بداخل غرفته نراه يكاد يموت غيظاً من تصرفات مزعجته الصغيرة. كيف جاءتها الجرأة لانهاء حديثهما والمغادرة تاركة إياه ينظر بغضب في أثرها؟ بل وتقبل دعوة السيد طارق بدون الرجوع له أولاً. آه، مهلاً، هو طارق فقط وليس سيد طارق. فيزيد غضبه عند تذكره نطقها لإسمه مجرداً وكأنه شيء اعتادت على فعله. وما يتلف أعصابه حقاً غضبه الغير مبرر من هذا الأمر. فما شأنه هو بها أو بهذا الأحمق؟ لما يهتم من الأساس؟
أنهى حيرته تلك بنهوضه ليأخذ حماماً بارداً عله يهديء أعصابه هذه قبل هذا الحفل اللعين. وعلى الجهة الأخرى نجد حال بطلتنا على العكس تماماً. الابتسامة الواسعة مرسومة على ثغرها فرحاً برؤية صديقتها أخيراً بعد ثلاثة أشهر عانت فيها من افتقادها. أسيل: مش قادرة أصدق إنك هنا قدامي. أخيراً رضيتي عني وقبلتي تسمعي الكلام وتنزلّي مصر. أنا شوية وكنت هتجنن خلاص. مش لاقية حد أناكف فيه. محدش مستحملني ولا فاهمني زي ما إنتي بتفهمني.
كارول بتفاخر: طب كويس أوي عشان تعرفي قيمتي واللي بعانيه من الصحوبية دي. قولتيها بنفسك محدش بيتحملك غيري. أسيل بغضب طفولي: متتكلميش كأني بلوة ومحدش بيطيقني. كل الموضوع إننا اتعودنا على بعض وشبه بعض في حاجات كتير وده مش بيحصل بين أي اتنين بسهولة زي ما إنتي عارفة. كارول بجدية مصطنعة: حبيبتي أنا مقولتش إنك متطاقيش. أنا بقول بس إنك مجنونة. تصنعت أسيل أنها تذكرت أمراً هاماً لتجيب. أسيل: ااه صحيح، هو أنا مقولتلكيش؟
كارول بإهتمام: إيه؟ أسيل بضحك: مش أنا عقلتك؟ كارول بإنزعاج: أيوه فعلاً ودمك بقى زي السم. أخدت بالي. لتنفجر كلتاهما ضاحكتين ويعاودا احتضان بعضهما البعض للمرة السادسة ربما.
وبدأت كل منهما في سرد ما لديها من أحداث في الفترة التي قضتها وحيدة. لتدمع عينا أسيل عند ذكر وفاة أخيها وما تلى ذلك من إشاعات. ثم تتحول ملامحها من الحزن إلى الانزعاج عند ذكر معتز. لتتحول مرة أخرى إلى الغضب عند ذكر بعضاً من مواقفها مع آدم. لتنفجر كارول ضاحكةً. وهذه المرة لم تشاركها أسيل. لكن بعد وقت قليل ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة. لتتوقف صديقتها عن الضحك وتنظر لها بإستغراب. كارول بخبث: وايه الضحكة دي بقى؟
ده أنا افتكرتك متضايقة منه ولا أنا غلطانة؟ أسيل بقليل من الارتباك: لا طبعاً مش غلطانة. أنا مش متضايقة منه. بس لا، ده أنا مش طيقاه. كارول بخبث: أيوه أيوه طبعاً. واضح واضح. لتعود إلى سلسة ضحكاتها. ولكن هذه المرة على ما جال في خاطرها بخصوص صديقتها وشريكها هذا. فرحة لصديقتها متمنية لها السعادة. فيما كانت الجالسة أمامها تهتف بها أن تتوقف عن الضحك والسخرية منها.
استمر حالهم هذا لفترة حتى استأذنت أسيل للمغادرة بسبب الحفلة وتواعدتا أن يتقابلا مرة أخرى. عادت أسيل إلى غرفتها لتتجهز للحفل. ارتدت فستاناً بسيطاً ولم تهتم بتصفيف شعرها بشكل مبالغ فيه. بل أسدلته فقط على كتفيها ووضعت بعض اللمسات البسيطة من المكياج لتبدو جاهزة للذهاب. في حين ارتدى آدم ملابس كاجوال ووضع من عطره الرجولي الفرنسي ومن ثم استعد للذهاب.
فتح كلاً منهما باب غرفته في نفس اللحظة لينظرا إلى بعضهما البعض ويغفلا للحظة عن شجارهم منذ قليل. يسرح كلاً منهما في الآخر. ولكن هيهات، فقد أتى مفسد اللحظات السعيدة. السيد طارق. لاصطحابهما خصيصاً. يكاد يطير فرحاً لحضور أسيل. وبالطبع لم ينسى أن يثني على أناقتها وبساطتها. أما نحن يا سادة فلم ننسي صديقنا آدم والذي كان على وشك الاشتعال غيظاً من هذا الأرعن. ولكنه كالعادة استطاع ضبط ملامحه حتى لا ينكشف ما بداخله.
انشغل طارق بضيوفه طوال الحفل منصرفاً عن أبطالنا دون إرادة منه. لا يعود إليهم إلا للحظات وسرعان ما يسحبه أحد الضيوف بحوار هام. لولا ذلك لأوشك أحدهم على ارتكاب جريمة ولن يستطيع أياً كان لومه. فأسلوب طارق المبالغ فيه أزعج أسيل نفسها وجعلها هي أيضاً على وشك الانفجار. بداخلها تقسم أنه إن لم يكن عميلاً مهماً لكانت تناولت سلاحاً آلياً من أحد أفراد الأمن هنا وأفرغت الرصاصات جميعها في صدره. ولربما أيضاً أخذت قليلاً من النبيذ تسكبه عليه مدعية أنه دون قصد ومن ثم تطلب من آدم قداحته
-والذي لن يتأخر عنها لحظة -نظراً لاتفاقهم ولأول مرة على هدف واحد -لتتم جريمتها وتشعل به النار. ولكنها بالطبع فتاة رقيقة ليست ذات تفكير إجرامي لتفعل هذا. لذا فستظل صامدة وتتحمل هذا الكائن السمج. أخذت تسترسل في أفكارها البريئة تلك قبل أن تستقيظ على صوت آدم يحدثها. آدم محاولاً إنشاء حوار ينسيه هذا طارق: خير؟ شكلك مش هنا خالص. بتفكري في إيه؟ أسيل بتلقائية: كنت بفكر في كلام أستاذ طارق النهاردة.
آدم بغيظ: أكيد طبعاً. هو في غيره؟ أسيل باستغراب: قصدك إيه؟ آدم بغيظ وحدّة: أقصد إنك مبتفكريش غير في أستاذ طارق وكلام أستاذ طارق. أسيل بغضب: قصدك إيه بكلامك ده؟ آه صحيح، أنت لمحت لحاجة زي دي قبل كده. ما تقول أنت تقصد إيه من غير لف ودوران.
آدم بغضب: أنا لا بلف ولا بدور. وبعدين لو كنتي استنيتي تسمعي كلامي قبل ما تمشي وتسيبيني واقف مكاني كان زمانك فهمتي أنا أقصد إيه. لكن إنتي هربتي من الحوار كله لأنك مش هتقدري تلاقي مبرر لموقفك. أسيل بحدة: أنا مش محتاجة أبررلك أي حاجة. اللي عاوزة أعمله هعمله ومن غير أي تفسير. ثم أردفت بسخرية: وبعدين أنا مش فاهمة أنت مهتم بتصرفاتي وعلاقاتي كده ليه. إيه... بتغير؟
آدم: سبق وقولتهالك قبل كده لكن واضح إن ذاكرتك زي ذاكرة السمك. ثم أكمل حديثه ببطء شديد: إنتي مش من نوع الستات اللي يدخلوا دماغي. فمتديش لنفسك أهمية زيادة. طفلة زيك مش هي اللي أفكر فيها حتى مجرد تفكير. تبع حديثه هذا بنظرة استحقار شملتها من رأسها لأخمص قدميها وتركها مغادراً القاعة بأكملها.
تركها مازالت تستوعب كلامه لا تصدق كونه بهذه الحقارة. لكن ما بداخلها ليس بغضب بل حزن. حزن عميق وجرح سببه كلامه لها. شعرت بلسعة بعينيها لتذهب من فورها إلى الحمام تنظر للمرآة فترى دموع حبيسة في مقلتيها. تبكي؟ تبكي بسببه وبسبب حديثه لها؟ زاد بكاؤها حزناً على حالها وضعفها أمامه. لمَ أثر فيها كلامه لهذه الدرجة؟ ليست بأول مرة يحدثها بتلك القسوة. إذاً لمَ تهتم؟
ظلت تبكي فترة ليست بالقصيرة حتى هدأت قليلاً لتغسل وجهها بالماء مغادرة الحمام والحفل بأكمله. في طريقها لغرفتها وقبل أن تفتح الباب سمعت صوت تكسير وتحطم زجاج صادر من غرفة آدم لتفزع وتهرول ناحيته. تطرق الباب بحدة فتسمع صراخه الغاضب. ابتلعت ريقها قبل أن تدير مقبض الباب وتدخل فتراه يقف بمنتصف الحجرة يوليها ظهره. حركة كتفاه تدل على تنفسه الغير منتظم. لترمي نظرة سريعة على الغرفة فتجد جميع ما قابل للكسر فيها محطم بالكامل.
خرج صوتها ضعيفاً هاتفاً بإسمه ليبدو وكأنه لم يسمعها. كررت ندائها ليلتفت إليها وليته لم يفعل. لأول مرة ترتعب من نظراته الحادة الغاضبة. فقد كان في أقصى حالات عصبيته وانفعاله. ملامحه مكفهرة يشوبها الغضب والألم والحزن؟ حزن عميق. ظل هكذا لبعض الوقت حتى هدأت ملامحه قليلاً وإن كان مازال يبدو عليه الغضب. لينطق بآخر كلمة توقعت أن تصدر منه. آدم: آسف. تتسع عينيها في دهشة وترمش عدة مرات ليردف.
آدم: اتعديت حدودي معاكي في الكلام في الحفلة. اسف. مقصدتش إن ده يحصل. أسيل بصوت منخفض ومازالت تسيطر عليها الدهشة: تمام. محصلش حاجة خلاص. قبلت اعتذارك. ساد صمت مخيف بعدها ليكمل. آدم بابتسامة غريبة: خلينا نآخذ هدنة. ممكن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!