فى مستشفى بالقاهرة ,,, عاد إياد بزوجته تاركاً من ورائها والدها يتآكل، وجلس يتأمل وجهها الذي أنهكه الإجهاد وعيناها المغمضتان بصمت وحزن. ولم يكف عن تانيب ضميره عن تركها الذهاب إلى هناك وحيدة. ظل يتذكر لحظات خروجها من المشفى والتي كانت أصعب مما توقع. فلاش باك ,,, صرخ في وجه عبد المجيد متعنداً: -هي مين اللي مش هتطلع من هنا؟ مراتي وهاخدها يعني هاخدها. كان هذا أمام الترولي بالممر. صاح عبد المجيد بتعصب:
-مش مرتك إني رفعت عليك قضية طلاق وهتفضل هنا لآخر عمرها. منع وهدان وصول إياد إلى عبد المجيد، حيث أن غضبه لا يبشر بخير، وعلى ما يبدو أنه سيحدث أمر خطير للغاية. -استهدي بالله يا ولدي بس، وانت يا عبد المجيد، كيف يعني تطلقها؟ البت جاية عشان نعرف مين جوزها، تجوم تطلقها منين طجت في راسك الفكرة دي. زمجر إياد بعنف بالغ: -قلت هاخدها وهمشي يعني هاخدها وهرجعلك تاني أحاسبك.
لم ينتظر إياد تجهيزها للخروج، بل دار على عقبيه نحو غرفتها، تاركاً الأخوين يتشاجران بحدة. هتف عبد المجيد بتعصب: -مالكش صالح يا برهان بنتي وما عجبنيش جوازها. هدر برهان بضيق وحدة: -يعني إيه ماليش صالح؟ انت خلاص بقيت خراب بيوت. البت واتجوزت. خرج عليهم إياد حاملاً حنين بيده، غير مهتم بكم الدهشة الحاضرة في أعينهم. دحجهم جميعاً بنظرات شرسة وتوارى عن ناظرهم سريعاً ليتركهم يتآكلون. عبد المجيد تحرك ورائه بخطى سريعة،
فاقطعها برهان هاتفا: -رايح فين يا عبد المجيد؟ سيب بتك مع جوزها. انت بقيت قاسي قوي يا أخوي. حاول عبد المجيد جذب نفسه من قبضته وهو يهتف بضيق: -سيبني يا برهان، إني ما عايز مش الجوازة دي. خليه يسيب بت أمينة. أحكم برهان قبضته عليه ومنعه من التحرك قيد أنملة باتجاهها. ****************************************************************** في منزل القناوي ,,, صاح وهدان بوالده معنفا: -قوم يا ولد شوف بت عمك راحت فين، دور عليها.
اعتدل عزام في جلسته بارتياحية وهتف بتهكم: -إني أدور وأتعب حالي لي، وهي كل مرة تهرب مع عشيقها. أقول لك يا بوي إني ما عدت عايزها، الجوازة بلاها تعب وفقر. ما تدورش عليها وهي في حضن عشيقها، واجي أقول لك بتتحرطس تزعلوا. واديني أهوه بقولها قدام الكل، سيب لي فرحة بتك يا عم فتح الله. طالق منك بالتلاتة. شهقت زينات ولطمت لطمة خفيفة على وجهها، وتهللت أساريرها. وعلت صوتها الزغاريد وعقبت مبتهجة: -لولولولولوي يالف بركة ويوم أبيض.
بينما تركت الصدمة أثر على وجه من تبقى من وهدان وأمين وفتح الله. الذي هدر باهتياج: -يعني إيه؟ انتوا هتلعبوا بينا ولا إيه؟ أنا جاي من مصر عشان أفرح ببنتي، تطلقوها؟ ما تشوف ابنك يا وهدان. لم ينبث وهدان فمه بكلمة واحدة، فقط بقى على وجهه تعابير مبهمة. نهض عزام من مكانه وهتف وهو يتجه نحو الدرج: -افرح بيها مع عشيقها. ***************************************************************** في فيلا الأسيوطي ,,,
أمسك عاصم هاتفه ينصت إلى ما يحادثه في الطرف الآخر. أومأ عدة إيماءات خفيفة ثم تحدث بنبرة متعبة: -تابع كل حاجة، واديني باقي الأخبار. دخلت فريال تسأل بعينيها عن سبب اجتنابه ركناً خاصاً في التحدث إلى الهاتف وسر عبوس وجهه. أغلق الهاتف وزفر أنفاسه بضيق ثم هتف: -ابنك في المستشفى. أمسكت بتلابيبه وهدرت بشكل هستيري: -ابني مين فيهم؟ ابني ماله؟ انت إزاي واقف كده؟ أمسك يديها وهتف مهدئاً إياها:
-اهدى يا فريال، ابنك كويس، ما فيهوش حاجة. قضبت حاجبيها وتساءلت: -انت مش لسه قايل في المستشفى؟ تأفف بضيق وأجابها متأزماً: -حنين هي اللي تعبانة وقاعدة في المستشفى بيها. جابها من الصعيد على المستشفى. اختفت علامات الذعر وهتفت بسخط وهي تزوم: -امممم، مالها ست حنين. مؤخرة رأسه وحاول الهدوء: -أجهضت، ده اللي عرفته من إدارة المستشفى، وباقي التفاصيل مبهمة، فما تسألنيش. سكتت تماماً فريال لتستوعب حجم المرارة التي اعترت
حلقها وهتفت بنبرة متحشرجة: -وديني ليها... رمقها عاصم بنظرات متعجبة ولكنه هتف: -جهزي ويلا بينا. ******************************************************************** في مكان مظلم ,,,
فتحت فرحة عينيها المجهدة ولكنها لم تر سوى الظلام الذي يراعبها ويفقدها صوابها. حاولت الصراخ ولكنها كانت مكممة على صراخها المكتوم وهي تحاول تحريك يديها المقيدين، الآن عاجزة، لا تحرك أي عضو من أعضائها. ظلت تعصر رأسها تحاول التذكر كيفية وصولها إلى هنا. لم تر شيئاً أو حتى تميز ذلك الشخص الذي مد يده أسفل جسدها المستسلم للنوم. وعند إدراكها للأمر حاولت الصراخ ولكنه كمم فمها بيده وأطبق يديه حول قدمها ويدها وحملها بين يديه إلى خارج الغرفة. رأت أمها الغارقة في النوم وصرخت صرخات كان مصيرها جوفها، ثم تيقن أنها لم تستسلم بسبب حركتها المستمرة، فأطاح رأسه برأسها في اصطدام قوي أفقدها وعيها.
عادت لتصرخ من جديد ولكن صوتها لا يخرج البته. حاولت التحرك ولكن القيد كان محكماً. حاولت التبصر عن بصيص نور ولكنها لم تجده. بقي معها صراعها الخفي من الظلام وهواجسها عن أي صوت يصدر حولها. حاولت السيطرة على نفسها ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً. ودخلت في نوبة بكاء هستيرية وهي تخشى حتى مرور شعرها على وجهها، الآن يرعبها. ظلت تنتفض مرارا وتكرارا وهي خائفة من الظلام وحالتها المزرية التي لا تبشر بخير. إذا كانت فرحة مرتعتبة تمامًا.
في منزل البدري، عاد عبد المجيد يجر أذيال الهزيمة. لقد كانت بين يديه شبيهة عشيقته التي خدعته وأهانته، وقد نوى هذه المرة أن يتشفى أكثر في الانتقام منها حتى يهدأ من نيران قلبه التي تأكله طول السنوات الخاوية.
تابعت سناء هدوءه وتحديقه للفراغ الشرس. يبدو خطيرًا للغاية جلسته. صمته. عصا الأبنوسية التي يلطمها في يده الأخرى بثبات وانتظام. تعابير وجهه الحادة والغامضة جعلتها تتحاشى الكلام معه وهو في تلك الحالة. تراجعت للخلف بهدوء واتجهت نحو غرفتها تلتقط أنفاسها من هول ما مرت به. خلعت عنها عباءتها وحجابها وارتدت جلبابًا واسعًا وارتمت إلى الفراش لتريح جسدها المنهك ورأسها الذي تشعله الأفكار.
اتجهت فريال وعاصم ورودي نحو المستشفى، وإن كان إياد لم يخبرهم أو حتى يجيب على اتصالاتهم المتكررة. فقد كان حزنه على زوجته أفسد شهيته للحياة. في السيارة، كان كم المشاعر المختلطة تتصارع داخل نفس فريال. لأول مرة تشعر بالشفقة حيال تلك المسكينة التي لم تألفها قط، ولكن مرورها بتلك المحنة جعل قلبها يلين قليلاً. فهي تعي جيدًا شعور فقدان الولد، وإن كانت لم تجربه، ولكنها غريزة أمومية.
بينما كان شعور رودي بيّنًا بالحزن وتتساءل مئات الأسئلة، تريد الأجوبة السريعة لتطمئن ويقتلها الفضول نحو حياة أخيها المضطربة باستمرار. وصلت السيارة إلى وجهتها أخيرًا وترجلوا منها. صعدوا باتجاه الغرفة المنشودة وعلى جنبيهم أفراد الحراسة.
دخلت فريال الغرفة وهي تأمل رؤيتها بصحة جيدة حتى يتسنى لها إبداء أسفها كي تظهر ولو جزء بسيط من عطفها تجاهها. ولكنها ما وجدت إلا جسدًا ساكنًا موصولًا بالأجهزة، وإلى جواره ابنها الذي انكب على وجهه يمسك يدها ويدثر وجهه الباكي بالفراش كطفل يمسك بيد أمه. لم تتحرك قدمها خطوة واحدة لتسنح فرصة لرودي التي تبعتها أن تهرول نحو أخيها. ألقت نظرة حزينة على حالة حنين. نزلت على ركبتيها لتواسيه وأمسكت يده بحنو بالغ. فانتبه على أثرها يحاول تمييز من. رمش بعينيه حتى تستوعب عينيه الدامعتين الإضاءة المفاجئة. وضحت له الرؤيا أنها شبيهته.
هتف بصوت متعب: "رودي" وطأت أقدام عاصم الغرفة وهو يدس يده إلى جيبه بوجه جامد خالٍ من أي تعبير. انتبه إياد إلى وطء أقدامه ونهض من مكانه يحاول إزالة آثار الحزن عن وجهه. لم يؤثر ذلك في عاصم كثيرًا. ألقى نظرة خاطفة على حنين ولكنه لم يعرها اهتمامًا وهتف بصوت محتد: "ممكن توضح الأمر؟ فرك إياد وجهه بعصبية، فهو لا يحتمل الآن أي نقاش مع والده، خاصة أنه يكره أسلوبه في التجسس عليه. هدر بضيق: "ما خلتهمش يقولولك ليه؟ اللي بلغوك."
حدق إليه عاصم غير مبالٍ بالظرف الرهن: "لازم أحط عيني عليك عشان أبقى عارف هتجلط امتى بسببك." لم ترد فريال الدخول في تلك الأحاديث الحادة الآن. اتجهت نحو ابنها لتحتضنه وهي تهدر بأسى: "ألف سلامة حبيبي، ربنا يعوض عليك." أزاح يدها وهو يصك أسنانه بعنف وهتف وهو يحدق بوجه أبيه بصرامة: "طيب ما انتوا عارفين بتسألوا ليه؟ لم يتحرك عاصم من مكانه أو حتى يغير تعابير وجهه وأجابه بحدة: "إياد اتكلم كويس." هنا صرخ إياد بوجهه:
"عايزين إيييييه مني؟ جايين ليه؟ كفاية كدا بدل ما بتسأل عليا زي أي أب وابنه بتتجسس عليا وممشي ورايا شوية رعاع ينقلوا أخبار ابنك ليك. قوللي أنا اسألني قوللي مالك اسأل عليا مرة واحدة حس بيا." ثم نظر إلى والدته وهدر معنفًا إياها: "وانتي جايه ليه؟
أمنتِك عليها وسبتها في بيتك ذللتيها واتحكمتي فيها زي العروسة. ما قدرتيش تفهمي إنها بقت جزء مني. كل ده عشان ما كانتش باختيارك. جايه تكملي عليا وعليها. كفاية اتظلمت بما فيه الكفاية. اطلعوا برااا بقي وأنا هطلع برة حياتكم. هتفوق وهاخدها نعيش بعيد عنكوا." ظل عاصم يستمع إليه بضيق وعضلات وجهه تتقلص. فجأة سقط أرضًا دون أي مقدمات. انهار داخليًا وخارجيًا بسكون تام. صرخت رودي وفريال معًا. في إحدى الفنادق،
هتف زين إلى صديقه ياسين متبرمًا: "ما حدش رد ليه؟ إحنا لازم نرجع تاني." أجابه ياسين بضيق: "حاضر يا ابني اصبر. النهاردة كمان وبكرة لو ما ردوش نروح إحنا. بس إنت اهدى شوية." وقف زين في شرفة الفندق يحاكي نفسه: "يارب بقى." في منزل القناوي،
خرج الجميع للبحث عن فرحة المفقودة، حتى زينات كانت من بينهم. بعدما قبع عزام في المنزل رافضًا البحث عنها تمامًا، فقد أهدر وقته من قبل في البحث عنها ولم يحصل على شيء. حتى فرحة لم تقدر ذلك ونبذته ورفضته بشدة، فما عاد يهتم لأمرها أو يكترث لمصيرها بعدما طلقها طلقة بائنة أمام الجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!