فاقد الإحساس بما حوله. مر أسبوعان على وفاتها، كان خلالهما كالإنسان الآلي يقوم بمراسم الجنازة بمعاونة والديه، اللذين أشفقا على حالته بجانب حزنهم العميق على زوجته. غير مصدق لما آل إليه الحال، قصره يسوده الحزن والكآبة بعد رحيلها. أعطى العاملين إجازة مفتوحة، والذين يتمثلون في الدادة جميلة وحدها. فهي لا تستطيع التماسك وهو في الأساس بحالة لا يحسد عليها. فقدها. فقد محبوبته. فقد طفلته وزوجته. بسبب ماذا؟
حادث لعين وعطل في فرامل سيارتها أدى إلى سقوطها من فوق تلة. لم يكن بإمكانهم التأكد إن كانت الجثة لها أم لا لولا تحليل الحمض النووي، فقد كان كلاهما وجهها وجسمها مشوه من كثرة جروحه. طالبته الشرطة بتشريح الجثة ولكنه أبى بشدة، يكفيه ما عانته قبل موتها. الآن أصبح وحده، لا رغبة له بالعيش. فبمرور أسبوعين زاد عمره سنتان، إذاً كيف بعد فترة من الآن؟ يقاطع مكوثه وحيداً دخول شخص ما إلى غرفة المكتب القابع بها آدم.
"كفاية بقى اللي بتعمله في نفسك ده. أسبوعين بحالهم ما أكلتش فيهم لقمة واحدة. فكّرك هي هتفرح بحالتك دي؟ لم يجبه أو يلتفت إلى وجوده من الأساس. "أنا عارف ملك كانت بالنسبالك إيه، واد إيه صعب فراقها. بس و بعدين... تفتكر هي هتكون مرتاحة كده لما تشوفك تعبان؟ على الأقل كُل لقمة قوي بيها نفسك عشان خاطرها هي." "هي مش هنا... مبقتش هنا... سابتني لوحدي يا معتز. ليه ليييه عملت كده؟ أنا عمري ما زعلتها في حاجة، يبقى ليه تسيبني؟ ده...
ده أنا كنت لسه مودعها الصبح وكنا كويسين سوا... ليه حصل كده؟ ليه؟ "استغفر ربك يا آدم. إيه هتعترض على قضاؤه؟ ده عمرها و محدش بيموت ناقص عمر." "استغفر الله العظيم... ياااارب قويني على فراقها... ألهمني الصبر والقوة من عندك يارب." "آمين يارب. يلا اسمع كلامي وقوم كُل أي حاجة، وبعدين استحمى واطلع نام شوية عشان ترتاح." "حاضر يا معتز... لولاك انت وأمي وأبويا مكنتش قدرت أعمل حاجة. بجد شكراً يا صاحبي......
بس غريبة إن أيمن مش باين.... معقول معرفش باللي حصل؟ "أنا كمان مش عارف أوصله بس متقلقش هشوفه فين." الأستاذ أومأ له بهدوء، وذهبا معاً لتناول الطعام. بعيداً عن قصرنا هذا نجد فتاة تكاد تبكي بدل الدموع دماً، قلقاً وخوفاً على أقرب الناس إلى قلبها، مختفي منذ أسبوعين لا تستطيع الوصول إليه. تموت شوقاً لتسمع صوته المرح يمازحها ويطمئنها على حالها. أين هو؟ لما لا يجيب؟ لما لا يسأل على أحوالها؟
لولا ظروف عملها التي ترغمها على البقاء في هذه البلاد اللعينة لحجزت بأول رحلة عائدة إلى وطنها بحثاً عن حبيبها الضائع. "انت فين يا أخويا؟ هذا ما كانت تردده أسيل خلال أسبوعين. أو شكت على الجنون. تتصل بأهلها ليخبروها أنهم لا يدرون عنه شيئاً منذ فترة. تموت قهراً على إهمالهم له منذ الصغر حتى أصبح شاب ليختار هو الابتعاد والاستقلال في شقة خاصة به وحده، والآن لا تدري عنه أي شيء.
دَلفت صديقتها ورفيقتها بالسكن إلى غرفتها لتجدها على نفس الحال منذ أكثر من أسبوع، لتردف بدهشة. "ياربي... انتي لسة على وضعك ده يا بنتي... أكيد حصلت ظروف معاه... سافر أو تليفونه ضاع أو مش فاضي.... دايماً كده بتتوقعي الأسوأ." "أنا أكتر واحدة عارفة أخويا... أيمن ميقدرش يعدي عليه يومين من غير ما نتكلم... أكيد حصله حاجة..... ثم أكملت برجاء... "والنبي قوليلي إنك عرفتي تاخدي إذن من مستر جورج بأني أنزل مصر."
"حصل فعلاً بس على شرط... لازم ترجعي بعد أسبوع وإلا هتترفدي... كفاية غيابك اليومين اللي فاتوا." "حاضر حاضر بلغيه شكري وإني هرجع قبل أسبوع إن شاء الله.... اطمن بس على أيمن وهاجي فوراً." تعود بطلتنا إلى أرض الوطن وكلها حماس لرؤية شقيقها. أنهت إجراءات المطار سريعاً وانطلقت مباشرة إلى شقة أخيها، والتي كثيراً ما قضت بها أيام ممتعة معه خلال الإجازات التي تعود فيها إلى الوطن أثناء فترة دراستها.
تخرج مفاتيح المنزل بهدوء رغبة في مفاجئته، ولكنها هي التي تفاجئت برؤية جثة أخيها ملقاه على أرضية صالة المنزل، والتي من هيئتها أدركت سبب اختفائه لمدة أسبوعين كاملان، لتصرخ صرخة هزت جدران المنزل ويغشى عليها لتسقط بجانب جثة أخيها العزيز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!