فرحة وزين ملئت الشمس غرفة زين، فتح عينيه ببطء وانتبه أن الشمس تقريباً أصبحت في منتصف السماء. اعتدل في نومته وأمسك هاتفه ليحاول التقاط الساعة التي أشارت على الثانية عشر. حدق في دهشة لأنه قد أبلغ فرحة في المساء أن توقظه. تزحزح من الفراش قليلاً ظناً أنها لم تر رسالته. ولكن تفاجأ بورقة إلى جواره مكتوب بها الآتي: "قوم الساعة عشرة"
ابتسم لظرافة الموقف وحرك رأسه للجانبين من جنونها المتزايد. ونهض من أعلى الفراش نهائياً وآثر البقاء في الغرفة وعدم مواجهتها. بالأسفل كانت فرحة. نفذ صبرها للغاية. تساءلت بجنون: "هو واحشني كدا لي؟ لما أقوم أتخانق معاه." تحركت على أطراف أصابعها لتصعد إلى غرفتهم وتتأكد من استيقاظه من عدمه. فتحت الباب بهدوء لتجد فراشه فارغاً. تسللت بهدوء كاللصوص باتجاه الورقة لتتأكد من قرائته لها.
بينما هي تتحرك لم تلاحظ أن باب الحمام مفتوح. خرج زين يتسلل مثلها بالمنشفة حول خصره. أمسكت الورقة بسعادة، بينما هو أمسك تلابيب بجامتها الخلفية وجذبها لأعلى. شهقت بفزع. ورفعت كفيها لأعلى في إشارة لتسليمها كالمجرمين. بينما هو هتف بغل: "أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ بدأت التوتر وهتفت متصنعة الشجاعة: "ليه وأنا عملت إيه يعني؟ مال برأسه وهو يهدر فيها بضيق متصنع: "أخرتيني على شغلي يا هانم." أجابته معللة:
"الله ما أنا صحيتك أهو وأنا ذنبي إيه يعني إنت اللي ما صحتش." أخفى شبح ابتسامته وهتف وهو يضيق عينه: "دا أنا هعذبك على العملة دي... ححطك في أوضة الفيران." بدأت تبتعد قليلاً وصاحت بقلق: "لا والنبي إلا دي... أي حاجة تانية إلا دي." هنا ترك زين تلابيبها وجذبها من خصرها إليه بقوة وهدر بخبث: "أي حاجة أي حاجة." أومأت برأسها في رضاء وهتفت بابتسامة: "أي حاجة أي حاجة." أسدل زين عينيه وهدر يوهمها بأنه شرس:
"إحنا في الحالات اللي زي دي بنلجأ للطريقة 661." حركت رأسها في تساؤل. فأجابها وهو ينفث هواء الكلمة على وجنتها برقة: "الاغتصاب." اتسعت عينيها وفمها معا، بينما هو ابتعد قليلاً ليشاهد تلك التعبير التي لن تتكرر. لاحظت تمعنه بها، فهتفت غير مبالية: "وأنا موافقة." اتسعت عينيه بدهشة وسألها: "موافقة كدا بكل بساطة؟ رفعت ساعدها أعلى كتفه بدلال: "ومش هقاوم كمان. مش جوزي يا جدع." ازدادت ابتسامته اتساعاً ومال بجذعه
ليرفعها بين يديه وهدر: "يا بنت الذين عرفتي تضحكي عليا." قهقهة في سعادة، فسرعان ما ذاب جليد خصامهم. فالخصام بين العاشقين يشبه الجليد تماماً، بمجرد أن تسقط عليه الشمس يذوب وكأنه لم يكن. *** في المشفى. استيقظت فريال وكل من حولها في حالة من القلق، فقد ارتفع ضغطها للغاية وكاد يسبب لها جلطة. هتفت بأنفاس لاهثة: "هاتولي بنتي." زم عاصم فمه ومال بجذعه لها وربت أعلى يدها في حنو:
"أنا عارف إن الغلطة غلطتي. أنا هرجعها وهصلح كل شيء." حك إياد جبهته والتف إلى حنين وهدر: "شوفي رقم اللي اسمه يا سين دا." أمسكت هاتفها واستخدمت الرقم وهتفت: "مش عارفة ما بيردش ولا بيتصل." عبثت بهاتفها واستخرجت رقمه وشرعت في التنفيذ. ارتفع صوت جرس الهاتف الخاص بيا سين. كان يا سين ورودى يقفان في المطبخ لتجهيز السفرة بصحبة البنات، بينما خرجت رودى مع كارمن لنقل الأطباق للخارج. وهدر يا سين بصوت عالٍ:
"رودي لو سمحتي شوفي مين." "حاضر." لبت الطلب ولكنها ترددت عندما وجدت اسم حنين وترددت كثيراً قبل أن تضغط زر الإجابة. وهتفت بلا مبالاة: "الو." هتفت حنين في سرعة: "أيوه إنت... قاطعتها رودى بحزم: "حنين لو حد جنبك أوعك تقوليلي إن أنا... تلفت حنين يميناً ويساراً حيث وجدت أعين إياد مصلبة نحوها، تابى التزحزح وكأنه استشف أمراً ما. أمسك بذراعها بلطف ودفعها للخارج. استسلمت حنين للأمر وهتفت باستسلام: "إنت فين؟
أجابتها رودى وهي تنظر إلى يا سين المقبل عليها بأطباق الطعام: "أنا عند الظابط يا سين وخليهم يحتاروا شوية على ما يلاقوني. أنا ناوية أديهم درس مش ممكن ينسوه... هتفت حنين بتوتر من وجود إياد إلى جوارها ووضوح الأمر: "للأسف مش هينفع. مامتك في المستشفى من امبارح." شهقت رودى في فزع، بينما تناول عنها يا سين الهاتف: "الو أيوه يا حنين في إيه حصل؟ هدرت حنين بصوت حزين: "مامت رودي في المستشفى من امبارح ورودى لازم تظهر فوراً."
زفر يا سين أنفاسه وهدر على الفور: "حاضر هجيبها وأجي حالاً." هتفت حنين بهدوء وهي تحدق إلى وجه إياد الغاضب: "إحنا في مستشفى الحياة. أرجوك ما تتأخرش." أجابها وهو يشاهد حالة رودى المتشنجة: "حاضر حاضر حالاً." أغلقت الهاتف وهي تحدق باياد الذي انفجر فيها بغضب واجم: "أختي بقي لها كام يوم في بيت الظابط ليه؟ لما اتطلقت ما رجعتش بيتها ليه؟ ابتلعت حنين ريقها وهمت لتبرر له:
"أكيد كانت أعصابها تعبانة وما عندهاش استعداد للمواجهة في الوقت الحالي." تجاهل تبريرها وأجابها بسؤال أقرب للاتهام: "إنتي كنتي تعرفي؟ اتسعت عيناه من غضبه وشكه بها، فصرخ أكثر: "كنتي تعرفي ولا لا؟ ظهر والده على صوته العالي وهدر بكل حزم: "إيــــــاد." اقترب منهما وأشهر إصبعه محذرًا: -ما تعليش صوتك عليها. -انت فاهم ولا لا؟ دحجه إياد بدهشة وأمعن النظر في صرامته، وتأكد أنه لا يدعي أو يمزح، بل كان تصرفًا نابعًا من أب...
أب لم يره من قبل. *** رودى ويا سين هتف ياسين لرودي بقلق من حالة الصدمة التي على وجهها: -إن شاء الله بسيطة. هدرت أخيرًا دون وعي: -لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي. أمسك ياسين يدها لا إراديًا وهدر مطمئنًا: -إن شاء الله هتبقى كويسة، المهم ادخلي البسي ويلا نرحلهم. حركت رأسها بالنفي وهدرت: -لا، هروح لوحدي عشان البنات. تحدث بإصرار: -لا ما ينفعش تمشي لوحدك وأنت بالحالة دي، وإذا كان على البنات ناخدها معانا.
حكت جبهتها لعدم قدرتها على مواصلة الحديث، واستجابت دون أن تهدر حرفًا آخر. تابعتها عينا ياسين بقلق، فكانت حالتها الآن أسوأ من يوم طلاقها بكثير. *** عزام وزهرة كانت الأجواء هدت قليلاً، إلا أن الصمت كان سيد الحياة، فعزام رجل جاد ولم يحاول في يوم من الأيام افتعال أي حديث دون هدف أو داعٍ.
وكذلك زهرة كانت عنيدة واعتادت على إفراغ غضبها على من حولها، من أين تأتي الحالة التي تجعلها تحكي وتسامر أو حتى تهدر كلامًا طيبًا، فقد اعتاد لسانها على نفث السم، إلا أنها هدرت بضيق ما في قلبها. مقاطعًا ذلك الصمت الممل: -إني زهجت، تاجي نرجع الصعيد، أهو نلاقي حاجة نعملها بدل حبستنا دي بين الأربع حيطان. بدا مهتمًا لأي شيء الآن من فرط الملل، حتى وإن كان مناديًا على بضاعته كان سيسمعه: -طيب، تعالى نخرج. هتفت
مستنكرة وكأنها تخشى الناس: -نخرج؟ دا إيه؟ أنت ناسي آخر مرة الحريم كانت عينها هتنجلع عليك لما طلعتني من الميه. ابتسم بسعادة وهتف في سرعة: -واه، خدتي بالك من الحريم وأنتِ في الحالة دي؟ بالراحة عليا، لا أقول إنك غيرانة عليا. أدركت الآن ما هدرته وعضت شفتيها بخجل، ولانت نفسها كيف تخطئ ذلك الخطأ الفادح، ولكنها لم تعترف بشيء. هدرت بتوتر نافية: -أغير؟ دا إيه؟ بلا كلام فارغ ومسخرة.
نهض من مكانه تجاهها بتودد غير معهود خاصة لشخصيته الجافة، فلأول مرة يشعر أنه يحتاجها بشدة، بحاجة لمعشوقة يتذوق معها شهد الحب، متجاهلاً كونه فقد أمضى معها أسبوعًا، فماذا ينتظر أكثر من ذلك. -وماله لما تغيري عليا، هو إني مش جوزك، مش حاجة تخصك، واللي أعرفه إن زهرة بكل قوتها دي ما ترضاش لناموسة تبص لحاجة تخصها. ظهر التوتر على وجهها من اقترابه ومن كلامه الذي لامس قلبها هي أيضًا.
مد يده بحذر وأزاح غطاء رأسها بلطف، ثم هدر وهو يعيد تنظيم خصلاتها السوداء: -ما شاء الله عليكي، آيه في الحسن والجمال. كانت هادئة تحت يده تمامًا لدرجة أنها استنكرت حالتها، فهتفت: -واه، إني مالي؟ فأجابها وهو يبتسم: -يظهر الدواء اللي خدتيه ده مؤثر عليكي، بالله عليكي يا شيخة ما تجطعيه. ابتسمت لكلامه، ولكنها بالفعل ليس لديها غل ولا شراسة بداخلها كي تصبهم فوق رأسه وتنهره.
جذبها إلى حضنه بهدوء وصار يملس على شعرها الناعم، بينما هي استكانت تمامًا وبدت مستسلمة. وهدأت كل أفكارها السلبية، بل وهي تستمع إلى دقات قلبه المتسارعة التي ألفتها إلى حد بعيد، وهدرت بقلبها: -خليني أكده. حاوط جسدها بيده في حضن دافئ عذب أطفأ نيران غضبهم وهدأتهم، وولد شرارة جديدة من العشق. *** هتف برهان بصوت ضيق عبر الهاتف: -يعني إيه ما عايزش تجيبها؟ بجولك أبوها حالته وحشة جوي، خليها تيجي يمكن تطلعوا من اللي هو فيه.
هدر إياد بصوت يخفضه: -قولتلك مش هتيجي. تعصب برهان وهدر بضيق: -جولها بجولك، والا هأتصل بيها أنا وأقولها إنك السبب في حالة أبوها. هدر إياد بنبرة باردة: -بتهددني؟ هتف برهان بتبرم: -يا سيدي، إني ما بهددكش، بس دا خويا، وإني شايفه حالته وحشة وندمان أسيبه أكده، دي اللقمة بيبلعها بالعافية. هدر إياد في سرعة منهيًا الحوار: -ماشي، ماشي... هقولها... سلام.
زفر أنفاسه بغضب على حالته هو وزوجته، كلما اعتدلت حياته وسارت في مسارها الطبيعي أتت عليها محنة أفسدتها، ودار على عقبيه ليولج للداخل. كانت حنين في غرفة فريال، تعني بها، ويجلس عاصم في الأريكة المقابلة، يبدو على ملامحه الأسى. دخل إياد وتبادل النظر هو وحنين في حرج، كانت نظراته تحمل في طياتها أسفًا وخجلًا لا نهاية له. فهمتها حنين دون أي تعقيد، ولكنها اكتفت بإزاحة نظرها إلى ما في يدها.
حاول إياد التقدم إليها، فأصعب ما قد يمر به نظرة لائمه من عينيها الحبيبة والغالية، ولكن فتح الباب في سرعة. وولجت منه رودي بسرعة، أعلى وجهها تهدر بقلق: -مامي... مالك يا مامي؟ اعتدلت أمها في سرعة وفتحت ذراعيها لابنتها وهي تشهق بحزن: -رودي حبيبتي. وألقت رودي بثقل جسدها فوقها، نهض عاصم في لهفة نحوهم، بينما شعر إياد بجسد ما خلفهم، فاستدار بجسده...
حيث يقف ياسين وبيده ساندي وكارمن لرفضهما البقاء في السيارة وإصرارهم على التواجد معهم. نظر له بعدائية، ثم استنكر تلك الفتاتين الساحرتين اللتين بيديه، لم يعره ياسين أي اهتمام، فهو لن يتزحزح من هنا إلا برودي، ولكن كيف؟ فقط فشلت خطته سريعًا، ولكنه لم يدرك الأمر بعد. *** فرحة وزين
كانت تلك اللحظات الماضية مرت عليهم زمنًا من السعادة التي أثبتت أنهم مهما حدث بينهم، يستطيعون تخطيه بمزحة بمشاكسة، فالحب يلزمه القليل من الملح حتى يعطي النكهة المميزة. هتفت وهي تدثر نفسها أكثر في صدره العريض: -بحبك. هتف هو من وسط شروده: -أنا كمان بحبك، ونفسي أفضل أحبك. رفعت رأسها إليه وهدرت بجدية: -هو أنت تقدر ما تحبنيش؟
حرك يده على شعرها بهدوء، وكأنه رسام محترف يرسم لوحة رائعة يذوب في تفاصيلها بأعين هائمتين، وهتف بهدوء دون أن يتوقف عن تحريك يده: -الطبع، الطبع يا روحي، أنا عاشقك وأكتر كمان، بحبك زي حد اتحرم من روحه وبعديها رجعتله، وصل للموت ورجع تاني للحياة... لكن أوعك تفتكري إنك تستغلي عشقي ده أو تأفورى في تحكماتك، أنا شغلي صعب وصعب جدًا، يمكن ده كان أحد أسباب إني ما اتجوزش لحد دلوقتي...
عشان ما أظلمش حد معايا، بس أنتِ ووجودك في حياتي استثنائي، ما فكرتش غير فيكي، وقت أما روحتي مني، بلاش تحسسيني إني ظلمتك تاني، أو تحسسيني إني أناني إني اخترتك تبقي معايا، فهمتي. كانت تتمعن في كل كلمة تخرج من فمه، وكأنها تراها بعينيها، للحظة لمعت عيناه بدمعة محتقنة لذكراها السالفة عن لحظات وداعهم، بللت حلقها الجاف وهدرت بصوت متحشرج: -أنا مش معترضة على شغلك، أنا مش أحب حد يشاركني فيك... أشهرت إصبعها في وجهه: -...
واعِ تقول لي دي لا. هم ليتحدث، ولكنها قاطعته مسترسلة وهي تقبض على كفه: -إيدك ما تلمسش غيري. أشارت إلى قلبه: -... دا ما يشوفش غيري. رفع حاجبيه نافيًا وهو يبتسم ابتسامة استنكرتها، فهتف موضحًا: -أنتِ مش محتاجة كل ده عشان كدا، أنتِ خطفتي عقلي، بقيت أمشي ألف حوالين نفسي، عقلي معاكي، تفكيري معاكي، لو شفت واحدة ببقى مش شايفة، لأن عقلي مش فيا عشان أفهمها.
أو أدرسها، افهمي دي يا فرحة، وإنك هترتاحي، وخذي بالك دي مش سهلة أوي كدا إني أشوف غيرك. لاح في وجهها الابتسام، ومالت إلى قلبه وأغمضت عيناها، ثم قفزت فوقه من جديد بجنون: -أنت ما قولتش عملت إيه مع البنت الأمريكية. أخفى وجهه بكفيه ليستدعي هدوءه. فهتفت بهدوء مصطنع: -للعلم بس... ما فيش حاجة من اللي في دماغك. أزاح يده وعض طرف شفتيه وهو يخمن إن كانت صادقة أم لا، فهدر: -متأكدة إنك مش غيرانة؟ أومأت برأسها بإصرار: -اممم.
أغمض طرف عينه وهتف من جديد مؤكدًا: -ولا هتغيري؟ أومأت بإصرار وهي تخفي حمرة غضبها: -أنا لا خالص. اعتدل قليلاً في نومته وحك طرف أنفه، وبدأ السرد في برود تام: -احم... روحت أقابلها في مكان عام، اللي هي المفروض موجودة فيه، وعليّ إني أفتعل أي موقف عشان ألفت نظرها أو أتقربلها بشكل ما يبانش إنه مقصود تمامًا. اعتدلت معه وانصت باهتمام. فاسترسل وهو ينظر إلى عينيها: -كانت جميلة جدًا... سكت قليلاً وعاد ليؤكد... جدًا جدًا. وكزته
في صدره بغل وهدرت بتعصب: -عرفت... اللي بعده. سعل كي يخفي ضحكته واسترسل وهو يجاهد إخفاء ضحكاته: -طبعًا هي أول ما شافتني في البدلة الحلوة وريحة البرفان اللي قلبت المكان، أبدت نظرة إعجاب. احتقن وجهها الذي يتابعه زين بدقة... لوح بيده نافيًا... -بس أنا طبعًا ما اهتمتش وقعدت في مكان تحت نظرها. ارتخت عضلات وجهها قليلاً واطمئنت لمسار الأمر. سارع بالقول:
-قامت مشاورالي، رحت رايح طبعًا، في الأول عملت عبيط وشورت على نفسي إذا كانت تقصدني أنا ولا لا، فاكدت إنها عايزاني، وش؟ كلمة ونتعرف، وبعدين طلعنا على الأوتيل اللي نازلة فيه... هنا فغر فم فرحة وتأهبت لسماع ما هو أسوأ. فاسترسل هو ببرود: -شربنا شوية، وبعدين اااااا... أنتِ فاهمة بقي الباقي. اتسعت عيناها بصدمة، بينما هو كان يتابع كل انش في وجهها بترقب انفجارها، الذي دفعها هو إليه، وكزها بإصبعه في كتفها في محاولة لتنبيهها.
فانفجرت في وجه بغيظ: -يا سافل يا قليل الأدب... اااااه! وصرخت عليه وهي تبحث عن ما حولها لتقذفه بالوسائد. التي صدها زين بقهقهات عالية: -هههههههههههههههه، أنتِ مش ممكنة، أنتِ مش قولتي مش هتغيري؟ صرخت بعنف: -اللي عملته دا ما هواش فيه غيرة، دا... دا... دا كانت تسحق الكلمات بين أسنانها في غيظ. -دا هزار مش بجد... هتف بها ليوقف نوبة اهتياجها. قالها بجدية جعلتها تقف في ذهول.
ثم عادت لوعيها، وضيقّت عينيها من جديد وهدرت وهي تلكمه بالوسادة. –بقى كدا بتغيظني؟ بتغيظني؟ طيب خد. لم تتوقف حتى انفجرت الوسادة وتطاير الريش فوقهم. وقفت أعلى الفراش حتى تتمكن منه. فجذبها إلى الأسفل بين قدميه ومال إلى جبينها وهو يقهقه بسعادة: –لما انتي مش قدي بتتشطري أوي كدا ليه؟ اديكي فشلتي في أول اختبار. زاغ بصرها بغير فهم، فأجابها دون أن تسأل: –أنا عايز أعرف إذا كنتي هتستحملي ولا لأ. لطمت جبهتها بيأس ثم هدرت بتذمر:
–يوووه... مش تقول. قهقه عالياً وهو يوكز جبهتها بخفة: –أمال فين التمويه يا ذكية؟ *** في المستشفى. قد سوت رودي الأمر بين أمها وأبيها وإياد، وشرحت جميع أسبابها لهم. كما أنها وضحت موقف ياسين النبيل واستقباله لها وحسن ضيافته في المدة الفائتة. أهدأت ثورتهم واستقبلوا رأيها ببالغ الأسف لعدم وثوقهم بها. ثم خرجت لتودع ياسين والفتاتين.
انتبه ياسين لخروجها الذي كان ينتظره بفارغ الصبر. نهض من أعلى الكرسي المعدني، وكذلك ساندي وكارمن اللتان احتضنها في شوق. هتف ياسين في سرعة: –إيه يلا؟ تعجبت من كلماته وحركت رأسها بعدم فهم. هنا أدرك ياسين الأمر، أنها ما عاد شيئاً يستحق الهروب. لقد واجهت أهلها، فبأي حق ستذهب معه؟ نسي كل شيء وتذكر لوهلة أنه ليس له بها حق. هتفت لتهدئ من تشتت عينيه وضيقته التي ظهرت على وجهه:
–أنا اتفاهمت مع بابا ووالدتي وهما ندمانين وهيتغيروا... اغتصبت ضحكة على وجهها. وبرضه قولتله على دورك البطولي وإنك... هنا قاطعها بصوت محتقن وهدر بحزن شديد: –أنا كنت مفكر لما جبتك إنك هترجعي معايا. ولو أعرف إن ده آخر مكان هنتقابل فيه ما كنتش سبتك. حركت وجهها وكأنه نقش على وجهها علامات استفهام لا حصر لها. لا تعرف لماذا كان بداخلها يريد الذهاب معه. أمسكت ساندي بيدها متسائلة: –هو انتي مش هتيجي معانا يا طنط؟ وسارعت كارمن
بالإمساك باليد الأخرى: –لا هتيجي معانا، إحنا لسة هنلعب لعبة جديدة مع بعض. نزلت على ركبتيها واحتضنتهم وهدرت بصوتاً حزين: –أنا مش هسيبكم وهزركم كتير كتير جداً. تقدم ياسين باتجاه أولاده حتى لا يزيد الأمر سوء: –يلا يا كارمن، يلا يا ساندي نمشي. بلاش نعمل إزعاج لطنط. تمسكت بهم رودي هادرة: –أرجوك سيبهم معايا شوية. كان يخفي رجفة صوته بقوة ولكنه فشل فشلاً ذريعاً: –أرجوكي، البنات كدا نفسيتهم هتتعب.
هنا انفجرت الفتاتان في البكاء. كم هو مؤلم شعور الفقد، ولكنه يؤلم أكثر عند تكراره. *** زينات ويحيى. كانت حياتهم هادئة هانئة خالية من أي ضيق أو توتر. دائماً يساعدها يحيي بكل شيء ويلح عليها لترتاح ويقوم هو ببعض الأعمال عوضاً عنها. اجتمع النضج مع الحب، فما عادت الخلافات تعني شيئاً بين عاشقين افترقا عقلياً وجسدياً وعادا بحب كالماس. لم ينطفئ ولا يقل، وكان كل السنوات الماضية لم تكن في طيتها إلا عشقاً صبياً ليس له عمراً. ***
فيلا مازن شهدى. صرخ خليل بتعصب على ولده الذي يلملم أغراضه في سرعة: –يعني إيه مسافر يا مازن؟ هدر مازن بتوتر وهو مستمر في دس أغراضه إلى الحقيبة الكبيرة: –مسافر يعني مسافر. عايزني أستنى إيه؟ أما أتفضح. أكيد أياد هي هيشيروا الفيديو وأبقى مسخرة من جديد. أنا مش عايز أتسجن. هقولهالك كام مرة يعني؟ أمسك أبيه بكتفيه في رجاء: –ما حدش يقدر يسجنك وأنا عايش. إنت مش عارف إنت ابن مين. دفع يده بقسوة وهدر بعنف بالغ:
–ده مخابرات. أعلى جهاز في الدولة. لو عنده أدلة ضدي أو ما عندوش هيقدر عليك وعليا وهيحبسني. أنا مش قاعد فيها يعني مش قاعد. هنا خارت قوى خليل وجلس على أقرب كرسي وهتف: –طيب أنا محتاجلك. ألقى مازن آخر ما في جعبته وهو يغلق حقيبته المكتظة بالأغراض: –وأنا محتاج نفسي. قالها وخرج دون وداع. لما الدهشة؟ وقد حصد ما زرع. فتلك خصلة الأنانية وانعدام الضمير.
التي تجاهلها خليل في ولده حتى أصيب من ضرارها في وقت لا يصلح للإصلاح. فقد فات الأوان. *** مضت بضعة أيام وأحدث الزمن تغيرات على كل الأبطال.
فقد عاد عزام إلى داره بقصة جديدة وعشق جديد. وإن كانت زهرة لم تتغير في عنادها وتكبرها، ولكنه عشق حبها المتكبر المتعالي وتعندها وإصرارها ليفاجئها هو بأنه هو المسيطر وهو حبيبها الذي ذابت في شجاراته وقوته حباً. وازدادت تمسكاً بحياتها التي كانت ترفضها من قبل. كما أن الشرط الذي بينهم في عدم زواجه من أخرى كان يعطيها
قوة وتملك أكثر واعتزازاً بأنها امرأته الوحيدة وسيدة قلبه التي لن يبدلها أبداً ولن يشاركها أحد به، وأن اتساع صدره لها فقط. *** في منزل القناوي.
لم يكن استقبال صابحة لعروسة ابنها حافلاً، بل كان جافاً ينم عن حقد وضغائن. ستقبل زهرة بعكس وهدان الذي كان في غاية السعادة بها. وبادلته هي الترحيب بسعادة، فقد شعرت بعطفه وحنانه وسعادته التي تخرج من بين عينيه بها. توالت المباركات وتركوهما ليرتاحوا في عشهما الهنيء. فقد قررا وهدان سفر ابنه إلى الأقصر حتى يتسنى له تغيير كل العفش السابق الذي كان لفرحة وابدله بآخر جديد. حتى تتغير عتبة الحزن وتتبدل أفراح. لعله يجد هناؤه وسعادته مع زهرة ويملأ ذلك المنزل بالذرية الذي خلا مؤخراً من أمين أخيه الأصغر الذي قرر الانفصال بمعيشته وداره لزواج أبنائه الآخرين. وترك أخيه يبني عائلة لنفسه.
*** بين إياد وحنين. جلس بجوارها على الأريكة وناداها بتردد: –حنين. أولته اهتمامها، وجهها ولاحظت احتقان وجهه. فهتفت: –أنا مش زعلانة يا إياد وعمري ما هازعل منك. أنا مقدرة التوتر اللي إحنا فيه ويستحيل أضايق منك في وقت زي ده. لم يكن منه إلا أن التقط يدها وجذبها إلى فمه ليطبع قبلة مطولة حانية مملوءة بسعادة. ثم هدر بعدها: –عملت إيه أنا عشان أترزق بيكي؟ إنتي جنة ربنا على الأرض. حلوة بشكل ما يتوصفش.
اتسعت ابتسامتها وبدلت وضعية يده وجذبتها إلى فمها تقبلها بحنو. ثم هتفت بعذوبة: –وأنا الجنة اللي ما تحلاش غير بيك. إنت عالمي وكل حياتي. إنت اللي قليل عليك الحب. كانت عيناه ترقص بالفرحة وهدر بسعادة: –والله كتير عليا. وكزت كتفها في كتفه بشقاوة: –لا، قليل. ابتسم لدلاله المفرط فيه، فبادلها الوكزة بكتفه: –يا نونة يا شقية. ثم ارتفعت قهقهاتهم معاً، فقاطع ذلك إياد واحتضنها بحنو وهو يبتلع ريقه بتوجس مما سيهدر ويؤثر عليهم:
–احححم. في حاجة خايف أقولها لك تزعلي، وخايف ما أقولهاش تزعلي. قضبت حاجبيها في مزاح: –فزورة دي؟ أجابها في سرعة: –لا، باباكِ عايز يقابلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!