كان فترة أصعب مما تكون تمر على فرحة، انزوت بغرفتها تنتحب بصمت. لقد شككوها بزين على أكمل وجه، محوا فكرة أنه شهم وأمين. بقى فقط وسواس قضى على آمالها وأصبحت لا تعي أيًا من الحقائق أو حتى تدافع. بقي السلسال الذي تارة يطمئنها وتارة يخنقها. بينما كان عزام يعمل بأقصى جهد لإتمام تلك الزيجة وإحكام قبضته عليها، حتى يتسنى له الانتقام من سخريتها منه. بدأت التجهيزات على قدم وساق، وتجاهل تمامًا مشكلة زهرة الشرشيري. ***
في منزل البدري... دخلت سناء تتصنع الإرهاق والتعب، وهتفت وهي تجلس إلى طرف الفراش: "آه يا رجلي، رجلي وجعتني قوي النهاردة طول النهار واقفة على رجلي." لوت حنين فمها ولم ينبس فمها بحرف. استرسلت هي بخبث: "يا ريت يا حنين يا نضري تجدمي أنتِ الفاكهة للحاج زهير، أصلوا تحت من مدة وأنا ما قدمتش غير الشاي." حدقت إليها حنين بعبوس وهدرت بضيق: "وأنا مالي، خلي بدر تروح." مطت سناء شفاها وأجابتها بمكر:
"بدر يا حبة عيني واقفة على رجليها من صبحية ربنا ودخلت نامت بالربعة." نظرت إليها حنين بضيق، فهي تكره نظرات ذلك الرجل إلى جانب حضوره المتكرر. أشارت سناء بإصبعها مطمئنة: "هتلاقي كل حاجة جاهزة تحت على الرخامة، بس جدميها أنتِ وابعتيلي أبوكي أمانة عشان يبعت يجبلي مرهم، رجلي وجعاني قوي." وتصنعت الألم بشكل أوضح: "آه يا رجلي يااااني." نزلت حنين وهي تنفخ في ضيق. تحركت نحو المطبخ، بينما نادت سناء بصوت عالٍ:
"يا حاج عبد المجيد، يا حاج." ليخرج هو فيصدم نظراته بحنين المقبلة بطبق الفاكهة. لا تعرف لماذا هو جامد كالصخر، لا ترى أبدًا في وجهه نظرة أب حنونة، بل نظرات حاقدة مغلولة. لم يحادثها، فقط اكتفى بدحدجها بنظراته الجامدة الخالية من التعبير.
دَلفت إلى غرفة الجلوس لتجد ذلك الوغد الذي ينظر لها نظرات غير مريحة، وابتلعت ريقها في استياء. فهي لم تألفه، إنه رجل بعمر والدها يتصابى وينظر إليها بذلك الشكل. تقدمت، بينما هو اعتدل في جلسته ليستقبلها بابتسامة صفراء. عزمت على إنهاء الأمر في سرعة والتخلص من تلك الصينية بسرعة. ومالت بجذعها لتضعها على الطاولة، فسارع هو بالإمساك بيدها التي تقبض إلى الصينية، هاتفا بتودد: "عنيّ يا ست العرايس." نظرت له نظرات ضيقة وهدرت بتعصب:
"أوعى إيدك." لم يبالِ بها وهتف بسماجة: "اجعدي نتحدت شوية." نظرت إليه باشمئزاز وارتفع صوتها: "ما تلمسنيش قلتلك، ابعد إيدك." ظل بنفس برودة وكأنه استأذن والدها: "ده إحنا هنتجوز، اعتبري الجعدة دي خطوبة." كلماته البشعة ما زادها إلا نفورًا منه. عملت على تخليص يدها من يده ورفعتها عاليًا وهوت بصفعة على وجنته دون اعتبار لسنه ولا مكانته. كل ما أرادته هو تلقينه درسًا في الأدب واحترام حرمات البيوت.
دخل عبد المجيد يتساءل بصوت عالٍ: "خبر إيه اللي بيحصل هنا ده؟ مسح زهير وجنته بكفه وهو يشط غضبًا وأمسك عباءته وخرج. وهو يهدر بتعصب: "انت بتغشني يا عبد المجيد، لما تطالج أبجوا جولولي." تعجبت حنين من كلماته ونظرت لوالدها بأعين مليئة بالأسئلة والحيرة. اندفع نحوها والدها بغضب وصراخ بها: "في إيه اللي حصل؟ عملتي إيه يا بت أمينة؟ رفعت رأسها عاليًا وهي تظن أنه حاميها وأنه لن يتوارى عن قصف عنقها إذا علم بما بدر منه:
"اتهجم عليا وبيقول هيتجوزني، أنا مش فاهمة إزاي توافق تدخلوا بيتك وهو حد مش كويس و... "ما هي دي الحقيقة... ". أربع كلمات خفيفة أفقدت حنين صوابها. أردت أن تنفي ما استوعبته وهتفت: "حقيقة إيه؟ أنا متجوزة يا بابا، ولا أنت نسيت؟ نظر لها بجمود ولم يبالِ بصدمتها ونطق من بين شفتيه كلمات باردة: "ما أنتِ هتطالجي." حركت رأسها وهي تتمتم دون استيعاب: "مش ممكن." ليهدر هو غير مهتم وجلس إلى أقرب كرسي وكأنه يملي عليها شروطه:
"مش قولتي إنك موافقة على طلبي؟ طلبي هو إنك تطالجي." *** في إيطاليا... أصبح زين جثة هامدة وآثار العنف بدت واضحة على وجهه وأماكن متفرقة من جسده. لم يرحمه روبرت، ومع ذلك لن ينطق بشيء. هدر روبرت وهو يلتف حوله: "إذا لا تريد التحدث، لا تظن أني سأمل من تعذيبك." "فلن أبرح حتى أصل لغايتي، حتى وإن كلفني الأمر روحك العفنة."
لم يجبه زين ومسح بعينيه الغرفة. فمنذ يومين وهو ينتظر الفرصة، وهي وجوده فقط مع روبرت بمفردهما. وعلى ما يبدو أنها سنحت له. هتف زين بصوت متعب: "لقد تعبت أنا أيضًا، سأخبرك كل شيء، فقط أعطني ماء حتى أستطيع التحدث." ابتسم روبرت، إذا بدا حصوله على ما يريد وشيكًا. أشار للحارس أن يأتِ إليه بالماء وخلت الغرفة لهما. اقترب منه روبرت وهتف بابتسامة صفراء: "هيا، أخبرني الآن، لا أستطيع الصبر."
قفز زين عاليًا وعلق قدماه برأسه وكسر عنقه في لمح البصر. ودار في الهواء عكس اتجاه يده ليخلص يده من قيده، وبالفعل نجح. فك قيده بأسنانه ووقف إلى جانب الباب ينتظر عودة الحارس. الذي هرول إلى جسد سيده الملقى ليقطع زين عليه المسافة بقدمه. والتقط من يده الكوب قبل سقوطه وحطمه على مؤخرة رأسه ليفقد الوعي. جذب سلاحه من جانبه وخرج بحذر كي يخلص نفسه من ذلك الفخ. *** في منزل القناوي...
اشتعلت الأجواء من جديد عن وصولهم شرط ابنة الشرشيري. وهدان غاضبًا وهو يناقش الشرط الذي اشترطه الشرشيري لإتمام الزيجة والتوقف عن الثأر. وسط غرفة الجلوس التي يتجمع بها ابنه وأخيه. لطم كفيه ببعض وهدر بضيق: "يعني بيحط لنا العقدة في المنشار، والله ما أنا عارف يا عزام أنت كنت مدعي عليك بإيه." "عشان تلحقك كل المصايب دي." تساءل عزام بتعصب وضيق: "أنت ما قلتلهمش ليه إنها هتبانلها سرايا جار سرايتنا وهتقعد معززة مكرمة؟ هتف أمين:
"قلنا وقلنا، التانية بنت عمه وكده كده قاعدة معانا في السرايا وفرحها جهز." "قالوا شرط الجوازة إنه ما يتجوز غيرها، ده عذاب من كونوا جوازة الشرشيري بتعذبك يا والدي." نادى وهدان ليعطي للجميع فرصة في اتخاذ القرار السليم: "نأجل الفرح الأسبوع ده لحد ما نوصل لحل." عندها برزت عين عزام من مقلتيه بشكل مخيف وهدر بغضب: "ما فيش حاجة هتأجل، بعد الجواز نبقى نحلها." نظر إليه وهدان بدهشة وكذا عمه وهتف متحيرًا: "خبر إيه يا ولدي؟
طول عمرك حكيم ورأيك سليم، جوازة إيه اللي بتعملها وأنت شايف روحك على كف عفريت؟ أشهر عزام إصبعه بإصرار وهتف بصوت عالٍ: "والله في سماه، لو إيه هيحصل، لأتم الجوازة دي." هتف عمه أمين مهدئًا: "خلاص يا عزام يا ولدي، اتجوز بنت الشرشيري الأول." "وبعدها واحدة واحدة، لين دماغها واحدة واحدة، واتجوز بنت عمك، وتجيب اللي في راسك بردوا." حرك رأسه نافيًا وهدر بتعند: "الجوازة هتم في معادها." اعتدل أبيه في جلسته وهتف مستنكرًا:
"اللهم، ما تقولنا إيه حكمتك في كده، ولا هي معاندة وخلاص؟ سكت عزام وتوقفت رأسه عن خلق مبررات، تاركًا نظرات الحيرة. على وجه عمه وأبيه يتبادلانها بتعجب من أفعاله التي أصبحا فيما. يخص نقطة فرحة غير مفهومة. *** في منزل البدري... صرخت حنين بوجه والدها: "أنت جايبني بعد كل السنين دي عشان تدمر حياتي؟ صرخ عاليًا ليوقفها: "يا بت أمينة، ما تعليش صوتك في داري." نهضت من مكانها وهدرت بتعصب وهي تتحرك نحو الباب:
"وأنا مش قاعدة في دارك دي." انتفض من مكانه وأمسك ذراعها بقسوة ونظر إليها بأعين. جامدة تكاد تقتلعها وهتف من بين أسنانه: "ما تطلعيش من هنا إلا على ضهرك، أنا وصيت الحرس ما يخرجوكيش ناموسة إلا بإذني، حتى وإن جاء زوجك، عجلوا إنك طلبتي الطلاق ومعايزاش تشوفيه، هتطلقي منه وعتجوزي زهير ورجلك فوق رقبتك." كانت توزع نظراتها المتوجسة بين عينيه الحادة. أقسمت في داخلها أنه أبدًا لن يكون أباها أو حتى أبدًا كان في يوم أبًا لأي شخص.
استرسل بنبرة إجرامية: "ولو جلتيله حاجة في التليفون هطخوه عند أول البلد وتبقي أرملة." علت شهقاتها ومالت بجذعها إلى طرف عباءته وأمسك بها: "حرام عليك، بتعمل فيا كده ليه؟ جذب جلبابه من يدها وخرج بعدما نظر إليه بنظرات عديمة الشفقة: "اسألي أمك." *** في شركة الأسيوطي... كان العمل في الشركة يدور كالساعة. انهمك إياد في عمله. وهو يمني نفسه بانتهاء تلك الصفقة سريعًا والعودة إلى زوجته التي اشتاق إليها كثيرًا.
دلف إليه صديقه عماد: "إيه يا ابني مش هنتغدى ولا إيه؟ أنا جوعت." رفع إياد وجه بصعوبة من وسط الأوراق: "حاضر يا عماد، هخلص اللي في إيدي وأجي معاك." أغلق عماد الملف بيده وهتف في تعجل: "ما فيش كمان شوية، في دلوقتي. يلا بينا، إن عزمتك يا سيدي." نهض إياد وهو يبتسم: "ههه، تعزمني أنت؟ حيلتك حاجة؟ أنا المدير يا بني." جاكته الخاص وتقدم نحو الباب. مازحه عماد: "مش قوي كده، أنت كده كده مستقيل بعد المناقصة." *** في إيطاليا...
استطاع زين التسلل والخروج بعيدًا عن ذلك المكان الملئ بالحراسة. بصعوبة وركض بعيدًا كالمجنون حتى اقترب من المناطق الحيوية. دخل إحدى البنايات وطلب من العامل اتصالًا هاتفيًا.
لم يشعر العامل بالاطمئنان من ناحيته، إذا كان وجهه ملطخًا بالدماء وكذلك ملابسه. لم ينتظر زين رده واستغل ذلك لصالحه وتصرف كمجرم خطير وسحب سماعة الهاتف عنوة. ضغط الأرقام الخاصة بصديقه ولاحظ يد العامل التي امتدت إلى جرس الحماية فرمقه بنظرات حادة ورفع التيشيرت الخاص به ليريه سلاحه فتوقف عن التحرك. وقف يدعو سرًا أن يتخلص من ذلك المجرم. انتظر زين إجابة صديقه بفارغ الصبر. ولم يمهله ليتساءل هتف في سرعة:
"عايز طيارة بسرعة في نقطة (س) وجهزها بهدوم وإسعافات في ظرف ساعة أكون بره إيطاليا." *** كانت الأجواء في الصعيد سيئة للغاية، خاصة بالفتاتين بعدما خطط لهما مصيرهما المأساوي.
دون رحمة، كانت حنين شبه محبوسة من قبل والدها، لا يسمح لها بتعدي البوابة الخارجية، بينما رأسها لا تهدأ من التفكير في وضعها وقلقها على إياد من تهديد والدها. وفي نفس الوقت لن تتركه وإن كان مصيرها الموت. لم يكن يؤنس وحدتها سوى أختها بدر التي تأتي لها بين الحين والآخر خلسة. هتفت حنين لبدر وكأنها قفزت إلى رأسها فكرة: "بدر، ممكن تساعديني في حاجة؟ أجابتها بدر في توجس:
"أنتِ عارفة يا أبلة حنين، أنا بحبك جدًا، إيه ولو حاجة أقدر عليها أعملهالك على طول، ما أتأخرش." هتفت إليها حنين بسهولة: "هتقدري، ما تخافيش. أنا عايزة أقابل عمي برهان بأي شكل." نظرت إليها بدر متسائلة: "ده إزاي يا أبلة؟ هدرت حنين متسائلة: "هو ما بيجيش هنا خالص؟ بلاش، هاتِ رقمه، أي حاجة." "قولي له حنين عايزاك، بس من غير ما حد يعرف." سكتت الفتاة وكأنها تعصر رأسها لتجد حيلة حتى لا تلاحظ أمها. ثم هتفت بابتسامة:
"حاضر، هجيبه هنا." *** في إحدى المطاعم المكشوفة... دخل إياد مع صديقه عماد وهما يتبادلان المزاح سويا. توقف عماد فجأة عن الضحك وعلا وجهه نظرات الضيق وأمسك بساعد صديقه. ليوقفه وهدر بضيق: "يلا بينا يا إياد." لم ينتبه إياد إلى تعبيرات وجهه وهتف في دهشة: "إيه؟ نسيت المحفظة ولا إيه؟ حاول عماد مجاراته في المزاح كي لا يلفت نظره إلى ما يراه. وهتف وهو يختلس النظر نحو الطاولة القريبة:
"آه، المكان هنا أكله مش قد كده وغالي على الفاضي." قضب إياد حاجبيه وهو يتساءل: "في إيه يا ابني؟ إيه اللي غالي ومالك مش على بعضك ليه؟ ثم نظر إلى ما ينظر إليه صديقه وتفاجأ عندما رأى أمامه لينا السعدي تحدق به بتكبر. حاول صديقه جذبه من ذراعه، فهو يعرف واقع رؤيته لها، خاصة بعد كل ما حدث، لن يهدأ حتى يفتك بها الآن، غير عابئ بمن حوله أو حتى مصيره.
استخدم إياد قوته في جذب رسغه إليه من يد صديقه وسحب كرسي الطاولة ليجلس وهو يحدق إليها بنظرات جامدة. لم يجد عماد مفرًا من الجلوس، فجلس إلى جواره وهتف بصوت منخفض حتى لا تسمعه: "أنت قعدت ليه؟ يلا بينا نمشي." أخرج إياد أغراضه من المفاتيح والهاتف وصار يرتبهم بهدوء. وأجابه بتريس: "عايزني أخرج من مكان هي فيه ليه؟ خايف منها؟ ما أبقاش أنا إياد الأسيوطي إن ما خليتها هي تسيب المكان وهي معيطة." اتسعت عماد عينه بقلق وهتف متسائلاً:
"إياد، هتعمل إيه؟ إحنا مش ناقصين قلق." أمسك هاتفه مبتسمًا وأشار إليه بيده أن يصبر. وضع هاتفه على أذنه وانتظر الإجابة بابتسامة ساخرة. ثم هتف بصوت مسموع: "أيوه يا عيون قلبي، مش قادر أقولك وحشتيني قد إيه." نظرت إليه لينا وبدت بوادر الغضب على وجهها. لقد عمل إياد على حسرتها وإغاظتها بشكل سليم. ظل يتابع أكلها تحت نظره بابتسامة واسعة. بينما أجابته حنين بصوت محتقن: "هتيجي امتى؟ أجابها إياد بعشق تام:
"دلوقتي لو عايزة، أنتِ عارفة إن بعدك على عيني." هتفت حنين في سرعة: "لا لا، خليك شوية." كان إياد أكثر تركيزًا مع لينا وهو مستمتع بإحراق روحها تحت نظره. ولم ينتبه إلى ارتباك حنين ونبرتها الحزينة. ونجح فعلاً في ذلك، فقد سارعت لينا بالهروب من وسط أصدقائها. وهي تلعن غباءها في تركها ذلك العاشق المميز وعضت يدها بحسرة. فهي ذاقت معه أفضل أيام حياتها بلا شك، وقد فقد كل هذا بسبب خيانتها له.
تابع عماد خروجه وهو ينظر لصديقه مبتسمًا: "ابن الأسيوطي بصحيح." *** في إحدى المناطق الهادئة في الصعيد... كانت تسير امرأة متخفية في ظلمات الليل، تلتفت يمينًا ويسارًا في توجس حتى وصلت وجهتها وترددت في قرع الباب حيث كان الوقت في منتصف الليل. وهي تدعو ربها أن يكون المجيب هو من تريد. أجابها صوت عادي ولكنه تميزه جيدًا: "أيوه، ياللي بتخبط." وأُزيل الحاجز الخشبي بينهما ليجد يحيى الدمنهوري، امرأة ملثمة.
لا يظهر منها سوى عيناها فقط، واللذان ميزهما بسهولة فقد وقع في عشقهما. منذ سنوات ويحفظ عدد أهدابهما عن ظهر قلب. ابتسم وهتفت بسعادة: "يا أهلًا يا أهلًا بريحة الحبايب، كيفك يا زينات يا زينة قلبي." ابتلعت ريقه ورفضت إزاحة طرف الخمار عن فمها وهدرت بتوتر: "وعرفت إزاي إني زينات؟ أجابها بهدوء: "حد بينسى حب عمره بردك، ولا أنتِ نسيتي؟ أزاحت طرف الخمار، فازداد سعادة حيث هي لم يغيرها الزمن.
مجرد خطوط أعلى جبهتها، علامات الدهشة، إنهاك بسيط تحت عينيها من فرط الحزن. وأيضًا ذبول وجنتيها اللتان كانتا تشبه التفاح. هتف دون وعي: "لسه لكِ زي مانتي، يا ترى قلبك اتغير ولا لسه شبهك؟ حركت رأسها تلتفت يمينًا ويسارًا بقلق بالغ: "الكلام ده فات عليه سنين يا يحيى، وأنا النهاردة مش جاية أعيده، أنا جايلك عشان أعرف ابنك يعرف حاجة ولا لا." اغتصب ابتسامته وهدر متألمًا:
"لأ، ما يعرفش، وماحدش يعرف خالص. إني لما عرفت إنك هنا من مدة، قلت أشيع لك السلام اللي استخسرتيه فيا، وجلت إنك نسيتيني." تنفست الصعداء، يدها أعلى صدرها وهتفت بالحمد: "الحمد لله، أنت مش عارف حاجة، أنا في مشاكل لحد رقبتي، مش ناقص ناقص حد يقلب في الدفاتر القديمة ويقول كفاية القدرة على فمها، أنا تعبت واستكفيت." ضيق عينيه وهو يستنكر طريقة تفكيرها: "اللهم، إيه اللي حصل لكل ده؟
أنا بيني وبينك كان قدام الناس كلهم واتقدمت لك واترفضت، بتحاسبيني على درجة قلبي يا زينات؟ أغمضت عينيها وهتفت بنبرة متخشجة: "مش بحاسبك، بس مش عارفة ليه بعت السلام مع ابنك؟ قلقت لحد ينبش في القديم ويتكلموا عني، خصوصًا بعد ما اتطلقت، مش ناقصة كلام يا يحيى." أسدل عينيه وتصارعت الكلمات في حنجرته وحاول ألا يتخطى حدود الأدب قائلاً:
"وإني عارف إنك اتطلقتي، ولسه نفسى تدخلي داري بعد ما بقيت لوحدي وبيجي لي منك ذكريات بتونسني، ما إنها أون تبجى حججة." اتسعت عيناها بدهشة بعدما استمعت لكلماته وهتفت غير مصدقة: "بعد السنين دي كلها يا يحيى؟ أجابها بلهفة وعيناه تحكي لها كل شيء: "أيوه يا زينات، حرمونا من بعض عشان الفلوس، وادي السنين لفت ودارت،
وعلى رأي المثل: يا واخد القرد على ماله، يروح المال ويفضل القرد على حاله. القصد، أدي راح، وأنا بقالي سنين لوحدي بعد أم ناجي ما ماتت، أذوني من حقي إني نقضي باقي حياتنا مع بعض يا زينات، كفاية اللي راح، وأنتِ مش كبيرة قوي، يعني حاسب لك سنك بالساعة واليوم، وحتى لو كبيرة، أنا لسه شايفك بت أمس، أم ضفيرة ومنديل." لم تجبه زينات، لقد نبش في أغوارها وأملها الألم الشديد بعدما عانت مع فتح الله.
لسنوات عاد إليها يحيى يطيب قلبها بالكلمات. ابتعدت دون وعي عن بابه وتحركت في شرود إلى طريق العودة. تقدم هو خطوات وهتف بإصرار: "ما هسيبكيش تاني للجناوية، هروح لهم وهاخدك منهم، كفاية خدواكي مني سنين." لم تنتبه وراحت تتساءل في نفسها، هل من حقها أن تعيش ما بقي من حياتها في كف رجل عشقته منذ الصغر؟ رجلاً بكت دمًا عندما فضلوا فتح الله عليه، ولكنه كانت قد غرقت في أحزانها.
حتى استسلمت راضية بقضائها. بعدما وهبها الله فرحة لتضميد جرحها وتمحو كل آثاره. لكن الله جزّاها نتائج صبرها ورضاها بالقضاء والقدر من واسع فضله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!