة البراءة: أنا غرضي إنها ما تضايقكيش. البت لكاكة ولكها يوجع الدماغ. أشارت إليها بإصبعها: ما تقوليش عليها كده، على فكرة مسليني خالص. ابتسمت ابتسامة خبيثة وهتفت بلؤم: طيب، مينفعش أسألكي إني؟ من وقت ما جيتي وأنا ما اتحدتش (اتكلمت) وياكي.
أجابتها حنين بلا مبالاة: وهنتكلم في إيه؟ ما فيش حاجة نتكلم فيها. ازدادت لؤماً وهدرت: أهئ، عنتحدد عن جوزك كيفه؟ اسم الله. لم تشعر حنين بالارتياح نحو ابتسامتها أو ذكرها كلمة جوزك بهذا الشكل، وتوترت وهي تجيبها: ماله؟ جلست إلى طرف الفراش كطريقة لإخبارها أنها لن ترحل دون إجابة عن كل أسئلتها. وتساءلت بمكر: مرتاحة وياه؟
تفحصتها حنين جيداً كي تستشف ما وراء ذلك القناع، فهي أبداً لن تنطلي عليها خدعة أن زوجة أبيها البغيضة تريد الاطمئنان عليها. ولكنها فشلت تماماً أن تعرف ماذا تخبي تلك الأفعى في جعبتها. ******************************************************** في منزل القناوي
الجميع منشغل بتجهيز العيد. الفرح الذي أتى على فجأة. انتقص وزن فرحة بشكل ملحوظ وبات تصرع باستمرار من نومها بسبب الرعب الذي بثه عزام بداخلها. ومن جهة أخرى، رائحة زين التي تختفي شيئاً فشيئاً من الجاكت الخاص به، هو كان ما يطمئنها ويواسي روحها المجروحة. لم تفارق أمها غرفتها، تجلس إلى جوارها وتقرأ القرآن وتدعو لها بأن يريح قلبها وأن يسعدها ما بقي من الدهر. نهضت من الأرض واتجهت نحو سريرها الذي تنكمش عليه أغلب الوقت.
هتفت بحنو: فرحة يا بنتي، قومي صلي ركعتين لله وهدي نفسك.
لم تجبها فرحة وظلت تحدق للفراغ. عضت أمها شفتيها متحسرة على حالة ابنتها التي وصلت لها، ولكنها وقعت عينها على ذلك الجاكت الذي لم تفارقه وأحياناً ترتديه وتغفو به وكأنه يحتضنها. نسيت زينات كل هذا من فرط شوقها لابنتها وما حدث مؤخراً من طلاق بينها وبين فتح الله تارة، ومن تارة أخرى ما نوى عمها فعله، وبين عزام الذي أصبح فزعها الأكبر من معاملته الحادة معها والتي لا تبشر بخير. هتفت وهي تحدق بالجاكت وتتساءل:
هو البتاع دا بتاع مين؟ التفت لها فرحة وأحكمت قبضتها عليه وهدرت في سرعة: بتاعي. لم تشفها إجابة ابنتها، بل ازدادت فضولاً وتمسكاً بمعرفة كل شيء الآن: فرحة، محدش لحد دلوقتي يعرف أنتِ روحتِ فين ولا اختفيتي فين، ولا أنا سألتك. أنا عايزة أعرف كل اللي حصل في غيابك زي ما عرفتي كل حاجة. تراقصت مقلتا فرحة بتوجس ولم تعرف بماذا ستكذب وعيناها بعين أمها. جف حلقها. وارتفعت حرارتها وهتفت بتوتر حاد: ا...
ما أنا قولتلكم، أنا خفت وجريت على العربية وهو خطفني. لم تنطلي الخدعة عن قلب أم تعرف وجه صغيرتها عند الكذب. حدقت في عينيها بحدة. وهدرت بغضب واجم: عرفت دي إيه اللي حصل في فترة غيابك؟ قاعدتي مع المجنون والمطرب نفسياً إزاي؟ هنا قد خارت قواها وأوشكت على الانهيار. شيئاً ما سقط فوق رأسها. ودت البوح أنها كانت مع رجل حماها حتى من نفسه. ودت الصراخ باسمه بأعلى صوت لعلَّه يسمعها ويأتي إليها هرولاً.
لتختبئ في أحضانه عن كل ذلك الخوف. نفضت سريعاً تلك الأفكار من أثر نظرات أمها الفاحصة وحاولت أن تبدو طبيعية تماماً. وهتفت بتماسك زائف: هيكون إيه يا ماما، أهو عشت زي ما عشت. هنا أمسكت أمها ساعدها بقسوة وأوقفتها عنوة على قدمها وهي تهدر بتعصب: إزاي عشتي زي ما عشتي؟ أنتي اتجننتي والمجنون هو اللي بهدلك عليكي طول المدة دي وأنتي عايشة معاه ومقفول الباب عليكم، وجاية تقولي عشت زي ما عشت.
انطقي، لاحسن ما أنا اللي هسيح دمك. مين دا وحصل إيه وياه؟ ثم سحبت الجاكت المتروك إلى جوارها وهتفت بتساؤل منزعج: ودا محضنه فيه ليل نهار ليه؟ نايمة قايمة بيه ليه؟ كانت تحركه بيدها بعنف في حركات سريعة أرهقتها. هدرت فرحة من وسط دموعها التي انهمرت بشكل متسارع: كان ظابط، وحبيته. اتسعت عين زينات وهي تفلت ذراع ابنتها ببطء وتمتمت بذهول: يا مصبتي. بعد أن استوعبت فرحة الكلمة، هدرت بغير وعي وكأنها ترجوها:
أنا مش هتجوز غيره ومش هكون غير له. أمسكت أمها يدها من جديد وصرخت فيها غاضبة: حصل بينكم إيه عشان تحبيه؟ عملك إيه؟ انطقي. شاف شعرك؟ شاف ضافر رجلك؟ طمنيني، هتموتيني وأنا واقفة. انتحبت فرحة بهستيريا وهي تجيبها وكأنها تستدعي ذاكرة الماضي نصب عينيها: ما لمسنيش. برغم إني كنت مستسلمة في إيده، ما لمسنيش. كنت مغيبة عن الدنيا وأصحى ألاقي نفسي بلبس تاني، وبرغم من كدا ما لمسنيش، كان بيحميني وبس.
هوت زينات بصفعة قوية على وجهها ودبت مخالبها في فروة رأسها وهي تصرخ بها: كان إيه يا فاجرة؟ يا صايعة ياللي ما عرفتش أربيكي؟ كنتي بتنامي بلبس وتصحي بغيره وتقوليلي ما لمسنيش؟ كنتي عايزة تبقى فايقة يا بت ال***. ضحك عليكي ونيمك ونام معاكي وبتقوليلي بحبه صرخت فرحة وهى تحاول النفاذ من تحت يدها: محصلش، محصلش أوقعتها أمها أرضًا وظلت تصرخ بها وهي تهوي بصفعات متكررة على وجهها بأنفاس لاهثة: وانتي إيه اللي ضمنك وإيه عرفك؟
مش بتقولي كنتِ غايبة عن الوعي؟ تركتها زينات جانبًا وجلست بتعب تربت على رأسها بهستيريا الحزن: يا مصيبتي يا مصيبتي، يا خسارة ما دفعت عليكي، يا ريتك ما رجعتي، يا ريتك ما رجعتي، كان عليا إيه دعايا برجوعك؟ جبتيلي الحسرة والخزي معاكي، كان كفايا عليا أبوكي وبلاش إنتي. بلاش إنتي. حاولت فرحة التقرب إلى أمها ومواساتها، ولكنها كانت غارقة فيما قالته. هل حقًا زين فعل ما أرادت في غيبوبتها؟
فقد غابت عن الوعي لأيام وهو من اهتم بها. كيف قاوم فكرة أنها عارية أمامه؟ ولم يمسسها؟ هل أمها محقة؟ أم أن زين أرفع وأنبل من ذلك؟ في أمريكا. دخلت رودي بعد يوم متعب من السياحة بحرية ودون قيود، وارتمت بجسدها على الأريكة. براحة كانت تتوق إليها. أغمضت عينيها لتنعم بذلك الهواء البارد القادم من التكييف، لعلها تريح جسدها الذي أنهكه الشمس والحرارة المرتفعة. ليقاطعها هاتفها باسم أمها. أمسكت الهاتف بين يديها بحيرة
وهي تحدث نفسها بصوت مسموع: دلوقتي أنا لو قولتلها إن معاذ مش هنا وإني قاعدة لوحدي، هتقلب مودّي وتصر إنّي أرجع. أنا مش هجيب سيرة الموضوع ده خالص وهكلمها عادي. تأهبت لتمسك الهاتف وهتفت: مامى حبيبتي، I miss you يا حبي. لتجيبها أمها بصوت عاطفي: رودي حبيبتي، I miss you. عاملة إيه يا قلب ماما يا عين نن عين ماما؟ مش عارفة أقعد من غيرك يا رودي، البيت من غيرك كئيب يا رودي. إنتي كمان يا مامتي يا حبيبتي. سألتها فريال بشوق:
معاذ عامل إيه؟ وحشني، بدل ما الإجازة تيجي وهو ييجي، ما يرضيش بقى كدا، والله لأشد له ودانه. حاولت رودي التغطية على الأمر وهتفت في سرعة: مش كنتِ تيجي يا فريولا؟ معايا كنتِ هتبسطي قوي. أجابتها بحسرة: أجي إزاي؟ والمشاكل كلها على دماغنا مش راضية تخف. يلا ربنا المسهل. لم تكن رودي تحتاج شرحًا لكي تستنبط ما ترمي به أمها أو ماذا تريد. وهتفت بقلق بالغ: هي حنين عاملة إيه؟ هدرت فريال بتعصب:
عملها أسود ومنيل، يارب خدها وريحنا، الهي ما ترجع من مكان ما راحت. لوت فمها رودي ولعنت نفسها أنها ذكرت اسمها فقط، هي توحشتها وأرادت الاطمئنان عليها. خلاص يا ماما، أعصابك، حبيبتي، كدا غلط عليكي. لتتنهد فريال بضيق: مش ممكن البنت دي بترفعلي ضغطي للسماء. أنا هقفل معاكي وأروح أقيس الضغط، دماغي هتنفجر. خدي بالك على نفسك وعلى أخوكي يا نن عيني، ربنا يحفظك. ابتسمت رودي لأنها ستوقف أخيرًا عن السؤال عن معاذ وتغلق بسلام.
وإنتي كمان حبيبتي، مع السلامة. أغلقت الخط وزفرت أنفاسها بارتياح وهي تتمدد إلى الأريكة الناعمة براحة. في إيطاليا. بدأ زين في الاستعداد للإيقاع النهائي بكافة الجواسيس الباحثة عن ذلك الميكروفيلم المسروق في المكان النهائي والأخير. بدأ في حزم أغراضه حتى يرحل من إيطاليا إلى الصعيد مباشرة.
وقف وسط أغراضه المتناثرة، يلهبه الشوق إليها، يود الآن اعتصارها بين أحضانه أو ليدثرها داخل أضلعه إلى أبد الأبدين. لا يدري منذ متى وهو يحتاج امرأة إلى جانبه، ولا يدري متى احتلت قلبه. ما زالت ضحكاتها ترن في أذنيه، ما زال يخيل له وجودها. عرف جيدًا معنى الضعف في فراقها وتأكد أنها كانت مصدر قوته لا ضعفه.
وعليه إيجادها في أسرع وقت، حتى وإن اختطفها، لا يهم، لا بد أن تبقى معه ولا تفارقه. زفر أنفاسه التي تلاحقت بسبب أفكاره الإجرامية وزفر مهدئًا نفسه: يستحيل تكوني لغيري، ويستحيل حد يلمسك. ولازم يبقى كل الناس شاهدة على كدا، عشان مش هسمح لحد يطاردنا أو يقلق راحتنا، أو أخليكي تخافي من أي حد. أنا أمانك وحمايتك لآخر نفس فيا.
انكسر بابه وأشهرت بوجهه كم لا حصر له من الأسلحة. ليضغط على أسنانه بتعصب، لقد وقع في قبضة ذلك الذي يبحث عنه ولا حيلة لديه. إن تحرك قيد أنملة سيتغربل في لحظات. رفع يده مستسلمًا، ساكنًا تمامًا. في منزل البدري. بعد أسئلة متفحصة ومدققة من زوجة أبيها عن زواجها وحياتها التي أرهقتها كثيرًا وأشعرتها بالغثيان، توقفت أخيرًا وهي تهم بالنهوض بابتسامة زائفة:
أنا هنزل أجهز الغداء، لأحسن جايينالنا ضيوف. الحاج زهير راجل واصل ومقتدر، وأبوكي عازمه عندنا عشان في شغل. بناتك. أسيبك إنتِ تسبحي وتغيري خلجاتك وتلبسي حاجة من حاجاتك الحلوة دهي. دققت حنين في عينيها وهتفت: وأنا مالي؟ واحد جاي يتغدى عشان شغل، يقعد مع بابا مش معانا. أجابتها بلؤم: لا، ماهو راجل كبير ومش غريب، وما فيهاش حاجة. إما نقعد على وش بعضينا، أبوكي ما يعايزش ياكل من غيرك.
أسيبك أنا، ومش هوصيكي، البسي حاجة حلوة. إنتِ بت الحاج عبد المجيد، ما عايزينش يجول إنه هاملك. حركت رأسها بإيجاب. ما كانت تتركها سناء إلا لما تتأكد من قبولها بالأمر. دارت على عقبيها وهي تحول وجهها الناعم إلى حية برية متوحشة، لترك حنين تتخبط من مبرراتها العجيبة ومن حنانها الغير طبيعي بالمرة. في منزل القناوي. جلست فرحة في الأرض في انهيار، مشوشة تمامًا
مما ألقته على مسامعها. تتدلى من عنقها تلك القلادة الخاصة بزين. نظرت لها وكأنها تواسيها وتقسم لها بحبه الخالص الشريف لها. ولكن لا أحد ينفي أو يؤكد الحدث من عدمه إلا الكشف. أقسمت بداخلها أنه لو فعلها، ستمحو ذكرها من مخيلتها للأبد، ولن يبقى بين عينيها رجل فقط أحبته لأمانته وحمايته. كيف يخون ويغدر بها وهي مسلوبة الإرادة؟ كيف ينصاع وراء رغباته؟
وإن كان، فهي لن تصدق أبدًا إذا كان ما حدث حقيقيًا وأنها تتعرض لعملية خداع ممنهجة. فعليها أن تتأكد أنها ما زالت عذراء، حتى ترى إن كان هناك معنى لعشقه أم لا. زحفت على قدامها وتقدمت نحو أمها التي سكنت تمامًا وتوقفت عن النحيب والنواح. ومالت برأسها إلى يديها تدفنها في خزي وحسرة. وهتفت بصوت منهك حزين: ماما، قومي وأنا هريحك. لم تستجب لنداها وهتفت من جديد وهي تحرك بهدوء: ماما، أنا هريـ...
وقبل أن ينبث فاه بباقي الكلمة، سقطت زينات أرضًا. هنا صرخت فرحة وأخذت تناديها بهستيريا: مـ... ـا مـ... ـا ما، الحقونا أمي بتروح مني، ماما فوقي. لتقتحم الغرفة عليها صابحة، والتي نادت عاليًا بسخرية: عملتها تاني، أووف. نادي الحكيم يا هنيئة. في منزل البدري. وقفت تتابع خلية النحل التي ترص الأطباق بسرعة وانتظام. لم توافق زوجة أبيها مشاركتها في العمل بحجة أن العاملات كثيرات ويعرفن أشغالهن جيدًا.
انتهوا من رص الأطباق وسمعت قرع الباب، والتي سارعت إحدى الخادمات بفتحه. دخل عبد المجيد ومعه زهير، رجل كبير فعلاً، لم تكذب زوجة أبيها. ضيق العينين، ذو أنف طويلة، ورأس اشتعل الشيب به، ومتوسط الوزن، ولكنه يبدو عليه الاعتناء بنفسه. دخل مطأطئ الرأس بحياء، حتى هتف والدها عبد المجيد: الدار دارك. رفع وجهه ليتفرس بوجوههم، وكأنه عرض عليه النظر. تنقل نظره بين سناء وبدر وحنين.
وانفرج فمه عن رؤيتها، وكأن عينيه وقعت على فتنة. كانت الحورية في تلك العباءة البيضاء التي تزينها الورود من أعلى الصدر. شابة في مقتبل العمر، ذات عينين عسليتين مخلوطتين بالأخضر، ساحرة، وفم مكتنز كحبات الكرز، جمال ريفي ممتزج بالغربي. بالطبع، شيئًا جديدًا عليه أن يرى تلك الزهرة في مستنقع الوحل. كانت زوجة أبيها تتابع نظراته بسعادة، فقد بدأت خطتها بالنجاح.
أما حنين، فكانت مستاءة للغاية من تحديقه الغير لائق بعمره أبدًا، وتحيرت أين توجه وجهها منه. حتى هتف والدها من جديد: اتفضل يا حاج زهير، الوكل (الأكل) هيبرد. جلسوا جميعًا إلى الطاولة يتناولون العشاء الشهي والمعد بسخاء. لم تألف حنين ذلك الزهير، نظراته كالذئب الجائع الذي ينتظر وقت الافتراس. وزعت نظراته الساخطة بينه وبين والدها الذي كان ينظر إليها بجمود حاد. شعرت بالتقزز، ونهضت عن الطاولة حتى تبتعد عن ذلك المجلس.
لتتبعها زوجة أبيها في تعجل وتلحق بها عند المطبخ. أمسكت ذراعيها بقسوة، فسرعان ما حدقت بها حنين بغلظة. فتركت ذراعيه وهي تبتسم ابتسامتها الصفراء: جرى إيه يا حنين؟ جومتي لي يا بتي؟ أجابتها حنين بضيق جلي: شبعت. عضت شفتيها وهي تتصنع الحرج: يا عيب الشوم، تجومي كده وتسيب الأوكل، حتى اجعدي عشان الضيف. بجولك الراجل ليه مصالح كتير جوي عند أبوك. حدقت لها حنين بضيق وهتفت بغضب: يعني إيه؟ ليه مصالح عند أبويا؟ آكل بالعافية يعني؟
هو مش جاي عشان الشغل، يقعد مع أبويا بس. هتفت من جديد لتقنعها بالأمر: ده مش من الذوق، ومش إني اللي هعلمهولك يا نضري (عيوني) . مهما كان دا ضيفنا، مش معقول هنسيبه يجعد لوحده. لم تقتنع حنين بحجتها، وإن بدت مقنعة، وهتفت متعندة: أنا هطلع أوضي، وإنتوا اقعدوا معاها. لم تنتظر إجابتها واستدارت نحو الخارج لتهرول إلى غرفتها. علت نظرات الإصرار وجه سناء، وتركتها تفعل ما يحلو لها الآن، ولكنها حتمًا ستصل لغايتها بمكر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!