سمرت حنان مكانها دون حراك تحاول استيعاب كلام زوجها لتردف بعد فترة: حنان بصدمة: يعني إيه فلسنا؟ إنت مش كنت واثق من الشركة دي؟ ثم تردف بصراخ: يعني إيه شركة وهمية؟ ليُطأطئ رأسه للأسفل قائلاً: نور الدين: بعد ما حطيت كل شيء بملكي في الشركة دي اكتشفت إن مالهاش وجود أصلاً وإنهم كلهم شوية نصابين. حنان بغضب وصراخ: ضيعت كل اللي حيلتنا، وكل ده ليه؟ عشان طمعك وغباءك.
ليصمت نور الدين في خزي. زوجته على حق. لقد أعماه طمعه عن التأكد من هذه الشركة قبل أن يستثمر بها، وها هو ينتهي حاله بالإفلاس. لتكمل زوجته في شرود وهستيريا بكاء: حنان: دمرتني، أخدت كل اللي في حيلتي وضيعته... أعمل إيه دلوقتي؟ لتكرر بصراخ: قول لي أعمل أييييه؟ اتجوزتني وأنا صغيرة، وعدتني بالنعيم وإني هعيش في جنة، رضيت أتجوز أرمل معاه عيلين، معترضتش. أكبر عيالك كان الفرق بيني وبينه 13 سنة بس...
ربيتهم لوحدي، وده لأن سعادتك كنت بتتحجج بشغلك ومسؤولياتك. ودلوقتي... لتصرخ في غضب: ضاااااعت كل حاجة، ضحيت عشانك. نور الدين بصراخ هو الآخر: فكرك هتضحكي على مين بكلامك ده؟ ولادي محسوش للحظة بشعور وجود الأم في حياتهم...
طمعك وجشعك هو اللي خلاكي تضحّي، ده لو كان اللي عملتيه وجوازك مني تضحية فعلاً. وبعدين أنا ما أجبرتكيش على جوازك مني. طول السنين دي عمرك ما طلبتي حاجة إلا وكانت تحت رجليكي، بقيتي ست كل اللي في مجتمعنا يتمنوا يبقوا زيها. ضحية؟ ثم إنك... ليقطع صراخه هذا رؤيته لأسيل على باب الغرفة تحدق بهما في صدمة لا تُصدق ما سمعته للتو. أيمكن أن يكونا خدعاها كل هذه المدة؟
لن تنكر أنها لم تشعر للحظة بحنان الأم المعروف، أو حتى أية مشاعر حب تملكها حنان لها. لكن... لكن لم تتوقع للحظة أن تكون تلك هي الحقيقة. ليقطع الصمت هذا صوت نور الدين القلق: نور الدين بتلعثم: اااااا... أسيل حبيبتي... جيتي إمتى؟ مالك واقفة كده ليه؟ لتطالعه هي في ذهول. كيف له أن يحدثها وكأن شيئاً لم يكن؟ كيف تأتيه الجرأة للنظر في عينيها كما يفعل الآن؟ أسيل بذهول: ليه؟ ليبتلع أبوها ريقه بصعوبة:
نور الدين بإرتباك: ليه إيه يا بنتي؟ أسيل بهدوء مخيف: ليه مش بتحبني؟ ليه دايماً بتكذب عليا؟ ليه مش بلاقي منك معاملة أي أب لبنته؟ دايماً البنت بتلاقي باباها هو فارسها، بيكون أول راجل تحبه... ليه ما كنتش ليا كده؟ ليييه؟ إيه ناقصني عن غيري؟ قضيت كل حياتي مستنية منك نظرة اهتمام... فخر... حب... ليه جبت واحدة زي دي تمثل علينا دور الأم؟ أعلم بموت أمي أهون عليا من إني أنادي الست دي بأمي. لتكمل بضعف وبكاء: ليه بتكرهني؟ ليه؟
ليه؟ لتنطق آخر كلماتها بصراخ وتدخل في نوبة من بكاء مرير. لتغادرهم حنان بغضب، تاركة إياهم وحدهم. ليقترب نور الدين من ابنته محدثاً إياها بدموع في عينيه، ويركع على ركبتيه أمامها ممسكاً بيديها الاثنين: نور الدين ببكاء: سامحيني...
عشان خاطري سامحيني. أنا كان كل همي وتفكيري إني مسؤوليتي أجمع فلوس وأأمن مستقبلكم لبعدين. لكن أنا بعترف إن الطمع أعمى. أهملتكم وحطيتكم بين إيدين واحدة غريبة عمرها ما حسستكم بالأمان. كنت فريسة سهلة للشيطان. أرجوكي سامحيني. سبق وخسرت أيمن، بس مقدرش أخسرك إنتي كمان. صدقيني هتبقى نهايتي. لتركع هي أمامه، وسرعان ما ارتمت بأحضانِه، ولأول مرة تشعر بحنان أبيها وحبه ودفء عناقه. ليقضيان فترة على هذا الوضع، ثم تبتعد عنه بهدوء:
أسيل: كنتوا بتتعاركوا ليه؟ دي أول مرة أشوفكم كده؟ نور الدين وقد فهم أنها لم تستمع لحوارهم منذ البداية: نور الدين: مشاكل بيننا... متحطيش في بالك إنتي. ليردف بإبتسامة: قوليلي بقى جيتي ليه؟ ده من ساعة جوازك ولا سألتي فينا... ده أنا قولت آدم خلاكي تنسينا خالص؟ فيتملك أسيل بعض الارتباك: أسيل بإرتباك وخجل: جيت أودعكم وأقولكم إننا مسافرين لشهر عسل... واحتمال نقعد برة أكتر من شهر. نور الدين بابتسامة: ه كويس أوي فعلاً...
إنتوا محتاجين لده خصوصاً إنكم نزلتم الشغل بعد جوازكم على طول. خلي بالك من جوزك... بيحبك وصعب يتعوض. لتبتسم أسيل بسعادة: عارفة يا بابا ومش محتاجة توصية. آسفة بس لازم أمشي دلوقتي عشان ألحق أحضر الشنط للسفر. يومئ والدها موافقاً، فتهب واقفة مقبلة إياه من وجنتيه بسعادة مودعة إياه. ارتسمت ابتسامة رضا وسعادة على ثغر والدها لم تُرى على وجهه منذ زمن.
بعد يومان يصل أبطالنا إلى الأراضي التركية ذات الجمال الخلاب والطبيعة الساحرة. سبحان الخلاق، فمن يرى الأراضي والزروع والجبال لظن إنه في جنة، فما أدراك بحقيقة الجنة التي وعد الله بها عباده. بعد هبوطهم من الطائرة أنهى آدم إجراءات وصولهم، وكان في انتظارهم سيارة بسائقها أمام بوابات مطار أنقرة، ليحتلها كلاً من آدم وأسيل المسحورة بما حولها من جمال.
تلاحظ أسيل ابتعادهم عن زحام وصخب المدينة، لتجد السيارة تسير في مكان منعزل قليلاً، لا يخلو أيضاً من الطبيعة الساحرة، حتى وصلا إلى مكان ما توقفت السيارة، ليهبطا منها جميعاً، حتى السائق، فيحدثه آدم بلغة لم تفهمها أسيل، فخمنت أنها التركية، لتجد هذا السائق يتجه إلى سيارة ما قابعة أمام منزل ليس بكبير ولا بصغير، ليركبها ويقودها مغادراً المكان بأكمله. لتلتفت آدم نحوها: آدم بإبتسامة: إيه رأيك؟ لترد أسيل بدون فهم
مبادلة إياه بابتسامة غبية: أسيل: رأيي في إيه؟ آدم وهو يشير للمنزل: بيتنا... هنقعد هنا فترة علاجك. أسيل: إنت بتهزر؟ مستحيل تكون بتتكلم جد، ده عايز معجزة عشان ينفع أي إنسان يقعد فيه. آدم بإبتسامة ماكرة: وده بالظبط اللي هتعمليه. إنتي قولتي بنفسك إنك متعودة على خدمة نفسك بنفسك. أسيل: قولت ده فعلاً، لكن المنظر ده... مشيرة للمنزل... مستحيل. آدم: للأسف إحنا قدام أمر واقع دلوقتي، فلازم نتعامل على أساسه ونحاول نتقبله.
أسيل بغضب مكبوت: طيب... بس هتساعدني؟ آدم بمرح: نشوف الموضوع ده بعدين. وبدأت معاناة أسيل في تحويل مقلب النفايات هذا إلى مكان صالح للعيش بهم. مضت عدة ساعات، لنجدها مستلقية بتعب على أريكة متواجدة في غرفة واسعة، بعدما أخذت حماماً دافئاً ليريحها من ألم جسمها بعد هذا المجهود الخارق. ونجد بطلنا أيضاً يقف في المطبخ ليعد لهما طعام الغداء، لتصيح قائلة وهي على هذا الوضع: أسيل بصوت عال: أنا ما كنتش عارفة إني متجوزة شيف...
من أول يوم في جوازنا وإنت اللي بتطبخ. آدم بصوت عال: من ساعة ما اتجوزنا وأهلك هما اللي بيبعتولنا الأكل على طول. أنا بس كنت بسخنه وبعمل السلطات، فمتتفائليش كتير النهاردة بخصوص الأكل. لتبتسم ابتسامة صغيرة عند تذكرها لوالدها. وينتهي آدم بعد فترة من إعداد الطعام، ليتناولاه، ثم يذهبان للنوم، متفقين أن غداً سيكون بداية رحلة علاجها. يمر يوم... يومان... ثلاثة...
حتى انقضى الأسبوع الأول من العلاج، وأسيل في تحسن ملحوظ. الهلاوس قلت، جسدها بدأ في التعافي من ذبوله. ثم بعد مرور شهر ونصف بالتمام والكمال، عادت أسيل إلى سابق عهدها، ولكن مازالت تعاني من بعض الآثار، ولكن طمأنهم ياسر بأن هذا طبيعي وستتعافى منها بمرور الوقت. لم يغادرا تركيا بعد، وفي يوم ما بعد انتهائهما من تناول الغداء، نجدهما جالسان أمام التلفاز يشاهدان فيلم كرتون، بالطبع بناءً على رغبة أسيل هانم.
بعد انتهاء الفيلم، كانت أسيل على وشك الذهاب للنوم، لكن أوقفها آدم: آدم: اقعدي شوية... في موضوع مهم لازم نتكلم فيه. أسيل وقد فهمت ما يرمي إليه: أسيل بإحراج: أنا عارفة إنت قصدك إيه، ومعنديش مانع يعني أنا اتحسنت، زائد إن ده حقك، بس أنااااا يعني كنت مستنية لما نروح شهر العسل الأول. آدم بابتسامة: لا لا أنا مقصدتش اللي فهمتيه، رغم إني طبعاً معنديش مانع برضو. ثم يردف باهتمام: بس اللي عايزك فيه موضوع تاني. أسيل باهتمام:
موضوع تاني؟ آدم: إنتي عارفة تعبك المرة اللي فاتت، وتعبك بسبب الحبوب اللي كنتي بتاخديها. أنا عارف إنه ما كانش بمزاجك. عشان كده لازم نعرف مين عمل كده وإيه مصلحته. لتومئ أسيل موافقة: أسيل: كلامك صح، بس هنعرف إزاي؟ آدم: أسيل... أنا استفسرت من ياسر عن طريقة تعاطي الدوا ده، وقالي إنه إما إني آخد بالحقن أو الحبوب، وطبعاً في حالتك مش حقن، فأكيد إنها حبوب. أسيل متابعة حديثه باهتمام: آدم بإرتباك:
و الحبوب دي مش بتتحط غير في الأكل أو الشرب. ويسود الصمت المكان قليلاً، لتنظر أسيل له منتظرة منه متابعة كلامه: آدم بهدوء وحذر: أسيل... من ساعة ما اتجوزنا وأهلك هما اللي بيبعتولنا الأكل باستمرار. لتتسع مقلتا أسيل في اندهاش وذهول مما يقوله. هل قام زوجها العزيز للتو باتهام أبيها أنه من يضع تلك الحبوب في طعامه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!