الفصل 51 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
21
كلمة
2,741
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

داخل غرفة أياد، دار حوار محتدم بينه وبين حنين حول موضوع رودي. صرخ أياد في وجهها بضيق: –حنين مالكيش دخل في الموضوع دا لو سمحتي. أمسكت بيده بحنان وحاولت إقناعه: –انت ليه مش عايز تصدق إن هو بينتقم منها يا أياد، افهم حكم عقلك شويه. صرخ بها بتعصب: –قولتلك مالكيش دعوة، مش كل الستات مش طيبة زيك. عرفت حنين جيدًا أن ما يؤلمه هو تكرار الخيانة وأن صورة خداع لينا تتكرر وتؤلمه. هتفت بصوت هادئ:

–أختك مش هي لينا على فكرة، انت كده خلطت الأمور ببعضها. جحظت عينا أياد واظلمت بشكل مخيف، ونظر نحوها وهو يقبض يده بضيق. زمجر بتعصب: –حنــــــــــين! قولتلك ما تتعديش حدودك، اسمعي الكلام وما تجبيش سيرة الحشرة لينا دي تاني. عضت حنين شفتيها وهي تراه في تلك الحالة الغاضبة، أغمضت عينيها حتى لا تحزن، ومررت يدها على كتفه لتهدئ من روعه. هتفت بحنان: –أياد حبيبي اهدى شوية عشان تعرف تفكر، دي أختك. صرخ دون تعقل أو هدوء:

–أختي تيجي تشتكي لي ما تكذبش عليّ. عادت بصوت هادئ لتهدئ ثورته: –افهمها، اتكلم معاها بلا عصبية، ما تخلينيش أقولك إننا كمان اتجوزنا بطريقة غلط وانت كانت نيتك ليا شر وفي الآخر اهو إحنا بنحب بعض، اتكلم وياها وافهمها. كان أياد يستمع إليها وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا بغضب وعنف. أزاح يدها المتعلقة بكتفه، وأطبق عليها بقسوة فتشنجت قسماتها من الألم. هدر بعنف لم تعتده: –إيه دخل دا في دا؟

انتي بتخلطي الأوراق ببعض، عايزة تقولي إن دا عقاب ربنا في أختي؟ رفعت يدها الأخرى نحو فمها وحاولت التبرير: –ما أقصدش… قاطعها وهو يكز على أسنانه بغضب: –ما تفتحيش بوقك دا تاني وما تتكلميش في الموضوع دا تاني، فاهمه؟ دفعها بقسوة إلى الأرض. تأوهت وهي تبكي في سكون وتعتصر يدها المتألمة.

كانت تلمع عينا أياد بضيق وغضب. لا يدري لماذا أزعجته فكرة أنه كان ينوي بها شرًا، وأنه فقد السيطرة عند تذكيره بذكراه الأليمة. اعتصر رأسه بكلتا يديه. اقتحمت رودي غرفة أخيها دون إذن، فقد كانت تستمع لشجارهم الحاد، والتي تعلم أنها سببه. ضيق أياد عينيه بغل وهدر معنفًا إياها. بينما هي لم تلاحظ حجم غضبه، وزعرت عيناها من وجود حنين على الأرض. –انتي إزاي تدخلي أوضتي بالشكل دا؟ أنتي قلة التربية وصلت بيكي لحد كدا.

لمعت عينا رودي بحزن وهي تشاهد أخيها الحبيب يعنفها وينبذها عن حياته. هتفت بصوت حزين: –أنا آسفة يا أياد، أنا قلقت على حنين لما صوتك عالي، عامتة خلاص… ووجهت نظرتها لحنين –ما تفتحيش الموضوع دا تاني أنا خلاص راضية بنصيبي وكلها يومين ونمشي. عاودت النظر إلى إياد وبنبرة لائمه حدثته: –أنا حقيقي آسفة آسفة إني ماليش ضهر يحميني آسفه بجد. كز على أسنانه وأغمض عينيه: –لو سمحتي اطلعِ برة مش عايز أشوفك.

تحركت ببطء والتفتت نحو الخارج. نهضت حنين لتتبعها، فقد كانت تشعر بحجم ألمها، فهي تعرف معنى الظهر الخالي وغياب السند. تركت إياد وحيدًا لألمه، والذي انتشله منها رنين هاتفه، والذي كان عماد صديقه. استجاب في سرعة ولم ينتظر حتى يستمع لما يريد: –عماد عايزك في موضوع مهم. أجابه عماد بتهكم واضح: –يا ابني أنا المتصل، أنا اللي عايزك، طيب اسأل عليا. نفخ في ضيق وهدر متاففًا دون الالتفات لأي كلام فارغ:

–اسمع، ونفذ بسرعة، عايزك تشوفلي مازن شهدى سافر على طيارة لأوروبا الشهر اللي فات ولا لأ. في منزل القناوي، كان زين وفرحة ما زالوا يشاكسون بعضهم بعض. هتف زين في وسط الكلام: –نتكلم جد بقي مع إن كل اللي كنا بنقوله جد برضه. ابتسمت له وهي تبعث إشارات العشق الحالمة بالأمس كانت تتمناه والآن صار حقيقة: –ماشي. كان زين لا يقاوم تلك الأعين اللامعة وهتف مشاكسا:

–طيب إزاي أكمل وإنتي بتجرجريني بعينيكي الحلوين دول للرذيلة وأنا الصراحة بحبها. عضت شفتها بحرج ونكست رأسها للأسفل وتوردت وجنتيها من فرط الخجل. بينما ضيق عينيه وتسأل بجدية بالغة: –إنتي إيه جيناتك الوراثية اللي مطلعة منك التركيبة دي؟ أفزعتها جديته واتسعت عينيها التي انغمست في الأرض. رفعت عينيها إليه وقبضت حاجبيها بتساؤل. بينما هو استخف بنظراتها واسترسل بشيء من الجدية:

–أيوه أنا عايز أعرف، من حقي أعرف، من حقي أبقى داخل على نور. إنتي إيه بجد البنت اللي استنجدت بيا عشان ما رجعلهاش لأولاد عمها؟ ولا البنت اللي عاشت معايا بميت راجل وماسكة عليا كمان ذلة وكسرة عيني؟ ولا البنت اللي كانت بتكرهني لما طلعتها من التربة؟ ولا البنت اللي قدامي الكيوت الحلوة اللي عيونها مكسوفة؟ يعني سبحان الله مالين عشق ومكسوفة؟ إيه الكميكل دي؟ إنتي أكيد أربعة مضروبين في خلاط.

كانت قسماتها تتشنج مما يهدر وبدت غاضبة للغاية من لعبه المستمر على أعصابها. وهمت لتعتصر عنقه بضيق، بينما هو قهقه عالياً وهو يحاول دفعها: –عيب، هتفرجي علينا الصعيد وربنا، عيب يا فرحة، طيب اصبري لما نبقى في بيتنا، صلي على النبي. بينما هي كانت تحاول فعليًا الوصول لعنقه، فهي لا تتحمل مزاحه بهذا الشكل، والحقيقة أنه هو من دفعها إلى ذلك ويعرف كيف يستفزها.

أخيرًا اعتقل يديها ودفعها بعيدة عنه وهو يرمقها بنظرات نارية كي تهدأ لرؤيته أمها قادمة. هتفت هي بسخرية: –يا سلام، هزار جديد دا؟ مش هسكت وربنا ما في حد هيرحمك من إيدي النهاردة. دفن وجهه في كفيه ليكمم ضحكاته المكتومة، بينما أوقفتها أمها هاتفة بصرامة: –بت يا فرحة. تسمرت مكانها وجحظت عينيها وهمست بخفوت: –ما تقوليش. اقتربت منهم زينات ووكزت فرحة ودفعتها نحو الكرسي. ومالت إليه وهي تعنفها: –مش هتعقلي بقى.

تنحنح زين بحرج ورفع حاجبيه لفرحة التي لم تسكت وأشارت بيدها أسفل ذقنها بتوعد. هتف زين وهو لا يعير انتباهًا لتلك الصغيرة التي تستفزه: –إن شاء الله ننزل مصر بكرة نختار الشبكة والفستان وكل حاجة. ثم تردد قبل أن يقول، ااحم بس في حاجة، إحنا مش هنعمل فرح كبير ولا حاجة، يعني هنروح بيتنا على طول. أجابته زينات بدون أي ضيق: –والله يا ابني دي حاجة تخصكم، خلينا في اللي يخصنا، أهلك فين؟ عض شفتيه بحسرة وتغيرت نبرته إلى حزن:

–للأسف والدي مات ووالدتي كمان، كان ليا أخ كمان وتوفى. عضت زينات شفتيها أيضًا هي الأخرى وأجابت مع فرحة في أسف: –الله يرحمهم، البركة فيك. أكملت زينات حديثها: –أنا مش عايزة منك حاجة، الشبكة والفستان والشقة، كل دول ليك وفوقه بنتي. ممكن طلب للي عطتك حتة من قلبها. حرك رأسه في سرعة: –اؤمريني. لمعت عينيها بحزن: –تخلي بالك عليها، أمانة عليك. وانفجرت في البكاء. نهضت فرحة لتحضنها، تحضنها هي الأخرى وبكى معًا. هتف زين مطمئنًا:

–ما تقلقيش خالص، دي في عنيا، حتى أنا عامل حسابي تيجي تعيشي معانا. دفعت زينات ابنتها بهدوء وهدرت ممازحة: –إنتي ما صدقتي، ما كفاكيش عياط بقي. والتفت لزين لتسترسل حديثها الجاد: –إنت ما عدتش غريب، الحقيقة أنا هتجوز. مالت فرحة إلى وجهها لتتأكد أنها لا تمزح كي تضحكها. في منزل الشرشيري، علا صوت الزغاريد في المكان وبدأت الخادمات في توزيع الشربات وعلا صوت التهنئة فيما بينهم. بسعادة هتف وهدان بسعادة:

–ربنا يتمم بخير، إني خابر يا شرشيري إنك جدها وكدود، إحنا عايزين الفرح اليمين الجيين دول وما تكلفش نفسك، عروستنا بقت واحدة منا، وهنجبلها كل اللي نفسها فيه، عايزين نفرح. أجابه الشرشيري بفخر: –بعون الله، لو عايزة الصبح إني جاهز وما اعترضش، ناقصة خيط في إبرة. استرسل وهدان بنبرة حانية: –ولدي هياخدها من الفرح على الأقصر يغيروا جو. ثم أكمل بمزاح: –أهي التجليعة الجديدة دي اللي اسمها شهر العسل.

ابتسم الشرشيري لاطمئنانه على سعادة ابنته وهدر فرحًا: –عال عال. هم وهدان وأمين بالقيام مع باقي الشباب: –نسيب العرايس يجعدوا مع بعضيهم شوية، نستأذن إحنا. نهض الشرشيري وأمسك بهم وهدر هو الآخر بانفعال: –والله ما يحصل، تعالوا نقعد في المندرة التانية ونسيبهم. ابتسم وهدان من ترحابه هتف: –مرة تانية، إحنا كمان عندنا فرح تاني وعايزين نروح مع المأذون. نظر عزام إلى ولده في تعجب، فحرك له والده رأسه وأشار بعينيه أن يصبر.

شرع عزام بالقيام: –إني هاجي معاك يا أبوي، يمكن تحتاجني. أمسك كتفه ولده وجلسه عنوة: –لأ، اجعد أنت مع عروستك انبسط.

تأفف عزام في نفسه، فهو كان يريد الهروب، على الرغم من أن زهرة تشبه الزهرة المتفتحة ذات الأعين الواسعة السوداء والفم المكتنز والأنف الطويل المنحوت ذات بشرة خمرية رائعة وشعرها المغطى بالحجاب تتمرد منه خصلة سوداء ناعمة، ولكن طبعها الحاد ودحجها له بنظرات ساخطة بين الحين والآخر والرعب وجعله يشعر أنه مقبل على ما هو أسوأ، متعجرفة قوية ذات كبرياء جامح، صلبة كالصخر، كم أنه لم ينسى تطاولها عليه من قبل، كيف سيألفها وقد رأى أنها سليطة اللسان.

مالت هنية إلى كتف صابحة تهمس لها بضيق: –هي مالها معصعصة كدا ليه؟ تشنج وجه صابحة وهدرت بضيق: –سبيني، أنا ما طايقاش نفسي. ناد وهدان عاليًا: –يلا يا أم عزام. نهضت باتجاه زهرة لتصافحها وعلى وجهها علامات التأزم. بينما زهرة لم تلقِ لها بالًا ودحجتها بكبرياء وتعالٍ وتحدٍ، فهي ليست لقمة سائغة كي تضايقها تلك الشمطاء. هدرت صابحة بغل واضح: –أنا هستناكي في داري على نار. ابتسمت ابتسامة صفراء وأجابته وهي تتصنع أنها تحضنها:

–مش جدي يا حماتي. ضيقت عينيها إليها ودفعتها وهي تشعر حيالها بالسوء. رحل الجميع وبقي عزام وزهرة. جلس فتح الله وسط بركة من الدماء أمام جثة عواطف بعدما تشاجر جعلته يدفعها بقوة لتسقط على إحدى قمم الطاولة. لم يستوعب أن انتهاء المشاحنة سريعًا حتى أنه لم يدرك كيف حدث الأمر. تصنم من فرط الصدمة ووقف بلا حراك. دخلت إحدى جاراتها والتي صرخت بفزع حتى تجمع سكان العمارة على أثر صوتها. في منزل القناوي، نهض زين وهو يهدر:

–طيب أنا واضح إني وشي حلو عليكم، أسيبكم عشان أكلم ياسين. يجهز البيت اللي في القاهرة وعشان نتمم الفرح آخر الأسبوع محتاجين حاجة. أجابته زينات بسعادة: –الله يسعدك يا ولدي، لأ خلي بالك على نفسك. تنحنحت فرحة أثر تعلق بصره بعينيها وهتف برقة: –مش عايزة حاجة. حركت رأسها نافية وهي تنظر لعينيه الذي كان أملها رؤيتهم. ظل يشاكسها بعينيه وكأنه يطاردها في مكان ضيق.

التف ليمشي وهو ينتزع عينيه عنها. استدار بكل جسده بينما بقيت عينيه متعلقة به. هتفت هي برجاء لتستوقفه: –زين. التف إليها في اهتمام وتسأل بجدية: –عايزة حاجة؟ حركت رأسها لتجيبه: –عايزة أعزم بنت خالتي وصاحبتي حنين. وضعت زينات يدها أعلى رأسها وهي تلوم نفسها: –يوووه، دا إحنا نسيناها خالص، حتى ما نعرفش هي هنا ولا مشيت من آخر مرة، لا حس ولا خبر. هتف زين ببساطة:

–سهلة سهلة، أدوني العنوان وأنا هبلغها، لو عايزين تروحوا ما فيش مشكلة. حكت فرحة أسفل ذقنها بتساؤل: –طيب إحنا ما نعرفش بيتها في القاهرة حتى، ولا مرة روحنالها غير في الشقة. نظرت إليه وكأن قفزت إليها فكرة وهتفت: –ممكن أنت تسأل على جوزها وتعزمه بنفسك، هتبقى حركة حلوة وتخليها تيجي تقعد هنا في بيت عمي يومين. عقد حاجبيه في تساؤل: –طيب اسم جوزها إيه؟ أجابته فرحة في سرعة: –إياد. وأكملت زينات: –الأسيوطي، اسمه إياد الأسيوطي.

تسائل هو من جديد: –أيوه إياد إيه الأسيوطي؟ أجابته زينات: –ما نعرفش. رفع حاجبيه بدهشة وهدر بسخرية: –إنتي متأكدة إنها بنت خالتك وصاحبتك؟ زاغ بصر فرحة وأمها وسكتا. استرسل هو: –إنتي مش عارفة اسمه بالكامل ولا العنوان وعايزاني أعزمه إزاي؟ قالولك عني إيه؟ ساحر. ابتسمت فرحة وحركت رأسها بشقاوة: –مخابرات بقي وكدا. ابتسم لها وهتف: –دا ولا الجن الأزرق يعرف يلاقيه، عمومًا هحاول أوصل لها، سلام. لوحت له فرحة بهيام ومالت إلى

كتف أمها لتوكزها هي بضيق: –ما تحترمي نفسك يا بت. قهقت هي عاليا: –حاضر حاضر. في فيلا الأسيوطي، كانت تقف في الشرفة الزجاجية تتابعه وهو يغدو المسبح ذهابًا وإيابًا وكأنه لا يتسع السباحة في ذلك المكان المنغلق، يدور ويدور ولا يتوقف. بدت علامات الحزن أعلى وجهها، فهي لا تعرف أن تقنعه كما أنها أيضًا لا تعرف أن تخفف عنه ألمه. لتناديها رودي من ورائها: –حنين. التفت إليها وهتفت باهتمام: –نعم. أجابتها رودي بتوتر:

–بما إن الكل قاطعوني حتى وما حدش مصدقني غيرك، فلازم نتواصل مع بعض من وراهم عشان أطمن عليهم، لازم تعرفي كويس في الإنترنت. حركت حنين رأسها في إياب وهي ترتسم بسمة هادئة: –إن شاء الله كل حاجة تتصلح قريب. لوت فهمها بسخرية، فهي أيضًا لم تكن تظن أنهم يسلموها إلى هذا الغبي بتلك السرعة. التفتت حنين لترى حبيبها المجروح الذي لم تخمد نيرانه كل هذا الوقت. لتجده يقفز من جديد إلى قاع المسبح. وقفت تتابعه بشرود حتى تأخر الوقت.

وطال واختفى جسده داخل الماء. اتسعت عينيها وهي تبحث عنه برعب وفزع واندفعت نحو الأسفل دون سابق إنذار. ظل يركض قلبها أمامها من فرط القلق. لا تدري أين ومتى وصلت إلى حافة المسبح وقفزت به دون وعي لفوبيتها الخاصة بالمياه. صرخت عاليًا وهي تهبط وتعلو في غير انتظام لأنفاسها اللاهثة. وبرغم من حالتها السيئة نادته بصوت متقطع: –إي…ا…د. صعد إلى جوارها وحاط خصرها بهدوء وجذبها إلى أحضانه كي تهدأ. همس بخفوت بصوت مطمئن:

–ما تخافيش، أنا جنبك، اهدى. شعرت بالسكون في أحضانه، إلا أنها ما زلت تريد الخروج من هنا بأي شكل. هتفت وهي تتعلق برقبته: –خرجني من هنا، أرجوك بسرعة. انتشلها من المياه وخرج من المسبح حاملًا. وضعها على أقرب كرسي والتقط المنشفة. وبدأ في تجفيفها وتسائل دون أن ينظر لها: –ليه نطيتي في المياه؟ عضت شفتها وهدرت بصوت متقطع: –أنا لما لقيتك غطست وما طلعتش قلقت. استكمل عمله دون النظر لها وهتف: –كنتِ بتراقبيني؟ هنا سكتت تمامًا

ليستكمل هو بابتسامة: –طيب ما أنا عارف. حدقت إليه بتساؤل ليجيبها: –قلبي قالي قال لي إنك واقفة بترقبيني. همت بالنهوض من جواره، فهو من أغضبها منذ قليل. أمسك يدها وهتف بهدوء: –خلينا نتخانق، نتعصب، نعمل أي حاجة غير إننا نبعد عن بعض، مهما حصل إحنا مربوطين ببعض، قلوبنا متبادلة مع بعض، لو اتفرقنا وكل واحد راح آخر الأرض، رجلينا هتودينا لبعض. نجح إياد في جعلها تبتسم دون أن تلاحظ:

–أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة إني مش قادرة أطلعك من اللي أنت فيه. أجابها في سرعة: –سبق وقلت لك إن حضنك كفاية. ابتلعت ريقها وهي تتساءل، أي حضن يتسع كل هذا الحنان. وقف زين بسعادة وهو يحادث صديقه في فناء الحديقة الجانبية. –جهز الشقة وظبطها، مش عايز غلطة، أرجوك أنا سايب ورايا ضهر جامد. أجابه ياسين مبتسمًا: –ماشي يا سيدي، هتتلم أخيرًا وتتجوز. ابتسم زين لمزاجه وهدر: –هو أنا كنت متبعثر عليك ولا إيه؟ قهقه ياسين عاليا:

–لا بس ما فيش حد كان يصدق إن الصقر زين عز الدين يقع كدا على وشه من غير ما حد يسمي عليه. أومأ زين بفمه بسخط: –اممممم، هتحفل عليا بقي؟ هو يعني كان حصل إيه؟ بتجوز عادي زي البشر الطبيعيين. أجابه ياسين في سرعة: –زين مش عادي قوي يعني، يعني أكشن على ضرب نار على سحل على شوية ضرب من الخواجة، أه صحيح، إنت لازم تطمن على مستقبلك بدل ما تفضحنا يوم الفرح. قهقه الصديقين معًا. وعاد زين لجديته:

–اوعى تنسى حاجة في الشقة يا ياسين وكل حاجة تتعمل بسرعة عشان أما أنزل القاهرة بكرة ولا بعده أجيب الشبكة والفستان، أعدي أبص عليها. هتف ياسين معترضًا: –وإنت إيه يجيبك ويوديك، خليك عندك وأنا أخلص لك كل حاجة وأجي على الفرح. أجابه زين: –طيب مهي لازم تنقي الحاجات دي بنفسها يا ابني، مش معقول هفرض عليها ذوقك. أجابه ياسين: –ماهو في نت يا ذكي، ابعت لك الصور وخليها تنقي، في محلات بتعمل عروض وفيديوهات لشغلها تجيلك اتفرجوا ونقوا.

في فيلا الأسيوطي… جلس عاصم وفريال في حالة من الصدمة من كم المشكلات التي طرأت في حياتهم. هتفت فريال في شرود: –يعني إحنا ظلمنا البنت أكتر ما أبوها ظلمها. أومأ عاصم برأسه، فهو لم يستطع حتى الكلام بعدما ألقى الحقيقة الكاملة حول حنين. استرسلت هي: –ياه، إزاي كدا؟ إزاي أب يرمي بنته وإزاي ما يحسش بيها كل دا؟ وابنك كمان ولعب عليها بالطريقة القذرة دي، اهو بيشرب دلوقتي من نفس الكاس. رفع عاصم يده يوقفها عن الحديث وهدر بتعصب:

–مش عايز أسمع عنها حاجة، أنا ماليش بنات، بنتي ماتت من وقت ما حطيت راسي في الطين وعلت الواطي، خليل شهدى عليا، خليها تمشي من هنا في أسرع وقت، خليني أرتاح. أمسكت فريال كتفه وحاولت تهدئته: –عاصم مهما كان دي بنتنا بردوا… قاطعها بتعصب: –قلت ماليش بنات. في منزل الشرشيري، كان الصمت هو الجليس الثالث لزهرة وعزام. لم تكف زهرة عن دحجها بالنظرات الساخطة ولا يكف هو عن التأفف. هدرت هي بتهكم واضح: –ولما الجو حر أكدة جاعد ليه؟

اتسعت عين عزام بغضب وأجابها بضيق وتعصب: –جرى إيه يا مخبول أنتِ، بتطرُديني ولا إيه؟ لوت فمها وأكملت بنفس نبرة التهكم: –جاعد تنفخ تنفخ زي الوبور وخاشمك ما فتحتوش. فرك عزام فمه بعصبية وكور قبضته في محاولة لكبح زمام نيران غضبه المشتعل وهدر معنفًا إياها: –ما تستعجليش أياماك السودا معايا وما تجليش أدبك تاني، ودا لمصلحتك. لم تبالِ به، فهي زهرة التي يعرفها الكل سليطة لسان والمتهورة دون حدود. –أيام مين اللي هتبقى سودا؟

نهضت من مكانها وهي تعتصر بقبضتها يد الكرسي. وخطت باتجاهه بضيق مالت بجذعها إليه وحاصرته في كرسيه بيديها. وحدقت مباشرة إلى عينيه وهدرت من بين أسنانها: –إني اللي هسود عيشتك كلها، هخليك تدوق العلقم على يدي. كان تقلص وجهها وفمها الذي يقطر سمًا ينقبض وينبسط بغل جعلت عيني عزام حائرة.

من تلك المعتوهة التي تتحدى زوجها بهذا العدوان. تابعها ببرود وأخفى شبح ابتسامته من محاصراتها واقترابها إلى هذا الحد لدرجة تدلي خصلة من شعرها على وجهه. تناول خصلتها بطرف إصبعه وهتف ببرود لإغاظتها أنها لم تنجح في تعكير صفوه وأن تهديدها ذهب سدى ولم تؤثر به مطلقًا: –شكلنا هندخل في سباق مين ينكد على التاني أكتر… رفع حاجبيه مؤكدًا… –وما عتجدريش بردك تضايقيني يا بت الشرشيري، إني عزام الجناوي اللي الليل يخافه.

لطمت يده الممسكة بخصلاتها وابتعدت وهي تحذره: –عشوف يا والد الجناوية، الليل اللي عيخافك دا ما عيجيش نقطة في السواد اللي عتوريهولك زهرة. اختفت من أمامه سريعًا، بينما هو نهض مسرعًا باتجاه الباب وهو ينفخ. من تلك العداوة الفظة التي أصدرتها بلا داعي. رآه الشرشيري وهو يهرول باتجاه الباب يبدو على وجهه العبوس. تيقن تمامًا من أن ابنته هي السبب، فأسـرع بندائه: –عزام، عزام، عزام يا ولدي.

أخيرًا انتبه إليه عزام وذهب باتجاه. ابتسم له الشرشيري وأشار له بالجلوس. فرفض عزام قائلًا: –لأ يا عمي، إني مستعجل، عايز أروح. اغتصب الشرشيري ابتسامة على وجهه ونهض هو ليقف بوجهه ويهتف بتوتر: –إني خابر إن مضايج وخابر كمان السبب، زهرة بتي نفرية وطبعها جامد وإني جلعتها (دلعتها) كتير… امسك بذراعيه واسترسل برجاء:

"اني متعشم فيك انت تعدل حالها. انت زينة البلد، واني اما فكرت ما لاجتش أنسب منك. ما عجولكش اشتكيلى لما تزعلك. ع جولك ربيها كيف بتك، واني من انهاردة ماليش بنات عندك." حرك عزام رأسه في قبول، وانسحب من بين يديه إلى خارج المنزل. بمجرد خروجه من المنزل، هدر عزام بتعصب وضيق: "يا بوي، هو اني انكتب عليا اربي؟ دا اية العذاب ده؟ يا ربّي، ع اتجوز ولا ع اربي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...