"ألا تدري الراحة في وجودك بجانبي؟ الدفء في عينيك، والسلام في نظرتها، وأمانك في مسكة يديك بيدي. هذا ما كنت أريده. كنت أريد الاطمئنان وأمانك وسلامك ودفء يديك فقط. هذا كان وسيكون كل شيء بالنسبة إلي!
كان يجلس وبيديه مشروب من الليمون بالنعناع البارد والمفضل لديه، وكذلك هي الأخرى بجانبه. التفت ينظر لها فوجدها تشرب منه بتمهل. يعلم أنها تخفي ما كانت تود قوله ليلة أمس. لا تريد أن تواجهه بمخاوفها بعد المحاولات منه كي تصبح معه على راحتها. لاحظ أنها صامتة بنسبة بسيطة، وحده من انتبه لذلك حتى وإن كان غير ظاهر بوضوح. كان ينظر لها وهو يدقق النظر بينما التفتت هي على فجأة كي تتحدث ولكنها صمتت حينما وجدته يطالعها بصمت. ابتسمت بهدوء ثم رفعت عينيها تقابل عينيه بتمعن. بينما تنفس هو بعمق ثم تحدث بنبرة
هادئة يسألها على فجأة: "هو انت بتخافي مني؟ نظرت له "نيروز" باستغراب ولكنها تعلم سبب سؤاله بسبب حديثه معها عن سبب ذهابها للطبيب النفسي. لم تبدي ردة فعل مستنكرة بل ابتسمت بهدوء ثم حركت رأسها بالنفي حتى تنفي حديثه. لحظات وقد خرج حديثها منها بنبرة هادئة لم يظهر بها الضعف الذي بداخلها: "مش منك، من حاجات تانية كتير! يريد وبقوة محو كل شعور سيء بداخلها وإخراج كل مخاوفها ورهبتها للهواء حتى يتبخر ولا يعود مرة ثانية! خرجت منه
ابتسامة صغيرة ثم ردد بشغف: "عاوزك تعرفي إنك طول ما انت معايا الخوف مش هيعرف ليك طريق! ابتسمت بتأثر ثم تساءلت بريبة تعيد على مسامعه حديثها ليلة أمس النابع من قلة ثقتها بمن حولها: "يعني مش هتشوفني مجنونة؟ سؤال تكرر على مسامعه مما سبب له فكرة خوفها من حولها عن الانطباع. حرك رأسه بالنفي ثم نظر لها بصمت حتى تابعت بنبرة خائفة خرجت له بوضوح: "أنا خايفة تسيبني وتمل مني ومن مخاوفي التافهة!
"قلبي دايما جنبك وهيساعدك وكتفي هيشيلك لو ميلتي عليه، متخافيش." قالها بصدق ظهر في كل تفصيلة فعله عند الحديث، نبرته، كلماته، حركة يديه، نظرة عينيه. لا يدري لما يرمي على مسامعها كلمة عدم الخوف منه أو من غيره، ولكن استشعر خوفها لا يعلم هو أ منه أم من الزمان! أما هي فنظرت بتأثر من صدق كلماته الذي رماها على مسامعها للتو. لم تشعر بنفسها سوى عندما تحدثت مرة واحدة قائلة باختناق ظهر في نبرتها:
"هخاف تسيبني بعد ما اتعلقت بيك. كل ما بتعلق بحد بيمشي ويسيبني. متعلقتش أوي بحد بعده إلا انت. إمته معرفش! خوفي من إني أتعلق وأتكلم وأتعرف على ناس جديدة كان بيظهرني في نظر الكل مجنونة. أنا معتش بثق في وجود حد معايا. محدش عارف إني لسه بروح لدكتور نفسي منهم غيرك انت وجميلة!
صمتت تأخذ أنفاسها ثم طالعته فوجدته يستمع لها باهتمام ظاهري ونظرة عينيه المتمعنة بها واللامعة بلمعة الحزن تلك المرة. أما من داخله لم يكن ثابتاً بتاتا. حرك عينيه بمعنى الاطمئنان حتى واصلت مرة أخرى تتحدث براحة استشعرتها فالحديث معه منذ فترة:
"زمان لما بابا مات أنا قعدت فترة فاقدة النطق. عايشة في أحلام مع نفسي إنه لسه معايا وموجود. رفضت الواقع بكل اللي فيه واختارته هو لوحده. كلهم بلا استثناء كانو شايفني اتجننت خلاص بسبب اللي كنت بمر بيه. بس أنا مكنتش ساعتها مجنونة. لو حد عرف إني لسه بروح دكتور نفسي منهم هيفتكروني حصلي حاجة زي زمان. مستحيل أرجع نظرتهم المشفقة دي تاني. أنا مش عاوزة أشوفها. كل مخاوفي منها من مرات عمي اللي كانت فضحاني في كل مكان بإني خلاص
اتجننت. محدش كان بيتكلم غيرها. كلامها في كل مرة كان بيرجعني لورا حتى لو كان في تقدم. كام مرة عمي جه عليا واتظلمت بسببها. كام مرة حد فكر إني ممكن أكون مجنونة فعلاً بسبب كلامها عليا وانهم خلاص شايفني ناقصني مستشفى المجانين. ليه مكنتش بخرج وليه منعت نفسي إني أتعرف؟
كان بسببها بسبب إن نظرة اللي برا وبعض الجيران ليا بإني خلاص بقيت لا أصلح أكون إنسانة عاقلة. كلامها وكلام الناس والجيران والقرايب خلاني معتش واثقة في اللي حواليا حتى نفسي. بقيت بعمل حساب لنظرتي ورد فعلي قدام حتى أخواتي وماما ليفكروني مش طبيعية تاني. وحسن اللي عاوزني بالغصب كان حتى نظرته ليا كأني ضعيفة وهيضحك عليا عشان مجنونة كانت باينة أوي. محدش وقف جنبي غير ماما وإخواتي. وياسمين هي الملجأ الوحيد ليا لو الدنيا قست عليا وحد كلمني. حتى أنا خايفة أقول إني مش مبسوطة إنها هتمشي وتسيبني."
صمتت تأخذ أنفاسها وهي تحاول بقدر الإمكان بأن لا تهبط دموعها. كلمات وحديث ألمه من الداخل حتى وإن لم يكن حزنها وأسبابه كفيلاً لأذية غيره ولكن من يعاني مثلها كان سيتفهم جيداً. وضع نفسه مكانها كما يضع في كل مرة بسبب طبيعته التي تضحي من أجل من يحبهم فقط. يوقعه القدر في أشخاص يعانون مع الحياة حتى شقيقه الذي كان يشعر به ولو ذرة لم يعترف بذلك. أما هي!
من كان سيشعر بها وهي تشعر بأنها بمفردها وفي نظر الجميع كانت مختلة عقلياً حتى الصامتين الغير معترفين ظاهرياً بذلك في البداية. نظر لها بحزن ثم خرجت منه نبرته الذي حاول منذ لحظات بأن تخرج ثابتة منه حتى تحدث قائلاً: "انت الواحد يتعافى بيك. وعمرك ما كنت مجنونة. وكل اللي وصلك للحالة دي أنا مش هسيبهم يفضلوا يأذوا فيك كده صدقيني."
نظرت له بامتنان صادق وهي تطالع عينيه التي بدت صادقة وصريحة في نظرتها. ثم تساءلت بخوف داخلي وريبة ظهرت له بقوة مما جعله يقلب الحوار لآخر: "يعني مش هتسيبني؟ "تؤ." "هتكسرني؟ "تؤ." "يعني بتحبني؟ "تؤ." قالها بمرح حتى يخفف من الأجواء المشحونة بمشاعر عدة. لم يسمع منها سوى شهقة خافتة ومن بعدها صوت ضحكاتها. ضحك بخفة عليها ثم صمت للحظات ولم يريد أن يفتح الحوار مرة ثانية بل راوغ في حديثه كي لا تبكي كما يراها تكتم الدموع
بعينيها ثم سألها باهتمام: "بتعرفي تدافعي عن نفسك؟ عقدت "نيروز" مابين حاجبيها بتساؤل ثم قالت: "إزاي؟ "يعني تثبتي حد، تعوري حد، تضربي حتى حد حاول يتهجم عليكي بالضرب." نظرت له باستنكار ثم تحدثت بتلقائية وهي تضحك: "أثبت وأعور!! انت بتهزر صح؟ نظر لها "غسان" بتمعن ثم هز رأسه وهو يخرج ما بجيبه تزامناً مع قوله: "زي ما."
نظرت له باستفهام ثم تفاجأت به وهو يمسك يديها حتى يلبسها سوار فضي اللون صلب بعض الشيء. ألبسه إياها بهدوء، حتى نظرت له بتساؤل من غرابة شكله وهي تقول بتعجب: "إيه ده يا غسان؟ أحكم غلقها على يديها ثم رفع أنظاره قائلاً لها ببساطة: "مطوة عشان لما عمك ومرات عمك وأي حد يقربلك وأنا مش جنبك تعلمي عليه وتثبتيه على طول." تبجح منها يرسله لها بعد أن أخذت منه بعض الجرأة في الحديث معه. نظرت له بذهول ثم رددت بغير تصديق
قائلة بحديثها العفوي: "انت مجنون؟ عايزني أعورهم بالبتاعة دي! "لسانك بقى طويل معايا يا رزقة، مرة قليل الأدب ومرة مجنون وكده كتير! نظرت له بعدم استيعاب، فقالها بمكر. ثم نظرت له وهي تتحدث بجدية: "انت جبت البتاعة دي منين؟ وشكلها عامل كده ليه؟ "جبتها وأنا جاي بعد ما قولتيلي إن عمك مد إيده عليك. ثانياً، محدش قالك عوريهم، ثبتيهم بيها لو حد قربلك هتلاقي كل واحد فيهم اتصنم مكانه متبقيش طرية كده!
قالها "غسان" بهدوء شديد مع بساطته في تسهيل أمر ليس طبيعياً. فضحكت هي من قمة هذا العبث وهي تعيد النظر بها. ثم مدت يديها لتضغط على زر يشير لفردها حتى فتحت على فجأة بشكلها وهي تنفرد بالطول متعلقة فقط من يديها. ناظرة على الجزء الصغير الحاد جداً بها. كانت لا تظهر كلياً بأنها أداة حادة بل كانت كأنها سوار. لم يسمع سوى صوت ضحكاتها عندما استوعبت الأمر سريعاً. ابتسم على ضحكتها ثم تفاجأ بها وهي ترفع يديها حتى تعبث معه لتضعها أسفل عنقه بتلك الأداة التي توجد بيديها ومعلقة بها ممسكة بها على فجأة. وقبل أن تلمس عنقه مباشرة، أوقفها على فجأة وهو يمسك يديها يمنعها ثم غمز لها قائلاً
بتسلية وإعجاب: "ده اللي هو علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني." قالها باستنكار، فسمع صوت ردها بضحكتها الخافتة حتى أنزلت يديها ببطء. فواصل يكمل هو وهو ينظر لها قائلاً بفخر: "لا بس عال أوي كده." ضحكت من غرابة الموقف، فقد تتوقع أي شيء منه. ثم نظرت له تبادله الغمزة وهي تتحدث قائلة بمرح وعفوية: "لا دا أنا أعجبك أوي." غمز هو لها هذه المرة ثم خرج منه صوته الرجولي وهو يعبث كعادته قائلاً ليحاصرها بحديثه وهو يقول
بتبجح ووقاحة معهودة لديه: "انت كده كده عجباني." حركت رأسها بقلة حيلة منه ثم تنفست بعمق وهي تنهض بعد أن رأته ينهض. حتى وقفت بجانبه ثم رفعت رأسها حتى تطالعه فوجدته ينظر من أمامه قائلاً لها على عجالة: "يلا عشان نروح."
بعد مرور بعض الوقت وقفت السيارة أمام المنزل لتنزل كلا من "سمية" و"عايدة" و"دلال" وأخيراً "ورده". جاءت بهن السيارة على مرتين من شقة "حازم" التي كانت تتجهز بواسطتهن. دلف كلا منهن المبنى عندما انتظرن الأخريات. وبقت "ياسمين" معه في السيارة حتى يقضون بعض الوقت مع بعضهما فالخارج. صعدت "سمية" على السلم بسبب مرضها وحتى لا يقل ضغط الدم لديها عندما تصعد في المصعد قليلاً ما تصعد به. ففضلت النساء وابنتها الصعود معها على السلم
إلى أن صعدن جميعهن. ووقفت كل واحدة منهن أمام شقتها. لم يشعر أي منهم بتلك التي خرجت تنظر لهن باشمئزاز ولم تلقي السلام عليهن بل ظلت تنظر لهن نظرة استحقار. توقفن عن فتح كل واحدة منهن لشقتها عندما صاحت "زينات" عالياً وهي تتوجه ناحية المصعد تنتظره تزامناً
مع قولها: "عقبال ما تفرشي لبنتك التانية يا سمية ولا هتفرشيلها إزاي وامته يختي وهي عايشة ومقضاياها قدامك أو من وراكي يا وانتِ زي الـ..! كلمات خرجت منها بطريقة مستفزة. وقفن جميعهن بصمت إلى أن نظرت لها "سمية" بحدة تقاطعها كما كان حديثها بنفس الحدة وهي تقول: "قولتلك متتكلميش على بنتي كده. ودي المرة الأخيرة اللي بقولك فيها ملكيش دعوة ببناتي يا زينات. خليكي فحالك."
قالتها بجدية بالغة إلى أن نظرت لها الأخرى نظرة استنكار. أما هن فدلفت كل واحدة منهن إلى شقتها دون نبس حديث حتى لاحظو هدوء الوضع ما أن هبطت الأخرى. هبطت "زينات" في المصعد بعد أن ركبته وهي تنظر من أمامها بغيظ وتشفي. اليوم أول خطواتها في البحث عن ابنتها بمفردها!!
خرجت من المصعد ثم سارت في طريقها إلى الخارج وهي تعدل من مسكة حقيبتها بيديها وعلى ذراعها. دققت النظر من أمامها من تلك السيارة التي إصطفت إلى جانب أمام المبنى ليهبط منه الاثنان معا. مهلاً على وجهها بسمة واسعة لم تراها من قبل. نظرت بخبث وهي تقف بمكانها حتى يأتي الاثنان في المدخل لها. ولم تكن سوى "نيروز" و"غسان" الذي سار بجانبها إلى الداخل. وقفت "نيروز" بمكانها ما أن نظرت أمامها حتى نظر "غسان" على الركن التي تنظر له. وما أن نظر علم ما أوقفها. رفع يديه يمسك بيديها بقوة ثم سحبها بجانبه للتقدم وما إن وصلا إلى المدخل وقفت أمامهم "زينات" بطريقة غير مباشرة حتى تمنع سيرها. طالعتها من أعلى لأسفل ثم ابتسمت بسمة تهكمية تزامناً
مع قولها: "يعني مش قليلة الرباية ولسانك عاوز قطعه زي اختك لأ وكمان بجحة وماسك ايدك على العلن عجبي عليك يا زمن. عيني عينك كده يختي!
في كل مرة تخوض بها كذلك وتشعل من نيران أعصابها. لم ترد هي بسبب مقاطعة "غسان" لها برده حينما رفع يد "نيروز" وهو يضغط على السوار الذي يوجد بيديها حتى خرج النصل الحاد الغير ظاهر. وهو يقدمه بسرعة أسفل عنق الأخرى بواسطة يد "نيروز" الممسك بها. تفاجأت "نيروز" من فعلته التي كانت غير متوقعة بالنسبة لها. أما "زينات" فانتفضت سريعاً وهي تنظر لتلك التي بيد الاثنان معا أسفل عنقها. ابتسم لها "غسان" ثم ردد بثبات
وهو على ذلك الوضع الغريب: "قوليلي كده كنتي بتقولي مين اللي قليل الرباية ولسانه عاوز قطعة وماسك ايد مين و... إيه؟ قالها وكأنه يسأل بينما ابتلعت ريقها وهي تنظر لهما نفس نظرة الغيظ. نظر "غسان" لـ "نيروز". ثم غمز لها وهو يترك يديها الممسك بها حتى بقت "نيروز" هي التي تضع على عنقها ما بيديها ومن ثم جاءتهم نبرة "غسان" المتسلية بالفتك بأعصاب الأخرى وهو يقول: "شوفي شغلك بقى يا رزة. أصل ده شغل حريم برا عني الوقتي."
أومأت له حتى وقف هو أمامهما ينظر على شراستها التي ستظهر بعد أن أردف كلماته. كادت أن تهددها "نيروز" إلى أن جاءهم صوت "زينات" وهي تقول رغم تثبيتها أسفل يدي التي تقف أمامها: "انتوا فاكرين إن كده هخاف يعني ولا إيـ.." توقفت عن كلماتها عندما قربت "نيروز" النصل الغير ظاهر إلا في حدته أسفل العنق. وهي تقربه من عنقها أكثر حتى بات قريباً منها ثم توعدت لها بنبرتها الحادة الغير معهودة منها:
"أقسم بالله لو إتكلمتي فـ حقي وخوضتي فيا كده تاني بكلام زبالة أنا مش عاوزه أقولك هعمل فيكِ إيه. ســامعــه؟
قالت أخر كلمة بصراخ وهي تشدد أكثر في مسكتها. أمام أنظار الاخر الذي ينظر باستمتاع وكأنه يشاهد أحد أفلام السينما. هزت لها "زينات" رأسها هزة غير واضحة. خافته حتى لا تقلل من نفسها مهما حدث وهي تبتلع ريقها ببطء. هبطت يد "نيروز" من عليها وهي تنظر لها باشمئزاز ثم تحركت من أمامها إلى الداخل أكثر. بينما نظرت "زينات" بأثرها بشرر. حتى قاطع نظرتها ذلك الواقف بمكانه حتى جاء ليقف من أمامها مردداً بنبرة باردة:
"والله أنا شايف إنه قليل أوي اللي هي عملته. يعني أنا قولتلها شوفي شغلك معاها وجابت أرخص ما عندها. عارفه لو أنا..؟ صمت يلاحظ تعابير وجهها الممتعضة. فواصل يكمل بنظرة حادة عكس ما سبق: "لو أنا كنت هخرجك مفرفرة من تحت ايدي وسايحة فـ دمك. ساعتها هتعرفي بقا مين اللي قليل الرباية. ..وبقولك ايه أنا أه ماسك ايدها عادي انت مال أهلك. يخصك فـ حاجة؟
صمت يلاحظ تعابير وجهها مرة أخرى ورغم ذلك لم تتحدث بعد الآن. ضحكة ساخرة خرجت من فمه ثم من بعدها تخطاها ليذهب إلى الداخل تزامناً مع قوله الخافت الذي قصد أن يصل إلى مسامعها: "طريقك أخضر يا أم الناقص!! قالها وهو يتجه للداخل، ما يبدو أن الأخرى قد صعدت وتركته بعد ما فعلته أمام أنظاره وأنظار زوجة عمها. توجه ليقف حتى ينتظر المصعد، إلى أن ركب به أخيرًا وهو يفكر كيف تكون هذه أحد أسباب مرض الأخرى وتخوفها مما سبق وما هو آتٍ.
"السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله."
قالها "عز" الجالس يقوم بأداء فرضه جماعة مع شقيقته. نهضت "فرح" بتمهل ثم جلست على الفراش وهي تقوم بالدعاء في سرها لشفاء والدتها. جلس "عز" لفترة قصيرة ثم نهض هو الآخر، حتى ارتدى السترة البيضاء خاصته وهو يعدل من ملابسه جيدًا. حتى ابتسم لها وهو يتجه ليجلس بجانبها على الفراش. قاطع تنفسه العميق وحديثه صوت دقات الباب الخافتة. نهض ليفتح الباب بعد لحظات من السير، ثم فتحه بخفة أخيرًا، إلى أن وجدها أمامه. لم يستوعب الأمر سوى عندما
ابتسمت بحرج وهي تهتف: "إزيك يا عز وإزي فرح؟ حمحم بحنجرته ثم تراجع ليفسح لها المجال حتى تدلف، تزامناً مع قوله الهادئ: "الحمد لله كويسين، اتفضلي." ما إن دلفت، وقفت "فرح" وهي تتجه لها لتدخل بين أحضانها بحبور، مرددة بنبرة مختنقة: "وحشتيني يا جميلة.." اشتدت في احتضانها لها. لطالما كانت وما زالت "جميلة" كمثل شقيقة "لفرح". كيف لها بأن توقعها بشباك من يريدها حتمًا؟
الأمر صعب، حتى أنها لاحظت عدم اتصاله وتهديده لها، متمنية بذاتها بأن لا يهاتفها مجددًا. وكأن شيئًا لم يكن، خرجت من أحضانها ثم جلست بجانبها على الفراش بهدوء، تحت أنظاره غير الواعية مجازيًا من رؤيتها. حاول الهروب من شعوره وتآكل ما بداخله بسبب رؤيتها لها، ولم ولن يستطع أن تكون له. له بمحاولته لفتح الموضوع، وللمحاولة وقتها، وللقدر رأيه في وقت آخر. ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه، ثم قال بنبرة هادئة
ليترك لهما المساحة الخاصة: "طب أنا هستأذن أنا بقى عشان تبقوا على راحتكم.." أومأت له "جميلة" ثم تحدثت سريعًا قبل أن يرحل: "أنا آسفة، بس قبل ما تمشي كنت هقول حاجة مهمة. حنة ياسمين بكرة، وكنت عاوزة فرح تيجي وتفك عن نفسها، وكده كده الفرح برضه أنتم معزومين أكيد." حرك أنظاره صوب شقيقته ثم تنفس بعمق، وهو يردد بلباقة: "إن شاء الله هنيجي، وربنا يسهل. محتاجين حاجة؟
أومأوا له بالنفي، تزامناً مع سيره ليخرج من الغرفة حتى يتركهما مع بعضهما. خرج من الغرفة حتى انتبه له وهو يقاطع سيره متحدثاً بلهفة، وكأنها والدته هو، عندما رأى "بسام" يتحدث والبسمة تزين وجهه: "إزيك يا عز، عندي خبر كويس جدًا ليك انت وفرح." ابتهجت ملامح "عز" وهو يتمنى بأن يكون ما خطر على عقله، ولكن أدمعت عينيه بفرحة حينما ردد الآخر كلماته: "والدتك فاقت من شوية."
نظر له بفرحة وتأثر، ثم رفع ذراعه تلقائيًا حتى يحتضنه. ورغم تفاجؤ "بسام" من فعلته، إلا أنه تمسك به جيدًا وهو يبادله الاحتضان، مشاركًا إياه بفرحته. خرج سريعًا من بين أحضانه ثم تحدث بتعلثم: "لمؤاخذة يادكتور، الفرحة بس خدتني." "انت بتقول إيه يا عم عز؟ إحنا مش اتفقنا إننا صحاب؟ ربنا يخليها ليكم ويبارك في عمرها. طبعًا هي مش واعية أوي أوي فهتاخد وقت كده لحد ما تستوعب، وإن شاء الله خير.."
أومأ له "عز" بلهفة ثم تحدث سريعًا وهو يسير من أمامه، تزامناً مع قوله: "مش عارف أقولك إيه على الخبر ده. لازم أروح أفرح فرح وجميلة." قالها ثم أشار له بأن يتبعه. لا يعلم أَيضحك الآخر على ما يفعله أم ينظر بتأثر. وليس فقط هذا ما فعله، بل أشار له بالسير معه كي يشاركه فرحته.
كانت تجلس معهم بعد أن انتهوا من تناول الطعام منذ وقت فات. نظرت "سمية" لابنتها بتمعن، فالابتسامة لا تفارق وجهها، كما أنها تتحدث بأريحية، خاصةً أن "حامد" و"دلال" فقط كانوا موجودين معهم ومع "بدر" وصغيره. توجهت "نيروز" ناحية المطبخ حتى تجلب صينية العصير من "وردة" التي نادت باسمها عاليًا. خرجت من المطبخ بعد لحظات وبيديها صينية عليها أكواب من عصير الفراولة. توجهت به ناحية "حامد" أولًا حتى يأخذ منها. فابتسم
لها باتساع ثم تحدث بلطف: "تسلم إيديك الجميلة يا روز." ابتسمت له بحرج وهي تتوجه لتعطيهم جميعًا، حتى وقفت عند "دلال" التي ابتسمت لها بحب وهي تأخذ منها قائلة بتلقائية وتمني: "عقبال ما نشرب شرباتك قريب يا حبيبة قلبي."
لاحظت "نيروز" تلميحها، كما لاحظ "حامد" الذي تنحنح سريعًا بحنجرته، تحت أنظار "بدر" الذي يكبت ضحكاته وهو يتفهم الوضع جيدًا. لم تجلس معهم من بعدها، بل توجهت بكوبها إلى غرفتها وهي تستأذن، ثم دلفت شرفتها به وهي ترفع يديها تقف على أطراف أصابعها وهي تدق دقة على باب الشرفة الخشبي لديه. لم تستمر دقائق حتى خرج لها وهو يرتدي سترته القطنية الزرقاء على جزعه العاري وهو يغلقها من السحاب إلى مقدمة صدره. لم تنظر له، بل حركت أنظارها بعيدًا، متظاهرة بعدم انتباهها لذلك. تنفست ببطء أخيرًا، ثم طالعته وهو يبتسم لها قائلاً على ما فعلته عند مجيئهما من العمل، فهما لم يتقابلا من وقتها. نبس بنبرته المتعجبة وهو يغمز لها بمرح، مرددًا:
"ده إيه الحلاوة اللي عملتيها تحت دي! نظرت له ببسمة صغيرة ثم قدمت له الكوب تزامناً مع قولها الساخر: "قول إيه النمرة اللي انتي عملتيها تحت!! ضحك بخفة وهو يأخذ منها الكوب ثم وضعه على السور تزامناً مع قوله: "هتلبسي إيه في الحنة؟ نظرت له بدهشة من إردافه لحديثه ذلك، ثم طالعته فوجدته ينظر لها باهتمام. حتى أردفت قائلة تجيبه: "فستان بسيط كده لونه بيبي بلو، ليه؟ "طب مينفعش فستان أبيض وناخدها من قصرها وخلاص!
قالها وهو ينظر لها بتسلية، بينما طالعته بحرج وهي تنظر له ثم قالت تجيب حديثه: "لا مينفعش. هو انت مش جاي؟ "لا ما تيجي انتِ! قالها ببساطة، فوجدها تنظر له بحدة مرددة: "أجي فين؟ برضه يا قليل الأدب! عقد حاجبيه وهو ينظر لها ثم ردد يقول: "مش بقولك لسانك طويل! عالعموم أنا مش جاي فعلاً. أنا رايح أشتري هدية لوسام اللي مش عارف إيه هي وبعدين ورايا مشوار، فبقولك ما تيجي." تراجعت بحديثها ثم وزعت نظراتها في المكان، وهي تتنفس بعمق،
ثم تساءلت: "مش عارف تختار هدية؟ "لأ عارف بس محتار! أومأت له بتفهم، ثم نظرت له حتى تحدث قائلة له: "طب أنا كنت هنزل أشتري كام حاجة لبكرة. أنا هختار معاك، عال؟ مهلاً، هذه ليست كلمتها بل كلمته هو؟ استطاعت وبكل سهولة أن تمتزج طباعها بطباعه وحديثه بحديثه. لم تسمع هي سوى صوت ضحكته الخافتة وهو يردد لها بزهو: "لا ده إحنا كل شوية بنتطور وهنوصل لمرحلة الكوبي بيست قريب، ده بسام معملهاش." ضحكت على حديثه، ثم نظرت له بتمعن تزامناً
مع قولها من بين ضحكاتها: "انتوا مش شبه بعض أصلاً، ودي حاجة محيرة بصراحة. كنت بفكر إن كل توأم بيبقوا شبه بعض أوي حتى في الطباع! نظر لها هو بفهم مما تقوله، تنهد ليخرج أنفاسه وهو ينظر لها، ثم ردد بعد لحظات بعقلانية في أول حديثه ومشاكسة في آخره: "لا مش صح غالباً، كل توأم هما شبه بعض في الشكل بس، حتى الطباع بتبقى العكس، وأنا مش زيه ولا هو زيي، بس الشكل واحد والجدع اللي يعرف يفرق زيك كده!
"أنا معرفتش أنا عرفت أفرقك إزاي فجأة كده، بس إنت مش زيه وده اللي عرفته بعدين." ابتسم لها باتساع فوجدها تكمل حديثها بأريحية وهي تقول:
"أول حاجة خطرت في بالي وأنا خارجة أشوف مين اللي واقف ومتبهدل، قولت ممكن يكون أخوك، حتى لما بصيت اتلخبطت يمكن عشان مش عاوزة أصدق إنك إنت اللي واقف كده وبتنزف دم من دماغك. بس لما استوعبت الوضع جريت عليك ومسحت دمك من غير وعي وأنا خلاص عرفت من جوايا إنك إنت. بعدها قولت ليه ممكن يحصل فيك كده وهو لأ، عشان أنا كنت أتوقع إنك تضربه وتعوره لكن هو لا بحكم إنه ظاهر لنا هادي ومحترم كده وملوش في حاجة. بس عرفت كلمتك وافتكرتها على طول 'الإخوات جزء من الروح وأنا كل روحي إخواتي'. ساعتها عرفت إنت مشيت واتأذيت ليه، حتى من غير ما أعرف أسباب بس عارفة إنك مش تمام!
إنت ممكن تقول كل اللي في قلبك وأنا هنا هسمعك." كان ينصت لها بتمعن وهو يخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره، لا يعلم كيف فهمت وشعرت به كذلك ولكنها يبدو أنها أحبته منذ فترة كبيرة دون أن تعلم هي نفسها حتى تفهمه. لم يظهر لها سوى بسمة صغيرة وهو يتحدث بهدوء ناظراً في عينيها بقوة: "كنت خايفة عليا وأنا مش هنا؟ حديثه بغرض الهروب بطريقته الغير هينة في طرحه لسؤال يربكها به، نظرت له باستنكار ثم وزعت أنظارها في المكان قائلة باختصار:
"لأ! "كذابة، ده البلد كلها عرفت إنك خايفة عليا، لأ وكمان دافعتي عني ووقفتي لبسام وسألتي حامد ووسام ودلال..! نظرت له بدهشة مما علمه، ثم هربت بأنظارها وذ عنفته قائلة: "إنت هتبطل امتى زنق بالكلام عليا! قالتها بغيظ، ثم التفتت لتخرج من الشرفة حتى تذهب كي لا يلاحظون غيابها، فقاطع سيرها صوته وهو يناديها قائلاً من بين ضحكاته الخافتة: "استني! التفتت تنظر له ثم تساءلت بغيظ مكتوم: "نعم؟
هز كتفيه ببساطة ثم قلب عينيه وهو يشير لكوب العصير الموضوع على السور تزامناً مع قوله: "خدي الفراولة." توجهت تسأله بهدوء بعد أن كانت ستخرج من الشرفة وهي تحدثه بلين: "مش هتشربه ليه؟ "بيعملي حساسية." ضحكت بقوة لتثير استفزازه، ولكنه نظر لها مطولاً وهو يردف: "بتضحكي أوي!
هزت رأسها لتؤكد له من بين ضحكاتها حتى ابتسم رغماً عنه على ردة فعلها وهي تأخذ الكوب. أخذته وهي تشير له بأنها ستخرج من الشرفة، فتركها ودلف إلى الداخل مردداً بخفوت لنفسه وهو ينظر في المرآة: "طب ما حاجة تضحك بردو، يعني راجل طويل وعريض وبدقن وبيجيله حساسية من الفراولة!! قالها وهو يخلع سترته حتى يبدل ملابسه لأخرى مناسبة للخروج، كي يستطيع الخروج إلى حيث ما نوى. ***
لم يكن سوى بكاء، بكاء واحتضانها لصديقتها ما أن علمت أن والدتها قد فاقت. ربتت عليها "جميلة" بتأثر، وقد أدمعت عينيها هي الأخرى، تحت أنظار "بسام" و"عز" الواقفين من أمامهم. نظر "بسام" لها وهي تبتسم بفرح، بينما كان ينظر الآخر لها، فإفاقة والدته خطوة جيدة وعادلة بالنسبة له حتى يتقدم لها وسيتركها تأتي كما تأتي، فقد تردد كثيراً، ولكنه سيفعلها على أية حال! تنفس "بسام" بعمق، ثم خرجت نبرته الهادئة وهو يقول:
"ربنا يبارك في عمرها، طبعاً هنستنى لبليل كده نشوف الأوضاع إيه ومستوعبة ولا لأ، ولو كويسة طبعاً هتتنقل أوضة تحت الملاحظة شوية قبل ما تخرج إن كانت حالتها مش محتاجة رعاية لسه." أومأ له "عز" بتفهم، ثم عاود النظر لشقيقته وهو يأخذها بأحضانه بسعادة. تنحنحت "جميلة" ثم تحدثت قائلة بلباقة: "طب أنا هستأذن عشان منتأخرش أكتر من كده."
أومأت لها "فرح" وهي تحتضنها، ثم خرجت معها من الغرفة، ومن بعدها خرج الاثنان حتى وقف "بسام" أمام "جميلة" وهو يهتف باحترام: "استني أوقفلك تاكسي، أو لو مش عايزة تتأخري ممكن تستني وتبقي تروحي معانا." قالها تحت أنظار "عز" المترقبة للوضع. لم يأتِ في عقله سوى تخيل بعيد، رغم حديثه العادي ولكنه بسبب رؤيته لمهنته وهي كذلك، والطبيعة المشهورة بـ "لا يأخذ الطبيب سوى طبيبته". وهما أقارب! نفض من عقله سريعاً، وهو يهتف عالياً حتى
أثار دهشتهم من اندفاعه: "لا لا خليك يا دكتور، إحنا بنفهم في الأصول وهي كانت جاية لفرح، هنزل معاها هنا، اتفضل شوف شغلك ربنا يعينك..! قالها وهو يشير لها بلطف بأن تتحرك معه، ورغم خجلها من الموقف سارت معه بخطوات عادية. عقد "بسام" حاجبيه من اندفاعه السريع ذلك، حتى نظر لها فوجدها تبتسم بأثرهما بحماس. هتف بنبرة هادئة يسألها: "بقيتي أحسن؟ التفتت تنظر له بابتسامة واسعة ثم رددت: "بعد الخبر ده المفروض أكون أحسن حاجة."
أومأ لها بابتسامة ولكنها اختفت سريعاً عندما وجدها تتجه ناحية المصعد ولكنها وقفت تنظر عليه من على بعد حتى تحركت ناحيته. علم "بسام" بما تنوي فعله من كلمات ترميها على مسامعه. توجهت أمام أنظارهما لتقف أمامه، ثم طالعت "فرح" من أعلاها لأسفلها وهي تردد بغير اهتمام: "مش بطالة، مقولتليش إن ذوقك بقى بيئة أوي كده!
فتحت "فرح" عينيها على وسعها من أثر تلميحها الوقح. نظر لها "بسام" بشرر من عينيه وهو يستأذن من "فرح" حتى أشار للأخرى بأن تتبعه لمكان آخر بعيد عن "فرح" إلى أن وقفا الاثنان على بعد منها يكفي لعدم استماع حديثهما! حاول مسك يديه وهو يضغط عليها ثم هتف أمام وجهها بجمود: "عاوزة إيه يا تاج مش هتبطلي ترخصي من نفسك وتجري ورايا في كل مرة؟ ما كفاية بقى! ضحكت بسخرية وهي تطالعه قائلة باستفزاز:
"أجري ورا مين يا دكتور، أنا اللي يـتجرى ورايا مش أنا اللي أجري ورا حد. وبعدين أنا جايه آخد التقارير بتاعت الحالة مش قولتو إنها خلصت النهارده، عايزة أعرف النتيجة! كما توقع تماماً، نظر لها وبداخله يتذكر حديث شقيقه حتى أجابها: "تعالي بعد ساعتين المكتب يكون اتكتب واتعاد عليه كمان مرة وبالشفاء." قالها وهو يتحرك من أمامها متجهاً حيث الأخرى الواقفة وهي تنظر لها بغضب مما أردفته، حتى وقف أمامها قائلاً بأسف:
"أنا آسف حقيقي يا فرح مجرد سوء تفاهم بس." نظرت له وهي تومأ له ثم التفتت لتتجه ناحية الغرفة حتى تدلف بها غالقة إياها من خلفه، فسار هو باتجاهه للأسفل وهو يتخطى الأخرى التي كانت تطالعه بغضب منذ أن تركها واقفة وسار للأخرى. أما في الأسفل فوقف "عز" بجانبها على الطريق ينتظر سيارة يتمنى بداخله بأن لا تأتي سيارة بهذا الوقت. غلب تردده حتى أردف علي مرة واحدة يقطع الصمت الذي يحدث بينهما: "ينفع أتكلم معاك؟
على الاستراحة اللي هناك دي خمس دقايق بس؟ هزت رأسها فقط من طبيعة حديثه المريبة وهو يردفها، لا تعلم أتضحك أم تخاف من حديثه الذي قاله بسرعة من تردده. توجهت عدة خطوات حتى جلست وهو بجانبها مع حفظه للمسافة بينهما. تنفس بعمق ثم تحدث يسألها بجدية: "أنا عاوزة أقولك حاجة بس مش عارف، فمش عارف أقول ولا مقولش، بس لو قولت هخاف من ردة فعلك ولو مقولتش هقعد أأنب نفسي!
أخذ رداً واحداً منها وهو صوت ضحكتها على ما أردفه، ورغم أنه هادئ وعاقل ولكنه أمامها لا يشعر بما يفعله. كان وسيكون الحب الذي يغير من طباع أكثر رجل غامض مهما حدث. أما هو فنظر لها بترقب إلى أن نظر بصدمة من كثرة ضحكها الذي لم يراه من قبل. كم كانت جميلة اسماً وفعلاً وشكلاً في ضحكتها! تنحنح سريعاً يصلح ما أفسده، ولكنها قاطعته وهي تتحدث من بين ضحكتها: "قول اللي عاوز تقوله، أنا سمعاك بجد."
تنفس بعمق يخفف من توتره، حتى واصل ليتحدث بنبرة هادئة مبتسماً: "جميلة أنا حاسس نحيتك بحاجة من زمان وعاوز أدخل البيت من بابه عشان أقدر أقولهالك صراحةً، لو لينا نصيب مع بعض، وقبل ما تجاوبي على كلامي أنا قررت إني هكلم باباك وأخوك، وربنا يسهل." كانت تستمع ونظراتها موزعة بالمكان، لا تعلم بماذا تجيبه، ولكنها صمتت تنظر له بلوم عندما أكمل هو بصدق:
"عارف إني ممكن أكون عيني جامدة عشان بطلب دكتورة وممكن مكونش شبهك ولا اللي خيالك كان عاوزه لشريك حياتك، بس صدقيني أنا مش عارف أقولهالك، بس أنا محتاجك في حياتي وعاوزك بحلال ربنا، وربنا يعلم إني هراعي ربنا فيكي ومش طمعان في حاجة غير وجودك معايا بالحلال." نظرت له بلوم ووجنتيها مشتعلة من حرارة الخجل. أمسكت يديها حتى تتحكم بنفسها ثم أخذت أنفاسها تجيبه بهدوء، ببعض اللوم:
"لا يا عز، انت مش عينك جامدة خالص، انت بجد إنسان مكافح وشهم عشان اللي بتعمله مع مامتك واختك. وصدقني.." صمتت من حرجها بما ستردفه، ولكنها أردفتها على مسامعه حتى ابتهج: "صدقني انت أي بنت تتمناك، لأن اللي ليه خير في مامته واخته هيبقي ليه خير في شريكة حياته، وربنا يقدم اللي فيه الخير.." قالتها بهدوء، فنظر لها ببهجة وهو يتساءل: "يعني أكلم باباك؟ نظرت له بحزن وفرح بآن واحد، لا تعلم بما تجيبه، ولكنها عقدت العزم
بأن تحدثه قائلة بصدق: "مش عارفة أقولك بابا عامل إزاي ومش عارفة رد فعله، بس الأهم بالنسبالك إنك قررت تحاول." استشف ما تريد قوله عن والدها، فهو يعلم أنه غير هين، حتى بحديث شقيقته عنه أيضاً بعض الوقت. نهضت على فجأة ثم نهض هو من بعدها وهو يقول: "هحاول عشانك.."
كلمة أربكت من نظراتها في الحال. فرحته بإفاقة والدته جعلته يفعل أشياء يتردد بها منذ فترة كبيرة. كيف ليوم وبساعات ووقت قليل كفيلة لقوله ما يشعر به حتى وإن كان غير مباشر. دقائق بسيطة أخمدت نيران العجز والتردد ولو بذرة. وقف بجانبها إلى أن وقفت لهما سيارة أجرة بيضاء. أشار هو لها بأن تركب بها ثم توجه للسائق حتى يقول له العنوان ويعطى له الأموال بدلاً منها كعلامة من علامات الذوق والرجولة. ***
وقفت أمام المنزل لتنتظره بعد أن أعلمتهم بأنها ستهبط لتقوم بشراء بعض المشتريات. خرج من الشقة أخيراً وهو يدندن كلمات أغنية من أغانيه المفضلة، وما أن رآها قام بتعليق الصوت وهو يدندن بقوله الملحن الهادئ مبتسماً لها: ". وقمره وسهره .. وانت وأنا يا حبيبي أنا .. يا حياتي أنا." قالها برواقه وهو يعدل من سترته السوداء بعد أن أغلق الباب من خلفه. ابتسمت له بسعادة مرددة خلفه بدندنة: "والهوى أه منه الهوى! غمز لها بإعجاب،
ثم ردد لها بحب ومرح: "دا الله عليك يا ست! ضحكت بخفة وهي تتجه معه ناحية المصعد، وقبل أن تدخل نظرت له بتحذير غير واثقة بعبثه. فطالعها باطمئنان قائلاً بثبات لها: "أمان متخافيش."
ابتسمت وهي تدخل وهو من بعدها حتى ضغط على الزر للهبوط إلى الأسفل. لم تكن سوى لحظات حتى توقف المصعد ليخرجا منه، وما أن خرجا وجدوها هي مرة ثانية وهي تنتظر المصعد. نظرا لها باستنكار حتى كانت تطالعهما "زينات" بحقد. التفت "غسان" برأسه ينظر لها ثم تحدث قائلاً على مرة واحدة بتلقائية وهو يحرك رأسه لـ "نيروز": "هو كل شوية هنعيد؟ ضحكت بخفة ثم نظرت لها وهي تقف من أمامها حتى تخطتها بجرأة تزامناً مع ردها الذي امتزج
بالكيد التي أخذته منه: "لأ، إحنا مبنقولش كلامنا إلا مرة واحدة بس." نظر بأثرها بغير تصديق من تطورها. سبتها "زينات" بخفوت، فكان يضحك هو بخفة وهو يتحرك من خلفها ناظراً للاخرى بقوله: "مش هبشرك باللي جاي عليكم طالما بقت معايا لأ وكمان بقت نسخة وكوبي مني. الله يعينكم والله.."
قالها باستفزاز، ثم سار ليتركها وهو يخرج حيث السيارة التي وقفت تستند عليها الـأخرى متمسكة بأعصابها. نظر لها بفخر وهو يقول تزامناً مع فتحه للسيارة ناظراً بعينيه لأعلى يشير: "دا الفخر وصل لأعلي دور في أعلى عمارة هنا." نظرت له وهي تكبت ضحكتها تزامناً مع ركوبها بجانبه في الأمام حتى يتحرك بها بعيداً عن المبنى. *** "مبتأكليش ليه؟ هتف بها "شريف" الجالس ومن أمامه الطعام بينما كانت هي تجلس بجانبه. نظرت "فريدة" له بتردد
ثم رددت تجيبه باختصار: "مش جعانة." نظر لها بتعمق، ثم حاول إعطاء سبب لما تفعله من تجنبه. بينما تابعت هي مرة واحدة مما فاجئه قولها الذي امتزج بالجدية: "شريف هو انت بتحبني؟ بسمة جانبية لاحت بجانب شفتيه، علم ما تهابه وما تخافه وما تفكر به. لذلك حاول التعامل عكس ما كان يفعله. حتى نهض ثم أخذ يديها بين يديه وهو يتجه لمقعد أكبر ثم ردد بنبرة هامسة لها: "بتقولي ليه كده؟ مش باين عليا إني بحبك؟
نظرت له بتعمق وأثر كلماته تؤثر بها، وقبل أن ينجح بما يفعله هتفت بتلقائية لما تشعر به تجاهه تلك الأيام: "بحسك بتاخد جنب مني ومش بتحبني زي ما بحبك. أنا سبت الدنيا كلها عشانك ولسه بردو مقعدني معاك من غير حتى ورقة تثبت إني هبقى مراتك وعايشة معاك بسبب كده! نظر لها بتمعن ثم رفع يديه يقبلها برقة على فجأة مما أثار ريبتها منه، فهو لم يكن ليفعل ذلك بتلك السهولة. ابتسمت له بسعادة تزامناً مع قوله:
"قريب هتبقي مراتي بس أنا بحاول ألاقي وقت مناسب عشان عندي مشاغل اليومين دول. بس هجيب الورقة وتمضي طالما مش حابة تقعدي معايا وانتي كده. حقك." رفعت ذراعها كالمغيبة لتحتضنه وهي تردد بنبرة ناعمة من أثر ما أردفه للتو: "براحتك، أنا عارفة إنك بتحاول تلاقي الوقت المناسب بس أنا مبقتش أحس بالراحة وأنا كده! رفع يديه يربت على ظهرها بهدوء. هدوء عكس ما بداخله. بماذا تقصد الراحة؟ عن أي راحة تتحدث؟
هو الذي لم يري الراحة بسبب من حوله وبسبب ما حدث له حتى والدها الذي كان سبب من أسباب عدم راحته. تأجيله لما ينوي فعله بسبب وزنه للأمور ينتظر أشياء وأحداث معينة حتى يفعل ما يفعله وقت تدميرها لابد أن يحدث مع وقت تدمير شقيقها أكثر من ذلك. حتى شقيقتها الاخرى الذي ينوي الوقوع بها ولكن ليست كحد اهتمامها هي وشقيقها بالأساس. يريد الوقوع بذلك الرجل ويشعره من كأس المرارة الذي تجرعه منه، خاصة بفتياته وإن كان يشعر.
لم يخرج من شروده سوى عندما دق الهاتف بجيبه، حتى خرجت هي من بين أحضانه سريعًا. وهو يمسك الهاتف ويخرجه من جيبه دون النظر لمن الذي يطلبه، فقد كان رقماً فقط. هو يعرفه ظاهرياً. نهض ليجيبه بكلمة واحدة، حتى أتاه الرد الذي أصابه بمقتل وضغط على جرحه أكثر. لم يتوقع ذلك بتاتاً، بل تمنى أن تفارق الحياة كلياً، كما فارقت الأخرى التي حملته في أحشائها.
أغلق الهاتف سريعاً، ثم جذب سترته ليرتديها سريعاً، وهو يخرج من باب الشقة بغضب دفين أمام أنظارها المسعجبه من ما فعل للتو. أثار فضولها ما فعله ومن كان يهاتفه، ولكن على أية حال سيأتي لها وتعلم هذا كان من وجهة نظرها. حتى عادت تبتسم باتساع وهي تتذكر كلماته لها منذ قليل. "وجودها في كل شيء يهوّنه، وكأنها دواء لداء الجرح الداخلي. كيف بإمكانك أن تسحبي أوجاعي ناحيتك بسهولة؟ كيف لكِ؟ وكيف لعينيكِ أن تجعل ما يحدث أبسط ما يكون؟
قبل عدد ساعات قليلة، منذ ذهابهم لمطعم سوياً. أخذ النادل الأطباق من أمامهما، بينما كانت تطالعه "ياسمين" جيداً منذ بداية جلستهم. يتحدثان بأمور عدة، تارة تشاكسه وتارة يشاكسها. ولكنها تنفست بعمق الآن، حان موعد حديثها معه عندما وجدته شارداً. تنهدت تخرج أنفاسها، ثم سألته بعد انتهاء كلاهما من الطعام: "ممكن تقولي مالك بقا؟
أنا متكلمتش فحاجة تخصك ولا قولتلك مالك من أول القاعدة، بس أنا حاسة إنك مش مبسوط يا حازم. احكيلي وأنا جنبك، عمري ما هبطل أسمعك والله." نظر لها "حازم" مبتسماً، ثم ردد بهدوء يطمئنها: "أنا كويس والله ومبسوط أكتر من أي حاجة. مش كفاية خلاص الحنة بكرة وخلاص قربنا خالص وهتبقي فـ بيتي ومعايا دي مش حاجة تبسط الواحد، بزمتك؟ نظرت له بحب، ثم أومأت له وهي تهز رأسها قائلة بوضوح:
"أنا عارفة إنك مبسوط بـ ده، بس بردو مش مبسوط من حاجات تانية. عارفة إنك تعبت من عمي وتعبت من مراته، حتى اتهامها ليك وانه مدافعش عنك ولا وقفلها دي حاجة خبيتها جواك وقفلت عليها. حتى اختفاء فريدة اللي مش مفهوم. كل ده مزعلك واكتر، بس أنا عارفة ان كل ده هيعدي والله، طالما أنا جنبك. ويا عم مش إحنا اتفقنا ننبسط ونفرح ونبقى نشوف للزعل وقت تاني بعد ما وقت الفرحة يخلص؟ حبني يا عم، أنا ناقصني حب والله!
قالتها بمرح حتى تخفف عنه، حتى وإن كانت غير قادرة على التخفيف. ولكن بنظره هو، فوجودها فقط يخفف من عليه أي ثقل. ابتسم على ما أردفته من مشاكسة تشاكسه بها، حتى رد هو عليها مشيراً بيده بغير اهتمام: "على رايك، إحنا بنتشعبط فـ الفرحة أصلاً، وخصوصاً لو فرحة مجيتك لبيتي وانك هتبقي معايا وفـ حضني خلاص، يبقي نفرح لحد ما نقول بس! ضحكت بخفة، ثم نهضت وهي تمسك يده قائلة بحماس:
"كده تعجبني يا أبو الحزايم، قوم بقا نتمشى وناكل آيس كريم ونتصور كده ونعمل كل اللي نفسنا فيه ونروق على نفسنا وننسى أي حاجة تعكر مزاجنا." نهض بسعادة من بهجتها التي أصابته للتو، سار ممسكاً بيدها وهو يخرج من المطعم بعد أن وضع الأموال على الطاولة. نظر لها قائلاً، وهي تسحب يده بحماس كي تخفف عنه: "استني يا مجنونه.. براحة الناس بتتفرج علينا."
قالها من بين ضحكاته وهي تسحبه خلفها بسرعة. من المفترض أن يفعل هو ما تفعله الآن، ولكن صدق قوله عندما هتف بها مرة واحدة أمام الجالسين عندما نبس بقوله بأنه هو الذي يشعر بالأمان والإطمئنان في وجودها وليس العكس.
لم يأخذ منها صوتاً سوى صوت ضحكاتها وهي تسحبه خلفها في الشارع لتسير معه بعشوائية ممسكة بيديه وهي تهزها هزات بمرح، تاركاً سيارته تركن بأحد الجوانب، ثم سار معها وهي تهز يده على صوت لحن الأغنية التي كانت مشغلة في الشارع عند خيمة ما. "الناس بتبص علينا يا هبلة، هنرقص فالشارع يا مجنونة! ضحكت بخفة وهي تأخذ يديه الأخرى قائلة بصوتها العالي المبهج: "مش مهم الناس تقول إيه، المهم إحنا ننبسط."
صمتت، ثم واصلت مرة أخرى تهتف عالياً للبائع الذي يقف على شاحنه صغيرة محملة بـ "الترمس" وهي تقول: "ممكن تعلى يا عمو؟ "بس كده من عيني يا ست البنات." قالها الرجل الكبير في السن، ثم التفتت برأسها تنظر لـ "حازم" الذي ينظر بدهشة من تجمع الناس من حولهم. كلا منهم أمسك شقيقته، ومنهم من أمسك زوجته، ومنهم من أمسكت يد ابنتها الصغرى، حتى يتراقصوا بخفة وبحركات محكومة للرقص الغير خادش للحياء، الرقص الهادئ.
نظرت له "ياسمين" بسعادة، ثم أمسكت يديه حتى تتراقص معه بهدوء هي الأخرى على الكلمات الخارجة من الشاحنة الصغيرة صاحبها الرجل الكبير في السن ذو الوجهة البشوش. "قد يروحي ما تمنيتك بكل روح الروح حبيتك دانا من حبي بخاف عالحب... دانا من حبي بخاف عالحب دانا من حبي بخاف عالحب... دانا من حبي بخاف عالحب يوم يخلص يوم يخلص مايفضلش لغيرنا حب ويجوا الناس يحبوا في يوم ويجوا الناس يحبوا في يوم مايلاقوش.. مايلاقوش شوية حب
يالي ابتديت الحب معاك.. عمري الحقيقي ابتدا وياك" لم يأخذ منها سوى فتاة مختلة عقلياً، بريئة. كل ما كان ناحيتها تجاهه هو الحب الذي جعلها تفعل أشياء عفوية لا تعرف ما نتيجتها بعد، بل تعيش وتتعايش هي وهو مع اللحظة السعيدة وفقط. نظرت بحب وهي ممسكة بيديه على الأطفال الذين يقومون بالتصوير بالهواتف لوالدهم ووالدتهم. ولأنه كان شارع بخيمة من فوقه لم يلاحظ الكثير، بل لاحظ من كان بالمكان ومن شارك معهم البهجة فقط.
كان يصفق بحرارة كبار السن ذوات الأوجه البشوشة الغير قادرين على الحركة ليفعلوا مثل من يرقص أمامهم بحركة يد وأرجل فقط. "تمام، غلفلي دول." قالها "غسان" لذلك الشاب الذي يقف من أمامه، قاصداً على الهدية التي اختارتها وهي بجانبه. التفت ينظر لها فوجدها تبتسم برضا على ما اختارته لها بمساعدته. ابتسم ثم طالع الآخر وهو يقف من أمامه مقدماً له الصندوق المتوسط في الحجم. طالع هو (بوكيه الورد)
وأكثر بجانبه بجميع الألوان. حرك أنظاره صوبها فوجدها لم تنتبه له. أشار لها فنظرت له "نيروز" باستفهام، فابتسم لها وهو يأخذها بركن ما قائلاً بهدوء وهو يشير على الورود: "ها تختاري إيه؟ ولا اختارلك أنا؟ نظرت له بحرج، ثم وزعت أنظارها على الورد قائلة بابتسامة صغيرة: "لأ مش مهم." "يبقى أختارلك أنا."
تركها بعد أن قالها، ثم جذب بوكيه ليس كبير الحجم، بل كان متوسطاً إلى حد ما ممزوجاً بين اللون الأبيض والوردي. أخذه، ثم وجدها تقف أمام الهدية الأخرى المغلفة. توجه ليقدمه لها ثم تحدث قائلاً وهو يقدمه بيديه لها: "إمسكي كلاكيت تاني مرة Roses for roses يا روزه." ترددت في رفع يديها من خجلها وأيضاً ذلك الواقف ينظر لهما. أمسكته أخيراً وهي تبتسم بتوتر. فجاءهما صوت الشاب وهو يهتف مبتسماً لها:
"علفكرة الورد ده لونه جميل ومتنسق حلو أوي، فاطمني دي حاجة نضيفة، ومتروحش غير لحد رقيق وجميل زيك و... قاطع حديثه المسترسل إشارة "غسان" له بيديه تزامناً مع قوله الحانق الذي أحرجه بشدة: "و إيه يا حبيبي؟ ألبسلك حجاب لونه إيه بقا؟ صمت يتابع ملامح وجهه التي امتعضت ما أن أكمل حديثه. فواصل "غسان" مرة أخرى يوضح بتبجح: "أيوه حجاب طالما إنت شايفني سوسن! حاول الشاب التبرير كطبيعة عمله وهو يبتسم بسمة مصطنعة:
"العفو، مش القصد يا فندم، التعبير خانى أنا أسف، ربنا يسعدكم ويخليكم لبعض." نظر له من أعلى لأسفل وهو يترك له الأموال على الطاولة التي بدت وكأنها حاجز من أمامه، وإن لم تكن حاجز لفعل الآخر شيء غير الحديث غالباً، وليس مؤكداً. فمهما كانت غيرته فهي ليست لحد اللعنة متى وأين أحبها لفترة طويلة كي يستطيع بأن يدمر كل شيء بسبب كلمة. هذا ما يبدو أن يجب عليهم أخذ فترة أكثر أيضاً بالتعارف حتى وإن كان يحبها ويغير. وهي كذلك.
التمعن في اختيار شريك الحياة أمر ليس سهلا، حتى وإن كانا يحبان بعضهما لدرجة فهم كل منهما للآخر، فالوقت كفيل لتحذيرك من عيوبهما قبل مميزاتهما. أما هي فارتبكت وخجلت ما إن أردف الآخر لها هذه الكلمات. ثم ترقبت بخوف ما حدث من الآخر الذي بدا وكأنه يخفي شيئًا بداخله، بإردفه لكلماته التي بدت باردة للعامل. لم تخرج من تفكيرها به وبما فعله سوى عندما ركبت السيارة وهي بجانبه الآن. حتى تحرك بها بعيدًا عن المكان.
التفت ينظر لها وكأن شيئًا لم يكن، حتى نبس بنبرة هادئة يسألها بابتسامة صغيرة: "حلو الورد؟ ابتسمت بتوتر ثم تنفست بعمق وهي تتحلى بالثبات قائلة بهدوء: "آه، حلو أوي." *** بعد ما يقرب من نصف الساعة وأقل، كان هو يجلس بمكتبه ينظر من أمامه بشرود، يفكر بماذا سيحدث بعد قليل، وبماذا ستقول هي. هل ستقول حديثها التي أردفته عليه أم أن لديها حقيقة أخرى؟ نظر على شاشة الهاتف التي أضاءت عن متصل، ولم يكن سوى شقيقه. فتح الهاتف ثم
رد بهدوء إلى أن جاءه صوته: "أنا تحت ومعايا نيروز، تعالى وديها أوضة أخت عز تقعد معاها على ما نخلص اللي اتفقنا عليه! "طيب، أنا نازل أهو." قالها وهو يتنفس بعمق ثم أغلق الخط وهو يخلع البالطو الأبيض الخاص بالطب ثم تركه وهو يخرج من الغرفة سريعًا ليهبط لهما. دقائق بسيطة وظهر من أمامها. ابتسم هو لهما بترحاب، ثم أشار لممرضة بأن تأتي له قائلًا: "ودي الآنسة غرفة الآنسة فرح الشرقاوي فوق."
نظر لها "غسان" وهي تنظر له، فأومأ لها تزامنًا مع سيرها بعيدًا عنهم. حتى حرك أنظاره صوب شقيقه وهو يتساءل: "ها، قولتلها تنزل تشوف نتيجة التحاليل؟ "أيوه، يلا قبل ما تروح ومتلاقيش حد." أومأ له وهو يسير بجانبه، إلى أن صعد معه حتى مر بعد وقت لدقائق بسيطة ثم دخل "غسان" الغرفة ومن بعده شقيقه.
التفت "غسان" ينظر على البالطو الأبيض الذي ارتداه بسرعة وهو يشير إلى شقيقه بأن يدخل يقف خلف أحد الأعمدة التي توجد أمامها ستار غليظ يخفي من يقف خلفه، وخلف العمود العريض.
لم تمر سوى دقائق بسيطة وهو يفتح الشرفة معطيًا ظهره للباب وهو يقف بالبالطو الأبيض الذي يخص الآخر. ابتسم بإصفرار ما أن سمع صوت دقات الباب. لم يرد بل تركها تدق أكثر من مرة حتى يأتي بآخرها الذي يعلم بأنها ستفعله. تأكدت توقعاته عندما فتحت الباب بقوة وهي تغلقه من خلفها تزامنًا مع صوتها المغتاظ قائلة بصوتها الذي ظهر منفعلًا وهي تقف خلفه وهو لا يزال يعطيها ظهره: "إيه؟ مبتسمعش يا دكتور للدرجادي؟
يعني أعمى البصر والبصيرة وكمان أطرش! صمتت وهي تطالعه باستهزاء، وهو لم يلتفت لها إلى الآن. حتى تقدمت بغضب تمسك ذراعه المكسورة من الخلف التي لم تنتبه له بأنه مكسور في حامل ذراعي، تزامنًا مع قولها وهي تديره لها: "هو أنا بكلم نفسي؟ ما نخلصني وتديني التحالـ... تـرت كلماتها المنفعلة عندما التفت ينظر لها. وما إن طالعت عينيه التي بدت لونها غريبًا، وإن لم يكن لونها، فلم تجد به الآخر! كيف لسنوات ماضيه تُنسيها نظرته؟
استشعرت أنه لم يكن هو، بل وإن لم تعرفه هي، وإن لم تكن تستطع التفرقة بينهم، فخصلات شعره السوداء كلون شعوره تجاهها كان واضحًا، ولون لحيته الخفيفة الذي كان ظاهرًا لمن يستطع التفرقة بينهما. فتحت عينيها على وسعها عندما وجدته ينظر لها بتحدي، ولم يخرج منها سوى كلماتها المتعلثمة التي حاولت إخفاء توترها بها: "انت بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي جابك؟ ضحكة ساخرة مع نظرة تحدي، وهو يقترب أكثر، حتى رجعت هي إلى الخلف تزامنًا مع قوله:
"بالنسبة لـ بعمل إيه هنا، فـ أنا وبسام بنبدل مع بعض كده ساعات، وأهو بالمرة ميشوفش خلقتك المرة دي. أما بقا إيه اللي جابني، فـ دي فيها كتير يا تاج." قالها ببطء ليثير إرباكها. ابتلعت ريقها برهبة من كونه يعلم عنها وعن حقارتها كل ما يمكن قوله، وبسبب حديثها أيقنت أنها أوقعتهم ببعضهم وانتصرت هي. ولكن يوجد من لديه رأي آخر!
استندت على الباب من خلفها بقوة، لم يعد هناك خطوات لترجع بها إلى الخلف. حاصرها بنظراته إليها حتى بات قريبًا منها بشدة. خرجت ضحكته المتسلية حينما أردفت هي بنبرة حاولت أن تخفي بها الخوف من الداخل حتى برعت في ذلك بقولها: "ابعد عني، انت بتعمل إيه؟ إقترب أكثر وهو يهز كتفيه ببساطة ثم تحدث قائلًا بـ لا مبالاة: "مش هعمل حاجة."
قالها وبكل سرعة أخرج من جيبه مطوته ثم فتحها بقوة أمام أنظارها، حتى شهقت بقوة ما أن وضعها أسفل عنقها وهو يقول بنبرة حادة مستهزئة: "ابعد عنك!! ضحكتيني، لسه مين مقربش منك عشان تقولي له إبعد عني! قوله الوقح زاد من حدة انفعالها. رفعت يديها حتى تبعده عنها، ولكنه شدد من قربه للنصل أسفل عنقها المكشوف. حتى تحدثت هي بنبرة بها بعض الصراخ: "إخرس، اخرس يا حيوان، إزاي تقول عليا كده!
نظر لها بشراسة ثم احتلت نظرة عينيه التي عرفتها وتذكرتها. ثم قال بانفعال: "إزاي أقول عليكي كده؟ انتِ ناسيه انتِ كنتي إيه وعملتي إيه واختفيتي إزاي؟ ولا تحبي أفكرك ونفكر بعض باللي حصل؟ حاولت أن تأخذ أنفاسها من ضغطه على عرق رقبتها واختناقها وهي تهبط يده ببطء تزامنًا مع قولها الصارخ: "محدش هيصدقك، حتى أخوك. انت جاي هنا من اللي حصل بكلامي اللي قولته لأخوك؟ إيه إثباتك على كلامك ده؟ ماتقول! صرخت بوجهه فابتسم بسخرية ثم
ردد وهو يطالعها باشمئزاز: "لا، من ناحية الإثبات فـ أنا أطلع الفيديوهات بتاعتك اللي كانت مبعوتالي واللي أنا برضه محتفظ بيها لحد الوقتي ونشوف حد كده بتاع مواقع استغفر الله وينزلها عليها طالما ظهرتي تاني فحياته وملتزمتيش باللي هددتك بيه." قال أول حديثه بكذب، فهو قد مسح كل ما كان مرسل له من فاعل خير. نظرت له بغضب جامح وهي تردد بنبرة قوية:
"مش هتعرف تعمل كده. حتى تهديدك ليا أنا قلبته فـ ثانية وبقى تهديد قربك مني في نظره هو. انت بقيت قذر واللي جايبك تقف مكانه مغفل ومش هيشوفك غير قذر ومريض." لم يمنعه انفعاله بمسكها بقوة من خصلات شعرها الطويلة، حتى تأوهت بألم تزامنًا مع قوله المنفعل وهو يردد: "انتِ اللي واحدة ****. كنتي ماشية مقضاياها وانتي مخطوبة لأخويا وكنتي مكملة في إنك تستغفليه وانتي لمؤاخذة مدام!!
نظرت له باشمئزاز وهي تبصق عليه بتحدي. فشدد من مسكته وهو يقترب ليتحدث بنبرة أعلى وهو يضغط على أسنانه بقوة، ونبرة أثارت ريبتها مع وجعها من مسكة يديه: "عرفتي يعني إيه القذارة؟
لأ ومش بس كده. كملتي معاه عشان يتستر عليكي وانتي عارفة إنه كان بيحبك ومن كتر حبه ليكي مكنش شايف قذارتك ولا كان عارف إنك كنتي على علاقة بـ واحد غيره، ضحك عليكي ومش مكفيك ده، لا دا كمان بعد ما واجهتك بالحقيقة اللي عرفتها بعدين. جيتي تتمسحي فيا زي الرخيصة اللي مع كل واحد شوية وبكل بجاحة وحقارة جيتي تعرضي نفسك عليا عشان أسكت! حاولت أن تفلت من بين يديه ولكنه كان يمسكها بقوة، إلا أن صاحت عاليًا تخرج بالحقائق:
"أيوه عملت كده ولو رجع بيا الزمن مش هرجع أعمل غير كده. ولو واحد أهبل ومغفل وبرياله مش هيكون غير أخوك. وحتى بعد تهديدك ليا قدام بابا بإنك تبعدنا لمكان تاني ونمشي وأختفي وأبعد عن بسام. كل ده مخوفنيش منك. وكنت عارفة إني مسيري هرجع وأبوظ الدنيا بينكم زي ما متأكدة إنه حصل. أنا بكرهكم. بكرهكم يا شوية متخلفين ومغفلين...
قولها الوقح وبشدة أثار ثورة انفعاله وهاجت الدماء بعروقه. لم تأخذ منه سوى صفعة قوية على وجهها حتى أرجعتها للخلف، ومن ثم وضع النصل الحاد بقوة تلك المرة وهو يهتف بانفعال فاق الحدود: "أول مرة لما سكت لروح أمك كان عشان خاطر أخويا اللي هو أغلى ما عندي حتى بعد قذارتك اللي حاولتي تعمليها بينا. لكن الوقتي إيه اللي هيمنعني إني أقتلك وأدفنك هنا مكانك؟
حاولت أخذ أنفاسها من أثر إخناقه بيديها، تحاول وبكل جبروت أن ترد له كلماته الوقحة بأوقح منها، ولكن قاطعهما ذلك الذي خرج من مكانه، والذي نزل عليه الحوار منذ أن بدأ وكأن كلماتهما الاثنين تذبح به ببطء. بل وجرحه الذي بداخله أصبح أضعافا مضعفة. عاش يستغفله وهو معها، ولم ترَ منه سوى كل شعور وتعامل جيد. لما صفعته مائة صفعة وأكثر بما فعلته، ولما صفعته الحياة أكثر وأكثر حتى تقع هي في طريقه؟
خرج أمامهما وهو يهتف بأمر قاطع تزامناً مع فصله عنها: "بس كفايه! يكفي من ماذا؟ منها أم من الحياة التي لم تكن في يوم عادلة معه؟ تنفس غسان ببطء وهو ينظر لها باشمئزاز، باصقاً على وجهها كما فعلت، وهو يرجع خطوات بسيطة إلى الخلف. أما هي فطالعتهما بحقد وكره لا يعلم أياً منهما كيف جاء لها هذا الشعور، ولم ترَ منهم سوى كل خير في البداية. خرجت نبرة بسام وهو يتحامل على نفسه بأن يبقى ثابتاً، ثم ردد يسألها بخيبة،
يلومها بكلمة واحدة: "ليه؟ بما يفيد اللوم والعتاب لشخص لا يشعر بذرة ندم واحدة. نظرت باستهزاء ثم رددت بوقاحة: "متقوليش ليه، قول لنفسك يا دكتور ليه عرفت واحدة زيي؟ اللي كانت ومازالت ولسه هتكون نقطة سودة في حياتك." ألا يوجد حد لوقاحتها وجرأتها الزائدة؟ اندفع غسان نحوها بسرعة حتى أمسكه شقيقه مردداً بنبرة حازمة وهو يمسكه بقوة حتى لا يتوجه ناحيتها بنصله الحاد الذي يوجد بيديه: "امشي يا تاج، امشي."
نظرت له بصمت، وقبل أن تردف كلماتها، ردد هو من جديد بضعف داخلي: "امشي عشان أنا مش عاوز أشوف وشك تاني في حياتي. ليه؟
أنا عمري ما وريتك حاجة وحشة، ولا عمري أذيتك، ولا حتى جربت أتعرف عليكي ولا أحب بعدك. كان نفسي ميكونش حب ويكون لعب عيال يوجع القلب شوية ويمشي، بس انتي مفشلتيش بأنك تخلييني أحبك. فرق كبير كان بين الملاك والشيطان. طول ما كنتي معايا مكنتش شايفك غير ملاك. اتعميت وأنا ببص عليكي ومش شايف غير المميز فيكي. طلع مفيش فيكي ميزة واحدة تشفعلك عندي. إزاي قدرتي تخليني أتوهم إنك بتحبيني؟
وإزاي قدرتي تتعاملي معايا كده عادي ولا كأنك تعرفي عليا، لأ وكمان على علاقة بغيري وعاوزة تستغفليني. واحد غيري كان موتك في إيده، بس أنا مش هعمل كده، ولا أي حاجة تسمحلي ولا من تربيتي إني أذيكي. مش عاوز أشوف وشك تاني، وأي حاجة تخصك أنا هبقى براها. امشي! نظر له غسان نظرة تعنيف من عدم قوله كلمات تجرحها كمثلها، حتى اندفع يترك يد شقيقه وهو يهتف عالياً بجمود: "تمشي فين؟ مش طالعة من هنا من غير ما تاخد حقك منها!
هز له شقيقه رأسه بالنفي، حتى تركه غسان وهو يمسكها بقوة مقرباً المطواة من وجهها تلك المرة، هاتفا بشرر: "غلطتي غلط كبير لما قررتي تكسري كلامي وتيجي وتتجرأي زي الـ ****، لأ وكمان بتوقعي بينا. بس حلو أوي، ولا أجدعها دكتور تجميل هيعرف يصلحلك اللي هعمله في وشك دلوقتي. سمي الله وقوليلي أبدأ مني... دفعه بسام عنها بقوة وهو يصرخ به عالياً: "قولتلك بس، سيبها تمشي مش هنأذي حد."
نظر له غسان بغضب، بينما كانت هي تبتلع ريقها بخوف، حتى انسحبت بالتدريج لتخرج. وقبل أن تفتح الباب، التفت لها بسام وهو يقول: "عمري ما هسامحك، ولو دخولك الجنة واقف على مسامحتي عمري ما هنولهالك ولا هسامحك يا تاج. لو بينك وبين الجنة ذنبي عمري ما هسامحك، سامعة؟ امشي." صمتت تطالعه بصمت، ولكنها خرجت وهو يمنع شقيقه، مردفاً مرة أخرى بتعب: "قولتلك امشي يا تاج."
قالها بتحذير عالياً وهو يمسك بشقيقه بقوة، إلى أن خرجت وتركت الباب مفتوحاً من خلفها. تركه بسام وهو يطالعه بخزي. فنظر له غسان الواقف أمامه وتعلو أنفاسه من فرط غضبه، مردفاً يعنفه: "سيبتها تمشي بعد ما عملت فيك كل ده يا غبي. هتفضل طول عمرك كده؟ نظر له بسام وهو يكتم الدموع بعينيه، مردداً بإختناق:
"مش لازم تتأذي مني حتى لو أذتني. مش أنا اللي أمد ايدي على واحدة ست. بيني وبينها الجنة اللي لو ركعت عشان أسامحها مش هسامح، وانتهي الموضوع." قالها كي يغلق ما هو مفتوح، ولكن جرحه ما زال ينزف بداخله، بل وأكثر من قبل. سمع صوت غسان المختنق لأجله وهو يردد: "مخلصش يا بسام. عارف إنه مخلصش عندك ولا هيخلص بالسهولة دي."
سقطت دموعه الساخنة على وجنتيه من أمامه، وهو يطالعه بأسف من ما فعله، وبخزي وتعب لما فُعل به، ولوم لما فعله الآخر كي يعلم الحقيقة. لم يشعر بنفسه سوى عندما توجه يدخل بين أحضان غسان، الذي فرد له ذراعه السليم كي يدخل به، لعله يشعر بالاطمئنان الذي عاش لم يشعر به. بكى بأحضانه دون صوت، بل كان بكاء قلبه من الداخل أقوى، وكل ما يوصف حالته
قوله الداخلي المكتوم: "اللعنة للعدد الذي لا أعرف عدده على قلبي كان أعمى دون أن أدري". شدد غسان من مسكته بداخل أحضانه وكأنه يتأسف له بالنيابة عن ما حدث. كتم كل دموعه التي تريد الهبوط وبشدة على كل ما حدث من البداية الآن، ويعلم جيداً كيف يشعر الرجل عندما يُكسر ويُقهر بتلك القسوة. ربت عليه بحنان، ولأول مرة يعجز لسانه السليط غالباً، واللين في أوقات أخرى، عن المواساة والرد. أي كلمات ستواسي قلبه الذي أُنهك بهذه الطريقة؟
دقائق كثيرة على وضعهما، وكل منهما يشعر بأن الآخر هو الملجأ والأمان والراحة بالنسبة له. توأمان إن كُسر أحدهم حتماً سيشعر الآخر ولو بنسبة ليست كثيرة. مُتصاقان في الجروح، يُداوي أحدهم الآخر بطريقة ما. كان بسام يعطي ظهره للباب، وغسان وجهه له. حرك أنظاره صوب الباب، فوجد أحدهما واقفاً وبجانبه هي، والإثنان ينظران بدهشة، فالأحضان ساكنة من غير حديث مما يثير الريبة. أخرج غسان شقيقه من بين أحضانه بقوة وهو يدفعه للخلف كي لا يفهما بالخطأ ما يفعلانه، تزامناً مع نظراته لهما. ولم يكن سوى عز التي أتت معه نيروز.
نظر بحرج وهو يتحدث بتعلثم: "أنا آسف إني جيت في وقت مش مناسب والله، بس الآنسة نيروز حست إنها اتأخرت وإنكم اتأخرتوا عليها، فجيت أعرفها مكان الأوضة." حرك غسان نظراته في المكان، بينما الآخر كان يمسح وجهه بقوة حتى لا يلاحظ أحد. أما عز فكان ينظر لذلك الذي يرتدي البالطو الأبيض وهو يتحدث بحديثه، مقتنعاً بأنه الآخر، حتى واصل مجدداً:
"من فضلك قولي حالة والدتي عاملة إيه الوقتي، لو في جديد لأني هموت وأشوفها ومش قادر أنتظر لبليل." نظر غسان له بضجر زائف تحت كبت نيروز لضحكتها وابتسامة شقيقه، ثم ردد: "عليا الطلاق أنا." "ما دكتور بسام! قالها فضحك عز وهي وشقيقه كذلك. فابتسم غسان على ضحكاتهم تزامناً مع رد بسام وهو يحاول أن يبقي ثابتاً: "عليا دي يا عز، أصلي إديته البالطو يلبسه شوية." "أيوه بلعب بيه." قالها بمرح. فنظرت له نيروز تسأله من بين ضحكاتها:
"لا بجد إيه اللي ملبسك البالطو؟ مش لايق عليك خالص ده انت واحد لسه ملبسني مطوة في ايدي! انتهزت فرصة انشغال الآخرين بالحديث فابتسم لها قائلاً وهو يغمز لها: "وعقبال ما البسك شبكتي.." ضحكت بخجل، ثم التفتت لتخرج من الغرفة، تزامناً مع خروج غسان وهو يقول: "هستناك بكرة يا بسام، سلام يا عز وابقى فرق بقا يا عم تعبتني." أومأ له وهو يضحك ثم تحدث من بين ضحكاته: "طب استنى أرجع البالطو لأصحابه!
التفت غسان وهو يبتسم تزامناً مع خلعه وهو يقدمه لشقيقه تزامناً مع رَبْته على كتفيه بقوة وكأنه يحفزه على الصمود، ثم تركه حتى يلحق بها بالخارج ومن ثم العودة إلى منزلهما. ***
بعد أن وصلا الاثنان من ما فعلوه اليوم من أفعال مختلة عقلياً، بالنسبة له، جاءوا ليجلسوا معهم في شقة سمية والدته هو وعايدة وكذلك جميلة التي أتت هي أيضاً، أصبحوا مجتمعين مع بعضهم حتى حامد وزوجته ووسام التي أتت من دروسها قبل فترة. كل منهم يتحدث حديث جانبي والأصوات متداخلة في المكان. كانت ياسمين تقف معه بالشرفة بصالة المنزل أمام الأنظار. نظرت له بتمعن إلى أن أردف هو وهو يمسك الكوب من بين يديه: "بتبصيلي كده ليه؟
صمتت تبتسم ثم رددت بفرح: "مبسوطة.. قلبي مبسوط أوي وكمان حاسس إن العبث اللي حصل النهارده ده خلاك فريش كده شوية." ضحك بخفة وهو يحرك رأسه بقلة حيلة مع قوله لها: "كله من جنانك اللي من غيره كنت هبقى تايه مع أوجاعي اللي جوايا." جملة كفيلة لتجعلها تتراقص أمامه من بهجتها لما قاله للتو. عقد حاجبيه وهو ينظر في الأسفل عندما نظر له وهو يخرج معها من السيارة. نظرت على ما ينظر عليه هو ثم ابتسمت قائلة بمرح:
"لا دا حوار يطول شرحه، عاوز تعرف؟ نظر لها باستنكار، ثم حرك رأسه بنفي وهو يتحدث بثقة أدهشتها: "مين قالك إني مش عارف الحوار؟ عرفت ده يمكن كمان من قبل ما كل واحد يعرف إنه حب التاني، أصل مشيهم مع بعض الوقتي مبين أوي إن كل واحد اعترف بمشاعره، وأنا عرفت من نظرات غسان ليها، يعني نظرات ميُعرفهاش غير راجل وراجل بيحب، هيفهم أوي، أنا بس مستغرب إنهم مع بعض والشغل خلص من زمان يعني!
نظرت له بغير تصديق ثم ابتسمت بسمة واسعة على ما علمه حتى ردد هو مرة أخرى بقوله: "عارفه؟ حاسس إني مش مستغرب، يعني لايقين على بعض من صغرهم، مش فاكرة غسان واللي كان بيعمله!
ضحكت تهز رأسها بتذكر، ثم أشارت له بقدوم شقيقتها وحدها من الباب أما الـآخر فذهب إلى شقته. دخلت وهي تتمسك بالأكياس الصغيرة التي توجد بيديها والتي ابتاعتها ومن ضمنهم ما يوجد به الورد الذي اشتراه لها. بعد أن رحبت بهم دخلت إلى غرفتها بإنهاك، حتى تبدل ملابسها بعد أن أشارت لـ جميلة بأن تتبعها منذ قليل عندما رأت في عينيها الحديث المكتوم. استأذن كل من حامد وزوجته وابنته، كما رحلت عايدة بمفردها. وبقي بدر وزوجته وصغيره مع سمية التي نهضت لتدخل غرفتها تاركة كلا من فتياتها مع أزواجهما والأخرى بغرفتها.
*** سارت به قدميه إلى الأمام الغرفة التي تقطن بها شقيقته، بعد أن خرج من المنزل سريعاً، حتى جلس قليلاً بالخارج ثم قرر الذهاب لهما ليخمد نيرانه. كل ما يعرفه بواسطة ممرضة نقلت له الأخبار حتى وإن كانت مستشفى راقية لم ولن تخلو من أصحاب العقول دون ضمير!
تنفس بعمق، ثم رفع يديه يدق الباب دقة واحدة ليست طبيعية بل أبطأ من حركتها وهو يدق. لم يرد هو بل انتظر لمن يأتي من الداخل حتى يفتح له. وما أن فتح له الباب وجد نظرة الصدمة على وجهه. نظر عز له بصدمة وسرعان ما تبدلت لنظرة عادية مغتاظة ما إن دفعه شريف باستفزاز ليدخل إلى الداخل. نظرت فرح له بمفاجأة وهي تنهض من على الفراش سريعاً. ابتسم بسخرية وهو يهتف أمام أنظارهم: "هو أنا مقلتش إني هاجي تاني؟ نظر له عز متحكماً
بانفعاله وهو يردد: "جاي ليه يا شريف عاوز إيه؟ لم يعطيه رد بل توجه ناحية فرح التي تراجعت للخلف ولكنه اتجه ناحيتها ثم ابتسم بتهكم وهو يدفعها نحوه حتى تدخل بين أحضانه رابتاً على ظهرها مع قوله لها وهو يهمس بجانب أذنيها: "تفتكري اللي بيحصلك ده بسبب مين يا فرح؟ لم تفهم مقصده بل توجه له عز يقف أمامه مردداً بنبرة جامدة يعيد ما قاله: "بقولك عاوز إيه يا شريف وجاي ليه؟
"مش عايز منك حاجة، أنا قولت أجي أعرفك إن قصاد فرحتك بأنها فاقت، في قصادك واحد مقهور وبيدعي متفوقش وتموت." نظر له عز بغضب، ثم أشار ناحية الباب بقوله المختصر: "إمشي يا شريف إحنا مش كل مرة هنقعد نبرر ليك حاجات ملناش يد فيها." ضحك بسخرية ثم هتف وهو واقف بمكانه: "تعجبني يا عز، أصلك عاقل ومش عاوز مشاكل، واحد تاني كان حاول يضربني وكنا قلبناها عركة هنا ولا إيه رأيك؟ ترقبت فرح الوضع بخوف من الـآتي عندما
توجه ناحيته عز يهتف بحدة: "ما أنا بعرف أعمل الاتنين، وسهل أوي أوريك جناني اللي مش عاوزة يطلع على حد أكبر مني ودمي نفس دمه واسمي كمان، فـ خدها من قصرها وامشي يا شريف." ضحك باستفزاز، ثم رفع يديه برهبة زائفة وهو يهتف بسخرية: "خوفت بصراحة، عاوزك توريني جنانك، يلا." ضغط على انفعاله وهو يتمسك بآخر ذرة صبر لديه. اختبر قوة تحمله وجاء على نقطة استفزاز بعض الرجال بقوتهم!
رفع عز يديه وهو يلكمه بوجهه بقوة حتى ترنح الـآخر من أثرها مع شهقة فرح العالية. وضع الـآخر يديه على وجهه ثم ردد ببرود من ضمن ألمه من اللكمة: "لأ حلوة، وصابت، تعالى بقا." قالها ثم رفع ساقه يضرب ساق الـآخر حتى ركع على الأرض ومن ثم انحنى الـآخر وهو يهتف أمام وجهه بالأسفل: "قالو زمان أخوك الكبير زي أبوك التاني، والصراحة أنا مش مستنضفش فخليلك انت الاحترام."
لم يأخذ رد من الـآخر سوى لكمة بوجهه جعلته ينحني بجانبه هو الـآخر مع خوف ورهبة فرح وتصنمها بمكانها. تحدث عز من بين ابتسامته المستفزة ليردها له قائلاً: "وبردو قالو زمان اللي عاش ملوش خير في أبوه يبقى ملوش خير في حد، ومش مشكلتي إنك ملكش خير في حد، بس أنا ليا، تعالى أوريك خيري فيك بقا."
قالها ثم جلس فوقه بسرعة وهو يمسكه من تلابيبه، حتى صرخت فرح عالياً بهما وهي تتجه لتفصلهما عن بعضهما، حتى دخل عليهم بسام الذي جاء ليخبرهم بمقابلة ورؤية والدتهما. توجه سريعاً يمسك عز وهو ينهضه من على الـآخر، حتى نهض الاثنان. وبقي شريف يطالعه ببسمة مستفزة قائلاً: "حلوة منك أوي يا عز، لأ راجل ويليق عليك مسئولية اتنين ستات مش كلام، هنتقابل تاني في عزا أمك، سلام يا.. راجل!
قالها ثم وزع نظراته عليهما وهو يتجه ليميل يطبع قبلة على خد فرح حتى ارتجفت تزامناً مع قوله الهامس لها: "جبانة يا فرح وهتفضلي جبانة." قالها تحت أنظارهما، فنظر بسام بدهشة وضيق لما فعله ذلك المجهول ومن غرابة سكون عز كذلك. خرج من الغرفة ومن ثم التفت "عز" ينظر له حتى تحدث "بسام" يسألهما بنبرة هادئة عكس حرب الجروح بداخله: "مين ده؟ "أخويا."
قالها الاثنان بنبرة واحدة متعبة. صمت لا يعلم بماذا يجيب بل تنحى يتركهما بعد أن رأى سكون المكان والصمت فقط. فضل ترك المساحة لهما ثم رحل بعد قوله لهما: "أتمنى ده ميحصلش تاني في مكان زي ده، وكصديق ميحصلش خالص يا عز خليك متفهم وهادي، الدراع مبيحلش كل حاجة، أياً كان هي إيه. أنا بايت هنا لو احتاجت حاجة، ووالدتك فاقت بس بفضل تشوفوها بكرة. عن إذنكم."
ما حدث له اليوم من أحداث جعله غير قادر على المواساة بطريقة أحن، بل رمى الكلمات على مسامعهم ثم رحل سريعًا، ينفرد بنفسه ومع أوجاعه الذي لم ولن يستطع الهروب منها. وهناك من كان أمرهما متشابه معه في الأوجاع والماضي الذي بقى للحاضر من آلام! جلست على المقعد بالشرفة تشرب بعض المياه من الزجاجة والأخرى بجانبها. ردت "نيروز" عليها قائلة بهدوء ولهفة بسيطة: "والله اللي قولتيه ده فرحني أوي. هتقولي لعمي ولا هتعملي إيه؟
تنفست "جميلة" بعمق ثم ردت تفسر لها قائلة: "بصراحة أنا خايفة من رد فعل بابا. مش هقول لحد، هو قالي أنه هييجي عشان يشوف أنا موافقة على الفكرة عامةً ولا لأ. لو قولت مش هقول إلا لماما وأديها فكرة بس، ويبقى هو يكلم حازم وبابا وربنا يقدم اللي فيه الخير." رفعت "نيروز" ذراعها لتضعه عليها متحدثة بمرح: "حساكي بايعه الدنيا وفي نفس الوقت خايفة من الرفض. واقعة للدرجادي؟ نظرت لها الأخرى بتحذير وهي تبتسم، فضحكت "نيروز"
بخفة وهي تقول: "لأ بجد، أنا عاوزاكي تطمني، وعالفكرة لو مكتوبلكم نصيب مع بعض هتبقوا لبعض لو مين وقف فطريقكم. وبعدين احمدي ربنا، ده بجد باين عليه أصلًا. ومن كلامك عن اللي قاله ليكي إنه محترم وغلبان أوي مش زي ناس." قالتها بشرود، فعقدت "جميلة" مابين حاجبيها بتساؤل ثم أردفت: "ناس إيه مش فاهمة؟ "لا متاخديش فـ بالك." قالتها بغير اهتمام، فنهضت الأخرى وهي تبتسم قائلة بهدوء تودعها:
"طب أنا همشي محتاجة أرتاح بقا وأقعد أذاكر شوية عشان كالعادة عندي امتحان. دعواتك." رفعت "نيروز" يديها تدعي لها تزامناً مع سير الأخرى من أمامها: "روحي يا جميلة يا بنت عايدة، ربنا ينجحك ويجعل عز من نصيبك." قالتها بهدوء، فضحكت الأخرى بخفة وهي تخرج من غرفتها. فنظرت "نيروز" من أمامها مرة أخرى وهي تبتسم براحة، حتى قاطع شرودها ذلك الذي خرج للشرفة في الحال وهو يقول: "كل شوية واقفه مستنياني كده. مش عارفه تتقلي!
قالها وهو يعلم أنها كانت تتحدث مع أحدهم حينما حاول الخروج، ولكنه سمع صوتهما فرجع حتى لا يقاطع جلستهما. نظرت له وهي تقلب عينيها قائلة: "مكنتش بستناك! "بس أنا مستنيك." قالها بمرح حتى ضحكت هي بخفة ثم أردفت له بهدوء تسأله: "وسام عجبتها الهدية؟ "أه." قالها وهو يهز رأسه مبتسمًا. فنظرت له بغرور وهي تعدل من مظهرها قائلة: "أنا مختارش حاجة وحشة أبدًا." "وأنا من إختيارك برده، فـ عندك حق."
قالها بغرور يرد لها ما فعلته. حتى ضحكت بخفة وهي تتوجه ناحية ثم ضغطت على السوار الذي يوجد بيديها بمرح مقرباه أمام وجهه قائلة بتحدي: "إنت هتبطل غرور امته؟ نظر باستنكار على فعلته ثم أمسك يديها على فجأة وهو يعكسه ناحيتها هي ثم أغلقه تزامناً مع رده على حديثها وهو يترك يديها: "لما أبطل أحبك هبطل غرور." "وده ليه؟ تساءلت باستنكار، فغمز لها بقوله: "عشان إنتِ حاجة غالية كفيلة تخلي الواحد يبقي شايف نفسه عشان إنتِ معاه..!!
ابتسمت بخجل ثم نظرت له مردفة بمرح: "تاخد ألف من عشرة في التثبيت والكلام الحلو! ضحك عالياً على حديثها ثم نظر لها بدقة فوجد عينيها البنية المتسعة تطالع عينيه بلمعتها. لم يشعر نفسه سوى عندما ردد بهيام: "وإن سألني أحدهما كيف وقعت بها فـ هقوله وانت مال أهلك ي عم!! بس من جوايا قد أوقعتني شبك عينيها الذي أبدو أمامها مشتتاً، هائماً بها. وإن سألوني ماذا
تعشق لم يكن الجواب سوى: والله أعشق القهوة ولون عينيها الذي إمتزج بها فـ جعلني مشتتاً بكيف خلقها الخالق بمثل هذا الجمال!! لا تعرف أتضحك أم تخجل من حديثه وغزله بها بتلك الطريقة، بل وزعت نظراتها فالمكان ثم توجهت بخطوات متعثرة لتدخل إلى الداخل كي تستطيع أن تأخذ أنفاسها وتهدأ ضربات قلبها التي تسارعت في الدق. أما هو فنظر بأثرها وهو يضحك ثم دخل إلى الداخل وهو يرفع يديه يرجع خصلاته وهو يتنهد ليخرج أنفاسه مردداً بخفوت لنفسه:
"صحيح علي رأي الست، والهوى.. آه منه الهوى!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!