الفصل 54 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
2,713
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

فى منزل برهام ,,, تأهب برهام ووقف بينهم وهو يهدر بتوجس أثر نظراتهم الحادة لبعضهم البعض: _صلو على النبى يا جماعه ظلت نظرات التحدى فيما بين إياد وعبد المجيد متشابه ولكنها محتده غاضبة باختلاف الأسباب. إياد بحنقه البالغ على ذلك الكتلة الصلبة المتحجرة التى أذاقت حبيبته أشد الألم النفسى والمعنوى وأفقدتها جنينها دون شفقة أو رحمة.

بينما كانت نظرات عبد المجيد المتصلبة الحادة التى تحمل غلا ووعيدًا لا آخر له، ذنب ماضٍ لزوجته التى عشقها وقابلت العشق بالخيانة، وابنته التى تشبهها حتى فى طبعها، وكأنها لا تنتمى له أبدًا ولا تمت له بصلة. ودافع شيطانى بداخله للاقتصاص من روحها المتمثلة فى شخص حنين نفسها. هدر عبد المجيد وعيناه تشخص لإياد: _يلا يا بت أمينة جدامى على الدار.

فقد إياد تعقله وأمسك بتلابيبه، حاول برهام الفصل بينهما ووقفت حنين تضع رأسها بين كفيها. وهدر بتعصب معنفًا إياه: _بقولك إيه، أنا حايش نفسي عنك بالعافية وبقول أنت راجل كبير ومهما كان حمايا، لكن شكلك كده لا كبير ولا حتى أبوها. كانت الفاجعة، إذا جحظت عين عبد المجيد، أبعد يده عنه بعنف واتجه نحو حنين وجذبها عنوة باتجاه الباب غير مبالٍ برفضها، فابت التحرك حتى كادت تسقط. صاح بها: _ما تعصلجيش يا بت أمينة.

دفع إياد يده عنها واحتواها بين ذراعيه، فصرخت به بغضب واجم: _لـــــــــــــــيــــــــــه، بتعمل كدا لـــــــــــــــيه؟ أنا بنت أمينة ومش بنت عبد المجيد. ليه بتعمل فيا كدا، لـــــــــــــــــــيــــــــــــــــه؟ نظر إليها عبد المجيد ببريق فى عينه غامض وهدر من بين أسنانه: _مش وجته، هتعرفى كل حاجة فى أوانها. صاحت به من جديد تحت دهشة الجميع من ردوده التى تشير لشيء غامض: _قوالى ليه؟ دعت يد إياد عنها ووقفت بوجهه

وحدها وهتفت بنبرة متحشرجة: _قولى ليه؟ رمتنى ليه؟ عمرك ما سألت فيا، ليه عايز تطلقنى؟ ليه حابب قوى تكسرنى؟ قوالى ليه؟ وأنا مستعدة أمشى معاك، ادينى سبب مقنع. ابتلع ريقه وهتف بمرارة ونصب عينه كل ذكرياته المؤلمة: _أمك هى السبب. سكت قليلاً وبدا على الوجوه الاهتمام. واسترسل بألم وشرود: _أمينة كان معاها الجلب (القلب) ، حبتها أكتر من أي مخلوقة. كنت شايفها أطهر وأنقى مخلوقة في الدنيا.

أمنتُها على كل حاجة، عطيتها مالي وأرضي وحالي، كل حاجة. سبتها تتصرف فيها بس لثقتي فيها. وفي ليلة مغلقة جيت بدري عن ميعادي. لاجتها متخفية وطالعة من الدار لحالها. طلعت وراها واتبعت خطاها لحد ما لاجتها جابلت واحد متخفي بردك. الدنيا كانت ضلمة ما أقدرتش أعرفه. عطتله لفة بيضا وجعت جاره حبه. وبعديها مشيت. رجعت بعديها وسألتها، طلعتى ولا لأ؟ كذبت وجالت لأ. النار جادت (اشتعلت) جوايا وبجيت مش شايف غير خيانتها قدامي. حرقتها

(حرقتها) بالبطيء. كنت بخنقها بريحة غيرها في حضني وكانت ساكتة كأنها حاسة بالذنب. أيام وليالي وشهور وأني مش شايف فيها أي جهرة (قهر) لحد ما ماتت بره داري. وما لحقتش أتشافى في اللي سكنتهولي (شربتهولي) . النار اللي جوايا ما هتطفى أصلًا (أبدًا) . الظلم اللي ظلمتهولي كان علقم (مر) طعمه ما راح من فمي. سكت، بينما هدر برهام في دهشة: _مش ممكن...

منك لله يا ظالم، منك لله. الليلة دي كنت أنا اللي طلبت منها الفلوس وجاتني بيها بالليل من وراك عشان كنت مختلف وياك. إزاي تشك فيها وهي العفيفة الطاهرة؟ إزاي تموتها بقهرتها بسوء ظنك؟ ******************************************************************** فى منزل مازن شهدى... اقتحم مازن الغرفة على رودى بكل عنف. انتفضت في مجلسها أثر دخوله بهذا الشكل. اقترب منها وعلى فمه ابتسامة مسلية: _إيه قاعدة كده ليه؟

ابتلعت ريقها وهتفت بتوجس: _واعمل إيه؟ هدر بتهكم واضح: _لا أكل عملتي ولا شرب عملتي ولا حتى لابسة حاجة تفتح النفس. قاعدة زي خيال المآتة، بل هو أفضل منك. صرخت في وجهه بحدة: _اطلع برة. اقترب منها غير مبالٍ حتى التصق بها وهدر ساخر: _يا سلام، وإن ما طلعتش هتعملي إيه؟ دفعته بكلتا يديها بعنف وصرخت به بغضب: _إنت حيوان. أمسك شعرها بعنف وهدر بتعصب:

_إنتي لسة ما شفتيش الحيوان اللي جوايا يا بنت الأسيوطي، وكل اللي فات ده كان تسلية. لسة الجد جاي. جذبها إلى الأريكة وجلس معها. جاهدت قدر المستطاع الابتعاد عنه. ولكنه لم يسمح أبدًا. مد يده إلى بجامتها ومزقها. صرخت عاليًا وحاولت أن تتستر بعيدًا عن أعينه الوقحة، ولكنه تمادى ومال إلى عنقها، ولكنه توقف فجأة وحدق إلى عينها: _إيه دا؟ لحظة، إنتي أصلًا مش أنثى عشان حد يقرب منك. إنتي شبه الدب القطبي الجربان.

دفعها بكل قوة لتسقطها أرضًا ونهض وهو يهدر: _لازم آخد شور عشان أنضف منك. كانت كلماته وتصرفاته تقودها إلى الجنون، خاصة وأنها كانت رقيقة المشاعر ولا تتحمل أي عنف أو توتر. ************************************************************** فى منزل فرحة وزين... فتح زين باب الشقة ووقفت فرحة على أعتابها. أخيرًا ستدخل عالم زين وحياته، ستبقى معه دون خوف أو قلق. تفحص زين وجهها جيدًا وهو يرى ذلك البريق المفعم بالبهجة والحب والثقة.

وابتسم إلى ما آلت إليه الأمور. مال بجذعه ورفعها بين يديه لتتفاجأ باقترابه منها، بينما هي كانت شارده. كتمت ضحكاتها بداخلها واكتفت بالابتسام. هتف هو وهو يحدق بأعينها: _شوفتي؟ أهو أنا كنت عايز أشوف السعادة دي تحديدًا على وشك. ما كنتش عايز أخطف وأجري. اتسعت ابتسامتها وكورت يدها حتى لا تحتضن رقبته، وهي تحاول رسم الاتزان والثبات أمامه من فرط الخجل. ابتسم وهتف وهو يحك أذنه:

_بصي، أنا أول مرة أتزوج، فا بالتالي ما أعرفش بيعملوا إيه في المواقف اللي زي دي. بسط يده واسترسل: _فبقول يلا أوريكي الشقة. تجاوبت معه بخجل وسلمت يدها ليده. تمشى معها حتى منتصف الشقة وبدأ يشرح: هنا الريسبشن، كان مكان هادئ ومريح، ذات ألوان هادئة وأريكات ناعمة بلون لبني مع الأبيض. التفتت قليلاً وأشار باتجاه المطبخ المعد على الطريقة الأمريكية. وهتف: _ودا المطبخ، طبعًا بتعرفي تطبخي؟

نزلت من أعلى يده، بينما هو قبض حاجبيه في تعجب وهتفت هي بنبرة متحشرجة: _ااحمم... ودا يفرق كتير. ضم حاجبيه وتساءل: –مش فاهم. –حكت طرف أنفها وهتفت بتردد: –يعني لو ما بعرفش أطبخ هترجعني تاني. وأشارت بإبهامها خلف ظهرها. انفجر زين في الضحك حتى أدمعت عيناه. استطاع التوقف بصعوبة، ليرتسم قليلًا من الجدية، وهتف: –احم... يعني انتي مش بتعرفي تطبخي. قولي بقى إني خدت مقلب. عضت شفتيها بحرج وضغطت على أصابعها بشكل متوتر، وأجابته:

–لا بعرف... حاجات يعني ممكن لحمة. ابتسم لها ابتسامة ساخرة: –مش موضوعنا دلوقتي. واسترسل بمرح: المهم إننا مع بعض يا فرحتي. مش كده ولا إيه؟ ابتسمت له بعشق، فقد كاد توترها يفقدها نكهة ليلتها الأولى معه. أمسك يدها وأشار لها برأسه أن تتبعه. فتحركت معه عبر سلم داخلي يؤدي إلى الغرف. كانت شقته دورين. تبعته بقلب يقفز كالأرنب في مزرعة خضراء على مساحة واسعة. *** في الفندق، عزام وزهرة.

كانت تجلس على الأريكة، مغطاة وجهها بالكامل بتلك الطرحة البيضاء في صمت. اقترب منها عزام، إذ ينبغي عليه أخذ الخطوة الأولى، بما أنه طال الصمت لفترة. رفع عنها طرحتها البيضاء وهو يبتسم ابتسامة خفية لتلطيف الأجواء. وما إن انكشف وجهها حتى صرخ وجحظت عيناه بفزع حقيقي. إذا كانت زهرة وضعت كمًا هائلًا على وجهها من مساحيق التجميل، التي جعلتها تبدو كالعفريت الذي ظهر له في ليلة سوداء. ابتعد خطوات وهو يهتف:

–أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. انتي جنسك إيه؟ إنس ولا جان؟ اتسعت ابتسامتها فور نجاحها في إزعاجه، وهتفت بصوت مجنون: –إني عروسك. مسح وجهه بغضب عندما تأكد من جنونها، وهدر بتعصب: –لأ، انتي عفريته. أشهرت إصبعها في وجهه، واصطنعت الغضب: –بقى كده ما أنيش عاجباك. طيب، إني هرجع لأبوي. وانطلقت باتجاه الباب. جذبتها من ذراعها بقسوة وهو يهدر: –تعالي هنا، رايحة فين؟ ارتدت في أحضانه وأربكته وارتبكت معه. دفعت نفسها

من أحضانه وهي تهدر بتوتر: –اتجننت إياك؟ استجمع أعصابه وهدر من بين أسنانه: –ما تغلطيش فيا. واعرفي حدودك. إني ما اتجننتش، إني اللي هعجلك (عقلك) جذبها من يدها وتحرك بها نحو الحمام الداخلي للغرفة. ثم فتح الباب الزجاجي للبانيو. فتح المياه التي بدأت تضخ من كل جانب. دفعها نحوه. وضيق عينه وهو يشير لها بإصبعه في تذمر: –ما تطلعيش من هنا إلا وإنتي شايلة الهباب اللي على وشك ده. إن شاء الله أفضل واقفالك هنا طول الليل.

أغلق الباب عليها واستند بظهره عليها حتى يضمن بقاءها. وهتف متعجبًا في نفسه: –الله الله! حظي مجندل كده ليه؟ *** في منزل برهام. عقدت الصدمة فم عبد المجيد ووقف كالصنم المتخشب. بلل حلقه الجاف وهدر بدون وعي: –كيف؟ كيف كنت؟ كان العرق يقطر من وجه برهام. إذا كان سببًا رئيسيًا في موت أمينة. هتف بصوت مجروح: –أما عرفت إني في ضيقة (ضيق)

وانت ما رضيتش تفكها لي، شيعت لي مع الغفير إني أستناها في الخوص جار العزب. الليلة كانت برق ورعد. اتلفت بالشال على وشي وقعدت أستناها. هي كمان جت متخفية عشان تديني الفلوس من وراك عشان عارفة إنك ما بتوفقش أصل. وهي عشان إنها بتساعد الكل، ما استخسرتش المساعدة فيا زيك. عطتني الفلوس وشربت شاي وياي ومشيت. وأول ما إني رجعت تاني وجبت رجلي، رجعت لها تاني. ظلمت أمينة وضيعت عمرها هدر. كيف كنت أعمى البصيرة للدرجة دي؟

كيف تشك في مراتك الضرة المصونة؟ ده ربنا جالك، لازم أربع شهداء. كيف أنت صدقت نفسك؟ كانت حنين قد فقدت السيطرة تمامًا على أعصابها وانهمرت دموعها بشكل هستيري وهي تستمع لظلم والدها لأمها وذكرى وفاتها الأليمة. كان عبد المجيد يتمتم في ذهول: –أمينة، أمينة، راحت، هدر.

إذًا، الفجر على كلماته ونطق بالحق. فكم من ظالم ظلم دون معرفة الحقائق. كم من ظالم أكلته النيران على أتفه الأسباب. أصبغ قلبه باللون الأسود على لا شيء. نما بداخله غل لا سبب له، لمجرد كونه ظالمًا. فما تأكله غيره وما تحسره غيره على دنياه وآخرته. فقد خسرهما على حد سواء. كفت حنين دموعها وأمسكت بحقيبتها ومرت من جواره وهتفت بغضب:

–عيشتني أسود أيام حياتي بظلمك. لو إنك بس كنت سألتها، كنا زمانا عايشين مع بعض. مالكش حق فيا بعد ما حرمتني منها ومنك. ابعد عني بظلمك يا عبد المجيد يا بدري. البقاء لله في بناتك الاتنين. لم يسع عبد المجيد أي قول. بينما وقف أياد ينظر إلى تلك القطة المتحولة التي لم يكتشف قواها إلا عندما تخلت عن والدها أمام عينيه. أثبتت له أنها لم تكن يومًا ضعيفة، فقد كانت تحتاج من يدعمها لتثبت قواها. اندفعت من أمامه فما عاد يبصر طيفها.

جلس نادمًا متحسرًا على أعوامًا قضاها هباءً، على حسرة عاشها، عابثًا على ظلما وحقدًا تصبه على خطأ. *** في شقة زين وفرحة. جلس زين على الكرسي في غرفة النوم، يضع قبضته على جانب جبينه بانتظار خروج فرحة التي غابت في الحمام. قد سبقها هو بناءً على رغبتها. وبدل ملابسه وجلس بانتظارها. هدر بتافف فقد مل الانتظار: –فرحة، خلصي. أنا مت من الملل وابتديت أتحلل هنا. تحرك باتجاهها ووقف بجوار الباب وطرقه طرقات خفيفة، ثم هتف بهدوء:

–فرحة... اتأخرتي ليه؟ كانت فرحة تقف في الحمام بتوتر، إذ نسيت تمامًا أن تأخذ ملابس معها لتبدلها. وبقيت تزيح خصلاتها المتهدلة على وجهها إلى خلف أذنها بضيق، وهي تقف فقط بالبشكير. سألها زين بتودد: –مش عارفة تقلعي الفستان؟ فاسترسل بمزاح: –طيب، انتي مجرباني قبل كده؟ أنا قربت، يبقى دا تخصصي. كانت تلطم فمها إذا بدت أمام نفسها أكبر حمقاء. هتفت بنبرة متحشرجة: –ثواني... جايه. كان زين أصابه الضجر، تمتم بضيق:

–شكلي مش هنفع في الجواز. أنا ما بقاليش كام ساعة... وزهقت. نفخ بضيق وأخذ يدور في الغرفة. خرجت فرحة أخيرًا وهي ترتدي قميصه الأبيض الذي تركه بالداخل. اتسعت عيناه بضحكة مكتومة، إذا بدت لا تصدق. في قميصه تكاد تغرق فيه. ابتسمت له ابتسامة بلهاء في حرج، بينما هو انفجر في الضحك. وأنساق معه هي أيضًا في موجة الضحك. استطاع أخيرًا أن يلتقط أنفاسه، وهتف وهو يفتح يده: –إيه اللي أوحى لك بالفكرة دي؟ اختفت ابتسامتها وأجابته بحرج:

–أصل نسيت آخد هدوم معايا جوه. ضيق عينه وهدر ساخرًا: –اخص عليكِ! مش تقولى؟ هو أنا غريب؟ دا أنا منك وعليكي بردوه. قفزت إلى رأسها شكوكها التي دارت برأسه في الأمس القريب، ألا وهي أنها قد غابت معه عن الوعي لأيام وساعات طويلة، وهو كان من يعتني بها. ماذا كان يحدث ياترى؟ سألته دون تردد، فهي تريد أن تبدأ حياتها معه بوضوح: –احنا حصل بينا حاجة قبل كده؟ كان صوتها محتقنًا، ضيق غامض، أثار تعجب زين، فأجابه بسؤال: –تقصدي إيه؟

نظرت إلى عينيه مباشرة وهي تسأله من جديد: –أنت فاهمني؟ أنت خدرتني كذا مرة و... قاطعها مجيبًا بهدوء وجدية: –لا... النوم مع الأموات مش طريقتي. إن كنت غيرت لك هدومك كذا مرة، فإنا كنت بضلم الدنيا قبل ما أعمل كده وبعمله بسرعة وبمهارة. وإن كنتي شكيتي فيا، يبقى انسي إننا اتجوزنا وتعالى ننام بسكات. وأولاها ظهره، وقد بدا على وجهه آثار الضيق.

تعالت سعادتها ودب في أوصالها الأمان، فقد حافظ عليها حتى أصبح يستحقها. وتمهدت كل الطرق، رغم صعوبتها، لجمعهما. اندفعت نحوه بجنون واحتضنته بسعادة. حقًا، هو استحق معاناتها من أجله، واستحق انتظارها. وقعت في أحضانه عاشقة طوعية، ولا يليق العشق إلا بالزين. كان هو قدرها وأجمل اختياراتها. ربت على ظهرها وهتف بهدوء: –اطفي النور بقى وتعالى أفرجك على الساعة اللي بتنور في الضلمة. رفعت رأسها من أحضانه وتساءلت باهتمام طفولي: –بجد؟

بادلها هو الطفولة وأومأ برأسه في سرعة: –اممم. ركضت نحو النور في سرعة وأغلقته. عادت إليه ولكنها شعرت بشيء يجذبها إلى الأسف وسقطت معه إلى الفراش. هدرت بضيق: –أنا مجنونة عشان صدقتك. قهقهة عالية وهتف بتفاخر: –أنا حبيتك عشان مجنونة أصلًا. *** زهرة وعزام. كان عزام يقاوم سلطان النوم الذي كان يغلق عينه رغما عنه. حرك رأسه يمينًا ويسارًا ومسح عن وجهه آثار النوم. وطرق زجاج البانيو وهو يهدر: –خلصتي؟

لم يتلقى أي إجابة. أسند أذنه ليستشفي أنفاسها، ولكنه لم يسمع أي شيء. حك خلفية عنقه بامتعاض وتمتم في نفسه: –لأ، ما أنا عايز أنام. ما هقضيش الليل كله في الحمام. فتح الباب وتفاجأ مما رأى. كانت تجلس زهرة في الأرض تضم يدها إلى قدمها وغفت تمامًا، أو ذهبت إلى غيبوبة. هدر بتعجب: –نامت على الماية. دي جنسها إيه دي؟ يا وجعتك المربربة يا عزام. مال بجذعه نحوها وانتشلها من غمرة المياه المتصببة من كل جانب وتحرك بها إلى الخارج.

بينما هي غارقة في ثبات عميق. أمعن النظر إليها إذا كانت تبدو هادئة، ناعمة كطفلة في الثالثة من عمرها. حدق بها مليًا وهتف متعجبًا: –سبحان الله. نوم الظالم عبادة. كانت زهرة تتساقط مياه من كل الجوانب. فكر عزام أن يبدل لها ملابسها، ولكنه توجس من لسانها السليط إن استيقظت، خاصة أنه ذاق منها من قبل. وأنه أيضًا لم يتحملها أكثر. لقد بقيت معه لساعات وبدأ يفقد أعصابه. سكن قليلاً ثم اتجه نحو الخزانة وهو يحاور نفسه:

–بدل ما تعيا وتغفلج علينا شهر العسل وتجلبوا بصل. أخرج إحدى الألبسة بعشوائية وبدأ في التعامل وتعجب تمام التعجب استسلامها للنوم بهذا الشكل. وهتف مستنكرًا: –انتي نومك تقيل للدرجة دي؟ أنهى كل شيء وخلع عنه جلبابه واستلقى إلى جوارها وتمتم بتذمر: –مكتوب لك الغلب يا عزام. *** أشرقت الشمس. من جديد في غرفة فرحة وزين.

كانت تنام على ذراعه الذي امتد أسفل عنقها. ظل يتأملها بشغف وعلى وجهه بسمة هادئة. مال إلى جبينها وطبع قبلة حانية. لتتمل هي بهدوء وتحتضن عنقه بقوة. اتسعت ابتسامته وبادلها الاحتضان بسعادة. شعرت بهدوء ووفاء، استسلمت له وكأنها في حلم جميل لا تصحو منه. ولكنها استنكرته في سرعة ودفعته عنها وصرخت في وجهه بجنون. ابتعد عنها بفزع. هدرت بجنون وهي تجذب طرف الفراش إليها: –انت بتعمل إيه هنا؟ حرام عليك يا زين. اتسعت عيناه

وابتسم لجنونها وهتف بقلق: –بعمل إيه؟ إحنا اتجوزنا. حكت جبينها بحرج وابتسمت ابتسامة خجلة، فهدر مازحًا: –ما ترسميش على عيال بقى. انتي السبب. *** على الطريق. اتكأت حنين برأسها إلى زجاج السيارة وبدأت تتابع مرور الطريق شيئًا فشيئًا. فقد باتت ذكرياتها في هذا المكان مؤلمة. تركها أياد تستريح من معاناتها، كما أنه هو أيضًا شرد في كل ما مرت به. وكان يود أن يحثها على مسامحة أبيها، ولكنه عفوًا تجاوز المقدرة.

إذ كان والدها قاسيًا فوق الاحتمال، بداية من زجها بالشارع ورفضه وجودها معه في نفس المكان وإرسالها بعيدًا دون حتى سؤال، ومن ثم إجهاضها المدبر وخطته تطليقها وزواجها بآخر. كان انتقامًا غير عادل ودون سبب. حك جبهته بضيق وتذكر ما فعله في تلك الرحلة، حيث اتفق مع عمها برهام على تلقين عبد المجيد درسًا لا ينسى. فلاش باك. هتف برهام بدهشة: –كيف يا ولدي، دا ممكن يروح فيها؟ هدر أياد بضيق:

–لا لا، مش هيروح ولا حاجة. دا قلبه حديد، بس نفوقه من اللي بيعمله. انتزاع ملكه منه هو اللي هيهده ويخليه يراجع حساباته ويشوف الحياة بوضوح. علاوة على كدا، إني مش هسيب حق ابني اللي قتلوه. ودا بقى تار، وانت أدرى. هتساعدني ولا أشوف غيرك؟ أمسك برهام فكه بحيرة وهتف: –بس زهير... هدر ساخرًا:

–دا بقى في ستين داهية. دا واحد ما يستاهلش. ربنا أداه نعمة بدل ما يحافظ عليها ويستعملها صح، راح بعترها على الشهوات والافتراء على خلق الله. أنا ما بقاليش هنا يوم وعرفت إنه مناسب نص بيوت البلد وأغلبهم بالإكراه وبنات ما عدتش السن القانوني. بذمتك ده يتزعل عليه؟ أومأ برهام برأسه في اقتناع. نظر أياد باتجاه حنين التي ما زالت تحدق بالنافذة في شرود. فجأة اعتدلت في جلستها. وحدقت باهتمام وهتفت في سرعة: –أياد، وقف هنا أرجوك.

برغم من تعجبه، إلا أنه توقف. ففتحت الباب في سرعة وعادت خطوات للوراء. باتجاه سيدة تجلس بقارعة الطريق. ترجل أياد من السيارة وتابعها بنظره بتحيّر. فقاطعه رنين هاتفه باسم عماد. استجاب على الفور ليستمع إلى صوت صديقه المتهلل: –ألف مبروك يا ابن الأسيوطي. أجابه بلا مبالاة: –الله يبارك فيك، بس دا مش فرحي. قهقه عماد بسعادة وهتف: –ما أنا عارف، بس في خبر حلو ليك. لينا السعدي اتحكم عليها بتلات سنين سجن.

على الطرف الآخر، وقفت حنين أمام تلك المرأة التي تعرفها جيدًا، فهي سناء زوجة أبيها. وهي تهذي بجنون واضح: –جتل ابنها، راحت بنتي قصادها. راحت بدر. بس بدر كانت طيبة. كان خدني أنا وريحني. اشمعنى أمينة ماتت وارتاحت؟ كانت حنين تتابعها وعلامات الأسى على وجهها. إذا كانت تراها في أفضل الحالات. الآن هي في حالة مزرية للغاية. لم تنتبه لها سناء ولم تعرفها أصلًا، فقد فقدت عقلها تمامًا. فحقًا كما قال الله تعالى:

(ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله) أدارت ظهرها لها واتجهت نحو السيارة دون أن تلتفت. لقد أتى الله لها بحقوقها كاملة. لتبدأ هي حياتها براحة نفسية وسعادة دون خوف أو قلق. فما عادت تخشى تدبير البشر، فأقصى ما يستطيعون فعله هو تنفيذ إرادة الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...