انطلق فارس مسرعاً إلى قبر عاليا. فجرى والده ورآه وقال للسائق: "لا تدعه يأخذ السيارة، اذهب معه لتقود أنت به إلى المقبرة." أجاب فارس: "لا أريد أحداً، ابتعدوا عن طريقي." قال همام: "ألا تذكر ما حدث في المرة الماضية؟ أجاب فارس: "ليته يحدث مرة أخرى لاستريحت." قالت له خديجة: "لما تفعل هذا بأمك يافارس؟ دع السائق يذهب معك على الأقل ليدلك على المقبرة، فلن تعرف مكانها والسائق كان معنا وسيدلك عليها."
قالت خديجة: "إذا تعالى بسرعة وخذني إلى هناك فأنا أشعر أنني اختنق." ركب فارس مع السائق بينما يتنهد همام بعد أن اطمئن أن ابنه لن يقود بنفسه. ثم يقرر الأب أن الحل هو أن يبحث عن عليا في كل مكان ويعيدها، وبعدها يخبر ابنه وزوجته بالحقيقة. فربما يسامحه فارس على تلك الجريمة التي ارتكبها في حق زوجته وابنه الذي لم ير النور بعد. بعد أن انصرف فارس، وجدت خديجة هاتفه يرن. فلقد أخذ فارس هاتف عاليا معه بينما ترك هاتفه.
فردت على جاسمين التي كانت تتصل من بيت والدها. "أهلاً يا جاسمين يا بنتي." "أهلاً عمتي، لقد اتصلت بفارس كثيراً ولم يرد على اتصالاتي، هل هو بخير؟ قالت لها: "إن فارس مصدوم بسبب وفاة عاليا، حتى أنه نسي هاتفه وذهب للمقبرة، وأنها ستخبره ليتصل بها بعد عودته، ولكن اعذريه لو تأخر في الاتصال وامهليه حتى يهدأ حزنه." قالت جاسمين: "طبعاً عمتي سأفعل، ولكن وجودي بجانبه قد يسري عنه."
ردت خديجة: "الأفضل أن يكون بمفرده هذه الفترة وبمجرد أن تتحسن نفسيته سيأتي ويأخذك." "حاضر عمتي." في اليوم التالي، أرسل همام بعض العاملين للتحري ليسألوا عن عليا في كل مواقف السيارات والقطارات، ولكن بحثهم كان دون جدوى. في ذلك الوقت، كانت عليا تركب إحدى السيارات المتجهة إلى أكبر المدن في البلد وأقلها سكانا، فهي تريد أن تذهب إلى مكان بعيد جدا لا يعرفها فيه أحد ولا يراها فارس مرة أخرى فتتدمر حياته كما أقنعها والده.
بعد أكثر من ست ساعات، وصلت عليا وسألت بعض الركاب عن مكان تنام فيه وطلبت أن يكون رخيص السعر. فدلتها إحدى المسافرات معها على فندق قريب من موقف السيارات وسعره في متناول يدها. ذهبت إليه واستأجرت غرفة ثم استلقت على السرير دون أن تذوق الطعام وهي تفكر ماذا ستفعل هنا وأي مصير مجهول ينتظرها. ثم راحت في ثبات عميق واستغرقت في النوم كأنها لم تنم منذ شهر، أو ربما نامت هربا من الواقع المؤلم الذي تعيشه.
في اليوم الموالي، استيقظت من نومها وهي جائعة فهي لم تتذوق طعاما منذ صباح أمس. فخرجت لتبحث عن شيء تأكله فوجدت بائعا فاشترت الساندويش وجلست على طاولة في المحل وأكلتها بنهم شديد. ولكنها بمجرد أن انتهت من الأكل شعرت بألم في بطنها وشعور شديد بالغثيان، فاعتقدت أن الطعام الذي أكلته ملوث. سألت أحد المارة عن المستشفى فدلها أحدهم على مكانه. ركبت سيارة أجرة ولما وصلت لكانت تشعر بإعياء شديد.
وبعد الكشف عليها، أخبرها الطبيب بخبر لم يكن في الحسبان. أنها حامل وما شعرت به من أعراض وألم في البطن إنما هي أعراض الحمل. تفاجأت عليا بالخبر وقالت في نفسها: "ماذا أفعل الآن؟ "أنا في الثامنة عشر من عمري وليس لي أحد يرعاني أو ينفق علي." "ولقد مزقت الشيك الذي أعطاه لي والد فارس وليس معي إلا النقود التي دسها لي ولد فارس في جيبي عندما قطعت الشيك وهي لن تبقي معي لفترة طويلة."
"فإيجار الفندق كثير علي، لذا أنا أحتاج لمكان أسكن فيه وطعام ومصاريف الولادة للطفل القادم." "ماذا أفعل؟ هل أتصل بوالد فارس وأخبره بأمر حملي؟ أخرجت الهاتف من جيبها ثم تتذكر أنه أخذ هاتفها لأنه عرف أن فارس سيسأل عنه وأعطاها هاتف جديد ليس عليه أرقام، وهي لا تحفظ في ذاكرتها أي رقم. ولكن حتى لو كانت تعرف رقم الهاتف واتصلت به، فهو لن يهتم بكلامها فهو يعتبرها وصمة عار على جبين ابنه ويريد أن يتخلص منها ويمحوها من ذاكرته.
كل هذا كان يجول بخلدها وهي جالسة على سرير المستشفى. ثم اتجهت لربها بالدعاء ليفرج عنها هذا الكرب التي هي فيه. واستلقت على السرير بعد أن علقوا لها المحاليل. ثم سمعت إحدى الممرضات تقول لزميلتها أنها مضطرة لترك المشفي الخاص الذي تعمل به بدوام جزئي لأنها ستتزوج وتسافر مع زوجها، وأنها طلبت نقلها من هذا المشفي الحكومي أيضاً لمقر سكن زوجها. هنا طرقت ذهن عليا فكرة. لقد تعلمت في الملجأ كيف تعطي الحقن بشتى أنواعها.
فقد كانت تريد إكمال دراستها ودخول كلية الطب، ولكنها الآن في حكم الميتة أمام القانون، فقد أخرج لها والد فارس شهادة وفاة وهي لا تزال على قيد الحياة وحرمها من إكمال دراستها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!