الفصل 36 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
1,640
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

كان عرض صابحة على فرحة عرضاً دنئ للغاية، فهي تريد تركها الصعيد بفضيحة وبوصمة عار لن يمحوها إلا الدم. وبرغم من ذلك، فإن فرحة فكرت في تنفيذ تلك الخطة الماكرة، وبدت حلاً مناسباً للفرار من قبضة عزام. ولكن بقي أمراً واحداً، هو كيف تقنع أمها بتلك الفكرة، وبعرض صابحة السخي بإعطائها مالاً وفيراً يكفيها للإعاشة والإنفاق حتى يدبرن أمرهن.

كان رأس فرحة لا يهدأ من ضجيج الأفكار، تفكر، فإنه عرض مناسب بالنسبة لأنها غير متأكدة أنها ما زالت عذراء بعد ما بثّت أمها في نفسها الشكوك، وأنها إذا تم الزواج فهي سينحصر مصيرها بين قوسين، إما أن تُقتل إذا ثبت ذلك، أو ستقضي ما تبقى من حياتها في قبضة ذلك البغيض. وهذا أيضاً قتل من نوع آخر، لأنه سيثبت براءة زين، وستصبح حياتها جحيماً. كانت أمها تتابع سكونها في طرف الغرفة، وتحديقها المستمر من شرفة الغرفة كسجين يتمنى نفسه بالحرية. وبرغم غضبها منها، إلا أنها تشفق عليها.

*** في منزل البدري،،، كانت حنين تشعر بالاستياء من زيارات زهير المتكررة بدون سبب، ونظراته التفحصية عديمة الحياء. كانت تنزوي في غرفتها حتى تطمئن أنه رحل. وترهقها زوجة أبيها بالطلبات حتى تظهر في المنزل مرة أخرى. دَلفت إليها بدر، والتي كانت الوجه الوحيد الذي تألفه في ذلك المنزل وتطمئن به. هتفت متسائلة: "مشى؟ حركت رأسها في تأكيد: "آه مشى." زفرت حنين أنفاسها بارتياح وهمت بارتداء حذائها المنزلي:

"الحمد لله، أنا هنزل بقا لأبويا أقوله على موضوعك وأروح أطمن على خالتي وفرحة." كان وجه بدر البريء يريد الاعتراف بكل ما سمعت، ولكنها تخشى العواقب، خاصة من أبيها وأمها. حركت رأسها باستجابة وتحركت حنين نحو الخارج.

نزلت الدرج بهدوء لأنها تشعر بدوار خفيف لا تدرى سببه، وتناست ذلك بسرعة عندما رأت زوجة أبيها وأبيها يتهامسان بوجوه عابثة، على ما يبدو أمر خطير. وحاولت تدارك الأمر أو الاستماع إلى أي جملة توضح تلك الجلسة السرية، ولكن أوقفها صوت أبيها الأجش. متسائلاً: "في حاجة يا بت أمينة؟ انتبهت إليه وهتفت بنبرة مرتبكة، فصوته الأجش الخالي من الحياة يفزعها. دائماً يكون معها فقط بهذا الصوت النشاز: "كنت عايزآك في موضوع...

اعتدلت زوجة أبيها وكأنها مديرة أعماله وبدت مهتمة لذلك الحوار. هتف وهو يضرب بعصاه الأبنوسية على راحة يده: "وماله، تعالي اجعدي." جلست بهدوء وحاولت عدم القلق من وجوم وجهه، وتحدثت بنبرة واثقة: "هي بدر مش بتروح المدرسة لي؟ اتسعت عين سناء في دهشة من اهتمامها بابنتها إلى هذا الحد، لدرجة خلق حديثاً مع أبيها الذي تتجنبه من وقت حضورها. أجابها عبد المجيد بنبرة متعالية: "عشان إني عايز أكده." لم تلتفت لكبريائه وهتفت من جديد:

"مش سبب مقنع على فكرة، من حقها تتعلم، والتعليم حاجة كويسة، وممكن تبقى في يوم من الأيام دكتورة كبيرة، ويقترن اسمها باسمك وتشرفك، ويبقى ذكرك مدى الحياة يتردد، و... قاطعها بجمود: "إنتي عايزها تتعلم يعني جاياني تطلبي مني أعلمها؟ كانت سناء في صدمة من تحاورها مع والدها ونقاشها معه ومحاولتها الطيبة في إقناعه بكل سلاسة، فظلت صامتة لترى أين سينتهي المطاف. أجابته حنين: "أيوه ياريت تخليها تكمل، خصوصاً لو هي ليها رغبة في كدا."

ابتسم عبد المجيد ابتسامة ماكرة تليق به جداً: "إنتي عارفة يا حنين إني ما برجعش في كلمتي واصل، وإني اللي بعوزه بيكون." ابتلعت ريقها بتوتر من تلميحاته عن ما حدث من زمن بعيد. استرسل هو بمكر: "لكن لو إنتي عايزة أكده إني موافق، بس إني كمان لو ليا طلب عندك." "هتوافقي." لم تصدق حنين حصولها على موافقته بهذه السهولة، فهتفت بشيء من اللين: "إنت أبويا، يعني طبعاً هوافق على أي طلب تطلبه إذا كان في مقدرتي." هدر بخبث:

"لسه جايلة أبويا عليكي الطاعة ليا، وإني هعملك خاطر في موضوع المدرسة دا." "برغم إني ما برجعش في كلامي واصل، ودا كان مش في مقدرتي بردوا يبقى طلب في وش طلب." هتفت حنين وهي ترمقه بتوجس: "إيه هو الطلب؟ أرح ظهره إلى الكرسي بكبرياء وهتف بمكر: "آها، خليه لبعدين." تعجبت من هدوئه، والذي تحذره، فهي تعرف والدها حقاً، ورأت وجهه الحقيقي من قبل، كيف يكون بهذا الهدوء وهو يتنازل عن قراره. بينما سناء كانت تهتف بابتهاج في داخلها:

"واه يا بت عبد المجيد، دانتي طلعتي كنز وعملتي أكتر من اللي عايزها، فديتي بتي ورجعتها المدرسة، صحيح كان عندي حق، بت البندر المتنورة هتلف الكل على صباعها." هتف حنين تسأله: "ممكن أروح أطمن على خالتي وفرحة؟ من يوم ما جيت ما شوفتهمش تاني." ابتسم وهو يجيبها بعدما تحقق غايته: "روحي يا بت أمينة، وأنا هوصي السواق يطلع وياكي." *** في إيطاليا،،،

كان زين بداخل غرفة مظلمة، معلق من يديه، لا تلمس قدماه الأرض، يتصبب منه العرق، ووجهه محتقن بالدماء. ليحادثه ذلك الرجل الذي يجلس أعلى كرسيه، وهو يتباهى بالإمساك بفتى الصالة الذي قتل عدد معقول من رجاله، وتسبب في ندبة عميقة في رأسه، وهو يدافع عن تلك الفتاة التي حاول التعرف عليها. هتف بتشفٍّ: "كيف حالك أيها النكرة؟ أو كنت تظن أنك ستنجو بفعلتك؟

"أنا روبرت، لن يمر من أمامي متحدياً إلا ومزقته إلى أشلاء. والآن أنا سأحولك إلى قطع صغيرة حتى تدلني على فتاتي التي لن يتغير مصيرها كثيراً، إلا أني سأستمتع بتمزيقها عنك." "لقد قتلت يداها الناعمتان رجالي، وأنا لن أتوارى عن قصف عنقها." "والآن أين هي؟ أجبني، أين هي؟ أغمض زين عينيه ليستوعب كم العنف الذي سيتعرض له، لأنه لن يتفوه بحرف عنها، وإن كانت مقبرته الأخيرة هنا. وهتف بهدوء: "لا أعرف عنها شيئاً." ***

في إحدى المقاهي المتطرفة،،، جلس فتح الله يلتهم إحدى الساندوتشات البسيطة ليسد جوعه المستمر لأيام، ويرتشف آخر قطرات كوب الشاي بنهم شديد، حتى شعر بامتلاء معدته قليلاً. أتى إليه الصبي يهتف عالياً: "ألف هنا، الحساب 30 جنيه بالصلاة على النبي." حدق إليه فتح الله محاولاً الفرار بأي حجة، فأعاد الصبي الحديث متشنجاً: "إنت بقالك تلات ساعات قاعد، كل ما أسألك على الحساب تطلب طلب جديد." "إنت شكلك مش مريحني، وعايز تنصب عليا؟

هتدفع ولا مش دافع؟ اخلص." هتف فتح الله وهو يجمع شتات نفسه من فرط الحرج: "أصل يا بني، أصل أصل... هدر الصبي بتهكم: "آه، هي فيها أصل؟ يبقى ناوي تضرب ع الحساب عليا النعمة؟ "لأخد الحساب ضرب، إنت يومك مش فايت." أمسك تلابيبه واقفه عنوة، وعمل فتح الله على تخليص نفسه من قبضته. وهو يهتف: "أنا قد أبوك، عيب كدا." هدر الصبي بانفعال: "ومش عيب تاكل وما تدفعش؟ دا إنت ساحب طلبات بـ 30 جنيه." *** في منزل القناوي،،،

دخلت حنين إلى فرحة واحتضنتها بشوق. بينما تعجبت من نوم خالتها وتساءلت: "هي خالتي مالها؟ هتفت فرحة بحزن: "تعبانة، الدكتور كان عندها الصبح بيقول الضغط عالي." ألقت حنين نظرة حزينة على تلك المرأة التي عانت في صمت طوال السنين الماضية. وهتفت بحزن: "ربنا يشفيها." ثم وجدت أنها فرصة جيدة لتتحدث مع صديقتها عن ما أرادت. جذبتها من يدها إلى طرف الغرفة وهمست: "احكيلي بقى إيه حكايتك؟ ومين الجدع اللي قابلتيه؟ ابتلعت فرحة ريقها

بتوجس وهتفت بحزن مرير: "ما أعرفش حاجة عنه، حتى بقية اسمه ما فيش معايا صورة." "ليه بس؟ حافظة ملامحه كلها، أقدر أوصفلك لما بيزعل، لما بيبتسم." "لما بيقلق، لما بيغير، هو صحيح ما فيش حاجة منه معايا، بس أنا حاساه جوايا." أمعنت النظر في حنين التي وقفت صامتة تسمعها جيداً، وهتفت متسائلة: "فهماني؟ لم تجيبها حنين، تعرف أنه العشق. فهدرت بهدوء: "وهو قالك إنه بيحبك، ولا الأحاسيس دي من ناحيتك بس؟

أجابتها بشرود، وكأنها تمنى نفسها بالإجابة (نعم) "عينيه قالت، غيرته قالت، خوفه عليا، أنقذني وسافرني بره مصر، وكان خايف عليا." "اهتمامه وكل حاجة قالت إنه بيحبني، لكن لسانه ما نطقش كلمة واحدة، قال إني زي أخته، ومشانى." ربت حنين على كتفها بهدوء وهتفت بحكمة بالغة: "فرحة حبيبتي، إنتي دايماً قلبك واخد في وشه وماشي، عقلك لاغياه."

"لاقيتي حد عايشك مغامرة ولف بيكي، فرحتي بيه وفكرتي إنك حبيبتيه، هو أعقل منك، أو أذكى منك بمعنى أصح، اتسلى بيكي، وفي الآخر سابك وقال لك إنتي أختي. وهمك يا فرحة الوهم، ما فيش أسهل منه بالنسبة للي زيك. فوقي يا فرحة عشان خاطر أمك التعبانة دي." كانت فرحة تستمع لها ودموعها تنهمر كالسيل، صدمتها أمها من قبل وألقت لها الحقيقة العارية، وأتت حنين لتكمل ما بقى. هدرت بصوت حاد برغم اختناقها:

"لما مش بيحبني، خدني ليه من مصر لإيطاليا؟ لما مش بيحبني، اتخانق ليه عشاني في الصالة وقتل عشرة؟ لما حس إن فيهم واحد بص لي؟ "لما مش بيحبني، ليه خلصني من إيد اللي كانوا عايزين يقتلوني؟ لما مش بيحبني، ليه عطاني دي؟ أمسكت بالقلادة الفضية التي حول رقبتها وأشهرتها بوجهها. "وقال لي إنه مش هيأمن حد عليها غيري." حركت حنين رأسها بأسف على حالتها وهتفت من جديد: "وسابك، عمل كل دا وسابك؟

كادت فرحة الصراخ، ولكنها كممت فمها بيدها حتى لا توقظ أمها. "بحبه يا حنين، أنا هتأكد من حاجة واحدة، بعدها يستحيل أتجوز عزام أو غيره، هيفضل ذكراه في قلبي مدى الحياة." سألت حنين بقلق: "حاجة إيه دي؟ ابتلعت ريقها بتوتر وأبت أن تخرج الكلمات من فمها وسكتت تماماً. تفحصت حنين توترها وتساءلت من جديد: "مخبية إيه عليا يا فرحة؟ طأطأت رأسها وهتفت بحرج: "مش متأكدة إذا كان حصل بينا حاجة ولا لأ."

عندها اتسعت عين حنين، فقد صدمتها بشكها حيال عذريتها. أمسكت بمنكبيها وحركتها بعنف وهدرت دون تصديق: "إنتي بتقولي إيه؟ يعني إيه مش متأكدة؟ إنتي فرحك آخر الأسبوع." "دول يدبحوكي هنا ويتباهوا بكدا، فـ... قاطعتها فرحة لتهدئها: "أنا هروح لدكتور هنا وأطمن على نفسي، أنا مش هسكت إنشاء... قاطعها صوت حزين... "عايزة تعملي إيه فيا تاني يا فرحة؟ كان صوت أمها التي استيقظت على ذلك الشجار الحاد، استرسلت. وهي تقدم نحوهم:

"شفتك، عليكي الويل، واتكفيت على الإبرة والخيط عشان أربيكي، وإنتي فضحتيني، وبدل ماهي مرة هتبقى اتنين." التفت إليها فرحة بدمع منهمر وكتمت أنفاسها المتلاحقة. وهتفت متوسلة: "يا ماما أنا هبقى سليمة، هروح لدكتور وهطمنك على نفسي، إنشاء الله." هتفت زينات بجمود حاد: "وإن ما كانش... كانت حنين توشك أن تميد بها الأرض من تلك الصدمات المتوالية دون فرصة لاستيعابها. طأطأت فرحة رأسها باستسلام وهي تغمغم بخفوت ودون وعي:

"يبقى ما فيش غير حل صابحة." مالت زينات بجزعها حتى يتسنى لها سماعها بشكل جيد وهدرت باستنكار: "صابحة وصابحة مالها؟ تلجلجت فرحة وزاغ بصرها وراحت تنطق بحذر: "قالتلي هتساعدني أهرب وهتديني فلوس." عبس وجه زينات وكأنها لم تفهم وتساءلت بحيرة: "فلوس؟ بتاعت إيه وليه؟ دي مش طايقنا قاعدين في ملكنا ومش طايقانا." حدقت فرحة بوجهها وهتفت بتردد: "قصاد إني أسيب ورقة أقول فيها إني هربت مع اللي بحبه." هنا لطمت زينات بفاجعة

وهدرت من بين أسنانها بعنف: "يا مصيبتي يا مصيبتي، عايزة تمشينا بفضيحة، وإنتي مصدقة إنها بتساعدك." أمسكت كتفها بقسوة وأحنتها أرضاً. حاولت حنين الفصل بينهم. بينما استرسلت زينات في الصراخ: -عايزة تطمنيني على نفسك، ما تقلقيش هتطمني. الدخلة هتبقى بلدي وكل حاجة هتكشف ويا عشتي يا موتي يا بت باطني. اتسعت عين فرحة لتستوعب الصدمة وظلت تلطم رأسها بعنف وتصرخ. لم تكتفِ زينات بالأمر بل زادت وهدرت بضيق:

-إن انكتب لكِ عمر يا فرحة وطلعتي سليمة تعيشي خدامة تحت رجل عزام وتبوسي إيده ورجله عشان ما يطلقكيش فاهمة ولا لأ. على نحيبها وفقد السيطرة على أنفاسها وظلت تصرخ بنشيج. بينما حنين انحدرت في البكاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...