تحميل رواية «عمر و اسماء» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل إحدى أرقى الفيلات المتواجدة بمنطقة كفر عبده، والتي تعد من أرقى مناطق الإسكندرية، ولا يسكنها إلا الطبقات المخملية. تلك الفيلا تعد هي واثنتان مثيلاتها المتبقيتان على حالهما في تلك المنطقة، بعد أن هدمت باقي الفيلات وشيد مكانها أبراج سكنية شاهقة الارتفاع. لكن أصحابها ما زالوا متمسكون بها رغم العروض الكثيرة التي تأتيهم لبيعها. داخل بهو الفيلا الراقي، والذي ما إذا شاهدته تكتشف ذوق ساكنيها الرفيع. نجد رقيه هانم تقف لتعطي أوامرها للعاملين للاهتمام بتنظيم وجبة الإفطار فوق الطاولة كما تحب، فهي مهووسة...
رواية عمر و اسماء الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني
داخل إحدى أرقى الفيلات المتواجدة بمنطقة كفر عبده، والتي تعد من أرقى مناطق الإسكندرية، ولا يسكنها إلا الطبقات المخملية.
تلك الفيلا تعد هي واثنتان مثيلاتها المتبقيتان على حالهما في تلك المنطقة، بعد أن هدمت باقي الفيلات وشيد مكانها أبراج سكنية شاهقة الارتفاع.
لكن أصحابها ما زالوا متمسكون بها رغم العروض الكثيرة التي تأتيهم لبيعها.
داخل بهو الفيلا الراقي، والذي ما إذا شاهدته تكتشف ذوق ساكنيها الرفيع.
نجد رقيه هانم تقف لتعطي أوامرها للعاملين للاهتمام بتنظيم وجبة الإفطار فوق الطاولة كما تحب، فهي مهووسة بالنظام.
وخلفها كان يجلس زوجها لواء متقاعد عبدالرحمن الغنيمي على أحد المقاعد، وبيده الجريدة الورقية التي ما زال متمسكاً بقراءتها كل صباح وهو يحتسي قدح قهوته.
نظر لها بعدم رضا من خلف الجريدة، ولكن فضّل عدم التدخل حتى لا تعطيه درساً في فن الإتيكيت وفن ترتيب طاولة الطعام، و و و و...
وما إلى ذلك هو في غنى عن كل هذا، فهي في كل الأحوال ستفعل ما يحلو لها.
بعد قليل نجد اللواء جالساً على رأس الطاولة، كما العادة، وعلى يمينه زوجته، وعلى شماله مقعد ابنه الأكبر عمر، بجانبه مقعد زوجته شهيرة، في مقابلها مقعد ولده الثاني مالك.
رقية بعصبية: زينب ياااا زينب.
تت الخادمة تهرول، وما أن وقفت قبالتها قالت بخنوع: أمرك يا هانم.
رقية: اطلعي اندهي البهوات، فات خمس دقائق على ميعاد الفطار.
قبل أن تكمل، وجدت ولديها يقتربان منها بعد أن سمعوها وهم يهبطون الدرج، وما أن وصلوا لها قاطعها عمر ممازحاً: والله ما أنتي تعبانة نفسك، البهوات وصلوا أهم.
أعقب قوله بإمالة جسده وقام بتقبيل رأسها، ثم اعتدل وقال: صباح الفل يا رقيه هانم.
ابتسمت له، ولكنها وبخته قائلة: صباح الخير، أنت مش عارف أنت والبه اللي قعد ياكل من غير حتى ما يقولي صباح الخير؟ إن مواعيد الأكل مقدسة عندي.
اتجه إلى والده مقبلاً رأسه، ثم جلس في مكانه المخصص وقال: يا ماما هما خمس دقايق مش حكاية يعني.
ابتلع مالك ما بفمه وقال ممازحاً: أقدر أقول لفخامتك صباحك سكر، ولا لسه قافلة؟
صرخت به قائلة: ولد! احترم نفسك، إيه قافلة دي؟
مالك بغيظ: يا ماماااا حرام عليكي، أنتِ شايفة كل واحد فينا قد ضرفة الباب ولسه بتقولي ولد، ده لو عسكري مالي عندنا سمعها الهيبة هتروح خالص. ثم وجه حديثه لأبيه وقال: ما تقول حاجة يا بوب.
عبد الرحمن: روكا حبيبتي تقول اللي يعجبها. التقط كفها مقبلاً إياه وقال: اهدي يا روحي متعصبيش نفسك بسبب الهمج دول.
نظر الاثنان لوالدهم بذهول، ثم مال مالك وهمس لأخيه: أقطع دراعي اللي ما كان أبوك وراه خروجة بالليل وبيجندلها.
غمز عمر لأخيه مؤكداً على حديثه، وبدأ في تناول طعامه محاولاً كتم ضحكته على هؤلاء الآباء الذين يبدو عليهم المراهقة المتأخرة.
أما الأب، فبعد تقبيل يدها سأل ولده وقال: أنت مسافر إمتى يا عمر؟
عمر: كان المفروض بكرة، بس نديم بيه طالبني في اجتماع مهم النهاردة، وقالي إن السفر هيتأجل.
رقية: أنا نفسي بقى تبطل سفر وتحاول تهتم بمراتك وابنك شوية، مش معقول كده حياتك كلها سفر.
ترك ما بيده ونظر لها ببرود بعد أن أخفى حزنه ببراعة وقال: أنتي مش واخده بالك إن الهانم لسه نايمة، وهرجع ألاقيها خرجت، مع إن المفروض الكام يوم اللي بقعدهم هنا تكون هي اللي بتهتم بيه يا ماما، مش الخدامة اللي تطلع تصحيني. ياريت زي ما حضرتك اخترتيها، أتمنى تفهميها إن ليها زوج وليها ابن. رميها للمربية ديما، وكل اللي شاغلها هتسافر فين تغير جو، وهتعمل شوبينج من أنهي براند، وكل صلتها بيا إنها تتباهى بعمر الغنيمي قدام صحابها.
وقف دون إضافة حرف آخر وقال: بعد إذنكم.
فقط تركهم وغادر بغضب مكتوم.
وبعد أن صعد سيارته انطلق بها بسرعة، مخلفاً وراءه سحابة غبار أثر احتكاك عجلات السيارة بالأرض.
بعد أن غادر، قام مالك وهو يقول بغضب: حضرتك لازم تحرق دمه الصبح عشان البومة اللي نايمة فوق دي.
رقية بغضب: ولدددد.
مالك: بلا ولد بلا بنت، قرفتونا اللي جابونا. بقي أنا سايبها لك وماشي.
خرج سريعاً تاركاً إياها تغلي كالمرجل، وكالمعتاد ستصب جام غضبها على زوجها المسكين.
رقية بغضب: عجبك اللي بيعملوه ولادك ده؟ ينفع كده؟
حاول أن يكتم غضبه منها وقال: أنتي اللي غاوية مشاكل مع ولادك يا رقيه، قبل ما تلومي ابنك على سفره اللي هو صميم شغله، لومي الهانم اللي كنتي بتقولي فيها أشعار عشان يرضى يتجوزها. وأهو بقاله تلت سنين محسش يوم إن ليه زوجة زي البني آدمين، كل همها الخروج والفسح، ده حتى ابنها بتشوفه بالصدفة.
صمت قليلاً وقال قبل أن يغادر: الله يسامحك على البلوة السودة اللي ابتليتي بيها ابنك يا رقيه.
و فقط غادر إلى عمله تاركاً إياها تسبح في بحر أفكارها وضميرها الذي يؤنبها على هذا الاختيار الفاشل، لكن كبرياؤها يمنعها من الاعتراف.
داخل فيلا الدكتور كامل المصري.
نجد شخصاً يهجم على غرفة بطلتنا الرقيقة دون أن يطرق الباب، مما جعلها تنتفض من موضعها صارخة بفزع، وحينما علمت هوية الفاعل صرخت بها: أنتي بتستهبلي يا ندي؟ خوفتيني.
كانت ندي تضحك بشدة عليها، وبعد أن هدأت قالت: حتى وأنتي زعلانة رقيقة يا بت انشفي، مينفعش كده.
أسماء بصوت عذب ولكنه مهزوز أثر ما حدث: عايزاني أبقى زيك؟ ولا أنا عارفة نفسي بنت ولا ولد. بصي لنفسك في المراية يا ندوش، أنتي بنت جميلة وكلّك أنوثة، ليه دفنة نفسك في لبس الجينز والتي شيرت وديمًا رابطة شعرك ديل حصان، وكمان الكاب اللي مش بتخرجي من غيره، حتى صوتك بتحاولي تتخنينه، ليه كده؟ قولتلك ميت مرة اتغيري وحسي إنك بنت.
ندي بجدية: أنا عجباني كده ومش هتغير، مليش أنا في محن البنات وسهلوكتهم دي، دانا لما بشوف بت بتدلع بحس إني هطروش وربنا.
امتعضت ملامح أسماء وقالت بقرف: هتطرّشي؟ في بنت تقول كده؟ الله يقرفك! صدق اللي سماكي المعلم قدورة.
هندي بفخر: ليا الشرف والله. وبعدين إيه الفستان الملزق ده يا بت؟ دخلتي فيه إزاي ده؟
نظرت لها بغيظ وكادت أن ترد عليها، إلا أن دقات الباب منعتها.
أذنت للطارق بالدخول.
وما كانت إلا الدادة رحمة، التي قامت بتربيتها منذ ولادتها وتحبها كثيراً.
رحمة: يلا يا قمرات، الفطار جاهز والكل مستنيكم.
حول طاولة كبيرة الحجم تتسع لأكثر من عشرين شخصاً، كان يجلس على رأسها دكتور كامل، وعلى يساره أخيه عزيز، تجاوره زوجته بهيرة، يجاورها ابنها كريم.
وعلى يساره مقعد ابنته الغالية، تجاورها ندي ابن عمها.
وصلت الفتاتان إليهم. ألقت ندي صباحاً عابراً على الجميع وجلست مكانها. أما أسماء فمالت على والدها معانقة إياه من الخلف، ثم قبلته فوق وجنته وقالت بحب: صباح الخير يا بابي.
كامل بحب: صباح الفل على قلبي.
ألقت تحية الصباح على عمها وزوجته وابن عمها، ثم جلست مكانها تحت نظرات كريم التي تلتهمها التهاما. فقال بإعجاب: الدريس يجنن عليكي يا سيمو.
ردت عليه بخجل: ميرسي.
رفعت ندي جانب شفتها العليا بتعجب وقالت بغيظ: لا راجل يا ضاضا! ده الفستان هيتفرتك عليها بدل ما تديها كلمتين وتقولها غيريه. الله يرحمك يا رجولة.
نظر لها بغضب، ولكن قبل أن يرد عليها كانت أمه الأسرع حين قالت: أنتي مش هتبطلي أسلوب بنات الشوارع ده، أنتي ناسيه أنتي بنت مين. بعدين بدل ما تنتقديها اتعلمي منها إزاي تبقي بنت حلوة وستايل، مش لبس الولاد اللي مش بشوفك غير بيه.
حزنت بداخلها، ولكنها أخفت مشاعرها ببراعة وقالت: أنا كده ومش هتغير يا بهيرة هانم، والحمد لله مش بخرج معاكي في مكان عشان متستعريش مني.
أعقبت قولها بالقيام مغادرة المكان وهي تقول: أنا ماشية، اتأخرت عالجامعة.
كامل: ليه كده يا بهيرة؟ مش معقول كل شوية تسمعيها كلامك ده؟ البنت نفسيتها هتدمر بسببك.
عزيز: عندها حق يا كامل، البنت دي خلاص جننتني، غير لبسها وطريقة كلامها، سايبة بنات العائلات الكبيرة اللي معاها في الجامعة وتروح تصاحب لي بنت شحاتة دخلت الجامعة بتاعتها بمنحة مجانية، لا وكمان عرفتها على صحباتها اللي في الجامعة الحكومية، وكلهم من بنات بحري وراس التين. وطول النهار معاهم هناك.
كريم: قولتلك يا بابا أدخل وأمنعهم إنهم يقربوا منها، حضرتك مرضتش.
أسماء: تمنعهم إزاي مش فاهمة؟ إيه هتهددهم ولا هتخلي البادي جارد يضربوهم؟
كريم بهدوء: لا طبعاً ولا ده ولا ده، أنتي فهمتيني غلط يا حبيبتي. أنا قصدي إنهم متصاحبين عليها عشان أكيد بتصرف عليهم. أنا كنت هدفع لهم قرشين عشان يبعدوا عنها مش أكتر.
دافعت عنهم قائلة: على فكرة البنات دي مش كده خالص، دول بنات محترمة جداً، وقليل جداً لو وافقوا إن ندي تعزمهم على حاجة. أنا قابلتهم كام مرة، صراحة عندهم عزة نفس وكرامة مشوفتهاش حتى في وسطنا.
كامل: ندي مش صغيرة، سيبوها براحتها، وأكيد لو في حاجة أنا شايفها غلط هتدخل فوراً.
وقفت من مجلسها مقبلة يد والدها وقالت: بعد إذنكم، أنا كمان اتأخرت.
وقف كريم سريعاً وقال: طب يلا حبيبتي هوصلك.
نظر له كامل بعدم رضا وقال وهو يحاول ألا يظهر شيئاً: لا خليك أنت النهارده، أنا هوصلها، أصل بقالي فترة مخرجتش معاها.
كتم كريم غيظه مع نظرات أبواها الخبيثة وقال: براحتك يا عمي. ثم مثل المزاح وأكمل: أنا هسيبها لك النهارده، بس بعد كده مش هتنازل عن خطيبتي أبداً.
انفجرت به بعد أن فاض الكيل من تحكمه فيها وعدم تركها تذهب لأي مكان بدونه، حتى سيارتها لا تستعملها إطلاقاً نظراً لقيامه بإيصالها لأي مكان تريده.
قالت بغضب: على فكرة بقى أنا خلاص اتخنقت بجد، مش معقول كده مش عارفة أخرج لوحدي ولا أركب عربيتي، حتى خروجي مع صحباتي بتيجي معايا. هو أنت للدرجة دي مش بتثق فيا؟ كده أووووفر أوي بجد.
حاول امتصاص غضبها وأيضاً أراد أن يقلب الوضع لصالحه، فقال ممثلاً الحزن: هو عشان بحبك وعايز أفضل معاكي ديما أبقى بخنقك، وعشان خايف عليكي يبقى قلة ثقة. أسف جداً، معرفش إني وحش أوي كده.
تدخلت بهيرة بغضب: مالك يا أسماء؟ إيه اللي غيرك من ناحية خطيبك كده؟ هو فيه واحدة تزعل من اهتمام حبيبها (تعمدت الضغط على حروف الكلمة لتوصيل لها ما تقصده) بيها؟ ولا أنتي غيرتي رأيك؟
ثار أبوها حينما رأى دموعها الغالية وقال: في إيه؟ ماااالكم نازلين بهدلة في البنت؟ كل ده عشان قولت هوصلها؟ يوم هي مش بنتي ومن حقي أخرج معاها، ولا أنتو خلااااص اشتريتوها؟
نظر إلى أخيه وقال بكلمات ذات مغزى وهو يرفع إصبعه كعلامة تهديد وقال بغضب جم: اسمع يا عزيز، أنا معنديش أغلى من بنتي، وعمر دموعها ما نزلت غير من بعد ما ارتبطت بابنك. عقل يا اماااااا، أنت عارف لو دماغي قفلت هقلب على الكل، فااااهم.
أعقب قوله بسحب ابنته المنهارة من البكاء تحت ذراعه بحماية، وخرج بها من بين تلك الأفاعي التي يدعو الله ويحاول جاهداً حمايتها منهم.
بعدما تأكد عزيز من مغادرتهم صرخ بابنه وزوجته قائلاً: أنتم أغبية! قولتلكم بلااااش تخنقوا البنت، هي أصلاً وافقت عليك غصب عنها، وأنت ولا كأني قولت حاجة ومشيت ورا كلام أمك لحد ما هتهد كل اللي وصلنا له.
بهيرة: وأنا عملت إيه يعني؟ مش كان لازم يفضل معاها عشان متفكرش تقابل الولد اللي بتحبه واللي أصلاً مش عارفين هو مين؟
كريم: بابا عنده حق، وبعدين أنا واثق من أخلاقها، استحالة توافق عليا وهي مرتبطة بحد، حتى لو كانت روحها فيه.
عزيز: اسمع أما أقولك، أنت سيبها براحتها عشان متزهقش أكتر من كده، بعدين أنتو بقالكم تلت سنين مخطوبين، لو كان في حد في حياتها كان ظهر من زمان، وأكيد الواد اللي كانت مرتبطة بيه عرف هي اتخطبت لمين وخاف. وبعدين يبقى مفيش داعي نقلق تاني، بس المهم تاخدها بالسياسة وتحاول تقنعها إنكم تتجوزوا وتكمل تعليمها وهي معاك، مش معقول لسه هتصبر سنة كمان، ده الحمد لله إنها في صيدلة هتخلص في خمس سنين مش سبعة.
كان اللواء نديم يجلس في مكتبه مع عمر وهو يمسك في يده ملفاً أزرق ويقول: أنا اخترتك أنت بالذات للمهمة دي عشان عارف إنك هتعرف تحل اللغز.
عمر: أيوه يا فندم، بس أنا كل شغلي مهمات خارجية، فجأة كده أشتغل في مصر وبادي جارد كمان، هههههه.
نظر له بلؤم ومد يده بالملف وقال: طب شوف الأول طبيعة المهمة وشخصياتها، وبعدين نتكلم في التفاصيل.
نظر له بعدم فهم، ولكن التقطه منه، وما أن فتحه ورأى أول ورقة حتى جحظت عيناه على تلك الصورة الملتصقة بأول ورقة ومدون تحتها اسم حبيبته وبياناتها.
رفع نظره ليقابل نظرات نديم، الذي هز رأسه ليؤكد له أنها هي حبيبته، والذي مطلوب منه حمايتها هي وأبيها.
نظر مرة أخرى إلى الأوراق التي بيده وبدأ يتفحصها بجنون، وبعدها قال: إزااااي؟ من إمتى الكلام ده؟
نديم بتعقل: اهدي اهدي يا عمر، أنا اخترتك أنت بالذات للمهمة دي مش عشان أنت ضابط كفء وبس، لا عشان عارف...
و فقط صمت بعد تلك الكلمة التي جعلت عمر يقف مدهوشاً وقال: عارف يا عمر، وأنت فاهم بقى مش لازم أوضح.
عمر: حضرتك عرفت إمتى؟
ضحك نديم وقال: من أول يوم استعلمت عنها من أربع سنين، معرفش تفاصيل وتفاجأت بجوازك من غيرها، بس لمعة عينك انطفت بعدها، محبتش أتدخل وقولت حياتك الخاصة وأنت حر فيها، بس من حوالي كام شهر وأنت في مهمة عبد الله الجوهري لقيتك رجعت تدور وراها، بعدها جالي الملف ده فقولت أكيد في معلومات وصلت لها هتفيدك لما تربط ده بده، فهمت حاجة؟
ضحك عمر بصخب وقال: إلا فهمت، فهمت أوي، صدق اللي سماك ديب.
مثل نديم الجدية وقال: حضرة الظاااابط انتبااااه.
وقف مستقيماً مؤدياً التحية العسكرية ثم قال: تمام يا فندم.
بعدها اقترب من نديم وقال: بعيداً عن إن دي مهمة شغل ولازم أأديها زيها زي غيرها، بس أنا هعتبرها دين في رقبتي وهردها لك، شكراً بجد يا نديم باشا.
وقف نديم وربت فوق كتفه وقال بحنو: أنت ابني قبل ما تكون ضابط عندي يا عمر، وأنا حاسس بيك وبعذابك، وأهو جالك الفرصة اللي تخليك جنبها وفي نفس الوقت تفهم إيه اللي حصل، بس خلي بالك الموضوع كبير ومش سهل، وأنا لو مكنتش متأكد إنك تقدر تفصل كويس بين شغلك ومشاعرك مكنتش أبداً مسكتك الملف ده.
عمر بعزيمة نابعة من قلبه الذي يقطر دماً خوفاً وشوقاً لحبيبته قال: وأنا مش هخذلك يا باشا، والعملية دي بالذات بآمر الله هخلصها في أقرب وقت.
جلس في سيارته بعد أن خرج من مكتب اللواء نديم، ولم يفتح نوافذ السيارة المعتمة. أمسك الملف وفتحه على صورتها. حبيبته. أخذ يملس بإصبعه الإبهام فوق الصورة وهو ينظر لها نظرات تقطر... عشقا... واشتياقا... والكثير من وجع الفراق الذي ذبحه وجعله ينزف ناراً بدل الدم.
تذكر رؤيته لها لأول مرة حينما كان ذاهباً لرئيس جامعتها الخاص لأمر خاص بعمله، وبعد أن أنهى المقابلة كان يهبط من الدرجات القليلة التي تكون أمام باب المبنى.
فلاش بااااااك.
كان يهبط الدرجات المؤدية إلى ساحة الجامعة ليخرج منها، إلا أنه تصنم مكانه قبل آخر درجة حينما رأى ملاكاً يشع نوره حول المكان في تحدٍ سافر لنور الشمس أن يضاهيه.
غاب عن الواقع حينما كانت تلك الجميلة تزيح بيدها خصلات شعرها البنية الطويلة لتجمعها على كتفها، ومع التفاتها التقت عيناهما معاً، وكأن المكان قد أصبح فارغاً إلا منهما.
تاه كلاهما في عيون الآخر، ولم يستطع أحداً منهما إنهاء تلك اللحظة، وبالأساس كان شعوراً قوياً بداخلها لا تريد أن تنتهي.
ولكن كان لصديقتها رأي آخر حينما كانت تحدثها ووجدتها شارده، فنظر لمكان شرودها ووجدته هو الآخر سارحاً بها، فنكزتها وهي تقول: سيمو سيمووو.
وانتفضت أسماء بفزع وقطعت ذلك التواصل وهي تلتفت لصديقتها بتيه، فقالت ألاء بمزاح: هو إيه الواد مز آخر حاجة، بس اتقلي كده متدلقيش من تسبيلك، ههههه.
نظرت لها بغيظ وقالت وهي تسحبها معها لتهرب من تلك الهالة التي حاوطتها: أنتي اتجننتي؟ يلا يلا اتأخرت وبابي مستنيني.
ابتسم بحلاوة وهو يقرأ شفتيهما كما المعتاد وعرف ما يقولانه.
ذهب ورائها حتى صعدت سيارتها بصحبة صديقتها، وسريعاً حفظ أرقامها، وبعدما تابعها بعينيه العسليتين حتى غادرت المكان، صعد هو الآخر سيارته، وقبل أن يديرها أخرج هاتفه وطلب رقماً ما، وحين جاء الرد قال: باشا الداخلية عامل إيه؟
حسن وهو أحد ضباط الداخلية: عمر باشا، أخيراً افتكرتنا.
عمر: معلش يا صاحبي، أنت عارف الشغل والمطحنة اللي إحنا فيها.
حسن: كان الله في العون يا ريس.
عمر: عايزك في خدمة.
حسن: أؤمرني.
عمر: هبعتلك رقم عربية، عايز بياناتها ضروري.
حسن: سهلة يا ريس، بكرة تكون عندك.
عمر بغيظ: أنت بتستهبل يا روح أمك؟ قدامك ساعة بالكتير تكون عندي بياناتها، ساااامع.
مثل حسن الرعب وقال: نص ساعة يا ريس، هو أنا قولت غير كده؟
أغلق معه وهو يبتسم ويقول بصوت خفيض: هعرفك وهجيبك ومش هسيبك وهحاسبك على قلبي اللي خطفتيه يا... سيمو، ههههه، بس تري سيمو ده دلع إيه... هعرف.
بااااااك.
نظر أمامه بعيون تلمع بالإصرار وقال: هعرف إيه اللي حصلك، وهرجعك، وهحميكي بروحي، وده وعد مني.
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
انتظروني.
رواية عمر و اسماء الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة الحلواني
رواية عمر و اسماء
الفصل الثاني
بقلم فريده الحلواني
كانت تجلس في حضن ابيها و شهقاتها التي تعلو تقطع طيات قلبه فهي وحيدته الغاليه التي تركتها من عشقها حد الجنون له امانه و لكنه فشل في حمايتها حتي من اقرب الناس لهم
اخذ يربت علي كتفها بحنان اب قلبه يدمي حزنا علي صغيرته و بدا يقول : اهدي يا حبيبت بابي كل حاجه هتبقي كويسه ان شاء الله
خرجت من تحت زراعه و قالت من بين شهقاتها : ازاي بس يا بابي و انا بقالي تلت سنين عايشه في سجن حتي خروجي للجامعه او مع صحباتي كرهته بسببه مش بيفارقني مش مديني فرصه اتنفس انا اتخنقت اعقبت قولها ببكاء اقوي من زي قبل
نظر نظره خاطفه تجاه السائق الذي يتابعهم باهتمام ليري ماذا ستؤول اليه الامور ثم امسك كف ابنته و ضغط عليه بمغزي فانتبهت هي لمقصد ابيها حينما قال : هو بيحبك يا بنتي و خايف عليكي عشان كده مش بيفارقك ثم ابتسم رغما عنه و قال : انا هملصلك ودانه الولد ده عشان ميزعلش بنوتي الحلوه تاني و كمان انا محضرلك مفاجأه هتريحك و اكيد هتعجبه
نظرت له بعد ان فهمت مغزي حديثه و قالت : يا بابي انا كمان بحبه بس هو خانقني المفروض يسبلي مساحه حريه شويه
ابتسم السائق في خبث وهو يسمع ضحكات فرحه عبر سماعه البلوتوث التي يضعها في اذنه و يفتح الخط علي شخصا ما ليسمعه ما يدور بين الاب و ابنته
كامل : خلاص يا حببتي كفايه بكي و بلاش جامعه انهارده تعالي معايه الشركه و بعدها خلي كريم يعزمك علي الغدا في اي مكان عشان تغيري جو و يصالحك
انتفضت رافضه تلك الفكره البغيضه و قالت : مش هينفع يا بابي عندي سيكشن مهم جدا و كمان انا وعدت ندي اني اخرج معاها احنا و اصحابنا خليها يوم تاني اكون هديت شويه و اقدر اتفاهم معاه من غير خناق
قبل جبهتها و قال : الي يريحك اعمليه يا روحي انا عايزك مبسوطه و بس
احتضنته بحب و قالت : ربنا يخليك ليا يا بابي
في فيلا عمر الغنيمي الخاصه به داخل كومباوند في مدينه برج العرب احدي المناطق التي انشأت حديثا علي اطراف محافظه الاسكندريه
اجتمع هو و فريق عمله المكون من تميم صديقه القديم و عثمان و احمد رجاله الذي لا يستغني عنهم
( الي ساعدو تميم لما خطف اهل عبدالله من الحاره )
هؤلاء الثلاثه هم من يثق بهم كثيرا لذلك قرر ان يشركهم معه في مهمته الحاليه و التي بالنسبه له حياه او موت بما انها متعلقه بحيات حبيبته
بدا في الحديث قائلا : انتم عارفين اني بثق فيكم جدا و في اي عمليه بتولاها لازم تكونو معايه بس المهمه دي بالذات متوقف عليها حياتي انا شخصيا
نظرو له ثلاثتهم باستغراب فاكمل : يعني هي حمايه حد يهمني حياته اكتر من حياتي انا شخصيا قال تلك الجمله بقلبا وجل و عيون تلمع عشقا و اصرارا ففهم الناظرون اليه مغزي حديثه و شعرو به و لكنهم فضلو عدم الدخول في تفاصيل خاصه به فالامر يبدو واضحا لا يحتاج الي حديث بل كل ما يحتاجه فقط الاحساس به و قد كان
تميم : طب اشرحلنا طبيعه العمليه ايه و دورنا هيكون ايه و احنا معاك حتي لو بحياتنا
نظر له عمر بامتنان و قال : تعيش يا صاحبي الحكايه بدأت من تلت سنين لما الدكتور كامل المصري حصل علي جايزه نوبل بسبب اختراع عمله في نوع معين من الادويه المهمه و بنته وقتها كانت في تانيه صيدله بس هي من صغرها بتعشق الكيميا زي ابوها و هي الي اوحتله بالفكره و هو بخبرته طورها و لما كان بيستلم الجايزه اعلن ان بنته هي صاحبه الفكره
و من بعدها بدات تجيلو ناس كاصحاب شركات ادويه عالميه عشان يشترو منه التركيبه بس هو كان بيرفض لانها لو اضفلها تركيبات معينه هتبقي اخطر من السلاح النووي
عثمان : يعني حرب بيولوجيه زي الجمره الخبيثه و كده
( منذ حوالي عشر سنوات انتشر فيروس يسمي بالجمره الخبيثه كان زي البودره البيضه و كان مجرد ما يلمسه اي شخص او يشمه بيحصل تلف للخلايا العصبيه و بيموت فورا و كانت بتستعمله الجماعات الارهابيه لتصفيه اعدائها كانو يرشوه جوه اي ظرف و يبعتهوه للشخص الي مطلوب قتله عن طريق البريد و بمجرد ما يفتحه بحسن نيه علي انه جواب مبعوتله بيموت فورا انا بس حبيت اوضح للي ميعرفهاش )
عمر : برافو عليك بس دي اخطر منها كمان يعني هي تركبته الاساسيه علاج بس لو اتلعب في عناصر التركيبه بيتحول لسلاح قاتل
احمد : و طبعا هو كان عارف ده عشان كده رفض يبيعه
عمر : فعلا و من بعدها بدأت التهديدات تجيله الاول كان مش مهتم بس بعد ما ضربو نار علي عربيه بنته كنوع من التهويش عرف ان الموضوع مش سهل
تميم : طب و هما بقالهم تلت سنين بيهددوه معقوله
نظر عمر له و ظهرت لمعه حزن اخفاها سريعا و قال : لا الي حصل من تلت سنين بعد ما كترت التهديدات و حادثه ضرب النار علي بنته فجأه جتله ازمه قلبيه و دخل المستشفي و بعد ما خرج تمت خطوبه بنته علي كريم ابن اخوه و بعدها هوووووس مفيش اي حاجه
عثمان : معقول كانت لعبه من اخوه عشان يخطب بنته بس لا مش منطقي
احمد : او يمكن اخوه شغال مع الناس دي
تميم : لا في حلقه مفقوده كمل يا ريس
عمر : بعدها كريم بقي ملازم بنته في كل حته الجامعه خروجها مع صحباتها كل حته ممكن تتخيلها مرات قليله اوي الي كان بيسيبها فيها
اما الدكتور كمال فجأه بردو غير السواق بتاعه و السكرتيره كمان اتغيرت حتي المحامي الخاص بتاعه و الي كان مصدر ثقه له اختفي فتره بعدها رجع بيته و اعتزل المحاماه خالص و من وقتها تقريبا مش بيخرج من فيلته ابدا
فكر تميم قليلا ثم انتفض قائلا : عزيز المصري ايووووه عزيز المصري اوعي يكون الي في بااااالي
ابتسم عمر بغلب و قال : ايوه هو الي .......
اجتمعت ندي مع صديقتها منه التي حصلت علي منحه جامعيه اهلتها للدخول لتلك الجامعه الخاصه التي لا يرتادها الا الاثرياء و قابلت تنمر كبير من هؤلاء الطلبه الذين يرونها اقل شئنا منهم و لكنها حقا لم تهتم حتي تقابلت مع ندي بالصدفه و تعارفا حينما وجدتها تختلف كل الاختلاف عن مثيلاتها من الطبقه المخمليه و صارت صداقه بينهما منذ عامان و قد عرفتها منه علي صديقتها الاخري سلوي و لكنها في جامعه حكوميه و اصبحا ثلاثتهم دائما يخرجون سويا و بالطبع يجلسون في كافيهات منطقه بحري الجميله
و في بعض الاحيان تنضم لهم اسماء بعدما يتركها كريم علي مضض
ندي : اخيراااا خلصنا دكتور نفخ اعوذ بالله
انطلقت ضحكات منه و قالت : ماله بس يا بنت الاكابر ده و لا همه الكاب الي مش بيتشال من علي راسك و لا الجينس و التي شيرت الي بقو ماركه مسجله عندك و سايب كل المزز الي لابسين من غير هدوم و قاعد يسبلك
نظرت لها بزهول و قالت : يخرب بيتك كل ده انتي كنتي مركزه فالمحاضره و لا الي حواليها يا بت
منه بجديه زائفه : الي بيحصل حواليها طبعا ههههههههه
ضحكت لها وقالت : طب يلا ياختي عشان هنعدي علي اسماء و بعدين سلوي عشان يتغدو معانه
منه بتوسل : الله يخليكي يا ندوش بلاش سمك انهارده انا قربت انور مالفسفور الي بطفحهولنا عند قدوره لحد ما الكل بقي مسميكي المعلم قدوره
صعدت الفتاتان السياره بعد اخر ما قالته منه فردت عليها و هي تدير المحرك منطلقه لوجهتها : يا بنتي السمك ده عشق ايش فهمك انتي
منه : اعشقيه براحتك بس ارحمي ابونا بقي
ندي : طب خلاص بصي احنا نقعد عند ابو ايه و نبعت حد يعملنا حوواشي ايه رايك
صفقت منه بفرحه و قالت : ايوه بقي هو ده الكلاااام ..صمتت لحظه ثم قالت بتزكر : احييييه طب و الغريبه ( لقب اطلقوه علي اسماء من شده رقتها ) هتاكل ازاي من غير شوكه و سكينه يالهوي دي هتفضحنا هناك هههههه
ضحكت ندي و قالت باجرام : هطفحهولها البت دي لازم تنشف امال انا هوديها الكافيه ده بالذات ليه هههههههههه
هبطت شهيره من فوق الدرج بعدما افاقت توا من نومها و ادت روتينها اليومي المعتاد و ما ان وصلت لاخر درجه قالت صائحه بغرور : زينب يااا زينب
اتت لها تهرول و قالت : امرك يا هانم
شهيره : ايه ساعه عشان تردي
زينب : و الله ابدا يا ها
قاطعتها بكبر قائله : خلاااص مش عايزه رغي كتير اعمليلي النيسكافيه بتاعي بسرعه
كادت ان تتحرك و لكنها قالت : في حد هنا و لا الكل خرج
زينب : البهوات خرجو الصبح بدري و رقيه هانم فالجنينه بتلاعب سيف بيه مع الداده بتاعته
نظرت امامها بغيظ و تركتها دون ان تعيرها اي اهتمام و اتجهت للخارج
قالت الخادمه و هي تتجه لصنع ما امرت به : ربنا ياخدك يا بومه منك لله يا رقيه هانم بقي عمر باشا الي زي السكر تبليه بالبومه دي
وصلت الي الداخل وهي تسب بهمس فقابلتها زميلتها و تدعي نجيه التي قالت حينما راتها بتلك الحاله : مالك بتبرطمي ليه يا زنوبه هي العقربه بخت سمها فيكي بردو
زينب بقهر : و هي بتعرف تعمل حاجه غير كده منها لله ربنا يريح عمر بيه منها و يريحنا احنا كمان
نجيه : ياااارب متزعليش ياختي حقك عليا مانتي عارفه اكل العيش مر لازم نستحمل
زينب بدموع : و الله انا كنت هاسيب الشغل كذه مره لولا عمر بيه و مالك بيه الله يكرمهم و ابوهم كمان بيراضوني و بتكسف منهم بس بجد تعبت من الزل و الاهانه دي تعتبر انهارده معملتش حاجه
نجيه : معلش يا حببتي ربنا منتقم جبار ارتاحي انتي انا هعملها الطفح و اطلعهولها بلاش تحتكي بيها انهارده
كانت تجلس رقيه في حديقه فيلتها الراقيه و يجلس امامها حفيدها الغالي سيف الذي اكمل عاما منذ شهران وترافقه المربيه الخاصه به تلاعبه بلطافه
جلست بجانبها شهيره و هي تقول : هاي انطي
نظرت لها رقيه بغيظ و كادت ان تتحدث و لكن قاطعها حفيدها حينما هلل لرؤيه امه و حاول الوصول اليها بمساعدت مربيته و هو يقول ما...ما....و ما ان وصل اليها حتي مالت اليه و حملته مقبله اياه دون اهتمام و قالت : حبيب مامي صباح الخير...و فقط اعطته لمربيته و هي تقول : خدي لعبيه بعيد شويه يا شاديه انا لسه صاحيه و مصدعه
نفذت المربيه ما امرت به و لم تستطع رقيه السكوت اكثر حزنا علي حفيدها المحروم من امه رغم وجودها فقالت موبخه اياها : ابنك بقالو يومين مشافكيش يا هانم و مش هاين عليكي تشيليه شويه و لا تاخديه في حضنك
نظرت لها بنزق و قالت بتافف : بلييز انطي انا لسه مش شربت النيسكافيه و دماغي هتتفرتك من الصداع
رقيه : طبعا لازم تتفرتك من الزفت الي بتشربيه مع صحباتك و ترجعي وش الفجر سكرانه من غير ما تراعي اسم جوزك و لا سمعته انا لحد امته هفضل افهم فيكي انك بتخسري عمر بعمايلك دي
ردت عليها بوقاحه : و الله ده ستايل حياتي الي انتي عرفاه من قبل ما اتجوز ابنك هههه و بعدين انا امتي كسبته عشان اخسره ده من اول يوم جواز و كل واحد مننا بينام في اوضه ده غير انه ديما مسافر و لما بيرجع ييجي يقعد معايه ساعه هههه عشان يديني حقي الشرعي تأديه واجب مش اكتر عيزاني بقي ادفن نفسي بالحيا و اقعد استني البيه لما يحن عليا لااااااا ابداااا انا شهيره النجار الف غيره كانو يتمنو نظره مني
رقيه : و ماخدتيش ليه من الالف دول انتي ناسيه انك كنتي هتموتي عليه و مامتك ياما لمحتلي و لولا اني اجبرت ابني عليكي و لا كان عرف بوجودك فالحياه اصلا و بدل ما تقربي منه و تكوني ليه زوجه كويسه تراعيه و تهتم بيه و تخليه يحبك لا بعدتيه اكتر عنك بتفاهتك و حياتك البايظه حتي لما حملتي كنتي مخبيه عشان تنزليه لولا انه عرف و منعك و يا ريتك حتي اهتميتي بابنك لا رمياه للداده ليل نهار يعني انتي فاشله كزوجه و ام متلوميش حد بقي لما ابني يجيب اخره منك و يطلقك
انتفضت فزعه من هول الفكره و قالت بمهادنه : يعني ايه يا انطي هو قالك حاجه و انتي هتوافقي يعمل كده
نظرت لها رقيه بغيظ و قالت : هو مقالش بس انا عارفه ابني كويس قرب يجيب اخره و انا عشان مش عايزه ده يحصل قولت افوقك عشان تلحقي نفسك
شهيره : طب اعمل ايه يا طنط قوليلي
رقيه : حاولي تهتمي بيه شويه و خفي خروجاتك الي كل يوم دي حسسيه انك بتحاولي تتغيري
شهيره بنزق : يعني اتحبس فالبيت عشان يرتاح
رقيه : عالاقل الايام الي بيبقي موجود فيها هنا بلاش خروج و حاولي تنامي معاه في اوضته بلاش حكايه كل واحده في اوضه دي
نظرت لها شهيره و قالت : هحاول يا انطي بس انتي بردو حاولي من ناحيتك انتي عارفه ابنك دماغه ناشفه و عنيد قد ايه
وصلت ندي بسيارتها بعد ان اسطحبت اسماء من جامعتها و بعدها سلوي صديقه منه
وقفت امام احدي الكافيهات الشعبيه المعروفه في منطقه بحري و لكنها قبل ان تصل لمكان ركنتها المعتاد وجدت سياره فاخره تاتي مسرعه و تقف مكانها
دعست علي مكابح سيارتها بسرعه قبل ان تصتدم بذلك الذي نعتته بالغباء ثم اخرجت راسها من نافذتها و قالت بصراخ : انت غبي ياااااض مش خايف من امك تسفخك قلمين لو العربيه الي جيبهالك اتخبطت
ما ان سمع الماكث داخل سيارته تلك الاهانه غلي الدم في عروقه و هبط سريعا بغيظ دون ان يغلق الباب و اتجه اليها بغضب و ما ان راته الفتيات ارتعبن من هيأته الاجراميه و جسده الضخم أخذت منه تلطم فوق وجنتها و هي تقول : يا لهوي احييييه ملقتيش غير جون سينا و تهزقيه منك لله
ردت عليها ندي و هي تهبط له هي الاخري لتواجهه و تقول : كل ده نفخ يا بت كله بيضرب بروتين
كان قد وصل امامها و سمع ما قالته فتمالك حاله حتي لا يطيح بها بضربه واحده و راعي انها من المفترض انثي فقال بغيظ : تحبي ارزعك كف اطيرلك بيه صف سنانك عشان تعرفي ده نفخ و لا اصلي
ندي ببجاحه : و لا تقدر و لا انت و لا بلدك و يلا يا حماده شيل عربيه مامي عشان ده مكان ركنتي
غلي الدم في عروقه و جزبها من مقدمه ملابسها تحت صراخ الثلاث فتيات و اضطرو ان يترجلو من السياره لمحاوله التدخل و انقاذ الموقف
نظرت له باحتقار و ثقه عاليا و قالت : شيل ايدك الوسخه دي بدل ما توحشك يا سكر
مالك بصراخ : بت انتي قسما بالله انا ماسك نفسي عنك بالعافيه عشان المفروض انك بت بس هتقلي ادبك هربيكي سااااااامعه
خافت من هيئته و لكنها ادعت القوه و ضربته بكفيها فوق صدره لتبعده عنها و هي تقول : لم نفسك انت و ابعد انت مش قدي ياااااض
تدخلت منه بخوف : احنا اسفين يا كابتن هي م
ندي بصراخ : بس يا بت بتتاسفي لمين اركبو العربيه بسرررررررعه
فهمت الفتيات انها تنوي علي شىء ما فصعدو سريعا و ما كاد مالك ان ينطق حتي فاجأته برفع ركبتها و ضربه بقوه في رجولته صرخ علي اثرها مالك و لكنها لم تنتظر صعدت سيارتها و قادتها بسرعه و هي تقول سلااااام يا حماااااده سلم علي مامي ههههههههه
وقف مشدوها مما حدث وهو يحاول الوقوف معتدلا برغم المه المميت الذي يشعر به أخذ يسب فيها بابشع الالفاظ و هو يغلي من الغضب فهو لاول مره يتعرض لهكذا موقف و من من ....من فتاه لا يصل طولها لنصف جسده
تمالك حاله و اتجه ناحيه المسؤول عن المكان و الذي كان متواجد بعيدا و لم يري ما حدث و حينما رأه هجم عليه ممسكا به من تلابيبه دون ان يعطه الفرصه للنطق
و قال : ولااااا يا حمو مين البت الي معاها عربيه جاجوار فضي اااااااانطق
ارتعب الرجل و لكنه رد سريعا : دي ندي هانم المصري يا بيه ليه مالها
تركه بغيظ و قال بامر : تبقي مين بقي و ايه الي يجيب واحده راكبه عربيه زي دي هنا احكي كل الي تعرفه عنها
حمو : دي بت كويسه يا بيه هي عملتلك حاجه
مالك : انت سمعت اناااا اقولت ايه ااااخلص
حمو : دي تبقي ندي بنت عزيز المصري صاحب شركات الادويه بس هي مش بتحب تخرج مع الناس الي من عينتهم دي متواضعه و جدعه اوي يا بيه و ديما تيجي هنا هي و صحباتها هما بنات من بحري هنا بس هي بتحبهم و من كتر ما بتقعد هنا الكل بيفتكرها من بنات بحري
نظر مالك امامه يفكر فيما سمعه عنها و برغم غضبه منها الا انه ابتسم من داخله و قال : بت الكلب علمت عليا بس علي مين مش هسيبها دي طلقه يا جدع انا اول مره اشوف بت بالحلاوه و الجدعنه و التجرمه و بت عيله كل ده في واحده بس ضحك بصوت و قال للواقف ينظر له بذهول : بقولك احمو هي بتيجي امتي مواعيدها ايه يعني
حمو : ليه بس يا بيه هي عملت ايه
مالك : ...........
ماذا سيحدث يا تري
رواية عمر و اسماء الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة الحلواني
انقضى أسبوع على آخر أحداث مرت بأبطالنا، وقد قضاه عمر في الترتيب لمهمة حياته كما أطلق عليها. وها هو يتقلب فوق فراشه، يجافيه النوم، ويعد الدقائق حتى ينقضي الليل سريعًا ليأتي نهاره وتسطع شمس حبيبته لتنير حياته من جديد.
أما على الجانب الآخر، فحال حبيبته لا يختلف كثيرًا عنه. هي أيضًا جافاه النوم، وتشعر بقلبها ينبض بقوة وكأنه يشعر بما سيحدث بعد سويعات قليلة.
تقلبت في فراشها كثيرًا، ثم اعتدلت جالسة وقالت لحالها:
"إيه اللي فيا ده؟ مش عارفة أنام."
تنهدت بقوة وقالت:
"قلبي بيقولي إن فيه حاجة هتحصل. يا رب."
أمسكت هاتفها لتبحث عن أغنية تسمعها لتواسي قلبها الحزين. ظلت تبحث حتى وجدت ضالتها، فضغطت على زر التشغيل. وما إن انطلقت نغماتها حتى أغمضت عيناها التي سالت منها دموع الاشتياق رغما عنها.
كانت جنات تصدح بصوتها العذب، وكأن كلماتها تعبر عن حالها.
"وحشني إيده تلمسني."
دخلت إليها في ذلك الوقت ندى، التي كانت تشعر أنها ليست بخير طيلة اليوم، ولكنها أجلت سؤالها حتى يخلد الجميع إلى النوم ليتسنى لهم الحديث بارتياح. وقد صدق حدسها حينما أغلقت الباب خلفها ووجدتها تبكي مع تلك الأنغام الحزينة. وبدون أن تتفوه بحرف، جلست بجانبها فوق الفراش، وجذبتها محتضنة إياها بحنو، مما جعل شهقاتها تعلو، فهي كانت في أمس الحاجة لذلك الحضن.
ربتت عليها وقالت:
"وحشك مش كده؟"
ردت عليها وهي على وضعها وقالت:
"وحشني لدرجة إني مش قادرة أتنفس من غيره. لدرجة إن حياتي وقفت من تلات سنين. اللي عايشة معاكم دي مش أنا، دي واحدة تانية معرفهاش."
بكت وأكملت:
"أنا بمثل إني عايشة. بقيت عايشة بشخصيتين، واحدة اللي عايشة معاكم، والتانية بتظهر أول ما أبقى لوحدي. حنيني ليه بيخنقني. ذكرياته هي اللي مخلياني أقدر أتنفس وأحاول أعيش. أنا ندمانة على كل لحظة كنت بزعل فيها منه أو أخاصمه. لو كنت أعرف إني هبعد، كنت عشت معاه كل لحظة في حياتي عشان أعمل ذكريات أكتر."
شهقت بقوة وأكملت:
"أنا بعشقه لدرجة إني بقيت بعمل نفس حركاته بإيدي من غير ما أحس. بقي يجري في دمي يا ندى، حتى لو شلت قلبي من مكانه عشان ما يدقش ليه؟ طب أغير دمي إزاي؟"
بكت بقوة وقالت:
"أنا بموت من غيره، وإحساس الخيانة قاتلني."
اعتدلت لتواجه صديقتها وقالت بحزن:
"أنا اللي خونته، أنا اللي بعته يا ندى. حاول معايا كتير وسألني كتير ليه عملت كده، بس مقدرتش أقوله."
ضحكت بغلب من بين دموعها وأكملت:
"ده أنا كمان حلفتُه بحياتي إنه يبعد وما يدورش ورايا. قلت له انساني."
شهقت وأكملت:
"قلت له انساني وأنا بتنفسه يا ندى. تعبت، مش قادرة أستحمل. وأخوكي ضاغط عليا، مضطرة أعامله كويس. بتقطع لما بكذب وأقوله بحبك. الكلمة دي ما اتخلقتش غير لحبيبي وبس. إزاي أبقى بالبشاعة دي وأقولها لغيره؟ تعبت، أقسم بالله تعبت. نفسي أشوفه وأترمى في حضنه وأقوله خبيني، اخطفني من الدنيا، أنا مكتفية بيك أنت، مش عايزة أشوف حد ولا أعيش مع حد غيرك."
مسحت دموعها بقوة وأكملت:
"بس للأسف مش هقدر أعمل كده. أنا اللي ضيعته ودمرتله حياته."
شهقت بقوة وأكملت:
"جالي يوم فرحه وقال لي قوليها وأنا هبيع الدنيا وأشتريكي، مش هيهمني غيرك. أنا بجوازي ده بدفن نفسي بالحياة. ما تموتنيش يا أسماء، أرجوكي."
"وعيط... عيط وهو بيترجاني إني أرحمه وأرجعله. وأنا بمنتهى الغباء قلت له ربنا يسعدك."
"سابني ومشي من غير ولا كلمة، بس نظرته ليا عمري ما هنساها... قتلتني، دبحتني، ولحد دلوقتي بنزف ومش لاقية اللي يداويني."
بكت ندى حزنًا على أختها وصديقتها الغالية، فهي عاشت معها كل تلك المعاناة ورفضت رفضًا قاطعًا ارتباطها بأخيها. ولكن تصميم أسماء على تلك الخطبة ظل علامة استفهام كبيرة لم تستطع حلها.
قالت لها بهدوء ينافي ثورتها:
"لو تقوليلي بس إيه اللي أجبرك تسيبيه وتتخطبي لكريم؟ بقالي تلت سنين بسألك نفس السؤال وإنتي رافضة تقولي. لحد إمتى هتقدري تتحملي العذاب ده؟ إنتي أجلتي الجواز لحد ما تتخرجي، طب إنتي فاضلك سنة، تقدري تقوليلي حجتك إيه بعد كده؟ هتتجوزي واحد وإنتي قلبك مع غيره؟ هتقدري تخليه يلمسك؟"
نظرت لها برعب من تلك الفكرة وهزت رأسها بهستيريا دلالة على رفضها القاطع لتلك الفكرة، وصرخت بصوت مكتوم:
"لآآآآآآلآآآلآآآلآآآ... مقدرش. أموت، وأقسم بالله أموت لو ده حصل."
احتضنتها ندى لتحاول تهدئتها، ولم ترغب في الضغط عليها أكثر، فقالت:
"اهدي يا حبيبتي، اهدي. ربنا عالم باللي فيكي وقادر إنه يحلها من عنده."
كان اللواء عبد الرحمن يقف في شرفته ليدخن سيجارة، تاركًا زوجته تغط في نوم عميق. ألقى ببصره للأسفل، وجد ولده يجلس شارداً مهموماً، فقرر أن يهبط له ليعلم ما به.
جلس على المقعد المقابل لولده بهدوء وقال:
"أنا سامعك... وبس."
نظر له عمر بحزن. فهو بعدما جافاه النوم، قرر أن يجلس في الحديقة قليلاً حتى يأتي الصباح محملاً بآمال عديدة يتمنى حدوثها.
تنهد بهم وقال:
"عارف لما تحس إن قلبك واجعك وعلاجه قدامك بس مش قادر تاخده؟ لما تحس إن حياتك ضاعت منك غصب عنك، بس برغم كده بتلوم حالك وتجلدها إنك ما حاولت تحافظ عليها؟ تبقي مجبور تعيش مع ناس مش شبهك ولا حاسين بيك. بتحاول تدفن نفسك فالشغل عشان تنسى، بس للأسف كل لحظة بتمر عليك وجع قلبك بيزيد مش بيقل."
"عارف إحساس إنك قوي ومحدش يقدر عليك، وتتفاجئ إنك أضعف واحد فالكون عشان سبت حبيبتك تتسرق منك."
تنهد بحزن، ولمعت عيناه بعشق خالص، وأكمل:
"أسماء ما كانتش مجرد بنت عرفتها وحبيتها، لاااا. دي كانت حياتي. عمري ما حسيت إن ليا قلب غير بعد ما شفتها، سرقته مني."
ابتسم بحنين وأكمل:
"كان فيه مكان ديما بنتقابل فيه وساعة معينة لما كنت أرجع من السفر وأتصل بيها أقول بس هاشوفك النهاردة، تقولي أوكي. وبس. عارفين هنتقابل فين وامتى من غير كلام."
"عشت معاها لحظات بجد كانت بعمري كله. لما أمي صممت إني أتزوج عشان كبرت ونفسها تشوف ولادي، سبتها تختار هي، لأن خلاص دام مش حبيبتي يبقى كل البنات واحد عندي. قلت لنفسي جرب يمكن تنسى لما يبقى ليك زوجة وبيت وأولاد، دام هي باعتك. بس كنت أول ما عقلي يقول الكلمة دي كان قلبي يصرخ ويقولي لاااا، فيه حاجة غلط، حبيبتك مش ممكن تبيعك."
نظر لوالده وأكمل:
"إنت عارف يا بابا إن بحكم شغلنا بنقدر نفهم الناس كويس ونقرأهم، يعني قلبي ماضحكش عليا. لأن بحكم خبرتي البنت دي من أنقى وأطيب الناس اللي ممكن تقابلهم في حياتك، مش ممكن تخون أو تخدع حد. هههه، دي بتمشي توزع ثقتها على الناس، هبلة بدرجة ما تتخيلهاش، يبقى إزاي تضحك عليا؟"
"عارف لما اتجوزت شهيرة، ما كنتش قادر المسها. حسيت إني خاين، بس أقنعت نفسي إن مع الوقت الإحساس ده هيروح، بس للأسف كان بيزيد وعذابي بيكبر. لحد ما من كام شهر قلبي خدني لمكان مقابلتنا سوا، مكانه المفضل."
نظر له بحنين وعشق وأكمل:
"لقيتها مستنياني هناك."
ابتسم وأكمل:
"تخيل ارتباطنا وإحساسنا ببعض يوصل بينا إن بعد تلت سنين نروح نفس المكان من غير معاد، وكل واحد فينا متأكد إنه هيشوف التاني."
"حضنتها بكل اللي جوايا ليها، واتلغى من عقلي اللي عملته فيه. قلبي ارتاح بعد عذاب تلت سنين. لقيت روحي يا بابا، روحي اللي كانت ضايعة مني، لقيتها بس لما ضمتها."
دمعت عيناه وقال:
"بس دموعها نزلت زي النار جوايا تحرقني، وهي بتبكي وتترجاني أسامحها، وأنها بقالها تلت سنين بتيجي هنا عشان تقولي سامحني."
"حلفتني ما أدور وراها، بس مقدرتش أسمع كلامها. الوجع اللي شوفته في عينيها والقهر اللي كان في نبرة صوتها خلاني أصمم إني أعرف سبب اللي حصل وأرجعها ليا، حتى لو هحارب الدنيا عشانها."
صمت بعد أن أفاض بما بداخله وارتاح قليلاً، ثم أكمل:
"هشوفها بكرة بإذن الله. حبيبتي هتبقى معايا ليل نهار. مش قادر أستحمل فرحة قلبي، والمشكلة إني مش عارف إزاي هقدر أتعامل معاها عادي. قلبي هيفضحني."
"اللواء نديم لما عرض عليا قضيتها، قالي: أنا واثق إنك بتقدر تفصل اللي جواك عن شغلك. طب إزاي وأنا كل حتة فيه بتصرخ بعشقها؟ لو كتمت اللي جوايا عيني هتخوني وأنا بوصلها، ولا هستحمل إزاي ابن الكلب ده وهو بيتعامل معاها ولا يقربلها قدامي؟ هقتله، أقسم بالله لو قرب منها هقتله."
قال حديثه الأخير بغضب جم ناتج عن غيرته العمياء.
ابتسم أبيه وقرر أن يتحدث:
"إنت عشقتها مش حبيتها بس يا عمر. غلطتك إنك سبتها وبعدت. دام كنت متأكد من حبها ليك، كان لازم تدور على السبب اللي خلاها تعمل كده وتساعدها، مش مجرد ما تقولك الحكاية خلصت تقولها أوكي وتبعد. إنت عمرك ما كنت ضعيف ولا بتستسلم أبداً، تيجي عند أهم قضية في حياتك وتبيعها كده؟"
عمر:
"كنت حاسس إني مدبوح. عقلي اتلغى لما لقيتها بتنهي كل اللي بينا وبتترجاني أبعد عنها من غير ما أسأل ولا أعرف سبب. كل اللي قالته إنها مش هتقدر تكمل معايا وإنها اتخطبت لابن عمها."
دمع وأكمل:
"حضنتني... حضنتني لأول مرة وقالت لي: أنا اتولدت عشان حضنك، ودلوقتي هموت في حضنك. خليك متأكد إن بعدي عنك يعني موتي، وأنا بحضنك دلوقتي عشان أودع حياتي اللي كانت ليك وهتنتهي من بعدك."
"بس ومشت من غير كلمة تانية. وأنا كنت زي المضروب على دماغي، مقدرتش حتى أوقفها أو أنطق بحرف. بعدها سافرت وفضلت أخلص من مهمة أدخل في التانية، ولاول مرة ما اهتمتش بحياتي. كنت بتمنى في كل مهمة إني أُقتل عشان أخلص من العذاب اللي عايش فيه. بس للأسف أو الحمد لله إن ربنا كتبلي عمر عشان كان شايلي العوض، وأنا هحارب عشان أحافظ عليه."
رد عليه أبيه بعقلانية ليضع أمامه كل الأمور:
"طب ومراتك وابنك يا بني؟ لازم تحطهم في حساباتك. ولا شهيرة هتوافق إنك تتجوز عليها؟ ولا حبيبتك هترضى إن واحدة تانية تشاركها فيك؟"
عمر:
"يا بوب، إنت عارف إن جوازي محكوم عليه بالفشل حتى لو ما كنتش رجعت لحبيبتي. بس أنا هعمل اللي عليا معاها عشان ربنا ما يحاسبنيش عليها. أما أسماء بقى، فربنا يقدرني عليها. اممم، على العموم، أنا سايب الموضوع ده لما ييجي وقته، أكيد هلاقيله حل. أنا دلوقتي لازم أركز في القضية عشان أخلص منها بأسرع وقت."
عبدالرحمن:
"ما تستعجلش يا عمر. ما تخليش قلبك اللي يحركك. العملية دي كبيرة ومش سهلة، وإنت عارف كده كويس. حط في دماغك إن أي غلطة أو تهور منك هتكون هي التمن."
عمر بعزم:
"عارف يا بابا، ما تقلقش. أنا حاسب كل حاجة بالسنتي. دي قضية حياتي، وإن شاء الله ربنا يقدرني وأحلها."
عبدالرحمن:
"ربنا معاك يا ابني. وأي حاجة تحتاجها أنا موجود."
أمسك كف والده وقبله بحب وقال:
"عارف يا بابا، ربنا يخليك ليا. بس بقولك، هنعمل إيه في حكاية نقلنا من هنا؟"
ضحك أبيه وقال:
"أهو الحكاية دي أصعب من قضيتك نفسها. إنت فاكر بنت صلطح بابا (لقب زوجته رقيه) هتوافق تسيب كفر عبده وتروح برج العرب؟"
استعطف أبيه قائلاً:
"عشاااان خاطري يا بوب. هي بتحبك وهتسمع كلامك. ساعدني بالله عليك."
عبدالرحمن:
"يا ابني، ما إنت هتبقى معاها طول اليوم، مش لازم تسكن جنبها."
عمر:
"يا بابا، والنبي مش هبقى مطمن عليها وأنا بيني وبينها المسافة دي كلها. أنا كنت بروح هناك كل فترة أقعد كام يوم بحجة إني مسافر تبع شغلي، إنما دلوقتي مش هينفع. لأننا هنفهم ماما وشهيرة إنك محتاجني في شغلك، وإنك أقنعتني آخد إجازة من شغلي عشان الحمل يقل على مالك، وإن كمان ضغط الشغل هيزيد بعد ما تفتح المقر الجديد. يعني المفروض إني هبقى معاك فالشغل ديما، يبقى هبات بره بحجة إيه؟"
عبدالرحمن:
"........."
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عمر و اسماء الفصل الرابع 4 - بقلم فريدة الحلواني
لم تنم تلك الليلة بعد أن أفرغت بعضًا مما كان بجوفها لرفيقتها. ضربها الله التي تثق بها كثيرًا، لتيقنها باختلافها عن أبويها وأخيها، وتأكدها من نقاء قلبها وحبها اللامحدود لها.
تركتها تنام بجانبها كما اعتادوا في معظم الأحيان، ودلفت إلى الشرفة تستنشق بعض الهواء البارد، لعله يطفئ نار قلبها الذي انقاد بداخلها أثر حنينها لحبيب أضاعته بيدها.
وقفت سارحة، منفصلة عن العالم. ولكن ما أفاقها من شرودها الذي دام لعدة ساعات، حتى أنها لم تنتبه لكل ذلك الوقت الذي مر عليها، إلا حينما سمعت الطرق على باب غرفتها وصياح ندى من الداخل متزمرة على من بالخارج.
ندي: بطلوووو خبط، عايزة أنااااااام.
دلت الدادة رحمة بابتسامة حنونة وقالت: صباح الخير يا تاعبة قلبي، قومي يلا الساعة تمانية هتتأخري عالجامعة.
ندي بغيظ: أنتي بس لو تطلقي روح المنبه ده من جواكي هنرتاح كلنا وربنا.
ضحكت أسماء عليها من داخل الشرفة وقالت: دادة رحمة حياتها كلها مبنية على عقارب الساعة.
دلت لها رحمة لتعطيها كوب النيسكافيه الذي دائمًا تبدأ به يومها وقالت: بقيت مش عاجباكي دلوقت يا سيمو.
التقطت منها الكوب وقالت بحب: وأنا أقدر برضو يا دادة، أنتي عارفة أنا بحبك قد إيه. دانتي اللي ربتيني بعد مامي الله يرحمها، مقدرش أستغنى عنك أبدًا.
نظرت لها رحمة بحب وحنان ثم قالت: وعشان كده بقيتي تخبي عليا كل حاجة جواكي.
نظرت لها بتردد وقالت: أنا ليه بتقولي كده؟ أنتي عارفة إن انتي وندي أقرب اتنين ليا ومش بخبي عنكم حاجة.
أمسكت يدها بحنان أم وقالت: لا بقيتي بتخبي عليا. وإلا تقدري تقوليلي ليه عيونك الحلوة دي وارمة من كتر البكاء؟
كادت أن ترد عليها بصفو نية كما اعتادت، ولكنها تذكرت تحذير أبيها المستميت لها ألا تثق بأحد.
فلاش باااااااك.
بعد خروجه من المشفي بعدما تعافى من أزمته القلبية، أخذها ليتمشى معها على شاطئ البحر، حتى يستطيع أن يقول لها ما يريده دون أن يتلصص عليه أحد.
هبطا من السيارة سويا، وحينما وجد السائق الجديد يتبعهم، أوقفه وقال له بغضب: أنت رايح فين؟
فاروق: هكون قريب منكم يا فندم عشان لو احتجتوا حاجة.
رد عليه بحزم: أنا هتمشى أنا وبنتي عالرملة شوية، اتفضل استناني فالعربية.
لم يجد فاروق بدا من اتباع أوامره، ولكن سيعلم رب عمله بما حدث.
بعد أن ابتعد مسافة لا بأس بها داخل الشاطئ، وقف قبالت ابنته وقال: اسمعيني كويس يا بنتي وافهمي اللي هقوله واحفظيه، لأني مش ضامن إن ممكن أقدر أكلمك براحتي بعد كده.
نظرت له بحزن واستغراب، فأكمل: أنا بمر بظروف وضغوط صعبة مش هقدر أحكيلك حاجة حاليًا، بس أرجوكي أي قرار آخده وافقي عليه مهما كان.
كادت أن تقاطعه، ولكن لم يمهلها الفرصة وأكمل بإصرار: مش عايز اعتراض عشان خاطري. أنا عارف إني ظلمتك بقرار خطوبتك لكريم، بس وربنا ماما وافقي واسمعي كلامي لحد ما ييجي الوقت اللي أقدر أفهمك فيه على كل حاجة. وأهم حاجة أوعي تثقي في أي حد من اللي حواليا.
سألته بذهول: بس أنا مش بثق في حد غير دادة رحمة وندي.
كامل: أنا عارف يا حبيبتي وواثق إن ندي غيرهم خالص، بس اسمعي اللي بقولك عليه. متحكيش حاجة جواكي لحد، بالذات رحمة. بس متخليهاش تحس إنك اتغيرتي، فهماني؟
أسماء: ليه كل ده يا بابا؟
كامل: عشان الكل عندي داخل دايرة الشك لحد ما أعرف مين عدوي ومين حبيبي. أنا بعمل كل ده عشان أحميكي يا بنتي، وأنا محتاج وقت، مجرد وقت أفهم إيه اللي بيدور حواليا وأقدر أتعامل صح.
أسماء: طب فهمني ليه كل ده؟
كامل: مش وقته يا بنتي. لما أفهم أنا وأتأكد هفهمك. بس أهم حاجة تعملي اللي قلت لك عليه. وكمان كلامنا مع بعض هيكون عادي جدًا، وأنا هجيب لك موبايل بخط جديد بس محدش يعرف عنه حاجة أبدًا. تخبيه في أي مكان أمان هتستعمليه بس لو فيه حاجة مهمة حابه تقوليها لي من غير ما حد يحس. وأنا كمان هجيب واحد ليا، لأن أرقامنا العادية متراقبة. وكمان متستعملهوش جوه البيت أبدًا، لما تكوني بره وحابه تكلميني وقتها بس تستعمليه، فهمتي حبيبتي؟
ظهر على ملامحها الخوف، فاجتذبها والدها بين ذراعيه وقال بقلب وجل: متخافيش يا حبيبة بابا، فترة وهتعدي بامر الله.
باااااااك.
انتفضت على صراخ دادة رحمة لها فقالت: في إيه يا دادة؟ خضتيني.
رحمة باستغراب: أنتي اللي في إيه يا بنتي؟ بقالي ساعة بكلمك وأنتي مش هنا.
وجدت نفسها تجيب دون تفكير: معلش أصل مدايقة من خناقتي أنا وكريم ومش عارفة أعمل إيه.
ابتسمت لها وقالت: أنتي عارفة إن كريم بيحبك أوي يا بنتي وبيخاف عليكي. ماله الهوا الطاير وأنتي اللي ديما بتزعليه، والمفروض تصالحيه المرة دي.
ردت ندي من الداخل قبل أن تخرج من الغرفة: والله العظيم يا دادة أنتي اللي مخلياها ملهاش شخصية مع أخويا وهتركبيه عليه.
رحمة بغيظ: ألفاظك يا بنت عيب كده، وبعدين ده أخوكي المفروض تدافعي عنه.
ندي: يعني عشان أخويا أجي عليها؟ أنا شايفه إنها عندها حق. أنا لو مكانها وخطيبى لازقلي كده كنت فتحت كرشه.
كادت أن ترد عليها، ولكنها تركتها وغادرت فورًا.
رحمة: مفيش فايدة فيها، هتجلطني.
ابتسمت أسماء وقالت: بس قلبها طيب وبتحبيها، متنكريش.
ابتسمت لها رحمة، فأكملت: يلا روحي حضري الفطار على ما آخد شاور وألحقك.
فعلت ما قالت، وبعد أن تجهزت بأبهى طلة، ولا تعرف سبب لذلك، دلفت إلى الشرفة لتأخذ كوبها الذي برد. لمحت ندي تجري حول الحديقة كما اعتادت كل صباح، وما كادت أن تلتف إلا أنها تسمرت مكانها ووقع من يدها الكوب بعدما رأته بطلته الخاطفة للأنفاس وهيبته الطاغية على من حوله وهو يعطي تعليماته لهم. ولكن مهلاً، ما الذي أتى به إلى هنا؟ ماذا يفعل في عقر دارها؟
انتبهت كل حواسها حينما وجدته يركز نظراته المشتاقة عليها، وحينما انتبهت له، غمز لها بشقاوة وابتسامة حلوة ظهرت على محياه.
أنزلها من تلك السحابة الوردية سماعها لصياح يأتي من الأسفل. هرولت إلى مصدر الصوت وهبطت الدرج سريعًا حينما وجدت والدها وعمها وكريم يقفون أمام بعضهم بتحفز.
أما بالخارج، فكان عمر قد استلم مهام عمله كحارس شخصي لها، ومعه فريق عمل من الحراسات الخاصة، مهمتهم تأمين الفيلا وحراسة دكتور كامل أيضًا. وبينما يعطي تعليماته للحرس، جاء إليه أخيه مالك، والذي ستكون حراسة دكتور كامل هي مسؤوليته.
كاد أن يتحدث مع أخيه، وجد فرسها جامحة تهرول برشاقة، مطلقة العنان لشعرها المعقود خلف رأسها ليحركه الهواء كيفما شاء. فنظر بإعجاب وقال: مين الفرسة دي يا شبح؟
كاد عمر أن يوبخه، إلا أنه وجد أخيه ينتفض بغضب حينما التفت هي ورأت وجهها. فورًا عرفها وانطلق ناحيتها وهو يقول: ده اااانتي، نهار أبوكي أسود.
عمر: تعالي يااابني الله يخرب بيتك عالصبح.
لم يلقي بالًا لأخيه وركض ناحيتها ووقف فجأه قبالتها، مما جعلها تصطدم به. وما كادت أن توبخه بلسانها السليط إلا أنها صدمت حينما علمت هويته.
ابتسم بشماتة وقال: أيوه هو أنا يا حلوة، إيه رأيك بقي جايلك في قلب بيتك أهه.
ابتعدت للخلف خطوة بوجل، ولكنها ردت بوقاحة: إيه ده حمادة، إيه اللي جابك هنا؟ بعد ما علمت عليك ههههه.
لف ببصره ليرى من حولهم وإذا ما كان أحدًا يراهم أم لا، وبعدما تأكد أن الكل منشغل مع أخيه، في لحظة... لحظة فقط كانت محمولة بذراع واحد وفمها مكتوم بكف يده الكبير، واتجه بها إلى شجرة كبيرة. أنزلها ملصقًا ظهرها بها وهو ينظر لها بشر، وقد شعر بخوفها من الموقف، ولكن لم يبالي وقال: اسمعيني كويس يا بت، إنتي مش معنى إنك ختيني على خوانه يبقى علمتي عليا، أنا بحذرك، ردي عليكي هيكون مش متوقع، أنتي متعرفيش أنا مين.
استجمعت شجاعتها ونزعت يده عن فمها وقالت: لا عرفاك، مالك الغنيمي.
ابتسم بغرور وكاد أن يتحدث، إلا أنه صدم بباقي حديثها حينما أكملت: صايع وضايع ونسونجي قديم، بعد ما خلص على ستات مصر قلب على الدولي، ما شاء الله قمة الانحراف.
نظر لها بخبث وقال: دانتي متابعة بقي، تكونيش واحدة من معجبات اللي هيجننوا عليا.
نظرت له من الأسفل إلى الأعلى وقالت باستهزاء: لا يا قمور مش تبعي القصة دي خااااالص، بس للأسف كل ما أفتح السوشيال من زهقي ألاقيك نطتلي زي عفريت العلبة، وما شاء الله صورك انت والسحالي اللي بيتصوروا جنبك طافحة في الميديا كلها كأنها بوليعه مجاري وطافحة مغرقة البلد.
نظر لها باشمئزاز وقال: الله يحرقك يا شيخة، اللي يشوف شكلك يفتكرك بت، إنما لما اتكلمتي بقيتي بكابورت ولسانك ده عايز قطعه. غمز لها بوقاحة وأكمل: وأنا هكون مبسوط لما أقطعهولك بنفسي.
هههههه.
نظرت له بلؤم وهي تستعد للمغادرة وقالت: طب خاف على مستقبلك يا حمادة، عشان المرة الجاية هضيعهولك. أتبعت قولها بالنظر للأسفل نحو رجولته لتذكره بما فعلته سابقًا، ثم ضحكت بصخب وهرولت إلى الداخل بعد أن هربت منها دقات قلبها والتي كانت تتحكم بها بجسارة حتى لا تشي له عما تكنه بداخلها.
أما هو، فوقف مكانه ينظر لها بغيظ ويتوعد لها قائلًا: وحيااااااات أمي ما أنا عاتقك يا بت ال..... المصري.
وقفت بجانب ابنة عمها بعدما دلفت إلى الداخل، وحاولا فهم ما يحدث، وقد علموا لما كل هذه الجلبة حينما استمعوا لكريم وهو يتحدث بغضب يحاول جاهداً أن يداريه: ياااا عمي إيه لزوم الحراسة والدوشة دي كلها، ما أنا ديما معاها.
عزيز بحقد: أنت إزاي تتصرف كده من نفسك؟ ليه مرجعتليش قبل ما تاخد خطوة زي دي؟ نظر له بتهديد وأكمل: ده مكنش اتفاقنا من تلات سنين يا كامل، فاكر ولا أفكرك.
كامل بغضب جم: فااااااكر، فاكر يا أخويا، وشايف إن أنا وبنتي بقينا عايشين تحت وصايتك أنت وابنك. بس أنا خلاص فاض بيا ومش هخلي بنتي نفسيتها تتعب أكتر من كده، دي لسه صغيرة من حقها تخرج مع صحباتها وتعيش حياتها زي أي واحدة في سنها. وبما إن حجت ابنك من خروجها لوحدها هو خوفه عليها، أنا حليتها واتفقت مع أكبر شركة حراسة مش في مصر بس لا في الشرق الأوسط كله عشان يبقوا معاها في أي مكان تروحه.
عزيز: معناه إيه الكلام ده يا كامل؟
رد عليه بتهديد مبطن: معناه إن كل حاجة اتفقنا عليها من تلات سنين، حتى خطوبة ابنك من بنتي هتتلغي لو فرضتوا سيطرتكم على حياتنا تاني، وده آخر كلام عندي، سااااامع.
ارتعد كريم من تراجع عمه والتي سيترتب عليها خسارة فادحة من جميع الاتجاهات، فغمز لأبيه في الخفاء وقال: لا طبعًا يا عمي تلغي إيه؟ حضرتك عارف أنا بحب أسماء قد إيه ولا يمكن أستغنى عنها. وإذا كنتم فهمتم اهتمامي وخوفي عليها إنه فرض سيطرة وتحكم، أنا آسف مقصدش كده أبدًا. خلاص اللي يريحك أنت وهي اعمله، المهم متزعلش.
ارتاح كامل كثيرًا من داخله بعدما تمت أول خطوة في خطته وأصعبها بنجاح، ولكن ظل عابسًا كما كان ووجه حديثه إلى رحمة التي كانت تقف بجانب الفتيات وقال: رحمة اندهي على عمر بيه هو ومالك بيه أخوه من بره.
هزت رأسها علامة الموافقة وهرولت سريعًا، وما هي إلا لحظات ودخلوا ثلاثتهم.
ألقى عمر التحية وهو يتفحص الوجوه الواجمة أمامه.
أما مالك، فكان حقًا لا يبالي بهم، فقد وضع كل تركيزه على تلك الواقفة بتحفز ويظهر عليها عدم الرضا بما يحدث أمامها.
كامل: أهلاً وسهلاً يا بني. أعرفك دي أسماء بنتي في رابعة صيدلة، واللي هتبقى مسؤولة عنها مسؤلية كاملة.
انتفض كريم مقاطعًا إياه قائلًا بغل، فهو لم يستطع تمالك أعصابه بعدما رأى هؤلاء الرجال وهيبتهم الطاغية: ما اتفقناش على كده يا عمي، يعني ااااايه ا....
قاطعته ندي بعدما فاض بها الكيل: ما تتهد بقي ياخي، أنت إيه مبتفهمش؟ كل اللي عمي قاله من الصبح ولسه بتقاوح.
تقدم منها سريعًا ليصب جام غضبه عليها، رافعًا يده نويًا صفعها، ولكن وجد مالك يمسك يده بقوة مانعًا إياه مما كان ينتويه بعدما فهمه بسهولة وقال وهو يضغط عليها بقوة: لالالا، أهدي يا زوق مش كده.
سحب يده منه بقوة وقام بدفعه في صدره وهو يصرخ به: أنت مين عشان تعمل معايا كده؟ وإيه أسلوب الشوارع ده؟ نظر لعمه بغل وأكمل: هما دول اللي جايبهم يحموا بنتك ياااااا عمي.
كاد مالك أن يهجم عليه، ولكن منعه عمر الذي وضع يده على صدر أخيه بهدوء مانعًا إياه من التقدم، ثم وقف قبالت كامل بهدوء ينافي ثورة غضبه وقال ببرود وكأن شيئًا لم يحدث: إحنا جاهزين يا دكتور. نظر لساعته وأكمل: على حسب الجدول اللي حضرتك ادتهولي، يبقى باقي على أول محاضرة للآنسة أقل من ساعة، وحضرتك كمان اتأخرت على اجتماعك.
التفت لينظر لأسماء المدهوشة مما يحدث أمامها وقال: اتفضلي حضرتك جهزي حاجتك عشان نتحرك.
نظرت لوالدها، فنظر لها بموافقة وارتياح. كادت أن تتحرك هي وندي إلا أنها وقفت تستمع له وهو يقول بهدوء ورزانة وهو يوجه حديثه لعزيز متعمدًا التقليل من شأن كريم: عزيز بيه، أعتقد إنك سمعت عن اللواء عبدالرحمن الغنيمي كتير، هو وأولاده. ياريت تعرف ابنك إحنا نبقي مين قبل ما يفكر يغلط، لأن الموضوع بالنسبالي مفهوش مرة تانية.
ألقى له نظرة تحذيرية جعلته يرتعد من الداخل، ثم أمسك بذراع أخيه وذهبا سويًا إلى الخارج.
جن جنون كريم الذي هاج وماج وأخذ يصيح: أنت إزاي تسكتله؟ هو بيهددنا بأبوه؟ طب أنا هعرفه مين هو كريم المصري، والعيال دي مش هتقعد هنا دقيقة واحدة.
صرخ به عزيز: اسكت بقيييييي، بس خلاص عمك أخد قرار ولازم نحترمه.
فهم مغزي حديث أبيه وحاول كتم غيظه ولكن فشل، فأمسك قطعة كريستالية موضوعة فوق الطاولة وقذفها للأمام بقوة، فاصطدمت بالحائط فأصدرت عنها صوتًا مدويًا، أعقبها خروجه العاصف.
بالأعلى، حينما كانت تجمع أشياءها لتغادر معه، وجدت هاتفها الخاص بوالدها يضيء داخل حقيبتها. رأت رقمًا غريبًا واستغربت، ولكن في الأخير فتحت الخط دون التفوه بحرف.
جحظت عيناها حينما سمعته يقول بهمس غاضب: غيري الزفت اللي انتي لبساه عشان مخليش يومك أسود.. وفكري.. هاااا فكري بس تعاندي وتنزلين بيه اتحملي اللي هيحصلك.
وأغلق الهاتف بوجهها، ووقفت هي كالتمثال أثر الصدمة. ولكن إضاءة الهاتف أفاقتها من ثبوتها، وابتسمت بغيظ حينما فتحت رسالته والتي كتب فيها (متوقفيش متنحة كتير يلا غيري بسرعة يا سمسمة اتأخرنا).
أغلقت الهاتف وخبأته كما كان، وقلبها يبتسم قبل ثغرها على جنون حبيبها وغيرته عليها، والتي تؤكد لها أنه ما زال يعشقها.
صعدت معه السيارة بعدما بدلت ملابسها لملابس أكثر احتشامًا تجنباً لجنونه الذي تعرفه حق المعرفة.
جلست بالمقعد الخلفي وهو أمامها، وكان عثمان هو من يقوم بدور السائق.
وجدته يعدل من وضع المرآة الأمامية ليراها بوضوح، التقت عيناها العاشقة بعيونه المشتاقة، وسرحت بخيالها تتذكر أول محاولة له ليتقرب منها بعدما رأته أول مرة.
فلاش بااااااااك.
كانت تسير ناحية صديقتها التي تنتظرها أمام مبنى المحاضرات، وفجأة اصطدمت بحائط بشري، كادت أن تقع لولا يده التي أمسكت بها. وحينما نوت التحدث، وجدت ه يهاجمها ويقول: إيه يا آنسة مش تفتحي؟ ولا دي طريقة جديدة بتحاولي بيها تجري كلام معايا؟
نظرت له بذهول وفتحت فمها محاولة التحدث، ولكن قاطعها بجدية زائفة: بس بس مش عايز أي تبرير، عيب كده. أنتي معندكيش إخوات صبيان؟ جتك داهية في حلاوة أمك يا شيخة، كرهتيني فالصنف كله.
وتركها مشدوهة وفمها يكاد يصل إلى الأرض من هول ما سمعت منه، فاقت من صدمتها حينما رجع لها وقال وهو يضع وردة حمراء داخل شعرها المعقوص للخلف: صباح الورد. ثم تحول إلى الجدية التامة وهو يقول قبل أن يغادر: ايااااكي تفردي شعرك تاني، عايزك دايما كده ربطاه، ساااامعة.
تركها وغادر، وعلى وجهه أجمل ابتسامة تنم عن فرحته برؤيتها، والتي لم ولن يكف عنها مهما حدث، فهي أصبحت الهواء بالنسبة له.
باااااااك.
كان يرى تحول ملامحها من العبث إلى الابتسام إلى الحنين، فعلم أنها تسبح في ذكرياتهم سويًا. ابتسم وقال: هترجع إن شاء الله.
انتبهت له وسألت: بتقول حاجة؟
التف لها غامزًا بعينيه الوقحة وقال: بقول كل حاجة هترجع أحسن مالأول، بس قولي يا رب.
أسماء: ..........
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنري
•
رواية عمر و اسماء الفصل الخامس 5 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن انتهى اليوم إلى حد ما بسلام، ألقى عمر تعليماته على الحراسة وشدد عليهم أن ينتبهوا جيدًا، وتحرك هو وأخوه عائدين إلى منزلهم بعد أن اطمأن على حبيبته من خلال الرسائل النصية.
جلس في بهو الفيلا هو وأبيه وأخيه يتباحثون في أمور العمل، بينما كانت رقيه مشغولة في تجهيز وجبة العشاء، أما شهيره خرجت إلى الحديقة لتحادث إحدى صديقاتها.
كان عبد الرحمن يجلس حفيده فوق ساقيه ويداعبه، وهو يراقب توتر والده الذي يتضح عليه حينما يكون مشغولًا بشيء.
نظر عمر لأبيه بغيظ لعلمه بما يريد، ولكنّه يمثل عدم المعرفة، فقال:
"ايه يا بوب هتسيب ابنك محتاس كده؟"
ضحك مالك وقال:
"ابوك لما بيصدر الطرشه بيبقى ااااااايه عنب هههههه"
عبد الرحمن:
"اتلم يا صايع وخليك في حريمك"
مالك:
"طب ليه كده يا بوب انا عملت حاجة؟"
عمر بنفاذ صبر:
"اكتم بقي يا زفت، أما نشوف آخرت ابوك ايه"
عبد الرحمن:
"والله ما عرفت أربي، إيه ياض انت وهو قلة الترباية دي، أنا بلعب معاكم"
عمر:
"حقك على راسي يا سيادة اللواء، بس انت فاهم أنا عايز ايه وبتطنش"
نظر له أبيه بغرور وقال:
"أمك بنت سلطح بابا دي مش هينفع معاها السكة الدوغري، أنا هحكم لك بضربة جزاء وأنت عليك تجيب الجون، هاااا إيه رأيك؟"
فهم ما يقصده أبيه ولمعت عيناه بإصرار، ثم ابتسم وقال:
"تمام يا بوب، وأنا أوعدك إني هجيبها في الزاوية البعيدة، يعني محدش هيعرف يصدها ههههههه"
مالك:
"يعني أنت بتعايرني بالحريم وانت طلعت حكم مرتشي يا بوب ههههههه"
أخذوا يتمازحون معه حتى دخلت عليهم شهيره فسكتوا فجأة، ومال مالك على أخيه قائلًا:
"طب بنت سلطح بابا مقدور عليها، أما باكيزا هانم الدرملي دي هتعمل فيها إيه؟"
همس له عمر:
"يارب ترفض عشان أرجعها لأبوها وأخلص"
كانت تتابعهم بحقد ولم تتمالك حالها حينما قالت:
"في إيه يا عمر عمال تتهامس انت وأخوك ولا كأنك شايفني؟ ده أنت بقالك أسبوع مدخلتش البيت"
نظر لها بغضب وقال:
"بتتهامس هاااا بتتهامس، انتي افتكرتي إنّي موجود بعد ما خلصتي كلام مع صحبتك و...."
قاطعه دخول زينب وهي تقول:
"العشا جاهز يا بهوات"
قاموا جميعًا وكادت أن تخرج، إلا أن تلك الحية نهرتها قائلة:
"انتي يا زفتة اعمليلي قهوة بعد العشا على طول"
اقترب منها عمر وعيونه تطلق شرارًا غاضبًا، وقال للخادمة دون أن يحيد بنظره عن زوجته:
"حقك عليا يا زينب، روحي شوفي شغلك..."
وما إن خرجت تلك المسكينة حتى انقض عليها ممسكًا ذراعها ضاغطًا عليه بقوة، وهو يقول:
"انتي مش هتحترمي نفسك بقي وتتقي ربنا في الناس، عمالة تهيني فيهم وتتكابري عليهم ليه؟ دانتي لولا جوازك مني كان زمانك في الشارع بعد ما أبوكي كان على وشك إعلان إفلاسه لولا أبويا جابله مستثمر أجنبي شال الشركة ووقفها على رجليها من تاني"
نظرت له بغضب شديد من تلك الإهانة التي تلقتها أمام الجميع، وقالت بصراخ:
"انت بتهيني عشان الخدامة يا عمر؟ وبعدين بابي طول عمره رجل أعمال شاطر ومكنش مستني خدمات من حد، سامع؟"
كاد أن يعنفها إلا أن أبيه تدخل وأبعده عنها، غامزًا إياه في الخفاء، وقال:
"خلاص يا عمر، ملوش لزوم تكبر الحكاية، وانتِ يا شهيرة يا ريت تحاولي تحسني أسلوبك شوية، دول بني آدمين زيهم زينا يا بنتي"
دخلت عليهم رقيه وقالت:
"انتو مش واخدين بالكم من الولد اللي بيعيط ده؟ مش معقول كده، اتفضلوا يلا العشا جاهز، وبعدها ليا كلام تاني معاكم"
كادت أن تعترض، ولكنها لمحت تحذير رقيه لها، فانصاعت لها على مضض.
اجتمعوا حول طاولة الطعام بدون شهية بعد أن أخذت المربية الطفل الباكي وتوجهت به إلى غرفته.
بدأ الأب حديثه قائلًا:
"بقولك يا روكا، هي نجوى مرات السفير مكلمتكيش؟"
ردت عليه باستغراب:
"لا، بقالها فترة معرفش عنها حاجة، حتى الفيلا مقفولة، بتسأل ليه؟"
رد عليه مدعيًا لا مبالاة:
"أبدا، أصلها كانت ديمة بتيجي تقعد معاكي وفجأة اختفت، فبأسأل"
استدخل عمر الحديث بعد أن ألقى أباه الكرة في ملعبه:
"دي نقلت من هنا يا بوب، أنت متعرفش ولا إيه؟"
سبقته رقيه بالرد حينما قالت:
"نقلت فين؟ حد يسيب كفر عبده ويروح مكان تاني؟"
عمر بلؤم:
"ساكنة في فيلا كبيرة في الكومباوند اللي أخدت فيه فيلتي فيه في برج العرب"
رقيه بتعالي:
"ايه المكان اللوكل ده؟"
عمر:
"لوكل إيه بس يا ماما، المجمع ده عليه حراسة ولا رئاسة الجمهورية؟"
شهيره:
"ليه يعنى؟"
مالك:
"عشان عدد فيلاته محدودة، وكل اللي هناك يا إما من أكبر رجال الأعمال يا إما سياسيين، يعني كلها شخصيات مهمة"
أكمل عمر عن أخيه:
"هي بتقول إن كفر عبده مبقيتش مناسبة ليهم بعد ما كلها بقت أبراج سكنية، وهي بتحب الهدوء، والمكان هناك يا ماما تحس إنه حتة من الجنة، معظمه مساحات خضرا، وفيه كل حاجة ممكن تحتاجيها، ده غير النادي اللي هناك، كل الستات اللي مشتركة فيه مرات وزير أو سفير، ده حتى ولاد الحاج العربي الله يرحمه صاحب مصانع توشيبا فيلتهم جنبي على طول"
لمعت عينا رقيه وقالت:
"طب وانت إزاي متخدناش هناك يا عمر؟ أنا أعصابي باظت من الدوشة اللي بقت حوالينا هنا، فعلاً المكان بقى لا يطاق"
شهيره:
"بس يا أنطي المكان بعيد أوي، ده أنا عشان أحب أزور مامي يعتبر هسافر من أول إسكندرية لآخرها"
عمر بغيظ:
"هي ساعة بالعربية على الطريق الدولي مش حكاية، ولا أنتِ شايلة هم سهراتك كل يوم؟"
شهيره بغضب:
"شايفة يا أنطي مش متحملة مني كلمة أصلًا"
رقيه:
"أنا ليه قاعدة معاكم انتو الاتنين، المهم دلوقتي إيه رأيك يا عبد الرحمن ننقل هناك ولا هيبقي بعيد على شغلك؟"
أمسك كفها مقبلًا إياها وقال بتملق:
"يا حبيبتي المكان اللي يريحك أكيد هكون مرتاح فيه، حتى لو هتعب المهم انتي"
نظر له ولداه بغيظ، ثم قال مالك بهمس:
"أنا عندي مرارة واحدة، أبوك هيقضي عليه"
أجابه أخيه بهمس مماثل:
"لا انشف كده واستحمل، اللي هتعمله أمك هتعيش دور صغيرة على الحب ههههههه"
كتموا ضحكاتهم وجحظت عيناهما حينما سمعاها تقول:
"لا يا حبيبي أخاف عليك من بعد المسافة، خلاص مش مهم"
عبد الرحمن:
"يا روحي انتي ناسيه إنّي هنقل مقر الشركة هناك بعد ما أخدت مبنى كبير وبجهزه"
رقيه:
"آآآه صح، طب كويس خالص كده الشغل يبقى جنب البيت ومش هتتعب"
قبل يدها مرة أخرى وقال:
"ربنا يخليكي ليا يا روحي، خلاص من بكرة هنبدأ نجهز وننقل هناك على طول"
نظرت لهم شهيره بحقد وقالت:
"يعجبني فيك يا عمو رومانسيتك وحبك لأنتي اللي بتظهره ديمًا مهما مر عليكم سنين"
فهم عليها ورد بحكمة:
"لأنها من أول يوم لينا مع بعض وهي كانت ليا ونعم الزوجة والصاحبة والحبيبة، وكنت أنا أولى اهتمامتها، ومن بعد ما خلفنا الولاد بقى كل حياتي أنا وهما وبس، وأي حاجة تانية مش فارقة معاها، برغم عصبيتها بس مفيش أحن من قلبها، ومهما عملت معاها مش هوفيها حقها في وقفتها جنبي، واستحمالها لظروف شغلي، ومراعاتها لبيتي وولادي ومالي طول ما أنا غايب، أنا عشت مع رقيه أجمل سنين عمري، ولو ربنا اداني عمرين على عمري هحبها أكتر من الأول لأنها تستاهل تتحب، واديتني شبابها وقلبها وعمرها من غير ما تطلب مني مقابل، فهمتي يا بنتين؟"
نظرت له رقيه بعيون لامعة بعشق يكبر مع السنين، وفرح قلبها باعترافه أمامهم، فهو عشقها منذ صغرها.
شهيره بعدم اقتناع:
"يعني عشان جوزي يحبني لازم أدفن نفسي بالحيا وأعمله سي السيد؟"
قبل أن ينهرها عمر، كانت أمه ترد عليها:
"ومين قال كده؟ انتي بقالك كام سنة تعرفيني صح؟"
نظرت لها بموافقة، فاكملت:
"طول عمري بلبس أشيك لبس بس باحترام، وبخرج وبروح نوادي وحفلات، بس مش على حساب جوزي وولادي، مشتركة في جمعية خيرية وليا مكاني وسط صفوة المجتمع، بس حافظت على شكل جوزي واحترامه قدام الناس، وعمري ما فضلت حفلة ولا خروجة على وجودي مع جوزي وأولادي، ربيت ولادي أحسن تربية وطلعتهم رجالة الكل بيحسدني عليهم، وتحملت مسؤوليتهم من أول ما اتولدوا لأن عبد الرحمن كان ديمًا مسافر بحكم شغله أول كام سنة من جوازنا، بس لما كان بيرجع ويلاقيني مستن الراه كان بيعوضني عن كل دقيقة بعد فيها"
نظرت لها بمغزى وأكملت:
"الست الشاطرة اللي تقدر توازن بين حياتها الاجتماعية بحكم الطبقة اللي موجودين فيها، وما بين بيتها وجوزها وولادها، وتعرف تدي لكل واحد حقه، بس لو في وقت لازم تفاضل بينهم يبقى أكيد هتختار بيتها لأنه أهم من أي حاجة في الدنيا..."
ابتسمت بحنين وهي تنظر لأولادها وأكملت:
"برغم إن ولادي ما شاء الله بقوا رجالة افتخر بيهم، بس ديمًا شايفاهم صغيرين، مش قادرة أستوعب إن اللي كانوا بيمسكوا إيدي عشان أعلمهم المشي كبروا أوي كده، مكدبش عليكم أول ما بدأوا يشتغلوا ويبعدوا كنت خايفة الدنيا تاخدهم مني ويكبروا عليا، بس لا، تربيتي الحمد لله كانت صح، لقيتهم كل ما يكبروا بيقربوا مني مش بيبعدوا، وكل ما ينجحوا في شغلهم يكافئوني كأني السبب في اللي وصلوا له، وده أكبر إنجاز عملته في حياتي إن أسست عائلة مترابطة مهما تعدي عليهم محن أو أزمات، إيديهم عمرها ما تسيب إيد بعض"
نظرت لها وقالت بجدية:
"الصحاب حلوة، بس مش أحلى من بيتك، ومهما كانت صحبتك بتحبك ومخلصة ليكي وبتتمنالك الخير عمرها ما هتحبك تكوني أحسن منها، وأهو قدامك مثلا نجوى، أعرفها من أكتر من عشرين سنة، وديما كانت عندي وخرجتنا كلها مع بعض، لما نقلت من هنا فكرت تقولي؟ هههه طبعًا لا، عارفة ليه؟ لأنها زعلانة من جواها إنهم اختاروني أكون رئيسة الجمعية، برغم إني واثقة من حبها ليا، بس أكيد هتحب نفسها أكتر، وأنا الحمد لله كنت واعية من صغري إن الدنيا مش بتفضل على حالها، فاخترت اللي عمرهم ما هيسيبوني ولا هيفكروا يبعدوا عني، اخترت جوزي وولادي، هما اللي باقيين لي، ربنا يخليهم لي"
تأثر الأخوان كثيرًا مما سمعوه من أمهم الحبيبة، فمهما كانت عيوبها إلا أنهم لا ينكرون أبدًا طيبة قلبها وحبها اللامحدود لهم ولأبيهم، وتفانيها منذ صغرهم في إسعادهم وتربيتهم تربية سوية.
قاما الاثنان متجهين نحوها، ثم قاموا بجذب المقعد التي تجلس عليه للخلف وهي عليه، وبعدها جلسوا أمامها على عقبيهم ممسكين كفيها يقبلانه بإجلال، مما جعل دموعها تسيل، ولكن مسحها عمر بحنان وقال:
"واحنا يا ماما بنحبك جدًا ومقدرين كل اللي عملتيه عشاننا، وبنحمد ربنا إنه رزقنا بأعظم أم في الدنيا"
مازحها مالك قائلًا:
"بس الحاجة الوحيدة اللي غيظاني فيكي يا روكا إنك مبتكبريش وبتكسفي لما أمشي معاكي والناس تقعد تبص على المزّة اللي جنبي، ينفع كده؟"
صفعه أبوه فوق رأسه وقال بغيرة:
"وانت بتسيب الناس تعاكسها يا بغل؟"
ارفع نظره لأمه وقال بغلب:
"عاجبك كده يا مزّة أبو لهب، هيطلع غضبه علينا"
انطلقت ضحكاتهم الفرحة بهذا الترابط المبهج، ثم قالت رقيه من بين ضحكاتها:
"انت بالذات معرفتش أربيك يا همجي، أسلوبك فظيع يا مالك"
قبل يدها وقال:
"احيييه عالرقة يا جدعان، في أم بسكوتة كده؟"
جزبه أبيه من ملابسه بقوة قاذفًا إياه فوق الأرض بغيظ تحت ضحكاتهم الصاخبة، وابتسامة صفراء ارتسمت على وجه تلك الحرباء التي كانت تشعر بغيره حارقة بداخلها مما تراه أمامها، فهي لم تحظى بدفء الأسرة أبدًا.
جلست فوق فراشها شارده، وعلى وجهها ابتسامة حالمة تتذكر ما عاشته اليوم مع حبيبها، برغم أنها حاولت معاملته برسمية وحاربت قلبها لكي لا يظهر اشتياقه له، وهو أيضًا مثل الجدية معها طوال اليوم، إلا أن نظرة عيناه اللامعة بعشق فاق الحد قد أوحت بما يتمنى الإفصاح عنه.
تلمست إصبعها الذي ترتدي به خاتمًا ماسيًا قمة في الروعة، وتذكرت ما حدث.
فلاش بااااااااك
_______________
أوقف عثمان السيارة أمام باب الجامعة فور وصولهم، فقامت بإنزال نظارتها الشمسية التي كانت ترفعها فوق رأسها، ولكن ذلك الذئب لمح بيدها ما جعل الدم يغلي بداخله، فأوقفها قائلًا:
"استني متنزليش"
نظرت له باستغراب، فوجدته يأمر عثمان بترك السيارة، ومن ثم هبط منها هو الآخر وصعد جانبها مغلقًا الباب بقوة...
نظرت له بخوف، فلم يعيرها أي اهتمام، وقام بجذب يدها ساحبًا من إصبعها خاتم خطبتها على ذلك البغيض.
صرخت به قائلة:
"انت اتجننت! ايه اللي"
صرخ بها بجنون:
"اخرسسسسسي"
ارتعبت من صراخه ودمعت عيناها وهي تنظر له، فوجدته يقذف خاتمها من النافذة بعيدًا، ثم أغلقها، وأخرج من جيبه علبة صغيرة زرقاء، فتحها والتقط منها خاتمًا ماسيًا فاخرًا ويشبهها في جمالها ورقتها، ألبسها إياه، ثم لثم كفها بقبلة رقيقة، ونظر لها بحنان ينافي ثورته السابقة.
مد كفه يمسح دموعها برقة، وهو يقول:
"سامحيني، مش هقدر أستحمل أشوف دبلته في إيدك، ربي يعلم أنا هتحمل وجوده في حياتك الفترة دي إزاي..."
في لحظة... لحظة فقط تحول إلى جمراً مشتعلًا وهو يقول:
"أقسم بالله يا أسماء لو سبتيه يقرب منك ولا يتساهل عليكي هقتله، سااااامعة؟"
ارتعبت من هجومه الضاري عليها، وهزت رأسها بخوف علامة الموافقة، ثم قالت بتلجلج:
"اااا....ط....طب لما يسألني على الخاتم أقوله إيه؟"
رد عليها بغضب:
"قوليلي وقع مني، غار في ستين داهية، وأنتي اشتريتي غيره، مش قصة يعني"
أغمض عينيه ليهدأ قليلاً، ثم تحول إلى النقيض حينما مال عليها لاثمًا وجنتها بقبلة رقيقة شغوفة، ثم قال بحنو:
"يلا يا حبيبي عشان متتأخريش على محاضرتك"
نظرت له بصدمة من تحوله، وقالت لحالها:
"مجنون، أقسم بالله مجنون"
باااااااااك
___________
انطلقت ضحكاتها الفرحة وهي تقول:
"أنا عارفة إني حبيت مجنون، عارفة والله، بس أعمل إيه؟ قدري بقى ولازم أرضى بيها"
اختفت ابتسامتها حينما تذكرت ارتباطها بغيره، فناجت ربها بقلب وجل:
"يااااااارب اجعله قدري ونصيبي يااااارب، زي ما زرعت حبه جوايا اجعله من نصيبي يااااارب"
اجتمع عزيز وابنه داخل مكتبه بعدما انصرف كامل وتركهم هناك لتأخر الوقت، وقد تحجج عزيز بأن لديه عمل هام سيضطره أن يظل في الشركة لمدة أطول.
كريم:
"هاااا اديني صبرت طول اليوم ومش فاهم، انت ناوي على إيه؟ ادينا بقينا لوحدنا، تقدر تفهمني بقى إيه اللي في دماغك؟"
عزيز:
"كان لازم نسكت ونوافق على اللي عمله عمك، وإلا كان هيهد المعبد على دماغنا لأنه فاض بيه، بس اللي هتجن وأفهمه ليه عمل كده بعد المدة دي كلها، وإيه اللي ناوي عليه؟"
كريم:
"تفتكر ناوي يغدر بينا ولا إيه؟"
عزيز:
"لا معتقدش، بعدين إحنا مراقبين كل مكالماته، مفيهاش أي حاجة تثير الشك، والسواق مش بيفارقه"
كريم:
"امال اتفق مع شركة الحراسة إمتى وإزاي؟"
عزيز:
"عن طريق دكتور محيي، أنت عارف إنه تلميذه وبيعتبره زي ابنه، هو اللي اقترح عليه الفكرة، وكمان هو اللي راح الشركة واتفق معاهم بنفسه"
كريم:
"عرفت كل ده إزاي؟ وبعدين ما كده ممكن يعمل أي حاجة عن طريقه من غير ما إحنا نعرف؟"
عزيز:
"لا، أنا مراقب تليفوناته ومراقبه هو شخصيًا، وكمان ده عيل جبان بيخاف من خياله، دي أكبر حاجة ممكن يعملها لعمك، وعرفت من تسجيلات الكاميرا اللي في مكتب عمك، واللي كان بقالنا فترة مرجعنهاش، لما السكرتيرة أكدت لينا إنه مفيش أي حد جاه أو عمل أي مقابلات أو اجتماعات"
"انهاردة أول ما وصلت راجعت التسجيلات وسمعته وهو بيطلب منه يشوفله شركة حراسة كويسة لأن بنته حابة تخرج كتير وانت مش فاضي اليومين دول..."
"كده يعني ملاقيتش أي حاجة تقلق، فالي قاله"
كريم:
"يعني كلامه كان طبيعي، بس برضو هو ليه عمل كده أصلًا بالطريقة دي؟ البت هتفلت من تحت إيدي، ويا عالم ممكن تعمل إيه"
عزيز:
"وانت فاكر إن أنا هسيبهم كده خلاص..."
نظر له بتساؤل، فاكمل:
"هحط عليهم مراقبة أقوى من الأول عشان يفضلوا ديمًا تحت عيني"
كريم:
"أنت هتسافر القاهرة إمتى؟"
عزيز:
"هأجل السفر كام يوم لحد ما أرتب كل حاجة، وانت ابعد عن البنت اليومين دول، خليها تحس إن اللي أبوها عمله جاب نتيجة وهتاخد حريتها"
كريم: "........."
بعد أن وصل كامل إلى فيلته، أمر فاروق السائق بالذهاب لانتهاء دوامه اليوم.
جلس في الحديقة ليستنشق بعض الهواء ليصفي ذهنه ويفكر فيما سيحدث في الأيام المقبلة. لاحظ بطرف عيناه من يراقبه، ولكنّه ظل كما كان حتى لا يلفت الانتباه. بعد مرور حوالي نصف ساعة، تحرك باتجاه غرفة زجاجية مغلقة تحتوي على مجموعة زهور ونباتات نادرة خاصة بزوجته الراحلة، فهي كانت تعشقها... حافظ عليها ومنع أي شخص من الدخول إليها وقام هو بالاعتناء بها، والمعروف عنه أنه حينما يريد الاختلاء بنفسه يجلس فيها مانعًا أي شخص من الاقتراب منها وإفساد خلوته بذكرياته مع حبيبته الراحلة.
تأكد من يراقبه أنه ما دام دلف إلى تلك الغرفة لم يخرج منها إلا بعد عدة ساعات، فابتسم ودلف ليخلد إلى النوم.
لم يشعر بمن يراقبه من حرس عمر، فبعد التأكد من خلو المكان قام بفتح السيارة المصطفة أمام الغرفة الزجاجية، وهبط منها شخصًا ما وهو يميل بجسده حتى لا يراه أحد، وما هي إلا لحظة وكان يقف أمام دكتور كامل بعد أن أغلق الباب خلفه جيدًا وقال: .........
من هذا يا ترى؟
سنرى
•
رواية عمر و اسماء الفصل السادس 6 - بقلم فريدة الحلواني
وقف كامل ينظر لماثله أمامه برعب.
فطمأنه الآخر قائلاً:
"متقلقش يا دكتور، احنا عاملين حساب كل خطوة كويس وبناخد حذرنا قبل ما نخطيها. اطمن، محدش لمحني وأنا جوه العربية، ولا حد هيشوفني وأنا خارج بامر الله."
كامل بخوف:
"يا تميم بيه، أنا مرعوب مش خايف، بس أنا قعدت أكتر من سنتين تحت التهديد واضطريت أعمل حاجات تخالف ضميري لحد ما قدرت أوصل للواء نديم. وهو بقاله كام شهر بيعمل تحريات وبيرتب للخطه اللي هتنقذني أنا وبنتي منهم. خايف تحصل أي غلطة تضيع كل ده."
ابتسم له تميم وقال:
"وسيادة اللواء اختار واحد من أكفأ ظباط المخابرات اللي أصلاً شغله كله بره مصر عشان يمسك القضية دي، وتأكد إنه بامر الله هيكون مخلصك من كل ده وهتكون أنت والآنسة في أمان."
كامل:
"يااااارب، يارب. أنا حقيقي تعبت ومش عارف أعيش وأنا متهدد، وكمان بنتي بقت حزينة طول الوقت."
تميم:
"ربنا معانا. المهم اللواء عايز يبلغك بشوية حاجات لازم تعملها. أهمهم القلم ده."
أخرج من جيبه قلماً ذهبي اللون ومد يده ليعطيه إياه، ثم قال:
"القلم ده مش عايزو يفارق جيبك في أي مكان."
نظر له باستفهام، فأكمل:
"ده يبان قلم دهب عادي، إنما جواه كاميرا شديدة الحساسية هتصور كل اللي بيحصل معاك صوت وصورة، حتى وهو جوه جيبك مش شرط تظهره. والفريق بتاعنا هيكون متابعك الأربعة وعشرين ساعة وهيسجل كل اللي هيحصل معاك. أهم حاجة تتعامل طبيعي."
كامل:
"طب عمر ومالك؟"
تميم:
"عمر ومالك ليهم شغلهم. أنا مسؤول إني أبلغك بأي جديد، لأن طبعاً مالك مش هيقدر يتكلم معاك في حاجة سواء في العربية أو حتى في المكتب. وللأسف أنا مش مسموح لي أوضح أكتر من كده."
كامل:
"خلاص يا بني، ربنا معاكم. وأنا هنفذ اللي قلت لي عليه بالحرف، وربنا يستر."
تميم:
"هيسترها إن شاء الله. إحنا أهم حاجة إننا عرفنا مين اللي مراقبكم جوه الفيلا، ودي خطوة مهمة. هستأذن أنا، وأي جديد هبلغك بيه."
و فقط خرج بحذر كما دخل منذ قليل، وقام الحارس بقيادة السيارة والخروج بها من الفيلا نهائياً. وظل تميم يتخفى في أرضيتها حتى ابتعد عن المحيط.
حينما تأكدت أن النوم قد جافاها، قررت أن تذهب إلى ابنة عمها المختفية طوال اليوم على غير العادة. وبمجرد ما وصلت لغرفتها ودلفت دون الطرق على الباب، وجدتها تجلس أرضاً في شرفتها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتسند رأسها على الحائط خلفها.
تقدمت منها وجلست قبالتها وقالت مازحة:
"مالك يا ندوش؟ خير... ولا أقولك بلاش كلمة مالك دي، أحسن تفكريها اسم حد. مش سؤال، ههههه."
نظرت لها ندي بهدوء على غير عادتها وقالت بتيه:
"إيه اللي جابه هنا؟ أنا كنت بدأت أقنع نفسي إن كل اللي جوايا هبل أو شوية إعجاب وهيروحوا لحالهم."
أسماء بجدية:
"هو في هبل يفضل جواكي أربع سنين يا ندي؟ انتي من أول ما شوفتيه وأنتي لسه في تالتة ثانوي واتعلقتي بيه بعد اللي عمله معاكي. وبرغم إنكم متقابلتوش بعدها، إلا إنك فضلتِ متابعة أخباره أول بأول لحد ما حبيته. وللأسف هو ميعرفش كل ده."
ندي بحنين:
"كنت في تالتة ثانوي ههه، وكنت بنوتة كيوت، بتكسف من خيالي. كنت بشتري حاجات من المول أنا وشاهندة صاحبتي وتلت شباب عاكسونا وقالوا أدبهم."
تنهدت وأكملت:
"كنت خايفة أوي، وهو أول ما شاف الموقف مسكهم ضربهم وجابلهم البوكس. وبعدها وقف يهديني وقال لي: 'أنا مالك الغنيمي، ظابط في الأمن الوطني. ده الكارت بتاعي، لو أي حد اتعرضلك كلميني فوراً'."
ابتسمت وأكملت:
"كان مصمم يوصلنا، بس أنا رفضت. وقتها حسيت إنه هو ده البطل اللي بدور عليه. وفضلت سنة كاملة أروح نفس المول في نفس المعاد يمكن أقابله تاني، ومكنش عندي الجرأة اللي تخليني أتصل بيه، وحتى لو اتصلت كنت هقوله إيه وقتها. بدأت أفقد الأمل إن ممكن أشوفه تاني، وقلت دي أحاسيس مراهقة مش أكتر."
فرت منها دمعة حزينة حينما قالت:
"وأنا في أولى جامعة، شوفته جاي يوصل بنت معاه، وسمعتها. هههه، مش قادرة أقولك وقتها عرفت إنه بتاع بنات درجة أولى. وبعد ما استقال من الأمن الوطني ومسك شركة الحراسة مع باباه، بقت صورة مالية السوشيال ميديا كل شوية مع واحدة شكل. وقتها عرفت إنه مبقاش بطلي."
ضحكت بغلب وأكملت:
"هو أصلاً ميعرفش بوجودي في الحياة من الأساس. فقررت إني أكون بطلت نفسي وتحولت للي إنتي شيفاه، بت مسترجلة عشان مستناش بطل تاني يدافع عني. بس وقت ما قابلته صدفة امبارح، قلبي كان هيطلع من جوايا. أنا معرفش إزاي اتمالكت نفسي ومثلت إني معرفهوش، ولقيتني بضربه بغل عشان أنتقم منه في حاجة هو أصلاً ملوش ذنب فيها."
أسماء:
"كل مرة تحكي لي حكايتك دي من غير ما تنسي أي تفصيلة فيها، وبسيبك تحكيها عشان بحس إنك بتبقي مبسوطة لما بتفتكريه."
ندي:
"أنا منستهاش أصلاً. هي تبان حاجة تافهة أو مش منطقية، بس خطفة القلب مش سهلة يا سيمو، وإنتي مجرباها."
نظرت لها بعشق يلمع في عينيها وقالت:
"بس مش مكتوب لنا نعيش اللي حاسينه يا بنت عمي."
نظرت ندي لها بتردد، ولكنها حسمت أمرها وقالت:
"حبيبك يبقى عمر الغنيمي، صح؟"
برقت عينا أسماء بصدمة، ولكن لم تعطها الفرصة للإنكار وأكملت:
"إنتي حكتيلي عن حبيبك كتير، بس مش عارفة ليه مقولتيش هو مين. ليا ولا لدادة رحمة؟ بس لمعة عينك وإنتي بتبصي له فضحتك. ولما لقيتك غيرتي لبسك بعد ما كان بيبصلك بغيره، اتأكدت صح؟ ولا هتخبي عني؟ بصي، هو حقك تخبي، بس إحنا طول عمرنا أخوات. وأنا أصلاً رافضة ارتباطك بكريم لأنه ميستاهلكيش. بس أنا مش هجبرك تحكيلي حاجة، براحتك، بس أنا موجودة وقت ما تحبي تتكلمي."
هبطت دموعها وهي تقول:
"أيوه هو... هو يا ندي. أنا وقتها مقولتش هو مين، مش عارفة ليه خبيت عليكم شخصيته. بس دلوقتي بحمد ربنا إني مقولتش هو مين، وإلا كان هتبقى كارثة. وطبعاً دادة رحمة مكنتش هتسكت، إنتي عارفاها متحمسة أوي لأخوكي."
ندي بتفكير:
"بصي، أنا بحبها وكل حاجة، بس في جوايا إحساس مش مريحني منها. وبعدين مش بيعجبني سيطرتها عليكي. ماشي، هي اللي ربتك، مقولناش حاجة، بس مش كده. المفروض يبقى فيه حدود. بعدين بحسها بتدحلب كده لحد ما تعرف كل حاجة. بصي، خدي بالك منها ومتحكي لها حاجة وخلاص."
أسماء باستغراب:
"نفس كلام بابا. قالي متثقيش في أي حد، حتى..."
ابتسمت ندي وأكملت عنها:
"حتى أنا، ههههه. طبعاً حقه، واحدة أبوها وأخوها المادة الخام للطمع والجشع، وأمها عقربة ماشية تبخ سمها في خلق الله. بنتهم هتطلع إيه؟ أمام جامع؟ هههه. ضحكت بغلب وأكملت: عيلة واطية، واطية، مفيش كلام."
أسماء:
"لالالالا، والله أبداً. إنتي فهمتي غلط. بابي عارف إنك غيرهم، وهو قالي كده. بس أنا مش عارفة ماله، تصرفاته بقت غامضة، وقالي: نفذي أي حاجة أقولك عليها من غير أي أسئلة لحد ما ييجي الوقت اللي أفهمك فيه."
ندي بعقلانية:
"اللي أنا حاسة يا سيمو إن أبويا وأخويا عاملين حاجة كبيرة مع أبوكي. إيه هي معرفش، بس أقولك، اسمعي كلامه. هو أكيد عارف بيعمل إيه، وأكيد كل ده لمصلحتك."
ردت أسماء في حديث رفيقتها وجلست جانبها، وظلا صامتين، كل واحدة منهما سارحة فيما تتمناه.
كان ممدد فوق فراشه يعبث في هاتفه بملل، عله يريح عقله من التفكير قليلاً. فتح ألبوم الصور الخاص بحبيبته، وحينما جاءت أمامه صورتها وهي تجلس فوق مقدمة سيارتها التي كانت تمتلكها قبل فراقهم، وقد أبدلتها بواحدة أخرى بعدها.
ابتسم وتذكر أول مرة وافقت فيها على الخروج معه.
فلاش باااااااااك
_______________
بعد أن حاول لمدة أربع شهور التقرب منها بوجوده الدائم في جامعتها، ولكنها كانت دائماً تصده، فقرر أن يجازف بفكرة مجنونة، علها تأتي بثمارها.
استعمل مهارته كظابط مخابرات وتسلل داخل جراج السيارات الخاص بالجامعة. وبعد أن استعمل جهازاً صغيراً، تعطلت كاميرات المراقبة المنتشرة بالمكان.
توجه بعدها فوراً إلى سيارتها وقام بفتحها بمهارة. ثم فتح غطاء الموتور وعبث به قليلاً. وبعدما وصل لمبتغاه، ابتسم بلؤم وأعاد كل شيء كما كان. ثم جلس داخل سيارته ينظر في ساعته كل دقيقة وأخرى في انتظار رؤية نتيجة ما فعله.
وبعد مرور عشر دقائق، وجدها تقترب من سيارتها، فضغط سريعاً على جهاز تحكم عن بعد، فوراً تصاعد دخان أبيض من مقدمة سيارته.
تمثل الجدية حينما اقترب منها وهو يقول:
"إيه ده؟ إيه ده؟ ليه كده؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. حرام عليكي يا بنتي، دي عربية غالية. عملتي فيها إيه؟"
نظرت له بزعر وقالت:
"والله مش عملت حاجة، أنا حتى لسه مدورتهاش. بلييييز، شوفها."
نظر لها بخبث وقال:
"لا أشوفها إيه، تعالي أوصلك وأنا هبعت حد تبعي يشوفها."
رفضت بقوة قائلة:
"نو واي، مستحيل أركب مع حد معرفهوش."
نظر لأسفل وحك أنفه بإصبعه كحركة معتادة منه حينما يحاول الهدوء. ثم رفع رأسه ونظر لها بقوة وهو يضع يده فوق خصره وقال بشر:
"طب بصي بقي، في كلمتين عايز أقولهم بقالي أربع شهور وإنتي مش مديني أي فرصة تيجي معايا بالأدب تسمعيهم، ولا نحول المحطة على قلة الأدب."
اغتاظت من أسلوبه وقالت:
"إنت اتجننت؟ إيه الكلام اللي إنت بتقوله ده يا همجي؟ يبقى إنت اللي بوظت عربيتي."
حاول أن يهدأ نفسه ثم قال:
"جاية ولا الدور الجاي؟"
أسماء بذهول:
"وااااات؟"
اقترب منها حاملاً إياها بهمجية وهو يقول:
"إنتي لسه هطوطوتيلي."
صرخت به، ولكنها صفعها من الخلف آخرسها، ومن ثم قذفها داخل سيارته وأغلق الباب بقوة. وحينما صعد ليقود السيارة قال:
"أنا مش بتاع نحنة يا قطة، مااااشي؟ اتعودي على كده."
دمعت عيناه وبكت من الخوف وهي تنظر له وتقول:
"إنت هتخطفني يا عمر؟"
خفق قلبه لخوفها ونهر حاله لما سببه لها من ذعر، فالتف بجسده وقال بحنان:
"متخفيش مني، أنا عمري ما أذيكي أبداً. أنا بس بقالي أربع شهور بحاول أكلمك وإنتي مش مديني فرصة، وأنا مليش في محن الشباب اللي بيعملوه."
صمت للحظة وفرك عنقه بيده من التوتر وأكمل:
"أنا بس... اااا."
لم يستطع أن يكمل حديثه بهدوء، فتحول مرة أخرى إلى الهمجية وقال:
"بصي بقي يا بت، إنتي أنا عايزك ومش هسيبك لغيري. ماهو اللي تقدر تخطف قلب عمر الغنيمي مينفعش تبقى لغيره."
برقت عيناها الجميلتان من بين دموعها، وظهر على محياها ابتسامة حلوة وقالت:
"في حد يقول لواحدة إنه معجب بيها بالطريقة دي يا عمر؟"
أغمض عينيه وقال بنفاذ صبر:
"لو فضلتِ تقولي عمر بطريقتك دي، صدقيني مش هرحمك. إنتي حسابك تقل معايا."
نظرت له باستغراب وقالت:
"أنا عملت إيه لك ده؟"
قال بحروف تقطر عشقاً:
"سرقتي قلبي اللي قافل عليه ألف خزنة ورامي مفتاحهم في البحر. رقة أهلك دي وإنتي بتقولي عمر بتخليني عايز أااا..."
"ولا أقولك، مش وقته. المهم نتغدى سوا ونتكلم براحتنا، ولا أرشك ببنج وأخلص."
انطلقت ضحكاتها الرقيقة مما جعل عينه تلمع بعشق وفرحة. ثم هدأت قليلاً وقالت:
"إنت بجد فظيع. وبعدين افرض رفضت، هتعمل إيه؟"
غمز لها بشقاوة وقال:
"لو رفضتيني، هفضل وراكي لحد ما تحبيني، مع إن حاسس إن فيه جواكي حاجة ليا. ولو رافضة العزومة، فاحب أقول لك، أنا معنديش خلق لمرقعة البنات. هي رشة بنج تخمدك لحد ما نوصل وخلاص."
نهرته قائلة:
"عمرررر، إيه أسلوبك ده؟"
تنهد بغلب، ثم أدار محرك السيارة وقادها بسرعة وهو يقول:
"يا غلبك يا عمر، وقعت مع حتة شيكولاتة سايحة وإنت طور. أعمل إيييييه يااارب؟ أنا راضي بقضائك."
بااااااااك
_____________
أوصلها إلى جامعتها، وبعد أن دخل بالسيارة إلى الساحة تحت نظرات الطلبة المتعجبة، نظراً لمنع دخول أي طالب بسيارته، ولكن المشهد كان حقاً... مهيب.
هبط أولاً، ثم فتح لها الباب مفسحاً لها المجال لتمر بجانبه. فالتقطت عيناها نظرات الفتيات المعجبة به، فوقفت فجأة ونظرت لما يرتديه وقالت بهمس غاضب نابع من غيرتها عليه:
"إنت إيه اللي دخلك الجامعة معايا؟ بعدين إيه التي شيرت اللي إنت لابسه وهيفرتك عليك ده؟ مش المفروض إن البادي جارد ليهم يونيفورم مخصص؟"
رفع شفته العليا بغيظ رغم فرحة قلبه على غيرتها وقال:
"هو حد قالك إني في مدرسة يا سكر؟"
نظرت له بعيون ملتهبة وقالت:
"اتفضل اخرج بره، أنا داخلة السكشن."
نظر لها بشر وقال:
"إنتي بتطرديني من بيت أبوكي؟ بعدين أنا أصلاً داخل معاكي المحاضرة يا حلوة."
نظرت له بذهول، فأكمل:
"أيووووه، داخل معاكي. أمال عاوزاني أسيبك لوحدك مع الدكتور الملزق اللي طول الوقت بيسيب لك لحد ما في يوم هفقعله عينه."
جحظت عيناها من الصدمة وقالت:
"وإنت عرفت إزااااي؟"
عمر:
"النفس اللي بتتنفسيه. عارفه يا سمسمة، يلا بقي عشان متتأخريش."
أوصل مالك هو والحراسة المخصصة الدكتور كامل إلى مقر الشركة، وقام بالدخول معه لإيصاله إلى مكتبه. وفي طريقهم للداخل، وقف فرد الأمن المخصص لحراسة البوابة الداخلية، وتوجه إلى مالك يرحب به قائلاً وهو يمد يده ليصافحه:
"مالك باشا، إزيك حضرتك؟ إنت مش فاكرني؟"
نظر له مالك بعد أن سحب يده منه ووضعها في جيب بنطاله وقال:
"لا فاكرك يا عبده، إنت كنت واقف خدمة على مكتبي وقت جيشك. عامل إيه؟ إنت شغال هنا ولا إيه؟ أصل مشوفتكش قبل كده."
عبده:
"آه يا بيه، بقالي سنة شغال هنا، بس كنت أخد إجازة يومين عشان الحجة كانت بعافية شوية."
همهم مالك بالذهاب وهو يقول:
"ألف سلامة عليها. لو احتجت أي حاجة قول."
عبده:
"الله يكرمك يا باشا، خيرك سابق."
تركه مالك وأكمل طريقه بعد أن أسلت يده من داخل جيبه، تاركاً بداخله الورقة التي استلمها في الخفاء من الحارس أثناء مصافحتهم.
كانت رقيه منشغلة في تجهيز الحقائب وكل ما تحتاجه للانتقال إلى فيلا والدها، والتي تبعد مسافة صغيرة عن فيلا الدكتور كامل، فهو اشتراها منذ زمن خصيصاً حتى يتسنى له رؤيتها كلما غلبه شوقه لها.
دخلت عليها شهيرة وهي تقول بغضب:
"على فكرة يا طنط، أنا مش موافقة أبداً إني أروح أعيش في المكان المقطوع ده."
أكملت رقيه ما تفعله دون تركه وقالت:
"مش لما تشوفيه الأول يا شهيرة. بعدين عمر عمره ما هيعيش في مكان أقل من مستواه. ولأنتي فعلاً زي ما قال..."
شهيرة بغيظ:
"قال إيه بقي إن شاء الله؟"
تركت ما بيدها وقالت:
"إنك مش حابة المكان عشان مش هتقدري تساهري كل يومك."
كادت أن ترد عليها، ولكنها قاطعتها بحزم:
"اسمعيني كويس، لأني مش هعيد كلامي ده تاني. إنتي جالك الفرصة تصلحي علاقتك بجوزك، وهو زي ما قال، أخد إجازة من شغله عشان باباه محتاجه معاه في الشركة لأن الحمل تقل على مالك. أنا عن نفسي اتفاجأت إنه وافق وساب شغله اللي بيعشقه ولو لفترة مؤقتة، يعني مش هيسافر وهيستقر معانا هنا. إنتي بقي عليكي إنك تقربي منه ومن ابنك اللي رمياه للدايما وتثبتي له إنك اتغيرتي."
نظرت لها بعمق وأكملت:
"ده لو إنتي فعلاً عايزة تحافظي على بيتك وتكملي مع جوزك."
هجم عزيز على مكتب أخيه مصاحباً معه ابنه. انتفض كامل بزعر من تلك الدخلة المفزعة، وقبل أن ينهره، وجده يصرخ به قائلاً:
"مصيبة يا كاااااامل، مصيبة."
ارتعب كامل وقال:
"في إيه؟ انطق."
كريم:
"في قراصنة خطفوا المركب اللي جاية من ألمانيا."
كامل بفزع:
"إزاي ده حصل؟ وعرفتم إزاي؟"
عزيز:
"إنت عارف إن أي شحنة بنطلبها من بره و بكون مدخل فيها بضاعة تخصني، بيبقى وراها تأمين. وهما اللي بلغوني إن قراصنة هاجموا على المركب وقتلوا ناس وأخدوا الباقي معاهم."
صمت كامل قليلاً ثم قال:
"وطبعاً مش هنقدر نبلغ عشان الهباب اللي إنت مهربه في وسط المواد اللي بنستوردها للأدوية اللي بنصنعها."
صرخ به وأكمل:
"إنت عااااارف المواد دي كنت محتاجها قد إيه عشان الأدوية اللي ناقصة من السوق؟ وعااااارف إحنا متعاقدين عليها مع كام شركة؟"
كريم:
"إنت بتفكر في إيه يا عمي؟ إنت عارف البضاعة اللي اتاخدت دي بكام أصلاً؟"
كامل:
"ميخصنيش القرف ده. يخصكم إنتو وإنتو اللي أجبرتوني عليه. إنما أنا مليش فيه."
عزيز بشر:
"لا ليك، وليك أوي كمان. إنت ناسي إن كل ورق الشحنات اللي بتيجي من بره باسمك، وإنت ماضي عليها. افتكر كويس إن لو حصل حاجة، إنت اللي هتروح فيها."
جلس على مقعده وقال بحزن:
"منك لله، منك لله إنت وابنك. أنا دكتور محترم وماليش في الحرام. إنتي اللي هددتني وأجبرتني على كده."
كريم بحقد:
"كده أفضل؟ ولا كنت بعت اختراعك للإرهابيين وناس كتير ماتت بسببك؟ ولا كانوا قتلوا بنتك الوحيدة يا عمي؟ افتكر كويس إن لولا أبويا مكانش زمانك لسه مكانك هنا. وخطوبتي لبنتك هي اللي حامت حياتها."
نظر له بشر وأكمل:
"حط الكلام ده في دماغك يا دكتور. بعد بنتك عني تمنه حياتها."
نظر له كامل برعب، ولكن قال:
"لله الأمر من قبل ومن بعد."
رواية عمر و اسماء الفصل السابع 7 - بقلم فريدة الحلواني
مر أسبوع على أبطالنا لم يحدث به شيء يذكر، غير انتقال عائلة عمر إلى فيلته. منذ يومين، بدأت مناوشات مالك وندي، التي يحاول بها استفزازها، ولا يعلم ما هو سر حبه لرؤيتها غاضبة.
أما عصفورا الحب خاصتنا، فكانا يقضيان ليلهما في التحدث عبر رسائل الواتساب، نظراً لخوفه أن يسمعها أحد إذا حدثها عبر الهاتف. وما كان يصبر قلبه، أنه يراها من خلال شرفته التي يجلس فيها، ليراها وهي جالسة داخل شرفتها تحادثه.
وحينما رفضت في البداية، لعدم رغبتها في فعل شيء خاطئ، بما أنها مخطوبة لغيره، رد عليها قائلاً:
"متجننينيش بالكلمة دي. وبعدين فين دبلة الي بتقولي عليه خطيبك؟"
صمتت، فأكمل:
"تمام، مفيش رد. لأن دبلتي أنا الي في إيدك. اسمعي الكلمتين الي هقولهملك دول واحفظيهم كويس، لأني مش هعيدهم تاني. انتي بتاعتي أناااااا، حقي أناااا. وزي ما الكلب ده حاول يخطفك مني، هعرف أرجعك لحضني وأنتقم منه على كل لحظة بعدك عني فيها، وعلى كل دمعة نزلت منك بسبب البعد ده. فاااااهمة؟"
فرح قلبها كثيراً، ولم تعارضه بعدها مطلقاً.
في صباح يوم الجمعة، والكل في إجازة، كان مالك يتخفى خلف إحدى الأشجار الكبيرة، وكل فين وفين ينظر إلى ساعته تارة، وإلى الطريق تارة أخرى، وهو يقف في ترقب، حتى رأها تسير بتمهل، واضعة سماعات الأذن، ومن الواضح أنها تعيش في عالم خاص مع ما تستمع إليه. عدل سترته الرياضية، ووقف في وضع الاستعداد ليظهر أمامها، وكأنها صدفة بحتة لم يتعمدها.
كانت ندي قد اعتادت أن تمارس رياضة الجري أو المشي كل يوم صباحاً داخل حديقة فيلتهم، أما يوم الجمعة، فهي تفضل الخروج إلى حدائق المجمع الشاسعة. وقد علم كل تحركاتها من العامل المختص بالاهتمام بالحديقة، بعدما تظاهر أنه يتحدث معه بعفوية، والآخر لم يبخل عليه وقص عليه كل ما يعرفه عن الجميع.
بمجرد ما مرت من أمامه، حتى خرج من مخبئه وتظاهر بممارسة الجري وهو منهمك، فاصطدم بها دون قصد.
"اممممم." أو هكذا ادعى.
التفتت لتنهره، وهي تخلع السماعات، ولكن بمجرد ما علمت هويته، قلبت عيناها بملل وقالت:
"هو انت يابني؟ انت دخلت شرطة؟"
"ازاي مالك؟" باستغراب.
"يعني إيه؟"
"مش المفروض يبقى فيه كشف نظر؟ وانت البعيد أعْمَى القلب والنظر. ما شاء الله."
اغتاظ من لسانها السليط، وقال:
"ياااا بت اتهدي بقي. انتي إيه مبتعرفيش تتكلمي زي البني آدمين؟ لازم الدبش الي بتحدفيه ده."
بدأت تسير وهي تقول:
"مع أمثالك لازم أحدف خراااا من طوب بس."
شمأز مما قالته، ورد بقرف:
"الله يقرفك يا شيخة. انتي إيه؟ طب حتى قولي صباح الزفت على دماغك الأول."
وقفت قبالته مبتسمة بسماجة، وقالت:
"صباح الزفت والخراااا على دماغك. مرضي كده يا عم؟ سيبني في حالي بقى."
أمسكها من ذراعها بقوة، ثم قال بغضب حقيقي، خافت هي منه:
"بت اتلمي بجد بقى، عشان أنا جبت آخري من لسانك الي عايز أقطعه ده. اعرفي حدودك واتكلمي معايا بأدب أحسنلك. سااااامعة؟"
اهتزت من صرخته، وخفق قلبها رعباً، ولكنها أبت أن تظهر ذلك أمامه، فاستجمعت شجاعتها، ونزعت ذراعها منه، ثم قالت:
"يا ريت تبعد عن طريقي لو مش عايز تتهان. ولا فاكرني ممكن أنضم لقائمة حريمك يا شهريار؟"
نظر لها باستعلاء، ودون أن يحسب حساب لما سيقوله:
"ههههههه. انتي؟ هههههه. انتي تنضمي لحريمي؟ انتوا معندكمش مرايات في بيتكم يا قطة؟ ولا إيه؟ شوفي نفسك وشوفي البنات الي أنا بعرفها. انتي أصلاً متجيش جنبهم حاجة، ولا فيكي ريحة الأنوثة حتى. ياااا هههه. يا معلم قدورة مش مسميينك كده برضه؟"
نزف قلبها دماً، قبل أن تزرف من عينيها دمعة وحيدة، مسحتها بسرعة، وكبرياؤها وكرامتها أبيا أن يراها. ولكن اهتزاز صوتها وشي بجرحها العميق مما قاله:
"أنا ولا عايزة ولا فكرت أقارن نفسي بيهم ولا بغيرهم يا مالك بيه، وأنا عاجبني حالي كده. ... آسفة، مليش في المحزق والملزق عشان أعجب."
وفقط تركته مغادرة قبل أن يتفوه بحرف.
وقف ينهر حاله ويقول:
"انت غبي غبييييي يا زفت. ازاي تجرحها كده."
لم يمهل نفسه الفرصة لتأنيب الضمير، وركض خلفها. وحينما وصل إليها، أمسكها من رسغها ليجبرها على الوقوف. وحينما وقف قبالتها ليعتذر عما بدر منه، بهت حينما رأى دموعها المنهمرة على وجنتيها.
وقف قبالتها وقال:
"أنا آسف. حقيقي آسف. مقصدش اللي قولته، بس أنا كنت مدايق من غلطك فيا كل شوية."
نزعت رسغها بعنف، وانهارت لأول مرة قائلة:
"عشان دايقتك بكلامي تدبحني أنت بكلامك لييييه كده؟ أنا عايشة في حالي، مش بدخل في حياة حد، ليه كلكم بتدخلوا في حياتي؟ أمي بتستعر مني قدام صاحباتها عشان مش بلبس زي البنات، وأبويا ماشي معاها على الخط. وأخويا ده بقي حاجة كده، استغفر الله، معندوش ريحة الرجولة. يكون مبسوط لو لبست قصير ولا عريان، إنما شكلي كده ههههه بيحرجه قدام المجتمع اللي عايش فيه. حتى زمايلي في الجامعة كانوا بيتريقوا عليا، ومحدش كان بيصاحبني عشان مسترجلة."
مسحت دموعها بقوة، ولكن هبط غيرها الكثير، وأكملت:
"انتوا ليه كلكم بتبصوا على الشكل وبس؟ طب محدش فكر يشوفني من جوايا عاملة إزاي؟ طب بلاش، محدش فكر أنا ليه بقيت عاملة في نفسي كده؟ برغم إني لحد الثانوي كنت زي ما بيقولوا بنت كيوت. آآآ...."
شهقت ووضعت يدها فوق فمها، حينما شعرت أنها على وشك الإفصاح له عما بداخلها، وكادت أن تهرب من أمامه. إلا أنه كان الأسرع، حين جذَبها ساحباً إياها نحو ركن بعيد عن الطريق، وقال بإصرار وهو ينظر لها:
"إيه اللي خلاكي تبقي كده يا ندي؟ إيه اللي حصلك؟"
سألها بقلب وجل، ولا يعلم لماذا يشعر بقلبه يتمزق عليها، لدرجة أنه لا يستطع تحمل هذا الألم الذي لا يعرف له سبب.
ردت عليه بحزن، وقد هدأت قليلاً:
"متشغلش بالك، وانسى أي حاجة سمعتها مني. ... بكت مرة أخرى دون إرادة، وأكملت: أرجووووك امحي أي ك...."
لم يتركها تكمل حديثها، حينما امتدت يداه دون إرادة منه، ضاماً إياها بين ذراعيه، واضعاً رأسها فوق قلبه النابض بعنف، وأخذ يملس فوق شعرها بحنان، وهو يقول:
"ششش بس اهدي. حقك عليا أنا. ااااسف."
قَبَّلها فوق خصلاتها، وقال:
"اااسف بجد والله. مقصدش أجرحك. أنا كنت بغيظك بس، طلعت غبي."
كَمَكَتْهُ بكفها الصغير في صدره، وقالت:
"غبي وجحش."
ابتسم، وقال:
"مفيش فايدة. أفعصك بين إيدي وأنتي زي العصفورة كده عشان أرتاح من لسان أهلك."
خرجت من أحضانه، وقد رجعت لطبيعتها، أو حاولت، حينما قالت:
"انت استحليتها يا أمور؟ بتستغل عياطي وتتحرش بيه؟"
برق بعينيه، وقال:
"أناااا؟ أنا خليتني متحرش؟ الله يحرقك يا شيخة. أعمل فيكي إيه؟"
ابتسمت له، وهي تمسح دموعها بظهر يدها مثل الأطفال، وقالت:
"تيجي معايا نضربلنا كام سندوتش فول وفلافل عشان جعانة ومش بعرف أفطر لوحدي."
ضحك بصخب، وقال:
"ههههههه. انتي بجد بلوة حياتي. يلا يا أخره صبري."
قام بدفعها لتسير أمامه، وقال:
"يلا يا أخره صبري. بس هنلاقي هنا حد بتاع فول وفلافل؟ يتهيألي صعب، صح؟"
"لا هنا مش هتلاقي، بس في واحد بيقف عند مجمع المصانع بعربية فول. احييييه على حلاوته. بروح أفطر عنده قبل ما أروح الجامعة."
نظر لها بزهول، وقال:
"عربيييه فووووول؟"
"إيه يا عم الفرفور؟ هتقرف ولا إيه؟ وتزعل لما أقولك يا حمادة؟"
نظر لها بشر، وكاد أن يلكمها، إلا أنها هرولت من أمامه، وهي تطلق ضحكاتها الصاخبة. وقد تناست ما حدث بطيبة قلبها، وقالت لحالها: "يكفي لقلبي أنه تنعم بأحضان حبيبه ولو لدقيقة. ما كان هذا ليحدث في أقصى أحلامي.... سأستمتع اليوم، وغداً لي معه حساب عسير."
كانت متسطحة فوق فراشها، تعبث بهاتفها بملل، في انتظار إفاقة الجميع من نومهم. ولكنها شعرت باهتزاز هاتفها السري المخبأ تحت وسادتها. سحبته سريعاً، وما إن رأت اسمه ينير الهاتف دليل على اتصال منه، لا رسالة كما المعتاد. دلفت سريعاً إلى المرحاض، وأغلقت الباب خلفها، ثم ردت عليه لهمس، تحسباً لدخول أي شخص إلى غرفتها.
وقالت:
"الو."
"صباح الفل على حبيبي. اسمعيني كويس من غير ما تردي، ونفذي اللي هقولك عليه بالحرف."
صمتت بقلق لتسمعه، فأكمل:
"البسي أي تريننج رياضي، وانزلي الجنينة. خلي التليفون ده في جيبك على وضع الفايبريشن، وفونك الأساسي سيبيه فوق السرير بتاعك. بعد ما تنزلي، اجري حوالين الجنينة لفتين، وأول ما تحسي بهزة الفون في جيبك، تعالي ورا الفيلا."
استغربت كثيراً مما قاله لها، فسألته بهمس:
"ليه كل ده؟"
"هتفهمي كل حاجة بعدين، بس نفذي اللي قولته بالحرف. وأوعي تتلفتي حواليكي وأنتي بتجري، خليكي طبيعية. فاهمة حبيبي؟"
"فاهمة. حاضر."
"بت، البسي حاجة واسعة. سااامعة."
ابتسمت وأغلقت الهاتف، وقامت بتنفيذ كل ما طلبه منها دون أن تفكر حتى في سبب كل هذا. هي تثق فيه ثقة عمياء، هو حبيبها، وكفى.
أثناء سيرها في الحديقة، كان هو يقف بجانب سور الفيلا الخلفي من الخارج، ويتحدث مع أحمد رجله بالداخل عبر سماعة الأذن، ويقول:
"ها يا أحمد، لسه واقف؟"
"أيوه يا ريس، متابع كل حاجة من ورا شباك المطبخ."
صمت لحظة، ثم أكمل:
"دخل يا باشا."
"انت جهزت اللي طلبتها؟"
"كله تمام."
أغلق معه سريعاً، واتصل بها. وما إن شعرت باهتزاز الهاتف، أكملت سيرها بشكل طبيعي، وحينما وصلت لاتجاه الفيلا من الخلف، أسرعت بخطواتها.
في تلك اللحظة، كان هو يقفز بكل مهارة فوق السور، عابراً منه إلى الداخل، في نفس لحظة وصولها. نظرت له بذهول، ولكن لم يعطها الفرصة للتحدث، حينما قال:
"يلا حبيبي بسرعة."
أعقب قوله بسحبها نحو سلم خشبي طويل موضوع بجانب السور. نظرت له بصدمة، وقالت:
"انت عايزني أنط من عالسور؟ انت هتهربني ولا إيه؟"
نظر لها بغيظ ونفاذ صبر، وقال:
"اخلصي يا أسماء، مش وقت أسئلة. هفهمك كل حاجة، بس نخرج من هنا."
أطاعت أمره بقلة حيلة، وصعدت خلفه. وحينما وصلوا لحافة السور، قفز هو بكل سهولة. أما هي، فخافت لعلو السور، وقالت له:
"استحالة أعرف أنط زيك."
نهرها بهمس:
"اخلصي يا بت! أنا همسكك. اخلصيييي."
أغمضت عينيها، وقفزت ناحيته، فتلقفها بين يديه. وما إن أنزلها فوق الأرض، نظر لها بعشق، واحتضنها بحب جارف، ثم قال:
"أخيراً يا تاعبة قلبي."
ابتسمت له، وهي على وضعها، الذي أنهه سريعاً على مضض، وسحبها تجاه سيارة غريبة عليها. وبعد أن صعدا سوياً وتحرك بها، كادت أن تتحدث، إلا أنه أشار لها بالصمت، حتى ينهي محادثته الهاتفية، التي كانت عبارة عن:
"نضف مكاني، أنا خلصت. و....."
فقط. أغلق الهاتف، وبدأ في الإسراع في قيادته، وهي تجلس بجانبه بفضول.
ضحك، وقال وهو يوزع انظاره بينها وبين الطرق:
"ههههههه. عمالة تفركي؟ الفضول هيموتك، أنا عارف."
ردت عليه بغيظ:
"يعني كل اللي حصل ده، ومش من حقي أعرف لييييه؟"
أمسك كفها مقبلاً إياه، وقال بحب:
"حابب أقضي وقت معاكي زي زمان، وما كانش فيه طريقة تانية نخرج بيها غير كده، لأننا متراقبين."
نظرت له بخوف، وقالت:
"ارجوك يا عمر، فهمني إيه اللي بيحصل حواليا، ومين اللي بيراقبني، وليه كل ده؟ بابي رافض يفهمني أي حاجة، وبيقولي اسمعي كلامي وبس. وكل تصرفاته بقت غامضة. حتى لما كلمني على موضوع الحراسة، قالي: ثقي في عمر، وأي حاجة يقولك عليها، اعمليها. طب هو يعرفك منين؟ وإيه اللي يخليه يثق فيك للدرجة دي؟ ارجوك فهمني. أنا هتجنن بقالي تلت سنين عايشة جوه لغز كبير، مخليني مرعوبة ومش عارفة أعييش."
أعقبت قولها برفع يدها لتمسح دموعها المنهمرة.
كانا قد خرجا من البوابة الخلفية للمجمع، بعد أن عطل كاميراتها. برغم أن السيارة التي يقودها زجاجها معتم، إلا أنه لا يترك شيئاً أبداً للصدفة. من الممكن أن يكون فيه ضرر عليها.
أوقف السيارة بجانب الطريق، واختطفها بين ذراعيه، يعصرها عصراً، وقال:
"اهدي حبيبي، عشان خاطري. كل ده عشانك والله، وأكيد هييجي الوقت اللي هتفهمي فيه كل حاجة."
خرجت من أحضانه رغماً عنه، وقالت بحزن رقيق:
"انت لازم تثق فيا، وتقولي اللي بيحصل، زي ما أنا بثق فيك. أنا من حقي أفهم."
مد يده، ومسح دموعها بحنان، وقال:
"هتفهمي كل حاجة، بس حالياً أنا محتاج منك إنك تثقي فيا وتصبّري عليا شوية وقت، مش أكتر. أكون قدرت أمسك كل الخيوط في إيدي، ووقتها هقولك كل حاجة."
نظرت له بعدم اقتناع، وكادت أن تتحدث، إلا أنه مال عليها، ملتقماً شفتيها ببطء في قبلة رقيقة... حنونة... شغوفة... متطلبة.
أغمضت عينيها دون إرادة، وتاهت معه في جنته التي حرمت من دخولها.
لم يرد أن يطيلها، حتى لا ينفلت منه زمام الأمور، وجاهد ليكبح جماح شوقه لها.
فصل قبلته، ونظر لها بعشق. وجدها مغمضة عينيها، مال عليها مرة أخرى، ملثماً كل عين بقبلة حانية، ثم قبل جبهتها بإجلال، وقال:
"افتحي عنيكي حبيبي."
فتحتهم على مهل، وطار قلبها حينما سمعته يقول بحروف تقطر عشقاً:
"أنا بعشقك يا حبيبي. بتنفسك. قبلك مكنتش عايش، وبعدك مقدرتش أعيش. حابب أخبيكي جوه قلبي، ومحدش يشوفك غيري، وبأمر الله قريب أوي هنبقى سوى قدام الكون كله. بس ساعديني بصبرك عليا وثقتك فيا، عشان خاطر."
نظرت له بحب يجابه عشقه، وقالت:
"حاضر يا حبيبي. هصبر عليك، وأنا أصلاً بثق فيك أكتر من أي حد في الدنيا."
ابتسم بفرحة، ومال عليها مقبلاً ثغرها بسطحية، وقال وهو يعود للقيادة مرة أخرى:
"حبيبي الشطور. هو أنا بحبك من فراغ."
ابتسمت له بحلاوة، وقالت:
"طب هنروح فين؟ أعتقد مكانه هيبقى بعيد، وبعدين لما يدوروا عليه ومش يلاقوني، لما أرجع هقولهم إيه؟"
رد عليها بهدوء وثقة:
"حبيبي متشغليش بالك. أنا مرتب كل حاجة، وهقولك واحنا راجعين. إحنا أصلاً مش هنروح بعيد، ومش هنبقى لوحدين."
نظرت له بتساؤل، فأكمل:
"مالك وندي بيفطروا على عربية فول قريبة من هنا، وإحنا هنروح لهم."
صرخت به قائلة:
"واااااا؟"
ضحك، وقال:
"رجعنا للوطوطة تاني يا بت! اعدلي لسانك ده. هما اتقابلوا صدفة، وعرفت لما كلمت مالك قبل ما أقابلك، وقولتله يستناها."
أوقف سيارته أمامه عربة الفول، التي كان يقف عليها كلاً من ندي ومالك، وهما يلتهمان الطعام بنهم. أخرج هاتفه، ووضعه على وضع التصوير، ثم أطلق صفيرة مميزة من فمه. وحينما التفت مالك وندي، وبيدهما الخبز المحشو، التقط لهم صورة كارثية، ثم ضحك بصخب، وقال:
"الصورة دي هتبقى ترند يا غاااالي. ههههههه."
قذفه مالك بقطعة بصل كانت في يده، وقال:
"تقل دم أمك يا جدع."
ضحكت الفتاتان عليه، وقام بمحاسبة صاحب العربة، الذي أخذ يدعو له بعدما وجد كثيراً من المال قد أعطاه إياه. ومن ضمن دعواته:
"ربنا يزيدك من فضله يا بيه. ربنا يهنيك بيها، ويجعلها من نصيبك. ست ندي دي ست البنات. عمرك ما هتلاقي في جدعنتها ولا طيبة قلبها. ياااا زين ما اخترت."
ابتسم هو، لا يعلم لماذا. أما هي، فكادت أن تصحح تلك المعلومة الخاطئة، إلا أنه فهم عليها، وقام بإمساك كفها ليذهبا معاً، وهو يقول:
"ادعيلنا انت بس يا راجل يا طيب. سلام و....."
فقط. فتح لها باب السيارة الخلفي لتصعد، وهو معها. ولكن تعتقدون أنها ستصمت؟ لاااا والله.
بمجرد ما أغلق الباب، لم تعط فرصة لأحد، وقالت ناهره إياه:
"مالك ياااض؟ عيشت الدور كده ليه؟ مخلتنيش أفهم عم إسماعيل إنك جاري ولا أي هباب على دماغك، وبس؟ ليه عايز تسوء سمعتي؟"
يرد عليها بغيظ:
"أنا غلطان إني حبيت أعملك قيمة يا بايرة."
كادت أن ترد عليه، إلا أن أسماء، التي كانت منهارة هي وعمر من الضحك، قالت بجدية:
"لالالالا يا أستاذ مالك، لحد هنا وستوب. بعيداً عن الهزار، عمرك ما هتلاقي زي ندي، اللي بيتمناها كتير، بس هي بترفض. وآخر واحد اتقدم لها وكان هيتجنن عليها محمد ابن السفير خالد الأسيوطي. هما لسه ساكنين جديد هنا. ولما رفضت، أونكل وأنطي زعلوا منها جداً، وحاولوا معاها، بس هي اللي صممت على الرفض. وبرغم كده، لسه بيحاول معاها في أي مناسبة أو صدفة، بحسها متعمدة منه عشان يكلمها ويقنعها بيه، بس هي بتصده."
هل تشعرون بحريق صغير بدأ ينشب داخل ذلك القابع في الخلف، والذي لاحظه أخيه، وهو ينظر له من خلال مرآة السيارة الأمامية، وهو يقود؟
"فعلاً ندي بنت كويسة، واللي زيها قليل اليومين دول."
نظر لأخيه بمغزى، ولكن الآخر كابر، وقال:
"خلااااص يا شبح، انت واللي جنبك دي مش هنقلبها موقع تزاوج، إحنا. وأصلاً الواد ده أنا عرفه، عيل ملزق. دي أرجل منه يا جدع."
كَمَكَتْهُ بيدها في كتفه بغيظ، وقالت:
"على فكرة، أنا ممكن أوافق عليه عشان أعرفك، بس إذا كان هيموووت عليا ولا لا. بس.... أقولك إيه؟ رأيك ميهمنيش أصلاً يا..... حمادة. ههههههه."
هكذا انطلقت ضحكات الثلاثة، تحت نظراته المغتاظة، وشعور بالضيق سيطر عليه، لا يعرف سببه.
انقلبت الفيلا رأساً على عقب، حينما بحثوا عن أسماء، ولم يجدوها. وقد أخبرتهم رحمة أنها آخر مرة رأتها كانت في الحديقة منذ أكثر من ساعة.
"كامل؟"
"يعني إيه مش موجودة؟ اختفت يعنيييي؟"
"كريم؟"
"أنا هسأل الحرس، أكيد شافوها."
وما إن سأل، رد عليه قائلاً:
"جريت شوية في الجنينة، وبعدها خرجت يا فندم."
جن جنونه بعدما علم بخروجها، وقبل أن يعود إلى الداخل، أخرج هاتفه واتصل برقم ما، وحينما جاءه الرد، قال بهمس غاضب:
"أسماء هانم فين؟"
"معرفش يا فندم، هي مخرجتش من الفيلا."
رد عليه بجنون:
"انت هتستهبل ياااا؟ روح أمك! إذا كان الحرس شافوها وهي خارجة، يبقى إزاي مخرجتش؟"
"والله يا فندم، أنا واقف مكاني متحركتش من خمسة الصبح، وقت ما استلمت ورديتي من جلال، وما فيش حد خرج غير ندي هانم من حوالي ساعتين."
"كريم؟"
"............"
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عمر و اسماء الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة الحلواني
صرخ كريم برجله قائلا قبل أن يدلف مرة أخرى إلى الفيلا:
اجمع لي الرجال وقلبوا لي الدنيا عليها.
بينما كانت الدنيا مقلوبة رأسًا على عقب بسبب تلك المختفية، كانت هي تستمتع مع رفيقاتها وتضحك من قلبها على مزاح مالك وعمر وهما يجلسون في حديقة أحد المولات الكبرى.
قالت أسماء من بين ضحكاتها:
بلييييز كفاية، بطني ستتقطع من الضحك. مش قادرة.
نظر لها بعشق وقلب يقرع طبول الفرح على سعادتها الظاهرة للعيان وقال:
اضحكي كمان يا حبيبتي، أحلى صوت في الدنيا صوت ضحكتك اللي وحشتني. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تفضل منورة وشك كده.
خجلت من حديثه أمام ندي ومالك وقالت:
تسلم.
ردت ندي بمزاح:
يا بت بلاش محنك ده، الواد شكله على آخره هيفضحنا.
ضحكوا عليها وقال مالك ليغيظها:
سيبها يا معلم، قد إيه نحس إن في حاجة تطري القعدة الناشفة دي.
التهبت عينا عمر بالغيرة من قول أخيه وقام بقذفه بملعقة طعام صارخًا به:
لم نفسك يا بغل أنت.
تفاداها مالك بسرعة وقال ضاحكًا:
أنت أهبل يااض ولا عندك عم عبيط؟ دي مرات أخويا وأختي، هغير عليها مني.
خفق قلب العاشقين في نفس اللحظة من حلاوة الكلمة التي نطقها مالك بعفوية، ونظرا لبعضهما بعشق يصرخ داخل أعينهما. ثم أمسك عمر كفها وقبلها بحب وقال:
قريب إن شاء الله، قريب أوي هتبقى مرات أخوك يا ثعلب.
نظرت ندي للقابع بجانبها وقد سيطر عليها موجة حنين وتمني أن تحيا مثل تلك اللحظة معه.
التقط هو تلك اللمعة واستغرب منها، ولكن بداخله شعر بشعور غريب سيطر عليه وجعله يتطلع داخل عينيها بإحساس جديد عليه. وبما أنه خبير في عالم النساء، فقد عرف مغزى تلك النظرة البريئة والتي لم تستطع مداراتها. أحب ذلك الشعور كثيرًا، ولكن حقًا هو حائر، فهو لا ينوي الارتباط ولا يضعه من ضمن حساباته. وقرر أن يتجنبها حتى لا يغرق بها، فهو ما زال على البر، لا داعي للنزول إلى بحر لا يعلم له نهاية.
قطع تلك اللحظات المميزة بعض الشباب الذين كانوا يتابعون الموقف وبدأوا في مضايقتهم بوقاحة من إطلاق صفير عالٍ أو إلقاء بعض الكلمات البذيئة. ولكن ما جعل الدم يفور بداخل الأخوين حينما قال أحد الشباب:
هاتها وخد عرقها يا برنس، وهنراضيك.
إلى هنا وكفى. نظر الاثنان لبعضهما وفي لحظة، لحظة فقط كانا يهجمان على الخمس شباب وأبرحوهما ضربًا، ولكنهم لم يطفئوا نار غيرتهم.
وحينما كاد أحد الشباب يضرب مالك من الخلف مستغلاً انشغاله في ضرب صديقه، قذفته ندي بكوب زجاجي فاصطدم برأسه جاعلاً إياه يصرخ بألم مبرح.
نظر لها مالك بشر وصرخ بها وهو يلقي الشاب الذي انتهى في يده ويمسك الآخر:
اترزعي مكانك.
جاء أمن المكان وبصعوبة استطاعوا فض الاشتباك الذي كان للأخوين الغلبة فيه.
وحضر مدير المول، وقبل أن يقوم بتوبيخهم، أخرج كلا من عمر ومالك الكروت الخاصة بعملهم، فوقف المدير برعب. بينما قال عمر:
أي تلفيات سأحاسبك عليها دون رغي كثير.
ثم نظر لأخيه وقال:
اتصل بكمين بوابة الإسكندرية ييجوا يلموا الـ #### دول من هنا.
أخرج مالك هاتفه وقام بمحادثة أحد الضباط المسؤولين عن تأمين بوابة الإسكندرية على الطريق الساحلي، فهي الأقرب لهم. وما إن مرت ربع ساعة كانت عربتان من الشرطة تقفان أمامهما، وقام المجندون بتكبيل الخمس شباب بالأصفاد وإدخالهم داخل العربات.
أما الضابط، فوقف أمامهما بعد أن أدى التحية العسكرية لهما وقال:
أي أوامر أخرى يا ريس؟
عمر:
روّق لي عليهم على ما أجي لك آخر اليوم.
مالك:
اتوصى يا غالي، ها.
فهم الظابط عليهما وقال قبل أن يغادر:
من عيوني.
كانت أسماء تبكي بخوف داخل السيارة بعدما قرروا العودة، وكان عمر يقود بعصبية مفرطة. وزادت أكثر حينما سمعها تقول:
كان لازم تبوظي لنا اليوم يعني؟ كنت سبتهم وخلاص؟
صرخ بها قبل أن تكمل:
ليه؟ قاعدة مع سوسن ولا إيه؟
تنفس بغضب وأكمل:
اكتبي يا أسماء أحسن لك عشان حلاوة أهلك دي، هدخل السجن بسببها.
نظر لها وأكمل بجنون:
أنتِ مالكيش خروج من البيت. أنا أصلاً هحبسك عشان أخلص.
أخذ يضرب فوق المقود بيده ليحاول إفراغ غضبه.
أما ندي، فقد قالت ما جعل القابع بجانبها يغلي أكثر:
والله أنا كنت ناوية أدخل وأطحنهم معاكم، بس أخوك هو اللي قبل.
امسكها من ملابسها من الخلف وصرخ بها وعيونه تطلق لهبًا:
اخرسييييي، سامعة؟ أنتِ بالذات مسمعش صوتك. ودور البنت المسترجلة ده تبطليه أحسن لك، سامعة؟
تعبت من صراخه وانكمشت داخل نفسها وهي تقول بهمس التقطته أذناه:
طب أودي كل الهدوم اللي عندي فين؟ منك لله يا حمادة.
برق بعينه ورفع يده ليلكمها. فغطت وجهها بكفيها وهي تقول بفزع:
ده سؤال بريء، والله خلاص. خلاص.
نظر لها بعد أن تركها بقله حيلة وهو يقول بجنون:
لالالالا، مش هينفع. مش هينفع.
فهم عليه أخيه وقال:
اصبر يا مالك، بعدين نتكلم. المهم دلوقتي عشان قربنا. افهموا اللي هتقولوه كويس.
نظر له الفتاتان بتركيز. فقال:
إحنا هندخل من البوابة اللي ورا، تمام؟ وهتنزلوا بعيد عن الفيلا. ومتقلقوش، هنتابعكم من بعيد. هما دلوقتي بيدوروا عليكم في الجناين والمول، بس محدش راح الناحية دي. فأنا دلوقتي هخلي أحمد يقترح عليهم إنهم يدوروا عليكم هناك. أول ما أديله رنة، وطبعًا هتقعدوا في حتة فاضية. هوصلكم ليها بطريقة طبيعية وتتفاجئوا باللي حصل. وأنتِ يا ندي، طبعًا فونك يفضل مقفول زي ما اتفقنا، كأنه فصل شحن. تمام كده؟
بعد أن أنهى حديثه وهو يعبر البوابة الخلفية للمجمع، وجد كامل يهاتفه. فأشار لهم بالصمت ورد عليه سريعًا:
صباح الخير يا دكتور.
رد عليه كامل بإحراج وقلق وهو يفتح مكبر الصوت كما أمره كريم:
آسف جداً لو أزعجتك يوم إجازتك، بس أسماء خرجت من غير ما تقول لحد وسايبة موبايلها في البيت ومش عارفين نوصل لها.
مثل عمر القلق وقال:
عشر دقائق هتلاقيني عندك يا دكتور. اطمن، هنلاقيها إن شاء الله.
أغلق معه واتصل بأحمد الذي قال له بمجرد أن فتح الخط:
ريس، خد بالك، كريم موقّف واحد عند فيلتك تقريباً شاكك إنك مش هناك، عشان كده خلي عمّك يكلمك.
عمر:
تمام، كنت متأكد. المهم، أول ما أرن عليك اعمل اللي قلت لك عليه.
وصل إلى مكان بعيد وساكن نسبياً وأنزل الفتاتان تحت تنبيهاته عليهما بالالتزام بما اتفقا عليه. وكان يجلس رجلان من رجال عمر على مسافة منهما ليكون مطمئناً عليهما. في ذلك الوقت، أما هو فانطلق بالسيارة ومعه أخيه، وفي غضون دقيقتين كان يهبط منها في الجهة الخلفية لفيلته، ومن ثم قفز الاثنان من فوق السور بعد أن أوقف مالك جهاز الإنذار الذي يطلق صفيرًا عاليًا بمجرد أن يلمسه أحد السور من أعلاه.
ولجوا داخل الحديقة، وما إن كادا يصلان إلى البوابة الرئيسية حتى سمعوا صياح أبيهم الذي ينظر لهم باستغراب. فقال مالك سريعاً:
ساعة وراجعين يا بوب، وهنفهمك على كل حاجة.
لم يعطه الفرصة للرد وخرجا معاً تحت أنظار من يراقبهم، والذي اتصل بكريم يخبره أنهما بالفعل كانا ماكثين في منزلهم.
بمجرد ما دخلا إلى الدكتور كامل، بدأوا يسألونه بعض أسئلة من المفترض أن تفيدهم في البحث المزعوم.
أما كريم، فكان ينظر لهم بشك وقال:
انتوا كنتوا في خناقة ولا إيه؟
عمر ببرود:
كنا بنلعب ماتش ملاكمة، أصل متعودين على كده يوم الإجازة. بس أول ما الدكتور اتصل بيا جينا على طول، ملحقناش نغير هدومنا ولا ناخد شاور حتى.
ثم نظر إليه بكيد وأكمل:
شكلنا مضايقينك في حاجة.
قبل أن يرد عليه، وجد هاتف كامل يصدح باتصال، وما إن رد عليه وجد أحمد يقول:
لقيتهم يا دكتور.
انتفض كامل قائلاً:
فين؟ لقيتهم فين؟
أحمد:
كانوا قاعدين في الجنينة اللي في آخر المول، يا فندم. وإحنا حالياً راجعين، خمس دقايق وهنكون عندك.
أغلق معه وقال بفرحة:
لقوهم الحمد لله، الحمد لله.
انتبه الجميع له وقالت بهيرة بغيظ:
وكانوا فين الهوانم؟
كامل:
كانوا في الجنينة اللي في آخر الكومباوند. الحمد لله يا رب.
وما إن أنهى حديثه وجدهم يدلفون وعلى ملامحهم الرعب. جري كامل يحتضن ابنته بفرحة لرجوعها سالمة. أما ندي، فقد وقفت تنظر لهم، وبداخل عينيها لمعة انكسار لمحها مالك واعتصر قلبه لأجلها.
عزيز بصراخ:
انتوا اتجننتوا صح؟ قاعدين ولا على بالكم الدنيا المقلوبة عليكم.
ندي بتبجح:
وإحنا عملنا إيه يعني؟ كنا بنتمشى والوقت سرقنا.
كريم بغباء:
أنتِ تغوري في داهية، ما يهمنيش، ولا حد هيسأل عنك حتى.
ثم نظر لأسماء المختبئة في حضن أبيها وأكمل بصراخ:
أما أنتِ، ااااانتي. من إمتى بتخرجي من غير إذني؟ انطقييييي.
غلى الدم في عروق الواقف بتحفز، وكاد أن يهجم عليه، إلا أن أخيه أمسكه برفق حتى لا يلاحظه أحد، ونظر له نظرة مفادها:
اهدأ، ليس هذا وقت غيرتك.
أما هي، فقد استمدت شجاعتها من وجوده وخرجت من حضن أبيها وصرخت به مفرغة كل غضب السنين في تلك اللحظة:
أناااا عمري ما أخدت إذنك عشان أخرج. أنت اللي دايماً محاصرني في كل حتة. أول ما بستأذن من بابي عشان أخرج، لما خنقتني؟ إيه كفرت؟ لما طلعت أشم شوية هوا أنا وبنت عمي؟ ويا ريتنا روحنا مكان بعيد، داحنا يدوب بنلف في نفس المكان. كفاااايه بقى تحكم، أنا اتخنقت.
احتضنها أبوها وهو يقول بحزن وغضب:
ما عاش اللي يخنقك يا روح بابا. اخرجي زي ما أنتِ عايزة، وما حدش هيقدر يمنعك طول ما أنا عايش.
ثم نظر لكريم وقال:
ملكش دعوة ببنتي يا أما أنت اللي هتجبرني ألغي أي اتفاق بينا، سااااامع؟
تحول كريم إلى حمل وديع في لحظة وقال:
لالالا يا عمو، أنا مقصدش، أنت عارف أنا بحبها قد إيه وبخاف عليها. خلاص يا حبيبتي متزعليش، حقك عليا. وأنا ياستي هعزمك على العشا عشان أصالِحك.
خافت هي حينما لمحت لهيب الغيرة المنطلقة من عين القابع أمامها، وقالت:
لاااا، أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
ثم وجهت حديثها لأبيها وقالت:
بعد إذنك يا بابي، أنا طالعة آخد شاور وأرتاح شوية.
كان اللواء نديم يتحدث مع أحد قادة الداخلية ويقول:
أنا فهمتك الموضوع يا معتز بيه، وأتمنى أنك تقدر تساعدني.
العميد معتز:
يا فندم، أنا تحت أمرك في أي حاجة، بس أنت عارف إنه مبقاش ليه أي علاقة بالشغل ده. والصراحة، ساعدني كتير، مش عارف هقدر أقنعه ولا لأ.
نديم:
حاول معاه، أنت عارف صعب جداً إننا نزرع حد عند عزيز. والموضوع هياخد وقت كبير جداً، إنما هو بيثق فيه، وزي ما فهمتني إنه بيتمنى يرجع يشتغل معاه تاني. لو وافق، هيسهل علينا وهيختصر لنا وقت كبير.
معتز:
طب اديني مهلة لبكرة أحاول أفتح معاه الموضوع وأقنعه. لو وافق هتصل بحضرتك.
نديم:
خلاص، هنتظر اتصالك. ولو وافق هبعت له عمر يتفق معاه على كل حاجة.
كان عزيز يجلس في غرفته بعد انتهاء ما حدث صباحًا وهو يشعر بخوف لا يعرف سببه.
جلست بجانبه بهيرة وقالت:
مالك يا عزيز؟ شكلك مش مظبوط.
عزيز:
بفكر يا بهيرة، الشحنة اللي اتسرقت دي خسرتني كتير، ولحد دلوقتي محدش اتصل يتفاوض معانا زي ما بيحصل دايماً. واللي مقلقني أكتر إن كامل بدأ يتمرد علينا، وابنك الغبي خنق البت، وتصرفاته معاها هي اللي خلت كامل يجيب لها حراسة.
بهيرة:
بس واضح إن مالك وعمر ولاد ناس كويسة.
عزيز:
أيوه، ناس مرتاحة.
بهيرة:
طب مش خايف منهم بما إنهم كانوا في الشرطة؟
عزيز:
لا، مفيش قلق من ناحيتهم. هما أصلاً من ساعة ما سابوا الداخلية وهما مهتمين بشغل الشركة. وأصلًا مش ملاحقين عليه من كتر ما بيطلبوا للحراسة، مش في مصر بس، لا في كذا دولة. وبعدين إحنا محدش يعرف عننا حاجة أصلاً، يبقى مفيش خوف من ناحيتهم هما أو غيرهم.
بهيرة:
دول كمان ليهم فيلا هنا، وسمعت إن جابوا أهلهم يسكنوا فيها.
عزيز:
عشان كانوا ساكنين في كفر عبده وهما بيفتحوا مقر جديد لشركتهم هنا، فالمسافة بعيدة جداً عليهم.
بهيرة:
عمر متجوز ومخلف، إنما مالك لا. لو بنتك تتعدل وتبقى زي البنات، مش كان يمكن توقع؟
نظر لها بغيظ وقال:
في نهاية اليوم، كانت تجلس في غرفة ابنة عمها يتحادثان بهمس حتى لا يستمع إليهم أحد، بعدما أخيراً تخلصا من الدادة رحمة التي كانت تلازمهما طوال اليوم تحاول بخبث معرفة ما فعلوه صباحاً، ولكنّهما أصرّا على ما قالاه. وحينما لم تجد جديدًا تركتهم وذهبت.
قصت ندي لأسماء ما حدث بينها وبين مالك قبل أن تقابلهما، وحزنت كثيراً عليها، ولكنها قالت:
بصي يا ندوش، أنا حاسة إن الواد ده بدأ يحس بحاجة ليكي، بس هو عشان عايش حياته مش عايز يتقيد بارتباط ثابت. وكمان، أنتِ لازم تظهري له إنك أحلى من كل البنات اللي عرفهم، لأنك فعلاً أحلى منهم كلهم.
ندي:
لا يا سيمو، اللي عايز يحبني هيحبني زي ما أنا، عشاني أنا، مش عشان شكلي. هو عايز اللي جوايا، ولا عايز باربي يتعايق بيها قدام الناس. أنا كده ومش هتغير.
انقضى أسبوع آخر على أبطالنا، كانت الأمور تسير بسلاسة ولم يحدث أي جديد. ذلك في الظاهر فقط، أما في الخفاء، فكان العمل يجري على قدم وساق لإنهاء تلك القضية.
أما عن ندي، فقد لاحظت تجنب مالك لها نهائياً، حتى تحية الصباح لا يلقيها عليها مثل ما كان معتاداً. حزنت كثيراً وعادت إلى تقوقعها على حالها بعد أن كانت بذور الأمل قد بدأت تنمو بداخلها.
لاحظت أسماء ذلك وحاولت معها أن تغير من مظهرها حتى تجذبه لها، ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً.
في يوم الخميس، وقد كانت أسماء داخل السيارة مع عمر وهما عائدان من جامعتهما، تفاجأت به يقول:
حبيبتي، أنا مسافر شغل يومين، يعني همشي النهاردة وهارْجع السبت بإذن الله.
حزنت كثيراً وقالت بخوف:
رايح فين؟ هتسيبني تاني؟
نظر لها بحب وقال:
بموتي لو فكرت فيها. بس ده مشوار شغل ضروري محدش هينفع يعمله غيري. أنتِ بكرة الجمعة إجازة، والسبت هتقولي إنك تعبانة ومش هتروحي الجامعة. أوعي تخرجي أبداً في اليومين دول مهما حصل، عشان خاطري. حبيبتي، أنا كده كده مأمنك وهبقى على اتصال بيكي، بس هبقى مطمئن أكتر وأنتِ في البيت.
أسماء:
بس أنا مبقتش أحس بالأمان غير عشان بقيت أنت جنبي يا عمر.
رد عليها بحروف تقطر عشقًا:
معلش يا قلب عمر، اللي بعمله ده عشان نفضل مع بعض العمر كله بإذن الله. استحملي عشان خاطر حبيبك.
ابتسمت له بحزن وقالت:
أوكي يا حبيبي، موافقة. بس بشرط.
عمر:
شاوري وأنا أحط قلبي تحت رجلك.
نظرت له بعشق وقالت:
يسلملي قلبك يا رب. بس أنا عايزك توعدني أول ما ترجع نروح المكان بتاعنا. وحشني أوي يا عمر.
قالتها بحنين يغمرها لأجمل أيام عاشتها في حياته.
رد عليها بقلب وجل:
حبيبتي، هييجي يوم ونروح هناك. بس دلوقتي مش هينفع، لازم كل تصرفاتنا تبقى طبيعية عشان ميشكوش فينا. الحمد لله إن اللي حصل الجمعة اللي فاتت عدى على خير. أنا عارف إني اتهورت، بس كنت هتجنن عليكي. على مسكة إيدك، على حضنك، كنت مشتاق أوي أقول لك بعشقك وأسمع منك كلمة بحبك يا عمر اللي بتخليني طاير في السما.
ارتدى جلبابًا صعيديًا قديمًا وأمسك بيده لفافة قماش متهالكة يضع فيها بعض الملابس وألقاها فوق كتفه حاملًا إياها بيد واحدة، وأخذ يسير في طرقات تلك القرية التي استغرب كثيراً حينما وجدها ممهدة والمنازل كلها بنفس لون الدهان، من الواضح أنه يوجد حولها قرية نموذجية بحق.
سأل أحد المارة عن ضالته، وحينما أشار له بمكانها القريب، أسرع من خطاه حتى وصل إلى بوابة حديدية كبيرة وأمامها عدد لا بأس به من الحراسة المدججة بالأسلحة.
وقف أمام أحدهم وقال باستعطاف:
بأقول لك يا واد عمي، الله يبارك لك، رايد أجابل سعات البيه ضروري.
نظر له الحارس بتقزز وقال:
أنت... أنت رايد تجابل البيه الكبير ليه يعني؟
هو:
الله لا يسيئك يا واد عمي، إني جاي من سفر بعيد، وولد الحلال دلوني عليه، وقالوا لي محدش هيغيثك غيره.
رد عليه الحارس بنزق:
خلاص، اكتم خاشمك ديه. إني أكده ولا أكده هدخلك ليه لجل البيه، الله يكرمه منبه علينا كلياتنا منردش حد جاصد واصل.
بعدها فتح البوابة الكبيرة بعد أن هاتف أحدهم داخل السرايا ليبلغهم بأمر الضيف.
أوصل الحارس ذلك الغريب إلى سيده وتركه عائدًا إلى مكان عمله.
نظر صاحب السرايا إلى الماثل أمامه بتفحص، وجده يقول:
إني واقع في عرضك يا بيه.
رد عليه ذو الهيبة وقال:
مفيش حد يقصد عدنان الجبالي ويرده واصل.
الرجل:
...........
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عمر و اسماء الفصل التاسع 9 - بقلم فريدة الحلواني
كان يقف أمام باب الجامعة يستند على سيارته في انتظار شخص ما. بعد أن أوصل دكتور كامل إلى مقر شركته وأمّن عليه جيدًا، ذهب إلى هناك بناءً على موعد قد اتّفق عليه مع شخص ما.
في تلك اللحظة، كانت ندى ومنه تخرجان من البوابة الرئيسية. وما إن رأته ندى، ابتسمت باتساع ظناً منها أنه جاء خصيصاً لها. ولكن سرعان ما خبّأت تلك الابتسامة حينما وجدت فتاة فائقة الجمال ترتدي ثياباً فاضحة تدعى حلا تتقدم نحوه، مصافحة إياه مع تقبيله فوق وجنتيه.
نظر لندي من خلف نظارته وهز رأسه لها كسلام عابر، وكأنها شخص غريب عليه. ثم قام بفتح باب السيارة لتلك حلا، ثم صعد هو الآخر خلف المقود وانطلق سريعاً.
وقفت مبهوتة، تشعر وكأن سكيناً غرز بقوة داخل قلبها البريء. انفلتت منها دمعة، مسحتها بسرعة حتى لا يراها أحد، وهي تنظر إلى الغبار الذي خلفه وراءه بشرود. تسأل حالها: لما تغير معها فجأة هكذا؟ لما ظهر في حياتها؟ ولما اقترب منها؟ ولما ابتعد بتلك الطريقة؟
أفاقها من دوامة أسئلتها التي لم تجد لها إجابة صوت منه، التي كانت تقف بجانبها متعجبة من شرود صديقتها. انتبهت عليها وقالت:
"هاااه؟ بتقولي حاجة يا منه؟"
منه:
"لاااا، دانتي مش معايا خالص. بقولك شفتي البت حلا ماشية بغرور إزاي وبتغيظ البنات عشان مالك الغنيمي جايبلها الجامعة؟"
تحركت تجاه سيارتها وهي تقول:
"سيبك منها، هتتنفخ لها يومين وهترجع تعيط لما يرميها ويشوف غيرها."
أما هو، فقد كان يقود السيارة بعصبية مفرطة وهو يشعر بقبضة قوية تعتصر قلبه لما سببه لها من ألم. وما زاد من غضبه تلك السمجة القابعة بجانبه ولا تكف عن الثرثرة التي زادت من جنونه. فصرخ بها وهو يضرب بقبضة يده فوق المقود:
"بسسسس بقي! افصلي ااااانتي إيه!"
تعبت من مظهره وصراخه عليها وقالت بخوف:
"أنا بتكلم معاك عادي يا مالك، إيه اللي حصل لكل ده؟"
جزّ على أسنانه بغيظ حتى يهدأ قليلاً وقال:
"سوري يا بيبي، اتعصبت عليكي أصل مصدع شوية والزحمة خنقتني."
ابتسمت باتساع ومالت عليه تعبث في عضلات صدره البارزة بوقاحة وقالت:
"ولا يهمك يا لوكا، كلها نص ساعة ونوصل وهضيعلك الصداع خاااالص."
أعقبت قولها بإطلاق ضحكة ماجنة. اختنق على أثرها، وقام بإبعادها وهو يقول محاولاً مداراة ما يشعر به:
"أجّلي اللي بتعمليه ده لحد ما نوصل، مش عايز أتمسك بفعل فاضح في الطريق العام يا حلوة."
اعتدلت في جلستها كما كانت، وهي تمني نفسها بقضاء وقت رائع معه، فهي تعد من سعداء الحظ الذين نالوا شرف مرافقة مالك الغنيمي.
أما هو، فوقف في إشارة مرور وأشعل سيجارة وسرح فيما حدث بينه وبين أخيه بعد نزهتهم مع الفتيات منذ أسبوع.
***
كان مالك متسطحاً فوق فراشه يحادث إحدى الفتيات كما اعتاد، ولكنّه حقاً لا يشعر بأي رغبة في إكمال تلك المحادثة. وقد أنقذه أخوه حينما طرق الباب ودخل عليه، فأغلق هو الهاتف بعد أن ألقى سلاماً فاتراً على من تحدثه.
جلس عمر على حافة الفراش، وربّع يديه أمام صدره، ثم نظر لأخيه بقوة.
ما كان من الآخر إلا أن تبجّح ليهرب منه، فقال:
"ااايه؟ نعم؟ في حاجة؟ دخلت عليا لقيتني عريان وأنا مش واخد بالي؟"
فهم عمر تهرب أخيه وقرر أن يواجهه دون مواربة، فقال:
"مالك، أنت عارف كويس إن ندى مش زي أي واحدة عرفتها، وأكيد أخدت بالك إن البنت في حاجة جواها ليك. إحنا مش تلامذة، وأعتقد إن انت كمان قلبك اتحرك ليها، بس مش عارف تعمل إيه. فلو أنت مش حابب تكمل، أو بمعنى أصح تبدأ معاها على نضافة، يبقى ابعد ومتعلّقهاش بيك. ولو حابب تدي لنفسك فرصة وتكبر اللي جواك ليها، يبقى تنضف كل القرف اللي في حياتك وتبدأ صفحة جديدة معاها، لأنها فعلاً تستاهل. البنت دي بيور يا مالك، فاهم يعني إيه بيووور؟"
مالك بحيرة:
"فاهم وعارف، ومش هكدب عليك، أنا فعلاً في حاجة شاداني ليها، ببقى مبسوط لما بشوفها، واليوم اللي قضيناه مع بعض النهارده خلاني مش عارف أكلم غيرها... بس ااا..."
نظر له أخوه بقوة وتحذير، فاكمل:
"بس مش حابب فكرة الارتباط. امممم، يعني أنا كل يومين مع واحدة، إيه اللي يخليني أقيد نفسي مع واحدة؟ حاسس إني مش هقدر. وبعدين اللي جوايا ليها مش كبير كفاية عشان يخليني اتنازل عن حريتي عشانها."
عمر بحزم:
"يبقى تبعد عنها نهائي، ساااامع؟"
عاد من شروده على صوت زامور السيارات من حوله، ووكزت حلا له فقد فتحت إشارة المرور دون أن يشعر، فانطلق سريعاً مكملاً طريقه وهو يسب نفسه على تفكيره الغبي ويعزّي حاله على خسارتها... فهل يستسلم لتلك الخسارة أم لقلبه رأي آخر؟ ... سنرى.
***
أما في محافظة قنا، داخل سرايا عدنان الجبالي، بعد أن جلس مع ضيفه الغريب داخل القاعة المخصصة لاستقبال الضيوف والمنفصلة عن السرايا. لم يتفوه بحرف بعد أن رحب به، منتظراً سماع ما لديه.
فهم عمر أن الجالس أمامه ليس برجل عادي، بل أخذت منه الدنيا أكثر ما أعطته بكثير، مما جعله بكل تلك الحكمة والرّزانة والهيبة الظاهرة عليه. فقرر أن يدخل في صلب الموضوع مباشرة، فقال:
"مبدئياً، أنا بعتذر عن الطريقة اللي اضطريت أدخل بيها هنا، بس أكيد معتز بيه فهمك على طبيعة شغلي وحساسية المهمة اللي أنا فيها، واللي هكون مديون لك بحياتي لو وافقت إنك تساعدنا."
نظر له بتفحص وقال:
"معتز حدّثني عن الحكاية، بس إني كنت مريح عقلي وبالي، ديالي سنتين. وبرغم إن عزيز مفايتنيش لحالي وكل وقت والتاني يرن عليّ أو يزج حد من التجار لجل ما أعاود للشغل وياه، بس إني خدت عهد على نفسي قدام ربنا وأهل بيتي إن مهما حصل لا يمكن أرجع للطريق دي بعد ما ربنا نجاني منها."
عمر:
"وأنا عارف حكايتك كلها، وعمري ما هجبرك ولا بطلب منك إنك تمشي في الحرام تاني. بس أنت أكتر حد عزيز بيثق فيه، وتعرف عنه حاجات كتير، وده هيسهل مهمتنا جداً. لأن لو فكرت أزرع حد عنده، ده هياخد وقت كبير على ما يبدأ يكسب ثقته، مع إنّي أشك إنه ممكن يدخل حد غريب جوه الدايرة اللي قافلها على نفسه."
عدنان بتفهم:
"طب إني لو وافقت، إيه المطلوب مني؟"
عمر بحماس:
"أولاً، كونه إن هو اللي بيتحايل عليك ترجع، دي حاجة في مصلحتنا. وزي ما فهمت من معتز بيه، إنك بقالك سنتين مفهمه إنك مبطّل الشغل مؤقتاً لحد ما الحكومة تهدى وتنسى حكاية عمك اللي اتمسك بشحنة كبيرة. يعني بمجرد ما هتقوله عايز شغل، ما هيصدق."
عدنان:
"كل ده زين، بس بردك مفهمتش إني هعمل إيه."
عمر:
"أنت عارف طبعاً إنه مهدد أخوه وبنته هو والمنظمة اللي شغال معاها، عشان ياخدوا الاختراع بتاعه. ولما رفض حتى بعد ما هددوه بنته وبحياته، اضطروا إنهم يحاصروه من كل الاتجاهات ويستفيدوا منه بأنهم يدخلوا شحنات المخدرات والسلاح جوه شحنات المواد الخام اللي بيستوردها دكتور كامل من بره لتصنيع الأدوية. وطبعاً كل الأوراق باسم الدكتور."
عدنان:
"يعني لو قبضت على أي مركب منهم، الدكتور اللي هيروح فيها."
عمر:
"بالظبط كده. فإحنا بقي بنضيّق الخناق عليه. يعني كان فيه مركب جاية من ألمانيا عليها كمية كبيرة من الهيروين والسلاح، خطفناها وهي في عرض البحر كأننا قراصنة. وطبعاً اتسببتله في خسارة كبيرة. باختصار، بدون دخول في تفاصيل، هنفضل نخسره مخزن ورا التاني وشحنة ورا التانية لحد ما يفقد أعصابه. وهنا بقي هييجي دورك، واللي هيكون أهم خطوة لينا لو وافقت. هرتب معاك كل حاجة."
نظر له برجاء مغلف بالعشق، وهو يتخيل أنه نجح في إنقاذ حبيبته من هؤلاء المجرمين.
التقط ذلك الماكر تلك اللمعة اللي يعرفها حق المعرفة، وقال:
"جد أكده! عاشجها يا عمر باشا."
نظر له الآخر بذهول، فاكمل:
"متستغربش، العاشج بيقدر يحس باللي زيه يا بيه. وإني كنت جايب لك دايب دوب، وكل اللي عملته في عمي ولا المرحوم جدي مش لجل آخد تار أبويا وبس، لااااه، لجل ما كانوا مهدديني بيها، وإني أتمنى الموت على إن حد يمس طرفها. عشان كده حسيت بيك."
تنهد عمر بهم وعشق، وقال:
"يبقى عارف إيه اللي جوايا دلوقتي؟ أنا مش بس عاشقها، أنا بتنفسها. ولأول مرة في حياتي هترجى حد وأقولك: ارجوك ساعدني. أنا لو حصلها حاجة هموت، صدقني مش هقدر أعيش لحظة من غيرها."
ربت عدنان على فخذه بقوة، وقال بإصرار رجل جرّب العشق ووجع القلب خوفاً على محبوبته:
"إني معاك يا عمر بيه. كل اللي هتطلبه مني اعتبره حصل."
نظر له بفرحة وأمل نبت في قلبه، وقال:
"وأنا هكون مديون لك بحياتي يا عدنان بيه."
عدنان:
"شيل التكليف بجي لجل ما نعرف نتعامل براحتنا، وجولي إيه اللي رايده مني."
عمر:
"تمام. أولاً، عايز أعرف كل حاجة عن عزيز والشبكة اللي شغال معاها، ويا ترى شغله سلاح وبس ولا في حاجة تانية؟ وطريقة تسليم الشغل والفلوس والاتفاقات بتم إزاي كده؟ ويعني إيه أصلاً أنت إزاي بدأت شغل معاه؟"
عدنان:
"إني أعرف عزيز من قبل ما أبويا الله يرحمه يتقتل. كان طوالي عمي فهمي بيدلي مصر ليه. بس مرة جالنا اهنه هو ومرته وسافر هو وسابها حَدانا. قعدت شهر، بس كانت ست استغفر الله. وسمعت أبويا بيلوم عمي إنه مجعد حرمة خليعة وسط حريمنا. عمي جاله: كلها شهر وهتعاود دارها. الراجل قصدني ومقدرتش أرده......"
صمت يتذكر، ثم أكمل:
"بس كان فيه حاجة غريبة في المرة دي. هي ما كانتش حامل وجتها، بس سمعتها بتتحدت ويا عزيز لما جيه يزورها، وجالتله: 'تابعها كويس يا عزيز، أحسن تروح تولد من غير ما تكون موجود، ويبقى كل اللي عملناه راح عالفاضي.' عزيز: 'يا ستي متقلقيش، أنا متابع ومرتب كل حاجة، وأصلا رحمة هتبقى معاها أكيد حتى لو أنا مش موجود.' بهيرة: 'تمام كده.' ثم أكملت بغل: 'نفسي أشوف قهرتها لما تعرف إن العيل ماااات بعد ما اتولد هههههه، وبعدها بأسبوع أرجع أنا البيت وأنا شايلة الطفل بعد ما هههههه ولدت طبعاً.'"
أكمل عدنان قائلاً:
"بس ما فهمتش معنى الحديث دي، ولا قصدها على مين. وبعدين كيف هتعاود بعد أسبوع وهي شايلة عيل؟ المفروض إنها ولدته؟ ومنين هي مش حبلى من الأساس؟"
انتبهت كل حواس عمر في تلك اللحظة، وقال:
"لا، الكلام ده معناه خطير. قولي بالظبط إيه اللي حصل من أول ما دخلت السرايا لحد ما خرجت منها، وأهم حاجة التاريخ."
عدنان:
"........."
***
بعد أن وصل مالك ومن معه إلى شقته الخاصة في منطقة جليم، إحدى مناطق الإسكندرية الراقية. بعد أن أغلق الباب، ما إن حاولت التقرب منه دون صبر، ابتعد وقال ممثلاً المزاح:
"اتقلي يا قطة، مش كده؟"
حلا بخلاعة:
"وحشتني أوووي، أعمل إيه؟"
مالك:
"تاخدي شاور حلو زيك وتجهزي على ما أنزل أجيب شوية حاجات لزوم القعدة."
نظرت له بغلب وقالت:
"ما جبتش ليه قبل ما نيجي؟ لازم تضيع الوقت يعني!"
غمز لها بوقاحة وقال:
"اهدي يا بت شوية، أنا مش هتأخر. يلا سلام مؤقت يا سكر."
لم يمهلها الفرصة لترد عليه، واتجه ناحية المطبخ ليخرج من الباب الخلفي. فاستغربت هي وقالت وهي تتبعه:
"أنت هتنزل من سلم الخدم؟"
حاول تمالك حاله وقال:
"أصل الماركت اللي بشتري منه الحاجات من هنا أقرب بدل ما أنزل من السلم الرئيسي ولفلفة كبيرة."
أعقب قوله بالخروج سريعاً وهو يزفر أنفاسه بغضب.
بعد أن صعد إلى سيارة أخرى كانت تنتظره أمام الباب الخلفي للبناية، قادها سريعاً وهو يخرج هاتفه ليحادث أحد رجاله. وحينما جاءه الرد قال:
"إيه الأخبار عندك؟"
طاهر وهو المكلف بمراقبة ندي:
"بعد ما خرجت من الجامعة هي وصحبتها راحت بحري، قعدت عند أبو إيه شوية... بس..."
مالك بغضب:
"انت هتبسبسلي ولا ما تخلص؟ حصل إيه؟"
طاهر:
"كان شكلها زعلان يا باشا، وفي شباب عاكسوها، قامت متعاركة معاهم وضربت واحد فيهم، بس بتوع الكافيه دخلوا وخلصوا الحكاية."
ظفر بقوة، منفساً عن غضبه وهو يحاول أن يتحكم في طارة القيادة حتى لا تنفلت منه، وقال:
"وهي فين دلوقتي؟"
طاهر:
"وصلت صحبتها وعمالة تلف بالعربية وأنا وراها."
مالك:
"تمام، خليك معاها وأنا هخلص الاجتماع اللي عندي وأكلمك لو في حاجة مهمة حصلت. ابعتلي رسالة... سلام."
أغلق معه وهو يضرب فوق المقود منفثاً عن غضبه الذي لا يعلم سببه. أهو من تصرفاتها الغريبة؟ أم من اهتمامه بها؟ أم... لما سببه لها من ألم منذ قليل؟ صرخ وهو يجذب شعره بيده ويقول:
"مش عاااااارف! مش عاااااارف! أنا زهقت منك ومني! طلعتيلي منين بس؟ أنا كنت مرتاح!"
أنهى حديثه بوقوفه أمام مبنى المخابرات، وأخذ يتنفس حتى يهدأ قليلاً قبل أن يصعد إلى اللواء نديم. وحينما وجد حاله أفضل قليلاً، تحرك فوراً إلى وجهته.
طرق الباب فأذن له بالدخول، وما إن دلف وأغلق الباب خلفه، أدى التحية العسكرية، ثم جلس على أحد المقاعد وهو يستمع إلى اللواء نديم يقول:
"إيه الأخبار؟ طمّني."
مالك بجدية:
"كله تمام يا فندم. إحنا نفذنا التعليمات اللي حضرتك بعتهالنا في الورقة اللي دهالي عبده حارس أمن الشركة. وعمر بعد ما وصل أسماء للجامعة الصبح، طلع عالمطار، أخد طيارة خاصة لقنا. وهو حالياً خلص مقابلته مع معتز بيه، وزمانه وصل عند عدنان الجبالي، لأنه كلمني قبل ما يدخل النجع طبعاً، لأنه عامل فيها واحد غلبان مش هينفع يستعمل فون قدام الناس هناك."
اللواء نديم:
"يارب عدنان ده يوافق يساعدنا. أنا لما كلمت معتز وهو كلمه، مدهوش رأي محدد. قاله: هقعد مع عمر الأول وبعدين أقول رأيي."
مالك:
"اللي عرفته عنه إنه راجل جد جداً ومش بيأمن لحد بسهولة. أكيد عايز يقعد مع عمر الأول عشان يقيم الموضوع وبعدها يقرر، ماهو مش هيضحي براحة باله على حاجة متستاهلش."
نديم:
"ربنا يستر. المهم أخبار كريم إيه وعزيز بعد المركب اللي اتسرقت؟"
مالك:
"طبعاً هيتجننوا يا فندم، بس بيحاولوا يعملوا صفقة جديدة بسرعة عشان يعوضوا الخسارة. بس..."
اندر له نديم باهتمام، فاكمل:
"حاسس إن كريم وراه حاجة كبيرة غير شغل أبوه. الواد ده مش سهل أبداً."
نديم:
"فعلاً، التحريات اللي عملناها عليه كانت غامضة جداً. حتى أجهزة التنصت اللي أنتم زرعتوها في مكتبه أو أوضة نومه، مستفدناش منها لأنه ديماً بيتكلم بالألغاز، وأي مكالمة مش بتاخد أكتر من خمس دقايق."
مالك:
"متقلقش يا فندم، إحنا وراه لحد ما يقع هو واللي معاه بآمر الله."
نديم:
"بآمر الله. اسمع بقي التعليمات الجديدة: ........."
***
بعد أن عادت الفتيات إلى المنزل وقامتا بروتينهما المعتاد، جلستا سوياً تقصان لبعضهما ما حدث في يومهما كما المعتاد. وبعدما علمت أسماء ما فعله مالك، جن جنونها وقالت:
"ده حيواااان بجد! تصدقي نفسي أضربه!"
ندي:
"ليه بس؟ هو أصلاً مش غلطان، ومعشمني بحاجة. أنا اللي ما صدقت إنه عاملني كويس، والعشم قتلني وتخيلت إنه ممكن يقرب لي، بس على رأيه كان لازم أبص في المراية وأشوف نفسي قبل ما أحلم بيه."
دمعت عيناها وأكملت:
"أنتي لو شفتي حلا واللى لبساه ولا الميكب، أنتي كبنت هتتهبلي عليه."
ردت عليها بغيظ:
"أنتي هبلة بجد على فكرة. أصلاً أنتي أحلى منها مليون مرة... "
صمتت قليلاً وقالت بخبث:
"أنا بقي عندي فكرة هتخليكي تنتقمي منه وفي نفس الوقت تجبيه راكع لحد عندك."
نظرت لها بعيون تلمع بالرجاء، وقالت:
"بجد؟ بالله بجد؟"
ضحكت لها بحب وقالت:
"والله بجد. اسمعي يا ستي: ........."
***
بعد أن أنهى اجتماعه مع اللواء نديم، عاد سريعاً إلى شقته ونظر بذهول إلى التي كانت تنتظره وهي ترتدي قميصاً فاضحاً على أمل أنها ستقضي وقتاً ممتعاً معه. ولكن خاب أملها حين وجدته يقول:
"غيري بسرعة عشان عندي شغل مهم، مش هينفع نقعد مع بعض النهارده."
انتفضت من مكانها بغضب وقالت:
"يعني سايبني أكتر من تلت ساعات مستنياك، وفي الآخر تقولي مش هينفع؟"
مالك:
"اخلصي يا حلاااا! قولت مش هينفع، عندي شغل! اااايه مش حكاية يعني!"
نظرت له بغضب وذهبت سريعاً لتبدل ملابسها وهي في قمة سخطها منه.
برقت عينا عمر مما سمعه من عدنان، وكم المعلومات التي ألقاها على سمعه والتي لم يكن يعلم عنها شيئاً. فاكمل عدنان قائلاً:
"متستغربش يا باشا. كريم ده شيطان، أبوه مياجيش جاره حاجة. دي غير السلاح والمخدرات، هو ليه شغله لحاله في تجارة الأعضاء وبيع البنات لشبكات الدعارة، سواء جوه مصر أو براها."
عمر:
"المعلومات دي جديدة علينا. طب بيعمل كل ده إزاي من غير ما حد يعرف؟ إزاااااي؟"
عدنان:
"........."
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية عمر و اسماء الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة الحلواني
دَلفت لها الداده رحمه وعلى ملامحه يظهر الحزن.
فقامت من مجلسها وهي تسألها بقلق:
"مالك يا داده شكلك زعلان؟"
نظرت لها بحزن ثم جلست على الأريكة وقالت:
"متشغليش بالك بيه، أنا كنت جايه أطمن عليكي."
ثم نظرت لها بخبث وأكملت:
"كويس إني لقيتك، أصل انتي بقيتي طول الوقت عند ندي وأنا راحت عليا خلاص."
مازحتها قائلة:
"إيه ده إيه ده، احنا بنغير ولا إيه؟"
ردت عليها بغضب وقالت:
"مش فكرة غيرة، بس أنا ملاحظة إنك بقالك فترة بعيدة عني، بعد ما كنتي ديمًا تحكيلي كل اللي بيحصل معاكي بالتفصيل. دلوقتي حساكي بتخبي عليا."
نظرت لها بدموع وأكملت باستعطاف:
"وأنا اللي اعتبرتك بنتي، وبعد المرحومة ما ماتت رفضت أتجوز عشان مأسيبكيش لوحدك وربيتك وكبرتك، وفي الآخر تعامليني زي أي حد."
أعقبت قولها بالبكاء.
مما جعل تلك البريئة تتأثر مما سمعت، فاحتضنتها بحب وكادت أن تقص لها كل شيء، إلا أن دخول كامل أنقذ الموقف.
فهو تلقى رسالة على هاتفه الأمني من عمر مفادها: (اطلع بسرعة عند بنتك، رحمه بتحاول تأثر عليها عشان تعرف منها أي حاجة وشكل بنتك الهبلة هتقول).
انطلق كامل إلى الأعلى بعد أن كان يجلس في مكتبه.
ثم طرق الباب ولم ينتظر الإذن.
فتحه فورًا ممثلاً المزاح مع ابنته، ولكن قاطعه حينما وجد رحمه في أحضانها.
فقال:
"في إيه مالك يا رحمه؟ حد زعلك ولا إيه؟"
نظرت له بحزن وهي تحاول أن تكتم غيظها وحقدها عليه لإفساده لخطتها، فهي كانت على وشك أن تعرف كل ما تخبئه عنها تلك البريئة، ولكن بوجوده لم تستطع أن تكمل تمثيليتها.
مسحت دموعها وقالت:
"أبدًا يا دكتور، مفيش. بس أنا كنت قاعدة مع بنتي شوية."
نظرت له وأكملت بمغزى:
"أصلها بقالها فترة بعيدة عني ومش بنقعد مع بعض زي الأول، مش عارفة إيه غيرها من ناحيتي."
رد عليها بصورة طبيعية:
"طبعًا محدش يقدر يبعدها عنك، دانتي اللي مربياها يا رحمه وعوضتيها عن أمها الله يرحمها. انتي عارفة سيمو بتحبك قد إيه."
ثم نظر لابنته وقال حتي تفهمه:
"هي بس مدايقة من تصرفات كريم معاها، وإنتي عارفة إنه متجنبها من ساعة اللي حصل الأسبوع اللي فات."
رحمه بتسرع:
"طب ماهي كانت ديمًا بتشتكيلي وتقولي على اللي مدايقها، إيه غيرها؟"
بعد أن فهمت حديث أبيها وتذكرت تنبيهاته، ردت عليها قائلة:
"بصراحة يا داده، عشان انتي ديمًا بتدافعي عن كريم وبتوقفي في صفه مهما عمل. المفروض تكوني في صفي أنا، مش أنا اللي بنتك برده."
قالت جملتها الأخيرة ممثلة الغيرة، مما جعل الأخرى تطمئن أنه لم يحدث شيء يثير الريبة، وأن بعدها عنها ما هو إلا مجرد غيرة عليها من كريم.
اقتربت منها محتضنة إياها وقالت بحنو:
"ولا ألف كريم ولا غيره يخدوني منك يا روحي. أنا بدافع عنه عشان بس تفضلوا مع بعض، وأنا والله من وراكي مش بسكتله وببهدله عشانك. دانتي بنتي."
كانت شهيرة تغلي كالمرجل وتصب جام غضبها على العاملين بالفيلا.
وكل هذا يحدث تحت نظرات رقيه المستنكرة لأفعالها.
ولم تتفوه بحرف، ولكن حينما نفذ صبرها قالت بغضب:
"شهييييييييرة."
نظرت لها بتفاجؤ من صراخها عليها.
ووجدتها تعطي حفيدها للمربية وتأمرها بأخذه بعيدًا.
ثم وقفت قبالتها وقالت:
"في إيه مالك نازلة بهدلة في الكل كده ليه؟ الناس دي بقالها سنين معانا، مش هسمحلك تهينيهم بالطريقة دي تاني، فااااهمة؟ إذا كنتي مدايقة من قلة خروجك وسهراتك، فده ميديكييش الحق في اللي بتعمليه. ولا أول مرة هقولهالك، لو مش عاجباكي العيشة هنا تقدري تروحي عند أهلك، اللي أكيد هتقدري تعملي اللي انتي عايزاه عندهم."
نظرت لها بزهول وقالت:
"انتي بتطرديني من بيتي يا آنطي؟"
نظرت لها بتكبر وأكملت بحقد:
"انتي ناسيه إننا هنا في بيت جوزي، يعني انتي اللي ضيفة عندي يا طنط."
لم تكد تكمل إلا أنها صرخت بقوة بعدما تلقت صفعة مدوية فوق وجنتها.
ارتمت فوق الأرض من قوتها، وما كادت أن تصرخ إلا أن قام بجذبها من شعرها مكيلًا لها الصفعات، وهو يخرج فيها غل وغضب الثلاث سنوات التي عاشها معها، وكأنه يعيش في الجحيم.
أخذت تصرخ وتستغيث، مما جعل رقيه تفيق من صدمتها.
واقتربت من ولدها حتى تبعده عنها وهي تقول:
"كفاية يا عمر، كفاااااايه... سيبها بقولك."
جذبت ابنها بقوة حتى تركها، وهو يلقيها بعنف فوق الأرض وهو يصرخ:
"انتوا اللي كفااااايه بقى، حراااام عليكم. أنا مبقتش قادر أستحمل... تلت سنين متحمل قرفها وتفاهتها... تلت سنين وأنا بيتحرق دمي من الناس اللي بتشوفها وهي بتسكر وييجوا يقولولي... حتى ابني الغلباااان اللي هفضل عايش بذنبه إنك انتي أمه، راميّاه لأمي أو للدادة. عمره ما عرف طعم حضنك، انتي إيه! حجر معندكيش إحساس؟ ده الواحد لو شاف عيل غريب قلبه بيحن عليه، فما بالك ابنك."
صمت وهو يلهث بقوة وقال:
"انتي الكلام خسارة فيكي، أنا هطلقك عشان أرتاح بقى خلاص، كفاية لحد كده."
صرخت به وهي على جلستها:
"عايز تطلقني يا عمررررر بعد ما ضيعت تلت سنين من عمري معاك وأنا عايشة على الهامش، مليش مكان في حياتك."
اعتدلت واقفة واقتربت منه وهي تقول بقوة يغلفها الغل:
"انت عارف إن ده أسلوب حياتي من الأول وكنت قابل بيه أساسًا. أنا مش فارقة معاك، انت طول وقتك مسافر، إيه اللي اتغير دلوقتي؟"
نظرت له بغضب وأكملت:
"ولا يكون في واحدة جديدة دخلت حياتك هي اللي خلتك مش طايقني كده؟"
اهتز قليلاً ولكنه تمالك حاله وقال:
"انتي اتجننتي صح؟ واحدة إيه وزفت إيه على دماغك. انتي عايزة تقلبي القصة عليا ولا إيه؟"
رقيه:
"بسسسس بس كفاية انت وهي، إيه مفيش كبير معاكم؟ شهيرررررة اطلعي أوضتك دلوقتي."
كادت أن تعترض ولكن صرخت بها مرة أخرى، جعلتها تهرول إلى الأعلى حتى تفكر فيما ستفعله لتفادي طلاقها.
وقفت أمام ولدها ونظرت له قائلة:
"إيه اللي انت قولته ده؟ وإيه حكاية الواحدة اللي مراتك بتقول عليها؟"
جلست في وضعها المفضل لها فوق أرضية الشرفة وهي تمدد ساقيها للأمام وتربع يديها أمام صدرها، سانده رأسها للخلف وهي تفكر في حياتها وتستمع لأكثر أغنية تصف حالها.
إليسا... عكس اللي شايفينها.
فرت دموعها وهي تفكر في حالها، فهي وحيدة منذ صغرها لولا وجود أسماء بجانبها وحنان عمها عليها، لا تعرف كيف كانت ستتحمل إهانات والديها لها وكره أخيها لها الذي لا تجد له مبرر.
وما زاد حزنها هو حبها المستحيل لشخص لا يراها من الأساس.
مسحت دموعها وهي تفكر جدياً في تنفيذ ما قالته لها أسماء لها، وهي تكاد تقنع حالها به.
وقفت من موضعها واستندت بيديها على السور ثم مسحت دموعها بقوة وهي تقول:
"أنا مش ضعيفة، ودائمًا لما الدنيا بتيجي عليا كنت بقف في وشها وأتحديها. هاجي في أهم حاجة في حياتي وأضعف... أبدًااااا. ماشي يا مالك، أنا هعرفك البت المسترجلة دي هتعمل فيك إيه."
وكان على الجانب الآخر هذا الذي توعده يراقبها من خلف نافذة غرفته.
واعتصر قلبه ألمًا حينما رآها تمسح دموعها.
فغلبه قلبه وأمسك هاتفه واتصل عليها.
ابتسم حين رآها تنظر للهاتف بتردد، ولكنها في الأخير قررت الرد.
وما إن فتح الخط وجدت صوته يصدح بحنان قائلاً:
"عاملة إيه؟"
ردت عليه بصوت غلبه الحزن وقالت:
"عايشة أو بحاول أعيش."
مالك:
"ليه يا ندي ليه الحزن اللي في عنيكي ومالي صوتك؟ انتي لسه صغيرة على كل ده. انتي بنت جميلة وجدعة وطيبة وشخصيتك قوية وفوق كل ده من عيلة كبيرة، يعني فيكي كل حاجة أي بنت بتتمناها. إيه اللي وجعك كده؟"
هو لا يعلم لماذا يسألها، ولكن من داخله يتمنى أن تعترف له بما تكنه داخلها.
لا يعرف لماذا، ولكن يشعر باحتياجه الشديد لسماعها.
تسللت دموعها بهدوء ووجدت حالها تعيد نفس الأغنية، ولكن بصوتها الشجي، فهي تتمتع بصوتًا جميل حينما تسمعه تذوب فيه عشقًا.
ندي:
"وقالوا سعيدة في حياتها وصلت لكل أحلامها، وبائن عليها فرحتها، فضحكتها وفي كلامها... وعايشة كأنها في جنة وكل الدنيا ملكاها.
وقالوا عنيدة وقوية مبيأثرش شيء فيها، محدش في الحياة يقدر يمشي كلمته عليها.
هتحلم ليه وتتمنى مفيش ولا حاجة ناقصاها... ومن جوايا أنا عكس اللي شايفنها.
وعالجرح اللي فيها ربنا يعينها... ساعات الضحكة بتداري في جرح كبير، ساعات في حاجات مبنحبش نبينها.
كتير أنا ببقى من جوايا بتألم ومليون حاجة كتماها بتوجعني.
بيبقى نفسي أحكي وأتكلم... وعزة نفسي بتمنعني.
سنين وأنا عايشة في مشاكلي وبعمل إني ناسياها، وحكمة عليا من شكلي ومن العيشة اللي عيشاها.
أنا أوقات أبين هادية ومن جوايا نار قايدة.
ولو يوم اللي حسدوني يعيشوا مكاني لو ثانية.
ولو شافوا اللي أنا شفته هيتمنوا حياة تانية.
ولو أحكي عن اللي أنا فيه هتفرق إيه... إيه الفااااايدة."
قالت آخر جملة في الأغنية وهي تشهق بقوة بعد أن أخرجت ما بداخلها مع كلمات تلك الأغنية التي تصفها.
أما على الطرف الآخر فكان يستمع لها وهو مغمض العين، تاركًا قلبه يبحر في حلاوة صوتها وهو يعتصر حزنًا على كم الألم الواضح بين حروفها.
وبعد أن انتهت تنهد بهم وقال:
"ندي و......"
فقط صمت لا يجد ما يقوله.
فهو واقع في حيرة قاتلة بين قلبه الذي يطالبه بالذهاب إليها ودفنها في أحضانه ليطمأنها، وبين عقله الذي يحذره من مغبة الارتباط، وبين هذا وذاك وجدها تقول:
"تصبح على خير و......"
فقط أغلقت الهاتف ثم وضعته فوق السور وغطت وجهها بكفيها وأخذت تبكي وتشبه بقوة، جاعلاً قلبه ينفطر ألمًا عليها.
قذف هاتفه فوق الفراش بغل وقال:
"غبببببي انت غبي وغاوي وجع قلب، إيه اللي خلاك تتصل بيهااااااا؟ اوووووووف."
في تمام الساعة الثالثة صباحًا كانت تغط في نوم عميق، ولكنها قامت منتفضة بعدما شعرت بشفاه تقبل ثغرها برقة ويدًا تمسح فوق شعرها بحنان.
كادت أن تصرخ إلا أنه كتمها بقبلة جامحة.
"مشتاقة..."
وهدأت هي بعدما علمت أنه حبيبها، فتاهت معه في سحابة وردية.
هبطت منها حينما فصل قبلته واعتصرها بين يديه بقوة وهو يقول:
"محتاجلك أوووي، كنت هموت على حضنك يا سمكة."
شعرت بالحزن الذي يقطر من بين حروفه، فربتت على ظهره وقالت:
"مالك يا قلب السمكة؟ إيه اللي حصل مزعلك كده؟ وإصلاً انت رجعت إمتى؟"
أبعدها دون أن يخرجها من بين يديه وقال:
"رجعت من بدري، وكنت قاعد بعد الساعات عشان أقدر أجلك من غير ما حد يحس بيه."
ابتسمت له بحلاوة وقالت:
"انت حرامي ولا ظابط مخابرات؟"
قبلها بسطحية وقال:
"أنا مستعد أبقى أي حاجة في الدنيا، المهم أبقى معاكي وبس يا سمكة قلبي انتي."
أهدته أجمل ابتسامة وقالت بحنين:
"انت لسه فاكر الكلمة دي يا عمر؟"
ملس فوق وجنتها بحنان وقال بحروف تقطر عشقًا:
"ولا حرف ولا كلمة ولا موقف عشناه سوي بيروح من بالي يا حبيبي. أنا أصلاً كنت عايش على ذكرياتنا، هي اللي كانت بتخليني أتحمل بعدك وتأكدلي إنك مبعتنيش وإن أكيد فيه حاجة أقوى منك هي اللي أجبرتك عالبعد."
قبلها بسطحية وأكمل:
"قلبي ديمًا كان بيقولي كده، وطلع كلامه صح. حبيبي مبعنيش، حبيبي مخانيش، حبيبي محبش غيري. وأنا أصلاً مكنتش هسيبه لغيري، بس كنت محتاج وقت أرتب فيه أموري وأفوق من الصدمة عشان لما أرجع أعرف أحكم عقلي وأقدر أفهم إيه اللي حصل."
نظرت له بعشق وقالت:
"يعني مفكرتش أبدًا إنك خونتك أو كرهتني؟"
عمر:
"ولاااا لحظة قدرت أكرهك. كل ما عقلي يقولي دي باعتك، قلبي يصرخ ويقولي لأاااا. حبيبتك أطهر وأنقي بنت في الكون كله، متعرفش تغدر ولا تخون. ولا لحظة شكيت فيكي، بس اللي واجعني بجد وهحاسبك عليه بس لما نخلص من كل القرف ده، هو عدم ثقتك فيه. لو كنتي حكيتيلي اللي حصل معاكي أكيد كنت هقدر أتصرف، بس انتي للأسف اخترتي البعد وضيعتي من حياتنا تلت سنين، كان زمانه مع بعض وكان زمان ابني بقى منك انتي بدل ما أتبلى بأم غبية ملهاش قلب ولا إحساس، كل اللي هاممها في الدنيا اللبس والسهر والشرب وإنها مرات عمر الغنيمي."
وبسبب بقوة وقال:
"أسفة والله أسفة، مكنتش عارفة أفكر. فجأة ضرب على عربيتي نار أول ما طلعت من الفيلا، وقبل ما أفكر أتصل بيك لقيت داده رحمه بتصرخ عليا وبتنزلني من العربية تدخلني جوه تاني."
شهقت وأكملت:
"بعدها بابي جاتله أزمة قلبية ونسيت الفون في البيت وقعدنا يومين في المستشفى، كل همي إن بابي يخف. ولما طلبت من داده رحمه إنها تجبلي الفون من البيت قالتلي إنها دورت عليه في كل حتة وملقتهوش. وده من كرم ربنا عليا، لأنها لو كانت لقيته كانت أكيد هتشوف كم الاتصالات والرسائل بتاعتك ووقتها كانت هتعرف انت مين. أنا كنت حكيالها إني بحب واحد بس مش عارفة ليه خبيت عنها هي وندي شخصيتك، وكل ما كانوا يسألوني كنت أضحك وأقولهم خليها مفاجأة لما ييجي يتقدملي."
شهقت وأكملت:
"بعدها بابي فاق ولقيته بيقولي إن هتخطب لكريم."
لمعت عيونه بلهب الغيرة، ولكنه تمالك حاله لتخرج كل ما تكتمه بداخلها.
"بس قالي اصبري وأنا هفهمك على كل حاجة. سكت لحد ما خرج وخدني نتمشى عالبحر، وبردو اتفاجأت إن السواق بتاعنا مش موجود."
وقتها قالي إني أسمع كلامه في أي حاجة لحد ما يعرف إيه اللي بيحصل حوالينا، وإني مثقش في أي حد نهائي، وإنه متراقبين. عشان كده لما جيت أودعك جيتلك شقتك، لأن في نفس العمارة دكتور قلب، فعملت حجة إن عايزة أطمن على بابي أكتر وحجزت عند الدكتور وسيبتله الأشاعات وطلعت عندك. بعدها نزلت تاني وبالعافية قدرت أسمع كلام الدكتور ومبقتش عارفة بسوق العربية إزاي."
"كنت بمسك إزازة ميه عشان أشرب قبل ما أفتحها، وقعت مني. ركنت العربية وميلت عشان أجيبها. حسيت بحاجة تحت الدواسة... اكتشفت إنه الفون بتاعي، وطبعًا كان فاصل شحن. وقع مني وقت ضرب النار وأنا مخدتش بالي."
"ولما فتحته لقيت كم رسائل كتير منك واتصالات."
نظرت له بحزن وقالت من بين دموعها:
"احتفظت بيهم، وكل ما يغلبني شوقي ليك أطلعهم وأقرأهم وأتفرج على صورنا مع بعض. مش قادرة أوصفلك النار اللي جوايا وأنا مضطرة أمثل إني مبسوطة بالخطوبة، ولا قلبي اللي بيتقطع كل ما رحمه تسألني عليك وأقولها إني نسيتك خلاص."
شهقت وقالت:
"كنت بموت يا عمر، بمووووت. اللي كان أصعب من بعدك عني هو إني مجبورة أعيش مع واحد تاني غيرك، والأمر من ده كله إني أمثل إني متقبلاه في حياتي."
احتضنها بقوة وأخذ يربت على ظهرها مهدئًا إياها، ثم قال:
"اهدي حبيبي، خلاص أنا معاكي. قبلها فوق راسها وأكمل بعزم: مش هبعد عنك لحظة. هاااانت حبيبي، هانت. كل حاجة هتخلص قريب وهتبقي معايا على طول."
كان عدنان يحادث مهدي كما المعتاد منه كل فترة وأخرى، وتعمد في وسط الحديث أن يقول:
"والله يا مهدي الواحد زهجااان. شغلنا كان مخلي الواحد عايش زين وديما فيه اللي يشغل بالك، إنما دلوك الدنيا بجت آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ