تحميل رواية «عمر و اسماء» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل إحدى أرقى الفيلات المتواجدة بمنطقة كفر عبده، والتي تعد من أرقى مناطق الإسكندرية، ولا يسكنها إلا الطبقات المخملية. تلك الفيلا تعد هي واثنتان مثيلاتها المتبقيتان على حالهما في تلك المنطقة، بعد أن هدمت باقي الفيلات وشيد مكانها أبراج سكنية شاهقة الارتفاع. لكن أصحابها ما زالوا متمسكون بها رغم العروض الكثيرة التي تأتيهم لبيعها. داخل بهو الفيلا الراقي، والذي ما إذا شاهدته تكتشف ذوق ساكنيها الرفيع. نجد رقيه هانم تقف لتعطي أوامرها للعاملين للاهتمام بتنظيم وجبة الإفطار فوق الطاولة كما تحب، فهي مهووسة...
رواية عمر و اسماء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني
كان ممددًا فوق فراش وثير، يمسك في يده كأسًا من الخمر، واليد الأخرى سيجار فاخر. وبجانبه امرأة فاتنة الجمال تدخن سيجارًا رفيعًا. كانا عاريين، لا يسترهما إلا شرشف أبيض رقيق.
نظرت له باستغراب حينما وجدته شارد الذهن، فقررت أن تقطع هذا الشرود وتسأله:
"إيه اللي واخد عقلك أوي كده؟"
رد عليها وهو على نفس وضعه:
"حاسس إن فيه حاجة غلط بتحصل. الأول المركب اللي اتخطفت، ومحدش اتصل يفاوضنا عليها. وبعدين المخزن اللي اتحرق بالبضاعة اللي فيه. أبويا هيتجنن. عارفة لما كل شوية تاخدي ضربة على دماغك ومتقدريش تقولي أي، أهو إحنا عاملين كده."
ردت عليه بعقلانية:
"أولًا، انتوا محدش يعرف حاجة عن شغلكم إلا ناس قليلة جدًا، يتعدوا على الصوابع. أبوك كان ذكي لما اختار كام واحد بس هما اللي يبيع لهم البضاعة جملة، وهما يقوموا بتوزيعها على التجار بمعرفتهم. ثانيًا، مفيش منهم حد حصل بينه وبينكم مشاكل عشان نقول مثلًا إنه بينتقم منكم، وهما أصلًا أصغر من كده بكتير. يبقى كل اللي حصل مجرد صدفة مش أكتر. تلاقي واحد من الحراسة تقل في العيار حبتين، والسيجارة وقعت منه ومسكت في البضاعة. متنساش إن المخزن فيه مواد سريعة الاشتعال."
نظر لها بتركيز، وهو إلى حد ما مقتنع بتحليلها المنطقي، وقال:
"والحكومة دي حاجة مستحيلة، لأن أبويا سمعته حلوة في السوق، ومحدش أبدًا هيفكر إنه بيعمل كده. وبعدين لو كانت الحكومة عرفت، كانوا قبضوا على اللي في المخزن أو المركب، وكان زمان الخبر ملا الأخبار."
نظرت له وقالت:
"طبعًا صح. المهم خلاص، اللي حصل حصل. فكر بقى هتعوضوا الخسارة دي إزاي. والأهم من ده كله، عايزك تركز في البضاعة المطلوبة مننا. فاضل أقل من أسبوع على ميعاد تسليمها."
أشعل سيجارًا آخر بعد أن انتهى من الأول، ثم نفث دخانه وقال:
"إحنا ناقصنا كام؟"
"أربع بنات."
"تمام، هكلم حسني يتصرف. قبل المعاد هيكونوا عندك."
"بس بقولك إيه، خليه يستنضف عشان اللي جابهم آخر مرة كانوا كسر. عشان كده قطعناهم. قولت نستفاد بأعضائهم، أدام مش هينفعونا بحاجة تاني."
احتضنها بيد واحدة وقال:
"آهي دماغك العالية دي هي اللي عجباني يا توتا."
"ملست على صدره العاري وقالت بعهر: "دماغي بس اللي عجباك يا كيمو."
نظر إليها بوقاحة، ثم قال وهو يتحسس جسدها:
"كلك عاجبني يا باشا."
أطلقت ضحكة سافرة، وبدأت معه رحلة أخرى مليئة بالإثم، دون التفكير في رب شديد العقاب.
***
جلست شهيرة داخل غرفتها تتحدث مع أمها، وتقص لها ما حدث بالأمس. وبعد أن انتهت، ردت عليها أمها وتدعى نادية:
"إنتي غبية، غبية! أنا لما شفتُه في المول اللي على الساحل هو وأخوه والبنتين اللي كانوا معاهم، قولت أقولك عشان تاخدي بالك من جوزك وبيتك من غير ما تحسسيه إنك شاكة في حاجة. وإنتي تروحي تقريبًا بتطردي أمه، اللي إنتي عارفة كويس جدًا هما بيحبوها قد إيه. ومكتفيتيش بكده، رايحة تلمحي له، يا غبية!"
"يا مامي، بس إيه، من غير غلط. لما ضربني اتجننت ومعرفتش بقول إيه. وبعدين هعمل إيه في وشي الـ "وارم" ده؟ والبارتي بتاع الكومباوند فاضل عليه يومين."
"عنده حق لما يقول عليكي تافهة. شوفي إنتي في إيه وبتفكري في إيه. يا شيري يا حبيبتي، لو عمر سابك مش هتقدري تعيشي في نفس المستوى اللي إنتي فيه. باباكي مبقاش زي الأول، وكمان إنتي معمولك قيمة كبيرة وسط صحباتك ومعارفنا عشان مرات عمر الغنيمي، ومراته غير طليقته. فهماني؟"
ردت عليها بقلق وقالت:
"طب أعمل إيه يا مامي؟ قوليلى."
***
كانت محاضرتها ستبدأ في الحادية عشرة ظهرًا، وحمدت ربها كثيرًا لأنها لن تضطر أن تراه صباحًا كما المعتاد. وفضلت المكوث في غرفتها حتى يذهب الجميع إلى أشغاله.
حتى ابنة عمها، بعد أن مرت عليها قبل ذهابها، انطلقت سريعًا مع عمر بحجة تأخيرها، حتى لا ترى كريم ويصر على إيصالها كما كان يحدث. فهي علمت نيته بالأمس حينما وجدت رحمة تحاول إقناعها بتركه يقلها مثل السابق.
فقد قررت ندى ألا تراه حتى يأتي الموعد الذي اتفقت عليه مع أسماء لتبدأ لعبتها معه. ابتسمت، ثم قامت من فوق فراشها وبدأت تعبث في ثيابها. وما إن انتهت، زفرت بنزق وقالت بحيرة:
"أعمل إيه؟ معنديش حاجة تنفع. أووووف..."
وقفت قليلًا تفكر، ثم ابتسمت بفرحة وقالت:
"صح كده، هو مفيش غيره."
هرولت ناحية فراشها، ثم التقطت هاتفها الملقى فوقه، واتصلت برقم ما. وحينما جاءها الرد، قالت:
***
كان يظهر الوجوم على وجه مالك، وأيضًا كان شديد العصبية مع رجاله، حتى أنه لم ينتبه لعبده، حارس البوابة، الذي كان يريد أن يعطيه ورقة بالتعليمات الجديدة. وحينما يأس من فهم مالك له، اضطر أن يتصل بعمر من هاتف أمن لا يستعمله إلا للضرورة.
كان عمر في ذلك الوقت يجلس داخل سيارته يفكر في عدة أشياء أثناء انتظاره لحبيبته بعد أن أوصلها صباحًا لجامعتها. وحينما وجد ذلك الهاتف يصدح، علم أن شيئًا هامًا قد حدث، فرد سريعًا بقلق وقال:
"خير، إيه اللي حصل؟"
"الباشا مش مركز خالص النهارده، ومعايا حاجات مهمة لازم توصلك."
"تمام، أنا هتصرف."
أغلق معه، واتصل على أخيه من نفس الهاتف. وكان مالك في ذلك الوقت يدور بسيارته حول الشركة وهو يشعر بالاختناق. فعدم رؤيتها اليوم جعلته يشعر بشيء هام ينقصه. فاق من شروده على هزات الهاتف، فقام بالرد سريعًا. وما إن فتح الخط، وجد أخيه يوبخه قائلًا:
"مش هينفع كده، إحنا لازم نفصل، وإنت فاهم قصدي كويس. الواد عنده حاجات مهمة لازم تشوفها."
رد عليه بكلمة واحدة بعد أن فهم معنى حديثه المبطن:
"حاضر."
فقط، أغلق الاثنان الهاتف، ثم أدار السيارة عائدًا إلى الشركة، وهو يفكر في طريقة تصرف صحيحة تجعله يأخذ ما لدى الحارس دون أن يلفت الانتباه.
***
مرت عدة أيام، كانت الحياة هادئة نسبيًا للجميع، ما عدا شهيرة، التي اعتذرت كثيرًا للرقية. وقد قبلت اعتذارها مضطرة حتى لا تفسد حياة ابنها. وها هما يحاولان مراضاته، إلا أنه يرفض التحدث معها رفضًا قاطعًا.
أما مالك، فقد فقد عقله بعد اختفاء ندى المفاجئ بعد آخر محادثة بينهما. لم تعد تذهب إلى الجامعة، ولا تمارس رياضتها صباحًا، ولا تجلس في شرفتها ليلاً كما المعتاد. حتى حينما يختلق أي عذر ليدلف داخل الفيلا وقت الغداء، لا يراها معهم.
وبالطبع، هاتفها مغلق. قد علم هذا بعد أن حاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا. وحينما يأس، أرسل لها عدة رسائل ولم يأتيه الرد منها. وما جعله يجن أكثر حينما يجدها على وضع الاتصال، سواء عبر الواتس أو الفيس بوك، ولا تقرأ رسائله. ففهم أنها تضع هاتفها على وضع الطيران، ولكن إشارة النت مفتوحة، حتى تستطيع أن تسلي وقتها من خلال مواقع التواصل.
***
في صبيحة يوم جديد، والذي سيكون نقطة تحول للبعض وكارثة للبعض الآخر. فهو يوم الحفل الذي يقيمه أصحاب المجمع السكني كترفيه لساكنيه، والترحيب بالسكان الجدد، وتكون فرصة لتعارف العائلات.
كان عمر ومالك يجلسان بملل على مقاعد داخل الحديقة بجانب البوابة الخارجية. وحينما وجدا شابًا وسيمًا يقف أمامهما، انتفضا الاثنان، وبقيا أمامه في وضع الهجوم.
ارتاعب الشاب كثيرًا، وعاد إلى الخلف عدة خطوات ليخلق لنفسه مسافة آمنة تحميه من تلك الوحوش الضارية.
"انت مين وعايز إيه؟"
"ا ا ا"
"اخلص انت اخرص ولا إيه؟"
"ا ا ا أنا كاظم، تبع أتيليه المدام هنا. جيت لحتي أوصل هاد لـ ثياب لـ ندي خانوم."
انطلقت شرارات الغيرة من عيني مالك حينما سمع اسمها. أما عمر، فابتسم بتشفي، وعاد إلى مقعده، ثم جلس بارتياح وهو يربع يديه ويمد ساقيه إلى الأمام، كأنه يشاهد فيلمًا ممتعًا.
اقترب مالك من الشاب وسأله بهدوء خطر:
"انت تعرف ندي منين يااض؟"
"هدّي حالك يا زلمي. ندي خانوم بتكون رفيقتي."
جن جنونه، وقام بإمساكه من مقدمة ملابسه وصرخ به:
"رفيقة مين يا ابن الكلب انت؟ انطق!"
"رفيقتي فالجامعة، نحن رفقات هونيك. وهي طلبت مني دريسات من أتيليه مدام هنا. أنااا بشتغل هونيك. اااا بس."
تركه مالك وهو يغلي كالمرجل، وقال:
"طب هات يا أمور الكياس دي واتكل على الله."
"ما بيصير، لازمن أكون وياها وهي عم تقيسهون حتى أشوف لقياس منيحة ولا مو هيك و ل..."
لم يكمل حديثه حينما صرخ به بجنون:
"تقيس لمين يا روح أمك إنت؟ اتهبلت يلااا!"
"هايدا شغلي يا بيك."
أغمض عينيه في محاولة للهدوء، وزفر بقوة، ثم قال:
"اسمع يا أبو شعر ملزق إنت، لو خايف على عمرك، اخفي من وشي حاااالا."
صرخ في كلمته الأخيرة، جعلت الآخر يفر هاربًا من أمامه وهو يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، ولكن بالتأكيد كلها سباب. على تلك الشيطانه التي كانت تشاهد كل هذا هي وأسماء من خلف النافذة، وهم يكاد أن يغشى عليهم من كثرة الضحك. وبالطبع لمحهم هذا الماكر بطرف عينيه وهو يضحك أيضًا على أخيه.
وما زاد الطين بله هو رجوع الشاب مرة أخرى يطالب بحساب الملابس.
نظر له مالك بشر، وسأله عن الثمن الذي دفعه من جيبه. رغم كبر المبلغ، إلا أنه لم يبالي. وبعد أن ذهب الشاب وهو يهرول، فتح مالك الحقيبة التي أخذها من ذلك الكاظم. وحينها جحظت عيناه بقوة وهو يمسك تلك القطعة المسماة بفستان سواريه بطرف أصابعه، ووضعها أمام عينيه وهو يقول:
"نهااااار أبوك أسود يااا ندي!"
"يالي هنا!" وانفجر عمر وعثمان وأحمد بضحكات صاخبة بعد أن حاولوا كتمانها كثيرًا، ولكن حقًا كان الوضع كارثيًا.
هاج وماج، وأخذ يدور حول نفسه وهو يمسك الهاتف محاولًا الاتصال بها، ولكنها لم ترد. فنظر بشر إلى شرفتها المغلقة، وقام بتقطيع ما بيده بغل، ثم اتجه إلى أخيه وقال:
"اتصل بأسماء حالا، خليها تديها الفون يلاااا!"
أخذت تلطم فوق وجنتيها حينما رأت ما حدث، وأسماء تمسك بطنها من الألم بسبب كثرة الضحك. وما إن رأت هاتفها ينير باسم حبيبها، حتى قالت:
"الحق ده، أكيد هو بيكلمك من عند عمر."
"يا لهوي يا لهوي، أعمل إيه أنااا؟ مني لله إني سمعت كلام شيطاني."
"أنا هرد." وقبل أن ترفض، فتحت الخط وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها، حينما وجدت مالك يقول:
"اديني اللي جنبك يا دكتورة لو سمحتي." قالها وهو يضغط على أسنانه يحاول التحكم في غضبه.
مدت يدها بالهاتف لتلك المرتعبة دون التفوه بحرف. فازدرت ريقها، وأخذت شهيقًا وزفيرًا، ثم قالت:
"نعم."
اغتَاظ من ردها، وقال بعد أن ابتعد عن من يقفون بجانبه:
"إيه بدلة الرقص اللي إنتي جايباها دي يا روح أمك؟"
غلي الدم في عروقها مما قال، فردت بتبجح:
"لم نفسك يا حمادة، وبلاش غلط. وبعدين إنت مالك..."
"ندي..." هكذا صرخ بها حتى أخرسها مما تنوي قوله، وأكمل:
"إنتي عايزة إيه بالظبط؟"
ألمها قلبها، ولكنها ردت عليه بهدوء منافٍ لثورتها الداخلية:
"أنا مش عايزة حاجة يا مالك. إنت اللي لازم تسأل نفسك السؤال ده، إنت عايز إيه مني؟ إنت مالك مين يجيلي ولا ألبس إيه ولا أروح فين؟ رد رد، قول لي."
بهت من هجومها وأسئلتها التي لا يجد لها إجابة. فرد عليها بأمر واجب النفاذ:
"أنا قطعت حتة الخرقة اللي جايباها، والواد السيس ده اللي بيقولي رفيقتي هحاسبك عليه بعدين. أما بقى أنا اللي هشتريلك اللي هتلبسيه النهارده، ده لو عايزة تروحي الحفلة."
"وأنت بقى حق..."
أغلق في وجهها دون أن يستمع للمزيد من ترهاتها التي حتمًا ستزيد غضبها.
عاد الهاتف إلى أخيه، الذي نظر له وقال:
"أنا قولتلك ابعد، بس واضح إنك وقعت يا ثعلب. هههههه."
تركه حائرًا بين قرار البعد وغيرته التي شعر بها تحرق قلبه، وذهب بعيدًا ليرسل رسالة لحبيبته كتب فيها:
(طبعًا سمكة قلبي محترمة وهتلم نفسها وتلبس حاجة عدلة بدل ما الدم يبقى للركب النهارده. ربنا يعدي ليلة أهاليكو السودة دي على خير.)
قرأت الرسالة بغيظ وقالت:
"طب أنا مالي ياربي، إحنا حبينا همج يا ندوش."
ضحكت ندى وقالت:
"من خيبتنا يا قلب ندوش."
"الأ تقول لي يا سوسة، إزاي جتلك الفكرة المجنونة دي؟"
ابتسمت ندى وقالت:
"أنا كنت مراهنة نفسي على اللي هيحصل ده من كام يوم. قولت أشوف فيه حاجة تنفع تتلبس يوم الحفلة ولا لأ. طبعًا ملقيتش. افتكرت كاظم، اتصلت بيه عشان يبعتلي صور دريسات أنقي منها. وأنا بتفرج عالصور، شفت الدريس اللي هو جابه النهارده، فجاتلي الفكرة إني أطلبه. وكمان أخليه هو اللي يوصله لهنا يوم الحفلة، لأني كنت واثقة إنه هيبقى موجود. وقولت أشوف رد فعله إيه. لو ساب كاظم يدخل عادي، يبقى أنا فعلًا مش في باله. بس بصراحة، رد فعله دي أنا متوقعتهاش خالص. خلت قلبي طاير من الفرحة، وأدتني أمل إن ممكن يكون فيه حاجة جواه ليا. أنا فرحاااانة أوي يا سيمو. برغم إني كنت بقرا الرسايل اللي كان بيبعتها من على شريط الإشعارات عشان مفتحهاش ويعرف إنها قرأتها ومردتش عليه، وحسيت إنه فعلًا قلقان عليا، بس كنت بكذب نفسي."
احتضنتها أسماء بفرحة وقالت:
"ربنا يفرح قلبك ديمًا يا حبيبتي. ولسه كمان لما يشوفك النهارده، هههههه، هيتجنن."
"بس صحيح، هتلبسي إيه؟"
"كنت متفقة مع منه تجبلي دريس من مول الديب، بعتتلي صورته وعجبني. مانا كنتش عايزة أخرج اليومين اللي فاتوا، بس هو دلوقت قالي هيشتريلي واحد ولازم ألبسه ده لو عايزة أروح الحفلة."
مر اليوم سريعًا، وقد تجهز الجميع بأبهى طلة. أما الفتاتان، فقد كان حقًا مظهرهما يخطف الأنفاس. كانت ندى ترتدي فستانًا باللون الزيتي، مغلق تمامًا من الأعلى، ويهبط فوق جسدها بانسيابية. وبرغم اتساعه قليلًا، إلا أنه أوضح جسدها الصارخ بالأنوثة. وقد قررت ترك شعرها حرًا خلف ظهرها، ووضعت زينة وجه هادئة للغاية، مما جعلها أيقونة للجمال.
أما سمكتنا، فكانت حقًا سمكة حينما ارتدت فستانًا أزرق اللون بقصة السمكة، وله فتحة صدر مثلثية ولكنها صغيرة. وصنعت تموجات بشعرها مع زينته وجهها، جعل من يراها يتمنى أن يخبئها بين ضلوعه.
كان عزيز وكامل وبهيرة ينتظرونهما في بهو الفيلا. ولحسن الحظ أن كريم قد تأخر عليهم، فاقترح عليهم الذهاب، وهو سوف يلحق بهم بعد قليل.
انفرج فم الأخوين حينما رأوا كل هذا الجمال القادم باتجاههم. ولكن سرعان ما أغمض عمر عينيه بقوة، والتف ليحادث عثمان حتى لا يلاحظ أحدًا تلك النظرات الولهة بحبيبته.
أما مالك، فلم يشغل باله بأحد بعد أن رآها بكل هذا الجمال، وأخذ يسب حاله، وتمنى لو كانت يده قُطعت قبل أن تشتري لها ذلك الثوب الذي أظهر فتنتها.
وقد التقطت عين بهيرة تلك النظرات، وفرحت بها كثيرًا. ثم أشارت لزوجها بالخفاء، الذي فهم عليها وفرح أيضًا، ومال عليها قائلًا:
"ياريت اللي في دماغنا يطلع صح. هي تطول واحد زي مالك؟"
وصل الجميع إلى مقر الحفل. وما إن دلفوا، كان أمامهم الطاولة التي يجلس عليها عائلة عمر. فاقترح عليهم أن يعرفهم عليهم. فرحبو بالفكرة كثيرًا.
وقفت رقية وشهيرة وعبدالرحمن حينما وجدوا أولادهم ومن معهم يقتربون منهم. وبدأوا بالمصافحة. وقد تولى عمر تقديمهم، فقال:
"مدام رقية، أمي... اللواء عبدالرحمن الغنيمي، بابا..." صمت قليلًا حينما جاء الدور على شهيرة، التي كانت تنظر لهم بكبر، خصوصًا لتلك الواقفة تأكلها الغيرة ويؤلمها قلبها على ما سينطقه الآن. ولكن شعر بها ورحمها قليلًا حينما قال: "شهيرة النجار... المدام."
وقد عرفهم أيضًا على الطرف الآخر، ثم جلس الجميع حول نفس الطاولة. وبدأت بهيرة التحدث مع رقية في محاولة للتقرب لها. أما عزيز وكامل، فقد أخذهم الحديث مع عبدالرحمن.
ظلت شهيرة توزع أنظارها بحقد على الفتاتين بعد أن تعرفت عليهم، وعلمت أنهما هما من كان يرافقان الأخوين. أما مالك وعمر، فكانوا يدورون برأسهم كالمجانين، يحذرون كل من يجرؤ على النظر لتلك الكارثتان.
وحينما تحكمت غيرته شهيرة بها، قررت التدلل على زوجها، فمالت عليه ممسكة بذراعه وقالت بميوعة:
"الللله، الميوزك دي حلوة أوي يا بيبي، تعالي نرقص."
تخلص من يدها بتمهل وقال:
"عندي شد عضلي."
انطلقت ضحكات مالك الصاخبة، ومعه ابتسمت الفتيات وهما يمسكان يدهما من تحت الطاولة ليحاولا كتم ضحكاتهم. أما شهيرة، فكانت حقًا ستنفجر من إحراجها بتلك الطريقة أمام غريمتها.
ولكن ما جعل مالك يقطع ضحكاته ويجلس بتحفز، حينما وجد ذلك السمج، كما يطلق عليه، محمد ابن السفير ووالدته يتقدمون ناحيتهم. وحينما وقفوا قبالتهم، وقف الجميع للترحيب بهم، فهم يعرفون العائلات.
ولكن ما أثار جنونه حينما وجد نجوى تقول:
"إيه الجمال ده كله يا ندوش؟ لالالا، أنا كده هخلي محمد يتجوزك غصب عنك، ههههه."
"دعوت الخجل وهي تنظر ناحية مالك بطرف عينيها وقالت: "متكسفنيش يا انط."
رفع شفته وهو يهمس بغيظ:
"المعلم قدورة بيكسف زي البنات."
"طب ممكن، قبل ما نقعد، تسمحيلي بالرقصة دي؟"
نظر لها مالك بتحذير مغلف بالشر، إذا فكرت فقط بالموافقة على طلبه. فنظرت له بتحدي وقالت:
"أوكيه."
"هنا و كفى، اللي يستطيع التحمل وهو يراها بين يدي شخصاً آخر، حتى لو على سبيل الرقص فقط. لا والله..." ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عمر و اسماء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني
كادت أن توافق على طلب ذلك السمج، ولكن مالك لحق بها حينما قال:
"معلش بقي يا أستاذ محمد، أنا حاجز قبلك."
نظر له الآخر بغيظ وقال:
"ليه هي تلاجة عشان تحجزها؟"
ضحكت النساء على تلك المزحة السمجة. أما عمر فقال بهمس:
"يخربيت تقل دمك يا أخي."
أما مالك، فقد لف يده حول خصر ندي بقوة، ضاغطاً عليها كتحذير، ورد عليه وهو يبتسم ببرود:
"سوري يا حمادة، اللي سبق أكل."
كاد أن يتحرك، ولكن أوقفه عمر وهو يقول:
"تعالي معايا، هطلب لك أغنية حلوة ترقصي عليها."
أعقب قوله باختطاف نظرة سريعة لحبيبته مفادها... أنها لكِ.
ذهب ناحية منظم الموسيقى، وما أن مال عليه هامساً له ببضع كلمات، هز على أثرها رأسه دليل الموافقة. وما هي إلا ثوانٍ، وصدحت أغنية أحمد سعد "قادر أكمل".
ما أن بدأت الأغنية، دمعت عيني أسماء لأنها أغنيتهم المفضلة، وعرف أن حبيبها يهديها لها.
أما مالك، فقد لف يده حول خصر تلك التي تكاد تموت بين يديه، ودمعت عيناها مع جمال الكلمات. أما هو، فقد تاه في جمال عينيها، وانتفض قلبه مما يقرأه داخلها بوضوح.
أزاح خصلة كانت تحجب عينها بيده بمنتهى النعومة، وقال:
"عايزة حمادة ياخدك في حضنه قدامي يا ندي."
نظرت له باستغراب وقالت:
"ياخدني في حضنه إيه؟ ده إحنا كنا هنرقص زي كده."
ضغط على خصرها بغيظ:
"أنتِ بتقرنيني بيه؟"
همست:
"كلهكم زي بعض يا مالك، عايزين البنت الحلوة الاستايل، مش بتهتموا باللي جواها."
مالك:
"لا طبعًا مش كلنا، الراجل بجد بيشوف اللي جوه حبيبته ويتجنن لو حد شاف جمالها غيره."
هند:
"ونلاقيه فين ده؟ النوع ده انقرض خلاص."
مالك بغيظ:
"ليه؟ أنتِ شيفاني زيه؟"
نظرت له نظرة عميقة تحمل الكثير من المعاني التي فرح بها قلبه كثيراً، فأكمل بابتسامة حلوة:
"بالظبط كده، زي ما أنتِ شيفاني وحاسة بيه. بس أنا صعب يا ندي وهتتعبي معايا."
احمر وجهها من مغذي حديثه، وأخذ قلبها ينبض بجنون. حتى هو لاحظ هذا من سرعة تنفسها، فأكمل مهدئاً إياها:
"اهدي يا ندوش، لينا قعدة مع بعض هنتكلم فيها عن كل حاجة وأي حاجة تريحنا إحنا الاتنين."
ردت عليه بتلجلج:
"آآآ... إحنا مفيش حاجة بينا نتكلم فيها."
ذهبت شهيرة تجاه البار لتحتسي كأساً من الخمر لتحاول إطفاء نار حقدها من تلك النظرات الواضحة وضوح الشمس بين عمر وأسماء.
وحينما كاد عمر أن يتحدث مع سمكته، حتى حضر كريم وصافح الجميع معتذراً عن التأخير.
اشتعلت نار غيرته حينما وجده يجلس جانبها ويقول:
"سوري يا حبيبتي اتأخرت عليكِ."
نظرت له وهي تحاول الابتسام وقالت:
"ولا يهمك."
لمح مالك وصول كريم مع انتهاء الأغنية، فقال لندي سريعاً:
"تعالي بسرعة، أخوكي وصل وعمر ممكن يخرب الدنيا."
أخرج هاتفه ونقر عليه سريعاً بعض الكلمات وأغلقه، ثم اتجه ناحية الطاولة. وما أن وصل، سمع كريم يقول:
"تعالي نرقص."
كاد عمر أن يهجم عليه، إلا أن أخاه أمسك يده من تحت الطاولة بقوة وقال:
"عمر، تعالي عايزك ثواني."
كان الشرر يتطاير من عينيه، ولكن حينما لمح نظرة الخوف بعينيها، قام مع أخيه.
وهي ردت بلباقة على كريم:
"سوري كريم، مش هقدر. رجلي وجعاني من الشوز."
كان يمر مع أخيه إلى الخارج، ولكن في طريقه وجد زوجته تحتسي الخمر بنهم، فوجد من يفرغ فيها غضبه.
توجه لها وقام بإمساكها من رسغها بقوة، خافت هي منه وقال:
"تعالي معايا من غير كلام، ده لو مش عايزة تتهاني قدام الكل."
خافت من تهديده وذهبت معه، وما أن خرج بها، صرخ قائلاً:
"أنتِ معندكيش دم؟ قاعدة تطفحي خرا على دماغك قدام الكل من غير ما تعملي حساب لجوزك ولا لأهله قدام الناس اللي المفروض بنتعرف عليهم."
ردت عليه وهي تحاول التماسك:
"و... وايه؟ وو... يعني ده كاس واحد."
تدخل مالك قبل أن يتفاقم الوضع:
"خلاص يا عمر، خلي السواق يروحها."
كادت أن تعترض، إلا أنه حذرها بعينيه.
أوصلها عمر إلى إحدى السيارات الخاصة بهم، وبعد أن صعدت بها مغلقة الباب بقوة، قال للسائق:
"وديها المعمورة عند أبوها."
صرخت من الداخل:
"يعني إيه؟ أنت بتطردني؟"
عمر بشر:
"غوري عند أبوكي يا أما، ولو ما وديني ما هبات على ذمتي النهارده، سامعة؟"
صمتت بحقد مخافة أن ينفذ ما قاله، وانطلق بها السائق وهي تتوعد له ولتلك القابعة بالداخل بكل شر.
كاد عمر أن يعود بغضبه لذلك السارق الذي سرق منه حبيبته، ولكن منعه مالك قائلاً:
"اهدي يا شبح، متخربش الدنيا كلها. خمس دقايق وهيوَر هو وأبوه وهترتاح منهم كام يوم كمان."
نظر لأخيه ليؤكد عليه ما فهمه من حديثه، فأكمل مؤكداً:
"أيوه بالظبط اللي فهمته، بدل ما يبقى الفجر خلتها دلوقتي وبعت أمر بالتنفيذ، خلاص كلها دقايق والخبر يوصلهم."
دلفا معاً وانضما إلى الجميع، ولم يمر أكثر من عشر دقائق كان يشعر فيها عمر بالاحتراق بمجرد جلوسها بجانبه، ولكنه تحكم في حاله بصعوبة ليبدو هادئاً.
صدح صوت هاتف عزيز معلناً عن وصول مكالمة، فاستأذن منهم وقام للرد عليها بعيداً. وما أن فتح الخط، حتى سمع صراخ أحد رجاله مصاحباً معه أصوات طلقات نارية، فارتعب حينما سمعه يقول:
"آآآلحق يا بااااااشا، في رجالة هاجمت عال مخزن وبتحرقه."
هرول عزيز إلى الخارج وهو يصرخ:
"يعني آآآاايه؟ وأنتم فين؟"
قبل أن يستمع لحديث الرجل، كان ابنه أيضاً يجاوره وهو يتحدث عبر الهاتف وهو يصرخ أيضاً.
نظر الاثنان إلى بعضهما بحيرة وغضب، بعدما أعطيا التعليمات للرجالهم، وبدأ كريم الحديث قائلاً بجنون:
"المستودع اللي حاجز فيه البنات اللي هنصدرهم لتركيا، وبنعمل فيه عمليات الأعضاء، في رجالة هاجموا عليه وقتلوا معظم الرجالة وخطفو كل البنات والعيال اللي لسه مصفنهمش."
رد عليه أبيه بغضب عارم:
"المخزن اللي في الساحل اتحرق وكان مليان بضاعة كان المفروض تتسلم للتجار بكرة، ودفعين تمنها مقدم."
كريم:
"في حاجة غلط، مش معقول كل ده صدفة."
عزيز:
"تعالي ندخل نستأذن من اللي جوه دول ونسافر نشوف حل للمصايب دي."
بالفعل فعلو ما قالوه، وبعدما ذهبوا تحت نظرات بهيرة المتوجسة، نظر الأخوان إلى بعضهما وأخفيا ابتسامتهما سريعاً.
مر أسبوع على تلك الحفلة، اختفى فيه كريم وعزيز نهائياً عن الأنظار، وهم يقيمون في شاليه خاص بهم بالساحل الشمالي. وقد تعبوا كثيراً مع التجار لإقناعهم بتأجيل موعد استلام بضاعتهم المشبوهة.
أما شهيرة، فظلت كل تلك الفترة لدى أبيها الذي حاول الصلح بينهما، ولكن وجد الرفض من عمر. وفى الأخير أخبره أنه سيتركه ليهدأ، بعدها سيكون لهم حديث آخر.
كان عمر يقف وهو يتحدث عبر الهاتف داخل ساحة الجامعة وهو ينتظر خروج أسماء من آخر محاضرة لها، والتي لم يتبق على انتهائها سوى بضع دقائق.
أنهى حديثه ونظر إلى الباب، وجدها تخرج منه وهي تهديه أجمل ابتسامة.
وقفت قبالته وهي تقول:
"اتأخرت عليك."
ابتسم بحلاوة وقال:
"لو غبتي عن عيني دقيقة، تبقي اتأخرتي على قلبي يا سمكة."
ضحكت بخفوت حينما لمحت نظرة التحذير إذا ما أطلقت ضحكة صاخبة، وقالت:
"طب معلش، هعذب قلبك معايا خمس دقايق كمان، هدخل التويلت بسرعة."
عمر:
"طب يلا يا معذبة."
بمجرد ما أوصلها لمكان المرحاض ودلفت، حتى لاحظ فتاتان يدلفان خلفها ولا يبدو عليهما من طلبة الجامعة. وما زاد من ريبته هو غمز إحداهما لشاب كان يتابعهما من بعيد.
وقف في حيرة من أمره، أيدخل لها أم ينتظر؟ ولكن قلبه الخافق بجنون أنبأه أن حبيبته في خطر. فلم يفكر مرة أخرى، وهرول تجاه المرحاض، وحينما حاول فتحه وجده مغلقاً من الداخل، مما أكد شكوكه.
في لحظة، كان كاسراً إياه بقدمه، وارتعب مما رأى أمامه.
فكانت فتاة ممسكة بأسماء لتكبلها وتكتم فمها حتى تمنعها من الصراخ، والأخرى تكيل لها الصفعات. وكادت أن تفتح زجاجة صغيرة بها مادة حارقة لتسكبها عليها، ولكن لحقها وهو يمسك يدها ويقذف ما بها بعيداً.
ارتعبت الفتاتان من هجومه، ولكن لم يعطهما الفرصة حينما جذب تلك الباكية وراء ظهره، وأمسك بهما من ملابسهما بيداه الاثنان، والشرر يتطاير من عينيه. ثم صرخ بهما قائلاً:
"إيه اللي انتوا عملتوه ده؟ مين اللي زقك عليها؟ منك ليها، انطقي!"
ردت عليه واحدة بكذب:
"هه، هي اللي غلطت فينا الأول."
صرخت أسماء بانهيار:
"والله أبداً يا عمر، أنا بعد ما دخلت لقيتهم دخلوا ورايه وضربوني."
أعقبت قولها بانهيارها مجدداً.
صفع كل واحد منهما على وجهها بقوة وهو يقول:
"تمام، لما تتعلقوا في الأمن الوطني، هتعترفوا بكل حاجة."
ارتعبت الفتاتان من تلك الفكرة، فقالت إحداهما:
"لآآآآ يا بيه، يا روح ما بعدك روح، إحنا هنقولك على كل حاجة."
نظر لها بتركيز، فأكملت:
"شهيرة هانم النجار هي اللي وزتنا عليها يا باشا، ودفعت لنا كمان."
أصبح الشرر يتطاير من عينيه تحت زهول الأخرى مما سمعتا.
أخرج هاتفه واتصل بعثمان، وبمجرد ما رد عليه قال:
"هات الرجالة وتعالى عند الحمامات بسرعة، و..."
فقط أغلق الخط وهو ينظر لهما بشر.
وصل عثمان ورجلان معه، قاموا باصطحاب الفتاتين إلى حيث أمرهم عمر.
أما هو، فبمجرد خروجهم، التقطها بين ذراعيه وهو يقبل رأسها قبلات عديدة ويقول:
"آآآسف بجد، آسف. أنا مش عارف هي عملت كده ليه، وتعرفك منين أصلاً؟ حقك على قلبي."
شعر بجسدها يتراخى بين يديه، فانتفض قلبه فزعاً حينما وجدها فقدت الوعي.
أخرج هاتفه واتصل بعثمان، وحينما رد عليه صرخ به:
"هاااات العربية بسررررعة."
وضعها بالمقعد الخلفي، ورفض أن يقود عثمان السيارة. أجلسه بجانبه، وطار فوراً يسابق الرياح حتى يصل إلى أقرب مشفى، وكل فين وفين يلقي نظرة سريعة عليها ليطمئن قلبه عليها، وهو يتوعد لتلك الحرباء بأشد العذاب.
أمسك هاتفه بيد، والأخرى يمسك بها طارة القيادة، واتصل بأخيه. وما أن رد عليه قال:
"روح هات ندي من الجامعة وتعالى لي على مستشفى القوات المسلحة، بسررررررعة."
مالك بزعر:
"في إيه؟ أنت جرالك حاجة؟"
رد عليه بنفاذ صبر:
"مش أنا، دي أسماء. تعالي بسرعة وهفهمك. أنا وصلت، يلا بسرعة و..."
فقط أغلق معه وهبط سريعاً دون أن يغلق الباب، وقام بحملها وهو يهرول إلى الداخل. وجد في انتظاره مجموعة من الممرضات ومعهن طبيبان، فقد اتصل عثمان بهم ليخبرهم بقدومهم نظراً لمعرفتهم المسبقة بعمر وفريقه.
وضعها فوق الفراش النقال، وأخذ يهرول بجانبه وهم يسحبونه إلى إحدى الغرف. وحينما دلفوا بها، وكاد الطبيب أن يدلف معهم، وجد من يمسك به من ذراعه بقوة. فنظر برعب، وجد عمر يقول له بهدوء خطر:
"على فين يا أمووور؟"
الطبيب بخوف:
"داخل أشوف الحالة يا فندم."
عمر بشر:
"روح هاتلي دكتورة بدل ما أخليك تحتاج دكتور، سااااامع؟"
وهل له أن يعترض على حرف مما تفوه به هذا الوحش الغاضب؟ هز رأسه بهستيريا وقال:
"حااااضر، حاااضر. ثواني ودكتورة علا هتكون عندك."
اتصل مالك بندي وهو في طريقه إليها، وكانت هي بصحبة صديقتها منه يجلسان في كافتيريا الجامعة.
خفق قلبها حينما رأت اسمه، ولم ترد حتى انتهى الاتصال. وما كادت منه تنهرها لعدم ردها، إلا أنه صدح مرة أخرى. فمدت منه يدها سريعاً ضاغطة على زر الرد لتجبرها على التحدث معهن.
نظرت لها بغيظ، ولكن في الأخير وضعت الهاتف فوق أذنها. وما كادت أن تنطق، إلا أنها وجدته يصرخ بها:
"مبترديش عالزفت لييييه؟"
ندي:
"براحتي."
قاطعها بغضب:
"اقفلي على باب الجامعة. أسماء تعبانة وأنا جاي آخدك نروح لها، وبعدين نتحاسب."
انتفضت من مجلسها برعب، حتى أن الأكواب الموضوعة فوق الطاولة وقعت حينما ارتطمت ساقها بها، وقالت:
"مالها؟ بالله عليك طمني، فيها إيه؟"
رق قلبه لحالها وقال:
"مش عارف. عمر اتصل بيا قالي أجيبك من الجامعة ونروح له، وهنفهم لما نوصل. اهدي بس، إن شاء الله بسيطة."
كانت تتحرك بسرعة تجاه الباب ومعها صديقتها، وقالت:
"طب أنت فين دلوقتي؟ أنا خلاص عند الباب."
مالك:
"خليكي جوه الجامعة، متقفش في الشارع. عشر دقايق وهبقى عندك."
أغلق معها، ووقفت تقضم أظافرها من القلق. فسألتها منه بخوف:
"في إيه يا ندي؟ طمنيني."
ردت عليها بعيون دامعة:
"أسماء في المستشفى، ومالك جاي ياخدني نروح لها."
حزنت منه على تلك الرقيقة، وقالت وهي تربت على كتف صديقتها:
"أنا هاجي معاكي، اطمني، خير إن شاء الله."
كان دكتور كامل يجلس في مكتبه داخل شركة الأدوية الخاصة به. وجد الباب يفتح دون طرق.
فنظر بغيظ لتلك التي تقترب منه بوقاحة وقال:
"جري إيه يا نسرين؟ أنا مش ألف مرة نبهت عليكي تخبطي قبل ما تدخلي."
وقفت بعنج أمام المكتب وقالت:
"سوري يا دكتور، أصل إيدي مش فاضية زي ما أنت شايف."
نظر لما تحمله، وجد بيدها صينية موضوع فوقها قدحاً من القهوة ومعه كوباً من الماء، فاكملت هي:
"يعني أنا غلطانة إني جايبالك فنجان قهوة عاملاه بإيدي عشان تعدل دماغك."
نظر لها بشك وقال:
"ديما عم جمعة هو اللي بيعملي قهوتي. إيه حكايتك أنتِ بقي؟ بقالك يومين أنتِ اللي بتعمليها بنفسك."
وضعت ما بيدها فوق المكتب بتمهل، ثم مالت عليه سانده كفيها، فظهرت مقدمة ثديها بسخاء، ثم قالت:
"أنا مش هلف وادور، أنت عارف إنك عاجبني ونفسي اللي بينا يبقى أكبر من الشغل. وضغطت فوق شفتها السفلي بعهر وأكملت: وأنا لمحت لك كتير بس أنت عامل نفسك مش فاهم، وأديني أهو جبتهالك مباشر."
وقف من مجلسه واستند هو الآخر بكفه فوق المكتب، ناظراً داخل عينيها بقوة وقال:
"مش سكتي خالص اللي بتطلبيه، وأنتِ عارفة كده كويس. ماليش في الشمال."
نظرت له بوقاحة وقالت:
"خلاص نتجوز."
اعتدل وهو يطلق ضحكة صاخبة. اغتاظت هي منها وقال:
"بقي بعد ما كنت متجوز دكتور قد الدنيا وست الكل بيحلف بأخلاقها، أتجوزك أنتِ؟ طب إزاي؟"
اعتدلت هي الأخرى وقالت بحقد:
"ماااااتت، سامع؟ اللي الكل بيحلف بيها ماتت من سنين، وأنت دافن نفسك على ذكراها. وبعدين ما أنا بنت ناس برضه."
لمع الحزن بعينه وقال:
"بنت ناس تحارب سلاح وبودرة؟ ههههه، هما دول الناس... اسمعيني كويس عشان مش هعيد كلامي ده تاني. شيليني من دماغك خالص. أنتِ عارفة إني مجبور أشغلك هنا، وأصلاً أنتِ مش بتشتغلي، إنتِ كل شغلك إنك تراقبيني وبس. يبقى خليكي باللي مكلفينك بيه، وبلاش خيالك يسرح لبعيد."
كادت أن ترد عليه، ولكن قاطعه قائلاً:
"اتفضلي، شوفي شغلك. كلامنا انتهى."
نظرت له بشر وقالت:
"صدقني، هتندم على كل كلمة قولتها."
رد عليها بهم:
"أنا ندمان من زمان، مش لسه هندم. اتفضلي."
خرجت والشرر يتطاير من عينيها. وبعدما أغلقت الباب قالت بهمس:
"مااااشي يا كامل، بكرة أخليك تركع تحت رجلي تطلب مني الرحمة، ومش هرحمك."
في شاليه الساحل، كان عزيز وكريم يغليان من الغضب بعدما تلقى مكالمة من المنظمة الدولية التي يعملون لصالحها، والتي وبخهم فيها رئيسها على تقصيرهم في عملهم، وأعطاهم مهلة قصيرة ليصلحوا كل هذا اللغط، أو سينالوا عقاباً عسيرًا.
صرخ عزيز وهو يجذب شعره بجنون:
"أعمل إيه؟ أعمل إااايه؟ بقالنا أسبوع معرفناش نوصل لحاجة، والوقت بيجري. هحلها إزاي مع التجار اللي مستنيين بضاعتهم؟ ولا مع المنظمة اللي بتطالبني أعرف مين ورا كل ده، يا إما هيصفونا."
نظر لولده بتوسل وقال:
"دبرني يا بني، أعمل إيه؟"
نظر له كريم وهو يقول بتركيز:
"بقالنا أسبوع بندور على اللي ورا كل ده، ومقدرناش نوصل لحاجة. أهم حاجة عندنا التجار اللي لازم تستلم بضاعتها خلال اليومين دول."
عزيز:
"طب هنجيب بضاعة منين؟ احنا لو طلبنا شحنة جديدة، أقل ما فيها شهرين على ما توصل، وكمان هنجيب فلوسها منين؟ إحنا تقريباً قربنا نفلس بعد ما أخدنا أربع ضربات قطمت وسطنا."
نظر له بمكر وقال:
"عدنان الجبالي."
عزيز:
"مش فاهم، هيعملنا إيه عدنان في كل ده؟"
كريم:
"التجار كلها بتعمل له حساب. ولو أدخل وأكلمهم، هيحطوا جزمة في بقهم ويصبروا. بس الأهم إنه يوافق يبقى مسؤول عن الشحنة الجديدة، ويرضى يسلفك فلوس تدفع تمنها."
عزيز:
"طب افترضنا إنه وافق يكلم التجار، إيه اللي يخليه يدفع الفلوس دي كلها؟"
كريم:
"يدخل معانا شريك بالنص."
شرد عزيز يفكر في حديث ولده، ومن الواضح أنه لا سبيل أمامه غير تلك المحاولة، فقال:
"واضح إن مفيش قدامنا حل غير كده. بس أنا هضطر أسافر له الصعيد."
نظر له كريم بعدم فهم، فأكمل:
"يعني كتقدير مني إن بستنجد بيه، فهروح له لحد داره زي ما بيقولوا. وهو اللي بيدخل بيته يطلب مساعدة مش بيرده، ده سلو الصعايدة، فهمت؟"
كريم:
"تمام، يبقى كلمة حالا وحدد معاه معاد في أقرب وقت."
رواية عمر و اسماء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة الحلواني
وقف الجميع أمام الغرفة التي تقبع داخلها أسماء بقلب وجل، منتظرين خروج الطبيبة لتطمئنهم عليها.
وما هي إلا لحظات وخرجت لهم وهي تبتسم حتى تطمئنهم.
لكن هل لقلب العاشق أن يطمئن دون رؤيتها وسماع صوتها الشجي؟
وقفت قبالته وقالت سريعًا:
"اطمنوا يا جماعة، مالكم مرعوبين ليه كده؟"
عمر:
"أرجوكي طمنيني."
الطبيبة:
"هي بس اتعرضت لضغط عصبي سبب لها الإغماء، وأنا حاليًا حقنتها بمهدئ ينيمها كام ساعة عشان أعصابها ترتاح. أما الكدمات اللي في وشها، فأنا جبت لها دهان لسه نازل جديد مفعوله قوي، يعني على بكرة بإذن الله يكون وشها رجع طبيعي، والحمد لله إن الكدمات مش قوية قوي يعني."
استأذنت بعد أن طمنتهم مرة أخرى.
وقف هو والشرر يتطاير من عينيه وعرقه ينبض بقوة. فاق على حديث ندى وهي تبكي:
"مين اللي عمل فيها كده؟"
رد عليها وهو يتحرك:
"أنا رايح أجيب حقها."
أعقب قوله وهو يهرول، ناويًا الانتقام من تلك الأفعى التي تسببت في كل هذا.
إلا أن مالك وعثمان أوقفاه بعد عدة خطوات ليمنعاه من ارتكاب جريمة محتمة.
فصرخ بهم:
"أوسعوا أنتم وهو من قدامي بدل ما أفرمكم، سامعين؟"
رد عليه أخيه بتعقل:
"اللي أنت ناوي عليه غلط وهتضرها أكتر."
رد عليه بشر:
"أنا هقتلها، هقتلها."
عثمان بهدوء:
"وتودي نفسك في داهية ليه؟ إحنا كفيلين بيها يا باشا، شوف أنت عايز إيه ويتنفذ."
مالك بغيظ:
"اصبر أنت، أنت عايز جنازة وتشبع فيها."
نظر لاخيه الهائج وقال بحكمة:
"شهيرة مش لازم تعرف إنك عرفت حاجة، وكمان لازم تعرف إن اللي هي عايزاه."
نظر عمر باستغراب، فأكمل:
"افهم يا بني، أنت لو روحت دلوقتي ضربتها وطلقتها، هي هتعمل إيه؟ هتغلي جواها أكتر ومش هتضمن رد فعلها أو اللي ممكن تعمله عشان تنتقم. إنما لو عرفت إن اللي عايزاه حصل، هتبعد عنها على الأقل فترة لحد ما نشوف إحنا هنعمل إيه."
صمت ينتظر رد أخيه الغاضب. وحينما لم يجد منه رد، قال:
"افصل مشاعرك عن شغلك يا شبح، أسماء دلوقتي مش حبيبتك اللي بتتمناها، دي بقت مهمة تبع شغلك أنت بتقوم بيها ولازم بإذن الله تنجح فيها، لأن زي ما أنت قلت لنا من الأول، الفشل تمنه حياتها. أرجوك افصل زي ما دايما كنت بتعمل عشان خاطرها."
هدأ قليلاً واقتنع بما قاله أخيه، ولكن تذكر شيئًا هامًا فقال:
"بس كده كده شهيرة هتعرف إن الموضوع باظ عشان البنات كان معاهم واحد معرفش راح فين."
عثمان:
"مسكناه يا باشا، متقلقش."
نظر له بأمل، فأكمل:
"وإحنا طالعين بالبنات، كان هو بيحاول يهرب، بس هما شاوروا عليه عشان ميشيلوش الليلة لوحدهم، ورجالتنا مسكوه وهما حاليًا محجوزين في الأمن الوطني."
نظر له عمر بامتنان وقال:
"أنا مش عارف أشكرك إزاي."
عثمان:
"ده شغلنا يا ريس، أنا معملتش حاجة."
ربت على كتفه وقال:
"تسلم يا صاحبي. المهم اتصل بيهم في الأمن الوطني وخليهم يتصلوا بشهيرة من تليفون أي واحدة من البنات عشان تقولها إن كل حاجة تمت من غير ما حد يحس بحاجة. وطبعًا أكيد ليهم بقية فلوس، تحدد معاها معاد بكرة الصبح في #### تقابلها هناك عشان تاخد باقي حسابها."
فهم مالك ما يفكر به أخيه فابتسم وقال:
"هو ده الكلام، أنت دلوقتي شبح المخابرات مش عمر العاشق."
عثمان:
"على فكرة رجالة كريم كانوا مراقبيننا من أول ما طلعنا من الجامعة كالعادة."
عمر:
"هما أكيد معرفوش إيه اللي حصل جوه، لأنهم دايما بيستنونا بره الجامعة. على العموم، إحنا هنتصل بدكتور كامل دلوقتي عشان الموضوع يبان طبيعي وإنه مجرد إغماء مش أكتر."
مالك:
"طب ورحمة وبهيرة، ماهو لو شافوا وشها كده هيسألوا."
عمر:
"مش هنخلي دكتور كامل يبلغهم بحاجة، ويبقى بعدها يقول إنه كان مرعوب على بنته وما جاش في باله إنه يكلم حد عادي يعني. المهم دلوقتي اتصل بتميم خليه ينفذ اللي اتفقنا عليه فورًا."
نظر له مالك بتوجس وقال:
"لسه يومين على المعاد، بلاش تستعجل يا عمر."
رد عليه بتصميم:
"لازم أستعجل، اللي جاي مش مضمون وأنا عايز أخلص."
بالفعل اتصل مالك بتميم يبلغه بالتعليمات الجديدة، ثم اتصل بكامل وأخبره أن ابنته في المستشفى نظراً لحالة إغماء تعرضت لها.
خفق قلب الأب رعبًا وهرول خارج المكتب وهو يقول لنسرين:
"ألغِ كل مواعيدي النهارده."
وقفت بزعر تسأله ماذا حدث، ولكن كان قد خرج من محيطها نهائيًا.
وصل إلى هناك ووجد الجميع في انتظاره. فتقدم منهم وقال بخوف ولمعة دموع:
"فين بنتي؟ جرالها إيه؟ حد يطمني؟"
مالك:
"اهدي يا دكتور، والله هي بخير بس اغمي عليها والدكتور قال ضغط عصبي مش أكتر."
نظر له بشك وقال:
"طب أنا عايز أشوفها."
ندى:
"هي نايمة يا أونكل، اهدي عشان خاطري."
أعقبت قولها بالارتماء فوق صدره، فضمها هو بحنان وشعر أنها بحاجة للاحتواء.
بكت فوق صدره تحت نظرات مالك المشفقة عليها، وتمنى أن يكون هو من يواسيها.
أما عثمان فقد شعر بخفقة شديدة اعتصرت قلبه حينما وجد منه تبكي حزنًا على صديقتها، فهو يشعر بالإعجاب ناحيتها منذ رآها أول مرة في بداية تلك المهمة.
قرر عمر أن يصارح كامل بكل شيء، فلا سبيل لإخفاء الأمر أكثر من ذلك.
فقال:
"تعالى معايا يا دكتور نقعد في الكافيه بتاع المستشفى وأنا هفهمك كل حاجة."
نظر له أخيه بتوجس.
رد له نظر مفادها... قضى الأمر.
كانت تجلس رقيه مع زوجها وهي في قمة غضبها وتنظر له بغيظ وهو يمسك هاتفه ليتصفح فيه متصنعًا الانشغال.
صرخت به بعد أن فاض الكيل من تجاهله لها وقالت:
"أنت هتفضل عامل نفسك مشغول كتير؟"
نظر لها ممثلًا التفاجؤ وقال:
"آه يا روحي، بتقولي حاجة؟"
نظرت له بنفاذ صبر وقالت:
"عبدالرحمن!"
انتفض من صراخها، ثم أمسك كفها مقبلًا إياه وقال بحب:
"يا عيون عبدالرحمن، مالك بس يا روكا متعصبة ليه؟"
هدأت قليلاً وردت عليه بحزن:
"يعني أنت عاجبك حال ولادك ده؟"
عبدالرحمن:
"مالهم بس؟ ما هما شغالين معايا، وعمر كمان بطل يسافر وقاعد جنبك، يبقى فيه إيه بس؟"
رقيه:
"فيه بيته اللي بيخربه بإيده ومراته اللي طردها من البارتي، وحتى مكلفش نفسه إنه يوصلها وسابها مع السواق في نص الليل. حتى حماها كلمه عشان يرحلوه ويتفاهموا سوي، بس ابنك رفض."
فهم مقصدها، فاعتدل ورد عليها بجدية:
"هي طبعًا أكيد اشتكتلك، طب ما قلتيش ليه ابنك عمل كده؟"
نظرت له بتساؤل، فأكمل:
"الهانم لقاها قاعدة على البار هاتك يا شرب، أخدها ومشاها قبل ما تفضحنا. تقدري تقوليلي لو كان سابها كان هيبقى منظرِك إيه قدام صاحباتك والناس الجديدة اللي اتعرفنا عليهم؟ بلاش ابنك ومركزه وسمعته كانت هتبقى إيه لو فضحتنا كالعادة؟"
رقيه بغضب:
"الحيوانة مقلتليش كده خالص، دي قعدت تعيط وتقولي كلام أهبل كده على عمر."
نظر لها بتوجس وقال:
"كلام إيه؟"
نظرت له بتردد، فأمرها قائلًا:
"قولي يا رقيه قالتلك إيه، بدل ما تفكيرها الغبي يضر ابنك."
ارتعبت من تلك الفكرة وقالت:
"بتتهمه إنه بيخونها مع بنت الدكتور كامل، وإنه مشاها من البارتي عشان ياخد راحته معاها."
انتفض من مجلسه وبدأ الغضب يظهر عليه، حتى هي توجست منه خوفًا حينما وجدته يصرخ قائلًا:
"بنت الكلب! عايزة تشوه سمعة ابني؟ وكمان مع بنت محترمة زي دي؟ طب هي مشافتش خاطبها اللي قاعد جنبها؟"
كادت أن ترد عليه، ولكن أشار لها بكف يده أن تصمت، وباليد الأخرى أمسك بها الهاتف ووضعه على أذنه وهو ينتظر الرد بفارغ الصبر. وحينما سمع ترحيب الطرف الآخر به، رد عليه بحزم:
"اسمعني كويس يا إسماعيل يا نجار، قول لبنتك لو محترمتش نفسها، الله في سماه، لأكون أنا اللي مخلي عمر يطلقها."
ارتعب الآخر من ذلك الهجوم وقال مهدئًا إياه:
"اهدي بس يا سيادة اللواء، حصل إيه لكل ده؟"
رد عليه بغضب أكبر:
"من أول ما ابني اتجوزها وهي عمايلها كلها سودة، ولا اهتمت بيه ولا اعتبرت إن ليها بيت. حتى ابنها كانت ناوية تسقطه لولا إنه عرف ومنعها، ويتاريت كان سابها تنزله بدل ما هي رامياه للدادة طول الوقت وممكن تقعد باليومين متشوفهوش، لولا إن جدته هي اللي بتهتم بيه... طول الوقت سهر وسكر وقرف، حتى الوقت اللي جوزها بيكون راجع من السفر بعد غياب مش بتكلف نفسها تقعد في البيت اليومين اللي موجود فيهم والناس تتكلم والولد يزعل وأنا وأمه نهدي. حتى وصلت إنها بتطرد رقيه من الفيلا الجديدة، وكللللللل ده عديناه عشان البيت ما يتخربش. إنما توصل إنها عايزة تداري على عمايلها السودة بأنها تشوه سمعة ابني وتخوض في أعراض ناس، أبدًاااااا مش هسمح بكده وأنا اللي هقفلها."
كان المدعو إسماعيل متواجدًا في منزله أثناء تلك المكالمة الكارثية، وكانت شهيرة ونادية زوجته تجلسان بجانبه، وقد أمراه بفتح مكبر الصوت منذ بدأ المحادثة.
ارتعبوا واصفر وجه الاثنان بعد سماع ذلك الهجوم الضاري عليهم، فهم يعرفون حق المعرفة أن اللواء يظل صامتًا، ولكن إذا قرر التحدث حتمًا ستقوم بعدها عاصفة هوجاء تحصد معها الأخضر واليابس.
ابتسمت أمها تهمس لها بخوف:
"أمال لو عرفوا اللي أنتِ هببتيه في البنت هيعملوا إيه؟"
نظرت لها وكل خلية فيها تنتفض رعبًا، ولكنها فاقت على صراخ حماها وهو يكمل حديثه قائلًا:
"البنت اللي بنتك المحترمة بتتهمها إنها على علاقة بجوزها، بنت ناس محترمة ومخطوبة لابن عمها وكان حاضر الحفلة وقاعد جنبها. تقوم هي تقول إنه مشاها عشان يخلاله الجو معاها؟ مقلتش إنه لمها من عالبار وهي سكرانة طينة ومش هاممها سمعتنا ولا منظرنا قدام الناااااااس."
إسماعيل بخزي:
"أنا مش عارف أرد عليك بإيه، بنتي هتضيعني، حقك عليا، وأوعدك إن الكلام ده مش هيتقال قدام حد أبدًا."
عبدالرحمن:
"طب خليها بس تفكر فيه بينها وبين نفسها، وشوف أنا هعمل فيك وفيها إيه، وخليها عندك بقى لما تعرف تعيد تربيتها وتعالجها من إدمان الزفت ده، نبقى وقتها نفكر إذا كانت هترجع ولا لأ. كفاياني فضايح أنا وولادي من تحت راسها. شيل شيلة بنتك."
وأغلق الهاتف في وجهه بعد أن أفرغ غضبه به.
نظر إسماعيل لابنته بشر، ثم هجم عليها جاذبًا إياها من شعرها، ثم صفعها فوق وجنتها بقوة وهو يقول:
"إنتي فضحاني من وإنتي بنت، وقولت هتتلمي وتعقلي بعد ما جوزتك جوازة تحلميش بيها، إنما أنتِ الوساخة في دمك، عمرك ما هتنضفيييي."
أعقب قوله الصارخ بإلقائها أرضًا وهو يقول:
"بيتي هيتخرب بسببك، عارفة لو فكروا يخلوا المستثمرين يسحبوا فلوسهم من الشركة أنا هتسجن، وإنتي السبب."
نادية:
"اهدي يا إسماعيل، متعملش في نفسك كده."
ثم نظرت لابنتها وقالت:
"إنتي قولتي لمين الكلام ده؟"
ردت عليها من بين دموعها:
"لأختي رقيه، قولت يمكن تخليه يرجعني لما تعرف إن ابنها داير على حل شعره، بس متخيلتش إنها ممكن تقولهم عالي حكيتوا ليها، دي عمرها ما عملتها."
جلس الرجل بغلب وقال وهو يضع يده فوق رأسه:
"آخر ما فاض بيها من كدبك وتفاهتك قالتلهم. طب إذا كان أبوه عمل كده، أمال جوزك لما يعرف هيعمل إيه؟"
بعد أن جلس عمر مع دكتور كامل في كافتيريا المستشفى، قص عليه كل شيء من بداية رؤيته لها حتى تلك اللحظة، وقد أوضح له مدى عشقه لابنته، والذي كان ظاهرًا بوضوح داخل عينيه وبين حروفه.
كان كامل صامتًا تمامًا، لا يظهر عليه أي تعبير. حتى انتهى عمر من حديثه ونظر له بترقب.
ابتسم كامل وقال:
"أنا كنت عارف إن بنتي بتحب واحد، هي حكتلي بس مقلتش هو مين. ومن أول يوم جيت عندنا الفيلا بحجة الحراسة، وأنا شكيت إنك تكون أنت حبيب بنتي، بس كذبت نفسي وقلت لا مش معقول الصدفة دي. بس بعد كده مع الوقت عرفت إن أنت واتأكدت كمان."
نظر له عمر باستغراب، فأكمل بحنين:
"متستغربش يا بني، أنا كنت عاشق قبلك وبعرف كويس اللمعة اللي بتبقى في العين، حتى لو حاولت تداريها غصب عنك بتظهر."
عمر بارتياح:
"طب إيه رأي حضرتك؟"
كامل:
"أنا عن نفسي أتمنى بنتي تعيش مع اللي بتحبه، بس يابني أنت شايف اللي إحنا فيه ومش عارفين هيخلص على إيه، كمان أنت متجوز وعندك ابن."
عمر:
"يا دكتور، كل حاجة هتخلص على خير أوعدك. أما بقي إني متجوز، دي مكنش جواز ده كان انتحار، وأنا حكيتلك كل حاجة ومش هقدر أوعدك إني هطلقها عشان بنتك، رجولتي متسمحليش بكده، بس اللي أنا متأكد منه إن الجوازة دي مش هتكمل، مش عشان أسماء، لا عشان هي غلط وفاشلة من الأول. بس أنا مش هسبق الأحداث."
كامل:
"كلامك ده خلاني أحترمك أكتر. وعلى العموم نخلص بس من اللي إحنا فيه وربنا يحلها من عنده. المهم في حاجة شاكك فيها حابب أقولك عليه."
نظر له باهتمام، فأكمل:
"طبعًا أنت عارف إن نسرين السكرتيرة بنت واحد مالي بيشتغلوا مع عزيز، وشغلوها عندي عشان تراقبني، بس هي بقالها كام يوم بتعملي القهوة بنفسها، وطبعًا من خلال الكاميرات بتراقبني، ولو مشربتهاش بتعملي غيرها."
عمر بتحفز:
"غلط يا دكتور، ممكن يكونوا حطوا لك حاجة فيها."
كامل:
"أنا شاكك في كده، بس شربتها مرتين مش أكتر، بعدها بقيت أقف في الشباك كأني برتاح من الشغل، وبخبث كده بدلقها في الزرع.... أنا حابب أعمل تحليل مخدرات، وبما إننا هنا ومش هيبقى فيه شك، فياريت أعمله دلوقتي وأنت ابقى استلم النتيجة."
بعد مرور عدة ساعات قضاها الجميع في ترقب خارج الغرفة التي تقبع بها جميلتنا.
بدأت هي تستفيق بالداخل، وما إن عاد لها وعيها كاملاً، ظلت كما هي ممددة فوق الفراش وهي شاخصة ببصرها نحو سقف الغرفة.
سالت دموعها وهي تقول لحالها:
"ماذا... لو؟ لم أكن من تلك العائلة.
ماذا... لو؟ لو قابلته في عالم آخر وظروف أخرى.
ماذا... لو؟ لم أقابله ولم أعشقه.
ما الأساس؟ حقًا أعذر زوجته، فهي تحاول أن تحافظ على زوجها حتى ولو كانت الطريقة خاطئة."
أخذت تفكر وتفكر، وقد وصلت لقرار حاسم رغم ألم قلبها الذي يرفض هذا القرار، ولكنها ستحاول جاهدة التغلب على هذا الألم وتفعل ما انتوت عليه.
فهل ستقدر؟
وقف مالك بجانب ندى وصديقتها وهو يعطيهم أكوابًا بلاستيكية بها قهوة.
وقال:
"آنسة منه، بيتهيأ لي الوقت اتأخر عليكي، روحي دلوقتي وندى تطمنك بالفون."
وافقته ندى الرأي وقالت:
"صح يا منه، كفاية كده اتأخرتي أوي."
منه:
"يا جماعة مفيش حاجة، أنا كلمت ماما وشرحتلها اللي حصل وهي عارفة إنكم معايا."
مالك:
"الساعة داخلة على عشرة وإحنا أصلاً زي ما أنتِ شايفة قاعدين مش بنعمل حاجة. أنا هخلي عثمان يوصلك وأي جديد ندى هكلمك."
كان ذلك العاشق الجديد يقف بالقرب منهم وقد سمع ما قاله مالك، ففرح كثيرًا وقال بداخله:
"ينصر دينك يا مالوكه، أنت حبيبي وربنا."
فاق مما يفكر على صوت مالك وهو يقول:
"عثمان، معلش وصل الآنسة ورجع لنا تاني."
مثل الجدية وهو يقول:
"حاضر، اتفضلي يا آنسة."
نظرت له بخجل وتقدمت معه حتى وصلا إلى سيارته.
وقف مالك قبالتها وقال بحنان:
"اطمني، كل حاجة هتبقى كويسة."
نظرت له بحزن وقالت:
"قلبي وجعني عليها أوي، أسماء دي أطيب وأرق حد ممكن تقابليه في حياتك، متستاهلش كل اللي بيحصلها ده."
مالك:
"كله هيعدي بإذن الله وعمر هيقدر ينسيها اللي حصل."
ابتسمت لهم وقالت:
"بيتهيألك، أسماء حساسة جدًا ومش هتقدر تتحمل اللي حصل وهتحط عليها الذنب دي كمان، مش بعيد تسيب عمر عشان متعملوش مشاكل."
رد عليها بثقة:
"وتفتكري عمر هيوافق على الهبل ده؟"
نظرت له بعدم فهم، فأكمل بمغزى:
"حبيبي، إحنا لما يكون في حد يخصنا استحالة نسيبه يبعد ويفضل معانا حتى لو غصب عننا."
نظرت له بتيه وهي لا تصدق أنها سمعت منه اللفظ التحبيبي، ولكنها نهرت حالها وقالت إنه لا يقصد معناه.
قرأ أفكارها بسهولة وابتسم وهو يقول:
"متسرحيش كتير، إحنا اتفقنا إن في بينا كلام كتير، أكيد هييجي وقته، متستعجليش، اصبري عليا..."
ثم نظر لها بحنان وأكمل:
"يا حبيبي."
كادت أن ترد عليه، ولكن قاطعها رنين هاتفه الأمني، وبمجرد ما فتح الخط وسمع ما قاله الطرف الآخر، حتى برقت عيناه وانتفض العرق النابض في رقبته، حتى هي خافت من هيئته التي تحولت من الحنان إلى الغضب الكاسح.
أغلق الخط وتركها دون حديث متوجهًا ناحية أخيه الجالس بعيدًا بقلب يتألم على حبيبته ولا يعلم لماذا لم تستفيق إلى الآن وتريح قلبه الذي يعتصر دمًا عليها.
فاق من شروده على وقوف أخيه قبالته، وتوجس من هيئته، فوقف هو الآخر وقال بحذر:
"في إيه؟"
مالك بغضب:
"نتيجة تحليل الـ DNA ظهرت."
عمر:
".........."
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنري
•
رواية عمر و اسماء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن ألقى تعليماته على أخيه، أمره قلبه أن يدلف إليها حتى يراها.
أغلق الباب خلفه بهدوء، وما كاد أن يقترب منها حتى وجدها تعتدل من رقدتها.
طار قلبه فرحًا، وكاد أن يقترب أكثر حتى وجدها ترفع كفها كإشارة منها لعدم اقترابه أكثر، فثبت مكانه مبهوتًا.
وما جعل الدم يغلي في عروقه هو كلماتها السامة التي ألقتها عليه، وقلبها يقطر دمًا حين قالت:
"مكانك لو سمحت يا عمر بيه."
نظر لها بذهول، فأكملت دون أن تنظر إليه:
"أنا هقولك قراري من غير ما نتكلم في أي حاجة."
فهم ما بين السطور، وربع يده أمام صدره في انتظار باقي ترهاتها.
قالت بوجع:
"إحنا ربنا مش كاتب لنا نكمل مع بعض، والدليل إن كل ما بنقرب لازم تحصل حاجة تبعدنا وتثبت لنا إننا مش لبعض."
سالت دموعها وأكملت:
"أنا مش زعلانة، مالي مراتك عملته، بالعكس هي من حقها تحافظ على جوزها بالطريقة اللي شايفاها صح، وأنا مهما كنت بحبك عمري ما هسمح لنفسي أكون خطافة رجالة، حتى لو هموت في بعدك."
ألقت نظرة سريعة عليه، ووجدته يقف وعيونه تطلق شررًا ملتهبًا. خافت من مظهره، ولكنها مثلت الشجاعة ومسحت دموعها، ثم قالت:
"ده قراري ومش هرجع فيه، ويا ريت تحترمه. رجّع مراتك وصلّح الخلافات."
هل يتركها تكمل؟ لا، والله. في لحظة.
لحظة فقط كان وجهها بين يديه، وشفتاه تخرس ثغرها بقبلة محمومة، أخرج فيها غضبه منها، وألمه قلبه، وعشقه، وخوفه عليها.
فصلها بعد فترة، ونظر داخل عينيها المصدومتين، ثم قال وهو يضغط على نواجذه ليحاول أن يتحكم في غضبه:
"كل الهبل اللي قولتي ده، ولا كأني سمعته. مش هتكوني غير ليا، فاهمة؟ ليا أنا وبس، حتى لو غصب عنك."
كادت أن تنهره، فقبلها بقوة أكبر، ثم قال بهدوء ينافي عاصفته وغضبه:
"حمد الله على سلامتك يا سمكة قلبي. أنا كلمت الدكتور كامل وطلبتك منه، ووعدني بعد ما نخلص اللي إحنا فيه، نعمل فرح كبير وهتبقي أحلى عروسة."
نظرت له بذهول وهي تنعته بالجنون بداخلها، وقالت:
"انت إيه اللي بتعمله ده؟ أنا بقولك إيه وانت بتقول إيه؟ فرح إيه وبابي إيه اللي كلمته؟"
قاطعها أيضًا بقبلة شغوفة حالمة، وقال:
"قرارك ده ولا يلزمني يا سمكة. انتي مرات عمر الغنيمي، كل ما تستوعبي الفكرة أسرع هترتاحي أكتر."
فتحت ثغرها لتنهره، ولكنّه قام من مكانه وهو يتجه ناحية الباب، ويقول:
"هقولهم إنك فوقتي يا روحي."
التفت، ثم قذف لها قبلة في الهواء، قبل أن يتركها ليخبرهم بإفاقتها.
ابتسمت بخفوت على ذلك العاشق المجنون. وهل كانت تتوقع منه شيئًا غير الذي فعله؟ لا والله. هي تعلم أنها عشقت متسلط مستبد، وهي أكثر من راضية بذلك.
كانت رحمة تقف أمام بهيرة التي كادت أن تجن مما يحدث حولها، فقالت بعصبية:
"البنات مرجعوش لحد دلوقتي، وكمان ولا عزيز ولا كريم، حد فيهم راضي يرد على اتصالاتي."
رحمة بتفكير:
"كده مفيش قدامنا غير إننا نتصل بالرجالة اللي بتراقب أسماء. طب انتي محولتيش تكلمي ندي؟"
ردت عليها بنزق:
"ندي إيه وزفت إيه اللي أكلمها؟ تلاقيها صايعة مع ولاد الشوارع اللي ملمومة عليهم. أنا اللي يهمني أسماء، حالها الأيام اللي فاتت مش عاجبني. البنت دي لو فلتت من أيدينا هنخسر كل حاجة."
رحمة:
"حتى أنا مبقتش تكلميني زي الأول. أنا من رأيي أول ما كريم يرجع يكتب عليها عشان نضمنها هي وأبوه."
بهيرة:
"صح كده، ده اللي لازم يحصل، يا إما كل اللي عملناه هيضيع. اتصلي بسرعة بالراجل اللي مراقبها، شوفيه هيقولك إيه."
نفذت ما قالته لها، وما إن أخبرها بما حدث بهت وجهها تحت نظرات بهيرة المتعجبة. وما إن أغلقت الهاتف، قالت لها:
"مال وشك اتخطف ليه؟"
رحمة:
"بيقولي إنه كان واقف قدام باب الجامعة ولقى عربية عمر طالعة بسرعة، مشي وراها، لقاه داخل بيها المستشفى. بعدها بشوية مالك وصل هو وندي ومنه صحبتها، بعدها كامل."
بهيرة:
"كل ده وإحنا منعرفش؟ يا ترى إيه اللي حصلها؟"
رحمة:
"طبعًا إحنا مش هنقدر نكلم حد فيهم، هيقولوا عرفنا إزاي."
بهيرة بتفكير:
"أنا هكلم ندي كأني بسأل عليها عشان تأخيرها."
استحسنت رحمة الفكرة، وانتظرت رد ندي على أمها، ولكنها حاولت أكثر من مرة ولم تجد ردًا. ألقت الهاتف جانبها، وقالت بغضب:
"الحيوااااانة مش بترد عليا."
كان الجميع يقف حول فراش السمكة، بينما والدها يجلس بجانبها وهو يضمها إليه بحنان بعد أن اطمأن عليها قليلًا.
ندي:
"وقعتي قلبنا يا سيمو."
كادت أن ترد عليها، إلا أن هاتف ندي صدح باسم أمها، فابتسمت بحزن، وقالت:
"أخيرًا بهيرة هانم افتكرت إن ليها بنت تسأل عليها. بس غريبة دي، عمرها ما عملتها مهما اتأخرت."
نظرت عمر وكامل ومالك إلى بعضهما، ثم قال عمر بتفكير:
"أكيد الراجل اللي مراقب أسماء بلغهم بوجودنا هنا، وطبعًا هما مش هيقدروا يقولوا إنهم عرفوا حاجة، فبالتالي أسلم حل إنهم يتصلوا بيكي بحجة تأخيرك."
نظرت له بحزن، وقالت:
"أنا قولت كده برضه، أصلها عمرها ما اهتمت بوقت رجوعي، هي نسيتني أصلًا. صمتت لحظة وأكملت: بص يا أونكل، أنا معرفش إيه اللي حاصل معاكم، وليه انت جبت حراسة لسيمو، وليه كريم وبابي بيراقبها، بس اللي أنا متأكدة منه إنك انت اللي معاك الحق، وأيًا كان اللي ناوي عليه، أنا معاك فيه، لأني أصلًا أنا واثقة إن بابا وكريم وراهم حاجة كبيرة أوي، والأكيد إنها حاجة مش كويسة. ده إحساس."
نظر لها مالك بتعاطف، ولكنّه اغتاظ حينما وجد كامل يقف قبالتها، ويسحبها لأحضانه بحنو، وهو يقول:
"متشغليش بالك بيهم، انتي بنتي زي أسماء بالظبط، أنا اللي ربيتك عشان كده، متلطيش شبههم."
مال مالك على أخيه، وقال بهمس غاضب:
"انطق فكرش دلوقتي، ماله عمال يعفص في البنات ليه كده؟"
رد عليه بنفس الهمس وهو يحترق من الغيرة:
"وانت مبسوط قوي بيه، تقول إيه ماسورة حنية وانفجرت في وش أهالينا يا جدع."
ابتسمت تلك البريئة بخبث حينما لمحت شرارات الغيرة تتقاذف من عين حبيبها، ولكنها مثلت عدم الاهتمام، وقالت:
"بقي كده يا سي بابي، تسيب حضني عشان ندوش؟"
ضحك كامل، وجلس بجانبها دون أن يفلت الأخرى، ثم ضمها بذراعه الآخر، وقال:
"وأنا أقدر بردو؟ انتوا الاتنين نور عيني."
انتفض ثلاثتهم حينما سمعوا صرخة عمر وهو يقول:
"عمممممين؟"
نظروا له بذهول، فقام بفرك رقبته بإحراج، وقال بتلجلج:
"اا... تعالي معايا عشان نشوف الدكتور، انت نسيت ولا إيه؟"
ثم ألقى نظرة شر لتلك القابعة ببراعة، التقطها كامل وتفهم غيرته، فابتسم بكيد، وقال وهو يضمهم أكثر:
"روح انت وابقى بلغني، أنا مش هسيب بناتك."
انطلقت ضحكة الفتاتان بصخب بعد أن فهموا الحرب الدائرة حولهم، ولكنهم تفاجأوا بما قاله عمر، والذي يعد ضربًا من الجنون. حتى أخاه زهل مما سمع، ولكنّه ابتسم بخبث لما طرأ في باله هو الآخر.
انتفض كامل، ووقف يقول بذهول:
"معلش، أنا مسمعتش كويس، انت بتقول إيه؟"
عمر بثقة وتأكيد:
"بقول أنا هكتب كتابي على بنتك دلوقتي، إيه الغريب في اللي قولته؟"
بعد أن رحب عزيز بتملق زائد عن الحد في بداية مكالمته بعدنان، والذي كاد أن يسبه ويغلق في وجهه من سماجته، وجده يقول:
"أنا حابب أجي أزورك في الصعيد يا عدنان بيه، ولا عندك مانع؟"
رد عليه بخبث:
"لااااه، مانع إيه يا باشا، دانت تنور جنا كلياتها."
ضحك عزيز، وقال:
"بتكلمني صعيدي يعني؟ مع إنّي مش متعود منك على كده."
ضحك بسماجة، وقال:
"ههههههه، لجل بس أنا بتحدث وإني قاعد بين أهلي ورجالتي، ولو سمعوني بتحدث مصراوي، الهيبة هتروح."
عزيز:
"انت هيبتك محفوظة بأي لهجة يا عمده. المهم يناسبك بكرة؟"
عدنان:
"أي وقت، سرايتي ونجع الجبّالية كله مفتوح ليك يا عزيز بيه. تحب أجمع لك التجار، ولا رايد تقابلني لحالك؟"
رد عليه بسرعة:
"لا لا لا، أنا جايلك انت مخصوص. هكون عندك أنا وابني بعد العصر تمام."
عدنان:
"تنور إنت وولدك، في انتظارك."
نظر كريم لابيه بغيظ، وقال:
"انت بتدبسني ليه في المشوار ده؟ أنا مش فاضي."
عزيز بغيظ:
"خلي عندك دم، انت مش شايف الورطة اللي إحنا فيها؟ لازم تكون معايا عشان نقنعه سوا."
وجد كريم هاتفه يصدح برقم رحمة، فقال:
"دي رحمة، وأمي مش مبطلة اتصالات."
عزيز:
"أكيد في حاجة، رد بسرعة."
فتح الخط عليها، وبعد أن سألها ماذا حدث، قصت عليه كل ما عرفته من رجاله، فوقف صارخًا بها:
"لسه فاكرة تبلغيني دلوقتي يا غبية؟ والزفت التاني مكلمنيش ليه؟"
رحمة بغضب:
"إحنا بقالنا ساعتين بنحاول نوصلك، والراجل من أول اللي حصل اتصل بيك، ولما مردتش بعتلك رسالة. شوف فونك الأول بعدين اتعصب. عالعموم أنا حبيت أبلغك، وكمان لازم تعرفي إننا مش قادرين ولا عارفين نتحرك، لأن محدش فيهم بيرد على اتصالاتنا."
صمت قليلاً ليفكر، ثم قال:
"خلاص، مترنيش على حد فيهم، وأنا هتصرف."
أغلق معها، ثم حدث رجله الذي ما زال يقف أمام باب المستشفى، وقال:
"ادخل اسأل الريسبشن عن حالتها، أو أي ممرضة، اديها قرشين وخليها تقولك على اللي فيه."
نفذ الرجل تلك التعليمات التي تلقاها من رب عمله، ولكنّه حينما سأل عن حالتها في الاستعلامات، رفضوا أن يطلعوه على أي شيء.
كان في ذلك الوقت تقف بالقرب منه ممرضة تعمل هناك، توجهت له بعدما وقف حائرًا، وقالت:
"مالك يا ذوق؟ في حد يخصك هنا وعايز تطمن عليه؟"
أعقبت قولها بفرك أصبعيها الإبهام والسبابة دلالة على إعطائها المال مقابل ما يريد.
ابتسم لها، وقال وهو يخرج ورقة نقدية فئة المائتين جنيه من جيبه ويضعها في يدها:
"آه والله يا عسل، ليا واحدة قريبتي جات هنا من الصبح، وماحدش عايز يدلني عليها."
نظرت له من الأعلى للأسفل، وقالت:
"قريبتك؟ آه، ما علينا، اسمها إيه؟"
الرجل:
"أسماء كامل المصري."
الممرضة:
"اااه، البت البسكوتة اللي جات مغمي عليها الصبح."
نظر لها الرجل باهتمام، فاكملت:
"مافيهاش حاجة يا خويا، اطمن. هي شكلها مكنتش واكلة وجالها هبوط فالضغط، حاجة بسيطة يعني. مكنتش مستاهلة كل الهلومة اللي اتعملت عشانها هنا."
الرجل باهتمام:
"ليه؟ إيه اللي حصل؟"
ردت عليه بنزق:
"أول ما وصلت والدكاترة عرفوا إنها بت الدكتور كامل، قلبوا الدنيا. أشي تحاليل، وأشي أشعات، وكل ده على شوية دوخة. ولا الحرس بتاعها قبل ما يعرفوا اللي فيها جريو اتصلو بأبوها عشان يخلو مسؤوليتهم. وطبعًا أبوها جه قلب الدنيا وكان هيتجنن عليها. بس لما شاف الفحوصات بتاعتها بنفسه اطمن."
الرجل:
"طب هتخرج إمتى؟"
الممرضة:
"بكرة يا خويا. أبوها برغم إن الدكاترة قالوا له تقدر تخرجها، إنما هو صمم تبات هنا. قال إيه عشان يطمن أكتر. بلا هم، حد يلاقي دلع وميدلعش. بالاذن."
أعقبت قولها بالذهاب تجاه المصعد، وفي طريقها غمزت لأحمد الذي كان يقف بالقرب منهم متخفيًا وراء أحد الأعمدة، ليتاكد أنها ستقول ما علموه به مسبقًا دون أي خطأ.
اتصل الرجل بكريم، وأخبره بكل ما سمع من تلك الممرضة، وأغلق معه تحت غضب كريم المتصاعد من تلك "الدلوعة" كما يقول عنها دائمًا. وحينما سأله أبوه، رد عليه بنزق:
"مفيهاش حاجة، كل الحكاية ضغطها وطي شوية من قلة الأكل، وطبعًا أخوك قلب الدنيا على دلوعته الحيلة وكبر الموضوع، ما انت عارف."
عزيز بغيظ:
"الله ياخده وياخودها عشان نرتاح من قرفهم بقي."
وقف كامل مدهوشًا من تأكيد عمر على طلبه بعقد قرانه على أسماء الآن، والفتاتان تنظران له بصدمة. فاستغل مالك حالة السكون، وقال بحكمة مدروسة:
"اسمعني يا دكتور، وافهم اللي عمر كان عايز يقوله، بس معرفش يعبر عنه."
رد عليه بغيظ:
"وإيه هو بقي يا حكيم عصرك اللي أخوك معرفش يعبر عنه؟"
ابتسم مالك، واقترب منه ساحبًا إياه لإحدى المقاعد، وأجلسه عليه، وجلس هو أيضًا، ثم قال بجدية:
"طبعًا حضرتك عارف الخطر اللي حواليك إنت وهي، ومش انتو بس."
نظر له باستغراب، فاكمل:
"وندي كمان داخل دايرة الخطر."
كامل بخوف:
"طب وندي مالها؟ هما كمان ممكن يضروا بنتهم؟"
صمت مالك، ونظر للأسفل ليتحكم في غضبه، وحينما تمالك حاله، نظر له وقال:
"يا دكتور، حضرتك عارف كويس إنهم مش بيفرق معاهم حاجة، ولأن ندي غيرهم وديما في صفكم، فهم حطوها في نفس الدايرة معاكم. ده غير إنهم ناوين لها على شر من ساعة ما كانت بتتصنت عليهم وسمعت حاجات المفروض مكنتش تعرفها."
انتفضت برعب، وبرقت عيناها، ثم قالت:
"وو... ا... انت عرفت منين الكلام ده؟ محدش يعرفه أبدًا."
كامل:
"فهميني يا بني، كلام إيه اللي سمعته؟"
مالك:
"تهديدهم ليك بعد ما المركب اللي كان عليها آخر شحنة قراصنة خطفوها، وعرف قد إيه هما بيضغطوا عليك عشان تبيع الاختراع ويقدروا يعوضوا خسارتهم."
بكت تلك المسكينة حزنًا على حالها، فقام لها كامل واحتضنها بشدة، وهو يقول:
"متنبكيش يا حبيبتي، إنتي مالكيش دعوة بيهم، أنا هحميكي حتى لو حياتي هتبقى التمن."
قالت من بين بكائها:
"أنا كنت حاسة إنهم فيهم حاجة غلط، طريقتهم وحياتهم غيرك يا أونكل، واتأكدت لما سمعت كلامهم معاك. شهقت بقوة وأكملت: أنا مش قادرة أتخيل إنهم بشر زينا، إزاااي يجيلهم قلب يعملوا كده؟"
"وما خفي كان أعظم."
ظلت هكذا فترة حتى هدأت تحت نظرات الجميع المشفقة عليها، وبكاء أسماء حزنًا على رفيقتها.
بعد أن جلسوا جميعًا بهدوء نسبي، والذي كان يحرق أعصاب الأخوان، ولكن عمر لم يستطع الصبر أكثر، فقال:
"ها يا عمي، قولت إيه؟"
رد عليه بهم:
"قولت إيه في إيه بس يا بني؟ أنا مبقاش فيا عقل أفكر."
عمر بتوسل:
"خلينا نكتب الكتاب على البنات دلوقتي، دي أنسب فرصة، مش هنلاقي زيه."
نظر له باستغراب، وقال:
"بنات مين؟ مش فاهم."
رد مالك بسرعة:
"ندي وأسماء يا دكتور."
انتفضت ندي وقد عادت لطبيعتها:
"ندي مين يا حمادة اللي عايز تكتب عليها؟"
اغتاظ منها، وقال وهو يجز على أسنانه:
"لمي نفسك يا بت، أنا هسكت دلوقتي، بس كمان ساعة هتكوني مراتي وهعرف أربيكي من جديد."
ردت عليه بغضب:
"روح ربي نفسك الأول، مبقاش ناقص غير بتاع النسوان اللي مقضيها صرمحة، كمان اللي اتجوزه عشان أقعد ألف وراه ليل نهار."
مالك:
"لا الحمد لله، ربنا بلاكي بيكي عشان تكرهيني فالصنف كله."
نهره كامل قائلًا:
"ولد، احترم نفسك، ندي دي ست البنات."
عدل مالك حديثه اجتنابًا لغضبه، وقال:
"قصدي توبتني عن الحريم يا عمي، توبتني."
صرخت أسماء بهم:
"بااااااس! إيه؟ انتو خلاص لغيتوني ومليش راي؟"
عمر بشر:
"بس يا قطة، دورك جاي، اركني على جنب دلوقتي."
كامل:
"ما تحترم نفسك بقي إنت وأخوك، إيه مش مالي عينكم أنا ولا إيه؟ كل واحد عمال يشخط وينطر في البنات ولا عامل لي أي اعتبار."
اقترب منه الأخوان بتملق، وبدأ عمر الحديث:
"العفو يا عمو، إنت على راسنا."
مالك:
"اسفين يا أونكل."
نظرت الفتاتان باندهاش، وقالت أسماء:
"عمو وأونكل من مالك وعمر؟ طب إزاااي؟"
ندي:
"أدب القرود حل عليهم فجأة."
نظر الأخوان لهما بغيظ، ولكنهم صمتوا اجتنابًا لغضب كامل.
عمر:
"ها يا دكتور، اتصل بأبويا يجيب المأذون."
كامل:
"انت هتعرف أبوك؟"
عمر:
"طبعًا، هو أصلًا عارف بحبي لسمكة."
لكمه كامل في صدره بغضب، وقال:
"يا بني احترم نفسك وقدر إني أبوهاااااا."
ضحك الجميع عليهم، ولكن أسكتهم قول ندي:
"وانت بقي، ياللي عيلتك كلها ضباط، هتقبل تتجوز بنت تاجر سلاح؟"
نظر لها الجميع بحزن، ولكن ربت على قلبها ذلك مالك حين قال:
"لو كنتي إنتي نفسك تاجرة سلاح كنت هتجوزك بردو. أنا عشت طول عمري بدور على واحدة شبهك، رسمتك في خيالي من سنين وفضلت أدور عليكي في كل واحدة أعرفها، بس ملقتش ولا واحدة فيها حاجة منك، لحد ما لقيتك صدفة. ومن أول مرة عرفت إنك إنتي اللي رسمتها في خيالي، بس استهبلت شوية وكذبت نفسي، لكن إنتي اللي يحبك ميعرفش يهرب منك أبدًا."
كان يقول هذا الحديث الشجي وهو ينظر داخل عينيها بحب وثقة، ولم يلقي بالًا لمن حوله. أما هي، فتاهت في حلاوة كلماته التي نزلت على صحراء قلبها القاحلة، فأنبتت فيها ورود ورياحين تسر الناظرين.
قطع ذلك التواصل بينهما عمر حينما قال:
"بعد إذنك يا دكتور، عايزك بره دقيقة."
خرج الثلاث رجال، وما إن أغلقوا باب الغرفة وابتعدوا قليلًا، حتى قال عمر:
"في حاجة لازم تعرفها يا عمي قبل كتب الكتاب."
كامل بقلق:
"حاجة إيه يابني؟ قلقتني."
نظر عمر لأخيه بتردد، ولكنّه نظر له نظرة مفادها... قد حان وقت الحقيقة.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه مرة واحدة، ثم قال:
"ندي مش بنت عزيز وبهيرة."
برقت عينا كامل من هول الصدمة، وقال:
"........"
رواية عمر و اسماء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة الحلواني
انتفضت كل خلية في كامل من هول الصدمة وقال بغضب:
"انت اتجننت؟ ايه اللي بتقوله ده؟"
أجابه مالك:
"بيقول الحقيقة يا عمي... اخرج من جيبه مظروف أبيض ومده له وهو يقول: ده تحليل الدي إن إيه لسه مستلمه من شوية."
اختطف تلك الأوراق من يده، وحين بدأ بقرائتها جحظت عيناه وهبطت دموعه وهو يقول بتيه:
"مش معقول... لاااااا مش ممكن... استحالة."
قال عمر بتعاطف:
"لا صدق يا عمي، هي دي الحقيقة. ندي بنتك."
تساءل كامل:
"طب ازاي؟"
اقترح مالك عليهم أن يجلسوا في الكافتيريا ليتحدثوا على حريتهم. وما إن جلسوا ثلاثتهم وكان المكان فارغاً لنظر لتأخر الوقت، مما أتاح لهم التحدث بارتياحية.
بدأ كامل الحديث وهو ما زال تحت تأثير الصدمة:
"فهمني يا بني الله يكرمك، أنا هتجنن."
قال عمر:
"حضرتك كنت فاكر إن بنتك التانية ماتت ومراتك بتولدها صح؟"
أومأ كامل برأسه بجنون دلالة على صحة ما يقوله. فأكمل عمر:
"اللي حصل إن بهيرة بعد ما خلفت كريم بسنة جالها ورم في الرحم واضطروا الدكاترة إنهم يستأصلوه... وطبعاً هي خبّت الكلام ده عشان مرات حضرتك ما تشمتش فيها."
قال كامل بحزن:
"مراتي كانت أطيب خلق الله، عمرها ما تشمت في حد أبداً. دي بهيرة اللي كانت دايماً بتغير منها."
أجاب عمر:
"فاهم طبعاً. المهم فضلت مخبية لحد ما مراتك حملت لتاني مرة. تقريباً الغيرة اتحكمت فيها، فاقترحت على عزيز إنهم يقولوا إنها حامل في نفس الوقت اللي مراتك أعلنت فيه حملها. وطبعاً دفعوا مبلغ محترم للدكتور عشان يبدلوا المولود بواحد ميت، وعزيز ياخد بنت حضرتك ويسافر بيها لبهيرة اللي كانت قاعدة آخر شهر في الحمل في الصعيد."
صُدم كامل وكاد أن يقف قلبه مما سمع وقال:
"أيوه أنا فاكر إنها قالت مسافرة تولد بره، طب لييييه؟ وانت عرفت كل ده منين؟"
رد مالك:
"بدون الدخول في تفاصيل تخص شغلنا، الموضوع عرفناه بالصدفة لما كنا بندور ورا عزيز. ولما اتقال لعمر على وجود بهيرة في الصعيد وهي عاملة نفسها حامل، شكينا وبدأنا ندور وخدنا خصلة شعر من ندي وأسماء، وزي ما حضرتك شايف التحليل أثبت إنهم أخوات."
قال عمر:
"وعشان نتأكد برضه، يوم الحفلة بطريقتنا أخدنا خصلة شعر من بهيرة وعملنا تحليل، ومطلعتش ليها أي صلة بندي."
قال كامل:
"عشان كده كانوا بيعاملوها وحش... بكي بقهر وأكمل: أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط. ندي شبهي أوي، حتى طباعها فيها مني كتير عكس أسماء، كلها أمها شكل وطباع، بس كنت بقول ماهي بنت أخويا طبيعي يبقى فيه شبه بينا. عمري ما تخيلت إنهم يعملوا كده، يحرموا بنت من أمها وأبوها الحقيقيين لمجرد غيرة ستات."
نظر له عمر وقال بتوجس:
"مش عشان كده وبس."
نظر له كامل باستفهام، فأكمل:
"هما كان تفكيرهم أبعد من كده. قالوا أكيد هييجي يوم ويستفادوا من الموضوع ده، خصوصاً بعد ما اسمك في عالم الكيمياء بدأ يكبر. ولما حصل موضوع الاختراع ده فكروا إنهم لو مقدروش يقنعوك أنت وأسماء ببيعه، يبقى ندي هتكون ورقة الضغط الرابحة."
قال مالك:
"هما بقالهم تلت سنين حاطينكم تحت ضغط، بس قالوا يستفادوا منك بدخول الشحنات بتاعتهم باسمك لحد ما يلفوا الحبل حوالين رقبتك وميكونش قدامك فرصة غير إنك تعمل اللي عايزينه. وبرضه في الفترة دي استفادوا من وراك بملايين."
قال كامل:
"أنا قعدت سنتين مش عارف أنام من الخوف وعذاب الضمير. حتى المحامي بتاعي خطفوه وعذبوه عشان يقول فين أوراق الاختراع، بس هو رفض. ولما ملقوش منه فايدة أجبروه إنه يسيب شغله ويفضل في بيته، وإلا حياة أولاده هتكون التمن. وطبعاً كلنا متراقبين لحد من سنة فاتت قدر يوصل للواء نديم بعد لفة طويلة عملها عشان ما يعرفوش، وبرضه قدر يوصل لي اللي عمله بصعوبة. بعدها لقيتك أنت بتقابلني، طبعاً أنت عارف جتلي إزاي. من وقتها بدأت أطمن شوية، بس اللي عمري ما كنت أتخيله إن رحمة تبقى معاهم. دي كانت صاحبة مراتي جداً وهي اللي ربت بنتي معايا، حتى رفضت تتجوز عشان ما تبعدش عنها."
انطلقت ضحكة الأخوان معاً تحت استغراب كامل. وبعدما هدأوا قليلاً قال مالك:
"رفضت تتجوز عشان هي متجوزة يا دكتور، مش عشان بنت."
"لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام، لا صدق يا عمي، هي دي الحقيقة. ندي بنتك."
تساءل كامل:
"طب إزاي؟"
* * *
اقترح مالك عليهم أن يجلسوا في الكافتيريا ليتحدثوا بارتياحية. وما إن جلسوا ثلاثتهم وكان المكان فارغاً لنظر لتأخر الوقت، مما أتاح لهم فرصة للتحدث بعمق.
بدأ كامل الحديث وهو ما زال تحت تأثير الصدمة:
"فهمني يا بني الله يكرمك، أنا هتجنن."
قال عمر:
"حضرتك كنت فاكر إن بنتك التانية ماتت ومراتك بتولدها صح؟"
أومأ كامل برأسه بجنون دلالة على صحة ما يقوله. فأكمل عمر:
"اللي حصل إن بهيرة بعد ما خلفت كريم بسنة جالها ورم في الرحم واضطروا الدكاترة إنهم يستأصلوه... وطبعاً هي خبّت الكلام ده عشان مرات حضرتك ما تشمتش فيها."
قال كامل بحزن:
"مراتي كانت أطيب خلق الله، عمرها ما تشمت في حد أبداً. دي بهيرة اللي كانت دايماً بتغير منها."
أجاب عمر:
"فاهم طبعاً. المهم فضلت مخبية لحد ما مراتك حملت لتاني مرة. تقريباً الغيرة اتحكمت فيها، فاقترحت على عزيز إنهم يقولوا إنها حامل في نفس الوقت اللي مراتك أعلنت فيه حملها. وطبعاً دفعوا مبلغ محترم للدكتور عشان يبدلوا المولود بواحد ميت، وعزيز ياخد بنت حضرتك ويسافر بيها لبهيرة اللي كانت قاعدة آخر شهر في الحمل في الصعيد."
صُدم كامل وكاد أن يقف قلبه مما سمع وقال:
"أيوه أنا فاكر إنها قالت مسافرة تولد بره، طب لييييه؟ وانت عرفت كل ده منين؟"
رد مالك:
"بدون الدخول في تفاصيل تخص شغلنا، الموضوع عرفناه بالصدفة لما كنا بندور ورا عزيز. ولما اتقال لعمر على وجود بهيرة في الصعيد وهي عاملة نفسها حامل، شكينا وبدأنا ندور وخدنا خصلة شعر من ندي وأسماء، وزي ما حضرتك شايف التحليل أثبت إنهم أخوات."
قال عمر:
"وعشان نتأكد برضه، يوم الحفلة بطريقتنا أخدنا خصلة شعر من بهيرة وعملنا تحليل، ومطلعتش ليها أي صلة بندي."
قال كامل:
"عشان كده كانوا بيعاملوها وحش..." بكي بقهر وأكمل: "أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط. ندي شبهي أوي، حتى طباعها فيها مني كتير عكس أسماء، كلها أمها شكل وطباع، بس كنت بقول ماهي بنت أخويا طبيعي يبقى فيه شبه بينا. عمري ما تخيلت إنهم يعملوا كده، يحرموا بنت من أمها وأبوها الحقيقيين لمجرد غيرة ستات."
نظر له عمر وقال بتوجس:
"مش عشان كده وبس."
نظر له كامل باستفهام، فأكمل:
"هما كان تفكيرهم أبعد من كده. قالوا أكيد هييجي يوم ويستفادوا من الموضوع ده، خصوصاً بعد ما اسمك في عالم الكيمياء بدأ يكبر. ولما حصل موضوع الاختراع ده فكروا إنهم لو مقدروش يقنعوك أنت وأسماء ببيعه، يبقى ندي هتكون ورقة الضغط الرابحة."
قال مالك:
"هما بقالهم تلت سنين حاطينكم تحت ضغط، بس قالوا يستفادوا منك بدخول الشحنات بتاعتهم باسمك لحد ما يلفوا الحبل حوالين رقبتك وميكونش قدامك فرصة غير إنك تعمل اللي عايزينه. وبرضه في الفترة دي استفادوا من وراك بملايين."
قال كامل:
"أنا قعدت سنتين مش عارف أنام من الخوف وعذاب الضمير. حتى المحامي بتاعي خطفوه وعذبوه عشان يقول فين أوراق الاختراع، بس هو رفض. ولما ملقوش منه فايدة أجبروه إنه يسيب شغله ويفضل في بيته، وإلا حياة أولاده هتكون التمن. وطبعاً كلنا متراقبين لحد من سنة فاتت قدر يوصل للواء نديم بعد لفة طويلة عملها عشان ما يعرفوش، وبرضه قدر يوصل لي اللي عمله بصعوبة. بعدها لقيتك أنت بتقابلني، طبعاً أنت عارف جتلي إزاي. من وقتها بدأت أطمن شوية، بس اللي عمري ما كنت أتخيله إن رحمة تبقى معاهم. دي كانت صاحبة مراتي جداً وهي اللي ربت بنتي معايا، حتى رفضت تتجوز عشان ما تبعدش عنها."
انطلقت ضحكة الأخوان معاً تحت استغراب كامل. وبعدما هدأوا قليلاً قال مالك:
"رفضت تتجوز عشان هي متجوزة يا دكتور، مش عشان بنت."
"لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا"
"لا صدق يا عمي، هي دي الحقيقة. ندي بنتك."
تساءل كامل:
"طب إزاي؟"
* * *
اقترح مالك عليهم أن يجلسوا في الكافتيريا ليتحدثوا بارتياحية. وما إن جلسوا ثلاثتهم وكان المكان فارغاً لنظر لتأخر الوقت، مما أتاح لهم فرصة للتحدث بعمق.
بدأ كامل الحديث وهو ما زال تحت تأثير الصدمة:
"فهمني يا بني الله يكرمك، أنا هتجنن."
قال عمر:
"حضرتك كنت فاكر إن بنتك التانية ماتت ومراتك بتولدها صح؟"
أومأ كامل برأسه بجنون دلالة على صحة ما يقوله. فأكمل عمر:
"اللي حصل إن بهيرة بعد ما خلفت كريم بسنة جالها ورم في الرحم واضطروا الدكاترة إنهم يستأصلوه... وطبعاً هي خبّت الكلام ده عشان مرات حضرتك ما تشمتش فيها."
قال كامل بحزن:
"مراتي كانت أطيب خلق الله، عمرها ما تشمت في حد أبداً. دي بهيرة اللي كانت دايماً بتغير منها."
أجاب عمر:
"فاهم طبعاً. المهم فضلت مخبية لحد ما مراتك حملت لتاني مرة. تقريباً الغيرة اتحكمت فيها، فاقترحت على عزيز إنهم يقولوا إنها حامل في نفس الوقت اللي مراتك أعلنت فيه حملها. وطبعاً دفعوا مبلغ محترم للدكتور عشان يبدلوا المولود بواحد ميت، وعزيز ياخد بنت حضرتك ويسافر بيها لبهيرة اللي كانت قاعدة آخر شهر في الحمل في الصعيد."
صُدم كامل وكاد أن يقف قلبه مما سمع وقال:
"أيوه أنا فاكر إنها قالت مسافرة تولد بره، طب لييييه؟ وانت عرفت كل ده منين؟"
رد مالك:
"بدون الدخول في تفاصيل تخص شغلنا، الموضوع عرفناه بالصدفة لما كنا بندور ورا عزيز. ولما اتقال لعمر على وجود بهيرة في الصعيد وهي عاملة نفسها حامل، شكينا وبدأنا ندور وخدنا خصلة شعر من ندي وأسماء، وزي ما حضرتك شايف التحليل أثبت إنهم أخوات."
قال عمر:
"وعشان نتأكد برضه، يوم الحفلة بطريقتنا أخدنا خصلة شعر من بهيرة وعملنا تحليل، ومطلعتش ليها أي صلة بندي."
قال كامل:
"عشان كده كانوا بيعاملوها وحش..." بكي بقهر وأكمل: "أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط. ندي شبهي أوي، حتى طباعها فيها مني كتير عكس أسماء، كلها أمها شكل وطباع، بس كنت بقول ماهي بنت أخويا طبيعي يبقى فيه شبه بينا. عمري ما تخيلت إنهم يعملوا كده، يحرموا بنت من أمها وأبوها الحقيقيين لمجرد غيرة ستات."
نظر له عمر وقال بتوجس:
"مش عشان كده وبس."
نظر له كامل باستفهام، فأكمل:
"هما كان تفكيرهم أبعد من كده. قالوا أكيد هييجي يوم ويستفادوا من الموضوع ده، خصوصاً بعد ما اسمك في عالم الكيمياء بدأ يكبر. ولما حصل موضوع الاختراع ده فكروا إنهم لو مقدروش يقنعوك أنت وأسماء ببيعه، يبقى ندي هتكون ورقة الضغط الرابحة."
قال مالك:
"هما بقالهم تلت سنين حاطينكم تحت ضغط، بس قالوا يستفادوا منك بدخول الشحنات بتاعتهم باسمك لحد ما يلفوا الحبل حوالين رقبتك وميكونش قدامك فرصة غير إنك تعمل اللي عايزينه. وبرضه في الفترة دي استفادوا من وراك بملايين."
قال كامل:
"أنا قعدت سنتين مش عارف أنام من الخوف وعذاب الضمير. حتى المحامي بتاعي خطفوه وعذبوه عشان يقول فين أوراق الاختراع، بس هو رفض. ولما ملقوش منه فايدة أجبروه إنه يسيب شغله ويفضل في بيته، وإلا حياة أولاده هتكون التمن. وطبعاً كلنا متراقبين لحد من سنة فاتت قدر يوصل للواء نديم بعد لفة طويلة عملها عشان ما يعرفوش، وبرضه قدر يوصل لي اللي عمله بصعوبة. بعدها لقيتك أنت بتقابلني، طبعاً أنت عارف جتلي إزاي. من وقتها بدأت أطمن شوية، بس اللي عمري ما كنت أتخيله إن رحمة تبقى معاهم. دي كانت صاحبة مراتي جداً وهي اللي ربت بنتي معايا، حتى رفضت تتجوز عشان ما تبعدش عنها."
انطلقت ضحكة الأخوان معاً تحت استغراب كامل. وبعدما هدأوا قليلاً قال مالك:
"رفضت تتجوز عشان هي متجوزة يا دكتور، مش عشان بنت."
"لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا$
صعد بجواره ثم أغلق الباب وابتسم وهو يلف حول السيارة ليصعد خلف المقود.
انطلق بها وظلا صامتين لبضع دقائق، ثم بدأ الحديث قائلاً:
"متقلقيش، إن شاء الله الدكتورة هتبقى كويسة."
قالت منه بحزن:
"أنا زعلانة عليها جداً، دي اتعذبت كتير خصوصاً لما بعدت عن عمر بيه واتخطبت لكريم. الضحكة ما رجعتش ليها غير لما ظهر في حياتها تاني."
رد عليها بمغزى:
"الحب شيء جميل بيخليكي طايرة كده وشايفة كل حاجة حلوة، بس المهم إنك تختاري الشخص الصح."
قالت منه:
"عندك حق، بس في زمنا ده صعب تلاقي حد تثقي فيه لدرجة إنك تسلميه قلبك."
قال عثمان:
"بس اللي بيحب بجد قلبه بيتخطف منه، مش بيسلمه بمزاجه."
نظرت له بتفكير وهو صامت للحظة، بعدها سألها دون مواربة:
"إنتي عمرك ما حبيتي أو ارتبطتي؟"
نظرت له بصدمة، فأكمل:
"متستغربيش من سؤالي، أصل يعني إنتي ما شاء الله عليكي حلوة ومثقفة وطموحة وبنت بلد جدعة، يعني فيكي كل الصفات اللي الواحد يتمناها. أعتقد صعب إن مفيش حد فكر يرتبط بيكي، وإلا يبقى الله يرحم الرجالة ههههههه."
ابتسمت على مزحته الأخيرة وردت بخجل:
"أكيد فيه حاولوا يرتبطوا بيا، بس أنا محستش إن في حد زي ما أنت قلت كده خطفني ههههههه. يعني تقدر تقولي ديماً بحس إني أنا أرجل منهم ههههههه."
ضحك معها وقال:
"أكيد فيه اللي يقدر يشكمك، متقلقيش. اصبري على رزقك."
نظرت له بغيظ وقالت:
"إيه يشكمني دي؟ شايفني دايرة على حل شعري؟ هما اللي عيال توت."
ألقى عليها نظرة خاطفة وجدها تقول:
"هو انت ماشي بالراحة كده ليه؟ هو رجلك منملة ولا حاجة؟"
رفع يده كتهديد بلكمها، فارتدت للخلف وقالت بخوف مضحك:
"بطمن عليك يا كابتن، متبقاش أفوش كده."
قال عثمان:
"أفوش وكابتن، ياااارب صبرني على ما ابتلتني."
قالت منه:
"ويصبرك ليه يا خويا؟ كلها ربع ساعة ونوصل ونخلص."
رد عليها بجدية وقد حسم أمره:
"ومين قال إن هنخلص من بعض؟"
نظرت له بتعجب، فأكمل بثقة:
"أنا حابب أكمل حياتي معاكي، يعني تقريباً من أول ما شفتك خطفتيني، بس مكنتش لاقي الفرصة إني أفاتحك."
برقت عيناها من هول الصدمة وقالت:
"انت واعي للي بتقوله ده؟ طب مش الأول تعرف أنا مين وبنت مين قبل ما تقول الكلام ده يا باشا؟"
رد عليها بحنان:
"أسماء على حسنين بنت عم علي اللي عامل فرشة خضار على أول شارعكم، وأخوكي شغال في ورشة ميكانيكا من وهو في إعدادي لحد ما خلص كلية الحقوق، بقي يشتغل في الورشة الصبح وبالليل في مكتب محاماة. وأختك متجوزة موظف في الشهر العقاري، أما الحاجة الطيبة فهي ست بيت قاعدة تراعي عيالها بقالها كام سنة بعد ما بطلت شغل تطريز الفساتين اللي كانت بتعمله في البيت عشان تساعد في تربيتكم. ومنه.... منه أجدع وأجمل بنوتة في بنات بحري، ذاكرت واجتهدت لحد ما جابت مجموع كبير وقدرت إنها تدخل جامعة مصاريفها بالدولار بمجهودها هي مش بفلوس أهلها."
ردت عليه دون تفكير:
"يخرب بيتك، دانت ناقص تقولي بدلت سناني إمتى؟"
انطلقت ضحكاته الرجولية الصاخبة بعد أن أوقف السيارة بجانب الطريق والتف ليكون مقابلها وقال بمزاح:
"مش المودام لازم أعرف عنها كل حاجة."
قالت منه:
"متتعشمش أوي كده وتتك على المودام. الحمد لله إنك عارف عني كل حاجة، والأكيد إننا مش مناسبين لبعض يا باشا، ولا إيه؟ أنا مش بقلل من نفسي بس مش هقدر آخد واحد أهله يستغلوا بيه أو في يوم أتعاير بفقر أهلي."
نظر لها بجدية وقال:
"بعيداً عن كلامك الأهبل ده، بس أنا أصلاً من كرموز."
نظرت له بزهول وعدم تصديق، نظراً لأن تلك المنطقة من المناطق الأكثر شعبية بالإسكندرية.
ابتسم وأكد حديثه قائلاً:
"أه والله، إحنا أصلاً من كرموز. أبويا كان شغال سواق على ميكروباص، يعني حتى ما كانش بتاعه. وأنا وأخويا كنا بنشتغل أي حاجة وكل حاجة عشان نصرف على تعليمنا لحد ما ربنا كرمنا. وأنا دخلت شرطة، وهو كان هاوي هندسة، وأختي خدت كلية تجارة واشتغلت في شركة صغيرة. وبعد ما اتخرجت وبدأت أشتغل وربنا كرمني، أخدت حتة أرض في العجمي بنيت عليها بيت حواليه جنينة صغيرة. هو مش فيلا بس زي عمارة صغيرة، يعني عملت دور لأبويا وأمي، والدور التاني قسمته شقتين لأخويا وأختي، والتالت عملته كله شقة كبيرة ليا جهزتها من كل حاجة. مش فاضل غير ست الحسن اللي هتنورها وتنور حياتي معاها. يعني مش ابن زوات ولا مولود وفي بوقي معلقة دهب، أنا جبتها من تحت الصفر."
انطلقت من عينيها نظرات الإعجاب بهذا الشاب المكافح، والذي برغم مكانته التي وصل إليها إلا أنه يتحدث عن أهله وما كانوا فيه بكل فخر.
ابتسم لها وأكمل:
"ها يا مانون، أجيب الحاج والحاجة إمتى؟"
فاقت من إعجابها به وقالت:
"انت خلاص قررت مع نفسك، فاضل تسمي العيال والله."
أمسك كفها بسرعة خاطفة وقبّله، وكاد أن يتحدث إلا أنها جذبت يدها بقوة ولكمته في كتفه وهي تصرخ به:
"انت طلعت متحرررررش! يخربيتك!"
معت عيناه بشرر غاضب جعلها تنكمش على نفسها للخلف وتقول بخوف حقيقي:
"اا... أصل عمر... ما حد عملها وأنا اتفاجأت... انت هتتحول ولا إيه؟"
هدأ قليلاً وابتسم لها بحلاوة، ثم أدار محرك السيارة وهو يقول:
"أنا هكلم عم علي بكرة وآخد منه معاد على الجمعة كده يناسبك ولا إيه؟" نظر لها سريعاً وأكمل بهيمنة: "أنا بقول مناسب عشان أفوق لشغلي."
نظرت له بصدمة ولم تستطع التفوه بحرف، ولكنها تشعر بقلبها ينبض بقوة. فأي فتاة مجنونة ترفض مثل هذا الرجل الجاد الذي لم يحاول حتى أن يطلب منها أن يتعارفا أولاً، وفعل مثلما يقولون: دخل البيت من بابه.
أنهت ما حدث وهي تقول بحالمية:
"حييييييببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbzbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbbb
رواية عمر و اسماء الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن تم عقد القران، وكان الشاهد عليه عبدالرحمن وعثمان، تحت فرحة الأخوين، ذهب الجميع لغرفة أسماء ليتم توقيع الفتاتين عليه.
وما إن دخلا، حتى تحرك عبدالرحمن ناحيتهما وهو يقول:
"بسم الله ما شاء الله، بقي حتتين المارشميلو دول يجوزو جوز التيران دول؟ ياريتني ما وافقت."
انتفض الأخوان بغضب، وقال عمر وهو يجز على أسنانه:
"جري إيه يا بوب، صلي عالنبي كده، دول لسه ممضوش."
نظرت ندى لمالك بكيد وقالت:
"وشهد شاهد من أهلها، شكراً يا أونكل إنك نبهتني عشان ممضيش، وسيمو بقي براحتها."
أعقبت قولها بابتسامة متشفية اغتاظ منها مالك، وتقدم منها بهمجية وهو يقول:
"طب هتجوزيني غصب عنك بدل ما أرزعك قلم يطيرلك صف سنانك، ساااامعها؟"
احتمت خلف أبيها وقالت:
"شايف يا أونكل ابنك الهمجي بيعمل إيه مع بنت رقيقة زيي."
قالتها ببرائة مصطنعة جعلته يغتاظ أكثر، وكاد أن يتحدث إلا أن كامل أوقفه قائلاً بقله حيلة:
"يرضيك كده يا سيادة اللواء، إذا كان بيعمل كده قدامنا، أمّال بعد كده هيعمل إيه في البنات؟"
رد عليه عبدالرحمن وهو يأخذ ندى تحت ذراعه:
"ولا يقدر يعمل حاجة، ولا هو ولا البغل التاني، أنا اللي هقفله."
عمر بغضب:
"انت ضيعت الهيبة خالص يا بوب."
ضحكت أسماء وقالت:
"أخيراً لقيت اللي يقدر عليك، هههههه."
نظر لها عبدالرحمن وقال بمداعبة:
"لا غريبة، غريبة يعني مفيش كلام، زي ما الواد عمر قالي، ههههه."
احمر وجهها خجلاً، ولكنها ضحكت حينما قال عمر بغيره:
"انت هتشقط البنات مننا ولا إيه؟ ماتهدي شوية يا حج، أخدت واحدة تحت باطك والتانية فرحانة بمعاكستك ليها، وإحنا قراطيس واقفين ولا إيه؟"
جلس عبدالرحمن على الفراش وأخذ الفتاتان تحت ذراعيه وقال بكيد:
"إذا كان عاجبك، دانا ما صدقت إن هيكون عندي بنتين حلوين يطرو القاعدة بدل البغال اللي عايشين معايا."
وهكذا انطلقت ضحكات الجميع على مزاح الأب وأبنائه، وقد جعلهم يوقعون على الوثائق دون أن ينتبهوا للأسماء المدونة أعلاها، ثم أعطاهم لمالك وهو يغمز له ويقول:
"اديهم للمأذون اللي ملطوع بره بقاله ساعة، بس نبه عليه ما يوثقهمش غير لما تديله الإذن الأول، تكونوا رتبتوا الدنيا."
***
خرجت أسماء في اليوم التالي من المشفى بعد أن تعافت تماماً، إلا من كدمة صغيرة بجانب عينها. وحينما سألتها رحمة، وهو توصلها إلى غرفتها لترتاح، عن سببها، قالت:
"لما اغمى عليا، تقريباً خبطت في حاجة هي اللي عملت الكدمة دي."
رحمة بحزن:
"أنا مش هعاتبك على رعبي عليكي من امبارح، لأنك كنتي تعبانة، إنما ليا كلام تاني مع دكتور كامل وندي."
مسحت دموعها الوهمية وأكملت:
"هو أنا مش أنا اللي مربياكي، وليا حق عليكي كده؟ يسبوني قلقانة ومنمتش الليل كله وأنا مش عارفة أوصل لحد فيكم."
احتضنتها بطيبة وقالت:
"يا حبيبتي يا داده، حقك عليا، بس أنا معرفش والله، أنا فضلت تحت تأثير المهدئ لحد الصبح."
ربتت عليها وهي تبتسم بخبث وقالت:
"المهم إنك بخير يا روحي، خلاص مش زعلانة."
ابتعدت عنها أسماء وقالت بتردد:
"هو.. هو كريم مسألش عليا؟"
رحمة:
"لا، إزاي ده قالب الدنيا اتصالات بينا عشان يطمن إذا كنتوا رجعتوا ولا إيه؟"
نظرت لها أسماء باستغراب وقالت:
"أنا بسألك لأني ملقتش منه ولا اتصال على فوني، حتى متصلش بندي ولا بابي، مش غريبة دي؟"
توترت رحمة مما سمعته، ولم تجد رداً، ولكن أنقذتها تلك الطيبة وهي تقول بمزاح:
"أكيد طبعاً، هو ميعرفش أصلاً، وإنتي بتقولي كده عشان مزعلش منه كالعادة."
ابتسمت لها بتوتر، وقالت وهي تسحبها لتريحها فوق الفراش:
"بقيتي لمضة زي ندي، يلا ارتاحي على ما أجهزلك الأكل."
***
مر يومان دون جديد وسط هدوء حذر من الجميع. ولم تخرج كل من ندى وأسماء من الفيلا في هذين اليومين، بناءً على تعليمات عمر لهدف ما سنعرفه لاحقاً، وتحججاً بمرضها واحتياجها للراحة، وبالطبع رفيقة دربها سترافقها في هذه الإجازة.
وصل عزيز إلى مطار محافظة قنا، ومنه إلى سرايا الجبالي مباشرة، والتي انبهر هو وابنه بفخامتها. وبعد أن رحب بهم عدنان وقدم لهم واجب الضيافة، بدأ عزيز الحديث قائلاً:
"المكان هنا تحفة يا عدنان، متخيلتش إن الصعيد بالجمال ده."
عدنان بفخر:
"الصعيد أجمل مكان تشوفه عينك، كفاية الخضرة والهوايات النضاف اللي فيه."
كريم:
"ندخل في الشغل بقى عشان نلحق معاد الطيارة."
نظر له عدنان بتحفز وقال:
"طلباتكم؟"
تتحنح عزيز وقال:
"أنا طالب شحنة كبيرة من بره، بس مش معايا سيولة أغطيها، وطبعاً إنت شايف مشكلة البضاعة اللي اتسرقت، فأنا قولت تشاركني فيها، إيه رأيك؟"
نظر له بتفكير وحك ذقنه النابتة بيده، ثم قال:
"وأنا إيه يضمنلي إن البضاعة ماتتسرقش كيف اللي قبلها؟ شكلك في حد حاططك في دماغه يا عزيز."
كريم بتسرع:
"أكيد هنعرف اللي عمل كده، بس المهم توافق على مشاركتنا، وكمان التجار معادهم قرب ومش عارفين نجمع بضاعة، فانت لو اتدخلت أكيد هيصبروا."
عدنان:
"مانا لسه مصبرهم من أسبوعين، مهينفعش كل شوية أقول معاد وأرجع فيه."
عزيز:
"طب إيه الحل؟"
عدنان:
"ترجع لهم الفلوس اللي دفعوها، ووجتها إني هبلغهم بالمعاد الجديد، وإني أنا اللي مسؤول عن العملية الجاية."
كريم بغيظ:
"يعني إيه الكلام ده؟"
أسكته أبيه بحزم وقال:
"بس اسكت، إنت متعرفش كلمة عدنان عند التجار تسوى إيه، معني إنه يقولهم أنا اللي مسؤول، يبقى هيرفضوا ياخدوا فلوسهم وهيستنوا الشغل الجديد، افهم الكلام الأول، متبقاش متسرع."
نظر لأبيه بغيظ وصمت، بينما عدنان قال بثقة:
"كل ده يتحل، بس بشرط."
نظر له الاثنان بتحفز، فقال:
"......"
***
جلست شهيرة داخل سيارتها في أحد الأماكن الهادئة نسبياً في انتظار تلك الفتاة التي اشتركت في الاعتداء على أسماء، ولكنها صرخت حينما وجدت عمر يصعد بجانبها ويقول:
"خير يا مدام، واقفة هنا ليه؟"
ارتعرت من هول المفاجأة وبدأت تتلجلج، ولكنها لم تستطع تجميع جملة مفيدة.
فصرخ بها:
"بااااااس، اخرسي."
صمتت برعب، فقال:
"من سكات، اطلعي بالعربية."
شهيرة:
"اا... أروح فين؟"
ارتخى بجسده إلى الخلف بارتياح وقال:
"اطلعي على جليم، وأنا هقولك هنروح فين."
نفذت ما قاله وهي تنتفض رعباً من القادم، فهي لا تحتاج إلى التفكير إذا ما كان قد كشف فعلتها أم لا، فبالتأكيد قد عرف ما حدث، لذلك هو معها الآن بدلاً من الآخران.
انطلقت بسيارتها دون التفوه بحرف، وهي تحاول التحكم بالمقود بسبب انفلات أعصابها وتخيلها لآلاف السيناريوهات التي من الممكن أن تحدث.
بعد حوالي عشر دقائق من الصمت المميت، أمرها أن تصف السيارة أمام إحدى البنايات، وبعد أن دلفا إلى الداخل، قال وهو يمد يده:
"هاتي مفتاح العربية."
نظرت له باستغراب، فصرخ بها:
"اااااخلص."
أعطته إياه بيد مرتعشة، ومن ثم خرج إلى الشارع وأعطاه لأحمد الذي كان ينتظره بالخارج.
عاد إليها وصعد بها في المصعد إلى آخر طابق للبناية الشاهقة، ولم يكن في الطابق كله إلا باب واحد فقط. قام بفتحه ودفعها للداخل بقوة، مغلقاً الباب خلفه. ووقف ينظر لها بشر.
ارتدت للخلف وحاولت تمثيل الشجاعة وقالت:
"انت اتجننت؟ إيه اللي بتعمله ده وجايبني هنا لييييه؟"
اقترب منها ببطء جعلها ترجع إلى الخلف تزامناً مع خطواته، وهو يقول:
"جايبك هنا أخلص منك، غلب التلات سنين اللي عيشتهم في جحيم معاكي."
برقت عيناها برعب، ولكنها صرخت بالألم حينما جذبها من خصلات شعرها وقال:
"عشان أخلص منك، ذنب سيف اللي رمياه لأمي وللـ داده، وعمره ما عرف يعني إيه حضن الأم."
قال آخر كلماته بقهر وبدأ يكيل لها الصفعات في كل مكان تطاله يده، وهي تصرخ وتستغيث وتتوسل له أن يرحمها، فرد عليها وهو ما زال يضربها:
"وإنتي مرحمتناش ليييييه؟ كل شوية يتبعتلي صور للـ### وهي سكرانة ولا بترقص في حضن واحد زي المومس، وأناااا أقول بكرة تعقل، صبرت عليكي كتييييير، لكن تيجي تضريني في شغلي، لاااااااااا."
بعد تلك الصرخة، قذفها من يده بعد أن اقتلع عدة خصلات منها، وهي لا تكاد تلتقط أنفاسها بصعوبة وتبكي بقهر، وهو وقف يلهث أثر المجهود الذي بذله وحقده عليها لما فعلت بحبيبته.
حاولت الاعتدال فوق الأرض وقالت بغل وهي تتألم:
"كل ده عشان الحيوانة اللي داير معاها ليل نهار؟"
لكمها بقدمه في ساقها جعلها تصرخ بقوة وقال:
"أوعي تغلطي فيها، دي أنضف منك، وماله جابوكي، هي ولا جريت ورايه شبهك، ولا كل يوم بنلمها من البارات، ولا تعرف بلطجية تاجرهم عشان يضروا حد."
صمت للحظة، ثم قال بأمر وهو يجرها من شعرها فوق الأرضية يتجه بها لأحدي الغرف، وحينما دلف بها إلى تلك الغرفة التي لا يوجد بها غير فراش فقط وباب لمرحاض فارغ من كل شيء إلا من صابونة لغسيل الوجه:
"أنا كان ممكن أسجنك، بس عشان خاطر ابني بس، وسمعته لما يكبر، أنا مش هعمل كده."
ردت عليه بألم:
"طب جايبني هنا ليه؟"
ابتسم لها بشر وقال:
"لأني هحبسك هنا لحد ما تتعالجي من الإدمان والخمرة."
صرخت وهي تحاول الوقوف وقالت:
"لاااااااا، ملكش دعوة بيه، طلقني وخلص مني، بس متعملش كده، محدش طلب منك تعالجني، سااااااامع؟"
صفعها بقوة فوقعت مرة أخرى وقال:
"عشان ابنك يا حيوااااانة، لو كان عالخمرة كان مقدور عليها، إنما قدام دخلتي في سكة البودرة وبقيتي بتشمي، يبقى لازم ألحقك عشان سمعة ابني، لأني مضمنش تصرف واحدة بتشم بودرة هيبقى إيه، حتى لو طلقتها، فهاااااام."
تركها، مغلقاً الباب خلفه بالمفتاح، واتصل بأحمد ليصعد له هو ومن معه. وحينما وقف الجميع أمامه، وما كانوا إلا طبيبة لم تتخطى السادسة والعشرون عاماً، ومعها ممرضتان يبدو عليهما الغلظة.
رحب بهم ودعاهم للجلوس، ثم قال:
"طبعاً يا دكتورة، أنا فهمت كل حاجة عن حالتها، وإنتوا هتفضلوا لحد ما تتعالج، وأي حاجة تحتاجوها هتتصلي بيه أو بأحمد فوراً، هو ديماً هيكون معاكم."
الطبيبة وتدعى ريم:
"متقلقش يا فندم، كل حاجة هتتنفذ زي ما حضرتك أمرت، وفي سرية تامة."
عمر:
"أوعي تصعب عليكم أو تحاول إنها تخدعكم عشان تخرج من هنا."
ابتسمت له وقالت بثقة:
"حضرتك، أنا آه سني صغير، بس أنا كنت بشتغل مع دكتور من وأنا في الجامعة، وعندي خبرة كافية مع الحالات اللي زيها، وكمان حضرتك فدتني جداً لما شرحتلي شخصيتها وطباعها ونمط حياتها..."
نظرت تجاه إحدى الأبواب المغلقة، والذي تطرق عليه شهيرة من الداخل وهي تسب وتتوعد عمر، ثم نظرت له مرة أخرى وأكملت:
"واضح جداً إن اللي حضرتك حكيتهولي عنها مجرد نقطة في بحر، بس عالعموم اطمن، أنا بحب الحالات دي أوي، ههههه، بفش غلي فيها."
ضحك الجميع وسألها عمر باستغراب:
"ليه يعني؟ مش فاهم... لو يضايقك متحكيش."
ابتسمت له بلمحة حزن وقالت:
"لا عادي، أصل أنا أمي كانت شبهها كده، وكانت هتضيعني لولا خالتي أخدتني منها وهربت بيها وهي اللي ربتني، عشان كانت مش بتخلف، أكيد حضرتك عارف من التحريات اللي عملتها عني."
نظر لها باستغراب، فأكملت:
"طبيعي يا فندم، واحد في مركز حضرتك مش هيختار أي حد لمهمة زي دي، ههههه، وأكيد اختارتني عشان عارف إني ببقى عنيفة مع اللي شبهها، ههههه، يعني جايبني انتقملك منها مش أعالجها بس؟"
ضحك الجميع على روحها المرحة، رغم لمعة الحزن البادية في عينيها.
قالت إحدى الممرضات وتدعى سعدية:
"معلش يا بيه، أوعى تزعل منها، دكتورة ريم بتحب تهزر بس، ووالله مفيش أطيب منها، واللي في قلبها على لسانها."
ابتسم عمر بود وقال:
"بالعكس، أنا مبسوط منها، وإنها برغم كل اللي مرت بيه، إلا إنها وصلت لمكانة كبيرة في سنها الصغير، وكمان أنا عايزها تطلع عليها كل عقدها، بصي انفجري ولا يهمك."
وهكذا ضحك الجميع على مزاحه، تحت نظرات أحمد المعجبة، ويغلفها الكثير من الشفقة، ولكنه حجبها سريعاً حتى لا يجرحها.
***
وصل تميم إلى وجهته التي أرسله لها عمر، ووقف يتلفت حوله بحرص، ثم أنزل القبعة التي يرتديها فوق رأسه حتى تحجب رؤيته من خلال الكاميرات. وقد كان يرتدي زي عامل توصيل وجبات. وما إن وصل به المصعد إلى الطابق الذي يريده، حتى خرج منه وضغط على زر الجرس، وما هي إلا ثوانٍ وفتح له الباب.
وجد امرأة فاتنة بلباس عاري تقول له:
"كله ده عشان تجيبلي وجبة......."
لم تستطع إكمال حديثها حينما وجدته يدخل ويغلق الباب سريعاً، وقبل أن تنهره، أخرج منديلاً من جيبه وقام بوضعه فوق فمها وأنفها، بعد أن ألقى ما بيده على الأرض، وفي غضون لحظات كانت قد فقدت وعيها أثر المخدر الموضوع في ذلك المنديل.
تركها فوق الأرضية، واتصل بعمر عبر الهاتف الآمن، وحينما جاءه الرد قال:
"كله تمام يا شبح."
عمر:
"طب خلي الرجالة تطلع تنضف المكان بسرعة، وإنت خدها وانزل من باب الخدمة."
و فقط.
أغلق معه، وتوجه إلى الباب الموجود في المطبخ، والذي يؤدي إلى سلم خلفي للبناية. فتحه وأدخل ثلاث رجال يرتدون زي عمال صيانة المكيفات.
دلفوا جميعاً وبدأوا في عملهم المكلفين به. أما تميم، فقد أحضر حقيبة كبيرة تشبه الجوال، ووضع تلك المسجية أرضاً داخلها، وقد ساعده على ذلك هو صغر جسدها إلى حد ما.
قام بإبدال ملابسه وارتدى زي عامل نظافة، وقال للثلاث رجال قبل أن يحملها:
"نضفوا المكان كويس، مش عايز أي أثر لينا، وأهم حاجة الكاميرات اللي كنا زارعينها تتشال كلها، ركزوا كويس، مش عايز غلطة."
"تمام يا فندم."
هكذا نطق الثلاثة في نفس الوقت، وهم يؤدون التحية العسكرية بيدهم.
حملها بخفة، وهبط بها من خلال الدرج الخلفي للبناية، وحينما وصل إلى الأسفل، وجد سيارة سوداء بانتظاره ملاصقة للمدخل.
وضعها داخلها، وصعد هو الآخر، وأثناء إغلاقه للباب، كان السائق ينطلق سريعاً وهو يدير بصره على جانبي الطريق للتأكد من خلوه.
***
في تمام الساعة الحادية عشر مساءً، وقف شاب بلحية كثيفة وقصير القامة أمام بوابة فيلا الدكتور كامل، وكاد أن يدق بابها، إلا أنه وجد حارسين يلتفان حوله، ويقول أحدهما:
"على فين؟"
الشاب بزعر:
"اا... أنا معايا حاجات تخص دكتور كامل والدكتورة أسماء، عايز أسلمها لهم."
الحارس:
"حاجات إيه؟"
الشاب:
"جوابات."
نظر له الحارس باستهزاء وقال:
"هو لسه في حد بيبعت جوابات؟ ههههه."
الشاب بجدية:
"من فضلك، لازم أقابلهم ضروري."
نظر الحارس له وشعر بجديته، فقال:
"طب استنى هنا ثواني."
قام بفتح البوابة، وتوجه إلى عمر الجالس بارتياح يعبث في هاتفه، وأبلغه ما حدث، فأمره قائلاً:
"دخّلهولي، نشوف إيه حكايته ده كمان عالساعة؟"
وقف الشاب أمام عمر برهبة، ولكن تمالك حاله وأعاد عليه ما قاله للحارس.
نظر له عمر نظرة متفحصة وحك ذقنه، ثم قال:
"طب هات اللي معاك، وأنا هسلمهم بنفسي."
الشاب:
"آسف يا فندم، لازم أنا اللي أسلمهم باليد للاتنين."
نظر له بنزق وقال:
"تعالى ورايا."
وصلا إلى بوابة الفيلا الداخلية، وقرع الجرس، وبعد لحظات انتظار فتحت لهم رحمة.
عمر:
"لو سمحتي يا داده، اندهي دكتور كامل ودكتورة أسماء."
نظرت له رحمة باستغراب، فأكمل:
"في واحد عايز يقابلهم ضروري."
رحمة:
"و الواحد ده ملوش اسم؟ وعايزهم في إيه في الوقت المتأخر ده؟"
رد عليها بغيظ مكتوم:
"كل ده أنا حققت فيه بقالي نص ساعة، مش هتعلميني شغلي؟ إنتِ اتفضلي اندهلهم بقى."
انتفضت من صرخته، التي كان يتعمدها حتى لا تطيل الحديث أكثر، وذهبت لاستدعائهم.
وبعد لحظات، كان كامل يقف أمام الشاب، ومن خلفه... أسماء... ندى... رحمة... بهيرة.
فقال موجهاً حديثه للشاب:
"خير يا بني."
مد الشاب يده بمظروف، التقطهم منه كامل، وسمعه يقول:
"دي أمانة تخص حضرتك والدكتورة بنتك."
التقطهم كامل باستغراب وقال: "إيه ده؟ ومين اللي باعتك؟"
تمهل أسماء الفرصة لاستجواب الشاب، حينما اختطفت منه المظروف المدون عليه اسمها، وما إن فتحته، حتى صرخت بقوة وغضب.
سادت حالة من الهرج والمرج، استغلها الشاب في الهروب سريعاً إلى الخارج.
نظرت لوالدها، وهي تقول بصراخ:
"........."
رواية عمر و اسماء الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة الحلواني
انقلبت فيلا الدكتور كامل بعدما فتحت أسماء ذلك المظروف الكبير ووجدت به صورًا لكريم مع حلا في أوضاع مخلة. كانا عاريين تمامًا يمارسان الرذيلة بمنتهى الفحش.
صاحب الصور فلاشة صغيرة، علموا ما بها حينما فتح كامل المظروف الخاص به، ووجد به ورقة مكتوبًا فيها:
"هو ده كريم اللي عايز تجوزه لبنتك يا دكتور... يا ريت تدور وراه لأنه بيمثل قدامكم إنه ملاك، بس هو في الحقيقة الشيطان أرحم منه. أنا بعتلك مع الصور فلاشة فيها فيديو ليه وهو بيقضي ليلة حمرا، ههههه، صوت وصورة عشان لو قالك إن الصور فوتوشوب... خلي بالك على بنتك يا دكتور."
قرأ تلك الكلمات بصوت عالٍ ليسمعه الجميع.
بهتت بهيرة من هول الصدمة وحاولت أن تدافع عن ولدها بحجج واهية:
"ا... يا جماعة اهدوا، ده أكيد حد عايز يوقع بينكم."
صرخت بها أسماء وهي تقذف تلك الصور باتجاهها:
"يوووقع! صور ابنك الحيواااان في حضن واحدة! ولسه، لسه فيه فيديو كمان! وتقولي بيوقع!"
أخذتها ندى بين ذراعيها لتواسيها وتقول:
"اهدي حبيبتي، ميستاهلش إنك تحرقي دمك عشانه، صدقيني."
نهرتها بهيرة قائلة:
"ااااخرسي يا حيوانة! بدل ما تدافعي عن أخوكي بتقويها عليه."
ردت عليها ندى بقوة:
"مش لما يبقى أخويا أصلاً."
اهتزت بهيرة من تلك الجملة وقالت بتلجلج:
"ا... قصدك إيه؟"
نظر كامل وعمر لبعضهما بمغزى، فسمعوا ندى تقول:
"قصدي إنه عمره ما حسسني في يوم إني أخته، مشفتش منه غير القسوة والإهانة."
في ذلك الوقت، تسحبت رحمة وهي تعتقد أنه لم يشعر بها أحد.
دَلفت غرفتها وأغلقت الباب خلفها واتصلت بعزيز. وحينما جاءها رده قالت بهمس غاضب:
"الحق يا عزيز، مصيبة."
انتفض من مجلسه وقال:
"في إيه يا رحمة؟ إيه اللي حصل؟"
رحمة:
"واحد جاب صور لكريم وهو نايم مع حلا، وسلمهم لأسماء وكامل، والدنيا مقلوبة."
رد عليها بصراخ:
"ازاااااي! مين ده؟"
رحمة:
"معرفش، ولد قصير وبلحية. رفض يسلم الحرس أو أي حد الظرف اللي معاه، وحتى مقلش اسمه."
عزيز:
"هو أي حد يدخل البيت كده من غير ما نعرف هو مين؟ أمال لزمة الحرس إيه؟"
رحمة:
"أسماء السبب. إحنا كنا لسه بنسأل الولد مين، لقيتها خطفت الظرف من إيد أبوها، وطبعًا صوّتت لما شافت الزفت ابنك، والدنيا اتقلبت، والولد استغل اللي حصل وهرب."
عزيز:
"يا نهاااار أسود! كامل وبنته مش هيسكتوا..."
صمت للحظة وقال:
"ادخلي على سيستم المراقبة وابعتيلي صورة الولد ده."
رحمة بغلب:
"السيستم واقع من الصبح، ومالك بقاله أربع ساعات بيحاول يصلحه هو ومهندس الصيانة."
"تعالى بسرعة انت وابنك عشان تحاولوا تصلحوا الموقف."
خرجت لهم بعد أن أنهت حديثها مع عزيز.
وجدت أسماء تحاول الخروج وأبوها يمنعها، فقالت له برجاء:
"ارجووولك يا بابي بليز، أنا لو قعدت لحظة كمان هنا هتخنق، سيبني أخرج."
كاد أن يرفض، ولكن ندى قاطعته قائلة:
"سيبها يا عمو، أنا هخرج معاها نتمشى حوالين الفيلا شوية ونرجع."
عمر:
"طب اتفضلي، وأنا هجهز الحرس."
صرخت به قائلة:
"لاااااااا! سااااامع! مش عايزة حد معايا، سيبوووني فحااالي بقيا!"
أعقبت صرختها بالهرولة إلى الخارج، أعقبتها ندى.
أما عمر، فوقف مبهوتًا مما فعلته، ونظر إلى كامل ليعرف ماذا عليه فعله، فقال له بحزن:
"سيبها يا ابني، هي أكيد محتاجة تبقى لوحدها بعد الصدمة الكبيرة اللي حصلتلها. أنا مش قااادر أصدق كريم... كريم اللي أنا مربيه يعمل كده في بنتي! أنا هتجنن!"
أخيرًا تدخلت رحمة وقالت:
"اهدي يا دكتور، أكيد في حاجة غلط، اصبر لما كريم يرجع، وأكيد هيكون عنده تفسير للي حصل."
نظر لها عمر بغيظ ووجه حديثه إلى كامل قائلاً:
"بعد إذنك يا دكتور، أنا هروح ورا الآنسات وهمشي وراهم من بعيد عشان تبقى مطمئن."
كامل:
"روح يا ابني، وخليك وراهم، أنا خايف البنت تعمل في نفسها حاجة."
في ذلك الوقت، كانت تسير أسماء وندى متجهتين ناحية إحدى الحدائق داخل المجمع، وكان يسير خلفهم من بعيد الرجل المكلف بمراقبتهم من قبل كريم. وأثناء سيره وهو يصب جام انتباهه عليه، تفاجأ بفتاة ارتطمت به بقوة، فوقعت على إثرها أرضًا.
مال عليها ليساعدها على الوقوف وهو يقول:
"آسف يا آنسة، والله مك..."
قطع حديثه صراخها به وهي تمسك به من مقدمة ملابسه وتقول:
"اااااسف! آه يا حيوااااان يا متحرش! والله لاوديك في داهية!"
تفاجأ الرجل من هجومها عليه وحاول الخلاص منها حينما نظر للبعيد ولم يرى أي أثر للفتاتين، فقال بغضب:
"تحرش إيه! الله يخربيتك، غوري خليني أشوف اللي ورايا."
صرخت به وهي متشبثة في ملابسه:
"و ااااالله ما هسيبك غير فالقسم! الحقوووووني يا نااااااااس!"
صدم الرجل حينما وجد ثلاث عمال نظافة يمسكون به ويكيلون له السباب، وأخرج واحدًا منهم هاتفه واتصل بشرطة النجدة التي أتت في غضون دقائق وألقت القبض عليه تحت زهوله مما حدث، وابتسامة متشفية من تلك الفتاة التي غمزت في الخفاء لأحد رجال عمر الواقف على مسافة يتابع ما يحدث باهتمام.
أما الفتاتان، فبمجرد ما اختفيا عن أنظاره، هرولا سريعًا ناحية إحدى الأشجار الكبيرة البعيدة عن الأنظار، والتي كان موضوعًا بجانبها حقيبة ورقية.
أمسكتها أسماء وأخرجت ما بداخلها، وما كان غير عباءتين من اللون الأسود وبحوزتهم نقاب بنفس اللون.
ارتدياهما سريعًا فوق ملابسهما وساروا في الاتجاه المعاكس حتى يصلوا إلى وجهتهم المتفق عليها.
ندى:
"أنا حاسة إني في فيلم أكشن والله. بعدين هما الناس اللي رايحينلهم هيقبلونا كده عاد؟"
سرحت أسماء فيما حدث داخل المشفي يوم عقد القران بعدما انفرد بها عمر.
فلاش بااااااااك
_____________
بعد أن وقعت الفتاتان على وثيقة الزواج وتمازحا قليلاً، قام عبد الرحمن من مجلسه وقال موجهًا حديثه لكامل:
"تعالى معايا يا كامل يا أخويا نشربلنا اتنين قهوة ونتكلم شوية، إلا العيال خدوني على مشمي وملحتش أتكلم معاك ونتعرف على بعض."
فهم كامل أن الأب يريد خلق مساحة لأبنائه حتى يتحدث مع زوجاتهم، فقال بابتسامة هادئة:
"اتفضل يا سيادة اللواء."
نظر له بغيظ وقال:
"بقولك إيه، أنا عندي حساسية من الألقاب، وأنا بقولك يا كامل يا أخويا وانت تقولي سيادة اللواء."
أعقب قوله بسحبه من يده وهو يكمل بمزاح وهو متوجه إلى الخارج:
"أقولك تعالى نتفاهم فالموضوع ده واحنا بنشرب القهوة على رواق."
خرج به ولكن التف إلى الخلف وغمز لوالديه وقال:
"سربتهولكو، استفردوا بالمزز بقي، ارفعوا راسي هاااارد."
عمر بوقاحة:
"اطمن يا بوب، هطلعهالك حامل في توأم."
ضحك مالك واختفى الأب، وصدمت الفتاتان من تلك العائلة الوقحة، فقالت ندى بغيظ:
"أنا قاعدة معاكم على فكرة."
اقترب منها مالك وهو يسحبها من يدها ويقول:
"هي البعيدة مفيش دم؟ الواد عايز يستفرد بالحتة بتاعته بعد ما بقت المودام."
نظرت له بغيظ وقالت:
"انتوا سفلة على فكرة، وبعدين انت ساحبني وراك على فين؟"
غمز لها بوقاحة وقال وهو يغلق الباب بعد أن خرج بها من الغرفة:
"هستفرد بالمودام، ولا أنا ماليش نفس."
بعد أن خرج الجميع، وجدته يغلق الباب بالمفتاح، ثم وجدته ينظر لها بعيون تقطر عشقًا واحتياجًا.
فنهضت من فوق الفراش ووقفت آخر الغرفة وهي تقول:
"انت بتبصلي كده له يا عمر؟"
"آآآفي لحظة... لحظة فقط وجدته يقتحم شفتيها في قبلة جامحة وهو يعتصر جسدها الهش بجسده القوي، بعدما ارتكنت على الحائط خلفها.
أخذ يقبلها بنهم... بعشق... بخوف... والكثير من الاحتياج، حتى كادت أن تختنق من قلة الهواء.
فصل قبلته على مضض ووضع جبينه فوق جبينها وقال بحروف تقطر عشقًا:
"قلب عمر وحياته، مباااارك عليا وجودك في حياتي بعد ما بقيتي مرااااتي... قبلها بسطحية وأكمل وعلى وجهه أجمل ابتسامة رأيتها يومًا:
"مرات عمر عبد الرحمن الغنيمي، زي ما وعدتك لما جيتلك من كام شهر، فاكرة؟"
ابتسمت له ووضعت يدها فوق صدره ثم قالت بوله:
"فاكرة، وكنت واثقة إنك هتنفذ وعدك، بس مش قادرة أصدق إنه حصل بجد يا عمر."
التقم شفتيها برفق وأخذ يقبلها برقة ورغبة والكثيييير من العشق، ثم فصلها وقال:
"لا صدقي يا قلب عمر، انتي بقيتي مراتي وبين إيديا فالحلال."
ثم نظر لها بوقاحة وأكمل:
"و مش عااارف هقدر أستحمل لحد إمتى وأنا كل حتة فيا بتصرخ عايزززززاك معايا دلوقتي."
فهمت مغزى حديثه الوقح، فاحمرت خجلًا وكزته فوق صدره قائلة:
"بطل قلة أدب بقى."
ضحك وقال بعد أن قبلها فوق رقبتها بوقاحة:
"لسه موصلتش لليفيل قلة أدب يا روحي... وزع بعض القبل المحمومة فوق عنقها ومقدمة صدرها حتى كادت أن تنهار بين يديه، ولكنها تمالكت حالها وأبعدته عنها وهي تقول ما جعله يتحول إلى بركان:
"اهدي بس يا عمر، وقولي الأول إزاي هبقى مراتك وأنا مخطوبة لواحد تاني؟"
ابتعد عنها فجأة، ولهيب الغيرة يتقاذف كالحمم من عينيه.
خافت هي من مظهره الإجرامي وألصقت نفسها بالحائط.
حينما رأى رهبتها منه، أغمض عينيه بقوة وزفر بلهث حتى يحاول تهدئة حاله، ثم فتح عينيه وأمسك يدها بحنان وهو يقبلها ويقول:
"حبيبي متخافيش مني، أنا مقدرش أأذيكي، بس أنا غيرتي وحشة."
نظرت له بحزن وقالت:
"حبيبي أنا بس بفكر معاك بصوت عالي، مقصدش أزعلك، أنا فعلاً مش عارفة هتصرف إزاي."
سحبها معه نحو الفراش، وبعد أن جلسا فوقه، ابتسم لها وقال:
"تفتكري أنا هقبل إن مراتي يتقال عليها مخطوبة لواحد تاني؟"
نظرت له بحيرة، فأكمل:
"اسمعي اللي هقولك عليه واحفظيه كويس عشان مش عايز غلطة."
هزت رأسها علامة الموافقة، وصبّت جام تركيزها على ما سيلقيه عليها، فقال:
"كريم مرافق بت شغالة معاه، وهي اللي بتنفذله كل شغله الوسخ، من غير الدخول في تفاصيل. إحنا قدرنا نصورهم وهم نايمين مع بعض."
شهقت بخجل وقالت:
"وانت شفتهم؟"
ضحك عليها وقال:
"مش أنا يا حبيبي، ده تميم، بس أوعي تقولي قدام مراته أحسن تعلقه، ههههه."
سألته باستغراب:
"وانا هعرف مراته منين عشان أقولها؟"
قبلها بسطحية وقال:
"خليني أكمل، وانتِ هتفهمي."
نظرت له باهتمام، فأكمل:
"في واحد هيجيلك الفيلا انتي والدكتور كامل يسلمكوا الصور دي، وانتي طبعًا هتعملي مفاجأة وتعملي الشويتين بتوع الستات دول، اللي هو إزاي يخونك وإني مصدومة وكده يعني... بس الله يكرمك عيشي الدور كويس عشان أنا عارفك هبلة ومش بتعرفي تكدبي، ووانتي بتصرخي متبصيش ولا لرحمة ولا لبهيرة عشان عينك هتفضحك."
ابتسمت له وقالت:
"لا متخافش، هفتكر إنك اتجوزت عليا وهعمل اللي كنت عايزة أعمله فيك، ههههه."
ضحك معها وقال:
"شطورة يا روحي. نيجي بقى لأهم جزء فالخطوة."
نظرت له بتركيز، فأكمل:
"إنتي هتترجي أبوكي إنك تخرجي تشمي هوا على أساس إنك مخنوقة وكده، وطبعًا لما أنا هقول إني هكون معاكي، انتي هترفضى، ويبقى مين اللي هيكون معاكي؟"
ردت عليه بذكاء:
"طبعًا ندى... بس انت نسيت الراجل اللي مراقبنا ديما ده."
عمر:
"لا يا حبيبي منستهوش طبعًا، إحنا هنتصرف معاه، متقلقيش. المهم أول ما تسمعي صوت خناق، تحودي بسرعة وتروحي عند الشجرة الكبيرة اللي قبل البارك، هتلاقي كيس تحتها جواه عبايات ونقاب تلبسيهم فوق هدومك."
نظرت له باستغراب:
"نقاب ليه؟ كل ده؟"
قبل يدها وقال:
"عشان أقدر أهربكم من غير ما حد يشوفكم."
سألته بحزن:
"طب هنروح فين؟"
عمر:
"أول ما تلبسوا النقاب، مش هترجعوا من نفس الطريق اللي جيتوا منه، لأ، هتلفوا من ورا المول وتدخلوا شارع عشرة، هتلاقي فيلا النعمان، أول ما تقربي منها ترنيلي من الفون الآمن اللي هتخليه في جيبك، بس صامت... وطبعًا إنتي وندى هتسيبوا تليفوناتكم في الفيلا، كان يعني خرجتم ونسيتوها."
"أول ما هترنيلي، أنا هكلم صاحب الفيلا، هيفتحلك الباب فورًا، تدخلي عنده، وبعدها هياخدك جوه الجنينة ويوديكي للفيلا اللي جنبه بتاعت عبد الله الجوهري."
نظرت له وقالت:
"هط من عالسور؟"
ابتسم وقال:
"لا يا حبيبي، هما تقريبًا عيلة واحدة، هبقى أقولك حكايتهم بعدين، هما هادين السور اللي فاصل بينهم وبانين مكانه زي جيم كده."
أسماء:
"طب وانت هتكون فين؟ وانا هقول للناس دي إيه؟ انت عارف إني بتكسف يا عمر."
احتضنها بحنان وقال:
"متخافيش يا قلب عمر ودنيته، أنا هاجيلك هناك على طول، وهما فاهمين كل حاجة، متقلقيش. بس كان لازم أعمل كده عشان اللي جاي مش سهل، وكان لازم انتي وندى تختفوا من قدامهم."
أخذها مالك ودلف بها حجرة فارغة تم حجزها مسبقًا.
وبمجرد ما أغلق الباب خلفه، جزبت يدها من يده بعنف، وارتدت للخلف وهي تقول:
"اسمع أما أقولك، كل الفيلم اللي حصل ده ولا يدخل دماغي بنكلة، وإذا كان عالجواز اللي تم ده، مجرد ما نخلص مالحكاية السودة دي، هطلقني وكل واحد يشوف طريقه."
استمع لها بغيظ وأخذ يقترب منها بهدوء قاتل.
ارتدت هيا على أثره للخلف بخوف وهي تقول:
"ابعد عني أحسنلك، انت مش قدي."
أمسكها على غفلة ولف يده حول خصرها مقربًا إياها منه، وباليد الأخرى ثبت رأسها ليفبلها بنهم دون أن تقوى على الإفلات منه.
وهل لها أن تقوى عليه؟ لاااا والله، فقد تاهت معه في حلاوة قبلتها الأولى، فقد اختطف منها ذلك المالك أول شيء... أول دقة قلب خفقت له... أول لمسة يد كانت منه... وأول قبلة كان هو سارقها.
فصل قبلته بعد فترة على مهل، ونظر لها بعشق وقال:
"بحبك."
نظرت له بصدمة وقالت:
"هااا؟"
ابتسم بحلاوة ثم قبلها بسطحية وقال:
"بحبك يا ندايا."
نظرت له بحزن وقالت:
"على فكرة انت مش مجبر تقولها، أنا عارفة إن جوازنا حصل لظروف معينة..."
لمعت عيناها بدموع الألم وأكملت:
"وبعدين أنا أجي إيه جنب البنات اللي ب..."
التهم شفتيها التي تثير جنونه حتى تكف عن تراهتها، وحاول أن يوصل لها من خلال قبلته الجامحة أنها هي... هي فقط من أغوت مالك الغنيمي وأجبرت قلبه على عشقها.
ابتعد عنها بعد فترة وقال:
"أنا مجبر أقولها فعلاً."
نظرت له بألم وكادت أن تتحدث، إلا أن قلبها قد قفز من موضعه حينما أكمل بحنان وهو يتلمس وجنتها:
"قلبي أجبرني إني أقولها، زي ما أجبرني إني أحب أجمل وأرق وأطيب وأجدع بنوتة قابلتها في حياتي."
نظرت له بعيون تلمع بالفرحة والأمل وقالت:
"بجد يا مالك؟"
ابتسم وقبلها برقة ثم قال:
"بجد يا قلب مالك. هههه، مالك الغنيمي اللي لف ودار وهو لاغي قلبه ومش بيؤمن بحاجة اسمها حب أصلًا، وقعتيه على جدور رقبته، وحبي ليكي كان أكبر من مقاومتي في إني أبعد عنك، وهفضل وراكي لحد ما أخليكي تحبيني."
نظرت له بعيون تقطر عشقًا وقالت:
"وانت مين قالك إني لسه هحبك؟"
نظر لها بتعجب وقال:
"مش فاهم."
ابتسمت بحلاوة وقالت:
"انت مش كنت سألتني إيه اللي خلاني أبقى كده؟"
مالك:
"إيه علاقة ده بده؟"
سحبته من يده وجلست به على الأريكة وقالت:
"هحكيلك."
بااااااااااك
________________
عادت أسماء من شردها فيما حدث حينما وجدت ندى تقول:
"يا بنتي فوقي بقى، متوديناش في داهية. الفيلا أهيه قريبة، رني على عمر."
انتفضت أسماء بخضة ولكنها فعلت ما قالته لها سريعًا، وبعد لحظة وجدت باب فيلا النعمان يفتح، فاقتربوا منه بتوتر ثم دلفوا إلى الداخل، وقام بدر بإغلاقه بعد أن ألقى نظرة سريعة حول المكان ليتأكد من عدم وجود أحد يتبعهم.
كانت مهره تقف مع زوجها لاستقبالهم، ومن أن وقفا قبالتها، أخذتهم بالأحضان وهي ترحب بهم مازحة حتى تخفف حدة توترهم:
"أهلاً أهلاً، نورتونا. بقولك إيه، فكي كده انتي وهي واعتبروا نفسكم في وسط أخواتكم."
بدر:
"مهره مراتي، قدامك وقت تتعرفوا على بعض براحتكم، بس حاليًا لازم نتحرك بسرعة."
أعقب قوله بالتحرك تجاه فيلا عبد الله، والثلاثة يسيرون خلفه في صمت.
بعد أن خرج عمر ممثلاً البحث عنهما، ذهب سريعًا إلى المول ومنه دلف إلى المرحاض، وجد تميم في انتظاره وهو يقول بتعجل:
".........."
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنري...
انتظروني.
رواية عمر و اسماء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة الحلواني
بدل عمر ملابسه سريعا و قام بارتداء زي عامل توصيل طلبات يعمل في احدي محال الاطعمه الموجوده المول التجاري التابع للمجمع السكني المتواجد به و الذي قد جهزه له تميم مسبقا.
قال له و هو يعدل قبعته:
"انا هتحرك دلوقت و انت اعمل الي اتفقنا عليه بسرعه انت عارف ان كل الي بنعمله معتمد علي الوقت الدقيقه بتفرق."
قال تميم:
"متقلقش يا شبح كل حاجه محسوبه بالثانيه انت اتحرك دلوقت و انا هعمل الي اتفقنا عليه و ربنا معانا."
رد عليه بتضرع نابع من قلبه:
"يااااارب."
بعد ان ترك تميم بالداخل صعد فوق دراجه بخاريه و انطلق بها سريعا و ما ان وصل امام فيلا عبدالله هبط منها و حمل عده حقائب مملوئه بالاطعمه الجاهزه.
وجد الباب مفتوح كما اتفق مع عبدالله فدلف سريعا مغلقا اياه وراءه.
بينما كان يمر داخل الحديقه كان بدر و من معه ياتي من الجهه الاخري و بمجرد ما راته هرولت اليه ملقيه بحالها داخل احضانه و هي تبكي.
القي ما بيده ارضا و ضمها بحنان ثم قال لها بعد ان قبل راسها:
"اطمني حبيبي انتي هنا بامان و كل حاجه هتخلص بامر الله."
خرجت من بين ذراعاه و قالت:
"انا خايفه عليك انت يا عمر."
شهقت و اكملت:
"خايفه يكتشفو شخصيتك و ينتقمو منك ..هموت لو جرالك حاجه ..اموت و اللللله."
رفع عنها نقابها ثم كوب وجهها وهو ينظر داخل عيناها بحب و حنان و قوه ثم قال:
"حبيبي اطمني احنا بنعمل الصح و ربنا معانا اوعي تخافي و لا تضعفي يا سمكه انا بستمد قوتي منك لو انتي ضعفتي انا هنهار و مش هقدر اكمل."
قبلت باطن يده و قالت:
"حاضر حبيبي اطمن انا قويه بيك و مش هضعف."
خرج في ذلك الوقت عبدالله ليرحب بهم و قال بمزاح:
"في اوض فاضيه كتير علي فكره بدل الفضايح دي يا شبح."
تركها و نظر له و قال بامتنان:
"انا مش عارف اشكرك ازاي علي موافقتك انهم يقعدو عندك و انك دخلت نفسك في حاجه ملكش دخل بيها بس ااا."
قاطعه عبدالله وهو يقول بجديه:
"احنا من اول معرفتنا و اتفقنا اننا اخوات و لو عالجمايل يبقي انت الي ليك عندي مش انا."
تدخل بدر قائلا:
"طب احنا ممكن ندخل جوه بدل الوقفه دي و تبقو تتحاسبو بعدين و لا ايه."
تحركو جميعا الي الداخل وجدو عائله عبدالله في انتظارهم للترحيب بهم و ما ان رأت عاليا وجه اسماء اختفت ابتسامتها البشوشه و قالت قبل ان تفقد وعيها:
"دنيااااا......."
و فقط سقطت ارضا مغشيا عليها فهرول الجميع اليها تحت صدمه عمر و من معه.
اما في فيلا عزيز بالقاهره جن جنونه بعد انهاء حديثه مع رحمه فخرج من مكتبه يصرخ علي ولده الذي كان يبدل ملابسه بالاعلي منتويا الخروج للسهر في احدي الملاهي الليليه كما اعتاد.
حينما سمع صراخ والده باسمه هبط سريعا وهو يقول:
"في ايه بتزعق كده ليه."
قال عزيز بغل:
"تعالي يا بيه شوف المصيبه الي هتقع علي دماغنا بسبب وساختك."
استغرب كريم من هجوم ابيه و قال:
"بالراحه كده فهمني في ايه بس."
قال عزيز:
"في حد بعت صورك انت و حلا لكامل و اسماء و الكل شافها و كمان باعت فيديو ليك و انت نايم معاها ههه عشان لو قولت ان الصور متفبركه يعني ...و كمان بيحزر كامل منك."
صرخ كريم بجنون وهو يخرج هاتفه:
"ازااااااي محدش يعرف علاقتي بحلا غيرك و انت اصلا حتي متعرفش مكان شقتي الي بقابلها فيها."
صرخ به بغضب:
"ااااااانت اجننت انا هعمل فيك كده."
رد عليه وهو يحاول الاتصال بتلك الحلا و قال:
"مقصدش كده طبعا .....انااااا هتجن يا بنت الكلب معقووووله."
نظر له ابيه باستفهام فرد عليه:
"تليفوناتها مقفوله ...."
صمت قليلا ثم قال:
"معقوله تكون هي لالالالالا متعملهاش."
قال عزيز:
"انتو اتخانقتو و لا هي طلبت منك الجواز مثلا."
قال كريم:
"لا خااالص هي عارفه طبيعه علاقتنا مصالح و بس . و محصلش بينا اي مشاكل . انا لازم انزل اسكندريه حالا اروح اشوفها فين."
قال عزيز:
"انا هسافر معاك لازم اهدي كامل بدل ما يقلب الطربيزه علينا و احنا محتاجنلو الايام دي اكتر من اي وقت تاني."
رد عليه كريم بشر:
"متتحايلش عليه كتير لو فكر بس يعمل حاجه هخطف الغندوره و يبقي يوريني الحراسه هتعمل ايه."
كان في ذلك الوقت يستمع عثمان و تميم لما يقولانه عبر جهاز التصنت.
فنظر الي بعضهما و قال عثمان:
"يبقي تفكير الشبح كان صح لما عمله الخطه دي عشان يخرجهم من هناك هو كان عارف ان كريم هيخطف واحده مالاتنين و هيكشف اوراقه قدام دكتور كامل لانه مضغوط عليه من الناس الي شغال معاهم بره."
قال تميم:
"ده ممكن يبيعهم مع البنات الي بيسفرهم لبيوت الدعاره عادي الله يخرب بيته."
انتفض عثمان و قال بتذكر:
"ايوووووه منه."
نظر له تميم باستغراب و قال:
"مالها يابني انت مش قابلت ابوها و حدت معاه معاد عشان تاخد اهلك و تتقدمو رسميع."
قال عثمان بخوف:
"يابني افهم كريم ده شيطان اكيد هيحس ان في حاجه غلط و ممكن يشك في كامل نفسه و كمان اختفاء البنات هتخليه يتجنن."
قال تميم:
"برده مش فاهم ايه دخل منه في كل ده."
قال عثمان:
"مش ممكن يخطفها و ياخودها ورقه ضغط عشان البنات ترجعله تاني."
قال تميم:
"احنا مفكرناش في النقطه دي لازم نكلم عمر و نقوله و اكيد هيلاقي حل متقلقش."
اخرج عثمان هاتفه ليتصل باحدا ما و هو يقول:
"انا هبعت اتنين من رجالتنا يقفو عند بيتها و هنبه عليها متنزلش مالبيت نهائي بس يارب تسمع الكلام و متقولش انت بتتحكم و بلا بلا بلا انت عارف حقوق المرأه الله يحرق الي اخترعها يا شيخ."
جاءه الرد بعد فتره فقال بغضب:
"انت مبتردش علي طول ليه."
قال عثمان:
"اسمع هبعتلك عنوان بيت في بحري و بيانات اصحابه و صورهم تاخد عفيفي و تطلع حالا علي هناك و تاخد بالك كويس مش عايز نمله غريبه تدخل العماره دي فااااهم."
قال عثمان:
"تمام و انا هتابعك بالتليفون سلام."
عقب قوله بنهاء المحادثه و بدا يرسل له كل ما يخص منه و عائلتها حتي يكونو علي درايه بمن سيحموهم.
جن جنون كامل عندما اتصل بابنته و ندي و لم يتلقي اي رد وقتها جائته رحمه و هي ممسكه بهواتف الفتيات و تقول بغيظ:
"الاتنين سايبين تليفوناتهم هنا يا دكتور اتصل بعمر يمكن يكون معاهم."
بالفعل اتصل به و انتظر الرد بقلق بالغ.
كان عمر في ذلك الوقت ينتظر افاقه عاليا من اغمائتها المفاجأه و التي تولت امرها اسماء.
حينما وجد هاتفه يصدح نظر فيه و خرج سريعا ليقوم بالرد عليه بعيدا عن تلك الاصوات المنتشره حوله.
قال عمر:
"ايوه يا دكتور."
قال كامل:
"انت بتنهج ليه كده يابني شوفت البنات هما معاك طمني."
قال عمر بحزن:
"انا عمال الف عليهم انا و رجالتي فالكومباوند كله و لسه مشوفتهومش."
قال كامل:
"يعني اييييييه."
قال عمر:
"اهدي يا دكتور هما اكيد مخرجوش بره يعني تلاقيهم قاعدين في مكان هادي يريحو اعصابهم اقفل و انا هكلمك اول ما اوصلهم بامر الله."
اغلق معه و دلف اليهم مره اخري وجد عاليا قد تم افاقتها و الجميع يجلس بقلق.
اما عاليا بمجرد ما عاد اليها وعيها اعتزرت منهم و اجلست اسماء بجانبها وهي تنظر لها بحنين.
فقالت اميره ممازحه حتي تخفف من التوتر الظاهر علي الجميع:
"مالك يا لولو هتكلي البت بعنيكي كده ليه هي صحيح حلوه حبتين تلاته اربعه بس مش كده يعني البت هتخاف منك."
ضحك الجميع علي مزحتها اما عاليا ابتسمت و نظرت الي وفاء اختها بمغزي ثم قالت:
"معلش اصلها شبه حد عزيز عليا اوي."
ردت عليها ايه بمزاح:
"خلاص بقي يا لولو خليها قاعده معانه الشهرين دول اتوحم عليها و اجيبلك العيال الي جوه دول شبهه."
ردت عليها رودينا بغيظ:
"انتي في السابع يا حاجه انا مش عارفه وحم ايه الي لسه بتتوحمي فيه لحد دلوقت دانتي بقيتي زي الفيل عايزه تلاته يقوموكي من مكانك."
نظرت لعبدالله بدموع و قالت:
"انا زي الفيل يا بوده شايف اختك."
ضمه بزراعه و قبل راسها ثم قال:
"سيبك منها يا حبيبي دي متغاظه منك عشان انتي حامل في تلاته و هي خامل في واحد بس انتي زي القمر."
ابتسمت له باتساع و قالت:
"حبيبي يا بوده طب ابعت هاتلي بقي سندوتشات شاورما."
ملست فوق بطنها المنتفخ و قالت:
"اصل نفسي ريحاله."
نظرت لها شهد بغيظ و قالت:
"يابنتي بطلي طفح بقي."
اشتكت للجالس بجانبها مثل الاطفال و هي تقول له:
"شايف يا بوده بيعملو فيا ايه."
ثم نظرت له بشر و اكملت:
"انت اكيد بتشتكيلهم مني صح."
قذف شهد و رودينا بوسادتان و قال بغلب:
"غورو في داهيه الله يحرقكم انا الي هلبس فالاخر."
كادت ان تفتعل معه مشاجره مثل العاده الا ان دخول عمر انقذه حين القي السلام عليهم ثم جلس و قال:
"الف سلامه عليكي يا حاجه انا اسف و الله بجد بسبب الازعاج الي سببتهلكم."
قالت عاليا بحنان:
"اخص عليك يا عمر كده برده هو مش ده بيتك و دول اخواتك و لا ايه الي يخصك يخصنا يابني و هنشيلهم في عنينا."
نظر لها بامتنان و قال:
"ربنا يخليكي يا حاجه."
وقف و قال:
"مش هوصيكم بقي."
ثم نظر لندي و اسماء و اكمل:
"و انتو مفيش خروج خالص حتي الجنينه ممنوع فاهمين."
نظرو له بموافقه فاكمل:
"انا هبعتلكم لبس بكره بامر الله."
اخرج هاتف من جيبه و اعطاه لندي وهو يقول:
"مالك باعتلك ده هيكلمك عليه بس اوعي اوووعي تتصلي باي حد منه و لا مالك هو الي هيتصل بيكي فاهمه."
قالت لندي:
"فاهمه حاضر."
قال عمر:
"انا لازم امشي دلوقت عشان اكمل الي ورايه."
بعد مرور عده ساعات علي تلك الاحداث قد وصل عزيز الي الفيلا اما كريم فقد ذهب الي حلا اولا فلم يجدها و حينما قام بالبحث عنها في جميع ارجاء الشقه لم يجد غير ورقه صغيره مكتوب فيها:
"( ههههههه مبروك عليك الخراب الي هيحصلك يا كيمو اخيرا انتقمت منك و اخدت بتاري منك و لسه الي جاي اكتر .....ااااه علي فكره انا مسميش حلا ...هسيبك تخمن انااااا مين )"
ضغط بغل فوق الورقه وهو يصرخ:
"حلاااااااااااااهجيبك هجيبك و هقطع من جسمك بالحته بس اعرف انتي مين و ليه عملتي كده."
اما عزيز كان يحاول ان يهدأ كامل و يبرر له فعله ابنه الشنعاء فصرخ به كامل قائلا:
"اناااا مش فالي عملو ابنك دلوقت انا فالبنات الي اختفو و ملهمش اي اثر بقالهم اكتر من اربع ساعات ..."
نظر له بحقد و اكمل:
"هو انت بنتك مش فارقه معاك يا عزيز حتي محاولتش تسال عليها كل الي همك انك تصلح عمايل ابنك الوسخه و بس."
قال بتوتر و قال:
"هااا لا ازاي هماني طبعا."
انقزته بهيره حينما مثلت البكاء و هي تقول:
"كلم رجالتك يا عزيز ييجو يدورو علي البنات ادام الحرس الي جابهم اخوك زي قلتهم."
مسحت دموعها المزيفه و اكملت:
"اناااا عايزه بنتي تنام في حضني اتصررررف."
وصل في ذلك الوقت كريم الذي جمع رجاله و اخذو يبحثون علي حلا دون جدوي حتي حينما راجع كاميرات المراقبه الخاصه بالبنايه وجدها معطله منذ يومان و قد اهمل حارس البنايه اصلاحها.
دلف اليهم وهو وسط رجاله متعمدا حتي يبث الرعب في قلب كامل.
و حينما وقف قبالته قال:
"متقلقش يا عمي انا هدور عليها و هجيبها من تحت الارض."
صرخ به كامل بحقد:
"اااانت تخررررس خااالص ملكش دعوه ببنتي انت السبب في كل ده."
نظر له كريم بشر و قال مهددا اياه:
"طب اسمع بقي يا دكتور يا ريت تهدي علي نفسك كده هاااا عشان لو متعدلتش اقسم بالله لارجعهالك في شوال سااااامع."
نظر له كامل بقهر و قال:
"منك لله منك لله انت و ابوك انتو لا يمكن تكونو بنيادمين انتو شياطين شياطين ..."
انتفض و نظر له بقوه و اكمل:
"بس انا خلااااااص مش هخاف منكم تاني انا هلاقي بنتي و اخدها و امشي من هنا و لو فكرت انت و لا ابوك تمنعوني هبلغ عنكم ان شالله اموت بعدها."
وقف عزيز قبالته و قال بتهديد صريح:
"و ممكن تموت قبل ما تلاقي بنتك عادي."
حدق به كامل برعب فاكمل الاخر دون رحمه:
"ايوه اعقل كده و اهدي انت دور من ناحيه و كريم و رجالتو من ناحيه و هنلاقيها و ياريت تنسي كل الهبل الي انت قولتو دلوقت هااااا لو عايز تحافظ علي بناتك."
نظر له كامل و قال ممثلا الاستغراب:
"بنااااتي."
ابتسم عزيز بحقد و قال:
"مش انت بتعتبر ندي زي بنتك بردو و لا ايه."
قال كامل بغضب:
"انت كمان عايز تأذي بنتك."
قال عزيز بشر:
"انا افعص اي حد ممكن يقف في طريقي حتي لو هههه بنتي ياااا ...يا اخويا."
بمجرد ما اشرقت شمس الصباح و الجميع يبحث عن الفتيات لم يغفل لاحدا جفن.
عمر و رجاله من ناحيه و كريم و رجاله من ناحيه اخري حتي حينما راجع كاميرات المراقبه الموجوده في كل مكان وجد ان اخر ظهور لهما كانا يتجهان ناحيه الحديقه.
وقتما كان كريم يتابع التصوير نظر عمر الي عامل المراقبه فغمز له الاخر علامه ان كل شىء كما اتفقا مسبقا.
فقد ارسل عمر احد رجاله المتخصصين في الالكترونيات و جعله يمحي اي تصوير للفتيات و هن يرتدين النقاب فاصبح اخر ظهور لهن قبل ان يصلا الي تلك الشجره.
و حينما سال كريم لماذا قطع التصوير هنا رد عليه العامل المختص و قال شارحا له علي احدي الشاشات العملاقه المتواجده امامهم:
"اخر كاميرا لقطتهم هنا يا فندم اما الكاميرا الي في المنطقه دي اكتشفنا انها متعطله بس الي بعدها شغاله يعني هما اختفو فالمنطقه دي."
اعقب قوله بالاشاره الي احدي الاماكن.
فصرخ به كريم:
"يعنيييي ايه ازاي كاميرا تتعطل في كومباوند كبير زي ده و كل الي فيه ناس مهمه افرض اتخطفو اعمل ايه."
رد عليه عمر ليهدأه:
"يا فندم هما مطلعوش بره الكومباوند الكاميرات الي عالبوابه مصورتهم."
قال كريم بتركيز:
"بس في عربيه سوده متفيمه خرجت في نفس الوقت الي اختفو فيه."
نظر له عمر بزهول و قال:
"فين دي انا مخدتش بالي منها."
نظر له كريم باستهزاء ثم امر العامل بتشغيل جزء معين قد لاحظه مسبقا و حينما جاءت اللقطه المطلوبه اقترب منه عمر و قال باهتمام:
"بس ثبت هنا و قربلي الصوره."
فعل ما طلب منه وجدها سياره تابعه لاحدي الهيئات السياسيه فنظر لكريم بغيظ و قال:
"دي هيئه دبلوماسيه يا كريم بيه."
قال كريم بتزكر:
"ممكن يكونو مع محمد ابن السفير و هو الي خرجهم بعربيه ابوه."
قال عمر:
"فعلا احتمال وارد انا هروحلو حالا."
قال له كريم وهو يخرج هاتفه:
"انا هتصل بيه اسرع."
حاول الاتصال اكثر من مره و لكنه وجده مغلق فنظر لعمر و قال:
"تليفونه مقفول."
قال عمر بعقلانيه:
"طب بص عشان منعملش شوشره انا هخلي مالك يروح يسال عليه في الفيلا هما ليهم كلام مع بعض و امه صاحبه امي من زمان."
فكر كريم للحظه و وجد ان الفكره منطقيه فوافق عليها.
و نفذها عمر و بعد فتره قصيره اتصل مالك به و قال:
"مش موجود من امبارح بالليل."
قال عمر:
"يعني ايه."
قال مالك:
"امه قالتلي انه خرج بالليل يسهر مع صحابه و مرجعش من وقتها."
كان كريم يستمع الي ما يقال عبر مكبر الصوت فنظر امامه بشر و قال:
"يبقي بنت الكلب ندي هي الي كلمتو عشان يهربهم و هما دلوقت يا اما معاه يا اما عند البت الصايعه بتاعت بحري."
كاد عثمان ان يهجم عليه الا ان احمد امسكه من زراعه و هو يضغط عليه و يقول بهمس:
"اهدي متوديناش في داهيه هو هيروح بحري و يتربي هناك متقلقش."
نظر له عثمان و تذكر ما فعله في الساعات الماضيه حتي يضمن حمايه حبيبته من ذلك النذل و قد نفذ ما اراده بعد عناء.
رواية عمر و اسماء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني
تذكر عثمان ما فعله بعد أن حادث عمر منذ عدة ساعات ليخبره بقلقه تجاه منه.
فلاش باك
عثمان: أنا قلقان يا شبح على منه، أنت عارف أن كريم يعرف بيتها وهو أصلًا مش بيطيقها، خايف يعمل فيها حاجة عشان يجبر ندي إنها تظهر.
عمر: أنت صح، مش لازم نسيب أي حاجة للظروف.
عثمان: وإيه الحل؟
عمر: تاخد مالك حالا وتنزل على بحري و...
بعد ساعة من تلك المكالمة، كان مالك وعثمان يجلسان مع العم علي، والد منه، في مكتب مأمور قسم الجمرك التابع لمنطقة بحري.
بدأ عثمان قائلًا: أنا آسف يا عم علي إن اضطريت أقابلك هنا، بجد آسف.
علي: طب فهمني يا ابني، أنا من ساعة ما الظابط جالي وقال لي المأمور عايزك وجابني معاه وأنا ركبي سايبة، أنت عارفنا يا ابني ناس غلابة وعلى باب الله، وعرفتك كل حاجة عننا لما جيت تقدم لبنتي.
حزن عثمان على الحالة التي وصل إليها هذا الرجل الطيب، ولكن أنقذه مالك حين قال مازحًا: ووافقت عليه إزاي يا عم علي؟ مش خايف على بنتك منه وهو زي الطور كده؟ طب كنت خدت رأيي يا راجل يا طيب.
ابتسم له الرجل ولسان حاله يقول: من أنت؟ فهم مالك عليه وأكمل: أنا مالك الغنيمي، رائد في الأمن الوطني.
ارتاع الرجل أكثر، فلكمه عثمان بغيظ وقال: الله يحرقك يا شيخ، أنت بتطمنه ولا بتخوفه؟ اكتم وأنا هتفاهم مع حماك براحة... أعقب قوله بتوجيه حديثه إلى القابع أمامهم بعدم فهم، ثم ابتسم له وقال: بص يا عم علي، ده مالك الغنيمي وأخوه عمر، إحنا ومعانا اتنين من زمايلنا ماسكين قضية صعبة شوية، وطبعًا إحنا متخفين بشخصية بودي جارد وكده، بس الناس دول لظروف معينة حاطينهم تحت المراقبة، وعشان نوصل لحد هما بدلنا كذا عربية وعملنا بهلونات عشان نهرب من المراقبة دي، وطبعًا مكنش ينفع نجيلك عند بيتك عشان نقولك عالي عايزينه، فهمت؟
ابتسم الرجل بارتياح نوعًا ما وقال: ولا يهمك يا ابني، ربنا معاكم وينصركم عليهم يا رب.
آمن الاثنان على دعائه ثم قال مالك: إحنا طالبين منك طلب صعب بس لازم توافق عشان سلامة الآنسة.
رد عليه بزعر: ليه؟ مالها بنتي؟
عثمان بترقب: الناس اللي بقولك عليهم كانوا ناويين يخطفوا ندي وأسماء، أنت عارفهم.
نظر له الرجل برعب، فأكمل: متقلقش، إحنا هربناهم وحطيناهم في مكان آمان.
علي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس؟ دول بنات زي السكر وآخر أدب وأخلاق، برغم إنهم ولاد أكابر بس كانوا بيتعاملو معانا كإنهم منا.
ابتسم مالك وقال: عارف يا حج، ما ندي تبقي مراتي...
نظر له عثمان بغيظ تحت استغراب العم علي، فأكمل بإحراج: آآآه خطيبتي يا حاج.. بس كاتب كتابي...
التفت لعثمان وقال له بغيظ: ارتحت كده؟ اديني صلحت المعلومة، يكش تكون ارتحت.
ضحك الرجل على نقارهما سوياً وارتاح كثيراً عن زي قبل، فأكمل عثمان: المهم يا حاج، طبعًا الناس دي عارفة إن منه صاحبتهم الانتيم وممكن يخطفوها عشان يضغطوا على ندي وأسماء إنهم يظهروا.
انتفض الرجل من مجلسه وقال بغضب وحمية: طب خليه واحد منهم يهوب ناحيتنا، داحنا نقطعه! أنت متعرفش جدعان بحري ولا إيه؟
وقف الاثنان قبالته وقال مالك: اهدي يا حاج، محدش قلل منكم، بس الناس دي محترفة، شغالة مع مافيا وبلاوي زرقا، هما مش هيدخلوا خناقة معاكم، دول بيسرقوا الكحل من العين من غير ما حد يحس.
ارتاع الرجل خوفًا على ابنته وقال: يا ليلة مش فايتة، وبعدين يعني البت هتضيع مني؟
عثمان: لا طبعًا يا حاج، ماهو عشان كده إحنا جاينالك.
نظر له الرجل بعدم فهم، فأكمل: إحنا مقعدين البنات مع عيلة كبيرة يعتبر جنبنا وتحت عينينا، وفي نفس الوقت مكانهم مش هيخطر على بالك حد أبدًا، وأنا مضطر آخد منه تقعد معاهم عشان أمانها.
علي: لا طبعًا، إزاي أسيب بنتي تقعد عند حد معرفوش وبعيد عن عيني؟
ظل يقنعان فيه فترة حتى اختنق مالك من رأسه اليابسة، فقال: خلاص يا حاج، خليه يكتب عليها دلوقتي عشان تبقى مع جوزها.
علي بعصبية: إززززاي يعني؟ ليه هي بايرة؟ أكتب كتابها في القسم؟
اضطر مالك أن يخرج آخر ما في جعبته حتى يرضخ لهم، فاستعمل سلطته وقال بجدية مرعبة: اسمعني بقي يا حاج، إحنا شرحنالك الموقف من جميع الجهات من غير تفاصيل تخص شغلنا، بس واضح إنك مش مقدر خطورة الموقف اللي إحنا فيه، وأنا معنديش استعداد إن القضية اللي شغالين عليها بقالنا أكتر من سنة تبوظ بسبب دماغك الناشفة دي.
ارتاع الرجل من هذا الهجوم، وحينما أراد أن يتحدث أكمل مالك قائلًا: لو أنت مش موافق على اللي قولناه، أنا مضطر أتحفظ عليك أنت وبنتك عندنا في الأمن الوطني لحد ما القضية تخلص.
ارتاع الرجل ووجه حديثه لعثمان قائلًا: كده برضه يا عثمان؟ هتخلي صاحبك يقبض على خطيبتك وأبوها؟
رد عليه مالك بغيظ: مش لسه من شوية مكنش عندك بنات للجواز، دلوقتي بقيت حمااااه؟
نظر له عثمان بغضب وقال: لا طبعًا يا عمي، مالك ميقصدش، بس فعلاً الوضع صعب.
علي ممثلًا الرضوخ: خلاص يا ابني عشان خاطرك أنت بس، أنا موافق، مش خوف ولا حاجة، لاااا، بس أنا عارف إنك راجل جدع وعايز مصلحة بنتي وهتحافظ عليها، ابعت هات المأذون.
ابتسم الاثنان وتنفسا الصعداء، وبعد مرور ساعة كان قد تم عقد قران منه وعثمان بشهادة مالك والمأذون، وبعدها حضرت منه مع أخيها وهي منتقبة، ثم أخذها عثمان إلى غرفة فارغة لتبديل ملابسها بعد أن وقعت على الوثيقة بذهول، وحينما أغلق عليهما الباب، نظرت له بصدمة وقالت باجرام: اسمع ياااض أنت، أنت خدتني على مشمي وتقدمت لأبويا وقولنا، ومالو، واد جدع ودخل البيت من بابه، إنما تستغفلني وألاقي نفسي مكتوب كتابي في القسسسسم؟ لاااااااا مش هفوتها اااا.....
أخرسها بقبلة قوية سببها الظاهر هو إخرسها، أما باطنها كان تمني أن يتذوق تلك الشفاه الممتلئة والتي حلم بها كثيرًا... فصلها بعد فترة ووجدها جاحظة العينين، فابتسم وقال: كان لازم أعمل كده عشان تسكتي شوية وأقدر أفهمك اللي المفروض يتعمل.
قالت له بذهول: أنت عملت إيه؟ هاااا؟ شهقت وأكملت: أنت اعتدت عليااااااا! والله لاعملك محضر يا مغتصب!
كادت أن تخرج إلا أنه كبلها بيديه وقال بغيظ غاضب: أنتِ هبلة يا بت، ده المأذون بذاته كان شاهد على عقد جوازنا...
كادت أن تتحدث إلا أنه زجرها قائلًا بجدية: اتهدي بقي وافهمي، مفيش وقت للهبل ده.
خافت منه وقالت بخنوع: طب براحة طيب، مش لازم تقدر الخضة اللي أنا فيها.
ابتسم ثم قبلها بسطحية وقال: ماشي حبيبي، هقدر، بس المهم افهمي اللي عايزك تعمليه دلوقتي.
نظرت له باهتمام، فأكمل: الشنطة دي فيها لبس واحدة فلاحة بتبيع جبنة وسمنة وكده يعني، هتلبسيه وهتركبي معانا، وأول ما هنقرب عالكومباوند عربية أجرة كفر الشيخ هتكون مستنيانا، هتختركي فيها والسواق هيوصلك للفيلا اللي البنات فيها، هما عارفين ومستنيينك، بس أنتِ طبعًا هتنزلي على باب الفيلا وتاخدي الحاجات اللي هتلاقيها في العربية كإن يعني أنتِ جاية تبيعيلهم وكده.
وصحاب الفيلا هيكونو سايبين خبر لأمن البوابة بدخولك تمام.
لم يجد منها رد، فأكمل: هااااا، تماااام؟
هزت رأسها سريعًا علامة الموافقة، فقال لها برجاء: ارجوكي عشان خاطري، مش عايز غلطة، أنا أصلًا هبقى مرعوب عليكي في الوقت اللي هتركبي فيه عربية تانية لحد ما تدخلي الفيلا، مع إني هبقى وراكي.
التمست الصدق في حديثه وخفق قلبها له، فقالت بابتسامة حلوة: متقلقش، أنا فهمت وهنفذ بالحرف، متخافش عليا.
ابتسم لها وهو ما زال مكانه، فنظرت له وقالت: طب إيه؟ هتفضل واقف كتير؟
نظر لها مدعيًا الغباء وقال: مستنيكي تغيري عشان نخرج سوي يا حبيبي.
رفعت شفتها العلوية ثم وضعت يدها فوق خصرها وقالت: لا ياااا شيخ، تصدق صدقت برائتك.
أعقبت قولها بسحبه من يده حتى تخرجه وهي تقول: استناني بره يا اموووور و.....
فقط أغلقت الباب بقوة بعد أن أخرجته وهي تبتسم بشماتة.
أما هو، فبمجرد ما خرج مثل الجدية وتقدم من مكتب المأذون حتى ينتظرها مع الباقي، تحت نظرات مالك الخبيثة وردها هو له بنظرات متوعدة.
باااااااااااااك
خرج الجميع من غرفة المراقبة التابعة للمجمع السكني، فوجدوا كريم يقول بعصبية: أنا رايح بحري للبِت دي، أكيد هلاقيهم عندها أو تعرف مكانهم.
رد عليه عمر ممثلًا العقلانية: مينفعش تروح هناك أنت ورجالتك يا كريم بيه، أنت عارف إنها ساكنة في منطقة شعبية وكده، الموقف مش هيبقى تمام.
كريم برعونة: عايز حد فيهم يتعرضلي وأنا أفعصه تحت رجلي.
رد عليه عمر بقلة حيلة: براحتك، عالعموم تابعني بالتليفون وأنا هروح أعمل بلاغ في القسم ورجالتي هتدور هنا تاني يمكن يلاقوهم، ومالك وعثمان هيدوروا على محمد يمكن يكون فعلاً هو اللي خرجهم.
ذهبوا جميعًا كلا إلى وجهته المزعومة، أما كريم فاصطحب معه سيارتان مليئة برجاله وانطلق بهم تجاه منطقة بحري التي تسكن بها منه، وما أن وصلوا إلى الحارة الشعبية القابع بها منزلها، أوقف سيارته هو ورجاله وهبطوا منها في مشهد مهيب جعل جميع ساكنيها يقفون ليعلموا هوية هؤلاء الغرباء.
ذهب ناحية البناية التي يعرف مكانها مسبقًا، ولكن وجد شاب ملوث بالشحوم يوقفه قائلًا: على فين يا زوووق؟
نظر له كريم بقرف وقال: أنت مالك؟
الشاب ويدعي محمود، أخو منه: يعني إيه أنا مالي؟ دا بيتنا ومفيش حد غريب بيدخل فيه.
كريم: أنا طالع لمنه علي.
نظر له محمود بغضب وكزه في صدره وهو يقول: عاااايز إيه من أختي يااااض؟
غضب كريم من هذه الإهانة وقال وهو يشير لرجاله ليكبلوه: أنت عارف أنااا مين يا ابن الكلب أنت عشان تمد إيدك عليااااااا؟
رد عليه الشاب بصراخ وهو يحاول الفكاك من رجاله: يكش تكون وزير الداخلية حتى، عااااايز إيه من أوووووختيك؟
كريم بصياح: اااااخرص بقي خليني أسألها عالي عايزو وأمشي.
غمز أحد الواقفين لمحمود، ففهم الإشارة المتفق عليها، وحينها بدأ يصرخ مستنجدًا بأهالي الحي قائلًا: الحقوووونا يا ولاد حارة الحجاااااري، جااااي يتهجم علينا في منطقتنا وبيسأل على واحدة من بناااااتكم.
و فقط. لا يعلم كريم ورجاله من أين أتى كل هؤلاء البشر حتى الأطفال، وهجموا عليه هو ورجاله على حين غفلة، ومع كثرتهم لم يستطع رجال كريم حمايته، إذ أنهالوا عليه هو ورجاله وأبرحوه ضربًا، وبرغم مقاومتهم ومحاولة رد الضربات الموجعة، إلا أن كما يقال الكثرة تغلب الشجاعة.
وفي تلك الأثناء، كان العم علي يجلس بجانب خضرواته وهو يدخن أرجيلته ويشاهد ما يحدث باستمتاع.
حتى وجد أنهم تلقوا ما يستحقونه، فقرر أن يتدخل.
ترك خرطوم أرجيلته ودخل بين الجشود وقال صائحًا: بس يااااااااض منك ليه.
و فقط. فجأة ترك الجميع كريم ورجاله ساقطين أرضًا، وحل الصمت فجأة.
اقترب من كريم الذي وقف بصعوبة وقال: لو كنت دخلت الحارة بأدب مكنش حصل ده كله.
كريم بغضب: أنااا هعرف آخد حقي مالحوش دوووول.
علي: اتلم بقي بدل ما تطلع من هنا على نقالة، وقول عايز إيه بالأدب ها؟
رد عليه كريم وهو يكتم غضبه: كنت عايز أسأل على أختي وخطيبتي، هما أصحاب واحدة ساكنة هنا اسمها منه علي.
رد عليه ببرود: دي بنتي. أنت تبقى أخو ندي البت السكرة دي، مش معقول.
رد عليه بغيظ مكتوم وقال: أيوه أنا أخوها، ممكن أكلم بنت حضرتك بقي عشان أسألها عليها؟
قال بجدية: بس يا ابني أنا بناتي سافرت عند أهلنا في الصعيد من ييجي أسبوع عشان فرح بنت عمها هناك.
كريم بشك: وأنت هتسيب بنتك تسافر الصعيد لوحدها؟ ليه؟ هو أنتو مش هتحضروا الفرح ولا إيه؟
رد عليه بحجة قوية وقال: لا طبعًا هنحضر، بس البنات هناك طلبوا مني إنها تروح تقعد عندهم كام يوم قبل الفرح، أنت فاهم بقي فرش وعفش وكده، وإحنا هنحصلوها كمان كام يوم.
نظر له بقوة وأكمل: أنا مش محتاج أبررلك حاجة، بس لجل عيون ست البنات ندي قولت أريحك.
نظر له كريم بغيظ وانطلق هو ورجاله دون التفوه بحرف.
وكان كل هذا يسجل صوت وصورة ويشاهده الثلاثة في بث مباشر من أحد رجالهم، وهم يكادون أن يختنقوا من كثرة الضحك، حتى تمالك عمر حاله قليلًا وقال وهو يلهث من كثرة الضحك: أيوووه، ده أخد علقة، يا لهوي مش قاااادر!
أما له بـشماتة: كان نفسي عم علي يصبر شوية ويسيبه يتعجن، هههه.
عثمان: أنا هموووت وأعرف هيقولنا إيه لما يرجع وهو متشلفط كده، ههههه.
عمر: أنا هخلي حمدي يبعتلي الفيديو وأبعته للبنات، خليهم يضحكوا شوية، ههههه.
بعد أن تمالك حاله، قام بإرسال المقطع المصور لحبيبته، ثم بعد ذلك قام بإجراء اتصال آخر، وحينما جاءه الرد قال كلمة واحدة: نفذ.
و فقط. نظر للقابعان أمامه بقوة ونصر، فقال له مالك: حلوة الفكرة دي، كده هيتلّهوا عننا شوية لحد ما نقدر نتصرف مع دكتور كامل في البلوة اللي اكتشفناها.
عثمان: برضه متستهينش بيه، ده دماغه ذرية، بيفكر وينفذ تلتين حاجة في وقت واحد.
عمر: متقلقش، مش هيعرف يشغل دماغه من كثر اللي هيشوفه.
صدح صوت هاتفه باسم والدته، فاستغرب اتصالها ورد سريعًا: ست الكل.
رقية بغضب: أنا مش هتكلم معاك دلوقتي في حاجة، بس حالا تكون قدامي، ساااامع.
ذهل من هجومها ورد عليها بمهادنة: في إيه بس يا ماما؟ أنا في شغل دلوقتي.
رقية بغضب: سيب كل اللي في إيدك وتعالى حالا، حماك وحماتك هنا وقلبين الدنيا عليك عشان بيتصلوا بيك مش بترد.
زفر باختناق وقال: حاضر يا ماما، نص ساعة وأكون عندك.
أغلقت الهاتف في وجهه، فتجهمت ملامحه، وحينما سأله أخيه ماذا حدث، رد عليه بحنق: حمايا وحماتي عندنا في البيت، أكيد طبعًا عايزني أدور على الهانم.
عثمان: أنت مقلتلهمش اللي عملته.
عمر: لا، نسيت.
كانت جميع الفتيات والنساء مجتمعين في فيلا عبدالله يتسامرون معًا، بينما كان رجالهم في العمل.
صدح صوت هاتف أسماء، ففتحت سريعا، وحينما قامت بفتح الرسالة صرخت قائلة: اووووه ماااي جااااد! مش ممكن!
نظر لها الجميع بدهشة، بينما سألتها منه: في إيه يا غريبة؟
نظرت لها ثم قالت لأميرة: بليز أميرة، ممكن توصلي الفون بالتي في؟
ابتسمت لها وقالت بمزاح: من عووونيه يا غريبة، تصدقي بالله أنتِ والبسكوتة اللي محسسانا إننا غفر مش بنات، ههههه.
ضمّتها عالياً بذراعها وقالت بحنان: دي حتة سكر، إيش جابكم أنتو يا غجر ليها.
ابتسمت لها بخجل، بينما قالت إيه بعدما ابتلعت الطعام الذي كانت تلتهمه: جري إيه يا ماما؟ أنتِ من ساعة البت دي ما جت عندنا وأنتي واخداها في حضنك وشغالة غلط فينا دلوقتي مش عاجبينك يا عاليا؟ مااااشي، هقول لبوده.
ردت عليها ببرود: والشبشب هيرد عليكي أنتِ وبوده يا قلب أمك.
قطع حديثها ظهور المعركة الطاحنة التي حدثت في حارة منه.
صدم الجميع مما شاهدوا أمامهم، ولكن الثلاث فتيات كانوا ينظرن بشماتة، فقالت ندي بتشفي: طب والله يستاهل العلقة دي، يكش كانت عملتله ارتجاج في المخ ونخلص، ههههه.
منه بضحك: لا ومحمود أخويا عاش الدور أوي، ههههه.
وفاء: ما تفهمونا يا ولاد مين دول وإيه اللي مفرحكم كده؟
أسماء: اللي بيضرب جامد ده يا أنطي هو السبب في وجودنا هنا، ده كريم ابن عمي.
خجلت ندي منه وأكملت بحزن: وأخويا...
ضمتها شهد التي كانت تجلس بجانبها وقالت بعفوية: والنبي ولا يشبهلك في حاجة.
ثم نظرت لها وأكملت بمزاح: بصي، حاجة من الاتنين، يا إما أنتِ اتبنيتي، يا إما هو لقوه على باب المعبد اليهودي.
ههههههههههه، هكذا انطلقت ضحكاتهم على مزحتها، ثم قالت منه: ما تتصلي بعمر يا سيمو، خليه يفهمنا إيه اللي حصل، هموت وأعرف.
ردت عليها بتعقل: مقدرش يا منه، هو نبه عليا أنا وندي منتصلش بيهم خالص، هما اللي هيكلمونا.
لم تكد تنهي حديثها حتى وجدته يهاتفها، فابتسمت باتساع واحمر وجهها خجلًا، حينما قالت رودينا: أهووو الحب الحب بيتصل، قلبه حاسس يا عين أمهم.
هرعتها عاليا وقالت: اتلمي يا بت منك ليها.
ثم نظرت لأسماء وقالت بحنان: ادخلي يا حبيبتي كلميه من أوضة المكتب براحتك.
هرولت سريعًا وبعدما أغلقت الباب، غلفها وفتحت الخط، سمعته يقول بحروف تقطر عشقًا: حبيبي، وحشتيييييني، هموووت عليكي.
ابتسمت بحب وقالت: وأنت كمان أووووي.
عمر: طمنيني عليكي، مرتاحة عندك؟
أسماء: جدا والله يا حبيبي، متتصورش الناس اللي هنا جمال قد إيه، أنا أول مرة أعيش جو العيلة وأجرب الدفى والحنية دي كلها.
ابتسم بحب وقال: هتعيشيه معايا حبيبي، المهم خدي بالك من نفسك ومتنسيش اللي اتفقنا عليها.
أسماء: مش ناسيه والله، متقلقش.
دلف مالك إلى غرفة الورود الخاصة بكامل، الذي كان متواجد بها دون أن يراه أحد.
فتفاجأ به وقال: مالك! إيه اللي دخلت هنا؟ إحنا مش متفقين على مقابلة.
نظر له بقوة واصرار ثم قال: افتح الباب ده.
أعقب قوله وهو يشير بعينه نحو مكان ما بالغرفة.
بهت كامل وتصبب العرق فوق جبينه ثم قال برعب: ........
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
انتظروني.
رواية عمر و اسماء الفصل العشرون 20 - بقلم فريدة الحلواني
انقلبت الدنيا رأسًا على عقب حينما انتشر المقطع المصور لضرب كريم ورجاله على مواقع التواصل الاجتماعي، وتناولته القنوات الإخبارية بعناوين مختلفة.
"ما وراء ضرب رجل الأعمال كريم المصري داخل إحدى الحارات الشعبية؟"
"كريم المصري لقيّن درسًا قاسيًا لتهجمه على أحد أهالي الحي."
"هل سبب ما حدث هو ما علمناه من مصادرنا حول اختفاء كل من أسماء كامل المصري وندي عزيز المصري؟"
"لماذا ترفض عائلة المصري الإدلاء بأي تصريح عما حدث حتى الآن؟ ولماذا يقومون بالتعتيم على اختفاء الفتاتين رغم تحرير محضر باختفائهما في أحد أقسام الشرطة؟"
أمسك قطعة كريستالية وقذفها في الحائط بغل وهو يصرخ:
"لازم أعرف مين اللي ورا كل ده، مش معقول كل ده صدفة."
ثم نظر لعمر وأكمل بصياح:
"وأنت مين اللي أمرك تهبب محضر؟ إحنا ناقصين فضايح."
كاد عمر أن يهجم عليه إلا أن أخاه أمسكه بقوة ورد عنه:
"أنت مش مركز، دي حاجة ترجعلك، إنما تقل أدبك مش هسمحلك."
كريم بغضب:
"وأنت بقي اللي هتعلمني الأدب يا بودي جارد أنت؟"
قبل أن يرد عليه، نهره كامل قائلاً:
"أاااحترم نفسك بقي، أنت ناسي البنات اللي مختفية وكل اللي همك الإعلام."
عمر:
"يا دكتور، أصلًا لما هو صمم يروح بحري، أنا قولته بالنص: أنت روح وأنا هروح أقدم بلاغ في القسم، ومالك وعثمان هيكملوا تدوير في الكومباوند. هو بقي مش مركز، دي حاجة ترجعله، إنما لازم يعرف حدوده ويعرف هو بيتعامل مع مين. إحنا مش مجرد بودي جارد زي ما بيقول، وأنت عارف كويس تاريخ عيلتنا، ياريت تفرق بينا وبين رجالتك اللي مش عارف رجل أعمال زيك إزاي يمشي وراه بلطجية."
اهتز من التلميح الصريح الذي ألقاه عمر، ولكن وجد عزيز يقول:
"خلاص يا عمر، متزعلش. المهم عايزين نشوف حل للمصيبة اللي وقعت على دماغنا، وكمان البنات اللي مش باينلهم أثر دول."
مالك:
"أنا عشان خاطر الدكتور كامل بس، هخلي مهندس مختص عندي يدخل يمسح المقطع ده من على جميع المواقع."
كريم بغل:
"وهيفيد بإيه بعد ما الأخبار أعلنت عنه والكل بيتكلم وبيسأل؟"
بهيرة:
"اعمل مؤتمر صحفي كدب فيه كل ده، اعمل أي حاجة تنقذنا من الفضيحة."
رحمة:
"ده فيديو يا بهيرة هانم، مش صور عشان يكذبها."
كامل بحزن:
"أنتم بتفكروا في إيه بس؟ كل اللي هاممكم شكلكم قدام الناس ومش مهتمين بالبنتين اللي الله أعلم راحوا فين ولا عاملين إيه؟ ياااارب نجيني مالي أنا فيه، ياااارب تعبت."
تدلف إليهم عثمان ومعه ضابط من الأمن الوطني يصاحبه قوة من الشرطة. تفاجأ به الجميع، لكن وقف قبالته مالك لمعرفته المسبقة به وقال:
"أدهم باشا، خير؟"
رد عليه الضابط أدهم، الذي كان زميلًا له فيما مضى، وقال:
"مالك باشا، إزي حضرتك؟ وحشنا والله."
رد مالك له التحية ثم قال:
"تسلم يا كبير، خير إن شاء الله."
أدهم:
"معايا أمر باستدعاء عائلة المصري."
وقف الجميع قبالته بصدمة، فقال عمر:
"ليه يا باشا؟ هو أمر قبض عليهم ولا استدعاء؟"
أدهم:
"لا، استدعاء بسبب الخبر اللي انتشر."
كريم:
"بس دي خناقة عادية، مش مستاهلة أمن وطني. وبعدين أصلًا أنا مقدمتش بلاغ."
أدهم:
"يا فندم، مش عشان الخناقة بتاعت حضرتك اللي اتضربت فيها."
كتم الأخوان ضحكتهما بصعوبة، فهما يعلمان طريقة كيد ذلك الأدهم.
كريم بغيظ:
"إيه اتضربت دي؟ ما...."
قاطعه كامل بغضب:
"أاااخرس بقي، خلينا نفهم."
نظر له أدهم بغبث وقال:
"آسف يا فندم، مقصدش أحرق دمك."
ثم نظر لكامل وأكمل:
"حضرتك لازم نحقق معاكم بسبب اختفاء بنات سيادتكم."
عزيز:
"مفيش حد مختفي، دول في رحلة."
كامل بغضب صرخ به:
"لاااااااا، مختفيين بقالهم يومين. لو أنت مش هماك بنتك، أنا مش مستغني عن بنتي ولا عن ندي كمان."
عزيز بحقد:
"أنت كده هتفتح العيون علينا."
التقط أدهم تلك الكلمة وأمسك بها ثم قال:
"لا، لازم توضح. يعني إيه هتفتح العيون؟ إيه اللي عندك تخاف عليه أكتر من بنتك يا عزيز بيه؟"
ارتبك كثيرًا وتصبب العرق فوق جبينه وهو يلعن حاله بسبب زلة لسان ستودي به إلى التهلكة. ولكن أنقذه عمر حينما قال:
"قصده إنهم رجال أعمال وليهم اسمهم في السوق، وأنت عارف الحاجات دي بتأثر على شغلهم إزاي."
تنفس الصعداء بعدما رأى اقتناع ذلك الأدهم بما قاله عمر... أمممم، أو هكذا ظن.
أدهم:
"طيب يا جماعة، اتفضلوا معايا كلكم عشان أنا جايلي توصية من وزير الداخلية نفسه إن اهتم بالقضية دي عشان خاطر طبعًا الدكتور كامل ليه قيمة كبيرة في البلد."
كريم بهمس غاضب:
"لحقت تخليها قضية؟"
التقط همسه أدهم وقال بسماجة:
"بتقول حاجة يا فندم؟"
ابتسم له باصفرار وقال:
"بقول يلا بينا عشان نخلص."
تجهزوا جميعًا للرحيل، ولكن رحمة ظلت كما هي. فنظر لها أدهم وقال:
"وأنتي كمان يا ... دادة رحمة، مش كده؟"
نظرت له باستغراب وقالت:
"أنا مجرد مربية، إيه فايدتي معاكم؟"
أدهم:
"حسب معلوماتي إنك أنتي اللي مربية البنات، يعني أنتي أهم واحدة ممكن نعرف منك معلومات تفيدنا في البحث عنهم."
امتثل الجميع لأوامره وذهبوا معه بسياراتهم الخاصة، حتى عمر قرر الذهاب معهم ليتابع سير التحقيق. وقبل أن يصعد سيارته، نظر لأخيه نظرة مفادها:
"نفذ الآن."
في الشقة المحتجزة بها شهيرة، كان الوضع كارثيًا. فقد ثارت شهيرة المحتجزة داخل إحدى الغرف بعدما فاقت من جرعة المهدئ التي تناولتها منذ بضع ساعات. وها هي تصرخ وتطرق الباب بقوة حتى يفتحوا لها. وحينما لم تجد ردًا من الجالسات في الخارج، بدأت تسبهم وتقول:
"أنتي يا حيوااااانة منك ليها، افتحوووو الباااااب! أنا هوديكم في داهية يا ولاد الكلب اللي هنا و كفى."
لم تستطع الطبيبة ريم أن تتحمل سبابها، خصوصًا لأبيها الراحل الذي كان يمثل لها كل شيء في حياتها التي خربت بعد وفاته. لولا عناية الله ووقوف خالتها معها، يعلم الله ما كانت ستصبح عليه الآن.
وقفت بغيظ وهي تنوي الذهاب إلى تلك الحرباء، فأوقفتها إحدى الممرضات تدعى خيرية وقالت:
"اهدي يا دكتورة، سيبك منها."
ريم بغضب:
"والله ما هسيبها عشان تتلم وتبطل شتيمة. أنا أصلًا مش طايقاها، والباشا موصي عليها. سيبوني أديها نصيبها بقي."
أعقبت قولها بالذهاب سريعًا إلى تلك الغرفة، ثم قامت بفتحها. وحينما كادت التي بالداخل عليها، تفاجأت بإمساك ذراعها وثنيه بقوة إلى الخلف من قبل ريم، فصرخت بألم. ولكنها صدمت حينما سمعتها تقول:
"اسمعي يا ولية أنتِ، أنا أكتر حد بكره في الدنيا الأشكال الوسخة اللي شبهك. وأنا أصلًا دخلت المجال ده مش عشان أعالجكم وأرحم الناس من شركم، بس لااااا عشان أربيكم وأعرف كل واحدة فيكم يعني إيه تبقي بني آدمة. فاتلمي كده واهدي عشان تعدي فترة علاجك على خير، سااااامعة؟"
أعقبت صرختها بالضغط فوق ذراعها بقوة أكبر، جعلتها تصرخ وتبكي وهي تطلب منها الرحمة.
بعد فترة، كانت شهيرة مكبلة فوق الفراش، وتم وضع شريط لاصق فوق فمها حتى تمنع صرخاتها العالية.
جلست ريم بارتياح فوق أحد المقاعد وهي تقول:
"بتبصيلي كده ليه يا خيرية؟"
نظرت لها بحنان مغلف بشفقة وقالت:
"لحد إمتي يا بنتي هتفضلي تطلعي غلك من اللي أمك عملته فيكي في كل اللي حواليكي؟ انسي يا بنتي وعيشي حياتك."
نظرت لها بدموع وقالت:
"أنسي إيه؟ أنسي إن بعد ما أبويا مات، يا دوب العدة خلصت وراحت اتجوزت صاحبه اللي كان طمعان في فلوس أبويا؟ ولا أنسي حبسها ليا طول الوقت في أوضتي أول ما بدأت أكبر ولاحظت نظرات جوزها الذبالة ليا؟"
فرت منها دمعة فمسحتها سريعًا وأكملت:
"ولا أنسي إنها كانت هتسلمني ليه عشان يديها شمة بودرة، لولا إن ربنا بعتلي خالتي هي اللي أنقذتني وهربتني منهم."
تنفست بهم وقالت:
"اسكتي يا خيرية، أنتِ مش حاسة بحاجة. أنا كل ما بشوف واحدة شبهها بفتكرها وبطلع كل غيظي فيها. نسوان عايزة الحرق."
التفتت إليها الممرضة الأخرى وتدعى أم حسن. جلست بجانبهم وقالت:
"والنبي تستاهل يا ست ريم، أحسن ربيها."
ثم نظرت لها بخبث وقالت:
"إلا هو سيـ أحمد بيه مش جاي النهارده؟"
توترت نظرات ريم وقالت:
"و... وأنا إيش عرفني أنا؟"
ضحكت الاثنتان عليها، فوقفت من بينهم وقالت بغيظ وهي تشاور لهما بإصبعها:
"اسمعي منك ليها، اللي بتلمحوا ليه ده شيلوه من دماغكم، ماااشي؟ مش كل ما تلاقوا واحد حليوة حبتين يبقي خلاص هو ده العريس المنتظر."
ضحكت خيرية وقالت:
"نفسنا نفرح بيكي يا دكتورة، والواد بسم الله ما شاء الله طول بعرض بحلاوة، وكمان ظاااابط يعني لو طلبناه تفصيل مش هيبقى كده."
صرخت ريم وقالت:
"ياااااالهههههههوي! أنا سيباهالكم مخضرة عشان أرتاح منكم، الله يحرقك منك ليها يا شيخة."
ضحكت المرأتان عليها، ولكن من داخلهما يبتهلان إلى الله أن يرزقها رجلاً يعوضها عما عانته في حياتها. فهي طيبة القلب وخلوقة وبها كل ما يتمناه أي رجل في شريكة حياته، وقد عانت كثيرًا في بداية حياتها وتستحق أن تحظى برجل يعوضها عما رأته في حياتها.
وصل الجميع إلى مقر الأمن الوطني وبدأ التحقيق معهم واحدًا تلو الآخر. وقد شدد كريم على دكتور كامل ألا يذكر شيئًا عن تلك الصور التي وصلت لهم وتسببت في كل ما حدث.
جلس كامل في المقعد المقابل لمكتب أدهم ومعه عمر. فبدأ الأخير حديثه قائلًا بابتسامة نصر:
"جدع يا أدهم، أنت سبكت الدور على الآخر."
ضحك أدهم وقال:
"تربيتك يا شبح. بعدين الواد ده أنا أصلًا مش طايقه ومصدقت إنه وقع في إيدي."
تدخل كامل في الحديث قائلًا:
"طب إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ ولما أخرج أقولهم إيه؟"
عمر:
"زي ما اتفقنا بالظبط. هتقول إنهم سألوك عن صحابها معارفها، إيه اللي يخليها تسيب البيت كده يعني..."
ثم نظر لأدهم وقال:
"أهم حاجة يا أدهم تطول معاهم الوقت على قد ما تقدر، وعايزك تعصرهم تمام."
ابتسم له وقال:
"متقلقش يا شبح، بص هصفيهم لك مش هعصرهم بس."
نظر له كامل وقال بخوف:
"طب أنا كده مش هعرف أشوفها؟"
تعاطف معه عمر، ولكن رد بعقلانية:
"يا دكتور كامل، حضرتك عارف إيه اللي هنعمله بالظبط. أرجوك استحمل لحد ما نخلص منهم، وبعدها تتجمع أنت وعيلتك وتقدروا تعيشوا في أمان. بس أنت لازم تحكيلي ليه زيفت موت مراتك عشان أقدر أوصل الخيوط ببعضها. لو مكنتش نسيت تشيل القلم اللي تميم أداهولك، مكناش اكتشفنا وجودها."
فرت دمعة حزينة من كامل وهو يقول:
"أنا بقالي 15 سنة بحاول أعالجها، وكنت بموت كل لحظة بشوفها فيها وهي قدامي ومش حاسة بالدنيا. أنا بعد ما اكتشفت إنهم حقنوها بمادة سامة بتسبب شلل كلي، بعدها بتضغط على عضلة القلب لحد ما يوقف، مكنتش عارف أعمل إيه ولا مين اللي عمل فيها كده. من ستر ربنا ورحمته بيا إن رجعت اليوم ده بدري عشان كنت تعبان. هما كانوا مخططين إنها هتموت قبل ما أنا أرجع من شغلي متأخر كالعادة، وطبعًا اتفاجئوا بيه رجعت بدري. دخلت لقيتها نايمة عادي، بس قلبي كان مقبوض معرفش ليه. ولما حاولت أصحّيها عشان أطمئن عليها لقيتها مبتردش، جريت بيها على المستشفى وهما كانوا معايا."
تنفّس بهم وأكمل:
"وكانوا متفقين مع الدكتور إنه يقولي إنها وصلت ميتة، ودفعوا له فلوس كتير، بس الدكتور كان عنده ضمير وفهمني على الاتفاق من وراهم. وكنت هبلغ عنهم، بس هو قالي: أدام عملوها مرة يقدروا يعملوها تاني، ومتضمنش اللي هيلجأوا له ده عنده ضمير ولا لأ، وكمان مفيش دليل عليهم، حتى أنا لو شهدت برضه مفيش دليل."
"جاتلي الفكرة في وقتها، اتفقت معاه إننا نزيف موتها، وإنه يدخلها العناية المركزة باسم وهمي لحد ما نعمل تحاليل ونعرف إيه هي المادة اللي ادوهالها."
"وفعلًا جبت جثة من المشرحة ودفنتها بدالها، وفضلت في المستشفى أكتر من شهرين عايشة على الأجهزة، ومفيش أي علاج نافع معاها."
"الدكتور فقد الأمل وقالي أشيل الأجهزة من عليها عشان مفيش أمل، وأنا كده بعذبها وبعذب نفسي. رفضت نهائي، وما صدقت إنهم قالوا هيروحوا الساحل أسبوع يغيروا جو. قولتلهم ياخدوا أسماء معاهم وأنا هحصلهم بعد يومين."
ابتسم بحزن وأكمل:
"كنت مطمن على بنتي مع رحمة، وقولت استحالة تسيبهم يأذوها. اتاريها هي الحية اللي بتلدغ الكل من غير ما حد يحس بيها."
"المهم، جبت اتنين عمال تبع الدكتور ده وحفروا تحت الأوضة بتاعة الزرع وعملولي أوضة تانية جهزتها من كل حاجة عشان تفضل عايشة. وفضلت طول عشر سنين بحاول أخترع علاج يقدر ينقذها. لحد من خمس سنين اخترعت مصل وبدأت أحقنها بيه، وفعلاً استجابت ليه وفتحت عينيها وقدرت أشيل الأجهزة من عليها. فضلت سنتين بالحالة دي لحد ما اخترعت العلاج اللي نفع معاها، وبدأت تتكلم بسيط وتحرك صوابعها، وواحدة واحدة اتحركت. بس وقتها حصل التهديد، فمقدرتش أظهرها ليهم، وفهمتها على كل حاجة، وهي الحمد لله بقولها سنة رجعت طبيعية ومستحملة الحبس اللي هي فيه عشان خاطر بناتنا. دي كل حكايتي."
نظر له الاثنان بتعاطف كبير، ثم قال أدهم بزهول:
"أنا مش قادر أتخيل قوة تحملك يا دكتور، بجد قدرت تستحمل كل ده إزاي؟"
ابتسم له بحزن وقال:
"دي مش بس مراتي وأم بناتي، لا دي بنتي وحبيبتي وكل حياتي."
ابتسم بحنين وأكمل:
"شفتها صدفة وهي عيلة بضفاير لسه في تانية ثانوي، وفضلت وراها لحد ما رضيت تكلمني. بس لما عرفت إني من عيلة غنية حبت تبعد، لأنها من عيلة فقيرة ولا أهلي ولا أهلها هيوافقوا بجوازنا. بس أنا صممت أفضل معاها، وكان حبنا أقوى من قرار البعد."
"فضلنا مع بعض أربع سنين، ولما أبويا الله يرحمه رفض يجوز عزيز أخويا للبنت اللي بيحبها عشان فقيرة وصمم يجوزه بهيرة، عرفت إني كمان هبقى زيه. سكت ومجبتش سيرتها لحد."
"وفي يوم قابلتني وهي منهارة من العياط عشان أبوها مصمم يجوزها لواحد جارهم. خدنا القرار في لحظة، طلعنا عالمأذون واتجوزنا."
"ولا هي رجعت لأهلها، ولا أنا عرفت أهلي. خمس سنين عشناهم مع بعض في السر لحد ما أبويا مات. بعدها جبتها الفيلا وعرفتها على عزيز ومراته، وكان كريم وقتها عنده حوالي تمن سنين. طبعًا عزيز اتغاظ وحقد عليا لأنه مقدرش يعمل زيه، بس كتم جواه. بعدها بسنة حملت في أسماء وكنا طايرين من الفرح، لأني كان عندي مشاكل في الخلفه وكنت بتعالج كل الوقت ده وهي صبرت عليا وعمرها ما حسستني بأي حاجة."
"بعدها بسنتين خلفت ندي، وأنت عارف الباقي."
عمر:
"وطول السنين دي مكانتش بتتواصل مع أهلها؟"
كامل:
"كانت كل فترة بتكلم أختها الكبيرة من ورا أبوها اللي اعتبرها ماتت، وساعات كانوا بيتقابلوا. بس بعد اللي حصل، أنا اتشغلت بيها ومحاولتش أتواصل مع أختها وأعرفها اللي حصل."
عمر:
"طب أختها محاولتش تجيلك تسأل عليها؟"
كامل:
"دنيا مكنتش معرفاها مكانها أو أي حاجة عني، كانت خايفة أبوها يضغط عليها وتعرفوا مكاننا وتحصل مشاكل."
زفر عمر بهم وقال:
"أنا كل اللي شايل همه مقابلتهم مع بعض. مين كان يصدق إن أم عبدالله اللي بناتك قاعدين في بيتها، تبقى هي أخت مراتك. أنا اتفاجأت بيها أول ما شافت أسماء قالت: دنيا، واتغمى عليها. وبعدها سألت عبدالله وقالي إنها شبه أختها الصغيرة وحكالي الحكاية باختصار، وإنهم حاولوا يدوروا عليها كتير بس للأسف مقدروش يوصلوا لأي حاجة. بعدها وريت صورة لمراتك لأم عبدالله وأكدتلي إنها أختها وانهارت، بس طبعًا هديتها وقولتلها متجبش سيرة لحد خالص لحد ما أفهم كل اللي حصل منك. وطبعًا مكنش فيه فرصة نتكلم فيها أنا وأنت لوحدنا غير دلوقتي."
كامل:
"هو مالك عوديها دلوقتي هناك؟"
عمر:
"أيوه، بس فيه حاجة كمان هتقلب الدنيا أكتر ما هي مقلوبة."
نظر له باهتمام، فاكمل:
"ندي... ندي هتعرف إنها بنتك، لأن مراتك عارفة وأكيد مش هتقدر تتحكم في مشاعرها قدامها وهتقولها."
زفر كامل بغلب ولم يجد ما يقوله.
فتدخل أدهم في الحديث قائلًا:
"أنا دماغي لفت وربنا، الله يكون في عونك يا دكتور، مش عارف أنت قدرت تستحمل كل ده إزاي وقادر تتمالك أعصابك وتكمل."
رد عليه كامل وفي عينيه نظرة عشق مغلفة بالتصميم:
"لما تكون بتعشق مراتك وبتحب ولادك أكتر لأنهم منها، هتبقى مستعد تعمل أي حاجة في الدنيا عشان تحافظ عليهم."
مازحه عمر حتى يخفف عنه ما به:
"ده أنت طلعت حبيب قديم يا عمي، يكش بقي ترحمني أنا وأخويا وتعرف إننا إحنا كمان بنعشق بناتك."
ضحك كامل وقال:
"إذا كان عليا أنا مقدور عليه، إنما أمهم هتطلع عينيكم دي هتبقى حمى صعبة. أنا بحذرك من الأول عشان تعرف تتصرف معاها."
ضحك عمر وقال:
"لا متقلقش، سيبها على الله."
داخل غرفة الورود، كان يقف كلاً من مالك وعثمان، ومعهما دنيا التي يكاد قلبها أن يخرج من بين ضلوعها من هول ما تشعر به. فبعد كل تلك المعاناة التي عاشتها على مدار خمسة عشر عامًا، أخيرًا ستجتمع بابنتيها، وليس هذا فقط، بل أختيها أيضًا.
وجه مالك حديثه لعثمان قائلًا:
"زي ما فهمتك، العربية هتطلع دلوقتي والمدام هتبقى مستخبية في الدواسة، وأول ما تقف قدام باب الفيلا هتنزل تفتح الكبوت كأن العربية عطلت."
ثم وجه باقي حديثه لدنيا قائلًا:
"وإنتي يا مدام، أول ما يعمل كده تنزلي وإنتي موطية تدخلي الفيلا على طول. أوعي... أوعي ترفعي جسمك غير بعد ما عبد الله يقفل الباب، سامعة؟"
هزت رأسها بقوة علامة الموافقة، ثم قالت بحزن:
"طب أنت مش هتيجي معايا؟ أنا خايفة أواجههم لوحدي."
مالك:
"هكون معاكي طبعًا. أنا هسبقكم دلوقتي عشان أقدر أتنكر وأدخل قبلك، متقلقيش."
نظرت له بخوف وترقب وقلق، ومشاعر كثيرة لا تعرف لها وصف. كيف سيكون اللقاء يا ترى؟