بعد أن سمعت عليا إحدى الممرضات تقول لزميلتها إنها مضطرة لترك المستشفى الخاص الذي تعمل به بدوام جزئي لأنها ستتزوج وتسافر مع زوجها، وأنها طلبت نقلها من هذا المستشفى الحكومي أيضاً لمقر سكن زوجها. وبما أن عليا قد كانت معرفتها ببعض الأمور الطبية قد ينفعها في العمل كممرضة، نادت على علي الممرضة التي كانت تتحدث وسألتها عن مكان العمل الذي كانت تتحدث عنه. أجابتها الممرضة أن الطبيب يحتاج لشخص متفرغ للعمل.
فرحت عليا بذلك وأخبرت الممرضة أنها تستطيع العمل، ولكنها تحتاج لسكن قريب من المستشفى. فأخبرتها الممرضة أنها تستطيع الإقامة في المستشفى الخاص نفسه لو رغبت في ذلك، وأنها ستكلم الطبيب حتى يجري معها مقابلة. ثم طلبت منها الممرضة أن تعطيها رقم هاتفها لكي تتصل بها.
أجابتها أنها لا تحفظ رقم الهاتف لأنها اشترت الشريحة حديثاً، فسجلت الممرضة رقم هاتفها وأعطته لها حتى تتصل بها وتعرف رقمها لتعاود الاتصال بها لاحقاً إذا وافق الطبيب. فرحت عليا كثيراً بهذا الأمر. فلرب ضارة نافعة، فلولا مرضها المفاجئ لما استطاعت الحصول على هذا العمل. إنتهى المحلول ونادت عليا على الممرضة لتسألها هل تخرج، فأجابتها نعم تستطيع.
عادت عليا لغرفتها في الفندق المتواضع الذي تقيم فيه، واستلقت على السرير داعية من الله أن يقبلها الطبيب للعمل عنده. ثم سألت نفسها، ولكن سرعان ما نسيت أمر الوظيفة وأخذت تفكر: ياترى ما حال فارس بعد أن علم بوفاتها، وأين هو الآن؟ هل هو مع زوجته الحسناء وقد نسيها، أم مازال يتذكرني؟ كان فارس يجلس أمام قبر عليا المزيف وعيناه تذرفان
الدموع وهو يقول لنفسه: سامحيني صغيرتي، هذا كله بسببي أنا، لولا أني تزوجت وتركتها وحيدة لما حدث هذا، ولو رحلة سهر العسل الغبية تلك لكنت بجانبك وكنت أسرعت وأنقذت حياتك. ومن يعلم؟ ربما موتك حبيبتي بسبب حزنك لأني تزوجت بأخرى. سامحيني ياقلبي، لن أنساك ما حييت. أنت حبي الأول والأخير، فأنا وقلبي معك في هذا القبر، الفارق الوحيد أني الميت الوحيد الذي يمشي فوق الأرض. ثم قرأ الفاتحة وانصرف بعد أن اظلمت الدنيا.
رن هاتف عليا فردت، فأخبرها الممرضة أنها تستطيع استلام العمل من الغد فقد وافق الطبيب. فرحت عليا فرحاً شديداً وذهبت في اليوم التالي لتستلم العمل، ووضعت أغراضها في الغرفة التي أعطوها إياها من أجل الإقامة.
بعد مضي شهران، كانت جاسمن تحاول التخفيف عن فارس والتقرب منه، ولكن دون جدوى. فقد كان يبتعد عنها كلما حاولت التقرب منه، وأصبح فارس منغمساً في العمل ظناً منه أنه بذلك سينسى عليا، فكان كالإنسان الآلي لا يهتم لمشاعر أحد، حتى زوجته التي كانت تحبه كثيراً وتبذل جهدها من أجل التقرب منه. أما همام والده، فكان يرسل من يبحثون عن عليا في كل مكان، ولكن دون جدوى. فلا أحد يعرف أين ذهبت، واختفت عليا كإبرة في كومة قش.
ترك همام العمل بالشركة لفارس، فأحساسه بالذنب جعل صحته تتدهور ولازم الفراش، فالسر ثقيل على نفسه وهو لم يخبر به أحد حتى زوجته. وظل طوال الوقت متردداً هل يخبرها أم لا، فهي لن تستطيع كتمان السر عن ابنها. ولو علم فارس ستضطرب حياته من جديد بعد أن استقر في عمله وحياته. صحيح أنه يشعر أن ابنه قد أصبح كالآلة بلا مشاعر، ولكنه على الأقل فهو بخير. لذا لن يستطيع إخباره أن عليا على قيد الحياة وهو لا يستطيع العثور عليها، فقد يتحطم كلياً عندما يعرف الحقيقة وأن أباه هو السبب في ضياع حبيبته للأبد.
مر شهران على عمل عليا في المستشفى الخاص، ولم يكن قد كبر بطنها بعد بالرغم من كونها في الشهر الرابع، لو أخطأت في الحساب طبعاً. في أحد الأيام، أتى المهندس طارق إلى المستشفى الخاص مع أمه، وعندما رأتها عليا عرفتها، فهي نفس السيدة العجوز التي قابلتها في الفندق في العاصمة عندما هربت المرة الأولى. كان اسمها عائشة، وكانت تجلس معها في وقت فراغها.
وعندما اقتربت عليا من السيدة، عرفتها الحجة عائشة واحتضنتها، فاهتمت عليا بها كثيراً. فتلفت ذلك انتباه طارق ابنها. وبعد إنتهاء الفحص، توجه طارق نحو عليا وطلب منها أن تكون الممرضة الخاصة لأمه وتقيم معها في شقتها لتؤنس وحدتها وتهتم بصحتها. وطلب منها أن تفكر في الأمر وترد عليه، فأمه تعيش بمفردها وسيكون مطمئناً عليها عندما تكون هي معها. ثم أعطاها رقم هاتفه لتتصل به لو وافقت وانصرف هو وأمه.
بينما جلست عليا تفكر هل تقبل العرض أم لا، ولقد تملكتها الحيرة، فهي بعد خمس شهور ستلد ولن يكون لها ملجأ تذهب إليه، فهل تقبل العرض أم لا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!