```
"السلام عليكم ورحمة الله ... السلام عليكم ورحمة الله"
قالها الإمام بعد فترة، حتى أنهى الصلاة. مرت الدقائق ونهض هو براحة تخللته بسبب صلاته ودعائه وقربه من خالقه. خرج خارج المسجد هو وصديقه، ثم بدآ في السير بعيدًا عنه. التفت "شادي" ينظر له فوجده شارداً، يبدو أنه يفكر فيما قاله له من نصائح يرميها على مسامعه بين الوقت والآخر. تنفس بعمق ثم تحدث قائلاً بلين حتى يقتنع:
"مش ناوي بردو؟"
"يخربيت زنك يا جدع! إيه نحلة؟"
قهقه "شادي" عالياً وهو يفعل صوت النحلة، ثم حرك يده تماشياً مع صوته قائلاً بلحن:
"أنا النحلة.. وانت.. الكتكوت"
قلب "غسان" عينيه بملل من سخافة الآخر، فجلس على استراحة ومن ثم جلس صديقه بجانبه. فكاد أن يتحدث "شادي" مرة أخرى، فقاطعه "غسان" سريعاً وهو يخرج هاتفه من جيبه ثم تحدث باندفاع:
"خلاص. آخرس بقا وافصل. هفتحـه الأول وأكلمها"
صفق الآخر كتشجيع له وهو ينظر له نظرة فخر قائلاً بمرح:
"أقسم بالله أرجل واحد فـ.."
رفع "غسان" يده سريعاً ثم ضربه بخفة في وجهه لتوقفه لما سـيردفه. فتأوه "شادي" وهو يرجع إلى الخلف قائلاً بسرعة ليبرر:
"والله قصدي.. أرجل واحد فـ الرجالة.."
***
كانت في ذلك الوقت بشقتها جالسة على سجادة الصلاة تقوم بأداء فرضها، وهي تناجي ربها وتتوسله بأن يهدي لها أولادها ويرد لها ابنها سالماً. دعت بأن يسكن الله قلبها بينما في حيرة من أمرها أين هو وماذا يفعل الآن. وكأن دعائها قد استجاب للتو، حينما قامت بالتسليم أخيراً. ومن بعدها وجدت هاتفها صوته يصدح في المكان، عن متصل. استندت رغماً عنها وهي تحاول أن تنهض لتجلبه من على بعد مسافة قليلة جداً، حيث جانب الفراش. جذبته سريعاً ولم يأتِ ببالها أنه هو!! ابتسمت سريعاً ثم ضغطت على الزر بفرحة كادت أن تمتزج مع دموعها البسيطة. ثم أجابته بصوتها المتحشرج:
"غـ. غـسان عامل ايه يا حبيبي طمني عليك؟ انت فين؟ وبتعمل ايه؟ روحت عند مين يا بني قولي وطمني!!"
لهفتها في طرح الأسئلة لن تأتي إلا من أم. ورغم كثرة الأسئلة عليه، إلا أنه شعر بالراحة وهدوء ضميره بسبب تعنيفه لنفسه من الداخل فقط بأنها قلقة. ولولا صديقه وتحفيزه من قبله لما اتخذ الخطوة بهذه السرعة. سمع صوت أنفاسها ولكنه تنهد يأخذ أنفاسه بتعب من لهفتها وخوفها قائلاً يجيبها بهدوء رغم ما بداخله:
"أنا كويس يا دلال الحمد لله. متقلقيش عليا. انتم عاملين ايه وحامد ووسام وبـ.."
صمت لا يدري لما صمت، ولكنه قالها بغير وعي، حيث طبيعته ولهفته على من منه جعلته يردف حديثه هذا. ورغم ما حدث لم يتردد لحظة بأن لا يطمئن على شقيقه، بل واصل حديثه بابتسامة مؤلمة وصوته الذي وصل لها:
"وبسام عامل ايه؟"
"إحنا كويسين يا حبيبي. متقلقش علينا إحنا اللي قلقانين عليك. إرجع يابني ومتوجعش قلبي أكتر من كده أرجع وكل حاجه هتتصلح وحتي اللي حصل هنا. تعالى يا غسان أو قولي على الأقل انت فين وريح قلبي"
لم يفهم كل حديثها، ولكن على أي حال أجابها رغماً عنه من تلك النبرة التي تخترق سهام قلبه وبقوة. حاول أن يبقي ثابتاً في صوته حينما ردد باختصار:
"أنا عند شادي يا دلال. ياريت متقوليش لحد أنا بس كنت بطمن عليكم. وهقفل دلوقتي. خلي بالك من نفسك. وخلي بالك.. منهم"
قالها ببطء ومن ثم ضغط على زر الغلق ليغلق تلك المكالمة التي تهلك من فؤاده بسبب ما تشعر به والدته والذي ظهر له من حديث. أيقن أنه المؤذي في قصتهم حينما سمع صوت والدته وبكائها في الهاتف في آخر حديثها. أخرج الأنفاس الثقيلة من على صدره ثم ضغط على الزر ليغلق الهاتف تماماً كما في السابق. كان بإمكانه صديقه أن يترك له المساحة الخاصة ولكنه بقي تحسباً لرد شخص آخر غير والدته على الهاتف رغم أنه هاتفها ولكنه يضع كل الاحتمالات حتى لا يسوء الوضع أكثر. رفع "شادي" يده يربت على كتفه بحنو وهو يبتسم بسمة صادقة من صداقتهم الحقيقة قائلاً:
"كل حاجه هتروق. يلا بينا؟"
قالها وهو يقترح عليه ليعودا إلى المنزل. أومأ له "غسان" دون التفوه بأي حرف ثم نهض من مكانه حتى أصبح بجانبه وهو يسير على الطريق.
أما هي فعندما أغلق الخط هبطت دموعها، ولكنها بعد لحظات جففتها بثقة من دعائها لله. ثم خرجت من الغرفة لتوقظ ابنتها. هي وابنتها بمفردهما في المنزل حتى "حامد". لم يأتِ بعد الصلاة. و"بسام" رغم أنه يبيت في المشفى منذ أمس إلا أن موعد رجوعه للمنزل كان مبكراً. ولكن يبدو أنه يبطئ في مجيئه بسبب مقاطعتهم عن التعامل معه والحديث هذا ما سبب تأخيره حتى يذهب لغرفته وفي وقت العمل يخرج مباشرة دون احتكاك. رغم ضعف قلوبهم ناحيته إلا أنهم لا يعلمون أيضاً سبب رحيل "تاج" عنه إلا الآن. وبسبب تصديقه لحديثها قاطعته عائلته بسبب تخليه وتكذيبه عن شقيقه. أما عن وجعه فالكل يتألم له.
***
في شقة "زينات" كان جميعهم مجتمعون عندها إلا القليل. جلسوا على الأريكة بعد دلوفهم المنزل لديها للتو. خرجت لهم "زينات" بملامح وجه مبتسمة غير مريحة بالمرة. بينما جلس "سليم" بجانبهم. وكان "حازم" يجلس بجانب "ياسمين" ومن جانبه "جميلة" و"عايدة" و"سمية" وأخيراً "وردة" التي تركت صغيرها مع والده في شقة والدها بسبب عدم رغبة "بدر" المستمرة في الاحتكاك بتلك العائلة المكونة من "سليم" وزوجته الثانية وكذلك أولادها. كان الجو ساكناً. الأنظار والوجوه ظهر عليها وكأنهم مجبورون على تلك العزومة. أمسك "سليم" الكوب الزجاجي ليشرب منه ومن ثم رفعه حتى أنزله مرة أخرى وهو ينظر لـ "سمية" وبعد لحظات خرج صوته لها وهو يتساءل بتهكم:
"وفين بنتك بقا على كده؟ والنهارده المفروض أجازه يعني؟"
تحركت أنظار "ياسمين" صوبه بغيظ. كما نظر الآخرون بترقب. بينما أجابته "سمية" بنبرة جادة:
"هو مش لازم يبقي في شغل عشان تنزل. بتعمل حاجة برا وجاية علطول. مش مستاهله يعني الكلام."
حسناً، هذه فرصة جديدة لـ "زينات" غير التي تحتفظ بها عند اجتماعهم جميعاً. ابتسمت بتهكم وهي تردد قائلة باستفزاز:
"هو مش لازم بردو عمها يعرف هي بتروح وتيجي منين يا سمية يا ختي. أقولك على حاجة بردو. البنات اليومين دول معدوش مضمونين أه والله يا حبيبتي..!"
نظرت لها "سمية" بغضب تحت أنظارهم. فرفعت "ياسمين" قدم على الأخرى ولأنها كانت تجلس أمامها ثم أجابتها إجابة عقدت من لسانها حينما قالت:
"عندك حق البنات فعلاً مش مضمونين اليومين دول."
صمتت تتابعها بغير تصديق وكذلك عمها. بينما نظرت لها "وردة" بترقب للآتي هي تعلم بأنها لن تتوقف إلى هنا. حتى "حازم" الذي نظر لها بانتظار رغماً عنه. وتأكدت شكوكهم حينما واصلت مرة أخرى ببرود:
"علشان كده شوفي بنتك مشت من البيت ليه؟ ولا يكون.."
صمتت تحك ذقنها بكيد ويم واصلت بتأكيد متظاهره بالتفكير:
"هربت..!!"
وقف "سليم" مرة واحدة على فجأة. بينما نهض الجميع وبقيت "ياسمين" كما هي جالسة وكأن شيئاً لم يكن. وقبل أن يتحدث عمها صاح "حازم" عالياً:
"أنا مش فاهم بتحبي تستفزي غيرك ليه."
```
وتطلعي أسوأ ما فيه!
قالها لـ "زينات" التي نظرت لهم بغضب تكتمه حتى النهاية. أما "سليم" فأشار لهم بحده قائلاً بحزم موجهاً بعض حديثه لـ "ياسمين":
"كل واحد يقعد ومسمعش صوت وبالذات صوتك. بنسيب المشاكل علشان تجيلنا مشاكل!"
جلسوا مرة أخرى بينما نظرت "ياسمين" لها بتحدي ومن ثم حركت رأسها صوب عمها الجالس ثم تحدثت قائلة بهدوء مميت:
"الصراحة يا عمي الواحد هو اللي بيروح للمشاكل برجله!"
تلمح لمجيئهم إلى هنا. وكزتها "جميلة" التي مدت يدها من خلف "حازم" الجالس بالمنتصف. نظر لها "حازم" بجمود لتصمت. فقلبت عينيها بملل بينما وقعت أنظارها على عمها الذي حدجها بسخط لحديثها الغير هين بالنسبة له. أما "زينات" فبقيت صامته تكتم وتكتم حين قدوم الوقت المناسب. نظرت لهم جميعاً بابتسامة سمجة ثم نهضت تشير لهم:
"يلا الأكل جاهز. تعالوا ساعدوني."
قالتها بلطف غير مألوف لهم. نظر لها البعض باستنكار. بينما نهضت النساء والفتيات على أي حال لتجهيز سفرة الطعام!
***
"أبي.. أردت أن يصلك إحساسي.. من خلال ما زفرته أنفاسي.. أردت أن تصل كلماتي إلى قلبك.. فأنا لا أتأمل حياة بعدك.. أردت أن تصل إليك كلمات خرجت من أعماقي مقحمة.. كلمات إليك أبي: "أحبك وأنتظر عودتك للحياة مرة أخرى حتى وإن كان الأمر مستحيل."
وكأن نظراتها ودموع عينيها تشرح معنى تلك الكلمات. كانت تقف أمام قبره مرتدية ملابس سوداء أشبه بجلباب أسود حتى حجاب رأسها كان من نفس اللون. ولكنه كان متناسقاً عليها، ظاهراً تقاسيمها ولكن ليس بشدة! وقفت "نيروز" ولم تعطي بالا ولا اهتماماً للمارة من حولها. فيوم الجمعة في بعض الأماكن يعد اليوم الأشهر لزيارة الأموات في المقابر. هي ليست مع هذه التقاليد كما ليس أيضاً لعائلتها. ولكنها بين فترة وأخرى تأتي لزيارته حتى وإن ماذا حدث. لم تتأخر فترة طويلة على زيارته! مسحت عباراتها ثم اقتربت من القبر حتى تجلس على حجارة عالية قليلاً. ثم ابتسمت وكأنه بجانبها للتو حينما رددت بصوت مسموع وكأنها تحدث شخصاً ما:
"وحشتني أوي يا بابا. الحياة من غيرك لسه صعبة. مفيش حاجة سهلة من غير وجودك. مش عارفة أقولك إيه وأنا كل شوية بتكلم معاك وكأنك موجود. نفسي أشوفك وأقعد معاك ونحكي سوا زي زمان فاكر؟"
صمتت تستجوبه وكأنها مختلة عقلياً. ولكن بالنسبة لمن حولها فمعرضون لحدوث ذلك غالباً في المقابر! ابتسمت مرة أخرى وهي تحاول أن تتحدث بصوت ثابت غير محشرج ولكن خابت محاولاتها حينما قالت:
"جيت أتأسفلك على وعدي. أصل أنا حبيت. غصب عني مشاعري خانت الوعد. عارفة إنك قولتلي إن مشاعرنا مش بإيدينا وإن التعامل هو اللي بإيدينا. بس أنا معملتش حاجة وحشة خالص. أنا مش خايفة من الوعد. أنا خايفة لكل مشاعري دي تروح ع الفاضي. خايفة إنه يسيبني ويمشي بعد ما قولتله على اللي بخاف منه ومشي. خايفة من حاجات كتير أوي. خايفة من حسن لو عرف. خايفة من رد فعله. لو عرف ممكن يعمل أي حاجة مش متوقعة. لما وصلت للنقطة دي خوفت أقول إني خايفة على..."
صمتت ثم تابعت مرة أخرى بخوف داخلي:
"خوفت أقول إني خايفة على غسان منه! يمكن لو كنت موجود كانت كل الحسابات دي اتغيرت. يمكن كنت توقف كل واحد عند حده. ولما موضوعي أنا وحسن يتفتح لأول مرة كنت تقفله بطريقة متخليهوش لسه مكمل لحد دلوقتي! أنا مبحبوش يا بابا. حتى لو كان شخص كويس قلبي مراحش نحيته ولا هيروح. يمكن كلمة عمي كانت صح لما قال اللي ترفض واحد من دمها ياعالم هتعمل إيه! عارف أنا عملت إيه؟ حبيت واحد عارفينـه لأ وكمان ساكن قصاد شقة حسن. وابن عم بدر جوز وردة. واللي بيشتغل معاه في الشغل. واللي مامته أقرب شخص لماما دلوقتي وأكتر حد بيساعدنا. واللي باباه حسيت فيه لأول مرة إن فيه من حنيتك وهدوئك. يعني حبيت واحد معروف وانت نفسك كنت عارفه. معروف من كل ناحية. بس بردو مش من دمي. كلمته بتتردد في وداني بخوف من اللي جاي من عمي ومن حسن. حسن إيده طايلة وغسان موجود معانا. كام مرة دافع عني. عارف إنه قادر يدافع عن نفسه وعني. بس أنا مش هقدر أدخل فكل المشاكل دي. وأنا عارفة إن محدش هيطلع منها من غير خساير. وصلت لدرجة إنه مشي وعاوزاه ييجي بس مش عاوزاه ييجي. ييجي عشان بحبه وميجيش عشان خايفة عليه ومنه ومني لاتعلق بيه أكتر!"
صمتت تأخذ أنفاسها ببطء ثم نهضت من على الحجارة تزامناً مع قولها الهادئ لتودعه:
"أنا حاسة إني بقيت تمام حتى لو ملقتش حلول لكل ده. أتمنى تكون سامعني. أنا همشي متزعلش مني زي ما إنت مشيت وأنا زعلت. أنا هرجعلك تاني لكن إنت لأ..!"
قالتها وهي تكتم الدموع في عينيها ثم بدأت بالسير لتخرج من تلك المنطقة التي ما أن تدخلها يرجع بها زمنها وآلامها إلى الخلف! وكأن وجع فراقه بالنسبة لها يزداد في كل مرة تدخل بها ذلك المكان إلى أن تقف عند قبره. دقائق لتمر ومن ثم خرجت هي من المكان بأكمله ومن الأشخاص الموجودين به أحياء وأموات! أشارت لسيارة أجرة يقودها رجل كبير في السن كما نبهتها والدتها.
***
إرتدى ملابسه منذ وقت وهو يقرر بأنه سيعود إلى المنزل. إذن حتى أنه لا يوجد لديه عمل في ذلك الوقت. وقف أمام المستشفى وبيديه كيس به صندوق كرتوني مغلف. ينتظر سيارة أجرة في ذلك الجو المشمس رغم أنه ليس فصل الصيف! أمسك هاتفه يعبث به بملل وهو ينتظر. إلى أن وقفت من أمامه سيارة بيضاء اللون. فحجبت عنه رؤية الطريق وحتى رؤية السائق له! نظر بضيق دون أن يتحدث. فـ لمحها وهي تهبط من السيارة ويبدو أنها انتبهت له وهي بالداخل. نظرت له من أعلى لأسفل. ثم اتجهت إلى حقيبة السيارة تأخذ منها حقيبة ملابس صغيرة. يبدو أنها لوالدها. أغلقت السيارة إلكترونياً. وهي تتوجه بكعب حذائها العالي الذي سمع صوته بقوة. وكأن تلك الدقات هي دقات الجرح بقلبه! وقفت أمامه بتبحح. ثم نظرت له قائلة دون تمهيد:
"نتيجة الأشعة والتحاليل بتطلع امتى؟"
حاول تجاهلها وهو ينظر لهاتفه مرة أخرى. فرفعت يديها توكزه في كتفيه قائلة بوقاحة:
"إنت..!!"
رفع "بسام" يديه ثم أمسك يديها باشمئزاز وهو يهبطها من عليه تزامناً مع قوله الساخر لها:
"إيديك عشان كده هتوسخ وأنا بقرف. وأنا مش خدام عندك عشان تكلميني بالأسلوب ده. خشي اسألي المتخصصين في اللي إنت بتسألي عليه. أنا دوري أشوف التحاليل والأشعة بعد فترة ظهورها عشان نشوف الحالة غير كده مفيش. وبعدين هو بيتعالج بأدوية دلوقتي لحد ما يطلع ونشوف في تحسن ولا لأ بردو!"
قالها بجمود لم تعهده منه من قبل. لاحت ابتسامة جانبية على شفتيها ثم تعمدت أن تضغط على جرحه أكثر حينما أجابته متجاهلة حديثه فقط ركزت على أسلوبه الوقح بالنسبة لها:
"بقيت قليل الذوق ووقح زيه بالظبط. عمرك يعني ما كنت كده ولا كلامي المرة اللي فاتت نقح وجه عليك لدرجة إنك تقلده وتبقى زيه فالصفات الوحشة!"
صمتت ثم رفعت إصبعها كتهذيب لطفل صغير قائلة:
"كده غلط. مينفعش نقلد الناس فالوحش نقلدهم في الحلو بس. ولو إن مفيش فـ أخوك حاجة حلوة خالص تاخدها منه!!"
اقترب منها خطوة واحدة وهو ينظر لها بغضب. ثم صاح عالياً بحده متحكماً في يديه حتى لا يرفعها عليها:
"إخــرسي!"
كان لا يفصل بينهما شئ. كما أن أنظار من حولهم بدأت بالانتباه. رجعت إلى الخلف سريعاً. وهو يرفع يده ظنت أنه سيرفعها عليها ليضربها. ولكنـه كان يشير إلى سيارة أجرة قد لاحظها. ابتسم بتهكم على ما فعلته ثم خرج منه صوته وهو يطالعها:
"مش أنا اللي أمد إيدي على واحدة.. عرفتي بقا إنك جبانة؟"
نظرت له وهي تكبت غضبها. فواصل يكمل بنبرة باردة:
"أيوه جبانة. وكل اللي إنت قولتيـهولي من أول ما شوفتك يا تاج لو كنت صدقته فأنا لازم أتأكد منه حتى لو كنت صادقة.. سلام يا.. تاج ميتلبس حتى فالراجل!"
قالها ومن ثم سار ليركب سيارة الأجرة. معيداً حساباته. الذي كان يفكر بها منذ فترة صغيرة. بعدما رأى منها جرحها له طوال الوقت وهو يصدقها. بينما هرب الٱخر من أمامه. أي فتاة التي ستذكر نفسها ومن أمامها بأنها قد تعرضت لأشياء كمثل ما قالت له وما تقصده!
هذا ما فكر به رغم أنه ليس منطقيًا، للحدا لأقصى ولكن وجع ضميره ناحية شقيقه الذي بدأ بالظهور عليه كان سبب تفكيره بذلك حتى وإن لم يقتنع بنسبة كبيرة.
نظرت بأثر السيارة بغضب لتفوقه عليها في الحديث والحوار.
تنفست بعمق محاولة أن ترخي أعصابها من جديد وهي تتوجه لتسير إلى الداخل، متوعدة له لحين لقاء آخر حتى تضغط عليه كما تفعل.
***
هبطت أمام المبنى تزامناً مع دخول "حامد" من أمامها.
دخلت "نيروز" إلى الداخل وهي تنادي عليه فالتفت هو ليبتسم لها بحنو، حتى اقتربت هي إليه.
بادلته البسمة فتحدث قائلاً بلطف:
"طب والله عمو حامد طالعة منك زي العسل."
ضحكت بخجل تزامناً مع سيرهم بجانب بعضهم حتى وقفوا أمام المصعد.
دلفت هي أولاً ومن ثم هو.
كان يطالعها بابتسامة.
وقبل أن يتحدث بمرح، تحدثت هي من قبله على فجأة، قائلة بهدوء:
"مفيش أخبار عن.. غسان يا عمو!"
حرك رأسه بنفي تزامناً مع رده وهو يقول:
"كان نفسي يا بنتي، بس إن شاء الله خير. غسان معارفه كتير وميتخافش عليه. متخافيش!!"
تسارعت دقات قلبها من حديثه الأخير. أحقًا يظهر عليها الخوف تجاهه؟ ماذا يقصد؟
خرجت من المصعد وهي تتوجه لشقة عمها، بينما ذهب هو ليخرج المفتاح بعدما نظر لها نظرة أخيرة.
حتى تحدث لها دون أن ينظر لها قائلاً بعقل:
"الحزن فالقلب يا بنتي بيهلكه وبيضعفه. عيشي حقيقة الحياة إن كلنا لها وكلنا رايحين للآخرة، بس مسيرنا نتجمع تاني فالجنة لو من نصيبنا، وأدينا بنسعى!!"
كان يكمل حديثه بعدما فتح الباب وهو يلتفت لينظر لها.
فالتفتت له بتفهم لما أردفه قائلة برجاء من داخلها:
"بحاول!"
أومأ لها بعينيه كتعبيراً بأن ذلك هو الصواب.
حتى فتح لها الباب من الداخل.
بينما أغلق هو الباب.
يبدو أنه لاحظ احمرار عينيها وملابسها السوداء.
دَلفت هي إلى الداخل ثم جلست بصمت على مائدة الطعام الذي بدأ كل منهم بتناول الطعام حينما دخلت الأخرى ورحبت بهم بهدوء.
لم يتحدث أي منهم على الطعام، إلى أن خرج صوت "زينات" وهي تتحدث قائلة موجهة بحديثها لـ "نيروز":
"وكنت فين على كده بقا واحنا كنا مستنين حضرتك!!"
صفقت "ياسمين" عالياً مما أثار صدمة البعض.
حتى نظر لها الجميع بدهشة حينما أردفت بلحن في آخر حديثها:
"جماعة افتكرت دلوقتي حالا سيرين عبد النور لما كانت بتقول إيه فـ أغنيتها.. 'اللي ملكش فيه.. ملكش دعوه بيه'!"
كبت "حازم" ضحكته وكذلك شقيقته "ونيروز".
بينما نظرت "سمية" لها بتحذير.
تجاهل "سليم" الأمر.
بينما طالعتها "زينات" بغيظ ثم عادت لتناول طعامها متوعدة لها فيما بعد.
واصلت لتتحدث مرة أخرى بكيد:
"إيه رايك في الأكل يا سليم؟"
قالتها بدلال لتستفز "عايدة" التي نظرت بحزن حينما ردد زوجها قائلاً يجيب الأخرى:
"جميل تسلم إيديك يا حبيبتي."
بالطبع قالها ومن داخله يفعل جميع التحسبات لما سيأخذه منها من تعكير لصفو مزاجه.
رفعت يديها تربت على كتفه برقة أمام أنظار الجميع، وخاصة "حازم" الذي نهض من على الطعام بملل وهو يبتسم رغماً عنه، يخبرهم بأنه اكتفى.
بينما "عايدة" كانت تراجع نفسها التي حزنت لأجلها، متسائلة لنفسها بأنه لم يرمي على مسامعها كلمات شكر كهذه من قبل.
نهض البعض تدريجياً وبقي القليل فقط في جو مشحون من شعور متناقض.
***
دخل من باب المنزل بعدما فتحه بواسطة مفتاحه.
وجدَهم جالسين في صالة المنزل على مائدة الطعام.
نظر لهم بتعمق.
بينما هم نظروا له بلوم واشفاق في آن واحد.
اتجه ناحيتهم يقف من أمامهم.
نظرت له والدته وقد خانتها عاطفة الأمومة وهي تسأله بهدوء، خانتها نظرات الاشتياق والاهتمام للحديث معه:
"أكلت؟"
هز رأسه لها بالنفي.
ومن ثم وزع نظراته على والده الجالس ولم ينظر له حتى.
وشقيقته نفس الأمر.
تحدث "حامد" على فجأة تزامناً مع تناوله للطعامه:
"عاوز تقول إيه؟ لتكون ندمان!!"
قال آخر حديثه بسخرية جعل الاثنتين تنظران بترقب.
بينما تحدث "بسام" بتعب رغماً عنه:
"مش ندمان على قد ما ندمان على أسلوبي معاك اللي مكنش ينفع أتكلم معاك وأنا كده. أنا آسف!"
"لو آسف بترجع اللي بيروح وبيمشي. كانت رجعت أخوك دلوقتي. ووقت الغضب الواحد مبيشوفش قدامه. أسلوبك اللي كان معايا ده مش بتاعك مش انت اللي طبيعتك كده. حتى أخوك مهما كان بيقف قصادي فعز غضبه لا كان بيشوحلي بإيده ولا كان بيقف قصادي لما كنت الاقيه واقف بعيد أعرف إنه بيهدي مع نفسه عشان ميغلطش فـ حد منا ولا يأذيه بكلامه أو زقه منه كده ولا كده. روحت إنت مادد إيدك عليه وأذيته وغلطت فيه وفضلت غيره عليه. وفالآخر مش ندمان!! إن كان على أسفك وأسلوبك فـ أنا خدت حقي منك وفـ ساعتها يمكن كنت تفوق. بس انت جاي لحد دلوقتي ولسه مفوقتش!!"
كان يردف حديثه بجدية أمام الواقف من أمامه.
بينما تنفس "بسام" بقوة ليخرج أنفاسه الثقيلة ثم تحدث يجيبه بإنهاك:
"ولا مرة حاولت تحط نفسك مكاني. حتى لو السن ميسمحش!! محدش هنا حس بيا. واللي كنت فاكر إنه بيحس بيا هو اللي مفروض مش عارف أصدق حقيقة إن هو اللي أذاني وتايه بين اللي باين قدامي وبين اللي أنا نفسي يبقي مش صح. مش هلومك على كل ده عشان محدش هيحط نفسه مكان تجربتي دي. حتى لو ابنك طلع هو اللي كذاب فأنا بردو غبي عشان وثقت فيها من الأول. أياً كان قلبي اتكسر من زمان ولسه مكسور. ليا الحق إني ألومك بس فحاجة واحدة. فـ ليه بتتعاطف مع غسان وتسيبني؟"
نهض "حامد" كما نهضت الأخرتين.
وقف أمامه ثم تحدث يجيبه بنبرة هادئة عاقلة:
"يمكن محسش بيك زي ما انت حاسس بس عارف انت ممكن تحس بـ إيه!! كل زعلي منك وعليك عشان شكك فأخوك اللي أنا مربيه زي ما ربيتك. لكن أنا عمري ما فرقت فـ المعامله بينك وبينه. ولا اتعاطفت معاه لوحده وسيبتك. بالعكس أنا زعلان عشان كل الي خارج منك ده مش ليك. مش انت أتوقعها من غسان مكنتش هتفاجأ ولا هزعل منك عشان مش متعود منك على كده. أنا أقول غسان يقول إني بفرق. لأن كل مرة بيحصل فيها حاجة كنت باجي عليه هو وكنت بحترمك وبحترم أسلوبك وتفكيرك. عمري ما آجي على حد الدنيا جت عليه يا بني. كل زعلي من رد فعلك مش من اللي حصل فيك!!"
قالها بعاطفة أبوية ثم توجه ليمسك برأسه تعبيراً عن تعويضه لإحساس التفرقة فقط وليس أسفاً على ما قاله من جهة شقيقه، فهذه النقطة هو الخطأ.
أوقفه "بسام" وهو يمسك يده ليهبطها.
ثم رفع يده هو يأخذ رأس أبيه بين يديه ثم قبلها بأسف دون أن يتفوه بشيء.
أمور عدة تجري بداخل رأسه حيث الشعور القائم هو الشتات والحيرة فقط.
تقدم أمام "شقيقته" ثم رفع ذراعه يحتضنها بقوة وكأنه يأخذ أمان منها متخيلًا أنها كشقيقه. رفعت ذراعها بتردد لتحتضنه بتأثر. ومن ثم خرج هو من أحضانها وهو يقدم لها ما بيديه قائلًا بابتسامة صغيرة:
"كل سنة وأنتِ طيبة، حقك عليا لو اتسببت لك في زعل وفقدان شغف من كل حاجة وقت زي ده!"
أخذتها من بين يديه بتأثر وهي تومئ له قائلة بصوتها المتحشرج:
"أنا بحبك يا بسام، بس أنا عاوزة هدية تانية."
قالتها أمام أنظارهم المستنكرة. فطالعها بتساؤل، حتى أجابته وعباراتها تهبط من على وجنتيها:
"عاوزة غسان يرجع!"
لم يكن لديه رد سوى إيماءة بسيطة من رأسه، حتى توجه ليأخذ يد والدته يقبلها، ومن ثم دخل بين أحضانها يتشبث بها قائلاً بخفوت بجانب أذنها:
"آسف على كل دمعة نزلت منك، حقك عليا..!"
أومأت له بضعف كعادتها وهي تبكي، بينما نظرت بأثره مطولًا وهو يتوجه ناحية غرفته، مغلقًا بابه من خلفه. بينما ذهبت "وسام" إلى غرفتها بعدما أومأت لهما. جلس "حامد" مرة أخرى، ومن جانبه "دلال" الذي ابتسم لها بيقين أن كل شيء سيصبح على ما يرام.
جلسوا بعدما انتهوا من تناول الغداء. كان الحديث جانبيًا، حيث "ياسمين" و"حازم"، "جميلة" و"نيروز"، "عايدة" و"سمية" و"سليم" الجالس يعبث بهاتفه غير عابئ لهم. خرجت "زينات" من المطبخ وهي تحمل بيديها كوب واحد من مشروب الشاي. توجهت لتقدمه لزوجها، ومن ثم جلست تصفق بيديها حتى ينتبه لها الجميع. نظروا لها من أثر ما فعلته، فتحدثت "ياسمين" قائلة لها باستنكار:
"خير؟"
نظر الجميع بترقب، فابتسمت هي قائلة بثقة:
"كل خير يا حبيتي. بصراحة كده عندي أخبار كتير تخصكم، أبدأ بـ إيه؟"
طالعوها بتساؤل يغلفه الاستنكار من حديثها والترقب لما هو آتٍ، فالتفت "سليم" ينظر لها وهو يعقد حاجبيه قائلاً:
"في إيه؟"
تنفست هي بعمق، ثم بدلت نظرانها لملامح وجه خالية من التعابير، وهي تنهض قائلة على فجأة:
"من ناحية فيه إيه، فـ فيه كتير. مش أنتم لوحدكم اللي تشمتوا على اللي عندي واللي بيحصلي، عشان كده حابة أقولكم حاجتين كده مش قادرة أخفيهم أكتر من كده!"
توترت ملامح البعض، فخرج صوت "حازم" قائلاً بتساؤل:
"يعني إيه؟"
"هقولك يعني إيه."
قالتها بتأكيد، ومن ثم نظرت لهم جميعًا وهي تهتف عالياً:
"يعني أنت حرامي. لما من فترة كنت هنا عندي في بيتي واقف جنب الترابيزة اللي فيها البوك بتاعي واللي كان فيه شيء وشويات، ومكنش غيرك الغريب هنا اللي خد الفلوس ومشى زي الحرامية. أنا اللي هقولك بردو يعني إيه يا حرامـ.. قصدي يا حازم!"
نظروا لها جميعًا بغير تصديق، وها هي تنفذ إحدى خططها وتوعداتها لهم منذ فترة، تلك التي لم تتهاون بأي شيء أبدًا. وقف "حازم" بسرعة، ومن بعدها وقف الجميع بذهول لاتهامها الوقح هذا. توجه يقف أمامها تزامناً مع صراخه عالياً أمام وجهها وهو يقول:
"انتي واعية، انتي بتقولي إيه؟"
هزت رأسها ببرود، بينما توجه "سليم" يقف من أمامهم الاثنان. وقبل أن يتحدث ليفهم ما حدث، نفذ صبر "عايدة" لاتهامها الجارح لابنها، ثم هتفت عالياً بحدة:
"اخرسي خالص، أنا ابني عمره ما يعمل كده، ابني مش حرامي!"
اندفعت "ياسمين" وهي تتملص من مسكة والدتها وشقيقتها "ورده" لها، متوجهة بخطوات سريعة تقف أمامها وهي تردد عالياً بحدة:
"انتي عاوزة مننا إيه؟ ما تسيبينا في حالنا، ربنا ينتقم منكم في كل حاجة وكلمة قولتيها لنا ولزقتيها وكل حاجة عملتيها فينا انتي وجوزك وعيالك!!"
رفع "سليم" يده ليصفعها بعد أن نفذ صبره منها. أمسكه "حازم" من يديه بقوة وهو يهتف بنبرة تحذيرية:
"إيدك متتمدش على مراتي!"
نظر "سليم" للذي يفعله بغير تصديق كما فعل البعض، بينما هتف بنبرة جامدة:
"بتقف قصادي عشان دي؟"
"أيوه دي، اللي هي مراتي، وأقف قدام أطخن طخين عشانها. لما تبقي تقف لمراتك عشاني هقف معاك على مراتي."
قالها وهو ينزل من يده، ناظراً لهما باشمئزاز:
"أنا ماشي. انتوا مهما الواحد يعمل فيكم الحلو بردو طبع الندالة شغال. وانت المفروض إنك قاعدة هنا وأنا اللي دايخ السبع دوخات على بنتك تقوليلي إني حرامي! هسرق منك إيه وانت عندك كل حاجة وبردو باصة لغيرك ومش سايبانا ناخد نفسنا. خسارة الواحد يحاول عشانك وعشان عيالك!!"
قالها تحت الأنظار الصامتة، بينما نظرت له بجمود وهي تجيبه قائلة بوقاحة:
"انت اللي سرقتهم، هيكون مين اللي سرقهم غيرك!"
طالعها بانفعال، بينما توجهت "جميلة" تتحدث بنبرة مرتفعة أمام وجهها وهي تصيح عالياً بانفعال:
"ابنك!! ابنك الحرامي مش أخويا، هو ده اللي هيكون سرقها. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم وفي اللي زيكم."
نفذ صبر "سليم" وهو يتحدث بعلو صوته ليوقفهم:
"اخرسوا... بس!"
انتفض البعض على أثر صوته، بينما وجه نظراته لابنته ليمارس قوته عليها كما يفعل حينما قال:
"إيه اللي يجرأ واحدة زيك كده!! وكمان جاية واقفة بكل بجاحة كده وكأنه عادي. إيه كتر قعدتك مع مراته خليتك قليلة الرباية بزيادة؟!"
"أنا أختي مش قليلة الرباية!!"
قالتها "نيروز" بجمود، بينما خرجت نبرة "سمية" الحادة:
"مسمحش تتكلم في حق بنتي بكده يا سليم. إنت مش واخد بالك مين بالظبط اللي قليل الرباية؟"
احتدمت نظرات "زينات" حتى تابعت لها ولتلك التي تحدثت من قبلها قائلة بقنبلتها الثانية:
"لا متسمحيش، إيه وبناتك متربيين إيه. ما الحاجة التانية بردو اللي كنت عاوزة أقولها لازم تتقال والكل يعرف.."
صمتت تتابع نظراتهم المترقبة، فتابعت بغل من داخلها، واضعة بعض البصمات الخاصة:
"الأستاذة نيروز بنتك المتربية زي ما بتقولي، ماشيالي مع الواد اللي خاطف بنتي ومقضياها.!!"
احتدمت نظرات "سليم"، بينما فتحت الأفواه مما تخوضه من أعراض. صرخت "نيروز" عالياً بقوة حتى اهتزت أرجاء المنزل وهي تقول بعلو صوتها وكأن صوتها يخرج ما بها من ألم:
"اخرسي يا زبالة!!"
لم تأخذ منها هي رداً، بل نزلت صفعة قوية على خدها من عمها الواقف أمامها، ولم يستطع "حازم" هذه المرة أن يوقف يد والده!! تلقت هي الصفعة، حبست الدموع بعينيها، ثم رفعت أنظارها تطالعه بكره طغى كل شيء. ثبتت الأقدام أرضاً، لم يستفق أحد منهم سوى على دقات الباب العالية التي لم تكن سوى من "حامد" و"بدر". لم يفتح أي شخص. استوعبت "سمية" الأمر وهي تتوجه لتأخذ ابنتها في أحضانها، صارخة بوجههم:
"أقسم بالله لهدفعكم تمن كل اللي عملتوه في بناتي ده!!!"
قالتها بغضب، وهي تسحب ابنتها من خلفها. بينما نزلت دمعة من على وجه "ورده" التي استوعبت الأمر جيداً. حتى "ياسمين" كانت بعالم غير العالم، إلى أن أمسك يديها "حازم" حتى يسحبها خلفه للخروج من الشقة. فنفضت هي يده سريعاً، ثم تحدثت بهدوء ميت، بين لهم أن حديثها سوف يكون صادق من كثرة هدوء ما أردفته:
"هموتك بإيدي دي وادفنك بعدها بيها برده.."
قالت آخر حديثها بتشنج، فأحكم مسكتها "حازم" الذي نظر لهم بتقزز. بينما سكنت "ياسمين" وهي تبصق على الأرض باشمئزاز. ثم توجهت معه للخارج بعدما خرجت شقيقتها ووالدتها. نظرت "ورده" لعمها وزوجته، ثم هتفت بنبرة بها توعد.
"أنا ممكن أسكت على نفسي بس إخواتي لأ!"
ابتسمت "زينات" بتشفي لما فَعَلَ من رد فعل الجميع. قالتها "ورده"، ومن ثم التفتت فوجدت "بدر" يقف لينتظرها أمام باب الشقه. فهو قد أقسم أنه لن يدخل منزل لتلك العائله. خرجت ثم نظرت له وهي تحبس الدموع بعينيها، ولكنها هبطت ما أن أخذها تحت ذراعه وهو يتوجه بها حيث شقة والدها. بعدما نظر لهما بشر من علي بُعد.
***
جلس الجميع بصالة منزل "سميه" بتوتر، بينما كانت "نيروز" بالداخل في غرفتها لم تنزل أي دمعه منها إلى الآن. جلس بجانبها شقيقتها "ياسمين" التي أخذتها في أحضانها بقوه وهي تربت عليها بمواساه. كان "حازم" يجلس بالخارج معهم. بينما لم تقوي "ورده" على مواساة شقيقتها بسبب تسيب أعصابها. فجلست تحتضن "يامن" بجانب زوجها. تحدثت "دلال" وهي تربت على ظهر "سميه" الباكيه وهي تقول:
"خلاص يا سميه عشان متتعبيش. ربنا هيحلها من عنده يا حبيبتي وهتخرج وهتبقى زي الفل الوقتي. وبعدين الكل عارف سمعة بناتك اللي مش عليها نقطة تراب حتى. إطمني."
لم تقوي هي على الرد. حتى "عايده" الواقفه بجانبها بخزي هي وابنتها. نهض "حامد" مره واحده ثم صاح بهدوء ناظرًا لـ "سميه":
"أنا هدخلها متقلقيش. شاوريلي فين أوضتها."
طالعته "سميه" بلهفه وهي ترفع يدها تشير له. بينما جلست "وسام" بحزن على ما حدث. ولأن "بسام" استغرق في النوم بسبب جهده في العمل أمس. لم يسمع كل ذلك. دق "حامد" الغرفه قبل أن يدخلها فنهضت "ياسمين" تفتح له الباب. ابتسمت له بامتنان وتفهم لما فعله وسيفعله. بينما دخل هو الغرفه ثم خرجت هي تترك له المساحه في القول. جلس على المقعد أمام الفراش التي تجلس هي عليه. كان لها بعض الحرج الطفيف من بين حزنها بسبب دخوله غرفتها. استشف هو ما تفكر به حتى تحدث قائلًا يمرح ليخفف عنها:
"عارف إني اقتحمت خصوصيتك ودخلت أوضتك المتواضعه. بس أنا دخلتلك عشان أنا بعتبرك زي وسام بالظبط. عاوزك تهوني على نفسك ومتقفيش عند اللي حصل ده!"
صمتت تبتسم له بسمه صغيره من بين دموعها التي هبطت. بينما تابع هو حتى علم أنها لن تتحدث وتبوح بشيء. وأنها سبقت ما كان ينوي فعله:
"أنا كنت نازل مشوار دلوقتي وقعدت عشان خاطرك. لو قولتلك تيجي معايا هتجيني ونخرج ونشم هوا كده؟"
نظرت له باستغراب ثم تلعثمت وهي تتحدث:
"أيوه بس... اا..."
"خلاص أنا اللي اتعشمت زيادة. كتر خيرك يا بنتي."
قالها بأسلوب درامي لم تستشفه هي. فنهضت سريعا بعدما نهض لتوقفه قائلة:
"استني ياعمو مش قصدي... شوف اللي حضرتك عاوزه وأنا معاك."
ابتسم لها بحنو ثم أومأ لها قائلًا بهدوء:
"هو ده الكلام والعقل الصح. تعالي."
رفع زراعه حتى تدخل يديها من بينه. تحرجت هي بشده بينما نظر لها بثقه حتى توجهت لتتمسك به. ومن ثم خرجت من الغرفه وهي بجانبه. حتى خرج لهم بالصاله. كانت وجنتيها حمراء ولكن واحده حمراء بشده بسبب صفعة عمها والأخرى حمراء من خجلها. ابتسمت لهم بسمه صغيره. فابتسم البعض يبادلها بفرح من خروجها الغير متوقع. وقف "حامد" أمام "سميه" التي طالعته بامتنان فـ تحدث هو قائلًا بأذن:
"تسحميلي آخد الجميلة دي نخرج أنا وهي لوحدنا شويه؟"
قالها بلطف. فنظرت له وهي تومأ بثقه به، قائلة بصوت مهزوز:
"خلي بالك منها!"
"في عيني طبعًا."
قالها وهو يسير بجانبها حتى خرجت من باب الشقه معه. تنفس البعض براحه والبعض بألم. فحاولت "وسام" تخفيف حدة الأجواء حتى تحدثت قائلة:
"جماعة. أنا كده البوب بيتخطف مني عينك عينك!!"
قالتها ثم وضعت يديها على خدها بضجر زائف. فضحك الجميع عليها بخفه ومن مرحها الدائم. نهض مع الوقت "حازم" الذي وقف مع "ياسمين" في الشرفه. و "ورده" التي دلفت غرفتها مع زوجها. بينما جلست "سميه" بجانب "دلال" التي تواسيها. كما استأذنت "وسام" حتى تذهب للمذاكره. بينما رحلت "عايده" هي و"جميله" بعدما توجهوا لها ومن ثم نظروا لها بأسف عما حدث. لم تحملهم "سميه" الذنب بل تعلم جيدا طبيعة ما يشعرون به. بقيت هي و"دلال" في الصاله بينما وقف الاثنان معا بالشرفه.
نزلت دموع "ياسمين" التي كانت تأبى بأن تهبط أمام أي شخص. كانت داخل أحضانه التي تشعر بالراحه والسكينه داخلها. ربت هو على ظهرها بحنو ثم تابع بنبره هادئه:
"أنا آسف. آسف على كل اللي إنتِ حاسه بيه وعلى كل اللي حصل."
خرجت من أحضانه وهي تجفف دموعها. ثم أجابته بنبره ضعيفه مزجها بعض المرح:
"بتتأسف على إيه يا حازم؟ ما إنتَ كمان محطوط عليك منهم. أنا بجد تعبت."
قالتها بتعب. فابتسم هو بقلة حيله قائلًا بتشتت:
"أنا والله ما عارف يعني إنتِ كده بتهزري ولا مقهوره ولا نظامك إيه!"
صمتت تتابعه بضجر. فواصل يكمل يعقل:
"عارف إن القلم ده نزل على قلبك إنتِ. والله يكون في عون نيروز واللي حسيته. أنا مش عارف أعمل إيه ولا أقول إيه! مش هقدر. مش هقدر بعد اتهامها ليا وضربه لنيروز أمد إيدي عليه مهما كان ده أبويا. بس هو الظاهر مش معترف إني ابنه!"
قالها بانكسار. فطالعته هي بتأثر. ثم نظرت له بغير تصديق حينما فرت منه دمعه واحده على وجهه. رفعت يديها سريعا وهي تبكي لتمسح دمعته. بينما هو فعل معها كما فعلت هي. فتحدثت هي من بين بكائهما كالمختله:
"يعني يارب us في العياط والنكد!!"
ضحك من بين دموع عينيه. فاعتلت ضحكاتها هي الأخرى بقلة حيله. تلك التي لم تفشل يومًا في تخفيف أي ثقل عليه. رفع يضرب كف بكف قائلًا من بين ضحكاته:
"وربنا أهبل واحده. الله يخربيت الدراما اللي مش ماشيه معاك سكه دي!!"
ضحكت بخفه على ما أردفه. فطالعها بحب لتقاسيمها وضحكتها الذي ينتظرها حتى تهون صعوبات أيامه عليه.
***
كان يمسك بالإبره ليحقنها به. وبسبب تراخي أعصابه لم يقو على فعلها. كان يحاول أكثر من مره. إلى أن انتبه لـ "آدم" الذي خرج من المرحاض وبيديه المنشفه. طالعه "آدم" بذهول وهو يهتف عاليًا:
"إنتَ بتعمل إيه يا حسن إنتَ مش لسه ضارب من شويه؟!"
"مش قادر يا آدم مبقتش أقدر أقعد كتير من غيرها. دماغي هتموتني."
وبسبب كثرة تعاطيه فأصبح هو يتعاطى أكثر منه. وأصبح جسده يطلب المزيد في فتره أقصر. لم يتحرك "آدم" بل نظر له وهو يحاول أن يحقن بداخل عروق يديه وبسبب رعشة يديه لم يفعلها. نظر "حسن" له بترجي وهو يهتف:
"متوقفش كده يا آدم تعالي إنتَ. مش عارف أتلم على أعصابي."
وقف "آدم" بمكانه بتردد لم يتحرك خطوه واحده إلى الأمام. بينما توقع "حسن" بما يفعله. فأمسك زجاجة المياه الزجاجيه ثم دفعها على الأرض بقوه وهو يصرخ عاليًا بغير وعي. بينما مازال لم يحرك له ساكنًا. طالع تشنجاته الباديه على وجهه. حتى تحرك سريعا يمسك بيديه وهو يحقن به ذلك المخدر. خانته مشاعره المتعاطفه معه وهو يضع نفسه بمكانه. وبسبب عقله الباطن ما أن فعلها الآخر تراخت أعصابه وهو يبتسم بانتصار وراحة. أخذ أنفاسه بالتدريج بينما وقف "آدم" وهو يردد حديثه رغما عنه:
من بكره تمشي يا حسن وابقي تعالي لو عاوز تبطل.
قالها أما أنظار الآخر الساخرة، ومن ثم ترك له الغرفة وهو يخرج منها، تاركاً ينظر بأعين زائغة وجسده المتراخي.
***
مرت ساعة واحدة وأكثر من ذلك، بينما كان يجلس على المقعد وهو ينظر على الملابس الذي قام بشرائها هو وصديقه. ابتسم "غسان" له بينما تحدث "شادي" قائلاً:
"هاه الأحمر حلو ليك. وأنا الأبيض، ولا تاخد الأسود وأنا الأبيض؟"
"مش لابس أحمر أنا."
قالها وهو ينظر له، بينما تحدث "شادي" بضجر غلفه المرح:
"مش لابس أحمر ليه! طب ده حتى لو لبسته هتولع الدنيا. قوم قيسه طيب كده!"
"هولع الدنيا ليه؟ هلبس بدلة رقص."
قالها "غسان" باستنكار، فطالعه الآخر بمرح وهو يغمز له قائلاً بمشاكسة:
"حلم حياتي أشوف بدلة رقص. أجيبها."
ضحك "غسان" رغماً عنه وهو يجيبه بحزم:
"هخلعلك عينك اللي بتغمز بيها دي. تعالى وأنا أجيب لك أنا وتلبسها بدلة الرقص دي مادام نفسك فيها."
أومأ له بحماس زائف وهو يعتدل قائلاً بعفوية:
"موافق."
"يعني نخوة متلاقيش، رجولة متلاقيش...!"
قالها بمرح، فأشار له الآخر بغير اهتمام قائلاً:
"انت الخسران. كنت هلبسها وأبين شعر رجلي وأعمل إغراء!"
قهقه "غسان" عالياً مردداً من بين ضحكاته الرنانة قائلاً:
"متخيل المنظر..."
قالها بصخب وهو يضحك بقوة، فضحك الآخر على أثر ضحكاته وهو يمسك بيده الملابس. وما أن انتهى من ضحكاته هتف عالياً:
"انت اللي هتلبس الأحمر بردو."
***
قبل ذلك بقليل، مرت ساعة وأكثر معه وهي لا تعلم إلى أين يأخذها، فقط يقول لها بين الحين والآخر:
"متخافيش، مش هخطفك."
كانت تبتسم فقط، لم تقوى على الحديث. تركها وراحتها، هبطت من سيارة الأجرة أمام المنزل الذي يوجد له بوابة خشبية. هبط هو الآخر حتى أعطى للسائق الأموال، وجدها تنظر باستغراب، فحثها على السير معه بثقة واطمئنان إلى أن دخل من البوابة الخشبية المفتوحة دائماً. نظر لها فوجد أنظارها توجهت ناحية الزرع والورد في الحديقة الصغيرة، فابتسمت فور رؤيتها لهم. نظرت له قائلة بهدوء:
"لو انت بتزور حد، أنا ممكن أقعد هناك كده على ما تخلص."
تلك الغبية، ماذا لو علمت إنه واقف يدق المنزل الذي يوجد به من دق قلبها له. نظر لها وهو يتساءل:
"متأكدة؟"
هزت رأسها، فأومأ لها حتى ذهبت إلى الجانب التي توجد به الحديقة والمقاعد، فجلست من على بعد. فدق هو جرس الباب مرة أخرى. لم تستمر دقائق حتى نهض "شادي" وهو يقذف الملابس على الآخر قائلاً بحزم من على بعد:
"انت اللي هتلبس الأحمر، هيبقى تحفة عليك بقولك."
"مش لابسة."
سمعها وهو يتوجه ليفتح باب المنزل تزامناً مع رده:
"وربنا الأحمر هيبقي تحفة عليك. البسه كـ..."
بترت كلماته وجود والد صديقه من أمامه، الذي ما أن رآه ابتسم ابتسامة عريضة وهو يرحب قائلاً بحبور:
"أبو الحوامد حبيبي."
طالعه "حامد" ما أن فتح له الباب بصدمة على ملامحه هاتفا بتساؤل:
"أحمر إيه اللي هيبقي تحفة عليه ياض!"
ضحك عالياً بقوة وهو يدخل بين أحضانه، حتى دخل الآخر بين أحضانه بابتسامة. إلى أن رأى "غسان" يقف من خلفه. خرج من أحضانه وهو يتوجه ليقف أمام والده. طالعه "غسان" بصمت إلى أن تقدم "حامد" ليدخل بين أحضانه وكأن الآخر هو والده وليس العكس. رفع "غسان" ذراعه الغير مصابة يربت بها على ظهر والده، فخرج من بين أحضانه. ثم نظر لصديقه بحدة، فتحدث "شادي" بتبرير سريعاً:
"وربنا ما قولتله حاجة."
"مقالش حاجة فعلاً. أمك اللي قالتلي!"
ضحك "غسان" ثم هتف بسخرية وهو ينظر لهما قائلاً:
"عمري ما قلت لأمي سر وطلع برا مصر."
قهقه والده كما ضحك صديقه، فتوجه "حامد" ليجلس تزامناً مع قوله للآخر:
"أنا ياض مش قايلك متماشيش مع شادي، لأنه واد بايظ وهيبوظك. وايه حوار الأحمر اللي هيبقي تحفة عليك ده كمان."
كان يمزح، فضحك عليه الاثنان حتى كاد أن يبرر له "شادي" فقاطعه سريعاً بقوله:
"اخرس خالص متتكلمش يا كلب. حسابك معايا بعدين. كنت بتأكل ابني إيه على كده؟ عيش حاف عشان يبقي شكله هفتان كده؟"
حاول "شادي" التبرير له، فأوقفه "حامد" مرة أخرى قائلاً بحزم:
"مش أنا قولتلك اخرس؟ روح اعملي كوباية شاي من إيدك، وحشني شايك."
كان يقول حديثه بجدية زائفة، فأومأ له "شادي" بطاعة وهو يبتسم بمرح تحت ضحكات صديقه العالية. وما أن اختفى من أمامهم ليترك لهم المساحة الخاصة، تنفس "غسان" بقوة تزامناً مع قوله المتسائل:
"جاي ليه يا حامد؟"
"جاي أقولك ارجع يا غسان. ارجع لبيتك ول حياتك ولراحتك. عشان أمك بالها يهدي وعشان تتصافى انت وأخوك اللي ملكش غيره. وعشان تشوف المشاكل اللي حصلت في غيابك."
عقد ما بين حاجبيه بتساؤل وهو يقول:
"مشاكل؟"
"أيوه مشاكل. سليم ومراته لقوا ورقة حطتها فريدة اللي مشت في اليوم اللي انت مشيت فيه. وكان مكتوب فالورقة إنك انت اللي قولتلها تعمل كده وكأنك خاطفها دلوقتي في نظرهم ومش ناويين على خير."
نظر له بغير تصديق مردداً بانفعال:
"اتجننوا في مخهم دول ولا إيه؟"
"عرفت إن مشيك سبب حاجات كتير. والمشكلة التانية لسه قبل ما أجي. زينات وجوزها قالوا قدام العيلة إن نيروز ماشية معاك وعابوا فيها وفي تربيتها."
إلى هنا ووقف بغضب لما سمعه للتو. تأكدت شكوك والده الآن. حتى ردد "غسان" بغير وعي:
"طب ونيروز؟"
نهض هو الآخر يقف من أمامه وهو يطالعه مردداً بنبرة هادئة متفهمة:
"مكذبش إحساسي ولا نظراتي وأنا بشوفك هتاكلها بعينك واحنا قاعدين. بتحبها."
طالع والده بتشتت وهو يسأله مرة أخرى قائلاً بخوف من داخله:
"نيروز كويسة؟"
ابتسم والده وهو يرفع يديه يربت عليه باطمئنان، قائلاً بثقة:
"يبقى بتحبها. حبيتها ووقعت فيها وهي كمان وقعت فيك."
مش هتصدق كانت خايفه عليك إزاي لما شوفت في عينيها الخوف ده. ووقفت قصاد بسام عشان تتكلم في حقك بالحلو وهي بتدافع عنك.
حسنًا، لو يقصد الفتك بأعصابه لن يفعل ذلك عمدًا. تسارعت دقات قلبه حينما ردد حامد مرة أخرى وهو ينظر لعينيه التائه:
"جبتها برا معايا. كنت متردد أجيبها بس عشان الـ..."
قاطعه والده وهو يتساءل بلهفة:
"يعني هي برا؟"
هز له رأسه بالإيجاب. بينما تحرك هو وهو يتخطى والده ليخرج لها. حتى وجدها تنحني من على بعد لتستنشق رائحة النعناع. في هذه اللحظة كانت تتذكره هو. ومشروبه. توجه بخفة يقف من خلفها ثم خرج صوته وهو يتحدث بعبث:
"بيفكرك بيا؟"
ما هذا؟ هذا صوته أم أنها تتخيل فقط لاقتحامه ذاكرتها؟ نهضت ببطء وهي تتنفس بتوتر ثم التفتت حتى فتحت عينيها على وسعها وهي تقف مكانها. بينما ابتسم هو بتسلية وهو يتوجه لها أكثر حتى وقف أمامها. بينما رجعت هي للخلف خطوة واحدة بسبب اقترابه بغير وعي منها. ابتسم بتسلية ثم سألها بعبث وابتسامة صغيرة زينت وجهه:
"يعني خايفة مني ومش وحشتك؟"
دق قلبها سريعًا. بخجل. ثم رفعت أنظارها تطالع عيناه اللامعة. وهي تتحدث قائلة بعفوية وتعلثم:
"لا."
ضحك هو بخفة قائلاً، مرة أخرى يشاكسها:
"لا إيه بالظبط؟"
تصنعت عدم فهم حديثه ثم نظرت على جرح رأسه الموضوع عليه لاصق طبي. متذكرة دماءه التي كانت ملوثة بيديها منذ أيام قليلة! حركت أنظارها على يده المكسورة. كانت تنظر بحزن من داخلها على كل ما حدث. ابتسم لها باطمئنان وهو يشير لها بأن تجلس. حتى جلست وجلس هو بجانبها. لم يتحدث هو بل ترك لها فرصة كبيرة حتى تحدثت بنبرة حاولت أن تبقى ثابتة رغم اهتزازها:
"مشيت ليه وسيبتني مع إنك عرفت كل مخاوفي!"
قالتها وهي ترفع وجهها ونظراتها لتواجه نظراته. كاد أن يتحدث هو بأسف. ولكنه رفع يده سريعًا. يتلمس وجهها أثر صفعة عمها. مرددًا بذهول متناسياً حديثها وحديثه:
"مين اللي ضربك على وشك كده؟"
هربت بأنظارها بارتباك. بينما هو في البداية عندما كان يقف أمامها وظله عليها لم ينتبه لذلك حتى ظن أنها حمرة الخجل! تلمس وجهها بتمعن غلفه الحنو. فرفعت يديها المرتجفة وهي تمسك يده لتنزلها من على وجهها بحرج. بينما تابع هو بحزم يردد كلماته مرة أخرى بجمود:
"بقولك مين ضربك!"
حاولت أن تتحدث رغم تخوفها. حتى خرج حديثها بتعلثم:
"عمي."
سبه بذيئة خرجت من فمه تلقائيًا. حتى نظرت له بصدمة مما أردفه ذلك الوقح من وجهة نظرها. مرت دقائق وهو يفكر ما الذي يمكن فعله لذلك الحقير. بينما صمتت هي. فحاول أن يبقى ثابتًا. حتى تحدث بهدوء مرة أخرى وداخله طبول الارتباك. دقت لأول مرة أمام نظراتها حينما ردد بصدق:
"نـيروز.."
حسنًا. حان الوقت للقول وحتى إن حدث شيء بينه وبين عمها فذلك الجواب منه كفيلاً. لما يمكن فعله لأجلها فيما بعد. قالها وهو ينظر لها بعمق أعينها البنية الفاتحة. فنظرت له بانتظار وترقب للآتي ولما سيقوله. فهتف هو بصدق وعيون لامعة قائلاً باعتراف. رغم اعتراف طريقه وأسلوبه ونظراته قبل حديثه الآتي. رددها بنبرة تائه صادقة أمام عينيها التي أجبرته على حبها وقوله لذلك وهو يخرج أنفاسه الحارة:
"أنا بـحبــك."
كم كانت كلمة ليست سهلة القول حتى وإن اعترف لها بتعاملاته. وحتى وإن كانت تعلم هي. فسماعها منه لتو. أربكها وأربك من نظراتها. ولكن قولها وهي تهرب بأنظارها بعيدًا عنه مرددة بتلقائية ممسكة بيديها المرتجفة:
"أنـا.."
صمتت تحاول أن تجمع شتاتها ثم أغمضت عينيها وهي تردد بسرعة متحلية بالجرأة:
"أنــا كمـان"
ابتسم وهو يحدثها بعبث. ليربكها أكثر ليرى ما يريده من تعلثم لديها:
"انت كمان إيه؟"
ذلك الغير هين بتاتا. يقصد أن يجعلها ترتبك وتتوتر أمام نظراته. طالعته بقلة حيلة لا تعلم كيف ومتى ولا تعلم لما تبكي الآن؟ حينما هتفت بنبرتها المتحشرجة المهزوزة لتجيبه باعترافها هي الأخرى:
"أنــا كمــان بـحـبك"
حسنًا. اعترافها شيء آخر حتى وإن كان يعلم. ولكن الآن أصبح سعيدًا بالضعف. دق قلبه بقوة لم يرتبك كمثل الآن من قبل! ولكن تماسكه ومحاولته في الثبات كان الأقوى حينما رفع يده يمسح دموعها بحنو. بينما هي ترتبك من لمسته التي ترتجف يديها ما أن يضع يده على وجهها. ولكنها أيقنت جيدًا أنها أحبته بشدة حينما ردد من بين مسحه لدموعها:
"متعيطيش بقا. عيب منك لما دموعك تنزل وانت معايا وقلبك جنب قلبي يا رزه."
رفعت يديها تمسح وجهها حينما أنزل هو يديه. ثم ابتسمت بخجل من بين دموعها لما أردفه للتو! كان شادي يقف مستندًا على الحائط بجانب حامد وهو يردد بهيام:
"غريب الحب مين فاهمه..!!"
رفع حامد حاجبيه قائلاً له بسرعة:
"روح له بسرعة بدل ما ياخدها في حضنه ده مترباش ويعملها..!"
ضحك شادي بقوة بينما حدجه الآخر بحزم إلى أن أومأ له بالإيجاب وهو يتجه لهما. بينما جلس حامد يشرب من كوب الشاي مرة أخرى بعدما كان ينظر من الشرفة. فالخارج وقف شادي يبتسم لهما بعدما عرفه غسان جيدًا. فتحدث شادي قائلاً بلطف وتلقائية:
"بجد لما عرفت إنك بتحب الزرع منه وقالي إنك عاملة نعناع وورد فالبلكونة وهو كان بيسقيه و.."
لو كان يقصد بأن يقوم بفضيحته بمكان عام لفعل أقل من ذلك. نهض غسان يحدجه بتحذير. بينما ضحكت هي بخفة لتفهمها للذي حدث بينهما. حتى نهضت هي الأخرى وهي تتحدث قائلة براحة محاولة التخلي عن خجلها:
"أنا فعلاً بحب الزرع والورد أوي. كنت بزرع النعناع وماما كانت بتستخدمه وتشربه. بس لما أنا حبيت اللمون بالنعناع الخطه اتغيرت خالص."
وزع شادي نظراته لهما بشك. وسرعان ما هتف بمرح:
"دا انتوا واخدين من بعض حاجات كتير بقا. عارفه إن الواد ده كان مقضيها أم كلثوم وقاعد يغني ويشكي ويبكي. وضربني مرتين. وكان هيتهجم عليا.. هو الفراق بيعمل كل ده يا اسمك إيه؟!"
وضع غسان يده سريعًا ليجعله يصمت رغما عنه هاتفا بجانب أذنه بخفوت:
"ورحمة امك لهعرفك..!"
قالها بتوعد. ثم رجع يبتسم وكأن شيئًا لم يكن. نظر له شادي بتوتر زائف حتى يبعد نظراته عنه. بينما ضحكت هي بخفة لما يفعله الاثنان. فردد مرة أخرى بثقة:
"علفكرة بيحبك جداً!! ده عمره ما عمل اللي عمله ده مع البنات اللي كنا نعرفهم فانتِ عملتي انجاز بصراحة. و.."
والآن نفذ صبره وهو ينظر له بتحذير. أدرك الآخر ما أردفه. بينما حملقت هي بصدمة للذي يحدث لم تعرف إنه ينتظرها الأقوى. أمسكه من تلابيبه وهو ينظر له بتوعد ومن ثم تركه وهو يشير بعينيه ليصلح ما قاله ليهتف يبرر بتردد سريعًا:
"أنا قصدي يعني يا آنسة نيروز. إن هو والله ما بيقول في حقك غير كل حلو وجميل ولا حتى بيلفت نظره بنت غيرك بقاله مدة. يعني تقريبًا آخر مرة قالي كان امبارح وهو بيقولي على أنجي مديرة الفرع إنها جامدة بس باردة..
"يعني مفيش حد حلو وكامل فنظره غيرك، اطمن."
صمت بسرعة حينما شهقت هي شهقة مكتومة من أثر ما سمعته. بينما كان يقف "حامد" في الخلف منذ بداية الجملة حتى اعتلت ضحكاته سريعاً وهو يتوجه ليقف أمام ولده قائلاً بثبات:
"تستاهل!"
حرك "شادي" عينيه في المكان ببراءة وكأنه لم يفعل شيئاً، بينما تابع "حامد" بنبرة هادئة:
"هتروح معانا؟"
"هاجي بكرة."
قالها ومن ثم وجه أنظاره لتلك الصامتة. كان والده متوقعاً رده هذا، حتى أومأ له قائلاً بثقة:
"أنا هثق فيك وفي كلامك، متتأخرش."
التفت بعد حديثه ينظر لـ "شادي" وهو يتحدث لهم:
"أنا هستناك يا نيروز على البوابة على ما أكلم شادي خمسة كده."
أومأت له بالموافقة رغم خجلها من كشف مشاعرهم، حتى سبق "حامد" أولاً. ومن خلفه "شادي". فعاد "غسان" يطالعها حتى نظر إلى ملابسها قائلاً بعبث وهو يغمز لها بطرف عينيه:
"طب لابسة الأسود ليه وأنا لسه حي!"
التفت تنظر له وهي تضحك بخفة، فتابع ضحكتها بشغف وهو يتحدث بحديثه المعتاد يملأ فقده لها لأيام:
"عارفة الست قالت إيه؟"
نظرت له مبتسمة تنتظر إجابته قائلة:
"إيه؟"
"بعيد عنك حياتي عذاب، ده بجد وربنا."
نظرت له بتشكك، خاصة بعدما أردف صديقه منذ قليل حديثه. ثم تحدثت قائلة تجيبه إجابة مستنكرة:
"ماهو واضح فعلاً."
ضحك بخفة، ثم أخذ أنفاسه بهدوء وهو يتحدث قائلاً بعقلانية وتوعد من داخله للذي فعل بها هذا:
"مش عاوزك تتأثري من اللي عمله عمك، خليكي جامدة كده ولا يهزك حاجة غير كلامي!"
أتخجل أم تبتسم بامتنان على تشجيعه؟ خلل يحدث في مشاعرها تجاهه. بينما واصل مرة أخرى يكمل:
"هرجع بكرة عشانك وعشان أشوف اللي حصل في غيابي."
لم يريد أن يسألها ولكن سألها على أي حال ولم يترك لتردده بأن يتمكن منه:
"نيروز! انت مصدقة اللي قالته بنت عمك عني؟"
تحدثت بسرعة تنفي ما قاله قائلة باندفاع:
"لا خالص، أنا عارفة كويس إنك مالكش ذنب ولا يد في اللي حصل، مستحيل تعمل كده أنا عارفة."
حسناً، من الطبيعي أن يسعده قولها بينما حزن لثقة الآخرين به في حين أن شقيقه لم يثق به. حاول التماسك أمامها ثم نظر لها وهو يقول بمراوغة:
"لا ده انت ثقتك فيا معدية وطايلة سابع سما بقا!"
ابتسمت بحرج ثم حاولت الهروب من كلماته وعبثه قائلة:
"أنا همشي عشان عمو حامد."
صمتت تنظر له فوجدته يطالع وجهها باشتياق. ثم غلبتها مشاعرها حينما واصلت مرة أخرى:
"هستناك، متغيبش كتير وتعالى بسرعة."
كانت ترمي له حزنها الطفيف منه حينما رحل ولكنها تعلم أنها رغماً عنه. صمتت تتابع ملامح وجهه فوجدته ينظر لها من أعلى لأسفل. رفعت يديها بسرعة تشير له أمام وجهه بغيظ قائلة بتلقائية:
"لسه بردو قليل الأدب!!"
ضحك بخفة وهو يردد ببراءة:
"طب أنا عملت إيه!"
"انت عارف كويس."
قالتها وهي تتوجه لتسير من أمامه فأوقفها نبرته وهو يهتف باسمها عالياً:
"نيروز."
التفت تنظر له باستفهام، فأجابها بوقاحة ظهرت في جرأة حديثه وهو يقول:
"العباية.. جامدة!"
فتحت فاهها بغير تصديق ثم التفتت بسرعة تهرب من نظراته بينما تابع هو مرة أخرى يصحح لها بنبرة عالية:
"بس أنا مش قليل الأدب أفكره ها..!"
قالها ثم جلس بمكانه وهو يبتسم حتى مرت دقائق وظهر من أمامه صديقه الذي كان يتردد في الاتجاه نحوه بسبب ما فعله. طالعه "غسان" بتحدي ثم تحدث قائلاً بشر وهو يبتسم:
"تعالالي يا حبيب قلبي."
ذهب النهار منذ فترة وجاء المساء في بداياته. كانت هي تجلس في المستشفى كعادتها. كانت تجلس على سجادة الصلاة تصلي وتدعو الله بأن يشفي والدتها! جلس "عز" الذي بدا على وجهه الإرهاق من العمل. نهضت وهي تتحامل على ألم جسدها الغير مفهوم ولكنه كان بسبب ألمها النفسي. نهض هو بسرعة يسندها وهو يمسك يديها حتى أجلسها على الفراش برفق. ابتسمت له هي قائلة بهدوء تشاكسه:
"إيه يا عز، احنا لسه جامدين يا با؟"
ابتسم "عز" ثم ربت على وجهها بحنو قائلاً بثقة:
"عارف إنك جامدة، وإستحملتي كتير، بس إتماسكي يا فرح أكتر من كده عشان خاطري أنا عمري ما شوفتك في الحالة دي أبداً، وطول الوقت بأنب نفسي عشان بسيبك هنا غصب عني وأنا في الشغل."
رفعت يديها تربت على يده بحنو ثم إجابته بحب:
"أنا عارفة يا عز ومش متدايقة من كل ده، أهم حاجة عندي إنك تبقى كويس وماما تفوق عشان وحشتني أوي."
قالت آخر حديثها بضعف. نظر لها بتفهم لما تشعر به فهو لا يقل عنها بشعورها هذا. أخذها بين أحضانه الدافئة وهو يحدثها بنبرة مطمئنة:
"هتفوق وهتبقي زي الفل، بس فوقي وروقي انت الأول يا بطل في حاجات كتير مستنياك. أنا مش عايز حاجة من الدنيا غير إني أشوفك مبسوطة ومحققة ومتخرجة من حلمك، وإن حنان ربنا يخليهالنا ويمد في عمرها."
"ربنا يخليك لينا يا عز، والأهم مني انت. نفسي أشوفك."
مبسوط وبالك مرتاح وربنا يجمعك مع اللي اختارها قلبك من غير وجع !"
تنفس بعمق وهي تخرج من بين أحضانه قائلاً بشرود:
_" مش عارف يا فرح ، حاسس إن مشاعري بتطلع مني عالفاضي ، كل حاجه متقفله فوشي لما سألت علي أبوها من بعيد وعرفت إنه مش سهل يقبل بواحد زيي ، ما أنا بردو اللي غلطان بصيت للعالي أوي من غير ما أخد بالي إني تحت وفـ سابع أرض ..!"
نظرت له ثم هتفت بجديه تقاطعه:
_" متقولش علي نفسك كده تاني ، انتَ أكتر واحد يستاهل جايزة كفاح ، مش عارف انتَ تعبت قد ايه عشان تعمل ورشه لوحدك ، انتَ عانيت وتعبت وانتَ بتصرف علينا وبتاخد بالك من اتنين فرقبتك وبقيت مسئول من شبابك وملحقتش تشم نفسك حتي ، لا يا عز إنتَ فالعالي أوي حتي انا لو بصيت للمكان اللي انتَ موجود فيه فنظري مش هيجيبه ، انتَ عز الرجال بجد مش كلام وخلاص ، متقولش علي نفسك كده تاني "
كم كانت شرسه في الدفاع عنه ابتسم لها بحبٍ وهو ينظر لها تدافع عنه ، نهض يجلب الطعام الٱتي منذ قليل لها ثم وضعه من أمامها وهو يمسك الملعقه حتي ييدأ بتطعيمها ، ابتسمت له ثم جذبت منه الملعقه علي فجأه قائله:
_" يا ما أكلتني ، تعال ماأكلك أنا ، يعني تدفعلي فلوس المستشفي والأكل والخدمه وتتعب ومتاكلش ، ده حتي عيب راجل "
قالتها بمرح فاعتلت ضحكاته الرجوليه، وجهت الملعقه أمام فمه ، ففتحه وهو يأكل من يديها ناظراً بعمق تفاصيل وجهها التي تشبه والدته إلي حد كبير ، ابتسم باشتياق لها ولحضنها الدافئ ، ورغم ذلك يوجد أمامه الٱن نسخه مصغره منها تحاول تعويضه إلي أن تنهض الأخري من غفوتها الإجباريه ..!!
_________________________________________
بعد مرور وقت كانت غافيـه في الغرفه وهي تغلق الباب عليها ، بين الاستيقاظ والنومّ ، لم يكن لديها أي شئ تفعله سوي النوم ، لم تسمع صوته وهو يأتي من الخارج ، دلف الغرفه بهدوءٍ ثم دخل بخطواتٍ ثابته خفيفه ،ليقف أمامها يطالعها وهي غافيـه ، وقف ينظر لها بشرود لعدة دقائق ، لا يعلم لما ٱتي بها قبل وقت تنفيذه بكثيرٍ ، ولكن بسبب خداعه لها فظن أنها تأتي ليخدعها مجدداً ؟ كانت تتقلب هي ،بينما كانت أعينه زائغه من شُربه للخَمـر، ولكنه يحاول الثبات لم يتأثر بها بشده بسبب اعتياده علي ذلك ، إنتفضت علي فجأه ثم نهضت بعشوائيه لتجلس علي الفراش ، وهي تراه يطالعها وكأنه شارد في عالم غير التي هي به ، عقدت ما بين حاجبيها لسكونه وعدم تحركه من أمامها ، لم تستر نفسها بل إعتادت أن تجلس من أمامه بملابسها المنزليه المريحه ، رفع أنظاره علي شعرها التي تركته خلفها بغير اهتمام ، نهضت هي ببطئ لتقترب منه وهي تربت علي ظهره برقه قائله بصوت ناعم تسأله:
_"مالك يا شريف؟"
وزع أنظاره علي يديها ووجهها ، لما تفعل كل هذا وهو لم يبادلها الحب بالشده التي تحبه هي بها !! ، إبتسامه داخليه صفراء ،. بسبب ما يراه منها ! ، لم يستطـع الوقوف أكثر بل توجه ليجلس علي الفراش بتعبٍ حاول أن لا يظهره أمامها ، ومن ثم توجهت هي لتجلس بجانبه ، ابتسمت له فبادلها البسمه رغماّ عنه ، لم ولن يشعر ناحيتها بمشاعر أبداً ، وهذا ما كان يحذر به نفسه ، وأن المنطق لن ولم يسمح لهما بأن يصبحا لبعضهما ، ولا شئ يهزم المنطق !! ، هو سئ بكل معاني الكلمه عاني ويجعل غيره يُعاني ! تأذى من وحدته القاسيه سوف يأذي غيره ويأذيه بالفعل ، مهما كان ثباته أمام الذي شربه تؤثر حتماً علي نقطة الوعي، حتي وإن كانت نسبه بسيطه ، رفع ذراعيه يضعها علي رأسه ، فطالعته هي بشفقه ، ومن ثم رفعت ذراعيها حتي يدخل بين أحضانها ، نظر لها بتهكمٍ لم تستشفه ولكن كان متردد من الداخل حتي دخل بين أحضانها ، حسنناً لاداعي من أخذ إحتواء لم يأخذه هو من فتره كبيره ، حتي وإن كانت أحضانها لا تشبه من لديه ولكن علي اية حال يفعل ما يجعلها تتمسك به حتي لا تذهب وتتركه ، ألم جسده كان الاقوي خرج من أحضانها بانهاكٍ طفيف ثم رفع ساقيه ليتمدد علي الفراش ، نظرت له بصمت ومن ثم نهضت لتخرج من الغرفه حتي تجد مكان ٱخر ، فخرج صوته لأول مره يقاطعها :
_" تعالي نامي ، متخافيش !"
نظر ت له بتردد ثم تعمدت أن تتجاهل حديثه وهي تتوجه مره أخري تكمل سيرها ولكنها انتفضت سريعاً حينما نهض مره واحده ثم توجه ليمسك يديها بقوه ، حاولت أن تتغاضى عن مسكته التي لم تكن هينه ،، فنظر لها وهو يسحبها خلفه ، كيف يتحدث ولم تنساق وراء حديثه ، مريضاً نفسياً يريد أن يجعل من حوله تحت أمره !!؟. ، أجلسها علي الفراش ، ثم نظر لها بتهكمٍ وهو يتوجه ليخرج من الغرفه ، تزامناً مع قوله لها :
_" نامى !"
لم تبدي أي ردة فعل بل نظرت بأثره وهو يخرج من الغرفه غالقاً بابها من خلفه ، تمعنت فيما فعله ولكنها لم تجد جواباً ، بل لو كان أجبرها علي النوم في نفس الفراش الذي كان سينام عليه في الجهه الاخري حتي ولو كان بينهما حاجز ، كانت ستحاول ترك الشقه ولكن ليس تركه هو بالتحديد !! ، إتضح أنه كان الأذكى حينما توقع نتيجة ما كان سيفعله ، كان واعياً لفهم ما تفكر به !! ، تنفست بعمق وهي تجذب الغطاء مره أخري حتي تحاول أن تنام بعد تناقض تفكيرها وطبيعته التي بدت غريبه إلي حدٍ ما بالنسبه لها !
__________________________________________
كان يجلس علي الفراش بتعبٍ من خروجه اليوم ، هو غير معتاد علي السير كثيراً منذ أن أصبح متخطياً سن العمل وعندما تقاعد وعادتاً ما يجلس في منزله ، أمسكت "دلال" علبة الدواء وهي تبتسم ثم أعطتها له وهي تفنح له زجاجة المياه ، اخذها منها وهو يبتسم قائلاً بحبٍ:
_" تعيشيلي العمر كله يا أم غسان "
نظرت له بحبٍ وسعاده لما فعله ، ثم تحدثت قائله بصوت مُبهج:
_"يعني صحيح يا حامد ، غسان جاي بكره ؟؟"
_"أيوه جاي ، مكنتش اتوقع إنه يسمع ويمشي ورا كلامي ، بس الظاهر مرواح نيروز معايا كان ليه فايده كبيره "
صمت يتابع ملامحها المشرقه التي تبدلت سريعاً فور علمها ، فواصل يكمل بتحذير:
_"دلال أنا مش عاوزك تتكلمي كتير فموضوع ابنك ونيروز أديكي شايفه الدنيا عامله ازاي والمشاكل إيه ، فـ احنا نستني كده لما الدنيا تهدي وبعد كده ابنك يشوف مصلحته معاها لو ليه نصيب إن شاء الله"
نظرت له باطمئنان ثم توجهت لتجلس بجانبه ، حتى أجابته قائله ببسمه عريضه:
_" لا مش هقول ولا هتكلم ، بس أنا فرحانه أوي يا حامد لما انتَ أكدتلي اللي كنت حاسه بيه ، أنا كنت بشوف ابني الضحكه علي وشه أول ما تيجي هنا أو أما يبقي هناك ، وشكيت أكتر فيهم يوم كتب الكتاب لما مشت عشان كانت بتعيط وهو راح وراها ، وانتَ عارف حنية ابنك متطلعش غير علي اللي بيحبهم "
_" الحب يعمل أكتر من كده أنا اللى هقولك ولا ايه يا جميل"
ابتسمت بخجل حينما شاكسها بكلماته ، فرفع ساقيه علي الفراش بجانبها ثم جذب الغطاء بهدوء وهو يتحدث قائلاً تزامناً مع إغلاقه للاضاءه:
_"نامي ، نامي كل حاجه هتبقي زي الفل ، خليكِ واثقه فـ ربنا .. "
تنفست بعمق وهي تبتسم محاوله إغلاق أعينها ، ولأول مرة منذ أيام تحاول النوم وعلي وجهها ابتسامه بدلاً من الدموع ..!
____________________________________________
_"خلاص ، كفايـه!!"
قالها "شادي" لـ "غسان" المُمسك مكعبات الثلج وهو يضعها أسفل عين الأول ، نظر "غسان" له بملامح وجه ضاحكه ، بينما نظر له الٱخر بضجر، فردد"غسان" قائلاً:
_" ما خلاص ياعم أنا كنت بهزر "
_"بتهزر ؟؟ تقوم مزرقلي تحت عيني ؟"
_" طب ما انتَ ضربتي في الجرح اللي فـ راسي وخليته ينزف تاني من تحت الخياطه !"
نظر له بحنقٍ ثم تابع برضا:
_" خلاص يبقي كده واحد واحد "
ضحك "غسان" رغماً عنه حتي ضحك الٱخر ، فتابع "غسان" حديثه المُستنكر قائلاً بلوم :
_" حد يقول كده بردو؟؟ ، بتقولها اني بقول علي إنچي جامده!!"
_" بس بارده !!
قالها وهو يرفع إصبعه ليصحح له حديثه. نظر له "غسان" ثم تابع يتحدث بنبره ساخره:
"لا كتر خيرك والله مكنتش عارف من غير بارده دي كنت هعمل إيه!"
تحرك من أمامه وهو ينهض ليتوجه ناحية المطبخ تزامناً مع قوله المتشفي:
"ما انت اللي تستاهل، بتبص لغيرها ليه؟ معتش مسموحلك تبص خلاص يا حبيبي. أنا بس اللي أبص!"
حرك "غسان" أنظاره بغير اهتمام ثم اعتدل يتسطح علي الأريكة تزامناً مع قوله بالامبالاة:
"مردوده!"
***
"الأرواح المتشابهة تتآلف، ربما في لقاء غير محسوب أو صدفة مدهشة أو قدر مؤجل."
هذا ما كان يشبه حالتها، جلست تتذكر حديثه العبثي معها التي كانت تفتقده، ثم ابتسمت حينما تذكرت كلماته لها وحثه لها على أن تكون قوية دائماً. جاء على خاطرها حديث "حامد" لها فالعودة حينما قال لها صراحةً:
"بصي يا بنتي أنا مكنتش آخدك كارت عشان هو يرجع وربنا اللي يعلم، بس وجودك كان مهم. وكان سبب قوي يخليه يرجع. عاوز أقولك كلمتين تعرفيهم كويس، أنا عارف انت متربية إزاي وبنت مين كويس، وعارف إنك بعيد كل البعد عن التعارف والكلام ده، ولا حتى واخده عليه. مش هقولك ابني أحسن شاب ممكن قلبك يختاره لأنه بيطلع منه حاجات ساعات كده بتشككني إن ده ابني، بس لو انتي فهماه مش هتعاني معاه، ولا هو! وبصراحة بقا انتي أحسن منه. الواد ده قليل الأدب ومترباش اسأليني أنا.."
كان يقول آخر حديثه بمرح. ابتسمت هي حينما تذكرت كلماته التي خجلت منها خاصةً حينما أكدت له بأنه فعلياً لم يرى تربية من الأساس، حينها أكدت وهي تهز رأسها بتأكيد، فاعتلت ضحكاته عليها. خرجت من شرودها حينما وكزتها "ورده" الجالسة بجانبها، فقد كانت تجلس معهم بالصالة وكانت "ياسمين" تجلس بجانب والدتها، و "بدر" يتحدث مع صغيره يشاكسه. خرجت من شرودها وهي تبتسم، فتوجهت الأنظار إليها باطمئنان فمنذ أن أتت من الخارج لم يظهر عليها الحزن الذي قد ظهر قبل خروجها مع "حامد". ابتسمت باتساع حينما صاحت "ياسمين" عالياً:
"بركاتك يا حج حامد!"
قهقهوا عليها بقوة، حتى "نيروز"، فتحدث "بدر" من بين ضحكاته قائلاً:
"الصراحة يا روز هو يا بركاته فعلاً من التغيير اللحظي ده."
قالها بمرح، فضحكت هي بخفة، ثم نهضت مبتسمة تجيبهم:
"فعلاً بركاته ظاهرة حقكم. أنا هدخل أنا بقا تصبحوا على خير."
قالتها وهي تتوجه لتسير ناحية غرفتها، ولم تكن تقصد والده بل كانت تقصده هو شخصياً!! تحدثت "ياسمين" هي الأخرى قائلة بتأييد:
"وأنا كمان هنام، وانتِ يا سميه قومي نامي بطلي سهر بقا ورانا شغل فالشقة بكرة عنب!"
ابتسمت لها والدتها برضا ثم ربتت على كتفها بحنان، بينما نهضت، ومن ثم الأخرى، حتى نهضت "ورده" هي وعائلتها الصغيرة أيضاً. ذهب كل منهم إلى غرفته. أما "نيروز" فدلفت غرفتها، ومن ثم بدلت ملابسها إلى أخرى مريحة، ثم وقفت أمام المرآة تتطلع على وجهها الأحمر. لم تأخذ السئ من صفعة عمها بل أخذت لمسته الحانية لها وانتباهه لما حدث لها دون أن تتحدث. ابتسمت على أثر لهفته الصغيرة الذي حاول إخفائها وهو يسألها ما سبب هذا. أنزلت يديها من على وجهها. قد أخذت فراشات منه اليوم بما يكفي ليجعلها مبتسمة لأيام قادمة!! توجهت سريعاً للذي قد نوته بعدما رحلت وودعته. جلبت الدفتر من الدرج سريعاً ثم فتحت عدة صفحات إلى أن وجدتها. تلك السلسلة التي كانت على شكل ورده! كانت تعلقها فقط باستخدام لاصق، حيث أنها كانت مجرد ذكريات. ولكنها الآن لم تعد كذلك بل أصبحت بالنسبة لها ذكريات الماضي والحاضر والمستقبل إن شاء القدر. نزعتها من مكانها ثم أغلقت الدفتر. حتى فردتها لترفع يديها لترتديها حتى زينت عنقها. توجهت سريعاً تقف أمام المرآة تتطلع على مظهرها بها. حتى ابتسمت بثقة فهذه السلسلة اختياره، وهي اختياره. إذن من الواضح أن اختياراته جيدة كلها!! توجهت لتجلب دفتر المذكرات الخاص بها ثم فتحت صفحة جديدة تكتب بخط يديها المنظم:
[ الحادية عشرة قبل منتصف الليل ..يوم الجمعة..
تلاقت أعيننا من جديد بعد الفقد لأيام، ولكن تلك المرة كان التلاقي بنظرة لامعة، لم ولن يعرف معنى لمعتها سوانا، فـ تلك المرة كان التلاقي ومن ثم الإعتراف بالحب من الطرفين.]..
أغلقت الدفتر سريعاً ثم وضعته في الدرج وهي تتوجه لتغلق الإنارة ومن ثم انسحبت تحت الغطاء، حتى تبدأ في الاستغراق في النوم براحة واطمئنان من فكرة وجوده غداً. مفكرة بأنه.. سيعود إذن جارها، وجار غرفتها وجار قلبها من جديد ومرة أخرى!!
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!