الفصل 20 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل العشرون 20 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
24
كلمة
10,720
وقت القراءة
54 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

«وأنتَ ملجأي في الطريق ، أنتَ الصديق وأنت الطريق وكل ما أملك من ما حفظته للأيام .»




السـاعه الحادية عشر صباحاً قبل الظـهر بقليلٍ ، كان يقف خلفهُ فى المطبـخ وصديقه يقوم بغسل الأطباق من وجبة الإفطار ، كان "غسان" يساعده وهو مرتدياً ملابس الخروج الذي إشتراها مع الٱخر ،خرج صوت "شادي" وهو يغلق الصنبور أخيراً حتي خلع عنه مريلة المطبخ قائلاً بإنهاكٍ:




_" بجد الستات دول بيتعبوا أوي يا غُس "




طالعه "غسان" من أعلي لأسفل بتمعن ، ثم إلتفت ليخرج إلي خارج المطبخّ ، فـ ذهب الٱخر من خلفه ثم وقف يطالعه وهو يقوم بتجهيز نفسه للخروج بعد دقائق ، حيث أعد له الٱخر كيساً من علبة الأدوية الخاصه به ، إبتسم "شادي" له وهو يتحدث بجديه ونبره هادئه هادئه :




_" رغم انها كانت أيام تقيله عليكّ وأنا عارف ، بس جيتّ وخليتها خفيفه عليا ،على قد ما مبسوط إنك هترجع خلاص ، بس زعلان بسبب إني بردو هتأخر لما اشوفك تاني ، هبقي علي تواصل معاك زي العادي ، متتأخرش عليا يا صاحبي.."




قالها بتأثرفـي ٱخر حديثهُ ، من الأساس كان سيهرب "غسان" من كلماته الذي يعرفها جيداً ، والٱن أصبح أمام الأمر الواقع ،. طالعه "غسان" بتأثرٍ ثم توجه ليحتضنه بحبورٍ وهو يشدد في عناقه حتي يودعه ، حاول "شادي" الخروج من أحضانه بعد لحظاتٍ ولكن الأخر كان متمسكاً به بمرح حتي يجعله يشاكسه كما يفعل كل مره،. حاول دفعه بقوه وهو يتحدث بخوفٍ زائف:




_" ولاا ، خلاص يالاا إبعد "




إعتلت ضحكات"غسان" بقوه وهو يخرج من بين أحضانه ، ثم طالعه جيداً بامتنان وهو ينظر له ، رفع يده علي زرقة عينيه الذي سببها له ولكنه تراجع سريعاً متوقع بأن "غسان" سيلكمه كالعاده ، حتي تحدث الآخر بتبرير :




_" ده أنا هشوفها بس!!"




نظر له "شادي" بحنقٍ زائف ، فواصل "غسان" حديثه قائلاً بثقه:




_"ياض بسيبلك علامه تذكار عشان تفتكرني لأيام جايه ، الحق عليا ؟"




قالها وهو يتوجه ليأخذ الكيس والمفاتيح الخاصه بسيارتهِ، فابتسم "شادي" ثم خرج منه صوته بنبره هادئه وهو يقف أمام باب المنزل الذي فتحه الٱخر:




_" خلي بالك من نفسك بقا يا عالم المره الجايه هتجيلي بـ ايه متخرشم فيكّ"


نظر له "غسان" مُبتسماً ، ثم نظر له نظرة إمتنان للمره الذي لا يعرف عددها حتي خرج من الباب وهو يتوجه ناحية سيارته والٱخر من خلفه، لم تمر لحظاتٍ ثم فتحها ، ليركب بها وهو ينزل من الزجاج ، فأنحني "شادي" قائلاً له بهدوء:




_" زي ما اتفقت معاك يا صاحبي بالعقل كل حاجه تتحل ، بسام بيحبك وعمره ما هيلاقي حد رفيق أيامه وبخاف عليه زيك ،بس هو هيفهم دا بالتدريج لما يرجع لوعيه، بس هو بحبك والله وفالأول والأخر ملكوش غير بعض ."




نظر له "غسان" ثم غمز له بغير إهتمام لحديثه قائلاً بمشاكسه:




_" مش عايزه هو يحبني "




_"أيوه بقا ما انتَ خلاص لقيت اللي تحبكّ ، وبقولك ايه متضيعهاش منك وخلي بالك منها. ، فـ رعاية الله"




قالها وهو يرفع يده ليشير له بالوداع حينما حرك الٱخر من السياره ، ابتسم له باطمئنان ثم لف من السياره ليخرج من البوابه الخشبيه ، إبتسم "شادي " بـ أثره بسعاده لرجوعه إلي عقله وعودته إلي منزله ، فـ أهم ما يكون لديه بأن يصبح صديقه سعيداً




____________________________________________




وقفت أمام شقة "حامد" تدق الباب دقات خفيفه ، فقد ذهبت "سُميه" و"دلال". و"عايده" و"ورده" وزوجها وصغيرها و"ياسمين" و"حازم" إلي شقتهم حتي يقومون بترتيبها بسبب إقتراب موعد الزفاف ، فضلت "نيروز" الجلوس فالمنزل حتي تجلس مع "وسام" التي تجلس لتذاكر دروسها فالمنزل ومعها والدها ، وقد خرج شقيقها الٱخر من الصباح ، و ما هي إلا لحظاتٍ وفتح لها "حامد" الذي ابتسم لها قائلاً بترحيب:




_"حبيبة قلب عمو ، تعالي أدخلي"




ابتسمت له ابتسامه صغيره ثم دلفت فوجدت "وسام" تجلس بصالة المنزل وهي تشاهد التلفاز قليلاً ، ضحكت بخفه وهي تتوجه لتجلس بجانبها قائله:




_"هو مش المفروض انتِ ثانويه عامه يا ويسو دا أنا جايه أقعد معاكِ ،أعملك شاي سندوتشات بتاع كده يعني الظاهر إن انتم عندكم إختلاف.."




ضحكت "وسام" مردفه من بين ضحكاتها:




_"فعلاً نحن نختلف عن الٱخرون سيبك انتِ تعالي أقعدي اتفرجي معايا.."




جلست بجانبها تحت أنظار"حامد" الواقف ومن ثم ردد بحنق لابنته:




_"والله ؟ يعني مفيش حساب لابوكي ، كده؟ تصغرينا قدامها ، طب قومي خشي جوه ذاكري يلا "




قالها بضجرٍ زائف ، فطالعته "نيروز" بترقب ، ثم استنكار من تلك التي توجهت تقف أمامه ثم هتفت تخبره :





_" صغيره علي الحب شغال ..!"




ابتهجت ملامحه وهو يردد:




_"سعاد حسني .؟؟"




_"ورشدي أباظه كمان "




ابتهجت ملامحه مره أخرى ثم توجه ليجلس بجانب"نيروز" التي نظرت بغير تصديق لتحويله السريع ، نظرت لها "وسام" بثقه ثم توجهت لتجلس بجانبهم ، وهي تهتف عالياً:




_" شوفت ظلمتني ازاي؟؟ حد يسيب الفيلم ده ويخش يذاكر بذمتك؟"




هز لها رأسه بالنفي وهو يعتدل بمرح حتي ينظر بتعمن إلي التلفاز ، ضحكت هي ثم نظرت بانتصار بينما ابتسمت "نيروز" باتساع وإعجاب علي ما حدث من عبث وهي تفكر بأنه يبدو ان شقيقته ليست هينه مثله تماماً ..!!




___________________________________________




بعد مرور بعض الوقت ، كان هو واقفًا. ينظر من شُرفه توجد بغرفته في المستشفى ، ذاكرته تستجمع كل شئ قد فعله شقيقه من أجله ، يذهب به عقله في بعض الأحيان لما سببه لشقيقهُ من ٱلام جسديه غافياً عن الألم النفسي الذي سببه له بقصدٍ أو من دون وعي، تعجب من قدرته لعدم محاولته للوصول له عن طريق الهاتف في طلبه حتي ! ، ولكنه خائفاً من أن يحدث شئ ، لا يريد مواجهته مره أخرى وتلك مشكله قي حد ذاتها !! ، إذن إلي الٱن يراوده الشك الذي تخلله رغماً عنه رغم محاولة تجاهله، ولكنه مشتتاً هذه الفتره ، محيراً بين أمور كثيره ، يشعر بالغربه وعدم القبول حتي وان كان من حوله يتقبلونه! ولكن نقطة عدم معرفة قيمه نفسه وقلة الوثوق بها الذي يخفيها أمام الأنظار هي الغالبه ..!! ، فاق من شروده على دقات الباب ، إذن للطارق بالدخول ، فوجده هو ، التفت لينظر له مبستماً ، فطالعه "عاصم" بصمت وهو يبادله ترحيبه بابتسامته ، حتي ردد"عاصم" وهو يقف في مكانه:




_" جيت أطمن عليكّ ، وأشوفك ، انتَ كويس ؟"




_" مش عارف ، بس مسيري فـ يوم هبقي كويس ، انتَ ماشي ولا ايه ؟"




قال"بسام" أول حديثه بشرود ، بينما سأله بانتباه ، فأومأ له الٱخر بالايجاب قائلاً بهدوء:




_" أه ، يدوب خلصت جلسة فرح وخلصت النهارده كده خلاص"




فرح!!! حسناً هذه نقطه قد انتبه لها الٱن لما لا يذهب ليشعر بما قد شعره من قبل عندما كان مشتتاً ، خرج من شروده عندما حدثه الآخر وهو يخرج من الباب تزامناً مع قوله:




_" انا ماشي ، بس لسه مستنيك فالعياده علفكره !"




ابتسم بأثره بهدوءٍ ومن ثم توجه ليخرج من الغرفه من خلفه ليذهب إلي حيث ما نوى ، خرج من الغرفه متوجهاً إلي الساحه ومن ثم ركن السُلم ، قاطع سيره تلك التي تقع أمام أنظاره أغلب الوقت وكأن كل ما يراها يتذكر جرحه وذكرياته ، لا حد لذلك ، لما تقاطع سيره في كل مره وكأنه قاصداً أو هي الأخري التي تقصد؟؟ ، كانت متوجهه لتصعد السلم حتى صعدت بجانبه ابتسمت بسخريه بينما تابع صعوده متجاهلها ، وما أن وصل إلي الطابق ، كانت ستكمل هي حيث مصعد لطابق أعلي بكثيرٍ ، فوقفت من أمامه علي فجأه تقاطع سيره قائله بخفوتٍ ونبره بطيئه لكي تستفزه لأخذ حق لها من قبل عندما فاز بالحديث عليها :





_" كلامك بتاع امبارح ده علفكره ولا فرق معايا ،.

عشان تبقى عارف يا دكتور.

طالعها "بسام" بسخرية ثم خرج منه صوته الهادئ عكس ما بداخله:

"لو مش فارق معاكي جايه تتكلمي بعدين ليه؟ وبعدين انتي مش قولتي ملكيش دعوة بيا؟ ليه بتيجي تبدأي كلام انتي فكل مرة؟ إيه خايفة؟"

نظرت له باستنكار من أعلى لأسفل ثم تنهدت لتجيبه:

"أنا هخاف منك انتي؟ الزمن جرا ليه إيه!"

قالتها ومن داخلها قد أخفت توترها ببراعة، هي تبدأ معه الحديث في كل مرة خوفاً من كشفه لها، لا تعلم ماذا سيفعل هو، ولكن المؤكد بالنسبة لها أنها تتلذذ بتعذيبه وتجرحه بكلماتها، تلك التي تعد محط أنظار للرجال، كيف لذلك بعد أن كان في نظرها منحنياً أمامها بطاعة كمثل باقي الرجال، كيف لتحوله بأن يبغضها كذلك؟ أما هو، فكانت علاقته بها ليست حد العبودية كما تتوقع، ولكن ما يبدو عليها أنها مريضة كما قال له شقيقه، تفضل أن تجمع الرجال من حولها، ويا لكثرة هذه النساء! طالعها بسخرية ثم نظر على كعب حذائها العالي، وهو يرفع أنظاره لها مرة بنفس الابتسامة وهو يهتف بنبرة هادئة ليفتك بأعصابه، يرد لها ما تفعله به:

"الزمن جراله كتير لدرجة إنك بقيتي أقل من الجزمة دي عندي!"

موعد قول وإرداف حديث ليس من شكله ولا من طبيعته الهادئة. حسناً، هي من أضطرته لفعل وقول ذلك! قالها، فنظرت له بشرر، ثم توجهت بكعب حذائها العالي لتقف على أطراف أصابعها أكثر حتى تطول بجانب أذنيه مرددة ببرود، بينما كان يقف ثابتاً، لم يحرك له جفن:

"وانت بقيت وهتبقى طول عمرك مغفل.. لو أنا منك يا أقتل نفسي يا أقتل أخويا..!"

لك، ولن تكف عن وضع عازات مشتعلة على أعصابه التي بدت مثل النار من داخله، ولكنه بارع في إخفاء ما يشعر به منذ فترة كبيرة. نظر لها بصمت ثم بدأ بالتحرك تزامناً مع رده وهو يشير لها بيديه باستهزاء:

"مسكينة يا تاج، بس أكيد هنتقابل بعدين طالما انتي عايزة كده، ساعتها هرد عليكي، أصل وقتك خلص.."

قالها ثم تركها تنظر له بغل، بينما ذهب ليقف أمام الغرفة ثم أخرج أنفاسه الحارة وهو يبدأ في دق الباب بهدوء. نظرت له نظرة أخيرة بتوعد ثم تحركت من أمام أنظاره حيث المصعد! أما الأخرى، فقد أذنت للطارق بالدخول. فوقف يجلي حنجرته حتى اعتدلت هي في جلستها ما أن عرفت من هو. دخل يتوجه وهو يطالعها ببسمة صغيرة. فنظرت له وهي تبادله الابتسامة. فخرج منه صوته أولاً وهو يتساءل بلطف:

"عاملة إيه النهارده؟ كويسة؟"

ابتسمت تجيبه بهدوء وهي تنظر له بعينيها وأهدابها الكثيفة الذي لأول مرة ينتبه لها. فجمالها ليس مبهراً، ولكن عينيها الواسعة التي بدت لمن ينظر لها بأنها سوداء ذات رموش كثيفة تعد أجمل شيء في وجهها، حتى وإن كانت الآن ملامحها مرهقة منهكة، فقد انتبه لذلك. رددت بابتسامة أخيراً:

"كويسة الحمد لله."

انتبه لحديثها التي أردفته للتو. ثم نهر نفسه لتطلعه عليها وعلى ملامح وجهها بتلك الطريقة. حيث ليس بإمكانه النظر لها كذلك وليس ليربطه بها شيء. وكأي رجل يصعب عليه غض بصره! لم يستمر كثيراً، بل تجاهل بعدما نهر نفسه وهو يستغفر ثم ابتسم لها بهدوء وتحدث بإقتراح كي يخفف عنها:

"ما تيجي تنزلي تقعدي فالحديقة شوية، دا أحسن حتى لحالتك النفسية."

ابتسمت بحرج ثم تحدث تجيبه بهدوء ولباقة في نفس ذات الوقت حتى لا يشعر بالحرج وهي أيضاً:

"بحس إني مش قادرة فـ كده أحسن!"

لو تعلم أنه يريدها على سبيل راحته فقط والحديث معها، فـ أي تراهات فقط قضاء وقت ليشعر بانتظام أنفاسه وراحته على سبيل وجودها، لم يشعر بذلك مباشرة، ولكن لي كل مرة تذهب به قدماه إليها ولا يعرف لما! لا يعلم ولا يستطيع التحدث مع شخص عما يدور به وما حدث له، ولكنه يقف أمامها يشعر بأنها مثله حتى وإن لم يعرف عنها شيء. الأرواح المتشابهة تتلاقى بتدابير لا نعلم عنها شئ، حتى وإن لم تكن متطابقة، ولكن كل منهما لديه تشويه داخلي، أحدهم حديث من فعل فاعل، والأخرى من أشياء عدة في الحاضر وأشياء قد عفى عنها الزمان! حاول التحلي بالثبات على ما ينوي ثم تحدث قائلاً مرة أخرى محاولاً في نفس الوقت عدم الضغط عليها:

"مش هتخسري حاجة صدقيني هتتحسني كتير دا إن مكنش دكتور عاصم قايلك بس انتي أكيد طنشتي وده غلط.."

لا مفر من ضغطه الغير مباشر. صمتت قليلاً بتردد ثم رفعت أنظارها تطالعه حتى وجدته ينظر لها بترقب وإنتظار. وإن دققت بنظرة عينيه فستجدها ترجو حتى يصبح أفضل وهي أيضاً. أومأت له بالموافقة. لا مانع إذن. حتى لا تقضي الوقت بمفردها وشقيقها في العمل والأخرى لم تستفق من غفوتها بعد! نهضت ببطء حتى نظر لها بتعمق. فتنحنح بحرج ليسبقها هو بالخارج أمام الغرفة. ومن ثم هي سوف تأتي من بعده أو خلفه مباشرة. ولكنه فضل إعطائها المساحة الخاصة بها مهما حدث ومهما سيحدث إن فعلت شيء قبل الخروج!

***

كانت تقف وهي تتحرك بتوتر في الغرفة. رغم تشفيها وفرحتها بما فعلته أمس، ولكن عدم رد ابنها عليها إلا الآن لا يبشر لها بالخير، وكذلك لا تعلم عن ابنتها شيء. تحاول أن تخفي قلقها على ابنتها حتى لا يأخذها البعض بالضعف. نظر لها "سليم" الجالس من أمامها بنفاذ صبر قائلاً من تحركها الذي يوتر الأجواء:

"ما تتهدي بقا وتقعدي على ما أعمل المكالمة."

نظرت له بغيظ ثم توجهت لتقف أمامه متحدثة بنبرة جامدة:

"انت مش واخد بالك إنك باللي بتعمله ده ملوش لازمة؟ مين ده اللي هيمشي يدور على بنتك واللي ما يتسمى هو اللي خدها وهو السبب؟ خلاص مبتشوفش لدرجة كده؟ مش فاهمة إحنا ساكتين لحد دلوقتي ليه؟ كونه مرجعش لحد دلوقتي مشكككش في حاجة لو مكنتش شاكة أصلاً؟"

نهض يقف مرة واحدة متحدثاً بنبرة عالية تعبر عن حيرته منها:

"انتي عايزة إيه بالظبط يا زينات؟ أروح أقتلهم يعني ولا أسجنهم عشان بنتك تطلع واحنا مش عارفين لسه هي مشت إزاي وهو السبب أصلاً ولا لأ؟ مش كفاية حازم كان مقطع نفسه بين جوازه وشغله وشغال في المصيبة دي؟ لا وتقومي انتي مطيناها وتخليه يشيل إيده من كل حاجة بكلامك!!"

صاحب شخصية سلبية، لم ولن يعترف بما تفعله من خطأ أمام شخص، بل تصبح في نظره هي الصواب، ولم يأخذ خطوة في الدفاع عن ابنه!! لماذا يتحدث الآن وكأنه يعاتبها بطريقة غير مباشرة؟ طالعته بسخرية ثم رددت تجيبه بنبرة مرتفعة:

"مالك قايم عليا وبتدافع عنه كده ليه؟ مشوفتش ربع ده منك وأنا بقعد أتصل على ابنك ولا بيرد ولا باين ليه ملامح. وبعدين انت جاي تفوق دلوقتي وسايب المصيبة اللي خلاص باينة زي الشمس مين اللي عاملها وانت ساكت؟!"

إقتربت منه خطوة واحدة أكثر ثم صاحت عالياً بغضب أمام وجهه:

"أنا معتش هسكت أكتر من كده عشان تبقي عارف."

طالعها بتهكم ثم قلب عينيه بنفاذ صبر قائلاً بغير اهتمام:

"هتعملي إيه يعني.!"

طالعته بغيظ من طريقته التي ظهرت لها مستفزة بعض الشيء، فـ التفتت تتجه ناحية الباب قائلة بهدوء مميت لا يجعله يتوقع ما سيحدث منها:

"هتشوف!"

فتحت باب الشقة، ثم التفت تنظر له وهو يقف يتابعها بصمت. بينما توجهت حيث الشقة التي توجد من أمامها، لم تأخذ دقائق لتغير ملامح وجهها للصرامة والغضب وهي تضع إصبعها على الجرس بقوة. لم يمر لحظات كثيرة ومن ثم فتح لها الباب.

بواسطة "حامد" و"نيروز" من جانبه و ابنة الأول خلفه ، نظرت لهم "زينات" بغضب وهي تنظر له مردده بجمود ووقاحه ظهرت في أسلوبها :





_" ابنك فين !"




طالعها بصمتٍ ثم أخذ أنفاسه ببطئ وهو يجيبها بهدوءٍ متحلياً به :




_" لو قصدك علي اللي بتتبلي عليه فـ هو مش هنا !!"




طالعته بكره بينما حركت انظارها علي تلك التي تقف بجانبه ثم حدجتها بسخطٍ حتى التفتت تصيح مباشرة علي زوجها وهي تهتف عالياً بوقاحه:




_"تعالى يا سليم شوف عشان تبقي تصدقني كويس لما أقولك إن بنت أخوك مقضياها مع اللي خاطف بنتك ، لأ وكمان قاعده فالبيت وصاحبته مش فيه ، ايه ؟ جايه تقضيها مع ابوه واخوه !"




تخطت الحدود وأكثر بكثيرٍ ، قالتها وهي تعلم أن النساء لم تكن في المنزل بسبب معرفتها بأن زوجة زوجها الأولي قد ذهبت معهم ، تحرك "سليم" إلي أن خرج ، وفي تلك اللحظه نظر لها "حامد" وقبل أن يتحدث ، رفعت "نيروز" يديها تدفعها بقوه للخلف وبعزم ما لديها ، قائله من بين صراخها العالي الذي جعلهم ينتفضون من أثره :




_" أســكتــي يا زبـــاله ، إخـــرســـي !"




سبه لا إراديه علي الخوض بعرضها كذلك ومن حديثها الوقح الذي جعل الاخري تنفعل وتصرخ بقوه بعزم ما لديها وكأن شخص قد حدث له شئ صعب القول والرؤيه للتو ، صرخه كفيله لهز المبني مجازياً ، بما فيه المصعد الذي فُتح للتو في نفس طابقهم ، لم يعطي أياً منهما بالاً للشخص الذي خرج منه وما أن رٱهم سار مسرعاً ، بينما كادت أن تتقدم "زينات" بغضب لتقوم بضربها ، ولكن حركة"سليم" كانت قبلها حينما تقدم ليمسكها من شعرها خلف الحجاب وتحت إمساك "حامد" له بأن يتركها وبكاء "وسام" مكانها ، وجدوا صـوت رجولي من خلفهم كان عالياً لاختراق سمعه هو تحديداً حينما ردد بحده وهو يتوجه لهم سريعاً حتي يمسك بـ "سليم":




_" ابــعــد ! "




قالها"غسان" الذي وصل أخيراً ، بينما رفع يده ليمسكّ أيدي "سليم" يفصله عن الأخرى بقوه ثم دفعه ليهبطها من عليها وهو يدفعه للخلف حتي إصطدم بكتف زوجته ، توجه "حامد" ليمسك "نيروز" بينما وقفت "وسام" تنظر بصدمه للذي يحدث من بداية "نيروز" إلي شقيقها التي لا تصدق كيف ومتي جاء بتلك السرعه ! ، وفي لحظتها أمسكته "زينات" من تلابيبه بقوه ثم رددت عالياً بغلٍ وجهلٍ :




_"أخوك فين ؟ فين الحرامي اللي خطف بنتي انطق !"




كانت تعتقد أنه "بسام" كما حدث معها من قبل ، نظر لها "غسان" نظرات حاده ساكنه ، ومن ثم تفاجأت هي منه حينما أنزل يديها من عليه بقوه وهو يدفعها إلي الخلف بذراعه حتي إصطدمت بالجدار من خلفها بشده ، إقترب منها عدة خطوات حينما رجعت هي إلي الخلف رغماً عنها من أثر دفعته ،حتي بات قريباً بشده وهو يقف من أمامها مردداً بنبرته الجامده وهو يتساءل بشرٍ ظهر في نبرته لها :





_"عرفتي أخوه فين ولا لســه .."




طالعته بغير تصديق ، هو لم يفعل معها المره السابقه كذلك بل تركها تقوم بمسكه وهو ساكن بين يديها لم يبدي ردة فعل ولكن اتضح أنه ليس من كان هادئاً بين يديها ، بل ذلك الذي ٱتي ليأخذ حقوقا ً كثيره ، لم يأخذ رداً منها بل لاحظ ذلك الذي اندفع يمسكه من قميصه وقبل أن يرفع يده حذره "غسان" وهو ينظر له بغضب قائلاً بنبره حاسمه:




_" لو رفعتها ولمستني هقطعهالك، ولا عاد يفرق معايا راجل كبير ولا راجل صغير سامع ؟ !"




نظر له "سليم" بغضب ، ثم ردد بعدها بنبره عاليه:




_" انتَ مجنون ، بتمد ايدك علي مراتي وبتهددني ؟."




إبتسم "غسان" وهو يقترب منه ثم هتف بنبره هادئه بارده عكس ما سبق :




_"أيوه ، والمره الجايه مش هيبقي فيها تهديد ، هنزل عليك بالقلم اللي اديته لـيها فلحظتها مش هستني كتير "




قال حديثه بجرأه لهما من تعديته لحدود السن الذي كان يحترمها من قبل ولكن الٱن كل شئ تغير ، قالها وهو يشير علي "نيروز" الساكنه بين يدي "حامد" وابنته ، بينما طالعهوه بدهشه للذي يحدث ومن الذي أردفه ، فردد "غسان " مره أخري بتوضيح هتف به بلامُبالاه زائفه :




_" أنا جيت أهو عشان تعرفوني انا خطفت بنتكم ازاي"




توجهت "زينات" بعدما استوعبت ما حدث وما يُقال ثم وقفت من أمامه تردد بغل:




_" وديت بنتي فين ،. انتَ اللي أخدتها ومشيت فنفس اليوم اللي هي مشت فيه و الورقه اللي سابتهالنا وقالت فيها انك اللي قولتلها تعمل كده ."




إبتسم بسخريه وهو يحرك أنظاره عليهما ثم تابع بنبره تهكميه:




_" ليه ؟ هي البنات خلصت عشان أروح أخطف بنتك انتِ؟!! ، دا ايه الدنيا العبيطه دي.؟"




صمت يتابع ملامح وجهها هي وزوجها المغتاظه حتي أكمل بنبره بارده وهو يعدل من ياقة قميصه الذي أصبح غير منتظماً :




_" مش ذوقي أصلاً ، لو كانت عجباني كنت خطفتها قدام عينيكم عادي أصل لو عاوز حاجه هاخدها كده كده منكم ذوق أو عافيه ، وأديني هو قدامك واقف لو عرفتي تعملي حاجه أو تتبلي عليا انتى وجوزك فالقسم زي ما الناقص ابنك عملها فـ أنا مستعد ، فـ ثانيه محضر وقضيه بعد ما اتهجمتي عليا انتِ وجوزك فـ بيتي أثناء وجودي جوه ،.. أه ما أنا موجود هنا من زمان بشهاده دي"





قالها بكيدٍ وهو يشير علي"نيروز " ثم واصل يكمل بنفس الكيد:




_" دي اللي هي بنت أخوك ، يعني من الطبيعي تقف معاك مش معايا ، لأ وايه من غير شهادتها أصلاً ، عندي نسخه تانيه بالظبط مني جوه ، يعني فالحالتين أنا واقفلكم وجاهزلكم من كل حته يلا وروني هيحصل ايه هتبدأو منين؟"




تفهم"سليم" ما قاله جيداً بينما طالعته هي بسخطٍ ، فخرج صوت"سليم " وهو يتحدث بنبره جاده يضغطه بتهديد :




_" متنساش إننا معانا الورقه اللي بخط ايد بنتي ، واللي فيها الدليل اللي ممكن كنت أقدمه وأعمل محضر ، أو أقدمه مقدموش ليه بعد المهزله وقلة الأدب اللي حصلت دي !! "




كاد أن يتحدث "حامد" فنظر له "غسان" حتي يتحدث هو أولاً ليجيبه ، بينما تحركّ يقف أمام أنظار "سليم" مباشره ثم مال عليه بحركه مقصوده ليهتف بجانب أذنه وبنفس الوقت بجانب أذن الأخري التي كانت تقف بجانب زوجها مردداّ بنبره بطيئه خافته هامساً:




_" لسه محصلش مهزله ولا دي قلة أدب بس لو عاوز أوريك قلة الأدب أنا جاهز ، وإبقي دور علي الورقه كويس يا حضرة المحامي."




قالها باستفزاز واستهزاء ثم تحرك مره أخري ليتوجه لـ "نيروز " بينما نظر له "سليم" وهو يردد بنبره جامده متسائلاً بغضب:




_"يعني ايه يعني !"




التفت يفتح من باب الشقه أكثر ثم أشار لوالده بأن يدخل خطوه واحده حتي دلف بهدوء ، وكذلك "وسام" بينما أمعن النظر بـ"نيروز" التي ارتبكت فور حديث عمها عن الورقه خوفاً من أذيته ، فتوجه ليمسك يديها علي فجأه وبقوه أمام أنظارهم ليسحبها إلي الداخل خي الٱخرى ، حتي وقف هو. أولهم وهي من خلفه ومن ثم هما من الداخل وهما الاثنين يطالعونه من الخارج بانتظار لاجابته ، حتي أجابهم أخيراً بنبره أثارت إستفزازهما وصدمتهما في ٱن واحد :




_" يعني الورقه اتقطعت من زمان بإيدين اللي مني وفـ لحظتها ، وروني بقا عرض إكتافكم ."




نظر له "سليم" بغير تصديق بينما حدجته الأخري بحقدٍ ، فتقدم "سليم" سريعاً حتي يرفع يده ليلكمه علي وجهه ؛ إذن حركه كانت متوقعه بسبب طريقه إستفزاز الآخر له بالحديث ، ولكنها قد أصابت "غسان" حتي أنه حاول أن يتفاداها ولكن عندما تحرك جاءت لكمته في جرح رأسه ، وبسبب ذراعه وتحكيم حركته لم يستطيع الحركه بسرعه ، ولكنه نظر بغضبٍ وهو يرفع يده يضعها علي عنق الآخر في حين صراخ "وسام" وبكاء "نيروز". حاول "حامد" الفصل بينهم قبل أن يقترف ولده جرماً، بينما كانت تدفعه "زينات" عن زوجها. كان يختنق "سليم" أسفل يديه، فتابع "غسان" وهو يرفع صوته مردداً بنبرة قوية من أثر انفعاله: "بترفع إيدك عليا يا ناقص؟ دا أنا أبويا معملهاش معايا يا راجل يا خرفان!" أنزل يديه سريعاً حينما فصل بينهما "حامد" بقوة. فحاول الآخر أخذ أنفاسه بصعوبة وهو يرجع خطوات إلى الخلف بعشوائية. بينما جذب "حامد" يد ابنه إلى الداخل بقوة ثم أمسك الباب ليغلقه بسرعة تزامناً مع قول "غسان" المرتفع ليصلهما: "أقسم بالله لو حصلت ومديت إيدك المرة الجاية عليها لهقطعهالك وأخليلك كل صباع في بلد وتمشي تدور عليهم يا ناقص." كان صوت إغلاق الباب هو الرد الوحيد. بينما نظر "حامد" له وهو يصرخ بوجهه عالياً: "إيه؟ كده ارتاحت خلاص؟" رفع "غسان" أنظاره له ثم شعر بدماء تسيل على وجهه. لم يهتم للأمر بل هتف بكلمة واحدة متشفياً: "آه." قالها ومن ثم تحرك أمام أنظارهم يجلس على الأريكة. فتوجهت شقيقته تقف من أمامه بعد دقائق بسيطة وهي تنظر له بشوق من بين دموعها. جلست بجانبه فرفع ذراعه السليم ليأخذها بين أحضانه مردداً بهدوء وشوق يسحب من غضبه: "وحشتيني." تمسكت به للحظات وهي تجيبه بالمثل. فرفع عينيه على من يقف من على بعد منه، وجد والده يدخل إلى الداخل حتى يتحاشى مواجهته. بينما تحركت من مكانها سريعاً. ما أن رفع أنظاره يطالعها، توجهت لتجلس بجانب "وسام" التي كانت تتابع النظرات فيما بينهما. كان بإمكانها أن تشعر بالغيرة ولكنها تأكدت شكوكها الآن، حيث كان بداية الشك يوم ذهابهم للمطار. عندما كانت تركب معهما بالسيارة، لم يحرك أنظاره وقتها من عليها. كان رغماً عنها فعل ذلك ولكنها شعرت بأن أحدهم يود قول شيء لتنهي النظرات. نهضت تبتسم لشقيقها بهدوء ثم تحدثت قائلة بضعف: "هخش أغسل وشي وأعملنا حاجة نشربها بدل حرق الدم ده." قالتها بجدية بينما ضحك هو بخفة على أسلوبها. حتى ابتسمت "نيروز" هي الأخرى لها. لم تمر دقائق كثيرة حتى تحركت هي من أمام أنظارهم. بينما التفت برأسه ينظر لها حتى وجدها تنظر له بصمت ولكنها تحدق به. لم تستمر النظرات بل رفعت طرف حجابها لتزيل أثر الدماء التي نزلت من ضربة عمها. تركها تفعل ما تفعله حتى انتهت أخيراً. ومن ثم تحدثت بلوم وبنبرة متعبة: "ليه كده؟" نظر لها باستنكار ثم سألها باختصار: "ليه إيه؟" "ليه مصمم تعمل كل اللي أنا خايفه منه؟ انت مش عارف إنك كده بدأت مشاكل جديدة غير اللي راحت؟ مش هيسبوك، لا عمي هيسيبك ولا مرات عمي ولسه.. حسن لو عرف باللي حصل." قالتها وهي تواجهه بحديثها. بينما كان هو ذلك الحديث الذي كان سيحدثه به والده. لم يتخلص منه إذن! بل أصبح لديه شخص مثله بالتفكير! نظر لها بتعمق ثم نبس بنبرة هادئة عكس جمود ما كانت تتحدث به: "بتخافي منهم يعني؟" قالها بثقة وكأنه يؤكد لها شيئاً جعلتها تنظر له بغيظ مكتوم حتى ظهرت شراستها في قولها: "قولتلك قبل كده إني مبخافش!" قالتها ثم رفعت يديها تمسح ما تبقى من دموع عينيها على وجهها. بينما كانت يديها وطرف حجابها ملطخة بدمائه. حتى تلطخ وجهها بلون أحمر بسيط خافت ما يبدو أنها تعكرت بدمه!! لم تأخذ منه سوى رد واحد مقتضب حينما ردد مرة أخرى يؤكد بجدية جامدة: "لأ بتخافي." قالها أمام أنظارها فلم يتردد في الحديث مرة أخرى وهو يتحدث قائلاً بتوضيح: "حتى لو كنتي خايفة عليا، فـ انت خوفك من عمك ومن مراته وابنه غلب خوفك ده، وخوفتي لأقول إن بحبك صراحة عشان ميتأكدش كلامهم. المفروض إنك بتلوميني عشان رجعت أخد حقك لما ضربك ومد إيديه عليكي ولا من حقي من المشاكل اللي بيلزقوهالي؟ كده يبقى إيه؟ مش خايفة؟" قالها وهو يواجهها بكلماته الجامدة. لو يعرف ما تهابه وما تخافه من أخذها لكل الاحتمالات. نظرة عينيه في المواجهة لديها وله كانت باردة لم تحمل دفئاً كما كانت من قبل. لم يظهر بقى اللين التي كانت تستشفه. أدمعت عينيها وهي تطالع عينيه التي بدت لها باردة. ثم تحدثت من بين دموعها تجيبه بنبرة متحشرجة وهي تبرر بنبرة صادقة تخللها هو عندما ضعف أمام بكائها وهي تبرر حقيقة تهابها وبشدة خاصة أنها ذاقت مرارة فقده لفترة معينة من قبل!!: "أنا أيوه بخاف منهم وبلومك على اللي حصل، بس كل ده خوف ليبعدوني عنك بالغصب وهم ممكن يعملوها عادي وتحصل منهم لو عرفوا واتأكدوا من ده. إن مكنوش عرفوا خلاص. وأنا مش عاوزانا نتفرق عن بعض يا غسان متعملش كده بالقصد لمجرد عنادك قصادهم عشان خاطري..!" قالتها ببكاء أول حديثها وترجٍ في آخره لامس قلبه من تأثرها. حسناً، قد أرسلت له الآن فك شفرة خوفها مما حدث وحديثها الجامد الذي لا يعرف له معنى في البداية. ولكن اتضح له الآن ما تشعر به وما تريده. نهضت على فجأة للهروب من أمامه بعد قولها لما تريد إخراجه. أمسك معصمها يقاطع هروبها وسيرها حتى وقفت. ثم نهض وهو مازال يمسك بيديها حتى التفتت تنظر له بعجز. فخرج منه صوته الهادئ وهو يهتف بوعد صادق: "ومين قالك إني هسيبهم يعملوا كده؟! محدش يقدر يغصبك على حاجة انت مش عايزاها وأنا هنا. حتى أنا..!" ترك يديها ثم رفع يده يمسح وجهها بحركة بطيئة وهو يعود لينظر لها بلين. ثم ضغط بمسحته على وجهها في نقطة دمه الحمراء التي وجدها على خدها. استشفت صدق كلماته من حديثه الثابت وعينيه التي بدت لها كما كانت هادئة!! نظر على وجهها وحجابها المهندم من أثر مسكة عمها. لم تشعر هي برجوع حجابها إلى الخلف قليلاً حتى ظهرت خصلات شعرها البنية من الأمام. ابتسم على مظهرها العبثي وهو يرفع يده حتى أدخل من خصلاتها وهو يحرك الحجاب إلى الأمام بعشوائية. خجلت من ما فعله حتى رفعت يديها تعدل من حجابها بارتباك. هي الأخرى. كانت قد تحركت أنظاره على تلك السلسلة التي ترتديها. كان قلب الوردة يظهر من الخارج. نظر لها وهو يبتسم بشرود. تذكرها إذن!! عدلت هي من حجابها ثم خرج منها صوتها وهي تتحدث قائلة بإذن: "أنا لازم أمشي مينفعش كده." قالتها بهدوء لكونها بقت بمفردها معه. بينما ابتسم بعبث وهو يقترب منها حتى رجعت هي إلى الخلف تزامناً مع رده: "يعني هتمشي؟" هزت رأسها بنعم. حتى اصطدمت وهي ترجع إلى الخلف بالمقعد الخشبي. كتمت شهقتها من اصطدامها هذا. بينما تابع بتساؤل يشاكسها وهو يقف من أمامها: "هتسبيني يعني قصدك؟" رفعت أنظارها وهي تنوي بأن توقفه عند حده مما يفعله. حتى نظرت وهي تتحدث قائلة لتجيبه بحدة رغم اهتزازها من الداخل: "يعني إيه هسيبك يعني؟ كنت عايشة معاك في بيت واحد أنا؟" ضحك بخفة وهو ينظر لها بعينيها ذات النظرة المهزوزة التي أوحت له بتوترها. بينما واصل بمراوغة وهو يقف بمكانه: "ياريـت. ما تيجي." شهقت شهقة عالية وهي تهتف عالياً تعنفه وهي ترفع يديها بتأديب مبتلعة ريقها بارتباك في نفس الوقت: "أجي فين يا قليل الأدب انت!" "أنا متابعة الحوار يا روز قصده يعني تيجي تعيشي هنا معاه. كملوا كملوا." قالتها "وسام" وهي تقف خلف الستار تكشف عن وجهها فقط. بينما انتفضت "نيروز" على أثر صوتها مرددة بعفوية: "يلهوي!! انت هنا من إمتى؟" قالتها بطريقة مضحكة جعلته يضحك عليها. بينما اقتربت شقيقته تقف أمامها وهي تجيبها من بين ضحكاتها: "مش من زمان أوي." وزعت أنظارها بينهما بضجر وخجل مما حدث. ثم توجهت بصمت إلى باب الشقة تفتحه أمام نظراتهما. حتى خرجت هي ثم أغلقته من خلفها وهي تصفعه خلفها. نظرت هي إلى شقيقها وهي تضحك بخفة قائلة من بين ضحكتها: "علفكرة حرام عليك تكسفها كده خصوصاً أنها شكلها بتحبـك مع انك محكتليش يعنـ...." قالتها وقبل أن تكمل حديثها الأخير وجدت والدتها تدخل من باب الشقه وهي تغلقه خلفها بارهاق. بينما توجه هو يقف أمامها حتى رفعت أنظارها بفرحة ثم رفعت يديها تأخذه بين أحضانها بشوق وحنان. متحدثة بتحشرج وهي تلومه: "كده توجع قلبي عليك!" قالتها وهي تخرجه من بين أحضانها ثم وضعت يديها بلهفة على جرح رأسه تتفقده ومن ثم ذراعه. بينما نظر لها باشتياق وهو يردد: "حقك عليا، متزعليش." تفقدته بنظراتها بحب أمومي ثم أمسكت يديه السليمة وهي تسحبه خلفها بهلفة طبيعية من أم قائلة باندفاع: "تعالي وريني ايه اللي فوشك ده وبيجيب دم ليه كده، بتوجعك ولا ايه." وكأنه طفل صغير كانت تحدثه كذلك. بينما ابتسم بقلة حيلة منها ومن طريقتها التي لم ولن تتغير. اعتلت ضحكات "وسام" على ما تراه أمامها. والدتها تجلسه بجانبها بينما هو يحاول أن يطمئنها من بين ضحكاته ولكنها غير عابئة بحديثه بل تتفقد جرحه وبقية وجهه بلهفة بحثًا عن جرح آخر بخوف. *** "وإن كانت ملامحك ليست فاتنة، فـ فتنتها في هدوئها الذي أراح عقلي ورضاني بابتسام في عمق تفاصيلك. لم أشعر بشيء تجاهك سوى ما يحدث لك وما يحدث منك. أخبريني لما ليست الحياة عادلة معنا. لما لم تصفع سوانا ونحن لم نفعل شيئًا لعقابها هذا. لما تجمعنا الحياة بأشخاص آذونا وأشخاص مثلنا. ألا يوجد شخص سوي هادئ لم تأتِ عليه الحياة ولم تصفعه من قبل. ألا يوجد من لم يكن مظلومًا منها حتى وإن كان ظالمًا يومًا ما." كان يجلس معها على مقعد مريح في حديقة المستشفى تارة يتنفس بعمق وتارة لم يعرف يأخذ أنفاسه من توتر الأجواء. مشروب من الليمون بالنعناع الساخن بيد كل منهما. التفت ينظر لها وهي تشرب مما بيديها قائلاً بتساؤل وكأنه مهتم: "عجبك؟" نظرت له "فرح" بتردد ثم حركت رأسها وهي تبتسم قائلة باعتراف: "بصراحة لا. ممكن لو كان ساقع كان يبقى أحسن بس عشان مفيد فـ يعتبر أه كويس. أنت بتحبه؟" ابتسم "بسام" بتذكر ثم تنهد يخرج أنفاسه براحة متحدثًا بهدوء: "أخويا هو اللي بيحب المشروب ده لكن أنا بالنسبالي عادي حتى مكنتش بحبه فالأول بس كنت بشربه غصب عني عشانه." نظرت له "فرح" بهدوء ثم خرج منها صوتها وهي تتساءل بانتباه: "عندك أخوات كمان غير أخوك التوأم؟" هز رأسه مبتسمًا وهو يجيبها بهدوء: "عندي أخت اسمها وسام معرفتيهاش يوم كتب الكتاب." "لا بصراحة، بس علفكرة أنا كمان عندي اخوات تانيه غير عز!" نظر لها بتمعن ثم تحدث بدهشة طفيفة مردفًا بعفوية: "بجد؟ أومال مش بيجوا ليه؟" تنهدت تخرج أنفاسها بقوة وهي تجيبه بنبرة مختنقة استشفها هو سريعًا: "عشان واحدة ماتت والتاني مش قريب أوي مننا." التفتت تنظر له فوجدته يطالعها باهتمام فواصلت تكمل بتوضيح أكثر: "أخواتي من الأب." نظر لها بأسف ثم برر سريعًا حتى لا تحزن من حديثه غير المقصود: "أنا آسف مكنتش أقصد، ربنا يرحمها." "ويسامحها. هو بجد ممكن ربنا يسامحنا على ذنب كبير؟" كانت تتحدث براحة لم تتحدثها مع طبيبها النفسي يبدو أن وجوده مهم بالنسبة لها دون أن تدري ولكن ليست مشاعر. رغم استغرابه مما أردفته ولكنه أجابها بهدوء: "طبعًا، ربنا بيسامح، ده حتى اسمه الغفور الرحيم!" أومأت له بتفهم ثم أجابت وهي تتابع حديثها بتأثر وضعف: "اختي أنا مكنتش أعرفها اوي ولا كان ليا علاقة بيها، رغم كل ده اتأثرت بموتها كأنها شخص عزيز عليا ومبيفارقنيش. ممكن الدم بيشد ويحن، حتى مجاليش قدرة أكرهها. دعائي ليها علطول بيخليني مبسوطة إني لسه فاكراها." طالعها بهدوء وهي تتحدث براحة كبرى. بينما رفعت عينيها تنظر له وهي تتأتى بحديثها الذي أثار شفقته تجاهها: "موتت نفسها!" تألم من الداخل لتخيله ما يمكن أن يمر به الإنسان من تلك المحن. مرض والدتها، انتحار شقيقتها، بُعد شقيقها. مرضها الآن. كفاح شقيقها من أجل سلامتها هي ووالدتها. تركها لمستقبلها وحلمها. لا يعرف ماذا يجب بأن يتحدث الآن ولكنه نظر لها بثبات ثم ردد بنبرة هادئة يحمد الله على حاله من داخله: "رحلتك شاقة يا فرح ورغم كده شايفك قوية!" "لا مش شاقة، رحلتي أمر واقع تعايشت معاه من الأول. يعني زي ما تكون صحيت من النوم كده لقيت نفسك مرة واحدة فكل ده بس أنت عارف إيه ده فمش هتصحي تستغرب عشان اتعودت على كده." حاول أن يعدل نظرتها عن الحياة بعدما رأى بها بعد اليأس. تنفس بعمق وهو يجيبها مرة أخرى ناظرًا بأعينها: "مهما كان بيبقى فيه فالرحلة وقت عوض وجبر بيحصل ممكن لسه معاده مجاش بس هيجي. أي رحلة مهما كانت شاقة محتاجة صبر." نظرت له بصمت ثم بتساؤل وهي تنهض من مكانها حتى تسير قليلاً بعد الجلوس: "تفتكر؟" نهض يومئ لها بثقة ثم تحدث بتأكيد مبتسمًا بلطف: "أفتكر." *** قصت على والدتها وشقيقتها وشقيقتها الأخرى وأزواجهما ما حدث باختصار وقت جلوسهم على مائدة الطعام لتناول الغداء. حتى مر وقت قليل ونهض كل منهم يجلسون مع بعضهم في الصالة. كانت تجلس بجانب "ياسمين" التي ربتت عليها بحنو ثم مالت تهمس بجانب أذنها قائلة: "الحب رجع وشايفه ملامحك منورة قولت أفكرك." نظرت لها "نيروز" بتحذير وهي بتبتسم. بينما دق جرس المنزل فنهضت "سمية" أولاً ولأنها كانت تجلس بجانب الباب توقعت من تكون. فقد أخبرتهم بأن يأتو حتى ينشرون البهجة قليلاً ويقومون بتشغيل الأغاني والرقص بسبب اقتراب موعد زفات "ياسمين". فتحت الباب فوجدت "دلال" وابنتها واقفين بجانب بعضهما. دلفا إلى الداخل. بينما نظرت "نيروز" بتعمق فلم تجده. توقعت بأين ستجده الآن بعد فترة ما بعد الغداء. نهض "حازم" يقوم بتشغيل الأغاني هو وزوجته. بينما كان يتحدث "بدر" في الهاتف مع "غسان" الذي أخبره بأنه سيأتي بعد قليل. بهجة تحدث الآن من الأصوات المتداخلة مع بعضها. حسنًا، وقت هروب ليس له مثيل. نهضت بخفة تدخل غرفتها بهدوء ثم توجهت لتفتح الغرفة سريعًا لتحرك أنظارها ناحية شرفته فوجدته تلك المرة لم يكن موجودًا. ولكن مهلاً، شرفته مفتوحة بعد أن كانت مغلقة لأيام. وقفت على أطراف أصابعها أكثر حتى ترى هل موجودًا بالفعل أم مفتوحة فقط. ظهر أمامها على فجأة من الداخل حتى انتفضت هي بهلع. ابتسم بانتصار ثم ردد يقلد نبرتها: "علفكرة مبخافش." قهقهت عالياً بقوة حتى أنها لم تضحك كذلك من أمامه من قبل. تابعه وهو يضحك بخفة خاصة أن طريقتها وصوتها في ضحكتها يجعل من يراها يضحك دون أسباب. مقبولة من كل الاتجاهات من نظره. انتهت من ضحكاتها ثم هتفت بمراوغة غير مباشرة كما يفعل: "مبقولهاش بالرقة دي خالص!" صمت يتابعها وما إن انتهت تحدث يسألها بخبث: "جاية تدوري عليا يا رزقه؟" خوفتي لا أكون مشيت تاني. بعد تمهيدها لنفسها بأن تصبح غير هينة معه وتبادله السؤال بسؤال أصعب يعيق الرد كما يفعل معها، لم تهرب بأنظارها حتى تتحدث بالحقيقة. بل طالعته وهي تحاول أن تسأله بسخرية: "إيه؟ متعملهاش!" حرك كتفيه بغير اهتمام ثم نبس بثبات: "لا أعملها، بس المرة الجاية لما أمشي همشي وأنت معايا." ابتسمت بخجل، متناسية تحديها معه، فالحديث حتى تتغلب عليه بعبثها، ولكنه انتصر وبطريقة ما. تنفست بعمق ثم اعتدلت في وقفتها قائلة على عجالة: "أنا لازم أدخل عشان بيرقصوا وهتلاقيهم بيدوروا عليا، مش هتيجي؟" قالتها بعفوية شديدة ولم تعط بالا لقوة ملاحظته في تفاصيل الحديث دائمًا. فابتسم لها بمكر وهو يتساءل: "ليه بتعرفي ترقصي؟" نظرت له بخفة ثم قلبت عينيها بملل وهي تجيبه متخلية عن حرجها قائلة باندفاع حتى تحاصره كما حاصرها الآن: "لا بعرف أعقب!" والآن قد أظهرت له شخصيتها وعفويتها وتلقائيتها. لم يكن يعرف بأنها سوف تكون بتلك الشراسة الطفيفة والخفة. حسناً، يعجبه ذلك لا مانع إذن. أنصت لإجابتها بتعمق، بينما ما إن انتهت هي، رد يجيبها بحديث عقد من لسانها وأوقفها عن المحاولة لمحاصرته حينما ردد: "عقبال ما تعقبيلي!" لم يترك شيئاً للقول بعد ما قاله. أدركت أن الدخول معه بمختلف أنواع النقاش لن يجعلها تفوز عليه، بل ينتهز جميع الفرص. طالعها وهي تنظر بتردد ثم خرجت من الشرفة دون تفوه أي حرف. حرك رأسه بقلة حيلة ثم ردد بخفوت وهو يخرج من الشرفة: "ومالو التعقيب، مش وحش، شغال." خرجت من الغرفة لتتوجه لهم بالصالة، ومن ثم طالعتهم بابتسامة حينما كان يتراقص بدر مع يامن في جو مبهج. قاطع تركيزها معهم صوت دقات الجرس العالية. توجهت لتفتح الباب فوجدت حامد وهو بجانبه. ابتسم حامد وهو يوزع أنظاره بينهما، حتى دخل ثم أشار لها بأن تتمسك بذراعه أمام أنظار ولده. حتى نظر هو إلى غسان ثم مال ليتحدث بجانب أذنه: "دوق شوية من اللي كنت بتدوقهولي أنا وأمك." لم تفهم هي ما يحدث، بل رأت نظرة التحدي في عين حامد الذي توجه بها ليجلس بجانبها في الداخل، بينما توجه هو. ومن ثم رحب به كل شخص إلى أن انتهى وهو يتوجه لـ يامن الذي ابتسم له بسعادة وهو يهتف باسمه. قبله غسان بحب، ثم حمله على ذراعه السليم، وهو يتوجه ليجلس بجانب والده. نظر حامد للصغير الذي أمسك يده، ثم هبط على الأرض. يبدو أنه يجعله يرقص كما كان يرقص مع والده. ضحك حامد بخفة وهو يلبي طلب الصغير ثم نهض معه أمام أنظارهم الضاحكة. حتى هي كانت تنظر إلى الوضع بابتسامة عريضة. إلى أن ذهب مع الصغير ليرقص معه بخفة وسط الآخرين. فتحرك هو بخفة حتى يجلس بجانبها مقترباً أكثر. التفتت برأسها سريعاً، تنظر له فوجدته متصنعاً عدم الاهتمام وهو ينظر إلى هاتفه. لم يرفع أنظاره ليطالعها بل تركها تنظر له. ولكنها حركت رأسها سريعاً حينما هتف وهو ينظر للهاتف: "شكلي حلو؟" وزعت أنظارها في المكان، بينما رفع أنظاره ليطالعها، فخرج صوتها الثابت وهي تقول: "مش أوي لا!!" ضحك غسان بخفة وهو يحرك رأسه تزامناً مع قوله لها: "كذابة، ده البنات بيقولولي إني شكلي قمور، حتى إنجي مديرة الـ.." حاول أن يلعب على نقطة غيرتها حتى يعلم أكثر قيمته لديها. نظرت له بغيظ، ثم رددت بخفوت تقاطعه حتى لا تجلب الأنظار: "هستنى إيه من واحد بيقول عليها جامدة، هترد تقولك إيه يعني كتر خيرك!!!" كبت ضحكاته، خاصة أنها صدقت حديثه وبسرعة ثم تبدلت ملامحها للجمود. بينما نهضت هي سريعاً، تتحرك من جانبه بغيظ، لتتجه لهم. فبقى هو ينظر بأثرها بتسلية حتى ذهب ليجلس بجانبه بدر قائلاً له بلوم: "يعني أقعد أحاول أوصلك وأنت قافل تليفونك، ورايح تفتحه النهاردة الصبح قبل ما تيجي!!" "آه، وكويس إني فتحته وشوفت الرسالة بتاعت الورقة اللي أنت قطعتها عشان نفعتي وأنت مش هنا." هز له بدر رأسه ثم تحدث مرة أخرى بنبرة هادئة: "معتش هقولك أنت بتعمل كده ليه لأن أصلاً هم عاوزين بضربوا بالنار، ونيروز حكت اللي وحازم عارف باللي عملته بس مطري دماغه بسبب اللي حصل امبارح فماتخدش جنب منه هو تقريباً معتش فارق معاه، صعبان عليا والله." هز له رأسه بتفهم من الذي يتحدث عنه. فقد قص بدر في رسائل ما حدث له حتى يعود غسان!! كانت توزع هي نظراتها عليه من بعيد بغيظ. لاحظت ياسمين نظراتها حتى توجهت تقف بجانبها ثم مالت عليها قائلة بخفوت: "في إيه؟ بتبصيله كده ليه؟ في حاجة حصلت؟" كانت تسألها باهتمام. فابتسمت نيروز لها قائلة بهدوء: "لا عادي مفيش حاجة." *** في شقة "زينات"، كانت هي تجلس على المقعد في الغرفة فمنذ أن مر الوقت على ما حدث وهي منفعلة لأقصى درجة. حتى زوجها الذي كان يجلس بجانبها، تهز ساقيها بانفعال والهاتف بيديها تقوم بطلب ولدها ولكن كالعادة لا رد. نهضت مرة واحدة وهي تصيح بانفعال وصل إليه: "هنعمل إيه يا سليم!" طالعها بصمت ثم أخذ أنفاسه يجيبها بحدة: "يعني إيه نعمل إيه؟ أديكي شوفتي اللي حصل. ما هو قال مخدهاش وحتي لو خدها فين الدليل؟ أنت مش فاهمه بيحصل إيه؟" نفخت أنفاسها عالياً ثم نظرت له متخلية عن ما كانت تفكر به ثم رددت لتشعله: "هو أنت لسه مش واخد بالك؟ ده مد إيده عليك وزقني عشان بنت أخوك. يعني فيه بينهم حاجة زي ما قولتلك لا وأنت قاعدلي بدل ما تروح تربيها وتعلمها الأدب شوية، ولا تروح تشوف بنتك فين، حتى ابنك اللي مش بيرد عليا ولا فدماغك حاجة!" "بنت أخويا أنا عارف هروح لها أعمل إيه كويس عشان أربيها. أما أنت، فانت السبب ما لو كنتي واخده بالك من بنتك وعينك عليها كان فاتها ممشتش مش راحة مطنشالي دماغك على الآخر. وعشان تبقي عارفه لو بنتك طلعت ماشية من هنا بمزاجها هقتلها وهقتلك من بعدها." قالها هو يتحرك من أمامها. لم تعير لحديثه الأخير اهتمام بل نظرت له وهو يخرج من الغرفة متجهاً إلى الخارج حيث الصالة. يبدو أنه لا ينوي خيراً لهن وهذا ما كانت تريده. نظرت بتشفي وانتصار لما فعلته أثر كلماتها به. ثم عادت مرة أخرى وهي تفكر ولم ولن تنوي خيراً أبداً. *** جلسوا مرة أخرى في صالة المنزل وكل يشرب من أكواب العصير التي توجد بيديهم، وتلك المرة كانت "عايدة" قد أتت لهم. ولكن من دون "جميله" جلست "نيروز" بجانب "دلال" ومن الناحية الأخرى "ياسمين" و"حازم" ومن ثم "غسان" من أمامه الذي يجلس بجانبه "بدر" و"ورده" بينما جلس "حامد" وعلى ساقيه "يامن" وهو يناوله العصير ليشرب منه ببطء. خرج صوت "حامد" وهو يحدثهم موجهاً حديثه للعروسين قائلاً بتساؤل وهو يبتسم: "الشقة خلصت ولا لسه يا حبايبي؟" ابتسمت "ياسمين"، فرد "حازم" وهو يبتسم ليجيبه: "بنحاول نخلص فيها عشان معاد الفرح قرب، بس هي قربت خالص يعني." ابتسم "حامد" وهو يردد بحب تحت جميع الأنظار: "ربنا يسعدكم ويتمم عليكم بخير. مش محتاج أقولك يا حازم إنك تخلي ياسمين في عينيك وتحافظ عليها ومتزعلهاش، لأحسن فيه ظهرها رجالة يا ابني وأنا أول واحد!" ابتسمت له بامتنان هي وشقيقتها، بينما ابتسم "حازم" مردداً بمرح: "بتوصيني على حب عمري يا حج؟ عيب عليك والله." ضحكوا عليه بخفة، بينما تابع "حامد" قائلاً من بين ضحكاته بتذكر: "بتفكرني بزمان يا حازم مع أم غسان!" نظرت هي بحرج، بينما ضحك الآخرون بترقب، خاصة "نيروز" التي كانت تتابع باستمتاع، فواصل يكمل حديثه بتذكر: "الأيام بتعدي بسرعة أوي." أيد البعض في الحديث وهم يضحكون بخفة، بينما خرج صوت "ياسمين" وهي تسأله بفضول: "احكيلنا يا عمو إنت اتعرفت عليها إزاي!" هلل البعض بالتشجيع حتى يقوم بقص حكايته، بينما ضحك هو وهو يومئ بالموافقة تحت نظرات "غسان" المبتسمة وهو يوزع أنظاره على الجميع، خاصة هي، ولكنه صب تركيزه على ما قاله والده والذي يعرفه هو أيضاً، حينما بدأ: "زمان ما كانش فيه عمارة لسه كنا نسكن فيها وكده، لأ دا كان عندنا بيت عادي وقصاده بيوت كتيرة كده وكان فيه شجر كتير مزروع برتقان وكام أرض زراعية كده وجوافة مزروعة في شجر برضه. وهي كانت عايشة مع أخوها، الفرق بينها وبين أخوها كبير، حتى هي كانت عايشة معاه وهو متجوز، وكانت بنت يعني سنها متوسط كده. كنت بقعد أبص عليها وهي ماشية وأول ما أخوها كان يطلع من البيت كنت أمشي أهرب بعيد، أصلها كانت بيتها قريب من بيتي شوية. كانت أما تطلع تروح عند الشجر وتتعلق عليه عشان تجيب برتقان، مكنتش الشجرة عالية أوي. كنت بمشي وراها كل ما تروح واقف أبص عليها وهي بتنط تجيب برتقان. حكاية الحب بدأت من هنا، كل شوية أراقبها وأمشي وراها وأطمن لحد ما تجيب اللي هي عايزاه وأرجع أمشي وراها تاني وهي مروحة، بس لما أخوها كان بيظهر كنت بختفي على طول، أصله كان طويل أوي وشكله يخوف وكل شوية صوته طالع في الشارع. كنت في الجيش بقى ومرة في مرة بدأت كل ما أنزل أجازة أروحلها عند الشجرة وهي تيجي هناك، كنت بقعد أتكلم معاها وأقابلها من غير ما أقولها إني بحبها. كانت بتحب تروح تقعد هناك وأنا كنت بحبها وبحب قعدتها، وكان عندها كام صاحبة كده ساعات يجوا معاها وساعات لأ. فجاء مرة روحت أقف أستناها عشان أقولها اللي في قلبي بقى خلاص. واليوم اللي استنيتها فيه وكنت جايبالها وردة وجمعتلها برتقان من الشجر كمان، لقيتها جاية مع أخوها. فمكنتش واخد بالي أنه معاها لما ندهت عليها وأنا بشاورلها وفرحان أوي كده. راحت واقفة مكانها ومبرقة جامد. ولقيت حد ماشي وعديها وجاي عليا وهو بيبصلي وبيقولي: عاوز من أختي إيه يا ابني؟ قعدت أتأتأ في الكلام وأنا مش عارف أقول إيه لحد ما غمضت عيني وقولتله مرة واحدة: أنا بحب أختك.. قولت: إنا لله وإنا إليه راجعون. كنت متوقع آخد علقة منه موت. بس لقيته شاور لأخته تسبقه بعيد وقام باصص ليا جامد وقالي: بكرة تيجي إنت وأمك وأبوك وإخواتك تخش البيت من بابه بدل ما أكسر بابه عليك يا حامد، سامع ولا مش سامع؟" قاطعه صوت الضحكات العالية بصخب. كان منهم من يضحك بشدة على حديثه ومنهم من كان يتابع وهو يضحك بخفة لعلمهم بالحديث من قبل. كانت زوجته خجلة قليلاً رغم كبر سنها! تحدثت "نيروز" أخيراً من بين ضحكاتها العالية وهي تقول: "طب وإيه اللي حصل بعد كده يا عمو وعملت إيه؟" "هعمل إيه؟ طبعاً خدت أمي وأبويا وإخواتي تاني يوم وروحت طلبت إيدها. قام أخوها رفض، نقرا الفاتحة بس. قالي: يا تكتب كتابك عليها يا مفيش بنات للجواز. قالي: مش هروح شغلي وإنت هنا تبقى قاعد معاها وماشي معاها وأنا مش واخد بالي. بصراحة كان عنده حق عشان أنا مكنتش سهل برضه. كتبت كتابي عليها وبقيت أمشي معاها في الحلال ونروح عند الشجرة وأبص عليها براحتي من غير ما أخاف حد يقفشني وبالحلال. وشوية شوية خلصت الجيش وبعدها قعدت أدور على شغل لحد ما جربت شغل كتير ومستقرتش على حاجة معينة، ومع ذلك استنتني حتى بعد إصرار أخوها إنها تتطلق وتسيبني عشان مكنتش جاهز وكان بيتقدملها ناس كتير، بس أم غسان الأصيلة عمرها ما اتخلت عني، كل يوم جنبي وتشجعني إني أقف أكتر. استقريت شوية في شغل واتجوزنا، ورغم إننا قعدنا فترة كبيرة منفصلين، ويوم ما ربنا يكرمنا كان توأم والحمد لله عشنا وجولي برزقهم كمان. الحلال حلو يا جماعة، رغم إني مكنتش سهل بس مقتنع إن أي حاجة بالحلال أحلى وأحسن وأريح." ابتسموا جميعاً بإعجاب وهم يهللون له وبما كان يفعله. بينما هزت "نيروز" رأسها بتفهم، الآن قد علمت لماذا والده لم يرى تربية، بل هو النسخة الثانية من والده. هذا الذي ظهر لها، نظرت تبتسم بقلة حيلة، بينما كان هو يضحك بخفة على ما قاله والده. نهضت تأخذ الأكواب من الجميع على الصينية، ثم قامت حتى تتوجه لكل شخص معه الأكواب، حتى أخذتها من الجميع، وتركته بالقصد حتى تعنفه لما قاله منذ قليل لها. لم يأخذ أحد باله لما حدث، بل توجهت إلى المطبخ. فنظر هو بأثرها بابتسامة خبيثة، ثم وزع نظراته على الجالسين فوجد كل منهم ينشغل بالحديث مع الآخر. نظر إلى "يامن" الذي هبط من على ساق الآخر، فحمله بخفة بذراعه وهو يمسك الكوب، ثم توجه يسير إلى المطبخ من خلفها، ومن ثم رفع الستار بسرعة وهو يتسحب من خلفه. كانت هي تضع الأكواب بحذر، فالتفتت تنظر لمن جاء من خلفها فوجدته هو. شهقت هي عالياً حينما وجدته جاء خلفها بتلك السهولة. خرج صوتها سريعاً وهي تنظر له قائلة بتلقائية وخوف من ما سيحدث إن انتبه أحد: "انت إيه اللي جايبك هنا يخربيتك!" وجدته يطالعها وابتسامة عبثية على جانب شفتيه، فرفع هو الكوب يقدمه لها قائلاً: "جاي أدخل دي المطبخ اللي إنت قصدتي متخديهاش، شوفتي بقا بتورطي نفسك إزاي!" تعلثمت بحديثها وهي تبرر سريعاً ونظراتها على مدخل المطبخ والستار، مبتلعة ريقها بخوف: "طب خليك وأنا هطلع وإبقى تعالي بعدي، عشان مينفعش كده لحد يفهمنا غلط." إقترب يقف أمامها مباشرة، ثم ردد بمراوغة وهو يطالعها بتسلية: "لأ ينفع، أنا لو حد سألني إنت كنت فين، كنت بشاور ليامن عشان عطشان، إنت بقا إيه اللي جايبك ورايا؟" طالعته بغير تصديق، ثم نظرت له بحدة وهي تتحرك من أمامه. فتحرك يقف من أمامها سريعاً قبل أن تخرج. فنظرت له باستنكار، فمال عليها يتحدث بجانب أذنها بصوت هامس هادئ جعلها تتسمر في مكانها: "عيني مبتهتمش لوجود حد غيرك يا بنت الأكرمي!" بالطبع قالها ليبرر لها ما قالته وما قاله من علاقته بالفتيات، وأيضاً مديرة العمل الخاص بهما. كانت تنوي أن تتحرك بسبب رؤيته وهو ينحني بسبب عدم ثقتها به من عبثه، وبسبب فرق الطول بينهما كان منحنياً ليصل إلى رأسها بجانب عنقها. استقام مرة أخرى، أما هي فظلت تحرك أنظارها في المكان بسبب تثبيته لها بحديثه ذلك الذي يفتك بها. لم تتحدث بشيء بسبب تثبيته للحديث، بل فتحت عينيها على وسعها حينما همس هو لـ "يامن" بأن يقبلها بدلاً منه قائلاً بوقاحة: "اديها بوسة يا يامن على ما ربنا يفرج." قدم الصغير وهو يقربه منها أكثر حتى قبلها من وجنتيها بهدوء وهو يبتسم. دق قلبها سريعاً حتى أيقنت أن صوت دقاته العالية مسموع. تسمرت في مكانها حينما فعل الآخر ذلك. لم تخرج من دوامتها إلا عندما سمعت صوت شقيقتها تهتف باسمها عالياً. دفعته بتعلثم وهو ينظر لها بمشاكسة. فوقف أمامها مرة أخرى حينما حاولت الخروج. ثم مال ليهتف مرة أخرى بجانب أذنيها كما فعل معها من قبل قائلاً بنبرة تربك منها: "يحلاوة القلب لما يدق يدق!" تخطته سريعا. ثم سارت بخطوات أشبه بركض بطيء حتى تخرج من المطبخ متوجهة إلى الخارج. نظر بأثرها بتسلية لتفضيله رؤيتها كذلك. ثم نظر ليامن باعجاب لما فعله منذ قليل وهو يهتف: "ده انت كده عال أوي." "خايفة ليه؟" قالها عاصم لتلك التي منذ أن جاءت وهي تجلس تفرك بيديها. هي لم تأت منذ وقت طويل بل ما إن انتهت من محاضراتها جاءت. حتى تأخرت كثيراً اليوم في جامعتها. طالعته جميلة بهدوء ومن ثم تنفست بعمق وهي تجاوبه على سؤاله: "مش هكذب وأقول مش خايفة بس أنا أول مرة أتحط في موقف زي كده فمش عارفة!!" أومأ بتفهم. ثم تحدث بعقل حتى يطمئنها: "متقلقيش. اعتبري نفسك قاعدة مع نفسك وأنا مش موجود خالص وشوفي هتقوليلها إيه." "في حاجات كتير حتى مبعرفش أقولها لنفسي!!" قالتها بشرود وعجز لما تحمله بداخلها. فطالعها باهتمام ثم تساءل بهدوء: "بتخافي؟ ولا مش عاوزة تأكدي الحاجة دي لنفسك!" حاصرها بحقيقة تكذبها ولا تريد قولها بل وتشعر بها فالثانية مائة مرة. هذا ما تعتقده. تنفست بعمق وها هي تكسر الحواجز لتتحدث بما بداخلها. تنهدت ثم قالت بهدوء عكس حربها الداخلي: "الاتنين. أنا نفسي أعيش حياة طبيعية هادية من غير كل ده. كان هيحصل إيه لما يتعامل معايا على إني بنته مش عالة عليه! بحس إني مش مقبولة منه. تعامله. أسلوبه. تحكماته. حتى نظراته ليا وكأني عاملة عَمْلة مستحيل تتغفر!! نفسي أعرف سبب البعد. نفسي أفهم إيه الخسارة لو عاملني كويس وحسسني إني بني آدمة. هو أنا مستحقش ده؟ مستحقش أختار وأعيش وأشوف وأتكلم وأخاف ومخافش. أنا كل يوم بأذي نفسي بتفكيري بعلاقتي بيه اللي مستحيل تتغير..!" "مجربتيش تحاولي متفكريش في كل ده عشان متأذيش نفسك؟ ولا انتي جيتي لما تعبتي من الأذية ومن كل الأطراف. باباكِ. انتِ. تفكيرك؟" قالها بمنطقية. فردت تجيبه بنبرة مختنقة: "أنا بأذي نفسي. أيوه بأذي نفسي. بحط في دماغي حساب لكل حاجة. حساب لرد فعل بابا. حساب لو عملت كذا هيعمل إيه. بخاف أعمل أي حاجة منه برغم إنه ممكن بعيد بعض الأوقات لكن لما يقرب بيأذيني. بيأذيني نفسياً. حاسة إن مكنش ينفع أنا أبقى بنت الراجل ده. حاسة إن ده بالذات مش لازم يبقى أبويا. مش ده اللي يتجوز اتنين. مش لازم ده اللي يجيبلي إخوات بيكرهوني وبيأذوني نفسياً. مش ده اللي لازم يكون فارض كل حاجة عليا في الأوقات اللي ببقى فيها معانا. مش لازم مش لازم كل حاجة. مش لازم إنه يكون هو نفسه مبيحضنيش. مش فاكرة حضني امتى. حتى عمره ما عملها. مش ده اللي وقت تعبي مبيسألش عليا. ليه يبقى ده السبب اللي يخليني أبص لحنية غيري على بناته! ليه يخليني أحس بالغيرة من ناس هما أقرب ناس لقلبي بس كنت عاوزة أحس زيهم باهتمام وحنية وحب. أنا بقولها بصعوبة مش قادرة أقول لحد كده بس هقولها دلوقتي. لو كان أبويا ميت كان أهونلي!" كلمات قاسية صفتها لمن يجلس أمامها. كل ما كانت تهابه وتود قوله قالته دفعة واحدة. ثم نهضت على مرة واحدة وهي تنظر بضيق. حتى لم تأخذ فرصة لوداعه بل تركته وهي تلملم أشياءها بانهيار داخلي. نظر بتفهم لحالتها. يعلم أنها ستأتي مرة أخرى. مقرراً بذاته بأنها حالة من ضمن أكثر الحالات صعوبة!! ولكن مادامت بمحاولتها للوصول إليه. إذن الهدف من شفائها ليس أمر ضعيف تنفيذه!! خرجت تائهة مشتتة من العيادة بأكملها. تارة تنظر بحيرة وتارة تنهر نفسها للحديث مع غريب عن والدها!! خاصة قولها بكرهه!! تسرعت!! ما أسوأ التفكير والندم في شيء فعل بالفعل!! كان يجلس بصالة المنزل يشاهد التلفاز منذ وقت كبير تاركاً صديقه نائم. ظل يتحاشاه منذ أمس لما حدث. لم يتفوه بأي حرف سوى آخر جملة عندما قال له بأن يرحل. ينهر نفسه تارة لقوله ذلك. يتردد منذ وقت كبير بأن ينهض ليراه. لأنه لم ينهض بعد. هزمه قلقه وهو يتوجه ناحية الغرفة بخفة لينظر عليه من على بعد. فوجدته ما زال مسطحاً على الفراش. حرك ساقيه للدخول ثم وقف أمامه يطالعه ويطالع وجهه الذي بدا عليه كثيراً آثار الإدمان. رفع آدم ذراعه وهو يحركه. فالوقت قد تأخر كثيراً. ها هو منتصف اليوم وما زال الآخر نائم. لم يتحرك حسن من مكانه بل تدار بخفة وهو يحاول فتح عينيه بإنهاك. بينما تابع آدم بنبرة تهكمية: "كل ده نوم ما تقوم!" لم يتحرك الآخر بل تدار عينيه بالمكان بطريقة مريبة. عقد آدم ما بين حاجبيه ثم رفع يده على وجهه يضربه بخفة ليجد درجة حرارته مرتفعة. ذلك الغبي المتهاون بحياته. سبه آدم ثم رفع الغطاء بسرعة يدثره جيداً. وهو يتوجه للخارج. لم يلبث دقائق ثم أتى بزجاجة مياه فاترة وقطعة قماشية. حتى يقوم ببلها ووضعها على رأس الآخر خوفاً من أن يحدث له شيء. جلس بجانبه وهو يفعل ما يفعله. ثم وضع يده على صدره ويديه الساخنة بقوة. لم يتحرك حسن بل كان واعياً. غير واعياً. يتحدث بحديث غير مفهوم. عقد آدم حاجبيه حينما ردد الآخر بصوت خافت بطيء يبدو أنه يحلم حلماً. كان هو الطرف غير المتهاون به حينما أقسم: "مش هسيبها. والله ما هسيبها." لم يفهم معنى كلماته ولكنه أيقن جيداً أن دخوله للاطمئنان عليه كان في الوقت المناسب. نهض ليوزع القطعة القماشية على ساقيه من الأسفل وهو يكشف الغطاء قليلاً. ناظراً على صديقه الذي ما زال يتحدث بحديث غير مفهوم!! سمع صوت دقات الباب العالية وجرس المنزل. ترك ما بيديه ثم توجه سريعاً يفتح الباب. لم يرى من أمامه ما أن فتح سوى شريف الذي دفعه ببطء ليدخل إلى الداخل. لم يعطيه آدم فرصة للحديث بل تحدث بخوف للآخر: "حسن تعبان أوي يا شريف ودرجة حرارته عالية!" نظر له الآخر بغير اهتمام بل تركه وهو يتوجه بخطوات ثابتة إلى الغرفة. ثم ذهب ليقف من أمام المسطح على الفراش وهو يضع يديه باشمئزاز على وجهه فوجد حرارته مرتفعة بالفعل. التفت ينظر من خلفه قائلاً له بغير اهتمام: "عادي بتحصل. على بكرة هيكون كويس وهيفوق ويطلب كيفه!" نظر له آدم بعجز. ثم ذهب ليضع من القطعة القماشية على رأس الآخر تزامناً مع قوله: "معتش تجيب حاجة يا شريف حتى لو طلبنا منك. إحنا هنبطل." ضحكة ساخرة اعتلت وهو يحدجه بسخرية مردداً كلماته باستهزاء: "هنـ.. إيه؟ هنبطل! هي سهلة للدرجة دي ولا إيه؟" طالعه آدم بصمت بينما أكمل الآخر: "انت مش قدها يا آدم ولا حتى حسن. حتى لو حاولتوا هترجعوا تاني. ده إدمان بيجري في الدم. يعني روحك هتتسحب منك. هتستحمل؟" نظر له آدم بتردد. فهز شريف رأسه وهو يخرج من الغرفة والاخر يتبعه: "ومن هنا بتبتدي النقطة ليه ندخل ونجرب حاجات إحنا مش قدها...!" "انت مجنون. تلت أربع الحاجات دي انت اللي معلمالنا. اتكلم عن نفسك انت كمان ومتنساهاش!" قالها بانفعال. فنظر له شريف بتمعن. حتى توجه ليخرج من باب الشقة حتى فتحه. ثم التفتت ينظر له خاصة على ارتجافة يديه. رفع أنظاره. ثم خرج صوته بنبرة متهكمة: "متتكلمش كلام انت مش قده. بص على إيدك اللي بدأت تترعش ومحتاجة جرعة. روح يالا خدها شكلك اتأخرت عليها. ولو خلصت قولي أجبلكم بكرة وأنا جاي." صفع الباب من. خلفه وهو يتركه واقفًا بمكانه مشتتًا بين أمور كثيرة. لم يشعر بنفسه إلا عندما رفع ساقه يدفع المقعد بانفعال، وهو يتوجه للغرفة حتى ينظر على صديقه. ثم نظر على الكيس بتردد، ولكن لأنه يعرف أنه لم يتحمل أن لا يأخذ المخدر، توجه لينتشل الإبرة من الكيس. وهو يرفع من كمه باحثًا بيده المرتجفة عن عرق ليحقن به الدمار. *** بعد مرور عدة ساعات، كانوا قد خرجوا جميعًا من شقة "سمية" بعد قضاء وقت مبهج. دلف "حامد" وعائلته إلى شقته، ثم ذهب ليجلس على الأريكة وهم من خلفه. وقفت "دلال" بإنهاك وهي تتحدث قائلة: "أنا هدخل أريح لأني معتش قادرة من رجلي. حد محتاج حاجة؟" أومأوا لها بالرفض، بينما ذهبت "وسام" إلى غرفتها. فنظر "حامد" إلى "غسان" ثم تمتم قائلاً بخفة: "مش قايم انت كمان؟" نظر لوالده مبتسمًا ثم هتف بهدوء: "المفروض أدخل ارتاح عشان مرتاحتش النهارده!" "طيب، بسام كلمته وقالي إنه شوية وجاي، يعني فاتح جاي في الطريق الوقتي." قالها باهتمام، فنظر إلى والده بصمت وهو ينهض قائلاً له بخفة: "حمد لله على سلامته." قالها ومن ثم تحرك من أمام أنظار والده إلى غرفته. فقاطعه "حامد" بقوله: "متقسيش قلبك وحط نفسك مكانه يبني." التفت ينظر إلى والده بهدوء ثم خرجت نبرته الهادئة وهو يجيبه: "حطيتها، الله يسهله." قالها بهدوء شديد، ومن ثم دلف إلى غرفته تاركًا والده ينظر بأثره بقلة حيلة. حتى تحرك هو الآخر إلى غرفته. بينما دخل "غسان" المتظاهر بالثبات في عودته متذكرًا كل ما حدث قبل ذهابه. وقف أمام المرآة وهو ينظر على شكله بتعمق. لم تمر دقائق ومن ثم تنفس بعمق وهو يتحرك ليدلف بالشرفة المفتوحة. أخرج أنفاسه الثقيلة ثم شرد بها وبـ ردود فعلها على ما يفعله بها. لم يلبث كثيرًا حتى سمع صوت فتح الشرفة التي توجد بجانبه. ابتسم حينما تأكد من توقعاته. لم يلتفت ينظر لها بل ظل كما هو ناظرًا من أمامه. أما هي فنظرت له بتعمق حتى استشفت عدم راحته، حتى أنفاسه الذي يخرجها بين وقت والآخر بقوة. كانت تمسك بيديها كوبين من المشروب الخاص به. رفعت يديها سريعًا وهي تقف على أطراف أصابعها، ثم تحدثت بنبرة مرتفعة كي ينتبه لها وهي تقول: "إمسك بقا دوق وقولي رأيك." التفت يطالعها باهتمام، ومن ثم اتجه ليمد يده يأخذه من بين يديها حتى لامس يديها مباشرة وهو يأخذ الكوب. اعتدلت في حركتها، حتى تحدث هو قائلاً لها بهدوء يسألها: "رايحة الشغل بكرة؟" "آه، وانت؟" ابتسم يعتدل في وقفته ثم أجابها بتأكيد: "رايح، مش هسيب إنجي لوحدها يعني أكيد." نظرت له بغيظ، ثم التفتت لتخرج من الشرفة. فأوقفها هو سريعًا بقوله: "بهزر وربنا تعالي خلاص." وقفت وهي تلتفت تنظر مرة أخرى، فغمز لها بعبث وهو يهتف: "مستحيل أبص لحد بعد عبايتك السمرا اللي جننتني!" احمرت وجنتيها من أثر تلميحه، ثم نظرت من حولها عدا عينيه، حتى واصل مرة أخرى وهو يطالعها باهتمام متحدثًا يؤكد لها: "بحبك وبحب قلبك، وياريت قلبك يحب قلبي زي ما قلبي بيحبك!!" وزعت نظراتها من حديثه الذي يربكها. لم ولن تجد حديث تجيبه به سوى كلمة واحدة لتؤكد له هي الأخرى: "بيحبه!" صمت يطالع خجلها بينما يرتشف من الكوب، حتى أكمل بعدها يتحدث ليسألها بترقب وهو يخرج أنفاسه ببطء: "احكيلي كل اللي انت تعبانة منه، قوليلي ليه بتروحي لدكتور نفسي." سؤالًا كان يود قوله منذ فترة كبيرة وهو يتردد. ولأنها لم ولن تتحدث بشيء كهذا، فبدأ هو أولًا بالحديث. نظرت له بتردد ثم أخذت أنفاسها ببطء وفي عقلها أفكار كثيرة متضاربة. نظر لها وهو يدقق حتى وجد ترددها ظهر عليها. اقترب أكثر حتى وقف أمامها مقتربًا من وقفتها أمامه في الشرفة، ووجه يطالع وجهها. لم تتحدث إلى الآن، بل رفع يده يقدم لها الكوب حتى أخذته، فأمسك يديها في لحظتها بحنو، ثم تابع بنبرة مطمئنة متمسكًا بها: "متخافيش مني، عمري ما هأذيك ولا هاجي عليك. إطمنيلي ومتخافيش!" حديث خرج من أعماق قلبه، كم يود حديثها وقولها عن ما يحدث داخلها، تشاركه حزنها، مرضها وشفائها، كل شيء يخصها. لما تكره عمها، لما لم تتحدث وتخاف كثيرًا من زوجة عمها وولدها؟ نظرت له بهدوء، بينما لاحظ هو ارتجافة يديها بين يديه. لم يترك يديها إلى الآن، ورغم رغبتها في أن يترك يديها بسب تخطيه الحواجز، ولكن حديثه لها جعلها مشتتة. فخرج صوتها المهزوز أخيرًا وهي تسأله بـرية جعلته يفكر بعد سبه لمن أوصلها لتلك النقطة: "يعني انت مش شايفني ولا هتشوفني مجنونة؟" حرك رأسه بنفي، ثم ابتسم برضا وهو يترك يديها بحنو، تزامناً مع قوله الذي لم يخرج سوى من شخص دقق بتفاصيلها: "مش شايفك أي حاجة غير وردة حلوة وجميلة ولابسة عباية سمرا ووقعتني فيها فبقيت أنا اللي مجنون!" قالها بطريقة مضحكة حتى ضحكت هي بخفة على قوله وبإعجاب. فردد هو مرة أخرى ليؤكد أكثر لها ما يود قوله: "انتِ روز وردة متبقاش غير فـ إيد واحد بس!! وأنا صاحب النصيب." كلماته تؤثر بها بقوة، تشجيعها لها، غزله الصريح والجرئ في بعض الأحيان. حتى وإن كان جريئًا في بعض الأوقات، فسكوته لم ولن يكن شيئًا تفضله بعد الآن. صمت يتابع ملامحها المطمئنة من أثر كلماته الصادقة ولمعة عينيه التي تقابلت مع لمعة عينيها. فهتف من جديد ليكمل ويؤكد لها ما تخافه وما تهابه من فقدان ثقة بمن حولها: "إوعي تخافي، ووعد مني هاخدلك حقك من كل اللي أذاكي فيوم وخلاكِ تقولي كده على نفسك." صمت في المكان بعد انتهائه من الحديث. لم يسمع سوى صوت شهقة مكتومة منها. بكت بتأثر على أثر كلماته وحديثه التي لم تأخذه من شخص بعد والدها اهتمام وعبث كلماته وحديثه المغلف كمثل الحلوى. لم تأخذ منه سوى فراشات منذ أن رأته. تثبيته لها، كل شيء يفعله. لم تهتف سوى جملة واحدة من بين دموعها تأثرًا بحديثه وتوعده. قالتها بغير وعي ولم تكن تلك المرة صعبة القول، بل كان ردًا على كل ما أردفه ورماه على مسامعها: "وأنا بحبك!" صمت ينظر لها بدهشة طفيفة. هو يعلم أنه ليس من السهل قولها لتلك الكلمات، ولكنه تيقن جيدًا أنه كسر حاجز الصمت لديها. ضحك بخفة وهو يخرج من جيبه منشفة ورقية بيضاء، ثم مد يده يمسح دموعها تزامناً مع قوله الواثق الذي لا يتماشى مع ما يفعله: "ما أنا عارف ان انتِ بتحبيني." "وايه اللي مخليك متأكد يعني!" "سلسلتي اللي فرقتك، وعينيكِ اللي بتدور عليا زي التايه يبنت الأكرمي." ضحكت بخفة، ثم أخذت المنشفة الورقية من بين يديه وهي تتنفس بصوت عالٍ لتأخذ أنفاسها. حتى سألته بجرأة أخذتها منه: "مش هتقولي 'عارفة الست قالت إيه ولا إيه؟'." لم تسمع منه سوى صوت قهقهة عالية خرجت منه. كان وسيمًا في عينيها حتى وإن لم يكن جماله مبهرًا، عندما خرجت ضحكته بقوة منه. مدققة النظر على خصلاته السوداء التي نزل منها القليل أثر اهتزازه من ضحكته. رفع يده يرجعها من خصلاته للخلف من بين ضحكاته، ثم تابع بنبرة ضاحكة يعبث معها: "بدأنا نحلو وناخد من غسان كل الحلو!" ضحكت بخفة، فتحدث هو من جديد بنبرة هادئة يسألها: "طب عارفة الست قالت إيه؟" "إيه؟" "الحب كله..." حبيته فيك. نظرت له بخجل، فطالعها بهدوء وهو يأخذ أنفاسه. كيف لوقت لم يكن بالكثير، ومن ثم يتخلل به حبها وكأنه يعشقها منذ سنوات! وإن كان يعشقها في الصغر، فقد كان حباً بريئاً اختفى فور رحيله. وما إن عاد لها، أحبها من جديد حباً ناضجاً واعياً، ليس كحب الطفولة، ولكن النقطة المؤكدة بأن حب الطفولة كان تمهيداً لما حدث، تمهيداً لحب كبير بعد مرور سنوات كثيرة! ابتسم على سهولة شعور قلبه بتلك السرعة. مهما قد عرف بعدها، لم يشعر اتجاههن كما شعر ناحيتها هي. لماذا هي؟ هذا ما يسأله لقلبه بين الحين والآخر. عقد حاجبيه من دقات باب غرفته. أذن للطارق بصوت مرتفع حتى يدخل. غير مهتماً له، بل نظر لها فوجدها أمسكت دورق المياه وهي تسقي الزرع بهدوء. ابتسم على ما تفعله، بينما لاحظ وقوف شقيقه أمام الشرفة من الداخل. وقف "بسام" ينظر على ما حدث لشقيقه من بداية جرح رأسه لكسر ذراعه. تحدث بنبرة مختنقة وهو يسأله: "إذيك يا غسان؟" لاحظت هي صوت الآخر، فتركت ما بيديها ثم نظرت له كنظرة وداع حتى تدخل. لم يرد عليها، بل وقف ينظر إليها حتى دخلت فقط. وجه أنظاره الصامتة على شقيقه. ومن ثم دخل ليغلق الشرفة من خلفه. حتى جلس على المقعد بجانب الفراش تزامناً مع قوله المقتضب: "كويس." تفهم ما يفعله شقيقه، فتحرك ليقف أمامه. ثم طالعه بأسف وهو يتحدث قائلاً بهدوء ليبرر: "غسان، أنا مش عارف أقولك ايه. بس سامحني أنا مش مرتاح كده. أنا تايه بين حاجات كتير ومش عارف أصدق ايه ولا أعمل ايه. انت مجتش..." بتر "غسان" حديثه حينما نهض على مرة واحدة متحدثاً بنبرة مستهزءة: "هتفضل طول عمرك كده. ترمي اللوم بالغلط للشخص الصح وتسيب الغلطان يعيش!!" حقيقة ود قولها له بوجهه. يرمي اللوم لمن عاش يحميه من الكسرة، بل وترك من كسرته! طالعه "بسام" بصمت. صمت كاسر، وكأن منهما صوت أنفاسهما العالية في المكان. تقدم "بسام" خطوة واحدة ليقف أمام شقيقه، ثم رفع يديه بتردد ليضعها على جرح رأسه الذي سببه له، حتى يعرف ما مدى عمقه وماذا حل. لم يجد سوى ما كان يتوقعه. أوقفه "غسان" وهو يمسك يديه سريعاً حتى لا يقوم بلمسه، ثم نظر له بشموخ، ضاغطاً على يديه بقوة تزامناً مع قوله الذي تخلله التعب من داخله: "ابعد عني." أمر قطعي بنبرة حادة له. فالحقيقة يتألم إلى الآن من الداخل بسبب ما يشعر به شقيقه، ولكن فكرة تركه معه جعلته يشك به، وهذا ما وصلا له الاثنان! سحب يديه من بين يد شقيقه، ثم نظر له بعجز، مردداً بنبرة مختنقة: "أنا قدامك أهو إضربني بس متعينش كلامى ليك جواك. أنا عارف اني غلطت فيك بس غصب عني." نبرته الضعيفة تضعف من شموخه الذي يظهره أمامه. نظر له من أعلى لأسفل وهو يحاول كبت أي شعور منهك لديه منه. بل وقف ثابتاً، محركاً أنظاره على وجه شقيقه وهو ينظر له بتمعن. بدأ كمن ينظر في المرآة لنفسه، مع اختلاف ألوان خصلات الشعر الفاتحة لدى شقيقه، ليست حد الانتباه. تمعن بالنظر: أيمكن لشخص يشبهك بقوة، بل ودمك بدمه، وأن يكسرك كلما نظرت لنفسك بالمرآة، تتذكر ما قاله لك وما فعله؟ يبدو الأمر على غيرهما وكأنه سهل. ولكن ما مر به الأول من كلمات وأفعال أثارت دهشته وأنهكت من نفسه. لم يشعر يوماً بأنه وحيد، تقسو عليه وحدته بسبب أمر واحد فقط. أهذا من جعله يهبط في الليل الدامس والظلام؟ أهذا من جعله ينحني على الأرض والأتربة ووجهه غارق بدمائه؟ هذا الذي جعله لم يقوى على الاستناد للوقوف والنهوض على قدميه بسبب كسر ذراعه لذلك اليوم. من جعله يتركهم، ويتركها مما سبب لها عدم ثقة تامة به؟ خوفاً من أن يرحل مرة أخرى ويتركها كما فعل، رغماً عنه. أسباب كثيرة تبدو هينة للبعض، ولكن بالنسبة لعقل وطباع لن تنسى بسهولة، وهذه تعد مشكلة لديه. ولكنه شقيقه، أياً كان. تنهد يخرج أنفاسه الحارة والثقيلة من على صدره، ولم يشعر بنفسه سوى عندما رفع يديه، ثم أرجعها للخلف، ومن بعدها قدمها بقوة للأمام، يشفي غليله وهو يلكم الآخر الذي يقف من أمامه على سهوه، عل ذلك يهدأ من ثورته الداخلية ومن إنهاكه وتعبُه الداخلي منه. عل ذلك يخرج من الهموم الثقيلة لديه. تلقائياً، رفع "بسام" يديه يضعها بجانب شفتيه التي نزفت دماً من الداخل بسبب أسنانه وضغط ضربة الآخر. طالعه "غسان" بشفقة وتشفي في آن واحد. لم يشعر بنفسه إلا وهو يفعل ذلك تعبيراً عن أخذ حقوقاً كثيرة، كما كان يتمنى بأن بمجرد تلك الضربة ينتهي كل شيء! مسح "بسام" بجانب فمه ببطء وهو يتأوى بخفوت، ومن ثم رفع رأسه بخزي له، ولم يبدي أي ردة فعل عنيفة، حتى وإن كان يشك به إلى الآن، ففكرة قوله لكلماته القاسية له جعلته ساكناً، نادماً. أما الآخر فصمت يأخذ أنفاسه وهو يتابع شقيقه الصامت من أمامه، فحاول أن يخرج منه صوته ثابتاً، ولكنه خرج مهزوزاً بسبب ما فعله به وما فعله الآخر به، ولكن ليسا متساويان إلى الآن: "أنا مش عاوز تبرير منك على اللي حصل عشان اللي حصل حصل وقولته وعملته خلاص مفيش تغيير. أنا عاوز أعرف إيه اللي خلاك تشوف تاج تاني؟!" وضع "بسام" يديه بجانب فمه، ثم تحدث يجيبه بهدوء رغم ألم فكه: "في المستشفى عشان أبوها تعبان هناك." أومأ له بصمت، وهو يشرد في أمر يود فعله. فتحدث "بسام" قائلاً له بأسف: "طب اتكلم وقولي ليه عملت كده أو قول اللى عاوز تقوله وأنا هسمعك." يا لسخرية الموقف من أمامه! ويا لسذاجة شقيقه! ابتسم "غسان" بسمة تهكمية، ثم هتف بسخرية يجيبه: "اللي ميسمعنيش فالأول ميستحقش يسمعني دلوقتي. فرصة كلامي عشان أدافع عن نفسي ضاعت وانت اللي ضيعتها بنفسك.." لا يعرف بماذا يجيب، بل ظل صامتاً بقلة حيلة وهو ينظر له بنفس نظرة الأسف والخزي، وكأنه عار بما فعله! انتبه لصوت شقيقه حينما ردد "غسان" مرة أخرى يواصل حديثه بنظرة عين ليست هينة كما رآها الآخر: "تاج هي اللي هتتكلم مش أنا. تحب أسجلك ولا يبقي كل حاجة لايڤ قدام عنيك؟!" نظر له "بسام" بغير تصديق متسائلاً بدهشة وريبة لم يظهرها من كونه رأى الآخر يتحدث بوعيد غير مباشر بالمرة: "يعني ايه؟" "اقعد وأنا أقولك يعني ايه." جلس يستمع إلى شقيقه، الذي بدأ بالحديث وكأنه يخطط لمعركة ستنشأ. كان ينصت إليه بتمعن، مسلطاً أنظاره على نظراته التي ظهرت حادة وهو يتحدث عنها. قد أعلن الآخر طبول الجرح والوجع للتنفيذ أمس، ولكن شقيقه من جعل وفعل بنفسه هذا! لم يعتبرها "غسان" سوى فريسة أثناء الحديث عنها وعن ما يقرر فعله، وكأنه يقوم بالتخطيط لـ خطة محكمة للوقوع بفريسة ليست هينة، للوقوع بفريسة معينة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...