كانت الصدمة أكبر وأعنف ما تلقت عائلة الأسيوطي في تاريخها. لم ينبس فم رودي بكلمة واحدة وسقطت أرضًا في إغماءة. تركت الثقل والفاجعة لأخيها وأبيها وأمها. إنه لا شيء مخزٍ، إلحاق الأذى بالأقرباء منك دون أن تدافع عن نفسك. نقلتها أمها إلى الأعلى لإفاقتها. بينما علت المشادة الكلامية بين مازن وإياد وعاصم بحنق متزايد. هدر مازن بضيق: -أنا مش هقعد هنا طول اليوم، أنا جاي آخد مراتي وأمشي. ما تخلونيش أروح آخدها بالقوة من البوليس.
صرخ بوجه إياد متعنّفًا: -أنت باين عليك اتجننت. بوليس إيه ومرات إيه؟ أنت دخلت البيت من الشباك وفي الحالة دي أنا ممكن أعملك معاملة الحرامية وأدفنك هنا. هم ليسترسل مزيدًا من السب، إلا أن قاطعه والده بيده التي أسندت كتفه. شعر إياد بيد والده المهتزة ووهنه التام أمام تلك العقدة. وهتف على غير غرار أو حتى سابق هيبة عاصم الأسيوطي المتكبر المتعال: -أنت عايز إيه؟ ابتسم مازن ابتسامة ساخرة وأجابه بإصرار:
-عايز مراتي والورقة معايا وماحدش يقدر يمنعني. ابتلع ريقه بتوتر وهتف بنبرة يشوبها الضعف: -طيب هنعمل فرح قدام كل الناس والورقة العرفي دي تختفي ونعمل واحدة تانية رسمي. ضيق إياد عينه وهدر بتعصب: -بابا أنت بتقول إيه؟ طيب استنى نسألها. صراخ ولده بتعنّف: -نسأل إيه؟ أنت مش شايف إمضتها؟ مش شايف هدومها وصورها؟ مش شايف الحقير اللي بيبتزنا واللي لو رفضنا هيخرج يفضحنا.
فرك إياد وجه بتعصب وأمسك هاتفه ليضغط أرقامًا يعرفها جيدًا في توتر. واتصل بأخيه معاذ الذي أجاب في سرعة وتوحش: -أخي العزيز، أخيرًا اتصلت بي. لقد اشتقت إليك. حرك مازن فمه بابتسامة ماكرة، بينما وقف عاصم في ارتباك ملحوظ. أجاب معاذ غير مبالٍ: -لا، أنا كنت في رحلة وسبتلها الشقة تعيش براحتها. حتى مشيت ما استنتنيش. اتسعت عين إياد ولم يتسع صدره لهدار المزيد. أغلق الهاتف دون الرجوع لأخيه. عندئذ قهقه مازن عاليًا وهدر بتشفٍّ:
-ههههههههههههههههه! مش قلت لك كنا في شهر العسل. كز إياد على أسنانه بغضب وركض إلى أعلى السلم. وترك والده ليتعامل مع ذلك المستفز. *** في منزل البدري، دخلت سناء إلى غرفة ابنتها التي تئن بعينين ذابلتين. بينما كانت سناء هي من بها الداء مثلها. نظرت إليها باشفاق وهتفت بدر من بين أنينها وهي تلهث: -أمه، ابقي سلميلي على آبلة حنين لو شفتيها. أصلي اتوحشتها.
عقدت سناء حاجبيها في تساؤل وعجب. لما في محنتها التي أنستها الطعام والشراب تذكر حنين؟ حركت رأسها لجانبين لتفي إن كانت تلك رسالة إلهية بأن ما فعلته بحنين من جرم وتعمد قتل طفلها كان جزاؤها هو محنة ابنتها الشديدة. شردت قليلاً. لو كانت حنين بينهم لكانت أقنعت والدها بإنقاذ حياة أختها بكل سلاسة. لقد سخر منها القدر شر سخرية.
حكت رأسها كي تفيق من دوامة الأفكار تلك وعاودت النظر إلى ابنتها وحدقت كالبلهاء أثر سكونها وفراغ فاها بعد كلماتها الأخيرة ومقلتيها الثابتتين مع بعضًا من بقايا عبرات البكاء العالقة على أهدابها. حركتها بتوجس وهي تناديها: -بت يا بدر.
لم تجبها بدر وبقيت في يدها سهلة الحراك. لقد انتقلت إلى رحمة الله الواسعة بعيدًا عن زيف الحياة. لم يكن الموت أبدًا عقابًا للميت، بل إنه راحة من أوجاع الحياة. الموت رحيل عن الزيف والخداع، رحيل لعالم أكثر نقاء ورحمة. وإن وصف عقابًا فقد يكون عقابًا لمن حوله فقط. يكفي ألمه الذي يفوق الألم الجسدي وخواء الروح. فكل إنسان فاقد إنسان قد خبأه في روحه وأعماق أعماقه. فلنقل إنه موعظة أكثر من كونه أذى. اهتاجت سناء بعد تيقنها من
موت ابنتها بصراخ هستيري: -بــــــــــتــــــــــــــــــــى! *** في منزل القناوي، كانت السعادة تملأ وجه زين أثر جلوس حبيبته في مقربة منه. دخل إليه ياسين متهللاً وهتف بسعادة بالغة: -أخيرًا جوزتك المنحوسة دي. هتم أنا كنت فقدت الأمل. نهض زين باتجاهه واتسعت عينه في فضول متسائلاً: -عملت إيه مع أبوها؟ جلس ياسين بارتياح على الأريكة العربية وأسند ظهره وهتف: -آه، سؤالين. من خلال خبرتي المهنية عرفت إنه عايز مقابل.
لوى زين فمه وهدر بضيق: -أخص. استرسل ياسين: -عرفت إنه كان متجوز واحدة وسرقته واختفت. سارع زين بضيق: -أخلص، عايز أنام. ابتسم ياسين ومازحه بالقول: -ساومته أجيبله الست دي وهو يصطفل معاها. ابتسم زين واتجه للفراش واستلقى عليه وهتف دون أن تغادر البسمة شفتيه: -اطفي النور بقى ونام. نهض ياسين من مكانه وهدر: -لا خلاص كده خلصت حاجتي. أنا راجع شغلي وكمان عشان ألاقي معلومات عن الست دي. لما يقولوا يا جواز ابعت لي.
ودع صديقه على أمل اللقاء. *** على الجانب الآخر، اغتسلت فرحة وأزالت كل أحزانها وأوجاعها وكذلك مخاوفها في تلك المياه الباردة. وقفت أمام المرآة تحدق في وجهها الذي أوشكت على نسيانه. جال بخيالها كثير من الأفكار المفرجة. ارتسم في مخيلتها أن ذلك البشكير الأبيض هو فستان زفافها وأن يدها الخاوية يتعلق بها زين. وراحت تتغنج أمام المرآة حتى فتحت أمها باب الغرفة فتوترت وسارعت في إخراج ملابسها. جلست أمها على طرف الفراش وهتفت بتعجب
وهي تضع يدها في حجرها: -والله ما أنا عارفة إيه اللي بيحصل ده واشمعنى أنتِ. تجاهلت فرحة سؤالها ورمقتها بنظرات متوجسة وهي تخرج ملابسها في حذر من إفساد مزاجها. استرسلت زينات في الحديث دون الالتفات إلى ابنتها: -ابن عمك طلقك وكان عايز يدفنك بالحياة. طب الجوازة دي كمان هتم ولا لا؟ سكتت قليلاً وضيق عينيها في تساؤل وهي تلتف برأسها نحو ابنتها: -بت يا فرحة، سألتيه إذا كان حصل بينكم حاجة ولا لأ؟ ارتدت فرحة جلبابها
الفضفاض وهدرت بتوتر: -وأنا هسأله إزاي يعني؟ نفخت زينات في ضيق: -استغفر الله العظيم يا رب. يا بنتِ، إحنا كده ما اخترناش حد. أنتِ طلعتي من نقرة عزام عشان تقعي في دحيرة الظابط. ياترى يا هل ترى إيه مخبيلنا الأيام تاني يا ست فرحة. اندثرت فرحة في غطائها وعلى وجهها ابتسامة رقيقة وتمتمت بخفوت: -كل خير إن شاء الله. *** في فيلا عاصم الأسيوطي،
كانت حنين استيقظت على صوت الشجار الحاد الذي ملا الأرجاء ووقفت على أعتاب غرفتها تدور بعينيها في توتر لعلها تجد السبب. لمحت اندفاع إياد نحو غرفة رودي ويعتلي وجهه علامات الغضب. *** اقتحم إياد غرفة رودي دون سابق إنذار. وجدها تضع يدها على رأسها وتبدأ في الإفاقة من إغمائها. صرخ في وجهها بعنف راميًا بكل الآداب المتعارف عليها عرض الحائط: -يا سافلة يا منحلة يا زبالة! بتجوزي عرفي يا رودي من ورانا؟
طب أصدق إنك تخبي عن معاذ، عن ماما، عن بابا، عن الدنيا كلها إلا أنا تخبي عليا أنا؟ كان الضيق والغضب يملؤنها لدرجة أنه حطم كل شيء حوله باندفاع وغضب: -عاملة نفسك مسافرة لمعاذ وبتضحكي علينا؟ كانت فريال تستمع لإياد وتئن في بكاء وحسرة. حاصرت رودي يديها حول وجنتيها وهتفت بصوت بكاء: -والله ما حصل ده. كذاب، أقسم بالله كذاب. معاذ كان في رحلة وأنا قعدت لوحدي. صرخ بها في اهتياج:
-أنتِ لسه قايلالي تحت إن معاذ كان هناك وبيسلم عليا. انحدرت في البكاء من جديد وهتفت بتوسل: -أقسم بالله دا كداب والحاجات دي ما أعرف جابها منين. ما حصلش حاجة ولا شفت وشه. كانت رودي الرقيقة لا تتحمل غضب أخيها عليها بهذه الطريقة ولا ضيقه. هي دائمًا تحب الهدوء وتفزع من الصوت العالي والصراخ. اقترب منها إياد وأمسك رأسها بغل واضح وهدر: -لما كنتِ عايزة تتجوزيه ما جيتيش قولتيلي ليه؟ خوفتي عشان هو ابن خليل؟ شهدي نرفضه؟
طيب قولي لنا بدل ما تحطي راسنا في التراب. هم برفع يده ليلطمها، ولكن أمسكت حنين يده فقد ظهرت من العدم. كانت تقف على أعتاب الغرفة وتشاهد اهتياج إياد. التفت وجهه ليرى أين علقت يده ليجدها حنين. اتسعت عينه وهتف بضيق: -حنين، لو سمحتي اطلعي بره. قفزت رودي من أعلى فراشها وهرولت خلف ظهر حنين تحتمي بها في توجس من غضب أخيها. تساءلت حنين بتعجب: -حصل إيه لكل دا؟
اهتاج إياد بضيق وحاول جذب رودي دون المساس بحنين حتى لا تتأذى، ولكن شكلت حنين حائطًا بيدها حتى تمنع وصول يده إليها وهدر بصوت واضح: -إياد، التفاهم مش بشكل ده. أيًا كانت المشكلة. صرخ فيها بتعصب: -تفاهم إيه؟ الهانم الرخيصة اتجوزت عرفي. أي تفاهم بعد كده. هنا نطقت فريال ما كانت تريد أبدًا، تعريتهم بالكامل أمام تلك الغريبة عنهم وهدرت بضيق: -إياد، كفاية كده. روح لأبوك. صك أسنانه بشكل عنيف وصرخ فيهم:
-ماشي يا رودي. أقسم بالله من انهاردة لا أنتِ أختي ولا أعرفك. وخلي مازن ينفعك. دار على عقبيه تاركًا رودي تكتم شهقاتها بفزع وتهدر بهستيريا وهي تلطم وجهها بعنف: -ما عملش حاجة. أقسم بالله ما اتجوزته. والله ما شفته هناك. احتضنتها حنين وربت على كتفها بحنو بالغ، بينما خرجت فريال للخارج حتى ترى مجرى الأمور بالأسفل. *** في غرفة زين. دخل وهدان غرفته بحرج. وقف فوق رأسه فاستيقظ زين سريعًا واعتدل في نومته. هتف وهدان بحرج:
-معلش يا ولدي، كنت عايزك في كلمتين أكده. مسح زين من وجهه آثار النوم الذي لم ينعم به: -اتفضل، أنا تحت أمرك. زفر وهدان أنفاسه المتحيرة وجاهد النطق وهو يحرك يده أعلى فمه وذقنه. كان زين يتتبع حركاته باهتمام وكأنه يقرأ أفكاره. أخيرًا هتف: -بص يا ولدي، أنت عارف إننا صعيدة والشرف عندنا أغلى من الأرض والدم،،،،. أنا جاي أسألك وأتمنى إنك ما تكذبش عليا. بتنا بختم ربنا ولا لأ؟
أطلق زين العنان لمرور الهواء الذي احتبسه في رئتيه وهو يخمن الأمر. وهدر بثقة لا يشوبها أي تزييف: -أنت شايفني إيه؟ حرامي؟ نصاب؟ معدوم الأخلاق؟ أنا ظابط اتربيت إني أحمي مش أغتصب. حرك وهدان رأسه بضيق وكان الإجابة لم تشفِ صدره: -إني ماجولتش عليك حاجة. إني بجول راجل وواحدة غايبين، أدلهم مدة والشيطان ما جدرش عليهم. أومأ زين وهو يسحب ياقة التي شيرت الخاص به في حركة دائرية بضيق ملجم:
-امم. أنت عايز الحقيقة الكاملة. بنت أخوك لو كانت لو ظهرت قدامي لابسة إيه ولا مش لابسة خالص، عمري ما هبصلها أطلاقًا. أنا مدرب على الحاجات دي وأعرف كويس. اتحكم في نفسي. فتأكد وارتاح إن ما حصلش بينا أي حاجة لا في وعيها ولا غير وعيها. لاح على وجه وهدان الابتسام وحرك رأسه في إعجاب وابتسم ابتسامة راضية تمامًا عن الصدق النابع من عينيه. *** في منزل البدري، كانت سناء في حالة سيئة تهذي تمام الهذيان وتهدر دون وعي:
-أنا السبب. قتلت ابنها وربنا انتقملك يا حنين. خد بتي اللي دفعت عنها. منك لله يا عبد المجيد، منك لله أنت السبب.
حاولن النساء من حولها تهدئتها ولكنهم فشلوا تمامًا، بينما اهتم النصف الآخر بتكفين بدر. كان عبد المجيد يقف على باب منزله جامد التعبير. لا تذرف عينه الدموع. كانت عينه صلبة. يقف بتخشب يدير أمر الفراشة أمام منزله لا يشعر بأي من تأنيب الضمير. فقد قليلاً من الحزن. شارد الذهن وكأنه يغيب في عالم خيالي. ليقاطعه شروده زهير وهو يحتضنه بحزن ويهتف: -البقاء لله يا خوي.
لم يبادله الاحتضان لسماعه عويل سناء المتزايد وأمعن السمع ليستمع إلى نحيبها باسم حنين. ابتعد زهير عنه عند ملاحظة تخشبه وهتف وهو يتفرس ملامحه بدهشة: -مالك يا أخوي؟ الموت علينا حج. أو عواك تكون زعلان مني أنت. أولاه عبد المجيد ظهره وتوارى عن ناظره لداخل. اقترب عبد المجيد من صالة منزله الواسعة وبدأ يقترب صوت نواح سناء حتى استمع جيدًا لحديثها المتحسر:
-أنا السبب. قتلت ابنها وربنا انتقملك يا حنين. خد بتي اللي حلتني. منك لله يا عبد المجيد، منك لله أنت السبب. اتسعت عينيه بشر واتجه نحوها بجنون وصرخ بها: -يا بت الكلاب! سقطي البت! وانهال عليها بعصاه الأبنوسية. وحاولن كل النساء إبعاده عنها ولكنه كان يدفعهم ويزيدها ضربًا. بينما هي تصرخ تحت يده بالألم يصاحبه ندم وبكاء. فكان لا يوجعها الضرب بقدر وجع قلبها الذي فقد عزيزه. *** في فيلا الأسيوطي. هدر عاصم بضيق لمازن:
-يا ابني اصبر. نعمل فرح قدام الناس كلها. مش معقول هننام ونصبح نقول للناس إنها اتجوزت. حك مازن طرف ذقنه بمكر وأجابه وهو ساخط: -ماشي. نستنى عشان بس تعرف كرم أخلاقي يا عمي. كانت فريال تقف على أعتاب السلم تلطم وجنتيها في حزن بالغ عن زواج ابنتها الوحيدة بهذا الشكل: -اتفضحنا خلاص. بنتي أنا تتجوز مازن. منك لله يا رودي على دي عملة. *** في غرفة إياد وحنين.
انتقلت حنين إلى غرفتها بعدما تركت رودي تخلد إلى النوم، لعلها تخفف التوتر الذي لحق بها. دخلت غرفتها لتجد زوجها يتمدد أعلى الفراش بملابسه أو يتصنع النوم. خلعت عنه حجابها ومالت بجذعها لتخلع عنه حذاءه بهدوء وتدخل قدمه التي خارج الفراش. التفت من الجهة الأخرى واقتربت منه وهي تتألم أضعافه. دست يدها أسفل عنقه وبيدها الأخرى جذبته إلى أحضانها بهدوء.
لم يمانع إياد بل استجاب على الفور وكأنه كان في احتياج إلى هذا الحضن من كل العالم في مثل هذا الوقت. حركت يدها الناعمة على فروة رأسه بحنو وكأنه طفلها الصغير. اندثر أكثر في أحضانها وبقيت عيناه مغمضتين لعله يهرب من مشكلته بدفء ذلك الحضن. زفرت هي أنفاسها على مهل في حزن جلٍ أعلى قسماتها على حالته. فهي لا تعرف ماذا تفعل أكثر من ذلك حتى تنسيه مرارة حلقه وتغير مزاجه السيء وتخفف عنه. شعرت بالعجز وتساقطت دموعها رغما عنها. وصارت تشهق بشكل مكتوم على حالته. فهي تخشى عليه من القهر، فهي تعرف قهر الرجال.
رفع وجهه في سرعة وحدق بها في فزع وسألها وهو يقلب عينيه في وجهها: -أنتِ بتعيطي ليه؟ كفت دموعها سريعًا وأجابته بحزن: -مش عارفة أخرجك من اللي أنت فيه. أغلق عينيه بهدوء ودثر نفسه في أحضانه من جديد وهتف بهدوء: -صدقيني أنتِ أكتر من اللي أنا محتاجه. ربنا يديمك نعمة في حياتي.
احتضنته بقوة وعادت تربت على كتفه كطفل صغير كانت تتمناه. بينما هو ظل ساكنًا هادئًا في أحضانها الدافئة التي ابتعد عنها أيام وليالٍ وبدأ يستشعر شيئًا فشيئًا الاستكانة والهدوء. *** في منزل القناوي.
جلس وهدان مع أخيه أمين في جلسة مغلقة ونحوا فتح الله بعيدًا عنهم لعدم رجاحة عقله وتفكيره المادي البحت. وضع رؤسهم في رؤس بعض لإنهاء كل المشاكل التي قلبت ميزان حياتهم وأتعبتهم وذهبت بالنوم بعيدًا عن أعينهم. وصلا لنقطة معينة وابتسم معا ابتسامة راضية إلى ما توصلا إليه وهتف أمين: -على قولك ما فيش حل غير كده. بادله وهدان ابتسامة راضية وهتف أيضًا برضاء: -على بركة الله. أنا طالع وأنت كمان قوم ريح.
انفض المجلس واتجه وهدان نحو غرفة ابنه وفتح الباب دون سابق إنذار ليجد زوجته تجلس إلى جواره تمضض جراحه بينما هو يطرق رأسه في ضيق. هدر وهدان بعنف: -صابحة! اطلعِ بره. لم تكف صابحة بدحجة بنظرات غاضبة بل زادت بتعصب: -جرى إيه يا وهدان؟ هو إني غريبة عنيكوا ولا إيه؟ صاح بها وهدان بضيق: -جولتلِك اطلعِ يبجا تطلعي. قذفت ما بيدها وهمت بالخروج وهي تدق الأرض بقدمها من تحتها بغل.
أغلق الباب من خلفها ودار في الغرفة بخطوات هادئة أمام أعين ابنه وهو يرمقه بنظرات غاضبة: -ابني إني زينة شباب الصعيد اللي الكل بيعمل حساب لكلمته يستجوى على حرمه. تحير عزام أين يضع وجهه من والده وهتف بتوتر: -ااا نى كنت عايز أغسل عاري يا أبوي. صاح به وهدان مندداً بما فعل: -عار إيه؟ أنت كنت دخلت عليها، كنت قطعت الشك باليقين،،،، مالك بيها؟
جولنا تجوز بت عمك على جولة أبوها ستروها. عاجبتني لما جولتي إني يا أبوي فرحت بيك إنك كده كلمتك. وعلى جولك عتربيها وتوعيها على عويدنا وطالع عمك جايل كده من راسه والبت بندرية ومتعلمة وما عايزاش تتجوز في بلدنا ولا تاخد على عويدنا. خلاص نجوزها غصب. ندفنها بالحيا يا أما تتجوزك. هتف عزام بتبرم: -يا بوي أنت ما خبرش حاجة. تشنجت عضلات وجه وهدان وهدر بتعصب: -ما تجوليش ما خابرش. اللي في راسك دا مش حجيجِك. أنت ما تعشقهاش.
(بتعشقهاش) اتسعت عين عزام بصدمة من استشفاف والده أمر عشقها. استرسل والده وهو يقترب منه:
-ما عشجتهاش يا ولدي. دا الكبر والغل اللي زرعته أمك في جلبك إنك عظيم وكبير وما حدش يجولك لأ. وأمر تطاع هو اللي جربك منها. جات هي وجالت لأ. الغل ملا قلبك من ناحيتها قبل العشق. عمي عينك وركبت دماغك وحلفت تكسر مناخيرها. حيلك يا ولدي. البت تبجا من دمك ولحمك. تجعد هنا زي اختك تصونها. ما تمدش يدك عليها. العشج يا ولدي حاجة تانية خالص. فيه الجلب (القلب) بيسبق العجل (العقل)
. اليد دي،،،، ورفع يده ليفهمه،،،، ما بتعتمدش إلا للطبطبة مش للأذية. لو حبتها ما كنتش تطيق تشوف دمعة من عينيها. بدى عزام مقتنعًا بحديث والده الهادئ وحرك رأسه في استجابة. ربت وهدان على كتف ابنه وهتف بنبرة حانية: -هترجع ولدي بتاع زمان ولا هتفضل ولد أمك اللي مليان غل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!