الفصل 43 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
1,392
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

خرجت حنين من غرفة العمليات بعد محاولات وقف النزيف وانقاذها. التف حولها الجميع في تلهف، بينما صرخ والدها: -اتأخرتوا كدا ليه؟ أجابتها الطبيبة وهي تحاول ألا تفقد رباطة جأشها: -الحالة كانت صعبة، وهي نزفت كتير جدًا، ويا عالم. تابعوا السير خلف الترولي، أكمل زهير متسائلًا: -يعني إيه يا عالم دي؟ أجابته بأسى: -ممكن تروح في غيبوبة.

فغر فاهم، وبقيت الصدمة تعتلي وجوهم. لم يعرف عبد المجيد لما شعر بانفطار قلبه من جديد، وكأنه ذُبح بسكين بارد. تجمدت الدموع في عينه وهو يراها تتوارى بعيدًا. داخل المصعد، ابت قدماه المضى قدمًا، ورأي يده ملطخة بالدماء. *** في الطريق إلى المستشفى...

كان القلق والتوتر هو رفيق إياد، بينما كانت بدر إلى جواره تنظر بريبة، وكأنها تريد قول شيء. ظل ينفخ وهو يقود السيارة من تاجج النيران بداخله. ألقى نظرة خاطفة على بدر، ثم عاد يحدثها متسائلًا: -في حاجة؟ فاقت من تحديقها إليه، وحركت كتفيها بخفة، وهتفت بصوت متوتر: -لأ. ساد الصمت للحظات، حتى هتفت بدر من جديد بصوت خافت: -إني عايزة أطلب منك طلب. لم يهتم، وهتف وهو يزفر أنفاسه: -ها، اطلبي. فركت أصابعها ببعض في ارتباك، وهمهمت:

-عايزاك تاخد أبلة حنين من هنا، وما تجبهاش تاني إلا وأنت معاها. أولها اهتمامه، ووزع نظرة بينها وبين الطريق، وهدر مستفهمًا: -يعني إيه؟ سكتت قليلاً، وهدرت برجاء: -هو ده طلبي، وأمانة عليك ما تقول لحد واصل إني جلتلك، بس خدها وامشي. آثر إياد الهدوء، وتحدث بصوت بريء: -ما هو لازم أعرف ليه؟ عشان أقدر أساعد أبلة حنين كويس، باين عليكي بتحبيها جدًا ومش عايزة أذاها، مش كده ولا إيه؟ أومأت بدر برأسها بطفولة، وأجابت في سرعة:

-أيوه، إني بحبها خالص، أبلة حنين طيبة، وهي جالتلي إنها بتحبك. ومال رأسه، وتساءل: -وإيه؟ أجابته بتوتر: -أصل أبوي وأمي عايزين يجوزها رجل كبير اسمه زهير، راجل عفش جوي. أوقف إياد السيارة بتعجل، وكز على أسنانه ليهدئ من غضبه الذي سيحرق الأخضر واليابس، وكور يده وهو يوكز الدريكسيون عدة وكزات متتالية بغضب. *** في منزل القناوي... هدرت صابحة بضيق لزوجها وهي تناوله العباة ليبدل ملابسه:

-ما تغور، إني أصلًا ما كنتش عايزة الجوازة دي من أولها، وأديها اتغفلت من كل ناحية. عصابة إيه اللي إحنا كدّيها، ولا هم إيه اللي جاي من وراها، ما تغور بمشاكلها يا حاج. بدأ في تبديل عباءته وهو ينفخ بضيق: -عارف إنها مش لكِ، عليكي، البنت من وقت ما جُلنا يا جواز، بس ولدك مصلب راسه. جلست إلى جواره، وهتفت: -إنت من جه، وأنا من جه، ونقنعه. إحنا حالتنا غيروا عشان نرميه للمشاكل. حك وهدان طرف ذقنه بشرود، وهدر:

-بس في حاجة لازم أعرفها قبل ما نرد على الجدع، كمان أبوها لازم يجي ويشوف المصايب دي. حركت صابحة فمها للجانبين متهكمة. بالأسفل... دق فتح الله باب أخيه وهو يحمد الله على عودة أدراجه بعدما لملم الأجرة من أيدي الناس كالمتسولين. فتحت إحدى الخادمات له، بينما هو سارع بالدخول وهو يهتف: -وسّعي لي كده، وقولي لأخويا ينزل لي، وهاتي لي حاجة آكلها.

نظرت إليه الخادمة بدهشة، وشرعت في تنفيذ ما أراد، فهي تعرف أنه ولد فرحة، ولكن حالته مزرية للغاية. *** وصل إياد إلى المستشفى... وقف على باب الغرفة، لا يرى الجمع الجامع حولها من أبيها وزوجته وعمها وزهير، لا يرى سوى حبيبته النائمة كالملاك، والمحاليل المعلقة، وبعض الكدمات التي ظهرت أعلى وجهها. اندفع نحوها كالمجذوب، يتحسس بشرتها الباردة، يهتف باسمها بصوت حزين: -حنين، حنين، مالك؟ قومي، قولولي إيه اللي حصلك.

لم يحتاج أحد من الموجودين لمعرفته، فمن الواضح كالشمس أنه زوجها. كما أن بدر أتت معه، ولكن بقي سؤال يدور في خلد الجميع: كيف عرف؟ أظلمت عين عبد المجيد وهو ينظر إلى ذلك الفتى الوسيم الذي يقف عائقًا أمام إرادته، بينما غلت نظرات سناء نحوه، فهو لم يبدو كرجل عادي، إذ تبدو عليه الهيبة والثراء. التفت إليهم إياد بغضب واجم، وزمجر بعنف: -بــــــــــــــرا، اطلعـــــــــــــوا بــــــــــــــره. حدقوا فيما بينهم وهموا بالاشتباك.

زهير: -هو إيه اللي برا؟ جرى إيه يا جدع، إنت مين؟ -أنا إياد عاصم الأسيوطي، جوزها... قالها بقوة تثبت أنه ليس برجل عادي، وأن زهير وقع بالشخص الخطأ لينافسه. حرك عبد المجيد رأسه بنبرة حادة: -إنت اللي تمشي، ما لكش بنات عندنا. احتد أكثر، وهدر إياد معنفًا إياه: -إنت اللي مالكش بنات عندي من النهارده، حنين بنتي ومراتي، وإنت ملغي من حياتها. تدخل برهام ليهدئ الأمر:

-إني عمها وهدان، يا ولدي، صلي على النبي. إحنا مقدرين الموقف، بس بردك ده أبوها، واللي حصل ده قضاء وقدر، وما حدش له إنه يعترض. ضيق إياد عينه، وسأل بتكم: -إنتوا كنتم بعتين لها ليه؟ إيه فكركم بيها بعد السنين دي كلها؟ نظر إلى عبد المجيد، وازداد حدة: -عايز منها إيه بعد ما رميتها؟ هتف برهام في سرعة: -كنا عايزين نعرف بتنا راحت لمين، نلم لحمنا، ونعرف أهل جوزها إنها عندها عزوة وعيلة يسندوا الظهر. فرك إياد وجهه بعصبية، وهدر:

-إنتوا تقطموا الوسط! الراجل ده رافع عليا قضية طلاق، عشان يجوزها لواحد تاني، هي دي العزوة؟ اطلعوا بــــــــــرا، ما حدش له دعوة بمراتي، ابعدوا عننا خالص، أنا قادر أسندها لوحدي. نظر وهدان إلى أخيه بتحير، وهتف: -صح الكلام ده يا عبد المجيد؟ لم يحيد عبد المجيد نظراته الجامدة والمتصلبة عن إياد: -بنتي، وهطلقها منه، وهجوزها الجوازة اللي على مزاجي. عدل زهير عباءته بثقة، وهتف:

-من حق الراجل يختار لبنته اللي يناسبها، وما فيش أعالج أحسن منى. اتسعت عين إياد، وعرف تمامًا أن ذلك هو زهير، اندفع نحوه بشراسة ولكمة بقوة وأسقطه أرضًا، واقتطع وهدان نوبة غضبه وهو يرفعه عنه هو وعبد المجيد، بينما انزوت سناء بابنتها في طرف الغرفة تتابع برعب. هدر برهام بتعصب: -صلي على النبي يا ولد، بعد يا زهير من هنا. صاح إياد بصوت عالٍ: -بــــــــــــــرا، مش عايز حد هنا. رمقه برهام أخيه بنظرات حادة، وهتف ليهدئه:

-عبد المجيد، خد الجماعة واطلع دلوقتي، سيب الرجل ويا مراته. دفع زهير عبد المجيد، الذي وقف متصلبًا ينظر إلى إياد بشراسة، ولكنه نجح أخيرًا في زحزحته إلى الخارج، وتبعته سناء وبدر. أفلت برهام يده عن إياد، وهتف بنبرة متأسفة: -سامحني يا ولدي، إني السبب في مجيها هنا، بس وعهد الله ما كنت أعرف إن أبوها عايز يطلقها، ولو أعرف كنت كسرت دماغه.

شعر إياد بالهدوء قليلًا فور خروجهم، ولكنه لم يكن في مزاج ليستطيع تصديق كلمات برهام. هتف متسائلًا وهو ينظر إلى حنين: -هي ليه مش بتفوق؟ هي مالها بالظبط؟ أجابه برهام بحرج وحزن: -أصلها كانت حامل وسقطت. اتسعت عين إياد، وحدق إليه مطولًا، واستعاد صوت صرختها المدوي في الهاتف: -إيــــــــــــاد، الحـــــــــــــــــقــــــــــــنــــــــــي...

أدمعت عينه، إذا شعر أنه كان معها لحظة سقوطها بالفعل، ولم يستطع أن ينقذها. شعور بالعجز التام اعتراه، وأصبح يعض يده بعنف. لم يكن يحتاج لبديهة ليكتشف ذلك الملعوب القذر الذي وقعت به زوجته، ومن الواضح كالشمس أنهم شرعوا في تنفيذ مخططهم رغماً عنها. التفت إلى وهدان، وهتف بصوت حاد: -هتصل بالإسعاف وهنقل مراتي من هنا حالًا، مش هتقعد هنا ولا ثانية واحدة، والراجل اللي برة ده أنا هعرف أحاسبه كويس.

سكت برهام تمامًا وهو يستمع إلى حواره الغاضب الحاد، واكتفى بالتحديق إلى عينيه التي يبدو في عمقها عشق تام. *** منزل القناوي... جلس وهدان مع أخيه فتح الله، وتابع ردة فعله بعد سرد عليه ما فاته. ارتشف فتح الله رشفة من كوب الشاي الساخن الذي بيده، وهتف غير مبالٍ: -وأنا بتي مش هتجوز غير ابن عمها. حرك وهدان رأسه للجانبين بتعصب، وهدر بضيق: -يا دي النيلة يا فتح الله، إشحال ما أنا جايلك، كل حاجة دلوقتي.

ما ينفعش يا خوي، كمان أنا هبعت للشرشيري إننا موافقين، وفضينها سيرة، إحنا تعبنا. وضع فتح الله كوب الشاي أعلى المنضدة، وهتف بهدوء: -وإني ما أجوزهاش إلا وابن عمها. رفع وهدان حاجبيه بتعب، وهدر بصوت متشنج: -أخوي، إني تعبان، الله يرضى عليك، قوم نام، والصبح يحلها ربنا. حرك فتح الله رأسه بالموافقة، وهتف في نفسه: -أنا جاي أقعد على حسك يا فرحة، عايزة تضيعيني؟ ده أنا بهدلت قوي على ما جيت.

هنا، وما صدقت لقيت بيت أخويا مفتوح لي، بعد ما بت الهرمة ما سرقت تحويشة العمر كله، بس لو شفت وشك تاني يا عواطف، هطلع الفلوس من جدتك. *** في الصباح... في منزل الشرشيري... جلست زهرة وسط زغاريط من حولها، تحاكي نفسها بشرود: -بجا أكده يا ولد الجناوي؟ ده إنت أمك داعية عليك، ده إني هسقيك المر كله على إيدي. كان ذلك بعد إرسال الرد بالموافقة على طلب زهرة من قبل وهدان. *** في منزل القناوي...

استيقظت زينات تبحث فيما جوارها عن ابنتها، ولكنها لم تجدها. هتفت وهي تقلص وجهها: -الله، البت دي راحت فين؟ تحركت تبحث عنها في كل مكان، ثم ركضت للأسفل بفزع، تسأل وهدان وعزام وأمين وزوجها السابق فتح الله الذي أتى مساء. -بتي يا حاج وهدان، صحيت ما لاقتهاش. حدق إليها الجميع بدهشة، ثم أجابها يسطنع الهدوء: -لأه، عتكون راحت فين؟ شوفيها في الجنينة، ولا في الحمام. هنا ولا هنا. هدرت والدموع تملأ مقلتيها:

-دورت في كل حتة، ما لاقتهاش، أنا عايزة بتي يا حاج. ثم هرولت إلى يده لتقبله. أبوس إيدك، عايزة بتي. سحب وهدان يده، وهدر متعصبًا: -وإني إيش دراني بتك، وكانت بايته في حضنك؟ هتفت بنحيب: -فرحة، أنا ما ليش غيرها. بتي، يا بتي، روحت فين؟ وقف فتح الله، وعلامات الصدمة تملأ وجهه: -يعني إيه؟ البت مش موجودة؟ البت راحت فين يا زينات؟ هتف عزام بنبرة تهكمية واضحة: -ها، تلاقيها اتخطفت تاني.

تجمع لمن في المنزل أثر ذلك الحوار الحاد، وعمت حالة التوتر في المكان أثر اختفاء فرحة المفاجئ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...