جرى فارس نحو أبيه وحمله وتوجه به إلى السيارة ثم إلى أقرب مستشفى. وبعد أن فحصه الطبيب، نادى على فارس خارج الغرفة ليخبره أن والده تعرض لجلطة وأنه أعطاه الحقنة التي تذيب الجلطات في الوقت المناسب. يجب مراعاة حالته النفسية وعدم إزعاجه الفترة القادمة، لأن الزعل والحزن قد يفقده حياته، وخصوصاً أنه لا يتحمل المزيد من الدعامات في هذا السن. قال فارس: ومتى سيرجع معي للبيت؟
أجاب الطبيب: سنجري له بعض الأشعة والفحوصات من أجل تحديد العلاج المناسب، ثم تستطيع بعدها أن تأخذه معك. ثم بعد انتهاء الفحوصات، وبعد أن اطمئن فارس على والده، أخذه إلى الفيلا. لِتستقبله الأم باستغراب وتسأله عما حدث ولما تأخر لهذا الوقت. فغالباً يأتي من الشركة مع العصر وقد أوشك المغرب على الدخول. وتتعجب من حضور فارس معه، فلم تعتد أن يأتي إلى البيت في مثل هذا الوقت إلا بعد إلحاح منها ليتناول الغداء معها. ولكن فارس لم
يخبرها بالحقيقة وقال لها: إن والده قد شعر بوعكة صحية في المكتب، لذا جاء به للبيت. نظر همام لفارس بحدة وهو يقول: أرجو أن تصلح الخطأ الذي ارتكبته بسرعة. سألت الأم: ماذا حدث؟ عن أي خطأ تتحدث؟
أجاب الأب: أبداً، هناك خطأ صغير قد حدث في الشركة مع أحد العملاء، وفارس سيصلحه. فقد استلم بضاعة فاسدة لا تصلح أو تتناسب مع مستوى شركتنا، وستسبب لنا مشاكل كبيرة. ولابد أن يعيد البضاعة التي أخذها بالخطأ لصاحبها بسرعة حتى لا تتأثر سمعة الشركة. مفهوم يا بني؟ فارس: ولكن البضاعة جيدة، أنت لم ترها جيداً. الأب: لقد اتخذت قراري وعليك تنفيذه، فصحتي لا تتحمل الجدال.
الأم: إذا كانت البضاعة لا تعجب والدك فعليك أن تطيعة، فهو لديه خبرة أكبر منك، بالإضافة أن صحته ليست جيدة هذه الأيام لتوتره. الأب: ما تقوله أمك صحيح، وعليك التنفيذ. واليوم قبل الغد. فارس: مفهوم يا أبي. قالت الأم: ابقي معنا هذه الليلة، نتناول الغداء سوياً ثم نسهر سوياً لأعرف أخبارك. قال الأب: دعيه اليوم بالذات، فلديه عمل يؤديه، وغداً سأحضره معي لأننا سنرتب سوياً لحفل زواجه من جاسمن. قال فارس: بالاذن منكم.
ثم غادر فارس وكأنه يمشي على جمر ودون هدف. وبعدها ركب سيارته وانطلق نحو شقته. وهو في صراع مع نفسه، هل يتخلى عن حبه أم يضحي بوالده المريض؟ ثم يقول لنفسه: فارس، لا تكن أنانياً، فحياة والدك في خطر. وبالنسبة لعاليا، ستبقي على ذمتك ولن يعرف والدك بالأمر. ثم وصل إلى الشقة وهو لا يعلم كيف قطع الطريق إلى هناك. وجد عاليا جالسة على الأريكة وبجوارها حقيبة ملابسها لم تفرغها بعد، فعرف أنها تحضرت للوداع منه والمغادرة.
نظر إليها والدموع في عينيه قائلاً لها: أنا آسف حبيبتي، أنا لا أستطيع أن أتخلى عن حبي لك، ولكن في نفس الوقت لا أستطيع أن أكون سبباً في إيذاء أبي وموته. سامحيني. قالت: أعلم، لذلك فأنا مستعدة للرحيل. لقد كان بأمكاني الذهاب قبل أن تحضر، ولكن ليس هناك مكان أذهب إليه. لذلك انتظرت قدومك.
قال: لو فعلت ذلك وغادرت دون أن أعرف مكانك، كنت سأموت من الخوف عليك. فهيا بنا لشقتك الجديدة، فعلى الأقل حتى لو انفصلنا، فأنا سأعرف مكانك. ولا أدري ما الذي يحدث معنا، فيبدو أنه مقدر لك أن تنامي هذه الليلة هناك. فلم نفرح بعودتك لشقتنا حتى افترقنا مجدداً، ولكني لن أتخلى عنك، أعدك بذلك. تحتضنه عاليا وهي تبكي، ثم يطوقها بذراعيه قائلاً: أنت روحي ولا يمكنني أن أتخلى عن روحي، لأنني سأموت عندها.
قالت عاليا: لا تقل ذلك أرجوك، فهذا يؤلمني. قال: إذا هيا بنا. ثم يمسكها بيد ويمسك الحقيبة باليد الأخرى ليخرج من الشقة ويتجه إلى الشارع نحو سيارته. أخذها فارس بالسيارة وأوصلها إلى الشقة التي كان قد أعدها لها، وهي شقة والده القديمة التي كان يسكن بها قبل تأسيس الشركة، وهي تبعد أربعة كيلو متر عن شقته. ثم أدخلها للشقة ووضع الحقيبة وانطلق خارجاً ثم أقفل الباب ومضى دون وداع.
جلست عاليا تبكي على الأريكة. أما فارس فوقف أمام الشقة وقلبه يعتصر من الألم، لا يدري ماذا يفعل. هل يعود لها ويضمها أم يترك المكان؟ وقبل أن يغادر، يرن هاتفه. فإذا بوالده في الطرف الآخر، فقد اتصل حتى يتأكد من أنه تركها وسأله: هل طلقتها أم لا؟ أجاب فارس: لا أستطيع يا أبي، أرجوك لا تجبرني على ذلك، فأنا مغرم بها. ولكني أعدك أنني سأتزوج جاسمن ولن أعترض على شيء تطلبه مني أبداً، ولكن اتركها وشأنها.
قال: إذا لم تطلقها، فلست ابني بعد الآن. آه يا قلبي، ستقتلني يا بني. قال فارس: آسف يا أبي، لا تغضب، سأفعل ما تريده مني. قال الأب: إذا، دع الهاتف مفتوحاً واذهب لتلقي عليها اليمين حتى أسمع كلمة "طالق" بنفسي. طرق فارس الباب. ظنت عاليا أنه أتى ليودعها، فجرت نحو الباب بسرعة وفتحت الباب. ولما وجدت فارس، ارتمت في حضنه. ولكنه أمسكها من ذراعيها وأبعده عنه، ثم قال وهو ينظر في عينيها: أنا آسف، أنت طالق يا عاليا.
ثم انطلق مسرعاً نحو المصعد ولم ينظر خلفه. بينما في الطرف الآخر، أغلق الأب الهاتف وأخذ نفساً عميقاً، كأن حملاً ثقيلاً قد أُنزل عن كاهله. بينما كانت عاليا في الجانب الآخر جالسة على الأرض وهي منهارة من البكاء ومصدومة مما حدث.
أما فارس فانطلق بسيارته بسرعة جنونية، حتى أن صرير عجلات القيادة لفت انتباه الشارع كله. وانطلق مسرعاً كأنه في سباق للسيارات، والأحداث تمر أمام عينيه مثل شريط السينما. وفجأة وجد سيارة نقل أمامه، لم يستطع أن يتفاداها، فاصطدم بها. فحدث حادث مروع، وانقلبت السيارة أكثر من مرة. لينتهي المشهد بجسد فارس وهو مغطى بالدماء وملقى على الأرض داخل السيارة، لا يدري أحد ممن تجمعوا حول السيارة أهو على قيد الحياة أم فارقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!