كان الليل قد مضى على فيلا عاصم بالسواد والضيق فقد تم الاتفاق على زوج رودي في أقرب فرصة لضمان سكوت مازن والتستر على تلك الفضيحة. بينما كانت حنين استقبلت خبر وفاة أختها بدر بحزن شديد والذي أبلغها به عمها برهان. نبذت رودي في غرفتها من قبل الجميع، كلما صرحت بهم أنها لم تتزوجه كذبوها وأصبحت كالنكرة، فصمتت أخيرًا ووفقت تنتظر قضاءها. ******************************************************************** في منزل القناوي.
رحل فتح الله سريعًا إلى مصر عندما أخبره ياسين بمكان زوجته عواطف، فسافر مسرعًا كعادته لا يهتم لأمور ابنته وزوجته. وبقي أمين ووهدان يجلسان في وسط المنزل برضاء تام وسط همهمات زوجتهما صابحة وهنيئة الجانبية. نزل عليهم عزام يرتدي جلبابًا بنيًا زاده هيبة وتحرك في ثقة نحوهما. تعجبت صابحة من حالة ابنها التي تغيرت مائة وثمانون درجة بعد جلسة أبيه المطولة. هتف عزام بصوت عالٍ: -السلام عليكم. أجابه الجميع:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. استرسل عزام قائلًا: -إني رايح مشوار فتكم بعافية. لوت صابحة فمها وتساءلت بصوت عالٍ: -رايح فين؟ لم يجبها فقد تجاوز الباب الخارجي. فهتف وهدان مبتسمًا: -سيبه لحاله. علا صوت يد تصفق وصوت خشن يهتف من جانب الباب الخارجي: -ياساتر. التف وهدان وجه باتجاه الصوت وهتف: -يحيى اتفضل.
نهضت صابحة وهنيئة إلى الداخل بينما تقدم يحيى الدمنهوري باتجاههم، وأولاه أمين وهدان اهتمامًا فهو نادرًا ما يأتي إلى هنا. هتف أمين مرحبًا: -يا هلا يا أهلًا. جلس يحيى على استحياء ثم هدر بتوتر: -إني هدخل في الموضوع على طول، بجى يا حاج وهدان أنت خابر زين إني رجل عايش وحداني من بعد ما مرتي ماتت وولدي أها كمان اتجوز وبجي مشغول في المستشفى وبيته وأنا بجيت محتاج حد يونسني وأتسند عليه لما أتعب. حرك وهدان رأسه:
-حجك يا واد عمي، لو عايز عروسة نشوفلك من الصبح. هتف يحيى بحرج: -الصراحة إني كنت جايلك بصفتك كبير البلد، جايلك تتوسط لي عند منصور عزوز عشان أتقدم لزينات أم فرحة. اتسعت عين أمين ووهدان في دهشة وهتف معا: -كيف الكلام دا؟ استكمل يحيى موضحًا: -إني مانش لسه صغير عشان أتزوج صبية صغيرة، خصوصًا إني عايزها للونس، وإني عرفت من مدة إن أم فرحة اتطلقت. وتوزعت نظراتهم المتوجسة بينهم وبين بعض وساد الصمت لدقائق. ثم حك
وهدان طرف فمه بشرود وهتف: -سيبنا شوية يا يحيى وهنبجا نرد عليك. ************************************************************* في منزل البدري. انتهاء العزاء بفقدان سناء عقلها وأصبحت كالمجانين تمشي في الطرقات تهذي بالذنب الذي اقترفته في حق المسكينة حنين، وكيف رد إليها كجزاء من جنس العمل ونالت عقابًا موجعًا عن خطيئتها ونواياها السيئة التي كادت الحاقها بها.
ودفعت ثمنًا منصفًا عن تدبيرها التي استعملت عقلها في الشر، وفي إيقاع فداء لابنتها عوضًا من استخدام حيلتها في تغيير قراره. وهامت تهدر بجنون: -جتلت والدها وجتلت بتي بت جوزي، كات سبب في جتل بتي بتي الصغيرة اللي أبوها كان عايزها تجوز زهير، وأنا شورت عليه بحنين، جات حنين شالت بتي، آه يا بتي. لقد هدرت الحقيقة الكاملة ودناءة مخططها. ******************************************************************** في فيلا عاصم الأسيوطي.
جلست حنين مع رودي وحاولت استكشاف الأمر وبعد أن طرحت عليها الأسئلة عن ماهيته مازن شهدي. شرحت لها رودي أنه ذلك الشاب الذي لطمته بالقلم وذيع عنه الفيديو الذي رأيته. فهتفت حنين وهي تضع يدها أعلى فمها بصدمة: -يا خبر، يبقى بينتقم منك؟ بس إيه وصله صورك وهدومك؟ أهاجت رودي ووضعت يدها أعلى رأسها وهدرت وهي تبكي: -مش عارفة، مش عارفة. ربتت حنين على يدها لتهدئها وهتفت بهدوء: -ما تقلقيش، أنا هكلم إياد. ثم همت بالنهوض واسترسلت:
-أنا هنزل أدور عليه تحت وأشرحله كل حاجة. نظرت رودي إليها نظرة امتنان وهتفت بصوت باكي: -أنا مش هنسى أبدًا وقفتك جنبي وسماعك ليا وقت رفض الكل إنه يسمعني، بجد شكرًا ليكي. ابتسمت حنين وبنبرة حانية قالت: -انتي أختي يا رودي وأنا هعمل ما بوسعي عشان أطلعك من الوقعة دي. ابتسمت له رودي وهتفت بشكر لها: -بجد thank you. ابتسمت حنين لها ابتسامة هادئة ثم استدارت باتجاه خارج الغرفة. نزلت الدرج بهدوء وهي تبحث عن إياد بعينيها.
ما رأت سوى ظهر عاصم يستند إلى الأريكة بإنهاك وتعب يحاول الوصول إلى كوب الماء الذي بجانبه، ولكن لم يقدر، أرخى جسده واستسلم لتعب. تابعت حنين الأمر وحاولت تجاهله إلا أن روحها الطيبة جعلتها تقدم إليه وتتناوله كوب الماء. فتح عاصم عينيه المغمضتين ووزع نظره بين تلك اليد الممدودة بكوب المياه وبين وجه حنين ذو الملامح العادية.
جحظت عينه بغل وقبل أن يهتف بقسوة جال في مخيلته أنها الوحيدة التي تستطيع الإجابة عن كل أسئلته دون أن تتعبه مثلما يفعل إياد. هدر بعنف: -إنتي حكايتك إيه؟ إنتي اتجوزتي ابني حب ولا طمع؟ ابني ليه متمسك بيكي؟ ليه إنتي بالذات؟ كاد صوته العنيف أن يربكها ولكنها حافظت على هدوئها وهتفت بقوة وتماسك غير معهود، وكأنها تستند إلى ظهر قوي يدفئها ويقويها، وهتفت دون أن يرف لها جفن:
-أنا ما أحبش حد يكلمني بالطريقة دي، وإذا كان على قعدة فضفضة للأسف أنت مش الشخص المناسب. وضعت كوب الماء كما كان على الطاولة واستدارت. تركت عاصم يتخبط من تلك الفتاة، تارة تبدو ضعيفة وتارة قوية وصلبة وشديدة. هتف باللين: -ممكن تقعدي معايا؟ توقفت وعقلها يتأرجح بين الرفض والقبول، ولكن أخيرًا استجابت لعل تنهي البرود الذي يحاوط إياد نحو بيه. جلست بهدوء بينما هو هتف بتوجس: -إنتي اتجوزتي إياد إزاي؟
ابتلعت ريقها ووجدتها فكرة مناسبة لإيضاح كل الأمور ونفي كل الاتهامات نحو زوجها طمعًا. هتفت بهدوء: -إياد قابلني في شغلي في المطبعة وعرفني بنفسه أنه بيشتغل سواق عربية في شركة، وبعدها بفترة حاول يتقرب مني وأنا صديته، جه واتقدم لجوز خالتي اللي بكل وضوح كان عايز يتخلص مني لأن إني بقيت عبء عليهم. رمت إليه الحقيقة الكاملة دون تردد أو خجل، فقد أصبحت أقوى من التهرب من ماضيها. قررت المواجهة مهما كان الثمن.
كان ذلك الكلام غريب تمامًا على مسامع عاصم، إذا كان يظن أنها هي من لعبت عليه حتى توقعه في شباكها. فأدرك الآن أنه العكس، لقد حاق بها بمكر سوء لعب لعبة قذر في نيلها، لذا كان مصراً على تنفيذ تلك الزيجة سرًا دون إعلام أحد. هدر بصوت تصحبه الدهشة: -طيب ليه؟ ليه كل واحد كان بينام في أوضة لوحده؟ لمعت عينيها حول ذكراها الأولى عن زفافها وهتفت غير مبالية بأي شيء: -كنت عايزة أطلق عشان خدعني.
شعر عاصم بالخجل من أفكاره التي اتضح عكسها، ومن تلك البريئة التي حملوها فوق قدرها بأثم الظنون. نهضت حنين بعد أن وجدت أنه وجد الإجابة الكافية عن كل أسئلته، ولكنه استوقفها ثانيًا متسائلاً بحيرة: -وأبوكي ليه سابك تعيشي عند خالتك وهو مقدر؟ هدرت من فوق كتفها: -أبويا رماني، أنا ما عدش ليا حد في الدنيا دي كلها إلا إياد.
سكت عاصم ومال برأسه إلى يده في إنهاك واضح من كثرة الضغط، لقد صعقته حنين بالحقيقة الكاملة وأظهرته أمام نفسه سيئ للغاية. فالتعامل بسوء الظن يؤذي للغاية. ******************************************************************** في منزل القناوي. دخل عزام المنزل وبيده رجل يرتدي عمة وجلباب يبدو أنه مأذون شرعي. ابتسم وهدان أثر دخول ابنه الذي ينتظره وتذكر ما تبقى من حديثه إلى ولده. -جول إيه يا ولدي؟ ضغط عزام على رأسه
بحرج تام من والده وهتف: -أنت خلفت راجل يا أباه وهيفضل راجل. ابتسم وهدان وتلى عليه آيات الكتاب الحكيم ببسمة: -سورة فصلت. (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) استسلم عزام لإرادة والده واسترسل والده بهدوء وهو يربت على فخذيه. -بكرة تجيب المأذون يكتب كتاب بت عمك ويطلع على بت الشرشيري يكتب كتابك أنت كمان. بادله عزام والده الابتسام وتقدم وهو يصيح بصوت جهور: -اتفضل يا شيخنا. تقدم المأذون وهتف: -مبارك، ربي يجعل داركم كلها أفراح. مال وهدان إلى أخيه وهمس إليه:
-جوم هات الضيف من الجنينة. بينما صعد عزام للأعلى باتجاه غرفة فرحة وتبعه والده بابتسامة رضا. على نفس الجانب كانت فرحة ترتدي عباءتها السوداء بجوار والدتها النائمة. سمعت طرقات الباب فاتجهت في سرعة لتفتحه حتى لا توقظ أمها النائمة. وما إن رأت جثة عزام تتوسط الباب حتى تراجعت في خوف. مال عزام رأسه ولم يرفع عينه باتجاهها، لقد أصبح الآن أبرد من تشعله نيران الغل من جديد. هتف بهدوء:
-صحي مرات عمي واتجهزي، المأذون تحت جاي يكتب كتابك على الظابط. كادت تجن من كلماته، فآخر من كان يسعدها هو عزام، فما رأت منه سوى الرهبة والخوف والكره. ما هي المعجزة التي حدثت حتى يأتي إليها بذلك الخبر السعيد؟ سألته وهي تفتح فاها: -أنت بتكلم جد؟ رفع عينه بقدر الذي يسمح له برؤية سعادة عينيها وهتف وهو يزفر أنفاسه: -المأذون تحت وإني اللي هشهد على العقد بنفسي. أنهى كلماته بمزحة خفيفة كي يعتذر عن ما بدر منه فيما سبق.
-أخلصي لي بدل ما نرجع في كلامنا. لوحت بيدها في وجهه كطفلة صغيرة وهدرت بسعادة بالغة: -لالالالا أنا هنزل على طول. هرولت نحو أمها في سرعة، بينما هو ابتسم وغادر على الفور. حركت أمها في سرعة، ما كادت تسع الدنيا حجم سعادتها وهتفت: -ماما ماما قومي يا ماما، بتك هينكتب كتابها، إيه قولي عقد حياتها، قولي فرحة قلبها، قولي يا سعدك يا هناكي، خدي اللي قلبك عشقوه. نهضت زينات وهي ترمقها بتعجب وسألتها: -في إيه؟ اتجننتي ولا إيه؟
حركت فرحة رأسها وقفزت إلى أعلى الفراش بسعادة: -أيوه اتجننت، اتجننت خالص، هتجوز زين يا ماما، زين هيتجوزني. وقفت تتمايل في سعادة لا تتسع لها. هسمع كلامه وتحت أمره في اللي يقوله عليه. وبأي شكل هريحه لو حتى هيطلب أيه. بعد النهاردة ما حدش غيره ليه عليا كلام. وإن حد شافنا مش هيقول تلت التلاتة كام. أنا همشي أيديا في إيده ومش هخاف وأخبي. وهقول الناس بحالها دا اللي اختاره قلبي.
قهقهت زينات عاليًا من جنان ابنتها، ربما على سعادتها، يبدو أن ذلك الساحر قد خطفها عقلها قبل قلبها. ************************************************************** في فيلا الأسيوطي. خرجت حنين لتبحث في الحديقة على إياد، تقدمت بسرعة ودارت بعينيها في المكان. لاحظها إياد وتابعها بابتسامة خفيفة عن تلك الشمس التي ظهرت بين عينيه تلوح له بغطاء رأسها الأبيض الذي يتطاير بفعل الهواء.
لاح في عقله فكرة شريرة وحك فروة كلبه الذي يجلس في أحضانه، ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يميل إلى ركس وأشار إليه على حنين. انطلق الكلب باتجاه حنين مصدرًا نباحًا عاليًا أفزع حنين وركضت بعشوائية في الحديقة وهي تصرخ: -يا أختي. اااااه اياد بينما قهقه إياد عاليا من طفولتها وانطلق نحوها من حيث لا تراه. واقترب منها وهي تركض واحتضنها من الخلف. دفنت وجهها بين كفيها. ظل ركس يدور حولهم وينبح بصوت عالٍ. داعب إياد وجنتيها بأنفه
وهمس بأذنيها برقة متناهية: -ما تخافيش. كادت أن تخور قواها وسط قربه الوشيك وصوته الناعم. أزاحت أصابعها واحدة تلو الأخرى وهتفت بتوتر: -خلّيه يمشي. قهقه عاليا وهتف ممازحا: -أبداً دا أنا حبيته زيادة هههههههههه. أغمضت عينيها حتى لا ترى هيئته التي تفزعها وهدرت بطفولة: -ارجــــــــووووك. أدارها إلى وجهه وأمسك يدها وعلق نظره بعينيها اللامعة بينما هي ذابت عشقاً في رمادية عينيه الجذابة وتناست كل شيء قد يفسد تحليقها في الفضاء.
ابتسم ابتسامة عذبة وبنبرة هادئة هتف: -مش هسمح من النهاردة إن أي حاجة تخوفك. ممكن تسبّيلي نفسك. حركت رأسها كأنها تحلم. أمسك كفيها وداعب أصابعها حتى زال تشنجها. وبسطت يدها. أشار إلى ركس الذي اقترب وأشار له بالجلوس فاستجاب. مد يد حنين وهو ممسك بها نحو رأس ركس وحركها ذهاباً وإياباً بحركة ناعمة جعلتها تغمض عينيها بقوة. جثى إياد على ركبته وجذبها لتجلس أعلى ركبته. فتحت عينيها شيئاً فشئاً.
لتجد ركس سكن تماماً وبدأ بالسكون كأنه ألفها. حركت يدها على فروه الكثيف وبدأت لا تخشاه. ابتسمت لنجاح الأمر بينما كان إياد يتابع عضلات وجهها بشغف جلي وبعشق تام. التفتت إليه لتخبره عن سعادتها بتلك التجربة. -معقول. لتشرد في نظرات عينيه الشغوفة وشروده. هدر دون مقدمات: -انتي قلبي وروحي وانتي عيني انتي كل حياتي انتي اللي معاه بنسي كل حاجة. أنا مش بحبك ولا بعشقك أنا اتعديت كل الحدود.
عبير كلماته الصادقة ونطقه للكلمات بهذا الصدق الذي يقفز في عينيه. جعلها تهدر هي أيضاً بسعادة: -ربنا يخليك لقلبي. أنا أجمل صدفة في حياتي يوم ما عرفتك. أنا مش عايزة أي حاجة من الدنيا غيرك. انت سعادة جاتني ما كنتش عمري أحلم بيه. حدق لشفتيها ملياً قبل أن يلثمها برقة وهدوء تجعله يغيب عن كل العالم ككل مرة. لتدفعه هي في خجل وهي تتلفت في ريبة: -إياد عيب. حرك رأسه بتذمر وهتف: -عيب ليه؟ ما إحنا كنا ماشيين حلو. زاغ بصرها
وهدرت من بين أسنانها: -إحنا في الجنينة. ابتسم واقترب من وجهها ومال بجبينه إلى جبينها وهتف في مكر: -يعني لو ما كناش في الجنينة كان هيحصل إيه؟ نهضت من أعلى ركبته وأمسكت يده في تودد: -طيب ممكن نتكلم في موضوع مهم بقي. حرك رأسه بضيق: -انتي ليه بتفصليني. رفعت حاجبيها ولوت فمها ببراءة مغرية فانفرجت شفتيه وهتف بسعادة: -عيوني. اطلبي واتمنى. ابتسمت له وهتفت بحنان: -تسلملي عيونك. في منزل القناوي.
نزلت فرحة وأمها وسط تجمع أهل المنزل على كتب الكتاب المفاجئ للجميع. جلسوا الجميع في فسيح المنزل كانت قلوب العشاق تتراقص وهم يجلسون في مواجهة بعضهم البعض. في بداية الأمر أمر وهدان الجميع بقراءة الفاتحة حتى تيسر لهم الأمور ويتم الزواج بصورة سليمة. ويبارك للعرسين في حياتهم. رفع زين وفرحة يديهما بقرب من فمهما كما فعل الجميع.
وتلوا الفاتحة بأعين متعلقة ببعض لمعت أعينهما بسعادة جلية. تحركت شفاههما المرتسمة بالبسمة بقراءة الفاتحة حرفاً حرفاً معاً وكأنها تقرأ بقلوبهما لا بشفاههما. من بعد مد زين يده نحو عمها وهدان ليصافحه ووضع المأذون منديلاً أبيض ويده فوقه. وبدأ يتلو الكلمات المشهورة في إتمام الزواج وزين يردد من ورائه.
كانت فرحة تقرع الطبول بداخلها تشعر بأنها نست كل معاناتها فقد كان كل شيء بترتيب إلهي وأجمل ما حدث لها انقشع كل الظلام في حياتها. علقت سوداوية عينيها بشفاه التي نطق طلبها بالاسم من عمها وكأنها تحلم. ودت أن يتلاشى الجميع وتنطلق نحوه وتحضنه. مالت. أمها إلى كتفها بأعين دامعة وهمست لها بسعادة: -مبروك يا بنتي. همست. احتضنت أمها في سعادة وكأنها نبهتها أن دقت ساعة الفراق. -يا حبيبتي يا ماما.
قد انتهت المراسم وعلا صوت الزغاريد في كل الأرجاء خاصة من قبل صابحة التي كانت في قمة سعادتها برحيل تلك المزعجة عن ولدها. فرحة إلى أمها في جنون: -أروح أحضنه دلوقتي. وكزتها أمها بابتسامة من وسط دموعها وهتفت وهي تحبس ضحكاتها: -اتلمي يا بت. عمامك قاعدين. بكرة يا أختي ابقي احضنيه براحتك. صاح وهدان بسعادة بالغة: -مبروك يا أم فرحة. مبروك يا فرحة يا بنتي. أجابته في سعادة: -الله يباركلك يا حاج وعقبال ولدك.
وجه نظره لزينات وكأنه قفز إلى ذهنه شيء معين وهتف: -أم فرحة كنت عايزك في موضوع أكيد. تعالي معايا في المندرة. حركت رأسها في استجابة بينما هو هما واقفاً وهتف في الجميع: -جهزوا نفسكم عشان نروح نكتب كتاب عزام على زهرة بت الشرشيري كمان شوية. هنا صرخت صابحة وهي تلطم صدرها: -يالـــــــــــهوتى. رمقها وهدان بنظرات نارية جعلتها تقفز من مكانها الذي أصابته الكهرباء وهرولت إلى الأعلى.
لم يتسع لها الوقت للفرح من خلاصها من فرحة وتلاحقت الأحداث عليها. تبعتها هنية وأخرج أمين وعزام المأذون لينتظر في العربة قدوم أبيه وهدان. وخلا المكان إلا من فرحة وزين. شعرت فرحة بالخجل المفاجئ وهو يحدق إليها لاستمتاعه بخجلها. ثم هتف وهو يبتسم: -مستنية إيه يلا. رفعت وجهها الذي كانت تنكسه بالأرض وكأنها تتأمل السجادة الأعجمية. وقضت وجهها بعدم فهم: -يلا إيه؟ اتسعت ابتسامته وهتف بمكر وهو ضيق عينيه بغمزة شقية:
-مش كنتي عايزة تحضنيني؟ رفعت يدها سريعاً نحو فمها كي تكتم شهقاتها الفجائية. بينما هو استرسل: -قريت شفايفك وانتي بتسألي أمك على فكرة ومستغرب أوي من كسوفك دلوقتي. يا بنتي دا انتي تربيتي أنا عارف جنانك دا ممكن يوديكِ في داهية وبحبك عشان جنانك دا هههههههه. أوعي تبطليه. كانت حقاً في خجل تام لا تدري أين تتوارى منه. فبعد أن أصبحت زوجته سارت لا تدري ماذا تفعل معه.
فقد اعتادت صده ولكمه عند محاولات اقترابه أو نظره وأيضاً كانت تتمنى أن تعيش معه لحظات سعيدة. وتسمع أكثر كلمة اشتاقها قلبها إليه من بين شفتيه (بحبك) تلك النبتة التي ستنبت وتترعرع في قلبها إلى أبد الأبدين. نهض هو من مكانه أثر سكونها وانتقل إلى جوارها هتف متصنعاً الجدية: -قوليلى بقى عملتي إيه في العبد لله جبته على ملا وشّه من إيطاليا لمصر. ابتسمت لطفته وكذلك أسلوبه الجدي في المغازلة وأجابته بضحكة لم تنكرها:
-انت اتعلمت الرومانسية فين؟ اتسعت شفتاه بابتسامة تبدو نواجذه: -أوبا. انتي بتريقي. دا الموضوع دا عايز له قعدة. رفعت قدمها وهي تبتسم وهتفت: -وماله. نقعد. استدار لها وتأملها قليلاً ثم هدر بجدية: -عملتي فيا حتة عاملة يا فرحة. هكدرك فيها أقسم بالله. أومأت برأسها بسخرية: -اممم. ما أنا عارفة. رفع حاجبيه بتعجب وابتسم: -عارفة؟ وسكتّه؟ وتعالت ضحكاتهما معاً. على الجانب الآخر. كان وهدان كشف الأمر تماماً أمام زينات.
ووقف ينتظر إجابتها حول موافقته بالزواج من يحيى أم لا. هتف معللاً: -أوعك تكوني مفكرة إني بجول أكده عشان ما عايزكيش. تعيشي وسطنا. حجك محفوظ وانتي على العين والراس. لكن أنا جولت أجولك انتي صاحبة الشأن. كانت زينات في خجل ابنة السابعة عشر. ظلت تفرك أصابعها في توتر وتحير فهي لا تدري. بما هو أنسب لها. وأن كان يحيى هو الذي تربع على عرش قلبها من قبل زواجها.
ولكن فتح الله وتعذيبه لها طول كل هذه السنوات قد فقدها كل معاني الحب ونست أن كان حتى قلبها ينبض. أجابته أخيراً: -أنا هجوز بنتي اللي حلتي وهتروح تعيش مع جوزها ومش هيبقى. لها معنى قعادي وسطكم خاصة بعد طلاقي من فتح الله. حرك وهدان رأسه من إشارتها غير الواضحة بالقبول وهتف: -خلاص. الخيرة فيما اختارها الله. إني هروح أتمم كتب كتاب ولدي وأعاود بالماذون أهنه. مع يحي تكوني انتي كمان اتكلمتي مع بتك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!