الفصل 52 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
18
كلمة
2,932
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

تغيرت الأجواء وصار الأفراح على الأبواب لكل الأطراف. زواج عزام من زهرة وتوعد الاثنان لبعضهم. وزواج الذين طال فرقهم وعذابهم زين وفرحة وسعادتهم التي لا توصف بظفرهم ببعض أخيرًا وسيتم زواجهم في نفس يوم زواج عزام وزهرة. وبقيت الزيجة البائسة لرودي ومازن والتي لا يعلم عقباها إلا الله. فقد تأكد إياد بالفعل من أن مازن سافر معها على نفس الطائرة. بالطبع لم يفوت ذلك الشيطان ثغرة التذاكر وقطع تذكرة ولم يذهب ذلك الماكر الحقود.

وقد جمع شمل العاشقين بعد أعوام من الفراق. جمع الله بين زينة ويحيى. أخيرًا سيتذوقان شهد الحب بعد معاناة وصبر. وقد وصلت الأخبار سريعًا إلى زين بوضع فتح الله تحت التحقيق لحين إفاقة عواطف ومعرفة حالته الصحية. وقد آثر التستر على الأمر حتى يتمم الزيجة أولاً وفيما بعد يخبرها بشكل لائق. بينما الحياة بين إياد وحنين يشوبها بعض التوتر بسبب زواج رودي العاجل وحالة من الاضطراب جديدة أثرت عليهم. *** في فيلا خليل شهدي.

كانت السعادة حليف خليل في استطاعته إذلال خصمه بتلك الطريقة الدنيئة. وتشتيته عن أمر المناقصة والفوز بها. وقف يتفاخر بابنه الذي يجهز أغراضه لزفافه الليلة. "أما أنت طلعت معلم بصحيح يا مازن. سنين وأنا بحلم باليوم اللي أكل الجو من عاصم الأسيوطي وجت الفرصة أخيرًا على إيد ابني البطل." وربت والده بيديه على كتفيه بسعادة. ارتسم مازن ابتسامة واسعة على ثغره وهتف متفاخرًا: "عشان تبقى تعرف بس إن مازن مش سهل." بادله خليل

الابتسام وتساءل بحيرة: "معلوم مش ابن خليل شهدي. بس ليه تتمم الجوازة؟ كان كفاية اللي أنت عملته." مازن أسفل ذقنه وهدر بغل: "دي بتاعتي أنا بقى. وبعدين أنت مش عايز تتفرج على عاصم النهاردة ومناخيره في الأرض." ابتسم خليل ابتسامة ماكرة ونظر لابنه نظرة إعجاب وتفاخر بأنه نبت الشر بداخله نمت وتوحشت إلى هذا الحد حتى جعلته لا يرى أمامه سوى مصلحته ومات ضميره. *** في غرفة رودي.

كانت تجلس في حزن وشرود تاركة مصففة الشعر والماكير يفعلان بها ما يشاؤه.

تتصرف كالدمية تمثال حجري لا تزرف الدموع فقط قلبها ينزف على تلك الخديعة التي دبرت لها بمهارة حتى أوشكت هي على التصديق. اهتمت فريال بالدعوات وتركت ابنتها تمامًا توجه ما تظن أنها اختارته كذلك. عاصم لم يرى وجهها من يوم الحادث ومازال يرفض رؤيتها. بقيت فقط معها حنين هي التي تؤمن ببراءتها وتشد أزرها وتشعر بمعاناتها جيدًا. وقفت طوال اليوم تساعدها في استكمال زينتها وتحاول إطعامها وتهتم بها. قاطعها رنين الهاتف برسالة من إياد:

"مستنيكي في أوضتنا." فخرجت مسرعة نحو غرفتها وفتحت الباب لتجده يضع على طرف الفراش فستانًا ذو أكمام من اللون الموف الهادئ تتناثر حبات اللؤلؤ على أكتافه بشكل يخطف الأنظار. اقتربت من الفستان لتتفحصه بعين معجبة لتجد إلى جواره أسورة يزينها حبات اللؤلؤ من نفس لون الفستان لتشكل شكل قلب لامع بداخلة حرف غير واضح. دققت في الأسورة لتعرفه ولكن قاطعها هو باحتضان خصرها وجذبه إليها. مال برأسه على كتفها وهمس بصوت يملؤه عشق:

"وحشتيني." ابتسمت وضمت أطراف أصابعه ووضعتهم نحو فمها في حرج وهتفت بصوت خجول: "وأنت كمان." دارها بخفة إلى أحضانه وتعلق بصره بعينيها التي تجذبه إلى عالم آخر من السحر وهتف وهو يضع يده على وجنتيها: "مش عارف إزاي طاوعت نفسي وجبتلك الفستان ده. أنا عارف

إنك حلوة من غير حاجة وبالفستان ده هتبقي أحلى مليون مرة من طاقة أي بشر. ومع ذلك أنا حابب النهاردة أشوفك برنسيسة الحفلة. عايز كل الناس تشاور عليكي وتقول دي مرات إياد الأسيوطي عنوان لشياكة والأناقة. نظر لعمق عينيها لمعرفته أنها تنفر من مباهاته باسمه وحرك رأسه موضحًا: "خليهم يقولوا إياد الأسيوطي وأنا هقولهم أنا العاشق الولهان اللي مالوش حضن في الدنيا بيساع غير حضنك."

ابتسمت له وشردت في سرد كلماته العاشقة التي تنسيها كل ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فقد تغرم بعينيه الصافية التي تشبه الشاطئ الهادئ المريح. اقترب منها أكثر حتى التقطت شفتاها ونسي نفسه مجددًا. تزاحمت الأفكار برأسها وتعرق من فرط خجلها وحاولت دفعه عنها بصعوبة. لتهتف بحرج: "هتأخر على ال... وتوترة أكثر عندما رأيتها تضيق عينها بضيق. عضت شفتها في حرج وسكتت تمامًا. فهدر هو بجدية:

"إحنا كده هننقرض على فكرة وإحنا لسه في أول الطريق. وأنا بحملك المسئولية كاملة." لم تعرف بما تواجه. فهم بالفعل قطعت بينهم كل طرق التواصل منذ أشهر. تسللت من بين يده وركضت نحو الخارج بوجنتين بلون الدماء. إضافة إلى ارتفاع في درجة الحرارة. *** في منزل البدري. أصبح المنزل مهجورًا بعد رحيل بدر وفقدان سناء عقلها التي كانت تتباهى بخطته وذكائه. وصار المشي في الشوارع والتنديد هو مصيرها.

وقف عبد المجيد ينظر إلى منزله الذي أصبح فارغًا تمامًا من معنى الحياة. بقى هو ونيرانه التي تأكله وحقده النامي على حنين. كم عشق أمها أمينة وتمنى رضاها وهي بادلته الحب أطنانًا. ولكنه أتى إلى قلبه ذكرى أليمة غيرت مسار حياتهم وقلبت الميزان. *** آتى ليلاً إلى منزله في غير موعده وإذ به يراها تخرج من منزلها متخفية. سار من ورائها وتعقب خطواتها ليرها تتقابل مع رجل لا يقل عنها تخفيًا.

اتسعت عيناه بدهشة إذ كان آخر ما يتوقعه تلك الصدمة وصار يتخبط. قبض على عصاه الأبنوسية بغلظة وتقلصت عضلات فكه بغل واضح. وهدر بشرود: "لازم ترجعي يا بت أمينة عشان أخلص القديم منك." مازالت لا تنطفئ نيرانه المشتعلة منذ سنوات. نار انتقام لا تخمد أبدًا. *** حل المساء. في منزل الأسيوطي.

وقرعت الطبول وأضاءت الأنوار وبدأ الاحتفال. بالعروس خرجت رودي إلى ساحة الفيلا بذلك الفستان الأبيض الذي انطفأت بهجته في قلبها وأصبح بالنسبة لها كفن حقيقي. وقفت على مقدمة السلم تتابع تلك الأعين التي تنحت عنها بغضب من أمها وأخيها. أما والدها. فقد آثر الهروب إلى القاعة بعيدًا عنها. شعرت رودي بوخز من خذلان أقرب الأقربين لها وعدم الاستماع لها. التقطت أنفاسها بصعوبة وجاهدت منع دموعها من السقوط حتى تستجمع قواها أمام ما هو آت.

ربتت حنين على كتفها لتبثها ولو بقدر بسيط من الاحتواء. تقدمت خطوة خطوة على الدرج لتقف أمام أخيها الذي من المفترض أن يمسك يدها حتى يقودها إلى القاعة. ولكنه تصنم ورجف قلبه نحو هيئتها الحزينة وتردد كثيرًا قبل أن يمسك يدها. وقاطع نظراتهم البعض إلى البعض. رنين الجرس بالباب الداخلي للفيلا. ليظهر عليهم شخص غريب عنهم. حرك إياد رأسه في محاولة تخمين هويته ولكنه لم يستطع. لقد كان لأول مرة يرى فيها ياسين. الذي هتف مازحًا:

"الله أنتم كمان عندكم فرح. أنا كمان جاي أعزمكم على فرح برضو." سأل إياد بجدية: "أنت مين؟ حرك ياسين يده على شعره بحرج من جدية إياد وتنحنح قائلاً: "أنا ياسين صاحب العريس زين الدين الحسيني جوز بنت خالة مدام حنين." انتبهت حنين للحوار واتسعت عينيها بملايين الأسئلة. وقف إياد يستوعب ماذا يريد ومن ذلك العريس؟ إن كانت هاربة من الزواج من ذلك الجديد من أين أتى؟

بينما حدق ياسين في وجوههم جميع وبفراسته المهنية استطاع أن يدرك كم الحزن الملحوظ على وجه تلك العروس البائسة. كما أن السيدة التي تحمل ملامحها وتبدو والدتها تبتعد عنها بمسافة ويظهر على وجهها الحزن. جذبه وجه رودي الحزين وعينيها التي تسبح في شرود وقلق. علق عينيه معها وهتف متسائلاً: "هو أنتم مالكم؟ انتبه إياد للحديث وهدر متعصبًا: "يعني أنت عايز إيه؟ نظر إليه ياسين متذمرًا من إحراجه المستمر وأجابه:

"أنا جاي بدعوة رسمية من العروسة فرحة القناوي والعريس زين الحسيني لمدام حنين. الفرح بعد يومين في الصعيد في بيت عمها وهدان القناوي. تمام كده الأسماء مظبوطة." لم يبتسم أحد لمزحته. لشرودهم المضاعف في ذلك الموقف. ذهبت حنين باتجاهه وهي تشعر بقلق لا يمكن وصفه بعد ذكره حضور الفرح في الصعيد. وكانت تتساءل في نفسها (لما من كل العالم اختارتي الصعيد لتممي تلك الزيجة يا صديقتي) سألته بدهشة: "إزاي؟ فرحة كانت هتجوز عزام ابن عمها."

ابتسم ابتسامة واسعة وهتف مازحًا: "هو. الموضوع كبير والله يا أستاذة فرحة دي مش سهلة إنها توقع سيادة الظابط زين الحسيني. تبقى شخصية خارقة." ابتسمت عينيها للحوار. لقد عرفت أن من عشقته أنها راكضة وخلصها من قبضة عزام الحديدية. حك إياد أسفل فمه بضيق وهدر بشيء من التعصب: "مش هنخلص بقي من الليلة دي؟ رفعت رودي عينيها الحزينة اللائمة إلى أخيها الذي لم يعيرها اهتمام وركض باتجاه ياسين. لقد وتره أيضًا موضوع عودة حنين إلى ذلك

المكان السحيق وهتف بسخط: "متشكرين يا أستاذ زين. إحنا قبلنا الدعوة بس زي ما أنت شايف عندنا فرح احتمال ما نقدرش نيجي." نظرت إليه حنين بتحير وهمت لتحادثه ولكن قاطعه في ذلك ياسين: "اسمي ياسين. زين ده العريس. وبعدين يا أفندم أنتوا عندكم فرح النهاردة والفرح بتاعهم بعد يومين يعني تلحقوا برضو و... قاطعه إياد بضيق: "خلاص يا أفندم." أنا فهمت، ممكن تسيبنا نكمل الفرح بتاعنا، إحنا اتأخرنا. ولا حابب تفضل معانا؟ أجاب ياسين بسرعة:

شكراً يا أفندم على الدعوة، أنا ما عنديش مانع وتقدر تعتمد عليا في أي حاجة. الشرطة في خدمة الشعب. وارتسم على وجهه ابتسامة سمجة. نفخ إياد بضيق واتجه نحو الباب وهو يهدر بصوت عال: يلا... نظرت رودي إلى فراغ أخيها ورفعت يدها كي تناديه، فإن جل ما تحتاجه هو أن تتسند عليه في تلك الليلة. كان ياسين يشعر بوجود شيء غير مفهوم دفعه فضوله لمعرفته، ولذلك قبل دعوة إياد المزيفة للحضور الفرح.

خرجت فريال دون الالتفات إلى ابنتها وكأنها لا تعنيها، بينما حنين لم تخرج بعد من شرودها من تحول إياد. لاحظ ياسين ترنح رودي قليلاً، فاندفع نحوها ليساندها. حاوط خصرها وأمسك يدها، وضيق عينيه وهو يحدق في عينيها الرمادية اللامعة والتي تحمل في طياتها حزناً وقهراً لا آخر له. هتفت رودي بصوت متحشرج: Thank you. ابتسم ابتسامة هادئة: لا شكراً إيه، لسه قايل الشرطة في خدمة الشعب. اقتربت حنين منها وتساءلت بقلق: إنتي كويسة؟

اكتفت رودي بتحريك رأسها لشعورها بالإرهاق. أزاح ياسين يده عنها. وأمسكت حنين يدها وربتت بيدها الأخرى فوق ظهر يدها لتواسيها. بينما ياسين كان يتابع الموقف بسكون، فقد تأكد من غرابة الوضع وأن هناك شيئاً غريباً يحدث. كانت رودي تجر أقدامها جراً نحو الباب والتفتت تعانق الجدران بعينيها وهي تشعر بروحها تتخدر شيئاً فشيئاً. لم يكفيها إسناد حنين وصارت تتسند بيدها الأخرى على كل ما يواجهها.

حقاً هي الآن بائسة تواجه مصيراً سيئاً. شيئاً غريباً جذب ياسين لمساندتها، فسارع بلا وعي. تبطأ ذراعها، وبرغم من دهشتها إلا أنها كانت في أمس الحاجة إلى العطف والاحتواء. تحركت معه نحو الباب الخارجي. ليتسع عين إياد وهو يراها تخرج في يد ذلك المجهول الذي قدم عليهم فجأة. تأفف بغضب ومسح وجهه بضيق، فقد أصبح الوضع أسوأ مما ظن. *** في منزل القناوي.

اجتمع أفراد العائلة لتخطيط للزواج العاجل وإتمام كل الإجراءات اللازمة بسرعة. وفي الأعلى كانت تتزين فرحة بسعادة بالغة، حيث أن اليوم سيهديها زين شبكتها. كان قلبها يقفز بالدقات وهي تتوق لرؤيته بأسرع وقت، فقد اشتاقت إليه. كانت تتابعها أمها بابتسامة ونادتها مازحة: اللي واخد عقلك... اتسعت ابتسامة فرحة وهتفت: هو عقلي بس، ده واخد قلبي وروحي وعيوني. أنا أصلاً مش معاكم، أنا معاه. لطمت زينات يد ابنتها بلطف وهدرت بهدوء:

اتحشمي يا بت. ضحكت فرحة ضحكتها التي تنير الكون وهتفت ممازحة: مش حلالي ولا حرام الواحدة تعاكس جوزها وتحبه؟ رفعت أمها حاجبيها بسخط وهدرت بجدية: طيب براحة على نفسك يا فرحة واعقلي يا حبيبت أمك، بدل ما يرجع في كلامه بعد الجواز ويرجعك تاني. الراجل بيحتاج ست عاقلة تسد معاه وتشيل زيه المسؤولية، تدلعه وما تدلعش وتكون... قاطعت فرحة أمها بأن رفعت يدها في وجهها كعلامة للتوقف.

بس بس بس، هو عايزني زي ما أنا. خلي النصايح دي على جنب عشان بتجيب معايا نتيجة عكسية. زمت أمها شفتيها وحركت رأسها بيأس من جنون ابنتها الذي بدأ بالتزايد من وقت أن كتبت على ذمة زين. وهدرت بجدية: طيب خلصي يا أختي، بيستنونا تحت عشان تلبسي الشبكة. توقفت فرحة عن النقاش وأسرعت في إنهاء كل شيء. في الأسفل.

جلس زين مع أعمامه في انتظار العروس. كان زين في غاية التوتر ينقر بأظافره على تلك العلبة القطيفة التي بيده. أصابه الملل من الانتظار، كما أنه اشتاق لمحبوبته التي تتمنع عن وصاله وتتدلل. دار بعينه في المكان ليشغل تفكيره بأي شيء حتى يتجاهل تأخيرها. وفجأة عاد ببصره مرة أخرى باتجاه السلم، إذ ظهرت ساحرته الصغيرة. اتسعت عيناه فور ظهورها وبدا على ملامحه الإعجاب، إذا أن البهجة التي على وجهها الآن كانت أفضل من كل مساحيق التجميل. نزلت خطوة خطوة إلى جانب أمها وقلبها يخطو أمامها، تود لو يمر الوقت سريعاً ويفرغ العالم إلا منهم حتى تعيش في كنفه العمر كله.

بارك الجميع وعلا صوت الزغاريط في الأرجاء، وجلس العروسان بجوار بعضهما البعض. وبدأ زين في إخراج هديته للعروس وتابع ارتداء الخاتم وهو يعلق بصره بليل عينيها الساحر، بينما هي لم تشعر بأنها تحلم وقد فاق الحلم كل توقعاتها. ظلت تتابع كل عضلة في وجهه بابتسامة بلهاء، بينما هو لم يفوته تتبعها بطرف عينه وجاهد إخفاء شبح ابتسامته بصعوبة. وهمس إليها دون أن يلاحظ أحد: اهدئي شوية، مش كده؟ كله بيبص علينا.

حركت يدها على جبهتها وتحيرت أين تذهب بوجهها من فرط الإحراج. أتم زين الزينة الخاصة بها وقدم لها خاتمه الفضي المستدير حتى تلبسه إياه. لمسته بأطراف أصابعها وحدقت إليه مائلة، إذا كان شكله غريباً ولم تر في حياتها مثله. كان عريضاً ذو خطوط داخلية مزخرفاً وكأنه صنع خصيصاً شيئاً يليق بكونه زين المميز. تقدمت بيدها نحو يده وبدأ التوتر والارتجاف، فاستكمل هو ارتدائه وعلى وجهه ابتسامة تسلية. *** في القاعة الخاصة بالفرح.

استقبل مازن عروسه من يد أخيها وهو ينظر إليه نظرات ماكرة باستعلاء، بينما هي أصابها النفور من قبلته المباغتة أعلى جبينها، وابتعدت عنه حتى تترك مسافة مناسبة بينها وبين ذلك الوغد. وانتقلت معه إلى المجلس الخاص بهما وهي في حالة سيئة للغاية، خاصة بعدما تجاهلها والداها أثناء مرورها للدخول، إضافة إلى أنه تصببت الحمم من عينيه وهو ينظر لها بغضب لا حد له.

لم يمر على ياسين الأمر مرور الكرام وبدأ يتأكد أن تلك الزيجة غير طبيعية بالمرة. انتقل من ورائهم إلى الداخل. هتف في نفسه: لما نشوف الحكاية دي كمان.

جلس على إحدى الطاولات وصار يتابع تلك البائسة التي ترتدي الفستان الأبيض بوجه حزين وأعين منطفئة. لوى فمه وحرك أصابعه على الطاولة بثبات، ثم التقط كوب العصير من أعلى الطاولة وبدأ التنقل بين الطاولات حتى يستشف ما يحاولان إخفاؤه، فقد بات الأمر مسلياً خاصة لشخصيته الفضولية التي تعشق التعقب وكشف الحقائق. لاحظ الغضب المتفاقم على وجه عاصم. والسعادة الماكرة التي على وجه خليل، وبدأ يستنبط الأمور بفراسته، وبقي الإثبات.

كان إياد من وسط غضبه وضيقته يمسح المكان بعينه في تذمر. ثم تبدلت ملامحه القاسية إلى وجه حالم بابتسامة رقيقة حين وقع عينه على تلك الفراشة التي تنتقل بين الطاولات.

في خفة ورشاقة وكأنها ولدت سيدة مجتمع. هي الوحيدة التي تهدئ ثورته وتطفئ غضبه دون أن تدري. هي من تسمح لقلبه بأن يحلق في الفضاء الخارجي حيث يرى كل الكوكب بأسره أصغر من ما يبدو، يرى مشكلاته وهي تتقلص وتختفي وتبقى هي بابتسامتها النادية تبهجه. بدأ تسوقه قدمه نحوها دون شعور. وقفت حنين على رأس إحدى الطاولات. سألتها إحدى الجالسات من أصدقاء فريال: ياترى الكوليه والأسورة دول فالصوا ولا أصلي؟ حركت حنين رأسها بكبرياء جامح:

أعتقد إني ألبس حاجة تقليد في مناسبة زي دي يبقى بتصنع حاجة أنا مش عليها. أنا مرات إياد الأسيوطي مش محتاجة أتصنع أو ألفت الانتباه، مجرد وجودي كافي للفت الأنظار. شهقت السيدات بينما انتبهت فريال معهم، وحدقت لحنين بنظرة غامضة. بينما الباقين لم يكتفوا بذلك ونادتها الأخرى: المفروض إنك تجيبلنا حاجات من البوفيه بما إنك إنتي اللي بتخدمي في الفرح. لم تنزعج أبداً حنين وهتفت بابتسامة مصطنعة:

أولاً أنا مش بخدم في الفرح حضرتك زي ما إنتي شايفة حالة طنط النفسية وتأثرها بفراق بنتها. هنا أعجبت فريال بفراستها ونظرت لها نظرة مختلفة. عشان كده أنا واقفة أرحب بيكي وبغيرك، وده واجبي مش خدمة مني. ثانياً لو حابة حاجة من البوفيه تحت أمرك، إنتي ضيفتنا بردوا. رفعت رأسها عالياً وكأنها تبحث عن شيء ووجدته سريعاً، طرقعت بأصابعها وهي تنادي: متر، تحرك سريعاً نحوها. وهتفت له: شوف الهوانم يطلبوا إيه.

ثم التفتت إليهم وعلى وجهها نفس الابتسامة المزيفة وهدرت بهدوء: شرفتونا يا أفندم. وسرعان ما دارت على عقبيها وبدا على وجهها ذلك الضيق الذي أخفته. اقترب منها إياد وهو يتساءل لم اختفت ابتسامتها وتبدلت قسماتها. وهتف وهو يضيق طرف عينه: مالك؟ حد ضايقك؟ مسحت بظهر يدها على جبينها وزفرت أنفاسها بهدوء وأجابته: لا، أنا كويسة. تمام. ابتسم لها وقد خمن ما قد كان: جمعية هوانم جاردن سيتي ضايقوكي؟

ابتسمت لممزحته، فابتسم لها هو أيضاً وصار يمسح كل شبر في وجهها بعينيه بشوق جارف وبلا حدود، فقد اشتاق كثيراً لها وأصبحت النيران تقضي على ما بقي من روحه. سارع بإمساك يدها وجذبها خلفه وتحرك بها للأمام. اختفيا معاً في إحدى الزوايا خارج القاعة وبعيداً عن الأنظار. أسندها إلى الحائط وأسند يده إلى الحائط حتى يضمن عدم تزحزحه. حدقت إليه بدهشة وتساءلت: في إيه؟ أنا عملت حاجة غلط؟ ضيق عينه وبدا على وجهه الاستمتاع

وابتسم ابتسامة مسلية وهتف: امم، الروج اللي إنتي حاطاه تقيل شوية. قبضت وجهها بقلق وهدرت بسرعة: روج؟ أنا مش حاطة روج. رفع حاجبيه وعض طرف شفته وهتف: اممم كدا، خليني أشوف. نظرت إليه بتحير بينما هو رفع طرف أصابعه وحركها على شفتيها بنعومة. أربك كل حواسها عن عمد وظل يحدق في شفتيها بهيام وجنون. استجمعت قواها إذا بدا هو في حالة من الجنون التي ليس لها حدود وهتفت: شفت. قرص طرف شفتها وهتف وهو يخفي شبح ابتسامته:

لأ، أكيد من النوع الثابت. وضعت يدها في جانبها وهتفت متبرمة: نعم، قولتلك مش حاطة مش مصدق ليه؟ حرك رأسه بخفة وبدا مصراً على أقواله ومال بجبينه إلى جبينها وبدا الاقتراب الوشيك: أفضل إني أتأكد بنفسي. اتسعت عيناها وهي تعانق ملامحه التي اشتاقت لها ضعفه وغابت في سحر حسنه وعينيه. بينما هو هم ليلتقط شفتيها. فعلت شهقاتها وانسحبت من تحت يديه تركض باتجاه القاعة.

وقف يحاول استجماع قواه من كثرة تلذذه بخجلها، وجاهد إخفاء متسع ابتسامته بيده، وتحرك ورائها. وأمسك يدها وتمشى إلى جوارها دون أن يضيف أي شيء، بينما هي دارت بوجهها في المكان من فرط الحرج. وقع عينها على والده الذي كان يقف خارج القاعة بوجه صلب وتخشب تمامًا. أشار إلى إياد أن يأتي إليه، فتحرك نحوه هو وحنين. هتف بنبرة جافة وغامضة: –أعتقد كفاية كدا، انهي كل حاجة عشان نمشي. نفخ إياد بضيق، وأومأ برأسه: –حاضر.

لاحظت حنين تبرمهم الاثنان، وهمت لتبدي رأيها، ولكن أشار لها عاصم وسبقها بالحديث: –شكراً لوقفتك. قالها بنفس النبرة الجافة الغامضة. أمسك إياد يدها وعاد بها نحو القاعة، وتبدلت ملامحه إلى الحزن التام، وتشنجت عضلات وجهه، وبدأ يحرك الكرافته يميناً ويساراً حتى يسمح بمرور الهواء إلى رئتيه. هدرت حنين بابتسامة: –متأكد إن باباك مش روبوت عضوي (إنسان آلي) ابتسم ابتسامة خفيفة وأجابها: –لما بيكون كدا ببقى مش متأكد. ***

في منزل القناوي. بقي فرحة وزين مرة أخرى معًا بمفردهما، كانت فرحة تفرك أصابعها بخجل وسكون. نظر إليها زين وهتف ممازحًا: –هنقعد كدا ساكتين، قومي نتمشى في الجنينة شوية. استجابت ليده الممدودة وتحركت معه باتجاه الجنينة. كانت فرحة تحاول أن تختلق حديثًا، ولكنها لا تدري ما هو، لم ترفع رأسها من الأرض وصارت تختلس النظر إليه بطرف عينيها. وإن كان هو يلاحظ ويبتسم لمع خاتمه الفضي من وسط الظلام.

فتوقفت فجأة وأمسكت يده براحتيها وبدأت تحدق في خاتمه وكأنها تحاول كشف ماهيته. اتسعت ابتسامته وهتف: –عاجبك. رفعت كتفيها بتعجب وأجابته: –غريب. سحب يده ووضعها نصب عينه وهدر بجدية: –هو في حاجة بينا مش غريبة. نبش فيه بطرف ظفره حتى أزاح لاصقة تشبه لونه تمامًا، أزاحها تمامًا تحت أنظارها المتعجبة، فتفرقت الدبلة إلى أربع على إصبعه. اتسعت عينيها بدهشة وهدرت بتساؤل وفمها مفتوح: –إيه دا؟ نظر إلى عمق عينيها وهتف

وهو يقلب يده في وجهها: –انتي الأربعة اللي على ذمتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...