الفصل 40 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
23
كلمة
33,958
وقت القراءة
170 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

فاته كل شيء، وتوجب عليه دائمًا الثبات. واليوم يرافع برفقة من سانده، ومعه كلاً من "غسان" و"بدر" و"آدم". الموضوع منهك بشدة. تقسو عليه، ولو يعلم هو ما يدور من خلفه، وما توصلت له شقيقته، لانهار بنفس اللحظة.

سمع صوت القاضي بالإعدام، بعد مرته الأولى بإحالة أوراقه إلى قضية المفتي، ومن ثم دلت البراهين على أنه المتسبب، رغم اعترافه من الأساس. وانتهت بحكم الإعدام. هذه نهايته. نهايته هنا، بمكان وضع به أكثر شخص يكرهه، وبمكان وضعت به شقيقته بالظلم! يلاحظ انسحاب القضاة، ولم يكن هناك أشخاص بالقاعة سواهم. لذا، وقبل أن يخرج "شريف" مع أحدهم إلى حيث ما أتى، تقابلت عينيه مع كل منهم. كل منهم يحمل تجاهه كره مختلف.

لم يستطع "حازم" الوقوف أكثر، لذا قبل أن يخرج من هذا المكان، اقترب وهو يبتلع ريقه، ينظر داخل عيني "شريف" بقوة. والذي قابل نظراته بصمت مريب لفترة، حتى خرجت نبرته يخبره بأن كل ما حدث لا يثير له اهتمام. "فكرك كل دا مآثر فيا؟ ابتسم وكأنه مختل عقلي للتو، ونفى برأسه بلامبالاة وقال: "ولا الهوا يا متر. بس انت شكلك ارتاحت! احتدمت عيني "حازم" تحت ترقب "غسان" و"بدر" و"آدم"، واندفع يردد من بين ضغطه على فكه:

"راحة عمرك ما جربتها ولا هتجربها وانت حي ولا وانت ميت." وصمت يلمح له بقصد: "..قصدي مشنوق! لم يعطه فرصة للحديث أكثر. ود لو يفر هارباً، للبكاء. يريد البكاء وبصوت عالٍ، ولولا نظرة بأنه رجل لفعلها في الحال، بإنهيار صارخ بكل من يقف أمامه. لذا سارع بخطوات منفعلة ناحية الخارج دون حتى أن يشير للشباب! انسحب "بدر" على الفور خلفه عندما رأى حالته هذه. في حين اقترب "آدم"، فتمعن "شريف" النظر نحو معالم وجهه التي تغيرت، وضحك

باستهزاء وقال يستخف به: "الكيف بيجهد ويتعب بردو يا آدم. بس طلعت ناصح أنصح من صاحبك! تشنجت تعابير وجهه منذ أن رآه. لم يغفل عن أن من أمامه هو من جعلها تعاني. هو من فعل بها ما لا تستحقه أي فتاة! هو من دمرها وقهرها. ابتلع "آدم" ريقه بسرعة، ورد مندفعاً يوبخه صراحة: "صاحبي اللي ضحكت عليه ووديتني فداهية زي ما ودّيتني معاه، ولا أخته اللي اغتصبتها يا قذر يا بن الـ ***"

سبه سبة نابية بذيئة لم تغير الوضع. وتابع "غسان" بترقب، في حين اعتلت ضحكات "شريف" بتشفي يخبره ما لا يعلم بأنه يخبره: "تصدق إني كنت عارف إنك بتحبها وهتموت عليها؟ بس أقولك؟ انت خسارة فيها. وحتى خسارة صحوبيتك لأخوها. الواد يبقى لاطك معاه في مصيبة سودة وبردو متعرفش تبعد وتقوله لأ. ياخي لو كان عندي ربع ولائك وإخلاصك، وربنا ما كنت زماني هنا! يسخر منه بشدة. في حين أخذ أنفاسه يكمل كي يضغط على جرحه أكثر:

"لا بس البت اتدمرت. اتدمرت يعني بالجامد. مع إنك خسارة في واحدة زيها، بس هي بردو بت حلوة وتستاهل، وخسارة حتى لو خسرت. إسأل مجـ... أمسك "غسان" ذراع "آدم" الذي ما إن تقدم أكثر سيكون معه بنفس المكان لا محال. حاول الاندفاع، فنظر له "غسان" نظرة فهم معناها. ولكنه لم يستطع منه لسانه عن سبه سبات نابية بالقرب منه، وأكمل بعدها بانفعال: ".. قسما برب الكعبة لو كنت قدامي يا بن الكلب يا *** لـ كنت موتك بعد ما اخليك عبرة فنظر الكل!

ابتسم "شريف" باستفزاز وأشار برأسه بغير اهتمام وقال ببرود يرد: "فات أوانه الكلام ده مع السلامة يلا وبقولك.." رفع رأسه بعينيه الحادة ينظر وهو ينصت من بين مسك "غسان" له، فأكمل "شريف" بغمزة وقحة: "لو مصمم يعني فإنت هتبسط خد مني ومتراجعـ.." ولولا القفص لانقض "أدم" عليه اندفع يدفع "غسان" بشرر وتمسك بالقفص بعصبية يهتف بكلمات مضغوطة وعروق رقبته تظهر من كتمان انفعاله:

"اخرس يا يا قذر يا زبالة يا و** عليا النعمة لأقتلك ياض هقتلك وأشرب من دمك النجـ.س ده... وقبل أن يكمل أكثر أبعده "غسان" بتحكم ورفع عينيه ناحية الٱخر يردد بإستهزاء: "بقولك ايه ..كفاية عليك اللي انت داخل عليه لو منك اجري اعمل لٱخرتي المهببة دي روح اقرألك قرٱن وصليلك ركعتين كده بدل القرف اللي انت فيه كتر خير الدنيا اللي مجمعتكش بـ عز وأهله! لم يجيبه بل حرك رأسه ببرود. وعند كلمات شقيقه اعتلى صوته يحاول بالإيقاع

بينهم لٱخر فرصة ينتهزها: "عز وأهله .. معاكم عذركم ما أصلكم لسه هتشوفوا اللي محدش شافه على يد أمه وأخته هي مش أخته بردو اللي باعت البت اللي تبعكم!! كان رد "غسان" الأسرع في الضغط عليه عندما قال بوقاحة شديدة: "لا بت ايه بقا دي مدام عقبالك" تجمدت ملامح الٱخر من وقاحته في حين أكمل "غسان", بنفس الضغط عندما علم بأن هذه النقطة هي التي ستثير انفعاله: "أصل هي واخوك دلوقتي متجوزين وقريب هيجيبوا عيال ..عقبـ .."

توقف "غسان" عن الحديث وتصنع الشفقة ليهزمه ببروده الأكثر واستخدم نظرية محاربة البرود بالبرود: "ولا عقبالك ايه ما انت كدة كدة ميت !! أكثر ما يثير استفزازه هو البرود المماثل لما يفعله كي يشعل من غضب من أمامه أما الٱن فهو يواجه شخص قد تغلب عليه بها او لربما فهم ما يفعله اغتاظت ملامحه وتمسك بالقفص يهتف بغل:

"كل اللي حصل ليكم دا انتوا تستاهلوه وأكتر كل واحد اخذ جزائه أنا مش خايف من الموت سامعين مش خايف طالما خدت بتاري بإيدي ودوقت كل واحد من نفس الكاس وبردت دمي اللي فضل يغلى لسنين!!

هز القفص بعصبية بالغة فسحبة العكسري على الفور بسرعة ناحية الداخل ووقف "غسان" يخرج أنفاسه بتنهيدة مسموعة وهو ينظر بأثرة بتقزز. حرك عينيه صوب "أدم" الذي وقف وكأنه الهش الضعيف وعلم أن الجرح الذي بداخله لأجلها شعر به عند هذه المشاركة بشئ كهذا. يتألم لأجلها وللمره الذي لا يعلم عددها حتي وهي لم تكن موجوده أمامه الٱن ولكنه يشعر بالعجز. ضرب "غسان" كتفيه كي يعي. في حين حرك هو رأسه يرفعه تجاهه فوجده يحثه بأنظاره وقال يحثه كي لا يتغير

نمط تفكيره بما حدث لها: "متخليش كلام واحد مقرف زي ده يأثر علي دماغك! أغمض جفنيه بسرعة وفتحهما واجاب بنبرة خاوية يخفي اهتزازه: "مأثرش! علم "غسان" تخبطه بهذه اللحظة وهذا الوضع. قرر ان يجاريه بالمكشوف وقال يصارحه بجرأة: "لا أثر ودماغك غصب عنك بتراجع نفسها فاللي كان ان ازاي كانت مشت وراحت وقعدت معاه فشقة واحدة قبل كل ده ما يحصـل!

كأي رجل طبيعي عقله كان سيراجع هذه الأشياء رغما عنه. مع أنه يريد التمسك بالفعل ومازال ولكنه يريد محو هذه الأفكار. ربما الٱتي من أحداث سيثبت له أن هذه الأفكار لديه هو بالأخص ليس لها معني. وجد "غسان" يردد مره أخرى بوضوح أكثر: "قررت تتمسك يبقي تاخدها على كدة صعب عليك متفكرش فاللي حصل بس لازم تعمل كدة وده مش أمر إجباري عشان لو مش هتعرف تتحكم فدماغك ومشاعرك دي يبقي تبعد احسن وتسيبها وبلاش تقرب منها!

بطريقة ما جعله يستكشف أمر ٱخر بأنه لم ولن يستطع التخلى ٱكثر من قبل. ابتلع غصة مريرة بحلقه ورفع عينيه الحزينة يخبره بإستسلام: "مش قادر أبعد بسببي.. ولا عارف أقرب بسببها! سارا معا ببطئ ناحية الخارج ومن بين هذا الحوار الكاسر لأحدهم. زفر "غسان" بصوته وهو يحرك رأسه وعقب ما انتهى الٱخر من ترديد كلماته هتف "غسان" من بعده مباشرة:

"سببك كراجل مقدور عليه. لكن هي أنا متأكد إنها كارهه الصنف بحاله وقبل كل ده خايفة. وطالما قررت تقرب يبقي تشيل ترددك ده عشان لو لسه موجود جواك هي هتفضل لسه خايفة وبالذات منك ومن دخولها علاقة مع واحد بصفحة جديدة. يعني انت بإيدك تمسح لها اللي فات ي ٱدم! "مش عاطيالي فرصة! "هتعطيك لما تفضل مكانك مستنيها ومتتحركش من مجرد فكرة أو كلام أو حتي مشكلة. لكن انت دلوقتي اتهزيت! وقفا على بعد من السيارة وإلتفت "ٱدم" برأسه يبتلع ريقه

وقال يخبره بصراحة خائبة: "غصب عني! "عارف. وعارف كمان انه مش سهل عليك. بس في سؤال يجاوب على كل ده بـ اه تفضل ولا لا متفضلش! قرأ المسطور في عينيه بالسؤال. فزفر "غسان" بصوت وابتسم يسأله: "بتحبها ولا مـ.عجب بيها ولا. متعلق و مشدود ليها وبيها؟ الثلاثة اختيارات يشتتون!

استبعد الإختيار الثاني. وفكر فالأول والٱخير. خاصة الٱخير الذي هز كيانه بينما الأول يشعر به منذ فتره ورددها على مسامع شقيقه بتسرع. وجده "غسان" متخبط شارد. فمد كفه يربت على كتفيه برفق وقال يحثه بنبرته الهادئة في هذا الوضع: "أنا كدة كدة مش محتاج جواب. بس فكر براحتك و جاوب علي نفسك! "وان معرفتش؟ حرك "غسان" كتفية ببساطة وقال يخبره بجهل البشر عن القادم: "ومين عالم ما يمكن يحصل أي حاجة توضحلك موقفك ايه!! انت اللي مستعجل بس!

وجد التشتت رفيقه ورفع عينيه يسأله بنبره هادئة أشبه بالمستسلمة: "انت شايف كده؟

حرك "غسان" رأسه تأكيدا تزامنا مع اقترابهم من السيارة التي جلس بها "حازم و. بدر". ولم يغفل "غسان" عن ذهاب ذاكرته بالصمت نحو موقفه مع "نيروز" وظلت مشاعره تتلاعب به حتي وان اعترف بينما لم يأخذ الفرصه الحاسمة له إلا عندما حدثت عقبة زواجها من غريب مجهول بتدبير عمها. هنا ولم يتحمل وفكر بأي طريقة واجهته كي تصبح له هو وحده. لم يكن ليتخيلها مع غيره أبدا!!! ركب السيارة وكانت سيارة "غسان".

الذين ركبوا بها وجاءوا بها أيضاً. وهذه المرة، من قاد السيارة ليتشتت عقله كان آدم. وركب في الخلف غسان مع حازم، وهو يملي عليه كلمات هادئة مواسية. في حين تحرك بدر للجلوس في الأمام وعينيه تراقب تعابير وجه كل من حازم، وكذلك آدم الصامت في الأمام الذي ركز عينيه على الطريق. حاول بدر التخفيف عنهما، فردد بسخرية. يخبرهم في الخلف: "ملقيتوش غير آدم اللي يسوق. دا مجنون وممكن يموتنا، ولا ناسين اللي حصل!

ضحك غسان، وكذلك خرجت ضحكة حازم. فابتسم آدم باستفزاز وأسرع من سرعة السيارة وهو يشير ناحية عينيه لشقيقه: "من عيني يا بدر. ننولهالك. ودعت ابنك ومراتك قبل ما تخرج، ولا هتروح كده وهم واحشينك! هنا وتذكر بدر حديث حازم مع ياسمين. وتحت الضحكات والحماس بزيادة السرعة، رد بدر يشاكس حازم الذي يحمل له معزة خاصة بقلبه ولم يفعل كل ذلك إلا للتهوين عليه: "لا مودعتش. الواد حازم ابن المحظوظة هو اللي ودع بالجامد!

تعالت ضحكات غسان، في حين اندفع حازم يشير من بين ضحكاته: "ونبي يا بدر تسيبني فحالي. مش ناقصة قر! "ماشي يعم الله يسهلك." رددها بدر له، فضحك الكل عليه تزامناً مع قول غسان المرح لآدم: "هدي بقا يعم انت السرعة دي. عندنا عيال وفي عيال لسه جاية فالسكة. الدنيا لسه عايزانا!! لبى غرضه، وكذلك حثه بدر. فابتسم بإستسلام.

واستمر الحديث بينهم بعشوائية. وقرروا الذهاب والعودة ناحية المبنى ليهبطوا، ومن ثم ليقود من بعدها غسان للرحيل نحو منزل عز كي يأتي بنيروز، أو هكذا قرر دون أن يعلم ما القادم! ***

تقاوم نفسها ولم ترد مساعدتها. حالة أشبه بالإختلال والجنون. وكأنها تنهار عصبياً وتزيل بنفسها آخر ذرة من العقل كانت قد بها. باتت لا ترى الآن سوى أنها سوف تلقي بنفسها كي يفتح لها الموت ذراعيه. اعتقدت بشيء لا يحدث. اعتقدت من كثرة الوجع بأنها ستقابل الراحة الأبدية بمحاولة فعل شيء قررته بداخلها بعزم. وكأنها لا تهاب. عندما قررت الإنتحار. انتحار! وماذا يجلب هو غير العذاب؟

بعيد كل البعد عن الراحة الأبدية. وبعقل أصبح ضعيف من التحمل كانت هي تعتقد ذلك. وفي البداية كانت تعتقد أن كتمانها ليس مؤذياً وأنها تتخطى بالفعل، بينما الآن الشيء الوحيد الذي ينتبه له الجزء العاقل من عقلها.. أن التظاهر باللاشيء والتعامل بطريقة عادية ليس طبيعي أبداً. تأكدت أن عدم التأثر في البداية ليس شيئاً مفرحاً وأن الكتمان كان أكبر خطر! وللمرة الثانية تسأل نفسها: لما الحياة وأنا بلا حياة؟

الأصوات تتداخل، الوقت يمر واللحظات تتخطى. وهي تقف تغمض عينيها تارة وتفتحها تارة، تحذرهم من الاقتراب. دخل حامد بخوف، يحذرها وتصلبت ملامحه برهبة رجل سنه لا يسمح بهذا الفزع المميت. الكل يصرخ ببكاء، والهواتف تقوم بالتصوير في الأسفل، والناس تصرخ عليها وتهتف في الأسفل بأن تتراجع. أما هي فلا حياة لمن تنادي، لا حياة لها من الأساس. نزلت دموعها وركزت بعينيها ناحية الصراخ وسارت رهبة بجسدها وتشنج من هذه الأصوات المتداخلة. فرفعت رأسها أكثر وهي تتمسك بنفسها لآخر لحظة وصرخت بصوت عالٍ

تخرس صراخهم وبكاءهم: "بــــس. قــــولت بـــس اخرسوا!! وضعت كف واحد على أذنها، فابتلع الكل ريقه بخوف. وحاول حامد الاقتراب يشير لها بيديه المجعدة يحثها بتقطع مهتز: "إعقلي يا بنتي وارجعي. ارجعي حرام عليكي. اللي بتعمله ده حسابه عظيم عند ربنا. حرام والله. ارجعي!!

نفت فريدة برأسها وتجمعت الدموع أكثر بمقلتيها وأشارت بكفها الآخر له كي يتراجع، فوقف مكانه عندما شعر بأن من الممكن أن يختل توازنها. كانت عايدة تبكي مع سمية وردة، والخوف كان رفيق ياسمين وزهور ومروة، وفي الخلف سامر يقف يترقب بعينيه بفزع مماثل لفزع وسام في الشرفة وهي تقف بجسد متصلب بعدما وقع الهاتف من يديها ولم تقو على الانحناء لحمله!

نفت فريدة، بقهر وخرجت نبرتها الباكية تزامناً مع وصول عز وحده في الأسفل. خرج من السيارة بركض ودفع الناس بيديه بقوة وهو يرفع رأسه ينظر بهلع. ركض بأقسى سرعة كي يصعد. في حين وقفت هي تردد بخواء: "ومش حرام عليها الدنيا؟ أنا نفسي ارتاح بقا. نفسي ارتاح. سيبوني أموت وأريحكم مني انتوا والدنيا اللي مسابتنيش ولا عايزة تسيبني فحالي!!!!! إندفعت ياسمين في بكاءها تردد هذه المرة بنبرة باكية ضعيفة:

"مش حل. ده مش حل والله العظيم. ونبي عشان خاطري تنزلي. إحنا منقدرش نعيش من غيرك!! وافقتها وردة تؤيد بكلمة واحدة مؤيدة والاثنتان يحتضنان بعضهما بخوف. ابتلعت دلال ريقها وهي تتمسك بجسد حامد من الخلف كي لا يقترب حتى لا تفعل الأخرى ما أقسمت عليه. وبادرت زهور بصوت مرتفع تشير بعصاها أكثر وهي تقترب: "يابنتي انزلي و مـ ... "إرجــعي ورا. إرجــــعـــي!!

دوت الصرخة ترن بأذنهم ووصل صراخها إلى الأسفل كما أن الوقت يضيق. انسحبت عايدة بركض لتفتح الباب الذي كانت دقاته عالية بقوة من الطارق. أبعد جمع الناس المتجمعة بفظاظة رغماً عنه بهذا الوضع كي لا يتأزم. وبقي هو. وكان عز الذي كان يلهث بأنفاس عالية. وما إن فتح الباب ركض بسرعة ناحية الداخل يدفع من قابله بطريقة إلى أن وقف واعتلى ضغط دمه بهذا الحال المرعب لأقواهم ما إن يرى ذلك. إلتفتت جميع الوجوه له وإقترب بحذر يشير لها بذراعيه الإثنان برهبة يجاريها بذكاء

لم يفعله أي منهم من قبله: "بصي.. اهدي.. اهدي بس واثبتي وقوليلي. قوليلي عايزه ايه وهعملهولك حالا. ابتسمت بسخرية للشبه الذي بينه وبين من كان أحد أسباب وصولها لهذه الحالة الصعبة. أغمضت جفنيها تتجنب النظر له وابتلعت ريقها تجيب وهي تتحرك باهتزاز. حرك موضع قلوبهم من أماكنها في الحال: "عايزة أموت! بحت نبرتها بوجع شديد. فابتلع "عز" ريقه يجيبها بإختناق: "حرام! نفت بإندفاع منهار ودموعها تسيل على وجنتيها: "لا حق!

إبتلع "عز" ريقه من إصرارها هذا. وأجاب "حامد" هذه المرة يخبرها بسكون يمنع نفسه عن الإقتراب: "بس مش بالطريقة دي. حق بس بأمر الله ي بنتي. ارجعي واخزي الشيطان. ارجعي بالله عليكي! سكنت وكأن العالم أغلق جميع أبوابه لها. يرتجف جسدها أكثر وأكثر وكل فترة ثباتها يهتز شئ فشئ. وقبل ان يحاول "عز" ايجاد الحل بشمله لنظرات الغرفة او الشرفة. تابع "سامر" بهجوم رغم خوفه ولكنه اعتقد ان قوله هذا سيجعلها تتراجع باهتزاز:

"ارجعي لانك جبانه ومش هتعملي كده. انزلي! لم يكن وقته بتاتا قول هذه الكلمات. وقبل أن تمنعه والدته. فتحت الٱعين بفزع من تحركها. فعاد "عز" يندفع نحوه بإنفعال مرددا يوبخه: "انت بتقول ايه ي غبي انت. اخرس خالص مسمعش أم صوتك ده فاهم!!!! كانا على مشارف الإمساك ببعضهما بشجار. في حين تعالى البكاء أكثر وهي ترد عليه بنبره جامدة رغم الدموع وأظهرت مدي عنادها بقوة: "أنا مش جبانة. سامع. مش جبانة!!!!

كانت تنفعل بهستيرية في حين أشار لها الكل بأن تسكن بريبة. تحت لهفة "وسام" برؤية سيارة "غسان" تقف في الأسفل وهي تنظر من شرفتها.

خرج بسرعة الأربعه من السيارة ينظرون نحو النظرات والتجمع. ورفع "غسان" رأسه مع "حازم" و"بدر" ٱدم. وأذن الثاني تستمع لكل شخص يهتف باسمه بخوف من على بعد يخبره دون فهم. وعندما وجد جسدها. انتفض جسده وأذنية لا تسمع أي شئ. سارت القشعريرة ببدنه وفتح عينيه بقوة حتي خفقات قلبه تسارعت كمن تسابق أحدهم على الموت. حالته كانت مثل حالة "ٱدم" الذي انصعق وهو يردد بإسمها بإستيعاب: "فــريدة!!!

ركض على الفور وركض معه "بدر" في حين شحب وجه "حازم" و"غسان" الذي دفعه بقوة كي يستوعب. فنفى "حازم" بصراخ شديد ينفي وهو يرفع ذراعه لأعلى برأسه: "لا. لا متعمليــش كدة أبوس إيديكي!!!!

ركض ركض الوحوش في البرية. أو بغابة واسعه لا يري بها شئ في حين ان الناس تهاتفه وتردد باسمه. دفع الكل بيديه ووقع من وقع بسبب هذا الحشد ودخل من البوابة الكبيرة للمبني بهلع يركض بأقسي سرعة. سرعة قياسية سبقها "غسان" عندما لم يأت برد فعل منه في البداية بسبب صدمته!! . لم ينتظر أي من الذي دخل المصعد بل ركضوا بهرولة ناحية الٱعلى على السلم. كي يصعدوا بأنفاس لاهثه عالية!! ...

وهي. هي بالأعلى شهدت اندفاع "ٱدم" و"بدر" الٱن بهذه السرعة في داخل الغرفة. وقف "بدر" متسمرا. وهرولت "وردة" باندفاغ تلقي بنفسها بين ذراعيه في حين آقترب "ٱدم" يسألها بنبره شارفت علي الإنهيار بعدم التصديق: "انتــي بتعملــي ايه!!! بتــعمــلي ايه يا فريدة!!! فاقت على نبرته وتمسكت بالعمود الجانبي أكثر وابتلعت ريقها. ودموعها لا تتوقف عن الهبوط. حركت رأسها بأسى. وصارحته بما جعل قلبه يخفق بقوة عليه: "هموت نفسي!

وقف يلهث بأنفاس عالية ودخل "غسان" هذه المرة عندما وصل قبل "حازم". دفع "سامر" وحتى جسد "مروة" و"سمية" دون التركيز واقترب يقف بصدمة ظهرت علي ملامحه. في حين اختنقت نبرة "ٱدم" برهبة موجعة: "مينفعش. مينفعش ارجعي عشان خاطري. إحنا عايزينك. عايزينك أقسم بالله. قوليلي بس ايه يراضيكي ومتعمليش فنفسك كدة. هعملك اللي انتي عايزاه بس بلاش. بلاش ونبي!!!!

صرخت بإنهيار. تمسك رأسها بكفيها وشعرها يتطاير بفعل الهواء وتناست بأنها الٱن تفقد توازنها. صرخ الكل في حين كان صوتها الأعلى حتى كادت ان تقطع احبالها الصوتية: "أنا مــــش عايــزة حاجــة سيـــبوني فحـــالي بقـا !!!! انتفض البعض علي صراخها. فحاول "غسان" تهدئة الوضع بسرعة. حتي جذب ذراع "حازم" بقوة يخرجه من حالته الضعيفه يقربه من وقفة "ٱدم" وفتح باب غرفة "نيروز" على مصرعيه. وردد بصوت مرتفع: "إطــلعوا برا"

وقف الكل بصدمة من ما قاله للتو. فصرخ بهم كي يسرعوا: "بــــرا !!!

دفع بيديه بغير احترام جسد "زهور" حتي خرجت من بين صدمتها ومعها فتياتها. وأشار بعينيه لـ "بدر" الذي فهمه ودفع "وردة" ناحية الخارج. وحرك "غسان" يديه على كتفي "دلال" و"سمية" يحثهم بحدة تلازم نبرته ونظرة عينيه. بقت"عايدة" مع الشباب والرجال وأغلق "غسان" الباب. ونجح في تركيزها مع خروج من تبغضهم في حين كان يحاول ان تصب تركيزها مع من يهمها أمرهم أكثر من بين كل ذلك الحشد. ورغم الطرقات على الباب ولكنه وقف يتابع بأعصاب هشة يحاول تماسكها. في حين أدمعت عينيها. وهي تتمسك بالعمود بذراع واحد تردد كلمة الأسف له هو لمن يستحقها. لـ شقيقها "حازم":

"أنــا ٱسفـة !! نزلت دموع "حازم" فالحال دون حرج. واقترب أكثر فلم تمنع هي اقترابه إلى أن أخذ تحسباته ووقف على اعتاب باب الشرفة وبخفة كان بجانبه "ٱدم". فركز "حازم" عينيه وخرجت نبرته الخاوية ينفي برأسه يخبرها بوجع: "مش هستحمل صدقيني. متوجعنيش فيكي وارجعي. أنا بحبك ومش هخلي حد يأذيكي أقسم بالله. بس ارجعي عشان خاطري. وحياة أغلى حاجة عندك فحياتك. أنا هموت وراكي يا فريدة. هموت والله العظيم ما هقدر!!

نزلت دموعه مع. دموعها وأكملت هي تقاطعه بوجع ونبره أهدأ تردد بكلمات مؤلمة: "أنا نفسي أرتاح بقا نفسي أموت وارتاح ..قولي ليه الدنيا بتعمل فيا كدة!! انا عملت ايه عشان يحصل فيا كل ده !! أنا عمري ما خدت حاجة عوزتها. عمري ما لقيت اللي محتاجاه.ليه كل حاجة مبتراضنيش مع اني بحاول ارضي!! ليه بيجيوا عليا دايما!!

ليه الماضي مش راحمني ولا عايزني اعيش زي الناس. انا مبقتش حاسة بأي حاجة أنا نفسي أموت أنا مبقاش ليا لازمة. كل حاجة ضاعت مني حتي أغلى حاجة عندي راحت بسبب أخوه!!

أشارت بيديها ناحية "عز" بوجع. تسمر جسده بألم لأجلها ولو كان لا يحبذ القدوم في التجمعات فكان هذا بسببها هي. لانه يشعر تجاهها بالأسى ويحاول محو هذا الشعور من أجل التعايش. ولكنه لم ولن ينسي ما حدث لها على يد شقيقه بينما يود الٱن ان يقسم بأنه ليس لديه ذنب. أكملت بوجع مره أخري تخرج بكل شئ كان ومازال بداخلها:

"خد مني اللي أي واحد دلوقتي شايفني من غيره وحشة. عارف أنا سمعت إني بيتقال عليا ايه. عارف شريف القذر وصل خبري على لسان مين. بعت مين يوصيهم بالكلام عني. عارف أنا كان بيجيلي رسايل من الجامعة واللي اعرفهم ازاي. عارف أنا قفلت كل حاجة ليها علاقة بالتواصل معاهم ليه. عرفت مبنزلش الجامعة ليه وبطلت أقابل صحابي ليه."

صدم من حديثها بقوة. كما صدم البعض. تلومه ولم تشاركه من الأساس بل كانت تكتم وتكتم بعيد عنه كي لا تذكرهم بما حدث من قهر لهم وللعائلة! حرك رأسه بإنهيار وتصلب جسد "آدم" وقال قول حل محل شقيقها: "طب ارجعي وأنا هجيبلك حقك من كل واحدة اتكلمت عليكي، أوعدك اني مش هسيب الموضوع ده يعدي كدة بس انزلي لو بتحبي ربنا يشيخة!! ردد آخرها بضعف، فهبطت دموعها واقترب "غسان" بسكون يقف بجانبهما وقال يحثها مبتلعاً ريقه:

"لو نزلتي هاخدك معايا ومع حازم تجيبي حقك من أتخن تخين اتجرأ وجاب سيرتك، هجيب إيدك تحطيها فعنيهم وتقطعي لسانهم اللي اتكلم عنك بنفسك، قربي واسمعي الكلام وثقي فينا، بس انزلي!!! نفت برأسها ووجهت عينيها نحو شقيقها الصامت برهبة وتجاهلتهم وهي توجه له حديثها تلومه بقهر:

"انت ضحكت عليا ومشيت وسيبتني، مع اني قولتلك متسبنيش لـ سامر وكنت مرعوبة، معملتش حساب للحظة اللي كنت خايفه منها لما جاب المأذون والشهود وغضب عن عين الكل عايز يتجوزني غصب فغيابكم، محدش عرف يوصلك ولا يوصلهم، سيبتني ومشيت ليه، أنا زعلانة منك أوي لو كان خدني غصب مكنتش هسامحك ي حازم!!!! سألته بنبرة باكية بشدة، صدم الكل من حديثها المندفع، فقال هو برهبة يحاول الاقتراب أكثر: "أنا آسف، آسف والله العظيم، بس انزلي وهجيبلك حقك!!!

ابتسمت بألم وعندما شعرت بإقترابه أشارت بإنفعال منهيار تحثه: "ارجع، ارجع هرمي نفسي لو قربت!! وقف بخوف منهار وأمسك رأسه بإنهاك منهار يحاول وجود حل بعدما هرب الحديث منه، وقف "آدم" يخبرها عندما جاء بعقله شئ ما: "لو رميتي نفسك من هنا أنا هحصلك يا فريدة!

كانت نبرته جادة، انصعق "بدر" في حين اقترب "غسان" على فهم ما ينوي فعله من تهديد لها لتتراجع، بينما "آدم" لم يقل ذلك عبثاً أو حتى ليكن مختل عقلي بل قالها لوجود تلك النظرة منها له، نظرة لأول مره يتلقاها منها غير نظرة الاعجاب الذي كان يشك بها، نظرة الآن جعلته يرتجف وكأنها تبث شوقها إليه قبل أن تلقي بنفسها، وداع للمره الأخيرة. قاطع حينها النظرة هذه بقوله ذلك، فابتلعت ريقها بتصديق لم تكن لتتوقع ذلك، نفت

برأسها وقالت بنبره خاوية: "متقدرش، سيبني فحالي وارجع، لو قربت تطلع هنا هرمي نفسي علطول من قبلك!! قالتها بتقطع متلهف متخوف، في حين ترقبت الأنظار واقترب بعناد من الناحية الأخرى والعائلة تتابع من الشرف المربعة الجانبية كما أن في الأسفل الكل يتابع إلى الآن، شهقت من محاولته في التسلق تحت تركيز "غسان" على معالم وجهها وعندما وجد الخوف رفع عينيه نحو "آدم"، حاول "عز" الاندفاع فمد "غسان" ذراعه يوقفه مع صراخ "بدر" بصدمة:

"انت بتعمل ايه يا مجنون؟! نظر "غسان" ناحيته يشير بعينيه على الصمت، فوقف يفتح فوهه بصدمة تحت نظرات "عايدة" الغائمة بالدموع والجهل والخوف. وخرج صوت "حامد" يوبخه بخوف: "انت ساكت ليه؟ ساكت ليه؟! "اهدوا واستنوا" رددها "غسان" بهمس وقصد إيصاله لهم جميعاً حتى لـ "عايدة"، سمع الكل صوت دقات الباب العالية من الخارج بصراخ وعلم الكل بأنه صراخ "زينات": "بنتي!! افتحولي اشوف بنتي!! فريدة!! انزلي يا فريدة ونبي، بلاش تعملي كدة فقلبي!!

افتحوا!! افتحولي بقولكم حرام عليكم عايزة اشوف بنتي!! ذهبت بنوبة بكاء هستيري بعد تجاهل الكل لها في الداخل وتوجه لها بعض من الخارج يلحقون بسقوط أعصابها بهذا الإنهيار التي تحاول تماسكها ولكنها فشلت وتفشل. بينما في الداخل تسلق "آدم" ووقف على بعد منها، تسلقها بسهولة وبساطة شديدة لطالما يعتاد على هذه الأفعال بالماضي. ابتلعت ريقها بهلع وقال هو بملامح جادة صادقة: "عرفتي اني أقدر؟!

زاغت عيني "فريدة" بالدموع، وأشار "غسان" لـ "عز" بمسك "بدر" كي لا يندفع في حين مد "غسان" ذراعيه يبعد "حامد" أكثر وأشار لـ "عايدة" بالصمت تحت صراخ الناس بالأسفل وصراخ العائلة من الشرف وخوف "وسام" التي تتابع كل ذلك من البداية بجسد متصلب!! "إنزل حالا، انزل بسرعة بقولك هرمي نفسي! "لأ مش نازل!

رددها بعناد لها، وابتلع ريقه وأخذ أنفاسه وتقابلت عينيها معه، فحاول تشتيتها بالإقتراب الأكثر منها يحاول ترك العمود وهذه تعد منطقة أكثر خطورة! جحظت عينيها بفزع، فهو معرض للسقوط عنها بأي لحظة لم يكن بجانبه أي عمود ليستند بل يتقدم ويسير بغير توازن!!! وانتفضت ولكنها لم تترك العمود بجانبها، فأشار لها بيديه يحاول وزن جسده بالوقوف والسير بحذر: "فاكرة لما قولتيلي بليل فمحل الورد هتديني ردك ونتقابل؟

أكدت بهلفة كي يهدأ ويسكن. لكنه حاول الاقتراب دون تعلثم وواصل يكمل بعدما سلب تركيزها: "اهو احنا دلوقتي اتقابلنا بس هنا على السور، بس أنا قررت أرمي نفسي زيك بالظبط وقبلك كمان عشان الدنيا كانت وحشة معايا بردو!! خرجت نبرتها الباكية بإنهيار خائف هذه المرة ورفعت يديها تمسح وجهها تردد بلهفة: "انت.. انت مش فاهم حاجة خالص!!! "أنا فاهم كل حاجة، وعايز أقولك حاجة واحدة بس قبل ما أرمي نفسي من هنا قبلك!

جحظت عيني من بالداخل، فرمق "غسان" بطرف عينيه وفهم على الفور أنه يشتتها. اقترب وكادت أن تتعثر قدمه فصرخت هي بسرعة: "حــاســب، حـــاسـب!! حاول التوازن، وواصل بلعبته في التشتيت: "مش قبل ما أقولك أهم حاجة نفسي تعرفيها، والا هرمي نفسي من قبلك بسرعة لو مسمعتنيش! انتفضت بفزع تشير برهبة تحت ذهول "حازم" ومحاولته هو الآخر في الاقتراب مع الآخران: "لا، لا قول، قول بسرعة!!

ابتلع ريقه وبات قريباً يقف بجانبها، وتحسباً للفشل، مد ذراعه وهو يقف بهذا القرب وحاوط كتفيها للدلالة على الاقتراب لقول ما يريد قوله. انتفض جسدها وتمسكت بالعمود أكثر واهتزت قدميها عندما تحرك جسده باختلال وهو يمسك بكف يديها الأخرى. كف يديها الذي يوجد ناحيته مغمض العينين يتحاشى النظر ناحية الأسفل كي لا يقع وقبل ذلك حثها برفق تحت تيهتها: "هاتي ايدك بسرعة، هقع"

قدمت كفها بفزع، وباليد الأخرى تتمسك بالعمود. وذراعه الآخر يحاوطها به، فاقترب "بدر" مع "عز" ناحية "آدم" الذي يسلب التركيز منها له. وإقترب "غسان" مع "حازم"، أشار لهم "غسان" وهو يحرك رأسه، فمد "غسان" ذراعيه الاثنان مع ذراعي "حازم" يجذبان جسد "فريدة" بقوة عليهم ناحية الداخل، وبعزم ما لديهما من قوة دفوعها، كما فعل "عز" و"بدر" مع "آدم". وقعت "فريدة" ناحية الداخل عليهم بشدة، مع وقوع "غسان" على ظهره بألم، وكذلك "حازم" وهي

معهم وسحبت بكف يديها "آدم" الذي لحقه الإثنان الآخران، ووقعت الستة أجساد بصوت واحد في أرض الشرفة، تأوى الكل. وشهقت "فريدة" برهبة وجسدها يرتعش. حاول "غسان" التحرك فتحركت هي فالبداية بغير تصديق فاعتدل "حازم" يتشبت بها بقوة وهو يركع حتى اندفعت داخل ذراعيه بإنهيار شديد تحاول التحرك ولكنن يحكم بذراعيه عليها بوجع شديد، تحت اعتدال البقية.

هلل الكل في الأسفل بفرحة عندما اندفعت الأجساد ناحية الداخل وتعالت أصوات العائلة في الداخل وكذلك الشرف، في حين وقف "آدم" بوجع. وهنا سمح لهبوط دمعته على هذا الإنهيار التي توصلت له، أعصابه لم تعد لتتحمل. يصعب عليه الرحيل ولكنه أسرع في خطواته سريعاً، يختلي بنفسه بعيداً. هرول هرولة غريبة أشبه بالركض وهو ينفض ذراعي "بدر" عنه وفتح باب الغرفة كي يهرب من المبنى بأكمله بعيد لمكان لا يعرفه أحد دخل الكل ناحية الشرفة بعيداً. ووقف

"غسان" بوجع في عظامه ينظر نحوهم ولاحظ عدم دخول "زهور" وعائلتها. تحرك قليلاً ناحية الخارج حتى وجد شقيقته تندفع ناحية الداخل بفزع، فلحقها بين ذراعيه في الحال وبكت هي بين أحضانه فردد عليها كلمات ساكنة. كل منهم يبكي الآن بأحضان غيره عندما خرجوا متجمعين في الصالة وبقى "حازم" معها ساحباً إياها بين ذراعيه ناحية الفراش ومعه "ياسمين" تبكي مع "عايدة" و"زينات" التي تصرخ بولولة فازعة إلا أن سكنت عندما ضمتها "ياسمين" في الحال.

اقترب "حامد" يضم ابنته بلهفة، فتركها "غسان" له وهو يشير له بأن يأخذها لشقتهم يبعد. نفسيتها عن كل ذلك. لا يعلم هو بأنها تابعت كل شيء. وجد "جميلة" و"فرح" يصعدون على السلم بركض، وعينيهم وملامحهم تشرح الكثير. عندما انتهوا من ارتداء الملابس، وعندما وقفوا لإيجاد سيارة أجرة، وعندما استوعبوا من الأساس أخذ كل ذلك منهم وقت. دخلت "جميلة" بسرعة، حتى كادت أن تتعثر، فلحقها ذراع "عز" وهو يسمع نبرتها الباكية بفزع تحاول إبعاده عنها:

"فريدة! فريدة يا عز. هي فين؟ هي فين؟ رد عليا ونبي بسرعة! وقفت "فرح" وصعدت "نيروز" بركض، إلى أن هرول "غسان" ناحيتها هي و"حنان" على السلم. ما أثار ذهوله أنها تصعد وهي تمسك أسفل معدتها وملامحها تتشنج مع بكاءها وهي تنفي برأسها. قابلها بأحضان في الحال، وارتمت هي تبكي بصوت عالٍ، انخرطت بنوبة بكاء بعدم تصديق وقدمها لم تعد تتحمل السير أكثر عليها. "بس... بس، اهدي."

ربت عليها وأخفى جسدها يضمها إليه، مخفيًا ما تبقى منها بذراعيه وهو يربطهما معًا بحذر، ملاحظًا انسحاب "حنان" وبقاء قلة ينظرون إليه وهو يحتويها بعد إغلاق باب شقة "سمية". حرك رأسه بعشوائية، وعندما ضمت ظهره بيديها بشدة، أخفى وجعه ووجع عموده الفقري متحملًا، وهو ينظر فوجد بعض الأشخاص واقفين. تنحنح، يحركها برفق، متحاشيًا النظر لغيرها وسحبها معه. كان يود أخذها بعيدًا عند شقة والده أو شقتهم هم بالأعلى، ولكنها وقفت بإصرار تتركه

وهي تدق باب شقة "سمية". فوقف معها بإستسلام، يسندها بذراعه. فُتح لهما الباب بواسطة "سمية" التي كانت عينيها متورمة من كثرة البكاء. اندفعت "نيروز" بداخل أحضانها، ودخل "غسان" غالبًا الباب خلفه ولاحظ وجودهم بالصالة بسكون، عدا "وردة" التي رحلت الغرفة لصغيرها مع "بدر". انتظر "عز" "جميلة" كي تخرج، ووقف بالخارج معهم. خرجت "عايدة" من الغرفة وحاولت أن ترحب بوالدة "عز" وأن تسحبهم معها ناحية شقتها، ولكن كان السؤال الأكثر لها منهم

عن حال "فريدة":

"فريدة عاملة إيه دلوقتي؟ ترقبت الأنظار فوقفت بملامح متعبة تطمئنهم مع خروج "زينات" و"ياسمين": "فريدة نامت في حضن حازم مش حاسة بحاجة من بعد ما الكل دخل."

أخرجت أنفاسها تسحب يد "حنان" برفق، لبق وأسف وهي تتجه ناحية باب الشقة معها. وقفت "ياسمين" تسند "زينات" كي تجلس على المقعد بسكون، في حين اندفعت "نيروز" بخوف تفتح باب الغرفة عليهم دون حتى الدق وتوقفت بوجع على الأعتاب عندما وجدت "فريدة" بالمنتصف تغفو بين "حازم" ومن الناحية الأخرى ضمتها "جميلة" بذراعها ببكاء صامت كاسر. توجهت أكثر تستمع إلى بكاء الاثنين وأدمعت عينيها وهي تنحني على الأرض تحتضن جسد "جميلة" بذراعها تاركة باب

الغرفة مفتوح تشاركهم الوجع. مشهد موجع تسلل إلى عين "غسان" و"عز" الذي شعر بضيق صدره. فتقدم "غسان" ينظر ناحيتها حتى وجدها اعتدلت تجلس على طرف الفراش. وعلى الرغم من وجود "حازم" إلا أنه يتشبث بها بذراعه يرفض تركها وهو يذرف دموعه بصمت شديد. أدمعت عيني "غسان". في حين اقترب "عز" يغلق الباب بذراعه عليهم بعدما كان سيقترب "غسان" لغلقه من الأساس بسبب نومهما بهذه الطريقة. زفر بصوت وهو يسحب "عز" معه ناحية الخارج ووقف الاثنان أمام

الشقق. فهتف "غسان"

يحثه: "تعالى ادخل يا عز! "لا أنا هشوف أمي واختي هنا. ارتاح انت وخلى حد يدهن لك مرهم على ضهرك ده! أومأ له ورآه يتوجه ناحية شقة "عايدة"، في حين فتح هو باب شقة "والده" وعقله لا يغيب عن من لاذوا بالفرار لوقت معين. في حين كيف لم يدق هاتف أي منهم بالنجدة؟

لا يعلم هو ما حدث وما الذي تدبر من خلفهم. دخل بهدوء يغلق الباب خلفه حتى وجد شقيقته تجلس بين ذراعي "دلال" هذه المرة وهي تبكي مفزوعة، وكأنها تستوعب تدريجيًا ما حدث. اقترب يجلس بجانبهم ورفع يديه يمسح دموع وجه "وسام" المستندة برأسها على قمة صدر "والدتها". مسحها برفق، ومسد على خصلاتها بحنان، وقال بصوت هادئ يهدأها: "خلاص مفيش حاجة يا وسام. اهدي عشان اعصابك!

توقفت عن البكاء ووالدتها تمرر كفها على خصلاتها. فتصنع "غسان" الغيرة ليخفف عنهم هذا الثقل حتى حاول دفعها من أحضان والدتها وقال بضيق زائف: "وبعدين ابعدي كدة. هو كله ليكي لوحدك انتي بس ولا إيه؟

ابتسمت وهي تلبي غرضه وابتعدت قليلا، فتأوى وتشنجت ملامحه بتعب، وهو يستلقي بظهره على الأريكة الواسعة وسند رأسه على فخذ والدته بتعب، وكأنه يأخذ منها الأمان ليعطيه باللاحق لـ"نيروز" الذي تعمد تركها معهم كما تود لتهدأ نفسها بحضورهم ساكنين بهذه الطريقة. علم الكل ما فعله من محاولة بدأت من عقله مع عقل "آدم". زفرت "دلال" بصوت مسموع وغرزت يديها في خصلاته داعية له بتأثر: "ربنا يريح قلبك يبني ويجعلك دايما سبب في كل خير!

أغمض عينيه وفتحها على وجه والدته وشقيقته التي نهضت تقابل "حامد" الذي أتى من المطبخ فعل مشروب ساخن لها. أخذته منه وبعفوية، التقطت كفه تقبله بتأثر وهي تقول: "شكرًا يا بابا. ربنا يخليك ليا!

مرر "حامد" يديه على تقاسيم وجهها بحنو، ورفض أخذ الكوب منها بل سار برفقتها لغرفتها كي تستريح. وتعالت انفاس "غسان" بهدوء، وهو يتابع. حاول عدم التفكير بأي شيء وهو يمد يديه يخرج بمحفظته حتى فتحها أمام أنظار والدته واعتدل بتعب، يأخذ منها مقدمها ناحيتها يحثها بهدوء: "أنا عارف إني اتأخرت عليكم المرادي. بس خدي دول على ما بسام ييجي وهيعطيكي الباقي! رفضت تأخذ منه شيئًا ونظرت له تخبره بحزم بما أخبرها "حامد" به:

"مش هاخد منك حاجة. معتش ينفع يبني. انت بقيت فاتح بيت ومسؤول عنه والمصاريف بتزيد عليك. انت عارف معاش أبوك بيقضينا وبسام هيساعد زي العادي واهي ماشية الحمد لله! "مفرقتش كتير يا أم غسان، أنا مبعدتش للدرجادي! لا يوجد بينهم حساسية ولكن بالفترة الأخيرة ستصبح تستشعر ضغطه. رفضت متحاشية النظر إليه، فحاول مسك كفها يضعهم به وقاطع فعلته وقوف "والده" وهو يخبره بلين:

"خلي فلوسك معاك يا غسان. الحال مبقاش زي الأول يبني. اسمع الكلام الله يهديك. ربك ساترها معانا ولو زنقت بتفرج! رفض "غسان" ووقف يردد له بجدية: "جرا إيه يا بابا من امتى واحنا بينا الحساسية والحاجات دي؟ ما كلنا بنساعد بعض واحنا عارفين إن الحالة مبقتش قد كده!! "من النهاردة. انت مراتك حامل وقدامك علاج وكشف ومتابعة ربنا يعينك ويقدرك!! وقف "غسان" يلومه بنظراته، واقترب برأسه يقبل جبهة والده وأخفض عينيه وهو يعتدل ثم قال بوضوح:

"احنا كنا كدة ومع بعض وهنفضل كدة ومع بعض وعلى الحال ده! اعتدل يضع ما بيديه في جيب قميص "حامد" من الأمام وأمسك كفيه بمرح، قبل أن يرفعهم وقال يشاكسه بمراوغة: "خلاص بقى متعدهمش هنا. عدّهم جوه! ضحكت "دلال" عليه بصوت عالٍ وتراخت يدي "حامد"، بإنهازام مقررًا التدخل في كشفه على "نيروز" بعض المرات وهو مرات أخرى لطالما فعل ذلك. ابتسم بتأثر، وهو ينظر له بحنو، حتى رفع ذراعه على كتفيه يربت عليه وقال:

"مش عارف أصدقك. عارفك دماغك ناشفة. بس عارف برضه إنك راجل وتحل محلي في أي حاجة وأي وقت لو حصلي حاجة! أمسك "غسان" يديه بحب، وقبل كفه برفق، وقال بابتسامة هادئة: "ألف بعد الشر عليك يا حامد! زفر بصوت مريح فتأوى من ظهره بوجع مخفي، وفهم "حامد" على الفور لطالما كان يشهد ما فعله. ابتلع ريقه ونظر ناحية "دلال" وعقب يحثها: "قومي يا دلال هاتي مرهم العضم وادهنيله ضهره!

نهضت بلهفة تجلبه. فابتسم هو وهو يتحسس جيب بنطاله على هاتفه حتى يرى الساعة. ضاعت عليه صلاة العصر والمغرب على مشارف الدخول. أما "حامد" فكبت مشاعره، تارة يشعر بالعجز من ضيق الحال في بعض الأوقات وأوقات أخرى يرى بأن الله يفرجها. رغم أن أمواله تناسب، ولكن مؤخرًا بعد غلو كل شيء ومصروفات "وسام" بات كل شيء صعب عليه. توجه غرفة "وسام"، بهدوء كي يعطي لها مصروفات المراجعات النهائية. لاحظ "غسان" دخوله مجددًا لشقيقته وعلم ما سيفعله. حينها ابتلع ريقه متنهدًا براحة، رغم شعور الضيق الذي دب بداخله بسبب نظرة والده له والذي لم يراها به من قبل. الآخر يشعر بأنه عاطل على الرغم من أنه يساعد، ولكن كل ذلك ولا يكفي.

وضع محفظته في جيبه ودخل غرفته يخلع ملابسه الفوقية، حتى نظر في المرآة ومرّ بعينيه على جرح جانب معدته الذي فعله "حسن". زفر بصوتٍ مكتومًا من تخطي وكتم سلب حقه إلى الآن، وعقله تائه بين أشياء كثيرة أهمها "نيروز" الآن. قرر بأن ينتهي ويذهب إليها. التفت بوجهه ناحية الباب التي دخلت منها "دلال"، فابتسم برفقٍ لها. فدخلت هي تهتف بلهفةٍ وهي تقترب: "يلهوي دا مزروق يبني! قرب قرب فاته وجعك بالقوي يحبه عيني!

بالفعل يشعر بالألم الشديد، ابتسم على لهفتها هذه واقترب منها كي تساعده بوضع الدهان على ظهره. "خففي إيدك يا دلال! ضحكت على مرحه المشاكس لها كي يبعد عنها حالة توترها وخوفها، في حين ضربته على ظهره بخفةٍ بطيئة ثم قالت تشاكسه هي الأخرى: "اخص عليك يا واد، بقى أنا إيدي تقيلة؟ مش مستحمل إيدي؟ وأنا اللي شيلتك أنت وأخوك ومعاكم التالتة في بطن واحدة تسع شهور! لا يود الضغط على جرحها الآن. ضحك مخفيًا معالم وجهه المتعبة وقال بمرحٍ

آخر: "بهزر معاكي يستي. دا أنت إيدك دي أخف من الريشة. طب دا أنا مروحتش لـ نيروز تدهنهولي وجيتلك أنت عشان أنت البركة يا ست الكل! استمرت فيما تفعله ولاحت شبه ابتسامة حانية على وجهها، وسرعان ما رددت بها بما لا يتوافق مع هذه الابتسامة الهادئة: "بكاش ويتاع كلام زي أبوك يا حبيب أمك! انتهت واعتدلت في جلستها، فاعتدل هو الآخر وهو يضحك حتى بات وجهه بمقابلة وجهها. أمسك يديها وقبّل كفها بإمتنانٍ مع قوله: "تسلم إيدك يا أم غسان!

"بالشفاء يا حبيبي. خليك مكانك دقيقتين كدة، وقوم بيا نصلي العصر جماعة، أنا كمان مصلتش والمغرب قرب! *** "شريف"! ماذا أتى به إلى هنا؟ وكيف؟ وكيف لها بأن تذهب إليه مجددًا؟ لماذا يظلم المكان؟ ما هذا الظلام؟ على الرغم من أنني أرى وجه ذلك البغيض، وشبه ابتسامة ليست هينة تعلو ثغره. تحاول التحرك ولكنها مكتفة. يقترب منها مجددًا يريد النيل منها هذه المرة دون أن تتملص أسفل يديه. تحاول أن تصرخ ولكنها تشعر بـ أحدهم يكمم فمها!

أين هي؟ بات قريبًا منها بشدة ودفع المقعد التي تربط عليه بإحكام. يحاول فتح أزرار ملابسها بهجوم. ماذا الآن؟ كابوس مجددًا، ولم يأتها في الليل بل كان الآن وهي تتشنج أسفل يدي "حازم" ببكاء. تئن وتهتف وتهذي بكلماتٍ غير مفهومة. تود الحديث ولا تستطع. نظرت "جميلة" بخوفٍ وهي تحاول أن تحتويها ودموعها تهبط، في حين كانت هي بين ذراعي "حازم" يردد عليها بخوفٍ: "فريدة! فريدة!

فوقي مفيش حاجة من اللي أنتِ بتشوفيها دي. أنا جنبك. أنا حازم أهو! رددها بلهفة. وعندما شعر برهبة "جميلة" وهي على مشارف البكاء الصارخ، هتف يحثها بصوتٍ عالٍ حازم: "اطلعي برا! اطلعي برا يا جميلة!

وقفت "جميلة" بخوفٍ من هذه الحالة تتراجع بخطواتها بريبة. نظرت حولها بخوفٍ وفتحت الباب وكأنها تهرب هي الأخرى من كابوس آخر. ركضت تفتح باب الشقة حتى أغلقته خلفها ودقت جرس شقة "عايدة" بأيدي ترتجف. جسدها يرتعش بشدة وكأن الخوف التي كانت تداريه ظهر الآن. لحظات، ولحسن حظها فتح لها "عز" الباب هذه المرة. وما أن وجدته اندفعت بنوبة بكاء ترتمي بين ذراعيه. ورغم خوفه ولكنه كان ينتظر ذلك. أغلق الباب بذراعه والتفت الجميع حوله. أما هي فبكت حتى ضمها وهو يشير لهم بالتراجع. فهرولت "عايدة" تشير له ناحية غرفتها كي يدخل بها. أومأ وربت

بيديه على ظهرها يطمئنها: "إهدي يا جميلة. اهدي علشان خاطري! لم تستجب وجسدها لم يتحرك معه، بل وقفت تبكي بصمتٍ وصوتٍ تحت اقتراب "فرح" و"حنان"، و"عايدة" مرة أخرى. ولكنها مازالت على هذا الحال. انحنى "عز" بذراعيه يحملها ببطءٍ، إلى أن رفعها متوجهًا بها بسرعةٍ ناحية غرفتها التي سبقت "عايدة" تشير له بخوفٍ. أما "حنان" فوقفت تنظر بحزن وحسرة تحت تغير معالم وجه "فرح" بالخوف: "لا حول ولا قوة إلا بالله!

وضعها على الفراش وجلس يميل عليها يحتضن رأسها يضمه إليه إلى أن سكنت. خرجت "عايدة" تعد لها كوب ليمون لتهدأ، غالقة الباب خلفها. أما هي فسكنت تدريجيًا وهي تتمسك بظهره بتشبث. مسح بأصابعه الخشنة وجهها برفقٍ، مستغفرًا مرددًا بعد آيات الذكر. وبالفعل هدأت وسكنت واحتواها بين ذراعيه حتى باتت تسمع خفقات قلبه العالية من هذه الحسرة. "متخافيش أنا معاكي! حاولت أخذ أنفاسها فرفع ذقنها كي تقابل عينيه حتى وجد عينيها الحمراء تشرح الكثير

ورددت هي بتقطع في كلماتها: "أنا خوفت.. خوفت.. أوي يا عز.. تروح مني.. خوفت عليها.. أنا.. أنا مش عايزها تمشي وتسيبني زي بابا بسرعة كدة.. أنا مش عايزة أخسرها! ضمها بخوفٍ من نبرتها هذه وقال بلهفةٍ يخبرها: "متخافيش. متخافيش والله هي هتبقى كويسة وموجودة وسطنا خلاص وربنا ستر! لم تمنع نفسها في أن تسرد أكثر بخوفٍ، وكأنها تعي وهي تحرر نفسها من بين أحضانه ترفع رأسها له كي تكمل:

"لا.. لا مش كويسة دي.. دي كانت بتتشنج ووشها أزرق وجسمها كله مشدود. أنا خوفت عليها أوي. شكلها.. شكلها كان صعب أوي يا عز! ربما تشنجات شقيقتها هذه المرة أصعب! مرر يده على خصلاتها وقبل أن يطمئنها رددت هي تشرح له أكثر: "ملقتش حد جنبي. ملقتكش أدخل فحضنك ومشوفش كل ده. حتى نيروز قالتلي إنها هتمشي عند عمو حامد لـ غسان. أنا.. أنا.. احضني يا عز متسبنيش ونبي!

علم حالتها بمثل هذا الخوف وهذه الرهبة. لبى غرضها وضمها أكثر بين أحضانه الدافئة، يغمرها بالأمان هامسًا بجانب رأسها: "مش هسيبك والله متخافيش. هسيبك إزاي وأنا ضلك!

مرر يديه على ظهرها وهي التي خلعت عباءتها هناك وخرجت بمثل هذه الملابس التي أسفلها دون وعي، حتى حجابها سقط وخصلاتها الطويلة خلفها بغير اهتمام وإهمال. مرر يديه على ظهرها وخصلاتها المفرودة عليه. ولاحظ نعومة ثوبها فنظر بدهشةٍ لهذا الحال الذي لبسها. كبح مشاعره وعلم أنه رغما عنها رغم ضيقه بمن رآها بمثل هذه الملابس التي تكشف جسدها بكتفيها وساقها. جمع خصلاتها وربطهم دون أن يعقدهم بشيء وتناسى أمر خصلاتها التي سقطت للأمام.

وعندما شعر بتحسنها قليلًا، تركها ونهض يبحث بعينيه ناحية الخزانة حتى وجدها فتحها بجهلٍ والتقط بيجامة قطنية لا يعلم أتخصها أم تخص شقيقتها ولكنهما بنفس الجسد والوزن وحتى الملامح. أخذها ولم يخجل من التقاط ملابس أخرى للداخل أسفل بيجاماتها. واقترب منها برفقٍ يساندها حتى وقفت،

وقال يحثها: "لازم تقومي تغسلي وتفوقي كدة. ماشي؟ أكدت برأسها وابتلعت ريقها بحرجٍ. ما إن وجدته يعدل وضع الملابس بين يديه ورفع رأسه يسألها بإهتمامٍ: "أنا نسيت فين الحمام. هو فين؟ "بـ..بـرا على الشمال! أومأ وسندها معه ناحية الخارج حتى وجدهن يقتربن. واقتربت "عايدة" بخوفٍ مع الكوب الذي بين يديها تقدمه ناحية فمها مرددة بلهفة: "اشربي.." اشربي يا حبيبتي على مهلك، يهدي أعصابك ويروق دمك. تفحصها عز، وهي تتجرع برفق. اعتدل

يتحدث بنبرته الهادئة: "عايزين بس الحمام علشان تغسلي وتغيري وتفوقي كده." لاحت ابتسامة حانية على لينة وحنوه، والتقطت الملابس من بين يديه، ترددت بمساعدة: "عنك يا حبيبي، أنا هساعدها." وكأن عايدة رفعت الحرج عن جميلة دون أن تشعر، رغم أنه زوجها، ولكنها خجولة بدرجة كبيرة. أومأ بموافقة، وأخذت فرح الكوب منها وهي تمرر يديها على وجهها تطمئن مع حنان. وبعد ذلك أخذت الكوب ناحية المطبخ. وهناك وقفت تراعي ذلك الطعام الذي كان يُطهى.

توجهت عايدة بابنتها ناحية المرحاض، في حين أمسك عز يد حنان يسحبها لتستريح على المقعد. فربتت على كفه عندما شعرت بثقله وقالت بأعين لامعة وشفقة: "ربنا يريح قلبك وقلبها يا بني." ***

كم من أسرار تُخفى، ومن بين هذه الأسرار كان سِرُّه هو، التي أخفته زينات عليهم خوفًا من غسان. تذهب إليه بين وقت وآخر بمفردها، لذا لم يعلم أحدهم بأنه فاق ويعي ما يحدث. حتى أنه في كل مرة يجلس بمقابلة والدته لوقت ثم ترحل هي وتتركه مجددًا. اليوم سمح له بالخروج تحت مسئوليتها هي بأي وقت. تركته غير عابئة بأنه سيرحل من خلفها لأي مكان. لا يتجرأ على الذهاب نحو المبنى للعائلة، لا يضمن بماذا يمكن أن يفعل به غسان. هو الآن يشعر بمشاعر متخبطة وعقله يتشتت. كما أن أصبحت حالته محيرة، هل سيتوقف عقله وجسده عن طلب المخدر؟

الغيبوبة هي حالة سبات كامل من اللاوعي لا يستطيع المريض فيها التفكير أو الإحساس بالألم ولا يستجيب للمؤثرات الخارجية المختلفة. ونشاط دماغه متضائل جدًا. لا يمكنه، ولكن إذا أفاق من الغيبوبة قبل أن يتم تطهير جسده كاملًا من المادة المخدرة، عندما يستيقظ سيجد نفسه مازال مدمنًا.

وإذا حُقن بمادة مضادة للتعاطي أثناء الغيبوبة لمدة كافية لخروج هذه المادة من جسده، فسوف يتعافى. وهذا ما حدث بوقت ما كان يرقد. هذا السر المخفي أخفته، ولكن لم يكن منذ كدة طويلة. ولأن يعتبر خروجه خطرًا، أجبرها على أن تضمن خروجه بعد الآن بأي لحظة.

وكأن الحياة تقف معه ولا تقف. وكأن مرة أخرى القدر يسلب من ناحية ويعوض من ناحية أخرى. ناحيته هو. ولكن الأمر بات بيد شخص طباعه لا يعلم لها شخص تحديد أو مصير. يعي تدريجيًا كل ما حدث وما يحدث. وسيبدأ في الاتجاه نحو وجهة كان لا يتوقع أبدًا أنه سيتوجه إليها من الأساس، ولكنه سيبدأ بها.

جابت عينيه الضعيفة بالإنهاك والإعياء اللائحة المضاءة قبل أن يخطو منها ناحية الخارج بملابسه هذه التي ابتاعتها زينات تحسبًا لكل لحظات إفاقته وتبديله طوال فترة رُقاده. ولكن يلازمه إلى الآن الوشاح الرجالي المربع بمكعبات سوداء وبيضاء مختلطة. بينما هذه المرة!

لم يضعه على وجهه، بل كان على كتفيه بإهمال، خاصةً أن جسده بات أنحف من ذي قبل ولأن وظائف جسده متخبطة. أسفل ذلك الوشاح الرجالي كان يرتدي سترة ضخمة قليلًا بلونها الأزرق الداكن تعطيه كتفين أعلى من كتفيه. Exit gate • بوابة الخروج ***

اعتدل غسان يمسح وجهه بعدما انتهى من آخر ما كان به. قرر النهوض كي يراها الآن، خاصةً أن لها دواء من المفترض بأن تأخذه. ومن ناحية أخرى، يكفي عليها كل ذلك من أجل صحتها النفسية. خرج من غرفته وقاطعته دلال وهي تحمل آخر طبق تتوج به ناحية السفرة. التفت بوجهه ينظر، فوجد حامد بجانب وسام الذي يقنعها والدها بتناول أي شيء لأجل خاطره هو. "اقعد كُل لك لقمة يا بني." نفى بإبتسامة هادئة واعتدل يحك أنفه موزّعًا بينهم الأنظار

مع قوله الموضح لهم: "نيروز أهم، هروح أشوفها بس الأول." التقط حامد القلق في نظرته، فحدّج زوجته بالصمت وأومأ محركًا رأسه بموافقة وقال يسمح له: "ماشي، شوفها. ولو عايزة ترجع تقعد هاتها وتعالى. ولو تعبانة خدها واطلعوا خليها ترتاح." لم يجبه سوى بإيماءة بسيطة وفتح الباب يرتدي حذاءه كي يتوجه ناحية الباب الآخر، مغلقًا الباب خلفه تاركًا دلال تلتزم الصمت. فابتسم حامد عليها متفهمًا حتى قال:

"يا ولية بطلي اللي انتي فيه ده. دا حتى مراته تعبانة. الله يهديكي يا أم غسان! نظرت له بدهشة وقالت تعارض بحنق: "وأنا كنت عملت إيه يا حامد يعني؟ دا أنا بناديه ياكل حرام؟! "خفّي غيرة واعقلي شوية. عارف إنك بتحبي نيروز، بس بلاش الشيطان يلعب في دماغك عشان اهتمام ابنك بيها. الواد من حقه يخاف ويتشغل ليها. البنت حملها صعب وصحتها على قدها. كفاية اللي حصل النهاردة، ينشف الدم!

هربت بعينيها. كانت تحاول أن تجعله يصب تركيزه واهتمامه مثل البداية بالفعل، ولكنها لم تقصد قوله هذا. وقبل أن تبرر، مسح هو وجهها بنظراته بنظرة حنونة متفهمة وردد قبل أن تردد: "يلا، بسم الله." بدأت بحرج ممزوج بالضجر، في حين هنا وكبحت وسام ضحكتها أخيرًا بعد هذا الحال الذي كان يتملكها. مال حامد يهمس بقلة حيلة جوار أذن وسام: "والله الواحد مبقاش عارف أمك دي حالها إيه بالظبط."

تغاضت عن همسهم وهي توزع الطعام عليهم برفق، متحاشية النظر تجاهه. فابتسمت وسام تخفف عنها مشاعرها هذه التي تشعر بها هي الأخرى في الخفاء. رغم فرحتهم بمولود قادم ورغم حبهم لـ نيروز، إلا أن غسان لديهم شخص آخر. "تسلم إيدك يا مرات أبويا." انفلتت ضحكات دلال على هذا اللقب المعهود منها. وضحك حامد يراضيها كي لا تحزن: "بس يابنتي، متقوليلهاش كده. قولي يا حُب عمر أبويا." ***

فُتح له الباب بواسطة ياسمين، التي ابتسمت له تشير بالدخول. فدخل بهدوء يبحث بعينيه. مسح بنظرة على المكان وثبتها على غرفتها المغلقة والذي يخرج منها أنين بكاء ميز على الفور بأنه ليس لها بل لـ فريدة. كانت زينات في غرفة ياسمين. وتزامنًا مع خروج سمية من المطبخ، سأل غسان عنها باستفهام: "أومال فين نيروز؟ كانت لا تعلم ياسمين، في حين قوّست سمية حاجبيها بغرابة تخبره: "خرجت من شوية من الأوضة وقالت إنها جايا لك عند دلال."

كانت ملامحه جادة إلى أن استمع. ابتلع ريقه بتشتت لما كذبت؟ شعر بالقلق المفاجئ يداهمه، في حين قبل أن يغوص بأفكاره، توقع وجودها في الأعلى أو في الأسفل حيث محل الورد. انتشلته من خوفه بوادر سؤال ياسمين الذي غمره القلق: "هي مش هناك ولا إيه؟ نظر غسان بعشوائية ووجد نفسه محاصرًا. لا يود أن يقلقهم، في حين هو الذي يجد نفسه بوجه المدفع. هو أصبح المسؤول وهي أغلب الوقت برفقته. ولكنه تركها هنا!

كاد أن يلحق ذاته بأي تبرير إلى أن أنقذته صوت هاتفه في جيب بنطاله. انتشله سريعًا ووجده شادي، فحرك رأسه متصنعًا العجالة وهو يلتفت ليخرج مرددًا: "طب أنا شوية وراجع."

فتح الباب وأغلقه خلفه قبل أن يقاطعه سيره أحد منهما. تبدلت ملامحه للشرود وهو يدخل المصعد بسرعة، ناظرًا نحو شاشة هاتفه حتى أغلقه دون أن يرد. فُتح المصعد بعد لحظات وأخرج المفتاح من جيب بنطاله يفتح شقته حتى دخلها مهرولًا يبحث عنها بكل الأماكن حتى بالمرحاض هاتفًا بصوت عالٍ: "نيــروز!

لم يجدها ولم يجد أي رد. ومهلًا، هذا المشهد تكرر على ذاكرته من قبل. ابتلع ريقه بصعوبة وأغمض عينيه بصبر وقلق، تاركًا المرحاض الآخر حيث آخر مكان بحث عنها به. توجه سريعًا نحو باب الشقة الذي تركه مفتوحًا وصفعه خلفه بقوة مسرعًا كما جاء، ولكن هذه المرة للأسفل آخره! بين لحظة وأخرى يبتلع ريقه بصعوبة. وهي من فعلت ذلك عمدًا. لما؟ رغم أنه يتأكد من عدم وجودها في محل الورد، ولكنه يقنع نفسه مراراً وتكراراً على أنها بالأسفل.

ولم تعصِ كلماته وقراره الحاسم الذي جاء من الخوف عليها. لا يعلم هو بأنها ضربت بكل ذلك عرض الحائط ورحلت لنفس المكان الذي رفض رحيلها إليه. وفي القادم سيعلم أنها لم تفعل ذلك فقط، بل ستفعل وستسبب بأكثر من ذلك. وهو الواقف بضياع وخوف لأجلها، ماذا فعلت هي؟ ضغط على فكه وجز على صف أسنانه السفلي حتى أغمض جفنيه بقوة، معتصراً قبضته الذي ضمها.

والآن علم أين سيجدها، رغم تأخر الوقت وضوء النهار على مشارف الاختفاء، كي يؤذن أذان المغرب. وبهذا الوقت لم تستمع لأحد ورحلت من خلفه وخلف الجميع، تاركة الكل خلفها بجهل. وتركته هو بين التشتت والخوف والقلق! هنا حيث الألم والوجع، عندما ضاقت بها الأركان رحلت إليه، أو لربما أقنعت نفسها بذلك. كانت تود هذا من البداية. لم تخف من عدم وجود أشخاص بهذا الوقت في المقابر، بل وقفت تبكي وتشهق بخفوت، تنظر نحو القبر.

وعلى لسانها منذ أن جاءت، لا تعلم ماذا تردد. هي له، بات عمها رفيقاً له بالقبر. هكذا سألت وابتسامة سخرية من عقلها اعتلت وجهها وزينت شفتيها بألم. ورغم ألم جسدها ومعدتها، وتركها لدواءها، وحتى تركها له، وهي تعلم أن الأمر لن يتخطاه. ولكنها تغفل عن القادم. فلم يتخطاه لسبب آخر قوي عجزت هي عنه! نزلت دموعها وأخبرته بينها وبين نفسها أنها تحمل في رحمها طفل، كانت تود مشاركته. ولكنها الآن يغمرها الإنهاك، لذا

رددت بوجع كما تردد كل مرة: "أنا تعبانة أوي ي بابا من غيرك، ياريتك ما كنت مشيت من الدنيا دي. أنا مبقتش عارفة أفرح ولا أتأقلم. كل حاجة بتنزل عليا بصعوبة أوي ومش بتكمل. ليه ي بابا؟ أنا مستاهلش كل ده! تجمعت الدموع مرة أخرى، وهي تقف تنظر بشرود، وأكملت بنفس الإنهاك: "انت وحشتني أوي، والحياة صعبة من غيرك." تفقده وتفتقده بكل معاني الكلمة. وضعت يديها على وجهها تجهش في البكاء بصوت هذه المرة، وعقلها يسترجع كل الذكريات.

ولن تغفل عن حسرتها اليوم بالأحداث الصعبة التي تلقتها مثل الصفعات واحدة تلو الأخرى، ولم تأخذ فرصتها بأخذ أنفاسها براحة حتى. شعرت بالضيق والإختناق، ولأول مرة تريد الهروب وعدم العودة. إن عادت فقط ستعود لأحضانه. تتخبط وتتحسر وتتقهر، كل ذلك ضغط عليها بدون سبب محدد واحد. الأسباب كثيرة، وهي في المنتصف ضعيفة لا تتحمل، لكن توجب عليها التحمل! كان كتفاها يهتزان من البكاء وعيناها تسيل بالدموع.

وانتفضت على الفور عندما شعرت بيد أحدهم توضع على كتفيها لتحاوطها! من هو؟ مثل كل مرة. أبعدت يديها عن وجهها والتفتت خلفها، حتى جحظت عيناها بهلع، وهي تحاول الرجوع إلى الخلف تنظر بغير تصديق. كيف؟ تعلثمت مع شحوب وجهها واستناد ظهرها بحجر القبر، وشفتيها تحاول إخراج الكلمات، حتى خرجت بتقطع أخيراً له: "ا.. إنت.. إزا.." لم تتمكن من قول المزيد، بل صمتت بخوف تطالعه. أما هو، فكانت هذه الوجهة الأولى الذي يود الرحيل إليها.

قبر والده هو الآخر! نظر "حسن" إليها بتمعن، يملي عينيه منها بغرابة وشوق لها. وهي تستنكر بهلع، كيف له بأن يكون متماسكاً ويفوق؟ وكيف يأتي هنا؟ تنفس بصوت ينفي برأسه، وخرجت نبرته الهادئة ينفي أفكارها التي صعدت لرأسها هروباً من رهبة الموقف: "آه أنا ي نيروز، ولا ده مش حلم. أنا فقت من فترة، ولما خرجت لقيت نفسي جاي على هنا. بس مش زيك جاي أعايط عشان يرجعلي. أنا جيت أعاتب وأقوله إني لسه كارهه! يسرد عليها بمنتهى الهدوء.

نزلت دموعها من تأكدها من وجودها، ووضعت يديها على بطنها بألم تحاول إخفاءه. ابتلعت ريقها تردد بنبرتها الباكية: "لو سمحت.. ابعد عني.. عديني! حاولت "نيروز" دفعه عنها بهدوء، ولكنه وقف حائل يقطع أي طريق لها بالهروب والتحرك. هي الآن محاصرة. لم تخفها نظرة عينيه هذه المرة، بل رفض بجسده أن ترحل، وأكمل بتراهات يقتنع بها وحده: "بس لسه ما كرهتكيش. ولو في حاجة حلوة حصلت، فهي إني جيت وشوفتك!

هابت كلماته التي دوماً ما كانت تستمع إليها تحت غير وعي منه. نفت برأسها بشحوب، وتصلب جسدها عندما رفع يديه يمسح دموعها برفق من على وجهها، ومرر يديه على وجهها الناعم المبلل بالدموع. تمرير بالأسف والمشاعر المكبوتة بداخله، والتي لم يستطع هو تحويلها لأي شيء، بل ظلت في حين أن كرهه أصبح صريحاً للجميع عداها هي. ارتجف جسدها أسفل يديه بخوف. وأكمل هو لومه الموجع: "ليه؟ عن ماذا يسألها هذا المختل؟

سألت نفسها، وحاولت جاهدة أن تتحرك، وباتت محاولتها فاشلة عندما حاصرها مجدداً رافضاً التحرك، وكفه على وجهها يكمل: "ليه مختارتنيش يا نيروز؟ أنا كنت مستعد أعملك أي حاجة، أي حاجة بس تكوني ليا وقابلاني. أنا كرهت حياتي وكرهت كل حاجة عشان بس نظرة الكره والرفض اللي في عينك ليا. خليتي غيري ياخدك وياخد اللي كان المفروض يبقى ليا وحقي أنا. أنا لسه بحبك ومش عارف أكرهك!

طرف ثالث يلاحظ بوجه مصدوم وجسد سارت به البرودة، وتوقف عن الاقتراب، مشعراً بطعنة رجولته! أما هي، فأغمضت عينيها بألم طغى عليه الخوف، ورددت بريبة تبرر له وكأن الموضوع جاد: "انت.. انت اللي خليتني أعمل كده. فيا وفيك وفيهم كلهم. أنا.. أنا معرفتش أحبك بسببك وبسببك وبسبب اللي كنت عايشة فيه عشانكم ومنكم! وكأن فرصتها في إخراج الحديث جاءت، ولكن في الوقت الخطأ والوضع الأكثر خطورة. تبرر؟ وهي امرأة متزوجة؟ تحمل في رحمها طفله هو!

لم تضع احتمال لذلك. لن تفعل تقدير له. تزيل اسمه التي هي أصبحت عليه. تقلل من قيمته بهذا الحال والوضع. كرامته هبطت في الأسفل، وابتلع غصة مريرة بحلقه بغير تصديق موجع لفؤاده. ساقيه الشديدة لا تتحمل الوقوف. يرى من كان يريد أخذ الحق منه، ولم تسعفه قدمه الآن على السير والركض للنيل منه. ماذا حدث لحدة الشباب؟ الآن بحالة ذهول هادئ ساكن، وثمة شيء كسر بداخله. هذه امرأته؟ تقف أمام غريب يعد عدواً لرجلها.

تكسر أي حدود وكلمات ليس من حقها الآن قولها. بل وتخترق قوانين الكرامة لها وله ولهم معاً! وكأنه يعي أن كل ذلك منها. على مقربة منهم، ولم يأخذ أي منهما انتباه له. واصلت ببكاء مرير، وعقلها يغفل عن كف "حسن" الذي يمسح وجهها بغير وعي ورفق بها: "انتوا اللي خليتوا الخوف يفضل ملازمني وميفارقش. انت اللي خليتني أخاف منك ومحبكش. مكنتش عايزاك، محبتكش وفضلت ورايا ساعة تروح وساعة مش هنا، بس رعبي منك موجود حتى لو انت مش هنا!

"أنا منعت عنك كتير انتي مش عارفاه. الحاجة الوحيدة اللي كنت عايزها كانت انتي، حتى لو كنتي هتبقي ليا بطريقة انتي هتكرهيها. غير دا أنا كنت ساندك في الدُرى في وجودي. شوفي كده في وجودي قبل غسان ما يرجع هو وعيلته، كان بيطولك أذى وأنا موجود؟ مكانش.. عشان أنا كنت حاميكي من أمي واختي، بس مكنتش ليا كلام على أبويا اللي أذاه طالك وطالنا كلنا. أنا كرهته عشانك ي نيروز. كرهته عشان كان قادر ياخدك ليا بالقوة ومعملش كده!

يبرر لها ليعطيها فرصة لتقبله من جديد، وهي هي التي يخلل قلبها حب رجل يتابع بعينين مضمومتين بكسرة. كسرة رجل صعبة لا يستطيع تحملها في الحال. حتى الدماء التي تغلي بعروقه كسرته الآن، غلبتها بشدة. شيء يمنعه من التدخل والاقتراب بهمجية، ولكنه لا يستطيع! ارتجف جسدها أسفل كفه، وسرعان ما أهبط يديه يمسك مصمها يحاول الاقتراب للنيل من شفتيها تحت تأثر.

فجحظت عيناها برهبة، ودفعت وجهه بسرعة، ولكنه تمالك الوضع ولم يترك لها الفرصة، بل قال بلهفة وكأنه مختل في الحال: "بس تعالي.. تعالي معايا وأنا أوعدك هعوضك عن كل اللي شوفتيه بسببي و بسببهم. اختارييني بس عشان خاطري اختاريني مرة واحدة وأنا أوعدك إني هتغير عشانك انتي بس وعـ... وضعت "نيروز" يديها الأخرى على أذنها بانهيار، تنفي وتئن بغير تصديق.

وفجأة صرخت بقوة، ورفعت ذراعيها تدفعه عنها بعزم ما لديها، ولكنه تماسك ولم يندفع، فرفعت عينيها تتحلى بالجرأة وهي تصرخ معنفة إياه: "بس.." "بس اخرس وابعد ابعد عني! وقف بعناد والترجي على ملامحه، فنفت تستسلم لعدم الصراخ وحاولت أن تجاري أفكاره المجنونة وهي تحثه بنبرة أهدأ كي يبتعد حتى لا يجرب خطر القادم، لطالما تعلم تهوره: "ابعد يا حسـ...

توقفت شفتيها عن الحديث، بل تحركت برهبة من وجود "غسان" فجأة بعدما اقترب يقف خلف جسد "حسن" الذي كان في عالم آخر. سارت القشعريرة بجسدها وتراخت يديها بوجه شاحب أكثر وهي ترى سكونه الغريب، تاركة إياه يمسك معصمها بقوة عندما حاولت هي منعه ولم يستجب: "غـ ـسـان!

حاولت الحديث وعيناه الساكنة لا تفارق عينيها الخائفة. فتح "حسن" عينيه على وسعها بصدمة من ترديدها لاسمه وشعر بأن أحدهم خلفه، حتى أنه يسمع للتو صوت أنفاس رجل عالية تعلو تارة عن تارة!

تراخت قبضته عنها. واهتز جسده بجبن. وتنفس بصوت مكتوم مقرراً. أخذ وضعية الركض بسرعة قبل أن يعي الآخر. التفت بجسده يبتعد قبل أن يركض كي يفسح مجالاً بنفسه ليستطيع فعل ذلك، وتزامناً مع التفاتته بجسده ورأسه باغته "غسان" بلكمة قوية في وجهه جعلته يرجع خطوات إلى الخلف مترنحاً حتى تعرقلت قدميه بحجر صغير أمام القبر جعله على مشارف الوقوع لولا اقتراب "نيروز" خوفاً من تهور "غسان" وفردت ذراعيها أمامه تردد له بصراخ

كي يبتعد حتى لا يتهور: "خلاص ..خلاص يا غسان ونبي ابعد ..ابعد عشان خاطري ارجـ... بتر جملتها الخائفة المتلهفة صراخ شديد وهما الثلاثة الآن بمفردهم في هذا المكان الذي أظلم بعد أذان المغرب. فقط هناك إضاءة خافتة تريهم الوجوه والأجساد! "إبــــعــــدي! نفت "نيروز" برأسها، وبهذه اللحظة هذا التدخل لم يكن لصالحها أبداً. هل تحاول الدفاع عنه؟

تشنجت ملامحه بقوة وهدر بانفعال شديد أكثر من ذي قبل. انفعال لم تراه حتى من بين كل انفعال كان يخرج منه في السابق. "بـــــقولك إبــــــعدي!

انتفض جسدها تزامناً مع محاولة "حسن" النهوض. لم تستجب لقول "غسان" الصارخ فمد ذراعه يدفعها حتى اصطدمت بظهرها في القبر من خلفها، تأوهت بوجع. بينما وجعها الداخلي كان أقوى. نزلت دموعها وهي تضع يديها على رأسها بخوف منهار عندما وجدت الاثنين يمسكان ببعضهما يحاول كل منهم الإيقاع بالآخر. لم يكن لديها خيار آخر سوى الصراخ. الصراخ وفقط بأعلى صوت!

وهو هو يلكمه بوجهه غير عابئ بأي شيء. الآن يطفئ نيران اندلعت بداخله يشفي غليله من كل شيء قد فعله. وبهذه الحالة كان ما فعله كله شيء ومقابلته لها وقوله لكلمات شاركت هي بها مستسلمة سامحة لشيء لا يصح كان شيء آخر بالنسبة له!

ضربه ولم يمنع "حسن" نفسه من ضربه بوجهه هو الآخر ولأن جسده ضعيف كان لن يستمر واقفاً متحملاً محاولته في الإيقاع به كل هذه الفترة. بل وقع متأوهاً على ظهره وجثى "غسان" فوقه يلكمه وكل الألفاظ البذيئة خرجت من فمه بهذا الوضع. سبه نابية هنا. ثم لكمة ثم صفعة والآخر يحاول أيضاً. فعل ما يفعله "غسان" وكل منهما ينجح والآخر يفشل مرة وعلى العكس كان وضعهما مع صراخ "نيروز". شعرت بأحدهم بجلباب يركض من على بعد. وبهذه اللحظة مد "حسن" يديه التي سقطت عليها دماء أنف "غسان" ووجهه عليه. التقط الحجر الطوبي الصلب محاولاً وزنه بين كفه وهي في الخلفية لا ترى تصرخ وتنظر نحو القادم بركض رجل مسن من على بعد تردد له بالنجدة والسرعة.

دفع "حسن" الحجر بكفه لآخر ما يتمكن حتى ضرب به بقوة مؤخرة رأس "غسان" الذي توقف في الحال صارخاً بألم اخترق قلب "نيروز" وهو يمسك رأسه الذي اعتلى بها صوت صافرة عليه بها وبأذنيه والرؤية تتشوش في الحال مع رؤيته لوجود الدماء بيديه بعد أن تحسس بها رأسه!

أما "حسن" فدفعه عنه بيديه وساقه وعندما جابت عينيه تقدم "نيروز" منه وقدوم الرجل المسؤول عن هذا المكان. استند بأنفاس لاهثة. حتى وقف يشملهم بنظرة سريعة راهبة وركض عكس الاتجاه هارباً بسرعة قبل أن يتورط! "غسان!!! غسان ونبي بصلي بصلي عشان خاطري لا متعملش كدة بالله عليك لا!

كان بين ذراعيها لا يقوى على الرؤية بين ذراعيها وهي تبكي بوهن بعد كل هذا الشجار العنيف. حاول تماسك ذاته ودفعها الرجل برفق يرى جرح رأسه من الخلف بالفعل وجد وجود الدماء تسيل بجرح لم يكن عميق ولكن ليس كبير ليفزع هذه الفتاة! أما عنه فدفع الرجل عنه بذراعه محاولاً الاستناد على نفسه لينهض. استند على القبر بأعين تتشوش بها الرؤية. حاول الآخر الاقتراب منه ولكنه أشار له بصراخ مع أنفاسه العالية: "ارجــع عني!

دفعه بغير وعي بذراعه ولبسته حالة انهيار بالأعصاب المنفعلة هابها الرجل بشدة وحاول الاقتراب من جلوس "نيروز" بضعف ليسندها تحت محاولة "غسان" إخراج هاتفه وقبل أن يخرجه من جيبه سمع تأوهها العالي بألم فاندفع يركع بسرعة وكأنه يعي ما يحدث. أخذها بين ذراعيه عندما شعر بأن قوتها تستنزف. في حين أخرج هاتفه بذراعه الآخر بصوت أنفاسه العالية يحاول طلب "بسام" في الحال!

_وقف يستمع إلى حديث "والده ووالدته" عن كل ما حدث بملامح مصدومة. ووجد "وسام" تجلس مبتلعة ريقها. كل ذلك حدث كيف؟ "طب حازم وفريدة عاملين ايه دلوقتي؟ طمأنه "حامد" بهدوء يرد: "من ساعتها محدش ظهر بس خير الحمد لله! أومأ "بسام" بصمت وعقله يتشتت الآن بضياع من حدوث كل ذلك. تقدم ناحية جلوس "وسام" حتى احتواها بين ذراعيه فأشار "حامد" لـ "دلال" يحثها بلين قائلاً: "حطيله الغدا يا دلال فـاتـه تعبان من الشغل وجعان ومكلش!

تلهفت تهرول بسرعة عندما جعلها تنتبه لذلك. بينما هو مرر يديه على ظهر شقيقته مردداً بتساؤل عندما رأى ملامح وجهها: "انتِ كويسة؟ أكدت برأسها وقبل أن ترد وجد "حامد" الباب يدق دقات هادئة خافتة فتقدم يشير لـ "بسام" بالجلوس كما هو. فتح الباب وابتسم باتساع يرحب بها: "أهلاً أهلاً يا فرح. ادخلي تعالي اتفضلي! دخلت بحرج وسألت عنها بلهفة طيبة:

"أنا آسفة إني جيت في وقت زي ده ومجتش علطول بس كنت عايزة أطمن على وسام. أنا اتلهيت خالص فـ جميلة واللي هناك!! أشار لها بالتقدم أكثر مراعياً قولها: "ولا يهمك يا بنتي تعالي اقعدي. ادخلي!

وعندما سمع هو اسمها انتفض بخفوت من خلف وقوف "والده". شعرت "وسام" به وضحكت بخفة من بين حالتها تبتسم عليه ما إن علمت ما احتل الآن من مشاعر. اعتدل "بسام" في جلسته بسرعة. ولامس قلبه هرولة "وسام" لتعانقها بخوف تأخذها بين ذراعيها بقلق. حررتها من أحضانها وسألتها قائلة بقلق ظهر عليها: "انتِ كويسة؟

ابتسمت "وسام" بتأثر منها وأومأت بملامح ابتهجت من هذا الاهتمام والخوف وأشارت لها بالجلوس. في حين انسحب "حامد" ليخبر "دلال". ترقبت "فرح" جلوسه. فقالت بقليل من الحرج: "مساء الخير يا بسام. معلش مخدتش بالي! رسم ابتسامة بلهاء على شفتيه يردد لها بلهفة مبرراً لها اعتذارها: "ولا يهمك انتِ تعملي اللي انتي عايزاه يا فرح!

ارتبكت ملامحها وتنحنحت "وسام" بحنجرتها كي يأخذ انتباهه. ونهضت تنسحب تترك له فرصته تدعي نسيان شيء. وكأنه فهم ليمتن لها بهذه اللحظة وشعرت بأنفاسه التي تسمعها للدلالة على تمهيده لقول شيء وبالفعل حركت رأسها تنصت باهتمام عندما قال هو بمرح طفيف: "مكنتش أعرف إني هشوفك تاني بالسرعة دي! ابتسمت هي باتساع تجاريه برضاها: "شوفت النصيب بقى! "ياريت النصيب دا يكمل جميله!

قالها قاصداً تلميحاته بسكون. اهتزت ملامحها وأنقذتها "دلال" التي خرجت أولاً بكوب عصير تردد لها بحرارة: "يادي النور. يادي النور! وقفت احتراماً لها فرحبت "دلال". بكفها وأعطتها بالكف الآخر بإصرار، فأخذته وهي تجلس برفقتها تشكرها على قدومها بلباقة للاطمئنان على ابنتها. سرقت تركيزه ونهرته عيني "حامد" الذي وقف يردد له بإستفزاز: "قوم ياض وسيب الحريم تقعد مع بعضها! اهتزت ملامح "بسام"، فاقتربت "وسام" تردد لـ "حامد":

"بابا ممكن تيجي أقولك حاجة على جنب! عقد ما بين حاجبيه وهو يتوجه معها، وإلتفتت برأسها تردد بعلو لـ "دلال" التي تثرثر: "ماما الأكل إللي عالنار مش بيتسخن أكيد.. دا بيتحرق! ضربت "دلال" على مقدمة صدرها مرددة بعفوية وهي تنهض مهرولة: "ي مصيبتي نسيتيه يا دلال، دا خيبة عليا وعلى سنيني!! تعالت ضحكات "بسام" والتقط غمزة "وسام" قبل أن تسحب ذراع والدها، لم يبادلها الغمزة كي لا تنتبه، ولكن هيهات من "فرح" التي انتبهت وسألته بعفوية:

"هي بتغمزلك ليه؟ رددتها بضحك، وتاه في ضحكتها الخافتة، فخجلت من عينيه التي تشملها، ولكنه تعمد الصراحة هذه المرة وقصد رده: "لأنها وزعتهم عشان تخليني أقعد معاكي! زحفت الحمرة إلى وجنتيها وابتلعت ريقها، والشكوك تزداد بداخلها ناحيته. وعلى فجأة داهمها بأجرأ سؤال لم تكن لتتوقعه منه: "فرح هو انتِ في حد حياتك؟ معجبة أو بتحبي؟

برقت عدستيها الداكنة ولاحظ فعلتها، ولكنه بقى ثابتاً، وقبل أن تنقذ رد فعلها المُخجل وترد بالصراحة البالغة عليه، اعتلى صوت دقات هاتفه بجيي بنطاله، سَبَباً لبقاً منه هذه المرة وهو يضغط على أسنانه مبتسماً لها ببشاشة، ملتقطاً هاتفه كي يرى من ذلك الذي قطع عليه اللحظة المهمة الفاصلة، وجده شقيقه فردد بصوت خافت من أسفل فكه: "طول عمرك مستفز بتيجي فالأوقات الغير مناسبة بالمرة ياشيخ، الله يسامحك ويسامح أهلك!!!

لاحظت "فرح" حديثه المنخفض، وقبل أن تردد بشيء، وجدته ينهض وصوته الذي كان بينه وبين نفسه سمعته هذه المرة: "طب أقول لوسام توزعك إزاي دلوقتي يا مستفز انت!! ابتلعت ريقها بحرج، وسألته قائلة بلباقة: "هو في مشكلة؟ "لا لا مفيش هرد بس بسرعة معلش وهرجع! ابتعد يسير وهو يفتح الخط، حتى وجد نفسه بجانب باب الشقة وبين غرفة الضيوف. ردد بصبر على شقيقه: "إيه ياعس الزفت انت مش.." توقف يستمع إلى حديث شقيقه اللاهث، وانتفض بعد

لحظات يهدأ بقوله الجاد: "أهدي بس وقولي كده انت فين ومالك بتنهج كده ليه، في إيه يا غسان؟! لم يستمع إلا للمكان، وحثه على الهرولة إليه بسرعة يخبره بأنه معه السيارة هناك، فقط يريده، وبعد ذلك أطلق لفظ عليه عندما وجده يسأل، فردد بقوله المنفعل بعد هذا اللهاث: "مش وقته تعالى بسرعة زي ما قولتلك إخلص إيه، انت لسه فاتح ام الخط؟!

نجح في توتره بشدة، ولكنه أسرع يرتدي أي حذاء سريع وفتح الباب تحت أنظار "فرح" فقط، وهو يسرع على السلم بالهبوط دون أن يتحمل انتظار المصعد. ابتلع ريقه بخوف من صوت أنفاس "غسان" العالية وصوت أنين وبكاء "نيروز" وشهقاتها!!!

-كتم الرجل جرح رأس "غسان" من الخلف ببعض من القهوة وقماشة، وضعها بضغط كي يتوقف عن نزف الدماء، كما تحرك "غسان" ساندًا "نيروز" التي تئن بضعف تشهق رغماً عنها. وقف الرجل يعطيه زجاجة المياه كي يشرب منها بتمهل، ولكنه قدمها ناحية "نيروز" بصمت وقلق أولاً، يضعها على فمها، استجابت، فوضع بين كفه يمسح على وجهها، حاولت التحدث للمرة الثانية، ولكنه أخرسها بنظرة حادة جعلتها ساكنة ترتعب لم تراها منه من قبل. لاحظ الرجل النظرات بينهم وبين بعضهم،

فتدخل يخبرهم بتفسير: "أنا مش عارف سهيت إزاي ده كله في الحمام وسيبت اللي يدخل فالوقت ده، وهو ممنوع عشان الأعمال والقرف اللي الناس بتيجي تدسها فالليل ربنا يهديهم. فين وفين عما سمعت صوت الصريخ منك يبنتي، أعذريني، أنا.. أنا شوفتك وبشوفك كتير وعارفك، ونصيحة مني بلاش تيجي بعد كدة فالوقت ده." طالع "غسان" بتمعن وتفحص بنظراته، حتى فهم أنه يهاب قولهم لإدارة البلدة!

نظر له بإطمئنان ووضع يديه على كتفه، ففهم الرجل نظراته، وابتلع ريقه. أما هي فلم تحاول التبرير، فقط تبتلع ريقها وحلقها الذي جف.

لا تختلف عن حالة "غسان" الذي يخفي بداخله الكثير من الألم والوجع، يقسم بأن أجمعه منها هي وحدها. أخرج مفتاح سيارته من جيب بنطاله متحاشياً النظر إليها وهي جالسة الآن على المقعد الخاص بالرجل المسؤول عن المقابر. استشعر تأخير شقيقه، فزفر بنفاذ صبر يحاول الهروب من أفكاره. جاءهم "بسام" بركض سريع مع صوت أنفاسه العالية. اقترب منهم بخوف، ولاحظ الرجل الشبه الشديد بينهما، فترقب قول "بسام" المتلهف وهو يتلمس جسد "غسان" ووجهه:

"غسان!! إيه اللي حصل؟ إيه اللي عمل فيك كده؟ رد عليا!!! صمت يبتلع ريقه، وجحظت عينيه عندما رأى شقيقته يهبط ذراعه بالقماشة الغارقة بالدماء، يحثه قائلاً: "خد افتح العربية بسرعة! أخذه منه ولم يعطيه الآخر فرصة، بل سار يفتحها بخوف كي يأتي بشقيقه. أخرج ورقة مالية يدسها في كف الرجل، ثم قال بإمتنان: "شكراً يا راجل يا طيب، وأنا آسف لو كنت زقيتك فحالتي دي غصب عني، حقك عليا!!

تفهم الرجل وربت على ظهره، مملياً عليه كلمات طيبة جعلته يبتسم له ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه. انحنى يساندها مردداً بنبرة جادة: "قومي معايا يلا!

كانت تشرد بوجع وندم، هي من أوصلت نفسها وأوصلته لهذه الحالة، والعقبة. انتفضت تتفقد وجهه بخوف، ونهضت ببطء، يسندها هو، سارت معه، وعاد "بسام" بلهفة يتفقده، حتى اندفع يسند "نيروز" من الناحية الأخرى بتلقائية عندما شعر بتعلثم خطواتها أكثر من مرة. وقف الثلاثة أمام السيارة، وجلست هي كما جلست اليوم في الصباح على المقعد في الأمام. تفقد "بسام" من خلف ظهر الآخر جرحه بخوف ولهفة، حتى أشار له "غسان" بالقيادة، فتوجه يركب بسرعة، حتى

ركب "غسان" في الخلف كما كان من قبل. أُغلقت الأبواب، وكان بابه يصفع بشدة، أتت من كبت انهياره منها هي وحدها. كتم وأبى بكبرياء أن تهبط أي دمعة منه. في حين انطلقا السيارة، وسمع "بسام" صوت شهقات "نيروز"، وقبل أن يسألها بقلق، وجدها تلتفت برأسها

تحاول التبرير بنبرة باكية: "غسان والله العظيم مـ.... اندفع مردداً بعكس ما كانت تعتقده، اعتقدت بأنه سيصرخ، ولكنه نبس بنبرة ساكنة عكس محتوى ما بها من كلمات جامدة عليها: "مش عايز أسمع منك ولا كلمة!! حاولت التحدث مجدداً وهي تهتف باسمه بخوف وبكاء يسمعه الاثنان، ولكنه صرخ هذه المرة بقوة بها: "انتي تسكتي خالص سامعة؟!

انتفضت على صراخه الأخير، ونظر له "بسام" نظرة يحثه بها على الهدوء بغير فهم. أغمض "غسان" جفنيه بوهن من كل ذلك، يتذكر كل مشهدها معه من بدايته لنهايته، كانت تبرر له وتعطيه أسباب كرهها، تتركه يتلمس وجهها وهي ملك رجل آخر غير الذي كان يقف يتعامل معها وكأنه هو، بل وهي التي تستسلم له بمنتهى البساطة. أجرمت بحقه وحق رجولته، ماذا يتوجب عليه الآن فعله؟ تريد أن يسمع منها تبريرات؟ أي تبريرات؟

ابتلع غصة مريرة بحلقه، ولم يشعر هو بأن ملامحه تتشنج، وكل ما يفعله يراقبه شقيقه في المرآة بدقة، وعلم أن "غسان" بحالة يرثى لها!!! "بسام" قدم لها مناشف ورقية يحثها على مسح دموعها برفق. أخوه ظهر في عينيه من أجلها وأجل من بأحشائها. صف السيارة وركن أمام المبنى، وهبط مع هبوط "بسام". توقف "غسان" وفتح الباب حتى مد يديه لها لتسند كي تخرج. خرجت بالفعل والتفتت بخبر شقيقه باختصار:

"أنا مش عايز أمك وأبوك ولا أي حد يعرف اللي حصل ده. أنا هطلع على فوق على طول وانت هات شنطتك وتعالى شوف دماغي! تفحصه وهو يردد هذه الكلمات بإيجاز ونبرته المهزوزة تظهر بشدة. وافقه بشرود خفيف ونظر ناحية "نيروز" التي لا حول لها ولا قوة. وقال يحثه بقلق عندما شعر بجموده: "براحة عليها يا غسان. مراتك حامل وانت شادد أوي. أي كان المشكلة اللي بينكم واللي حصلت بس إعقل دي ممكن في أي لحظة حالها يتشقلب!

فهم معني كلماته ونظر له بصمت. حتى اقترب ينحني يحمل كيس دوائها بين يديه الذي كان معه في الصباح. وأغلق الباب يسندها وخلفهم كان "بسام" يترقب بقلق لعدم توازنها وتوازنه هو الآخر أيضا. وبعد لحظات، وقف الثلاثة ينتظرون المصعد. ولاحظ "بسام" نظرات الناس حولهم وبالأخص هو في حين بأن شقيقه هو من المفترض بأن يسرق الأنظار لنفسه. تنفس وهو يحرك رأسه بغرابة. فوجد "غسان" بملامح وجه مجهولة ينتظر ومن بين عينيه التي تتحرك اعتدل "بسام"

يسأله بغرابة: "هي الناس بتبص عليا كده ليه؟ إشمعنا أنا؟ حرك "غسان" عينيه بعشوائية غير غافلة عنها وهي شاردة بعالم آخر تقف تستند وهو خلفها يترقب ثباتها التي تحاول التماسك به. حرك رأسه ينظر حوله ونظر ناحية شقيقه وهتف يخبره رداً على حديثه بإيجاز يشير بعينيه نحو قدم "بسام": "يمكن عشان شبشب أمك اللي في رجليك!

فتح "بسام" عينيه بصدمة وهو يهبط أنظاره نحو قدميه فمن عجالته وخوفه فر سريعاً مهرولاً دون النظر لما ارتداه. شهق ووضع يديه على فمه وانحنى سريعاً يخلعه وهو يحاول إخفاءه تحت ابتسامة "غسان" عليه والتي لم تصل لنصف عينيه ولو كان الوضع يتحمل لكان رد فعله شيئاً آخر!

فتح المصعد ودخلت هي أولاً سانداً كفها يدفعها برفق حانٍ عكس ما بداخله. دخل الثلاثة وكانت هي شاردة بعينيها في حين احمر وجه "بسام" حرجا. توقف المصعد نحو طابق "والده" فخرج وكادت هي أن تخرج مبتلعة ريقها فأحكم قبضته على معصمها يدفعها ناحية الداخل حتى تأوهت من مسكة يديه لمعصمها ورددت تجيبه بخوف متقطع لأول مرة يظهر عليها بل ومنه هو ومن هذه اللحظة علمت أن جانبه الآخر يخفيه عنها وأنه لديه عكس ما يظهره من لين وهي من فعلت ذلك بنفسها. فلو كان فظاً حاداً وقحاً مع الكل كان معها هي غير ذلك تماماً:

"أنا.. عـ عايزه أخرج هـ ـنـا!!!

لم يجبها بل أغلق الباب وضغط على عدد طابقهما معاً. التزمت هي الصمت تخفي ما اعتراها من ملامح متخبطة ظهرت أكثر عليها. أما هو فحفظ تعابيره بصعوبة. إلى أن فتح المصعد واقتربا معاً ليفتح الباب بعدما خرج بمفتاحه من جيب بنطاله. دخلت ودخل معها حتى أغلق الباب خلفه متحاشياً النظر إليها في هذا الوقت. لاذ بالبعد كي لا يقدمه انفعاله على فعل شيء يندم عليه ولكن وجعه منها ومن الموقف التي وضعته به ينهكه بالكامل. شعر بضيق أنفاسه الآن

وهو يتقدم ليبدل ملابسه في المرحاض الخارجي بعيداً عن الغرفة التي دخلتها الآن لتفعل نفس ما يفعله. ولكنها لم تقدر على ذلك بل خلعت ملابسها بتعب وأيدي ترتجف حتى أصبحت بمنامتها الهادئة الناعمة. غسلت وجهها بالماء كي تستطيع أخذ أنفاسها وعقلها لا يتوقف عن التفكير. كما أنها تتخبط لأسباب كثيرة تود التبرير عنها وهو لم يعطيها الفرصة!

خرجت "نيروز" بعد دقائق تجلس على طرف الفراش حتى دفنت وجهها بين كفيها تبكي بصمت هادئ ساكن على كل مرت به اليوم من مشاحنات تضغطها وتضغط قوتها ونفسيتها وبالأخرى صحتها بالكامل هي ومن تحمله! كما خرج هو الآخر ملقياً المنشقة على أحد المقاعد الخشبية يهرب من ما بداخله بتشتيت ومن ناحية أخرى كي لا يقترب منها بهذا الوقت! ضمت ملامحه بأنين تعب من وجع رأسه وجسده بالكامل ناهيك عن ألم ظهره الذي لم يشف!

صداع رأسه ينهكه من ما فعله الآخر به. بينما أنين قلبه هو الأعلى. والأعلى من كل ذلك أنين كرامته الذي تخطى لها منها الكثير لأجلها!

سار بخطوات هادئة يفتح الباب وتركه بفتور حتى تقدم يجلس بإنهاك على الأريكة المريحة وجاب سمعه إغلاق الباب بواسطة "بسام" الذي ركض يتفحص جروح وجهه والتفت بسكون يتفقد جرح رأسه وعادت انفاسه عندما علم بأنه لم يفتح ولكن يجب الكشف عليها كي يطمئن للاحتياط. داوى جروحه ولكنه لم يستطع أن يداوي جرحه الداخلي وهو يراه يشغل قداحته بضغطة يديه ونفث دخانه من أنفه وفمه يشرد. لمعت عينيه من الألم الخاص بالجروح مرتبطاً هذا بالشعور لم تكن دموع ربما ضعف مدركات الإحساس!

فتح اللاصق الأبيض يضعه بلصق على مؤخرة رأسه الممتلئة بخصلاته السوداء الكثيفة. لاحظ تعابيره المتعبة. وأخيراً زفر "بسام" هذه المرة مبتلعاً ريقه يسأله وهو يجلس بجانبه غالقا حقيبته: "مالك يا غسان؟ احكيلي مالك إيه اللي حصل؟ ردد كلماته بخوف عندما أدرك أن شقيقه بحالة صامتة ساكنة موجعة له من الداخل. الآن علم سبب ضيق أفقه هو في العمل والشعور بالضيق الذي تخلله. هو الطرف الذي يشعر بالتوأم الآخر!

حرك "غسان" عينيه ناحية وجه "بسام" الذي انتشل اللفافة من بين أنامله يطفئها مراقباً لصمت شقيقه الغريب والمريب. بما سيردد له؟ بما سيجيب؟ هو لم يظن بها السوء ولكن ما سمحت به أن يحدث يراه غيرها شيئاً آخر. كيف سيقلل من شأنها حتى وإن لم تكن خائنة؟ هو يعلم ذلك ولم يتوجع من هذه النقطة بتاتاً. ألمه كان من كبريائه من عدم توقعه لفعل ما فعلته والصمت قبال الآخر باستسلام لا يراه بها كثيراً حتى معه! "مش عايز أتكلم!

أدرك بوجود مشكلة كبرى بشدة حتى يصبح شقيقه بهذه الحالة والغريب بالنسبة لطبع "غسان" أنه استسلم وهو الذي مال على كتف شقيقه هذه المرة عكس كل المرات السابقة. شعر "بسام" بالقلق وتركه يستند حتى أراح الاثنان ظهرهما تزامناً مع قول "بسام" المضطر: "زي ما تحب. بس عدّي يا غسان كل حاجة بتعدي. مش عايز أعرف كل ده عايز أفهم حاجة واحدة بس!! مين اللي عمل فيك كده!! التزم "غسان" الصمت وغير مجرى الحديث عندما أخبره بإيجاز:

"مش عايز حد يعرف إن في مشكلة بينا. ولا كأنك سمعت ولا شوفت حاجة لحد ما ربنا يفرجها بقى!! ابتلع ريقه بقلق عند آخر كلماته. إلى أين سيصل معها بهذه المشكلة المجهولة؟ بما يفكر؟ "اعقل يا غسان مفيش حاجة... قطع حديثه خروجها من الغرفة مرتدية إسدال الصلاة على منامتها. توجهت بخطوات سريعة ناحيته تتلمس وجهه وجروحه فأنزل يديها من عليه بسكون معقباً بفتور وهو يعتدل: "افتحي كيس الدوا وخدي علاجك وروحي نامي!

شعرت بفتوره الشديد. فنهض "بسام" يلتقط الكيس سريعاً. عندما علم بوجوده من نظرات عيني "غسان" الذي تجاهلها وهي تقف تنظر له بحزن. تلتزم الصمت ولم تحرك عينيها من على وجهه.

نظر "بسام" لمحتوى الدواء مرة أخرى. وأسرع ناحية المطبخ يحاول جلب أي طعام خفيف لاشتراط أخذ الدواء على معدة ممتلئة. وجد شطائر جاهزة على الطاولة وكوب حليب في الثلاجة. حملهما وهو يقترب حتى شمله "غسان" بنظراته. ورغم حرجه ولكنه يريد تهدئة الوضع ومجاراة شقيقه ورضاها كي لا تتعب من ناحية أخرى لأجل شقيقه أيضاً. "لازم تاخدي الدوا على معدة مليانة. كُلي دول وخديه!

التفتت تنظر نحو يديه فخرج صوت "غسان" يحثها بحزم وهو ينهض ليرفع الحرج عن شقيقه عندما أمسكت الكيس تخرج الدواء تنوي أخذه دون تناول طعام: "إيه مبتسمعيش؟ ما قالك على معدة مليانة!! ترقرقت الدموع بعينيها ونهره "بسام" على جموده. انتشلت الكوب والشطيرة وجلست على الطاولة تضعهم على المقعد تحت تناولها بوجع. هي الأخرى انتشر في جسدها بسبب حالتها النفسية هذه! سحب "بسام" ذراع "غسان" بعيداً عنه ونهره بهدوء شديد يوصيه:

"مينفعش الطريقة اللي بتتعامل بيها دي. مراتك حامل وانت مش حمل اللي هيحصل لو حالتها ساءت. مش قادر تتعامل معاها كويس نزلها أمها تراعيها لحد ما تبقي انت تمام من نحيتها. نيروز حملها متعب وده باين عليها أوي. أنا بنصحك قبل ما تندم يا غسان وانت حر!!! ماذا فعل؟ سأل بسخرية نفسه عن ما فعله. لم يواجهها ولم يعاتبها!

لاحظ انتهاءها ودخولها المطبخ تضع ما بيديها وانسحبت بخواء ناحية الغرفة مرة أخرى. حاول "بسام" سحبه معه للأسفل حين يهدأ. "تعالى معايا الوقتي على ما تهدا كده وتسيبك الجنان ده، تعالى! نفض يديه بحدة، ورفع رأسه يخبره بفظاظة: "ملكش دعوة ي بسام متتدخلش وانت مش فاهم حاجة، وامشي يلا! لم يحزن من طرده، انتهز الفرصة متصنعاً الدراما وهو يشير على نفسه بجدية زائفة: "انت بتطردني ي غسان؟ بتطرد توأمك وأخوك وابن أمك وأبوك؟

التقط "غسان" تمثيله وابتسم بسخرية، فشاكسه "بسام" مردداً ليخفف عنه: "ايوه. ي عم اضحك كده. كدة شكلك أحلى. مع اني متدايق منك ضيعت عليا فرصة من دهب وقطعتلي الخلف وأنا كان نفسي اجيب منها عيال! شاكسه بمرح، ورغم تشتت الآخر إلا أنه علم أنه يعود لسابق عهده المرح بعد غيابه منخرطاً في الوجع والذكريات المؤلمة!

يسمعه يهذي بتراهات فارغة كي يشتته ولكنه تركه بتبجح يتحدث في نصف الصالة ودخل غرفته غالقا الباب خلفه. ابتلع "بسام" ريقه بتصديق من وقاحة شقيقه والتفت يردد بأنفاس خرجت متنهدة منه: "ربنا يستر." أغلق باب الشقة خلفه تاركاً شقيقه ودعوته. لا يعلم هو بأنه دخل ناحية الشرفة بعيداً عنها يدخن سيجارته بعيد عن مرمى أنظارها قبل أن ينفجر بها تاركاً إياها تترقب عتابه والخوف رفيقاً لها!

في حين هبط "بسام" في المصعد حتى خرج وجاب مسامعه صوت ترجي "سمية" "حازم" بالتوقف عن الاندفاع نحو شقة "زينات" والتي لم تكن بها بل كانت "زينات" بداخل شقة "سمية" ودخلت لابنتها تجلس برفقتها تطعمها ما أعدته "سمية" قبل وقت لها. وقف "بسام" ناظراً نحو باب الشقة الذي فُتِح بانفعال تحت تشجيع "ياسمين" بشرر وهي تخرج من خلفه: "أحسن. لازم المقرفين دول ياخدوا جزاءهم ويغوروا عننا بقا بلاش قرف!!! نهرتها "سمية" بخوف من اندفاع "حازم"

بحالته هذه: "يا شيخة اسكتي حرام عليكي مش بدل ما تهدي جوزك فحالته دي. ربنا يهديكي روحي ربنا يهديكي يبنتي قادر يا كريم! تركتها "ياسمين" تندب وخرجت حتى وجدت "بسام" يمنع "حازم" بالقوة مردداً له كي يهدأه: "اهدي ي حازم اهدي بس دلوقتي محدش بيقولك سيب حقك. بس مش ف حالتك دي تروح واخده! حاول "بسام" منعه وحده وعلم أن "بدر" وزوجته وولده رحلوا قبل وقت عندما قابلهم في الأسفل حينما عاد من عمله!

"ابعد عني يا بسام بقولك.. ابعد عني الساعة دي أنا زهقت وتعبت بقا من الهم ده. مكانتش ناقصاهم كمان عايزين يموتوا أختي. والله ما هسيب اللي حصل ده يعدي كده سامعين؟ سامعين ي اللي قافلين الباب عليكم ي جبنة؟!

خرجت "عايدة" مهرولة بسرعة ناحية الباب تفتحه ومعها "حنان" وخرجت "فرخ" هي الأخرى تنظر تحت ذهول "جميلة" التي خرجت مع "عز" الذي اندفع يمسك "حازم" مع "بسام" يحاولان فصله كي لا يقترب من باب شقة "زينات" الذي كان يقف خلفه "سامر" محاولاً اخفاء اهتزازه. ابتلع ريقه وخلفه كانت تقف شقيقتيه ووالدته التي شعرت بأن الخطر قادم وسيطولهم! "وعزة وجلالة الله لهموتك يا سامر. هموتك وأشرب من دمك يا زبالة يا تربية الزبالة!

فاض به وسب كبار العائلة غير مبالياً بعد الآن بشيء. اغتاظت "زهور" من سبابه الذي لم يتوقف إلى هنا بل أكمل بأبشع الألفاظ والذي كان لا يتوقعها البعض من شخص مثله تماماً. تجرأت "ياسمين" بعصبية تدق الباب بعزم مالديها من قوة تحت أنظار الكل حتى أنظار "حامد" ومن خرج معه من شقته! "بتعملي ايه يا بنتي حارم عليكي اعقلي شوية بقا! صرخت "سمية" بهذه الكلمات ولكن لم تعطيها "ياسمين" اهتمام بل أكملت هي هذه المرة وهي تدق على الباب بقوة:

"اخرجي يا بت... اخرجي انتي وامك واللي عاملي فيها راجل ده. على آخر الزمن ي عيلة واطية تستغفلونا. بتبعتلي اختك يا قذر تاخد تليفونتنا وتخبيها عشان الجو يهدالك. ما انت مش راجل ومش هتقدر على غيرك. بتتشطر على النسوان وانت واحد منهم يا زبالة. اخرجوا بقولكم. اخرجي ي اللي عملالنا فيها كبيرة العيلة! كانت فظة بقول كلمات كهذه أمام الجميع. اندفعت "عايدة" مع "حنان" تبعدها ولكن لم تمنع لسانها من قول ما جعل "حازم" يستشيط غضباً

مرة أخرى: "اخرجي دلوقتي عامله فيها بتخافي. بتخافي يا ست يا مهزأة. بتهدديني تضربيني وتنزلي اللي فبطني. متعرفيش اني أقتلك وادفنك جمب اللي عامله نفسك مقهورة عليه وانـ... كممت "جميلة" فمها بسرعة قبل ان يتبدل الوضع لشجار بينها وبين شقيقها قبل ان تسب والدهما بوقاحتها هذه. الذي يراها البعض بها محقه وآخرون يروا أنها لا يتوجب عليها فعل ذلك!

سحبوها داخل شقة "سمية" في حين دفعهم "حازم" عنه هذه المرة ورفع يديه يدفع الباب بساقه مردداً بغضب وأعصاب منفلته: "كمان عايزين تموتوا اللي فبطن مراتي يولاد الكلب يا زبالة!

وقف "حامد" يشعر بالضياع. باتت هذه العائلة محلاً للوجع والعراك دائماً. حتى ان سكان هذه العماره يعتادون على ذلك. لذا قليل ما يخرج احدهم ليتدخل بينهم. يعلمون تمام العلم أن هناك ثمة أفراد فظة تجعلهم يندمون على التدخل بسبب سبباهم لهم بالابتعاد كان منهم "سليم" و"زينات" واحياناً أخرى "فريدة" و"ياسمين" التي قليلاً ما كانت تفعل ذلك مع الغير لولا حالتها الغير واعية وهي تتشاجر!

عائلة الأكرمي عائلة مختلة عقلياً. همسات هنا وهناك عليهم بهذا المبنى الطويل المحمل بشقق كثيرة وسكان أكثر لا يبالون بكل ذلك الصراخ. استمر الدق على الباب ووقف "عز" و"بسام" خلقه بيأس من إصراره لطالما يأسوا من فتح الباب. راقب "سامر" الوضع من خلف الباب. تزامناً مع قول "حامد" لكلماته بسكون: "ارجع ي حازم وإعقل يبني. واهدي واتكلم لما تهدي معاهم. اللي زي دول مش هيهربوا. هيفضلوا اسمع مني!

وكأن الكلمات جعلته يسكن قليلاً. توجهت "فريدة" بجسدها من الداخل تركض حتى وقفت أمام "حازم" لتدفعه بين ذراعيها هي هذه المرة. أدمعت عينيه بتعب. إلى متى سيتحمل كل ذلك؟ ضمته إليها بصمت. وأنسابت دموعها. لفظ الكل انفاسه عندما سكن هو تدريجياً بين ذراعيها يهمس لها بالأسف وتهمس له بأن يهدأ ويسكن وسترضى مؤقتاً هي!

لمعت أعين البعض بترقب. وأمسك "بسام" كتفيه بوجع من اصطدامه في الحائط وهو يحاول منع الآخر. لاحظه "عز" فحاول السير معه ناحية شقة "حامد" الذي دخلها مستغفراً عقب ما دخلت "فريدة" معه نحو شقة "عايدة" هذه المرة! كانت "زينات" تتابع ساكنة هادئة مكسورة. وإلى الآن ترتجف أطرافها من خوفها على ما حدث لابنتها!!!

دهشت "حنان" بهذا الوضع. كانت تعتقد ان مشاكلها مع "شريف" ليس لها مثيل ولكنها لم تتوقع هذا أبداً. حتى بمبنى كهذا بمنطقة بعيدة عن حيهم الشعبي أكثر منهم ببساطة قليلة. الحياة أسرار! توزعوا على الشقق الثلاث. دخل بسام بحقيبته يضعها على المقعد الذي بجانب الباب ولم يغفل عن ترك فرح لهم وانسحابها وراء شقيقها بتلقائية. وقف عز يربت على كتفي بسام، فقد تأوى قبل وقت من وجع كتفيه.

جاءت دلال سريعا بنفس دهان ما وضعته على ظهر غسان وحثته على خلع قميصه. ظهر كتفيه العالي أمام عينيها تشنجت ملامحه بصلابة وتحرجت وهي تشيح بوجهها بعيدا. كما سارت لأبعد من ذلك عندما وجدت وسام تدخل المطبخ تحاول إعداد أكواب ليمون تهدأهم وتضايف الغريب بالنسبة لها عندما حثتها دلال بعينيها. دخلت تساعدها تزامنا مع قول عز بلباقة: "بسيطة يا بسام، معلش حازم كان متعصب أوي انت اكيد عارفه اكتر مني حتى، اعذره!! اعتلى

صوت بسام يخبره بتفهم: "انا فاهم يا عز متقلقش مفيش حاجة!! بعدما هدأت أنفاس حامد سأل بإهتمام تلقائي خرج للتو: "أومال بدر فين مش ظاهر؟ "راح لأخواته هو ومراته وابنه من شوية يابابا!! بذلك أجاب بسام، فحاول عز الاعتداال ليتحرك ولكن أوقفه إشارة حامد: "أقعد ي عز مش هتمشي قبل ما تشرب العصير، مستعجل ليه!! جلس مجددا بحرج والتقط بعينيه قدوم فرح مع وسام وهما يحملان صينية صغيرة بيد كل منهما. قدمت الأكواب وكذلك فعلت وسام.

في حين انحنت فرح بحرج تعطي بسام الكوب فتعلقت عينيه بعينيها التى اخفضتها على الفور ما ان رأت جسده الملتصق عليه ملابسه الداخلية من الأعلى بحمالات عريضه تكشف عظامه الصلبة. قرص حامد فخذه حتي ينتبه والده هو الٱخر ينتبه يالهذا الخجل لم ينتبه عز الذي انشغل مع حديث دلال له. في حين عندما انتفض بسام وقع القليل من الكوب على ملابسها وهي تقدمه لها. شهقت فكان ثوبها يظهر عليه سريعا البقع. لاحظت دلال ذلك و نهضت تردد لها:

"معلش ي حبيبتي بسيطة، إقلعيه اغسلهولك والبسي حاجة من عند وسام على ما ينشف!! فتحت عينيها بخجل من ما تلفظت به وتواجهت عيني عز معها والذي نفي بهدوء: "لا مش مستاهلة متتعبيش نفسك، هنروح عند جميلة تغير وتشوف عندهـ.." "اخص عليك ي واد يا عز احنا يعني قليلين؟!! رددتها دلال بحديث يليق بسيدة مثلها رفض قولها بعفوية عندما اساءت فهمه: "لا مش القصد ي أم غسان أنا ٱسف مش قصدي كده!

وقبل أن يتحدث سحبتها وسام معها ناحية غرفتها تقطع أي رفض منه. هو لم يغفل عن طلب بسام والذي يراه إلى الٱن داخل عينيه كلما ينظر له. وجد عز هاتفه يدق برقم جميلة التي طلبته يأتي كي يجلس مع حازم حتي لا ينهض مرة ٱخري دون وجود رجل معهم وهم نساء يقدر عليهم حازم مهما فعلوا. نهض مستأذنا عندما وجد رسالتها قبل ان تدق وعلم محتواها. "معلش هستأذن اشوف حازم عايزني فإيه، عن اذنكم!

نهض يتجه ناحية الباب حتي أغلقه مسرعا كي لا ينفلت حازم بأعصابه مره أخري. زفر حامد بصوت مسموع حتي وجد دلال تنظر ناحيته بغرابة. فقال هو بقلة حيلة لها يخبرها: "الواد ابنك بسام شكله بيخيب بعد ما عقل! "بيحب ي خويا ولا انت مبتحبش بقا ومش مجرب؟ شاكسته فضحك ببشاشة متسغلا رحيل بسام ناحية غرفته عقب رحيل عز. رفع يديه يضعها على كفها وقال مرددا بمرح: "مجربتش ازاي بس ي دلال، دا الحـب كله محبيتوش غير فيكي انتي وبس!

أشارت له بخجل زائف تجاريه متناسية حنقها منه قبل ساعات: "يوه متكسفنيش بقا يحج، دا انت هتبقي جد، اتهد بقى! تنهد بسعادة من قولها واعتدل يتخيل بلهفة وحماس ليوم وضع نيروز حملها: "أنا مبسوط أوي ي دلال، متخيلة اني حابب ولاد غسان قبل ما يجيوا؟! "اعز الولد وولد الولد ي ابو غسان، ربنا يقومها بألف سلامة ويكمل لها على خير لاحسن نيروز دي طرية أوي ومش ماسكة نفسها كدة الواحد يخاف عليها بردك!!

ابتسم على قولها العفوي وعلى بعد في غرفة وسام. تأسفت لها قائلة: "معلش ي فرح! "ولا يهمك بسيطة!! "طب بصي انت مش اتخن مني بكتير يعني، فالدولاب أهو وفتحتهولك كمان نقي اللي يعجبك والبسيه على ما نغسل لبسك ده ولو هتمشي بسرعه ابقي خدية مره تانية!! رددتها بعشم كي لا تشعرها بالحرج. وبالفعل ابتسمت فرح تردد دون النظر نحو الخزانة: "بصي هاتي انتي أي حاجة وانا هلبسها عادي مش هدقق والله!! دفعتها وسام بمرح ثم قالت بفظاظة

جلعتها تشعر بأنها شقيقتها: "يستي احنا لسه هنعزم على بعض، اديكي واقفه قدام الدولاب ٱهو وأنا هخرج، خمسة ألاقيكي منقية ولابسه ي فروحة، ماشي؟ أومأت لها وخرجت وسام تغلق الباب خلفها تزامنا مع خروج بسام من غرفته بعدما بدل ملابسه. نظر بحرج فغمزت له وسام بلؤم: "أه ي لئيم بقا تعمل كده وتخرج البت علـشـ... قاطع حديثها بصدمة وهو يبرر:

"بس بس اسكتي، عملت ايه، معملتش حاجة أبوكي اللي قرصني وخلى منظري زفت واخوكي يقطع عني اللحظة وانتي تتهميني وعز يزغرلي من تحت لتحت وأمك تدعكلي كتفي جامد، انتوا عيلة ظالمة!!! احتضنته على الفور ما ان وجدته يتحدث بعفوية مرحة. أشهر لم تلبسه هذه الحالة. مرر يديه على ظهرها بحنان وتأثر. وخرجت هي تغمز له مجددا بقولها المرح: "دا شكل فرح دي داخله ببركتها ي بيسو!! وقبل ان يجيب فتحت فرح الغرفة بحرج وظهرت وهي تتقدم.

التفتت وسام تنظر ناهيك عن نظراته هو الٱخر التي وقعت عليها بتلقائية من ظهورها فقد ارتدت فستان بسيط محكم من المتنتصف بلونه السماوي على بشرتها الخمرية التي حبست أنفاسه هو. شاح بوجهه بعيدا ينهر نفسه يثبت مباءئه على الاحترام. في حين ابتسمت بخجل مع صافرة وسام وهي تشاكسها: "يخربيت القمر، دا عليكي أحلى من عليا، خليه ليكي بقا خالص الدريسات حلوه عليكي أوي!!

عانقتها فرح بعفوية وكانت رأسها تستند على كتفيها بمواجهته وهو يحاول عدم النظر. لكنه شعر بأنه مراقب، لذا انهزم ونظر. وغلبته ابتسامتها فابتسم لها. حاولت "وسام" التحجج مرة أخرى كي تترك له الفرصة، وغمزت له مجددًا. فضحكت "فرح" بغباء، تردد له بتلقائية: "دي بتغمزلك تاني، بدأت أستغرب! كان قولها مرحًا، وكان مرحًا في رده مثلها عندما قال بابتسامة هادئة، يخبرها بنبرة هادئة لا تتوافق مع حديثه المرح: "إحنا كده عيلة بنحب نغمز لبعض!

كل مرة تشعر بأنه معها، يرتبك ويحاول إخفاء ذلك مثلها. لا تريد أن تنساق وراء ما تشعر به، ولكنها لم تمنع نفسها من سؤالها الذي باغته بمرح آخر، وتعتاد عليه هي أكثر: "ليه بقا؟ "عندنا ضعف نظر! تعالت ضحكتها على طرافته هذه، فشعر بالحرج والارتباك معًا. كما أنه لأول مرة يسمع صوت ضحكتها الواسعة هذه المرة. ابتلع ريقه. وعندما انتبهت، توقفت بالتدريج، تبتسم بصمت. قطعه هو على الفور مرددًا بأسف: "أنا آسف، مكنتش أقصد!!

وقبل أن ترد، سمع الاثنان معًا صوت ضحكة "دلال" وهي تشاكس "حامد": "يوه يا حج، بطل تكسفني أومال. وبعدين أنا بحب البنات أوي. عايزاها تيجي بنت تروح تقولي شبهك؟ هو أنا حلوة كده؟! "إنتي أحلى من كده، مفيش حد حلو زيك وزي قلبك يا أم غسان! رددها منشغلًا بها، فضحكت بخجل تحت ضحكة "فرح" المعجبة بشدة. وترقب "بسام" لهم باشمئزاز داخلي. أشار بيديه بغير اهتمام وقال يخبرها بقليل من الحرج: "هم كده على الحال ده على طول!!

"ربنا يخليهم لبعض، ماشاء الله. شكل باباك بيحب طنط أوي! هذه المرة ابتلع ريقه يجيبها بغير وعي: "فعلاً، بيحبك أوي! توترت ملامحها، وفسرت بحرج متوتر: "قصدي مامتك! "آه ماما، أيوه. واخدين بعض عن حب أثري من زمان أوي، عقبالك!! وقبل أن يداهمها بآخر سؤال، كان قد قطعه عنه اتصال شقيقه. اقتربت "دلال" تردد هذه المرة: "الله أكبر، زي القمر ي حبيبتي. فين بقا لبسك أغسله؟ دي تبقي عيبة في وشي والله!

ضغط "بسام" على فكه، متنفساً بقلة حيلة مرددًا بخفوت: "الله يسامحكم عيلة فصيلها! تركهم ودخل غرفته عندما وجد والدته تنسحب معها ناحية الغرفة الخاصة بابنتها، ومن ثم المطبخ وهي تتحدث معها، تجاري عقلها كي تفهمها بلؤم أم ماكرة تود الاطمئنان على ما سيدخل به ولدها. وعلى فجأة صاحت باستنكار عالٍ كي تصل له جملتها: "واد يا بسام، انت مأكلتش ليه؟ سيبت الأكل وروحت فين؟! ***

"ده لسه مجاش لحد دلوقتي. أنا بدأت أقلق ي بدر، أنا خايفة عليه أوي. خايفة يروح يرجع للي كان ليه في لحظة زي دي. أخوك متمسك بفريدة وبيحبها أوي! أثارت "فاطمة" قلقه بعدما قصت عليه المختصر. تعمد الصمت وهو يطلب رقمه، ولكنه وجده مغلقًا. إلى أين رحل ولم يعد إلى الآن؟

كانت "وردة" تعد للأطفال عشاء، في حين تتابع بقلق ما يحدث من سكون "بدر" الذي كان يثق باستقامة شقيقه. والآن تدب به بعض الشكوك بالخوف والقلق. نظر بترقب ناحية الأطفال المجتمعين ناحية التلفاز، ونادى بأقربهم من "آدم" ولم يكن سوى "أدهم". "خد ي أدهم، تعالى عايز أقولك حاجة. بسرعة اجري! شجعه وهرول "أدهم" ناحيته مرددًا بنعم: "نعم ي خالو! وقبل أن يتحدث، مسح بعينيه على المكان الفارغ الذي يشمل جلوس "فاطمة" فقط، وعاد يسأل بعدسة

عين متلهفة بالإهتمام: "هو خالو آدم لسه مجاش؟ قرر "بدر" مجاراته كي يأخذ منه المفيد، كي يعلم أكثر الأماكن التي يذهب إليها مع شقيقه. ***

وبعد صلاة العشاء، وعلى مقربة من المنزل، خاصة الجامع الذي يفضل الذهاب إليه، كان هناك يقبع بوجه كلما يتذكر رهبة الموقف الذي وضع به. وعلى الرغم من أنه كان على مشارف السقوط لأجلها، ولكنه لم يهتم لحاله ووجد السؤال وإجابته لم يتعلق، بل يحب. يخفق قلبه باسم الحب الذي جهل عنه من قبل تحت شعار التسلية. هبطت دمعته بوجع لأجلها. لم تكن لتستحق كل ذلك. كما أن أعصابه تشتد كلما تذكر كلماتها بما فعله "سامر" وعائلته معها. وجاءت فكرته باحتمالية ضياعها منه بهذه الطريقة. انتشل القطعة الخشبية من جيبه الحاملة لاسمه وابتسم بخفة، متذكرًا هروبها بنظراتها منه وارتباكها وحتى خجلها.

ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه، وردد بصوت مسموع متذكرًا ما فعله لأجلها اليوم: "طلع عندك حق. أنا مش واقعي فعلاً! مقنعًا ذاته بعد هذا القول بأن من المستحيل أن يعرض المرء ذاته للخطر لأجل شخص آخر. ولكنه وجد الجواب سريعًا عندما يكون الشخص الآخر غير كل الأشخاص. يعرض نفسه للخطر دون أن يشعر، ويصبح الأمر واقعي بالنسبة للطرفان معًا.

قضى الصلوات أجمعها التي كانت بعد هذه العقبة، وظل جالسًا بالمسجد لم يتحرك. أغلق المصحف الذي تركه مفتوحًا، وابتلع ريقه يدعو بينه وبين نفسه. فلا شيء أمامه سوى الدعاء والثقة بالله والتفاؤل بالخير كي يحدث. وصل إلى مسامعه صوت يعلمه جيداً، وصوت ركض بعد هذا القول: "خـــالو!!! التفت برأسه حتى وجد نفسه يندفع من أحضان "أدهم"، التي واجهته، ضحك بخفة عليه وضمه بحب تحت وقوف "بدر"، وأنظاره بتأثر لمكان جلوس شقيقه، ابتسم يقبل

وجنتي الصغير وقال يشاكسه: "ايه لحقت أوحشك يامعلم؟ "أيوة أنا قعدت أستناك كتير أوي، وخالو كان قاعد مستنيك برضو ورن عليك بس انت مردتش، هو انت ليه قاعد هنا؟ هو الفجر قرب يأذن؟ ضحك عليه ممرراً يديه على خصلاته ونفى مردداً بتفسير: "لا مقربش لسه بدري، بس لما يقرب هصحيك زي كل يوم انت ويوسف عشان نيجي نصلي مع بعض وتاخد شيكولاتك زي كل يوم انت ويوسف من عمو دعاء بتاع الجامع!

تلهف وتحمس، واستند يقف يطالع وجه "بدر" الساكن، مد ذراعه يشير لـ "أدم" بالإقتراب، فحمل الصغير بمرح كما يعتاد، وكي يهرب من اللحظة دخل بين ذراعي "بدر" وبينهما الصغير يضحك من ضم "بدر" لهم بمرح، أهبط الصغير أرضاً، فأخذ "بدر" أنفاسه يسأله بنبرته الهادئة: "بتقلقنا عليك ليه يـ "أدم"؟ مرجعتش البيت ليه؟

"تعبان ومخنوق أوي يا "بدر"، حسيت الدنيا كلها اتقفلت في وشي، ومن ساعتها وأنا هنا، لما لقيت شيطاني بيلعب في دماغي عشان أروح القهوة أرجع لصحابي اللي مشوفتهومش بقالي فترة، أنا تعبان أوي، مش قادر أتحمل كل اللي جوايا دا، أنا مش حمل مرمطة الدنيا دي، بس والله بحاول عشاني وعشان فاطمة وعيالها وعشانك وعشان حياتي اللي عايز أبدأها صح، بس مفيش حاجة سهلة!!

شعر "بدر" بثقل كلماته وعانقه مشدداً في العناق، فخوراً به وبما أخذه من قرار لعدم الاقتراب لأصحاب السوء مجدداً، تنفس "أدم" بأحضانه براحة، وحرر "أدم" نفسه ناظراً نحو وجه "بدر" الذي التزم الصمت وكأنه يشعر بما يشعر به شقيقه والذي تعمد عدم سرده: "وعد مني ليك لما الحال يهدي، هشدك من قفاك ندخل بيت "حازم" من بابه زي الغرب نطلبها ليك، بس الأيام دي تعدي وهي تبقي أحسن بس!! رغم فرحته برضاه، ولكنه ابتلع ريقه

يسأل بخوف لم يستطع إخفاءه: "تفتكر هتوافق؟ اليوم وجد الجواب الذي كان يشتت شقيقه، حرك رأسه ينسحب معه ناحية الخارج وقال موضحاً ما جعل الطمأنينة والتشتت يلازمان شقيقه: "اللي عملته وحصل منها النهاردة يأكدلي إنها هتوافق، مهما عملت من خوف حاولت بيه ترفضك، بس هي متلخبطة، دي اتلهت عن الكل ورفضت قرب أي حد ما عدا أنت، طلعت وقربت وخدت انتباهها وتركيزها كله ليك وسابتك تقرب وخافت عشانك!

سار وبجانبه "أدم" المستمع له وهو يمسك كف الصغر بين يده، ثمة أمل يغمره، وخرج من أفكاره عند صوت "بدر" الذي توقف يخبرهم مقترباً من السوبر ماركت: "تعالوا نجيب حاجة حلوة ليهم في البيت، يلا يا "دوما" اختار بس بلاش اندومي ماشي! أومأ وهو يهرول بلهفة وسعادة تحت ضحكة "أدم" الذي نظر باستنكار نحو "بدر" الذي قال: "واختار انت كمان! ردد مستنكراً بقليل من المرح: "صغير أنا بقا! "أه صغير في عيني، مش شايفك غير ابني "يامن"، ايه رأيك؟

قالها بتأثر وهو يشمله بعينيه، وقبل أن ينخرط بهذا التأثر واصل بمرح مشاكس له: "وبعدين اختار يعم، دا أنا اللي هدفع فرصة متتعوضش بقولك!! ضحك بصوت عالٍ ووقف بشموخ يردد بما لم يفهمه الآخر، حيث قال ما تفضله هي: "حيث كدة بقا، هاتلي آيس كريم بالفانيليا!!! ما الحقيقة الموجعة بالنسبة له هو؟ أشياء كثيرة تتداخل، وإلى الآن مازال يدخن بشراهة وكأنه يخرج ما بداخله بذلك!

مازال يقف في الشرفة بعدما أدى آخر فرض في الشقة ولم يهبط، تكاد تسمع هي صوت أنفاسه العالية من الداخل، لم تستطع النوم أو أن تغفل عينيها، بل بقت تنتظره بخوف منه وعليه بنفس ذات الوقت، أما هو فلو كان الحال غير هذا لانفعل وثار عليها، ولكن كيف وهي لديها عذر يمنعه من فعل ذلك بخوف؟

ويقسم هو أن ما الخوف إلا عليها هي أولاً قبل على من بأحشائها، كيف له فعل ذلك ومن الأساس مجبر وهو الذي يرى بأن لديه كل الأحقية في أن يتألم بسبب ما حدث عنها وعن ألمها، انتهت اللفافة وفتح العلبة يخرج منها أخرى تليها دون راحة، تلك هي حالته منذ أن وقف، منعته يديها بعد أن غفل عن دخولها الشرفة، نظر نحو كفها ورفع رأسه ينظر نحو وجهها، فردت بخوف عليه وهي تحاول أن تنتشل ما بيديه بعيداً عنه:

"كفاية يـ "غسان"، من ساعتها وانت بتشرب واحدة ورا التانية من غير ما تاخد نفسك، حرام عليك نفسك!! نفض يديها، تخاف عليه الآن؟ سخر بنظرة عينيه وتركها ودخل بعد أن التفت وقال مقتضباً في رده عليها: "وانت مالك، ميخصكيش! سارت خلفه بملامح متعبة تقف بمنتصف الغرفة الذي وقف هو بها يخلع تيشرته كي يبقى عاري الجزعين والصدر، تجمعت الدموع بعينيها وقالت بنبرة مختنقة: "لا يخصني لإني بحبك وبخاف عليك!

تشنجت ملامحه من قولها وألقى ملابسه الفوقية بإهمال تحت أنظارها، فاقتربت تضع كفها على كتفه وهو يوليها ظهرها، ولكنه التفت ينفض يديها بعصبية، وهذه المرة ضغط على ذراعها من الأعلى فتأوهت بوجع تزامناً مع رده المندفع: "بتحبيني وبتخافي عليا؟ مش كدة؟ يعني اللي حصل النهارده دا كان برا خوفك وحبك ليا صح؟ انت بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟

دب بها الرعب من نبرته التي تغيرت كلياً عن أكثر الأوقات كان ينفعل هو بها عليها، ابتلعت ريقها وهي تنفي برأسها تحاول التبرير بسرعة قبل أن يقطع عليها فرصتها بهذا الشكل: "والله العظيم انت فاهم غلط، أنا مفيش بيني وبينه حاجة ولا أعرف انه كان جاي هناك، أقسملك بالله أنا ما خاينـ... ترك ذراعها بغير تصديق، حرك رأسه بتعجب ساخر، تظن بأنه يراها خائنة؟ نفى برأسه بغير تصديق ونهرها بصوته المرتفع يقاطع جملتها:

"انت سامعة نفسك بتقولي ايه؟ سامعة نفسك بتبرري لإيه؟ كمان فاكراني شايفك خاينة؟ ومش فاهمة انتي عملتي ايه لحد دلوقتي! أنا لو شايفك خاينة ولو واحد في المية كنت دفنتك انتي وهو مع أبوكي وعمك ورجعت فاضي زي ما كنت رايح فاضي بخوفي عليكي!!! لم يصمت لهذا الحد، بل وكأنه ثار الآن وأخرج كل ما كان يحاول مداراته، وأضاف بصراخ آخر:

"خيانتك مكانتش في أنك واقفه معاه وأنا جيت شوفتكم، لا دا انتي بكل بساطة سيباه يمسك ايدك ويقرب منك ويكلمك في كلام مش من حقك تسمعيه ولا تسيبيله فرصة يقوله، سايباله باب يدخل منه بجُبنك وبتبرريله وانتي على ذمتي، انتي محبتيهوش ليه! بتوضحيله وكأنه من حقه يسمع كلامك ده، كلام واحدة متجوزة على ذمة راجل محترمتش اسمه اللي عليه وقللت منه في نظر نفسه ونظر اللي كان معاكي! داهمها بأقوال كثيرة، كان رغماً عنها حاولت التبرير

وهي ترد عليه بلهفة متسرعة: "والله العظيم خوفت، خوفت منه و.." لم يتركها تتحدث وتكمل، بل تحدث مردداً بانفعال يسخر من قولها الذي أصبح يلازمها مثل اسمها تبرر به متى ما تشاء: "انت كده كل ما تزنق معاكي قولي خوفت، خوفك مبرر تسيبيه كده ولا خوفك مبرر لسكوتك يا مدام يا اللي متجوزة راجل ضربتي بكل كلامه الأرض ومهمكيش أني رفضت مراوحك لهناك، وقعتي كلمتي الأرض وكأني أراجوز ومعبرتيش وبدأتي بغلطة زي دي وروحت لغلط أكبر وأكتر!

لم تستطع الرد، بل انهارت باكية. وأمسك معصمها بقوة يحركها بإنفعال كلما يتذكر مشهدها معه: "على آخر الزمن تيجي واحدة زيك تخليني أشوف نفسي قليل في عين نفسي، وأنا بشوف مراتي اللي حامل كمان مني واقفة وسايبة راجل غريب يمسكها ويلمسها وكأنها عايز يبوسها وهي ولا حياة لمن تنادي! فتحت عينيها من قوله، بمثابة صفعات تتلقاها على قلبها. نفت برأسها وكأنها لا تصدق ما فعلته، وقلبت الوضع سريعاً عليه بانهيار عندما نفضت يديه تردد

بصوت مندفع شرس هذه المرة: "انت إزاي شايف إنّي وحشة أوي كده؟ انت إزاي كده؟ ضغط "غسان" على فكه بإنفعال واقترب يصرخ بغير تصديق من ما فعلته بتعابيرها: "انتي اللي إزاي كده؟ بتقلبي الترابيزة عليا ومش شايفة نفسك غلطتي؟ وأه وحشة عشان جبانة وضعيفة ومفلحتيش غير إنك توقعي نفسك في الغلط اللي أنا منعتك عنه في الأول قبل ما كل ده يحصل! وكأنه لا يكف عن قول كل شيء، بل ردد مرة أخرى بنفس الصوت المرتفع ينبّها على تغير الوضع:

"وانتي اللي بجحة ومش شايفة أي حاجة غلط انتي عملتيها تستحق كل ده، مش شايفة ولا عارفة إن لو حد شافكم كده والوقت كان غير ده كان اتقال عليكي إيه؟ عارفة الست اللي تقف وتسمح لواحد غير جوزها يتكلم ويحب ويقرب بيقولوا عليها إيه؟ حتى لو هي مقصدتش ده؟ طب عارفة أنا لو مكنتش جيت كان حسن عمل فيكي إيه وكان شدك معاك وخدك غصب إزاي زي ما كان ناوي وانتي واقفة مستسلمة بين إيديه؟ ولا عارفة المشكلة دي لو حد خد خبر بيها إيه اللي هيحصل؟

يلومها بقوة مع تهديد أخير. ابتلعت ريقها بألم وهي تسمع جانب حديثه الذي قلل بها منه. سمحت بالفعل ولكن لم تعلم أن كل ذلك يراه غيرها من ناحية أخرى. نفت برأسها ووجع كرامتها ضغط عليها من كلماته حتى اندفعت صارخة على فجأة تحاول الاقتراب بهستيرية منه تمسك وجهه كي يركز بين كلماتها المنصدمة الموجعة: "طلقني، طلقني يا غسان! صمتت تضع يديها على وجهها بألم من كلماته ومن ما فعلته، ولكن هيهات للاعتراف بنفسها وبالخطأ بعدما قال

ما قاله بوضوح موجع لها: "طلقني بعد كل الكلام اللي انت قلته ده، طالما شايف إنك متستاهلنيش بعد كل اللي عملته. أنا.. أنا قللت منك، قللت.. طلقني عشان خاطري! شعر بالكلمات نصفها التي كانت عليه غير مقتنعة بها، ولهفتها في الفرار بآخر ما تبقى لها من كرامة لحديثه الموجع كان صادقاً!

ابتلع ريقه بألم، لم تحاول الأسف، لم تحاول الفرار بعيداً، لم تحاول الصمت لتعبر له بأنها نادمة، بل بكل اندفاع ترددت بالانفصال والتخلي بأقصى سرعة للمرة الثانية! "انتي عارفة لو أي راجل مكاني كان فاته رمي اليمين على مراته وسابها، يسيبها بعد كل اللي خليته يحس بيه؟ انتي عارفة انتي خلتيني أحس بإيه؟ عارفة أنا وقفت عاجز حاسس إني اتبخرت ورجلي اتجمدت بعافر أقرب أقتله أول ما شفته ومعرفتش!

انتي حسستيني إني راجل في نظر نفسي ونظرك ونظر الراجل اللي شاف وشهد كل حاجة، خلتيني أهرب من عين واحد غريب مترصدالي بإستفهام محدش هيعرفه غير الرجالة لبعضهم وبس! صمت بإنهزام، وسقطت دمعته بهذا الوقت رغم رفضه على أن تهبط، لكنها وقعت بوخزة في قلبه كما وخزته وطعنته كبرياؤه أمام نفسه وأمام عينيها البريئة الضعيفة: "انت وجعتيني!

عجزت هي على أن ترفع يديها وتمسح وجهه الذي ظهر عليه معالم الإنكسار المتعاكس لحالته ومعها قبل قليل. ألهذا الحد قللت منه ومن شأنه؟ اقتربت تردد ببحة صوت عاجز عن الحديث المماثل للومه وكأن لا يوجد على لسانها غيرها: "طلقني يا غسان!

وجعه أكثر إصرارها بجحود لأول مرة يراه هو وحده. لم تحاول من أجله وهو المظلوم من وجهته. داهم عقله كل مرة يتخطى المحن والعقبات لأجلها، داهم قلبه الوجع في كل مرة كان يحاول على أن يخسرها في الماضي بعقباته. داهمه طلبها للطلاق بوقت كان به منكسراً وأردت تركه بضغط. داهم كبرياؤه وعزة نفسه عينيها المصّرة على الانفصال ورغبتها في البعد عنه في الحال!

ابتسم بإستهزاء من توقعاته وردد لنفسه بأنه غبي ومختل كيف لها بأن تساندك وتمسح بأناملها دموع كسرتك في حين بأنك أنت التي اعتادت على ذلك أنت وأناملك وذراعيك الملبية لها بكل وقت! نهر مشاعره وحل محله كبرياؤه وردد بنبرة خاوية مقتضبة مسالمة توافق قولها ورفض شعور الرفض: "ما أنا هعمل كده متستعجليش!

جحظت عينيها بقوة لم تكن لتتوقع ردة فعلها هي ولا قوله هذا. وهنا ردد لنفسه بغير تصديق من طبعها بأنها تريده هو من يتذلل ويرفض وهي التي تصر وتصمت. ألهذا الحد كان مغفلاً؟ سمع صوت دقات هاتفه وانحنى يحمله فوجده "بسام" قذفه على الفراش بخواء وفتح الخزانة يجلب علبة سجائر أخرى مع بعض الملابس كي لا يدخل لها مجددا وحمل الهاتف مرة أخرى ليخرج حتى أنه لم يتوقف عندما رددت هي بتقطع موجع تعاند مشاعرها برفض وأخبرته من خلف ظهره:

"أنا عايزة أنزل دلوقتي عند ماما، مش قاعدة! وجد أن الوقت قد مر وتوقف على الأعتاب يخبرها بإقتضاب يختصر: "تقومي من بكرة الصبح وتاخدي بعضك وتمشي زي ما انتي عايزة! فتحت فوهها وتجمعت الدموع بعينيها بقهر من عدم تمسكه بها. وأي قوة بها لترفض وتهبط في الحال تبخرت. لم تسعفها قدمها على الهبوط، بل جلست بخواء على الفراش وبألم تبكي بصمت وكسرة وعينيها تدور بإنهاك.

لم تختلف عن حالته كثيراً، وهو من ترك لها هذه المرة الغرفة وتوجه ناحية الغرفة الثانية. جلس على الفراش وقبل أن تلمع عينيه دفع المقعد بساقه يخرج مشاعره الموجوعة وجلس بإنهاك يضع كفيه ورأسه في المنتصف بخيبة رجل أحب أكثر وكان الطرف الذي يكافح ويتخطى لأجلها بينما انتظر كما فعل ولم يجد! هل كانت تخدعه عندما رددت بأن من الصعب نسيانه وأن الفراق بات صعباً واحتمال ضعيف!

عنفه عقله بمنتهى الإستهزاء وردد له بأن الآن أصبح فراقهما شئ مؤكد وأن ما كان بينهما مجرد حبل، سهل عليه أن يتمزق حتى وإن عُقد بقوة، مجرد حبل وصال! طوال الليلة الماضية لم يغفل له رمش واحد. حالته ليست هينة مثلها تماماً، وانقلب الحال بينهما في غمضة عين. حال هي من بدأته وبدأت معه فتح باب الوجع للإثنان معاً، هو وهي!

يتذكر كل كلماتها التي ألقتها على مسامعه بالطلاق، حتى لم تحاول أن تحتوي الموقف بتبرير حاني على قلبه، وهى تراه أخذ منها صدمة كبيرة لا يستطيع أن يتخطاها وكلماته تردد في أذنها وكالعادة الموجعة ضغطت عليها كرامتها طالبة الانفصال عنه حيث رأت بعينيه نظرة وخزتها لم تراها من قبل، نظرات خائبة ضائعة ومنكسرة تحت مسمى حديث رأته جرحها!

هو يراها جرحته وهي تراه جرحها. هو يود أن تحاول مثلما يفعل وهي ترى أن حاولت لم يلين أو أن حاولت فلم تستطع بسبب ما قاله من حديث وقف حائل وفاصل بينهما! تشرد كثيراً بعدما انتهت دموعها لا تصدق أنه جاراها ووافق على طلبها. لا تعلم هي نفسها ماذا تريد بالتحديد. فقط تنهَر نفسها بندم شديد يؤلمها بسؤال: لما ذهبت من البداية؟

أخذت دواء حملها وحملت العلبة بكيس صغير بين يديها بعدما ارتدت ملابسها. قررت الهبوط والرحيل من هذه الشقة للمرة الأخيرة. لم تسعفها أي قوة بأن تحمل حقائب لتجمع ملابسها بها، بل قررت أن تحث شقيقتها أو والدتها بعد أن تخبرهم بقرارها الصادم، متسرعة وهذا ما يُعرف عنها!

حملت هاتفها وكيس الدواء ومسحت وجهها برفق بعد أن ارتدت حجابها وخرجت من الغرفة. ناهيك عن وجع جسدها لكنها تكابر. فالآن يداهمها ندم آخر بأنها ظلت معه بنفس الشقة ولم تهبط. بماذا تفكر؟ ومن أي زاوية، هكذا يراها هو. خرجت حتى وجدته يغلق سحاب سترته بعدما قابلها وهو يخرج من مرحاض الطرقة. رفعت عينيها تنظر نحو وجهه وملامحه، خاصة عينيه. أما هو فلم يحرك ساكناً، إلا عندما قذف المنشفة، تزامناً مع قولها المتحشرج الضعيف بعد لحظات:

"انت كويس؟ تسأله. ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه وحرك عينيه كما التفت يلتقط هاتفه من على السفرة، مردداً بخواء: "ٱصل انت يهمك أوي إذا كنت كويس ولا لأ! وبقوة لا تعلم كيف خرجت، ولكنها ودت رد فتوره بفتور أكبر: "يهمني عشان حتي بعد قرارنا ده هتفضل أبو اللي فبطني! من أين برعت في الرد؟ منه. ضغط على فكه وأخرج أنفاسه يبادلها القسوة التي ظهرت في رده: "أه ما هو ده اللي بقا يهمني وبس، غير كده بطلناها!

شعرت الٱن بوجع رده وعلمت أن ردها وجعه في الخفاء. سهولة التخلي تظهر حتى، ولكن بخداع من الطرفان. بدأت تتحدث هذه المرة بقولها الذي يلقي عليه اللوم: "انت كمان وجعتني بردو بكلامك ونظرتك ليا، حسستني إني قليلة أنا كمان زيك بالظبط. وشوفت فيك وفعينك إنك كتير عليا. مقدرتش تفهمني ولا حتى تراعي حالتي. مصـبـ.." قاطع جملتها ونجحت في إثارة انفعاله كالعادة عندما اقترب يمسك ذراعها مثل المرة السابقة وهدر بانفعال من ما يراه يجبروت بها:

"إنك تحاولي تقلبي الترابيزة عليا ده مبيمشيش معايا عشان هلبسك التربيزه ببعضها فوشك، سامعة؟!!!! انتفضت على صوته الذي اعتلى فجأة. سالت دموعها وهي تدفعه عنها ولكنه لم يتركها حتى عندما رددت بنبرة باكية منهارة: "ابعد عني حرام عليك، سيبني!!!! تألمت من مسكته خاصة أن جسدها يشتد عليها وجعاً، بينما لم تصمت آنذاك بل رددت بصراخ آخر تشير بيديها الأخرى وسرعان ما وضعتها على معدتها: "ابعد بقولك!!! أنا مش مستعدة أسقط عشان مجنون زيك!!!

ودفعته بعنفوان بذراعها الٱخر تردد بنبرة باكية ضعيفة: "سيبنــي بـــقا !! نظر بذهول لها بينما لم يمسكها بضغط هو. بكت بقوة وعلم أن كل ذلك لم يخرج منه بل من حالتها النفسية. صمت وصوت أنفاسه يعلو بمقدمة صدره وهو يتابع بكاءها المرير ولم تنتظر أكثر بل رددت وهي تضع كفيها على وجهها بتعب تئن بضعف من بين الدموع والحديث: "طلقني، طلقني يا غسان، إحنا مننفعش لبعض والله العظيم!!!

لو تعلم أن حالها وبكاءها يهز ثباته الزائف. ابتلع غصة مريرة بحلقه، وضاع عقله بينما إعتدلت بملامح تتشنج من وجعها وانحنت تحمل هاتفها بينما لم يتركها تنحني أوقفها يلتقطه كما يتلقط علب الدواء التي وقعت بكيسها، وإعتدل يعطيهم لها بصمت مع ملامح جهلت عن تفسيرها، بل ردد بعدها بمنتهي الخواء الثابت الساكن: "وهو نصيب ي بنت الناس. امسكي!! وأكمل يوضح بنبرة هادئة هدوء مريب بالنسبة لها: "وأنا مضحكتش عليكي أنا قولتلك إني هعمل كده!!

الٱن يعلم بأنه يخدع نفسه والخداع إقترب من حقيقة ملموسة تودها هي. بكت وهي تأخذ منه ما يقدمه لها ورددت بغير وعي تسأله بنفس النبرة الباكية: "..يعني ..ايه !!

شملها بنظراته مبتلعاً ريقه بوجع وركز عينيه نحو معدتها حتى تنهد بصوت وإلتفت يتقدم ناحية باب الشقة حتى خرج وأغلقه خلفه دون أي رد. لم يصفعه بل كان غلقه هادئاً جداً مثل كسرته منها ببطئ شديد بهذه اللحظة يعد لها العد في عداد الصبر، ولم تقدر هي بالنهاية كم مرة إلى الٱن تطلب منه الطلاق وكأن ليس على لسانها غيرها. هكذا جاب عقله وشعر بكثرة الضغط عليه دون أدنى شعور أو شفقة منها!!!!

خـراب كثير على الأغلب، وخاصة هما "حازم" الذي صبر بأعجوبة على مرور الليلة واليوم عامة بكل هذه الأحداث التي حدثت. وهي هي لم ترحل من بين ٱحضانه وكأنها الصغيرة التي تتشبت في أحضان والدها. تهاب قسوة العالم من حولها والمكان الٱمن كان ذراعيه وأحضانه. باتت في أحضانه ساكنة يرمي عليها كلمات هامسه بالأمان في غرفته هو ولم يتركها حيث لم يغفل بسبب خوفه من أن تفعل شئ يقدم على الخطر مره أخرى.

وبعد إصرار من "عايدة" على إقامة "حنان"و"فرح" في شقتها حتى وافقوا ووافق "عز" الذي كان صعب عليه ترك "جميلة" هنا خاصة أنها رفضت الرحيل ولم يستطع هو الرحيل من دونها ومن ناحية أخرى كيف ستقيم "والدته وشقيقته" في المنزل دون وجود رجل؟ "عايدة" من حلت هذه العقدة ومرت الليلة بهدوء على الأغلب!

في حين ظلت "زينات" بإنهيار في أعصابها ما ان تتذكر مشهد ابنتها وهي تهرول من الأسفل إلى الأعلى. بمثابة صدمة لم تستطع الخروج منها بسرعة وللطف بقت بجانبها "ياسمين" التي شعرت بها الأمان وراعتها بأقوالها التي طمئنتها! في حين ظل "بدر" هناك مع أشقائة و"وردة"و"يامن" ليبعدهم عن ذلك الجو المتوتر خاصة أن موعد سفره بات قريب ولا يريد أن يتأذى بهما حتى ولو نفسياً. ومن ناحية أخرى لقضاء معهم وقت عائلى هادئ بين أشقائه والأطفال!

كانت "عايدة" تقف بالمطبخ ومعها بعد إصرار كانت تساعدها "حنان" في إعداد الافطار. في حين خرجت "فرح" من غرفتها تتمسك برداء "وسام" وهي ترتدي عباءة أنيقة خاصة بـ "جميلة" كي تستطيع الجلوس بها معهم. طوتها ووقفت على أعتاب المطبخ تردد: "صباح الخير! التفتت "عايدة" تردد بلهفة تعلن عن طيبتها: "دا صباح الجمال يحبيبتي. اقعدي يلا على السفره علي ما نحضر الفطار!!

"حاضر. بس ممكن معلش ي ماما هروح اودي الـ dress بتاع وسام وهرجع علطول يكون الباقي صحى؟ سالتها بهدوء وأخبرت "عايدة" حنان من ضمن الثرثره عن ان "حامد"و"دلال" يستيقظان مبكراً. أومأت لها وهي تحرك رأسها فرحلت "فرح" بخطوات هادئة كي تعطيه لها وتجلب ملابسها لترتديها كي تستطيع السير للخارج بها والعودة لمنزلها. في حين ان رداء "وسام" كان محكماً من ناحية الخصر بارزاً. "صاحية؟

سألها "عز" وهي تستند على قمة صدره بأنفاس تلفح جسده. همهمت بالإيجاب واعتدلت حتى جلست على الفراش، فتحرك هو ببطء، يرفع رأسه ناحيتها وهو يبتسم مرددًا للتخفيف عنها: "أحلى حاجة أصبحت عليها من بعد ما بقيتي في بيتي هو وشك بملامحك دي! ابتسمت بخجل وتنحنحت بحنجرتها، ترجع خصلاتها خلف أذنها حتى نظرت له بأسف، تبرر له:

"أنا آسفة بجد يا عز إني خليتك مضطر تبات، وكمان هما خايفة يكونوا ارتاحوش زي ما خايفة تكوني ارتاحتي انت في نومتك دي. السرير صغير أنا عارفة! لم تفعل كلماتها سوى أنها أخرجت ضحكاته العالية وهو يعتدل أكثر، ناظرًا نحو وجهها ببساطة، حتى قال بجدية مرحة: "لا، مرتاح. أنا أرتاح في أي مكان بشرط تكوني موجودة فيه! زحفت الحمرة لوجنتيها، فتقدم ينال من خديها قبلة هادئة سطحية، حتى ابتسمت له باتساع وهي تجيب على حديثه:

"كلامك الحلو بقا كتير أوي، انت بتعجزني على فكرة! "أنا مش بعجزك، أنا بحبك." قالها بمرح، فضحكت تبدأ في الحديث كي تمتنه له، وبدأت قائلة ولم تكن تعلم هي أنه سيقاطعها بجملته المعتادة: "بس عارف... ضحك "عز" يقترب وهو يميل مشاكساً إياها بمرح هادئ: "لا مش عارف، بس هموت وأعرف والله! اعتلت ضحكتها تستشعر قربه بأنفاسه التي لفحت بشرتها، فحاولت الثبات وهي تبتسم بتأثر من كلماته التي تسلبها، وأكملت:

"كنت بقولك إن وجودك فارق معايا أوي يا عز، أنا حاسة بالأمان وأنا معاك في أكتر الأوقات صعوبة. انت متعرفش أنا بخاف إزاي على فريدة، لولا وجود حازم جنبها أنا كنت نمت معاها وهي في حضني ومسبتهاش! "عارف إنك بتحبيها، بس والله ما تخافي، هي بقت أحسن، بس عايزة شوية مراقبة كده منكم. كله متفاجئ من اللي هي عملته، بس أنا عرفت وحسيت إن طاقتها خلصت خلاص وانفجرت مرة واحدة. عارفة انتي؟

أنا لما كنت بعدي وأعدي لحد ما أحس إني مش تمام وهنفجر في حد، كنت باخد نفسي وأبعد، أروح عالجامع على طول أصلي ركعتين لله وأرتاح. الدنيا دي صعبة ومش بتعلم حد ببلاش. مع إني ببقى قاصد إنها متشوفنيش عشان متفتكرش اللي عمله شريف، بس هي عندي زي فرح، ولو قدامي فرصة أشوف شريف محدش هيجيب حقها غيري أنا. عارف ومقدر خوف حازم عليها عشان حسيته في فرح اللي مكنش ليها غيري. بس هتعدي والله!

رفعت ذراعيها تعانقه بتأثر من كلماته الصادقة، والذي مهما حاول ترتيبها لم يستطع، فكان حديثه يحتوي على أجزاء كثيرة دون شرح بعجز منه، خاصة جزء شقيقه وما فعله. مرر يديه على ظهرها بحب، وسمع صوتها الهادئ بجملة تمنى لو يسمعها كثيراً طوال حياته: "أنا فاهماك، فاهماك والله يا عز من غير ما تشرح!

لا يود السير وراء هذه النقطة من الحديث، بل نهض بالتدريج ونهضت هي أيضاً. فلاحظ خصلاتها المفرودة والطويلة على ظهرها إلى الآن ولم تعقدها. كان يود قول ذلك بقضاءه الوقت معها، ولكن القدر غير كل ذلك. ابتلع ريقه واقترب يستأذن ببراءة زائفة: "ممكن أقولك حاجة بقا؟ توسعت بسمة "جميلة" ومرحت وهي تردد بعشم: "ممكن طبعاً يا عز الرجال! "انت شعرك حلو أوي! خجلت وهي تبتلع ريقها، فسألها بجدية يود الاستفسار عن طريقتها بالاهتمام به:

"وكمان ملاحظك بتهتمي بيه أوي صح؟ أكدت تحاول إخفاء حرجها ووضحت بتفسير قبل أن تقترب من باب الغرفة بعده: "دي حقيقة، ماما عودتني على كده، هي اللي كانت بتهتم بيه أوي، أهم حاجة عندها شعري، ياما اشترت زيوت وحاجات مفيدة، ومكنتش بتشتريلي لوحدي رغم أن فريدة كانت بعيدة، بس كانت برضه بتجيب لها معايا! وأجاب بما لا يتحسب له عند قوله بتلقائية شديدة: "آه منا خدت بالي إن شعرها حلو زيك!

عقدت ما بين حاجبيها، ولم تغفل من ثرثرة "نيروز" عن "غسان" هو الآخر بأنه من صنف الرجال الذين يملكون قوة الملاحظة. لا تعلم هو بأن الآخر قوي الملاحظة بكل شيء، خاصة لأمور الفتيات، أما "عز"، فكان بالفطرة من بين هذا الانتباه. سألته بغيظ من قوله دون مراعاة وقوفها واستماعها لإجابته: "وانت واخد بالك أوي بقا؟ حرك رأسه باندفاع وضحك بغير تصديق ينفي بيديه سريعا وهو يوضح:

"مش اللي في دماغك والله، خدت بالي امبارح بس، لإن شعرها وهي بتقع على حازم وغسان دخل في عيني من الناحية التانية وأنا بشد آدم! كانت بدون حجاب حينها عندما جلست بغرفة "نيروز". قررت تخطي الأمر كي ترفع عنه هذا، وابتسمت بتصديق وهي تؤكد قائلة: "محترم يعني! أجاب بوقاحة مخفية وهو يخرج من باب الغرفة بعدما فتحه: "ده بس مع كله إلا انت!

كانت جملته تلقائية وهو يوليها ظهره ناظرًا بطرف عينيه لها بخبث عندما سمع شهقتها الخافتة على حديثه! "صباح الخير يا حبيبتي، تعالي ادخلي افطري، حماتك دي بتحبك أوي! رددتها "دلال" عندما فتحت لـ "فرح" الباب. ابتسمت لها "فرح" بحرج تحت ترقب "بسام" من الداخل. دخلت عدة خطوات حتى سألت عن "وسام" بعد قولها: "صباح النور يا طنط، أومال فين وسام؟ كنت عايزة أديها ده! وقبل أن تجيب اعتلى صوت "حامد" من. هتف بحبور:

"تعالي بس أقعدي افطري ميصحش تقفي كدة، تعالي! رفضت بحرج وهي توزع الأنظار عليهم قائلة: "أيوة بس انا استأذنت أروح أعطي ده وارجع، هم مستنيني هناك على الفطار أنا آسفة!! أمسكت "دلال" يديها تأخذ منها الرداء ثم سحبتها معها برفق تزامناً مع قولها الغير قابل للنقاش: "والله ما هينفع تمشي، يلا تعالي بسم الله يلا!!

إضطرت للرضوخ خاصة عندما وجدت الإصرار ونظرة "حامد" هو الآخر. ولحسن حظها جلست بالمقعد الفارغ الذي يوجد بحانب "بسام" الذي ابتسم لها بلهفة عندما اقترب تجلس معه قائلاً: "صباح الخير! "صباح النور يا بسام، عامل ايه؟ سألته بحرج وعيني "دلال" تراقبهما بفرحة عفوية تحت اندماج "حامد" ورد "بسام" بمرواغة هادئة يجيبها مطولاً النظر داخل عينيها: "أنا كويس، كويس أوي الحمد لله!

خجلت حينها ومنعت نفسها من رفع عينيها ناحية وجهه، في حين تعالى صوت "دلال" تخبرها بنبرة هادئة مع ابتسامة صغيرة: "غسلتلك لبسك ونشف كمان، هقوم أجبهولك بعد ما تفطري، بس كلي مبتاكليش ليه؟ نفت "فرح" بلهفة وهي توزع نظراتها بينهما: "لا باكل ي طنط تسلم ايدك على الأكل! صمتت "دلال" تنشغل مع الآخر بتناول الطعام، وحينها اقترب "بسام" يجيبها بدلاً عنها: "أنا اللي عامله" رفعت "فرح" حاجبيها بإعجاب وقالت مدهوشة: "بجد؟

أكد بإبتسامة واسعة وما يميزه عن شقيقه أن بجانب إحدي وجنتيه توجد "غمازة" صغيرة ناحية اليسار. حركت عينيها بحرج وقالت مجدداً له: "تسلم ايدك! "انتِ مسكينة أوي! قالها بشفقة فسألت هي بغرابة قائلة: "ليه؟ "علشان فاكرة ان وسام بتصحى دلوقتي! قوله كان بضحك خفيف جعلها تضحك مندمجة وقالت تعبر عن ما فكرت به: "أنا قولت انها ثانوية عامة وبتذاكر للصبح مثلاً وتسهر وكدة!! وقبل أن يرد عليها كانت ابتسامة "حامد" الواسعة وهو ينهض مردداً

لها بلطف: "الحمد لله، كملي أكلك ي حبيبتي افطري كويس! حركت "فرح" رأسها بموافقة محرجة. ولم ينهض ذلك الذي يجلس بجانبها. لا تدري لما ودت أمس واليوم الذهاب لهذه الشقة بحجج. أصلها هي وما تشعره بتخبط. أيقنت أنها معجبة ولكن تترك هذه المشاعر وتتخبط على الفور عندما تتذكر بأنه عاشق لأخرى لا تعلم عنها شئ. وبنفس الوقت تشك وهو من جعلها تشك ليسلب منها تركيزها! هيهات من شبيه حدة الشباب!

إن تركت هي لمشاعرها وازدادت لجعلتها تنساق بعفوية خلف شئ لم تتأكد منه. بل وبمثل هذه العفوية إن أحبته فمن المضحك أن تعترف له أولاً بعفويتها وتلقائيتها هذه! إذن يجب عليها الابتعاد وعدم الرد عليه والتجاهل كي لا تنساق وراء شئ احتمال كبير أنه ليس لها. وهذه تراهات بين عقلها وما تفعله!

لاحظ شرودها هو الآخر فابتلع ما بفمه واعتلى صوت دقات هاتفه فنظرت هي بترقب فنهض كي يجلبه من جيب بنطاله حتى وجد الاتصال خاص بالمستشفى. زفر بضيق ونظر نحو الساعة فلم يتأخر بعد! "في حاجة معاك ولا ايه؟ رفع "بسام" رأسه يبتسم لها ثم قال يوضح بصدق: "لا دا اتصال خاص بالشغل، تلاقي في متابعة أو حاجة فعشان كدة لازم أمشي بدري شوية!

أومأت بتفهم وهي تنهض تحمل الأطباق. وقبل أن تفعل وجدت باب الشقة يفتح بهدوء حتى أغلقه "غسان" خلفه مع رفع نظراته لينظر فوجدها برفقة شقيقه. وقبل أن يتحدث أي منهم خرجت "دلال" تبتسم باتساع له تسأله بلهفة: "صباح الخير يا حبيبي، فطرت ولا تقعد تفطر؟

خرج "حامد" هو الآخر ينظر. بينما صمت "غسان" وتوقف عن الرد لبره. وجدت "دلال" دمعة عالقة بعينيه لم يتركها هو أكثر لتتمعن بل سار بخطوات هادئة يغلق الباب خلفه في وجوههم جميعاً. تحرجت "فرح" من فعلته بينما قلقت "دلال" تردد وهي تنظر نحو زوجها: "بسم الله، ماله الواد!! ألم تنتبه لجروح وجهه أم أن الآخر هرب قبل أن تلاحظ؟ شعر "بسام" بأن المشكلة لم تحل. فتوقفت "فرح" بحرج عن رفع الأطباق بل توجهت بما بيديها للداخل

وخرجت تبتسم لها قائلة: "هستأذن أنا يطنط، عايزة حاجة؟ قصدت عدم حمل البقية ولا غسل شئ للمساعدة بسبب ما استشعرته من أمر خاص بينهما. لم ترفض "دلال" أومأت حتى انسحبت "فرح" تخرج من الباب تحت تقدم "دلال" كي تدق على باب غرفة "غسان". وقف "حامد" يستشعر حدوث شئ. في حين سمع الاثنان صوت "دلال" القلق وهي تدق الباب دقات متتالية: "افتح كده ي غسان، مالك ي بني، فيك ايه؟ افتحلي كده سمعني صوتك!

لم يأتيها الرد بل وقف خلفها "حامد" يترقب في حين تقدم "بسام" يوقفها: "سيبيه ي ماما تلاقيه مخنوق من حاجة وهيفك، سيبيه مع نفسه شوية!! هو الوحيد بين أشقائه الذي يظهر عليه تخبطه وعدم قدرته على الكذب والمراوغة. لذا علم "حامد" أنه يعلم. لو لم يكن كذلك لوقف أولاً يري ماذا حل بشقيقه. "رد على امك ي بني وريح قلبي، مالك فيك ايه ومروحتش الشغل ليه طيب!!!

زفر "بسام" منها في حين تقدم "حامد" يحاول فتح باب الغرفة. لم تفتحه الأخرى كي لا ينفعل عليها من بالداخل بينما فتحه حتى وجده يقف مولياً ظهره لهما. تقدم "حامد" يتنحنح ثم قال قبل أن يتقدم: "مبتردش على أمك ليه ي غسان؟ وقبل أن تتقدم "دلال" أشار لها "حامد" بالتراجع وبالفعل تراجعت بقلق تخرج وهذه المرة. دخل "بسام" غالقًا الباب خلفه، ولكن ليس بالكامل.

في عُرفهم، ليس عيبًا أن يهبط الرجل دموعه. اعتاد الثلاثة على ذلك. فعندما التفت "حامد"، وجد دمعة واحدة تسيل على وجنتيه بخواء. نظر بذهول وقلق. هو ليس سهلًا أن تهبط دموعه بهذه السرعة. رفع "حامد" كفه بلهفة، يرفع رأس الآخر، تحت خوف "بسام" الذي وقف بجانب والده. بينما سأله "حامد" بلهفة: "مالك يابني فيك إيه، قولي؟ عندما دفع ذقنه، نظر "غسان" بعينيه والتفت يهرب، مجيبًا باقتضاب: "مفيش!

نظر "حامد" و"بسام" إلى بعضهما. بينما خلع "غسان" ملابسه العلوية، يفتح الخزانة كي يبحث عن ملابس بقت هنا. وردد بما صدمهم وشل ألسنتهم: "اعملوا حسابكم إني هطلق نيروز، عشان يبقي عندكم خبر بده! صُدم "حامد". في حين نظر "بسام" بغير تصديق. ووقفت "دلال" مكانها بصدمة، بعدما كانت تحمل كوب مشروبها المفضل لتراضيه وكأنه صغير. شهقت، تدفع صدرها بيديها، وقالت بحسرة مصدومة وهي تدخل من الباب: "يا لهوي!! اعتلى صوت "حامد" في الحال،

ينهره بغير تصديق: "انت مجنون تطلق مين وليه؟ هو إيه اللي كان حصل؟ هو شغل جنان، ما انتوا كنتوا حلوين مع بعض! قذف "غسان" الملابس أرضًا بانفعال، وردد يخبرهم بما يغلق هذا الحوار: "هو ده اللي عندي، ومن غير ليه! "طب قولي بس يابني إيه اللي حصل وإيه لازمة شقلبة الحال دي، حرام عليكم! بما سيعطيهم من أسباب. ابتلع ريقه وتقدم ناحية الشرفة، مرددًا باختصار وهم خلف ظهره: "معنديش أسباب تتقال. عادي، ملناش نصيب مع بعض!

كانت جملته موجعة. دخل وهو يحمل علبة سجائر بيديه. وجلست "دلال" بغير تصديق على فراشه، حتى سالت منها دمعتها بحسرة وهي تندب. في حين تقدم "بسام" خلفه يسأله، ومعالم الصدمة لم تختفِ: "يعني إيه يغسان الكلام ده؟ هو أي مشكلة بينكم حلها هيبقى الطلاق؟ إعقل واهدي كده ومـ... "ده آخر كلام عندي، ودي حياتي وأنا حر فيها!

قاطعه قبل أن ينهار، يكابر بخداع. بينما تقدم "حامد" بغضب هذه المرة، يمسك ذراع "غسان" يسحبه معه ناحية الداخل مرة أخرى، حتى اندفع بيديه يلتقط العلبة من بين يديه وقذفها أرضًا، مع قوله المنفعل: "يعني إيه انت حر؟ انت مش حر لوحدك، ولا مراتك دي جاية من الشارع من غير أهل. لازم تفهمني السبب وتحترموا الناس الكبيرة اللي بينكم. وبعدين إزاي، فهمني كده وانت مراتك حامل؟ هتسيبها كده إزاي!

وبخه بصوت منفعل، بينما هو تعمد البرود كي يرحلوا من فوق رأسه. عندما نظر لـ"بسام" وأردف بلامبالاة زائفة: "خدّهم يا بسام الله يسترك وحلّوا عني وعن دماغي، يلا! تقدم ناحية "والدته" ينتشل الكوب من بين يديها كي يتجرع منه، تحت ذهول "بسام" و"دلال" التي توقفت عن البكاء. في حين نظر "حامد" له بصمت، وردد بنبرة أهدأ من قبل يسأله: "يعني انت مش هامك حتى إنك داخل على مسؤولية، ولا كنت في مسؤولية؟

أسند "غسان" الكوب ورفع عينيه، يبتلع ريقه. وجد "حامد" أن هذه النظرة تخفي الكثير. بينما ردد الآخر بنبرة جاهد بها الثبات: "أنا متخليتش عن مسؤولية اللي جاي. كل اللي قولته إن ملناش نصيب مع بعض وكل واحد هيروح لحاله! تعالى نحيب وبكاء "دلال". في حين نفى "حامد" بيأس من الذي يصر على الوجع. في حين اندفع "بسام" ينهره: "انت غبي! إحنا بنقولك اعقل وفكر بالهداوة، تقول هطلق؟ طب بتظلم اللي في بطنها معاكم ليه؟

ليه قررتوا تخلفوا وانتوا الاتنين مش ناوين تعقلوا؟ اعقل يا غسان، الطلاق مش بالبساطة دي، انتوا في بينكم طفل، حرام عليكم تظلموه! أشار "غسان" بعدها ببوادر انفعال، يخبرهم بما ينهي هذا النقاش: "وأنا قولت ده اللي عندي وأسبابي متنفعش تتقال، ومحدش يتدخل فحياتي!

خرج من الغرفة بانفعال، حتى دخل مرحاض الطرقة وأغلق الباب خلفه، سامحًا لسقوط ذلك القناع الزائف الذي رسمه للقوة كي يخبرهم، حتى لا يندفع أحدهم بإلقاء اللوم عليها هي. ملامحه المنكسرة لو رآها أحد أفراد عائلته، سيصبح اللوم متوجهًا لها هي وحدها، خاصةً أن انكساره لا يظهر إلا عندما يكون الوضع صعبًا للغاية. سالت دموع "دلال" وهي تنهض خلفه، فأغلق هو باب المرحاض، ولكنها هرولت ناحية غرفتها تلتقط هاتفها، كي يأتي له ذلك الذي يبرع في التعامل معه، ولم يكن سوى "شادي" صديق أيامه.

التفت "حامد" ناحية وجه "بسام" وتنهد بتعب، يسأله بنبرة لا تحمل النقاش: "انت عارف اللي حصل؟ اهتزت ملامحه وقال ينفي بصراحة: "لا معرفش السبب! شعر إنه يجب عليه التحدث بما رآه أمس، رغم تحذيرات شقيقه، ولكنه لم يرَ سوى شيء واحد، وهو وجود حل لهذه المعضلة. واصل يكمل بارتباك: "بس حصل حاجة مش فاهمها لحد دلوقتي! "قولي يا بسام اللي حصل وإخوك راسه مبطوحة من إيه ووشه عامل كده ليه؟

لم تأخذ "دلال" انتباهًا، بل انشغلت في أمره منذ أن رأت وجهه منطفئ هذه المرة. في حين صمت "حامد" ينتظر. فأومأ "بسام" يتنفس بصوت، وهو يمسك يد "والده" يسنده ناحية غرفته، مع قوله الهادئ: "حاضر هقولك على اللي شوفته يا بابا، بس ياريت نلاقي حل بسرعة! وعلى بعد منها، كان صوتها الباكي يجيب على الاتصال: "بسرعة يا شادي، أنا مش عارفة إيه اللي حصل، تعالى له عشان خاطري في أسرع وقت، انت اللي هتعرف تتعامل معاه...

وبعد وقت، كما أخبرهم هو، وقفت هي تخبرهم بالمثل. حينها سمعت صوت شهقة "سمية" ووقوف "ياسمين" باندفاع، مع "حازم" الذي تركهم بعد تناول الإفطار ورحل يرى "ياسمين". صرخت "سمية" في ابنتها بصوت عالٍ، وجابت بصوتها مسامع "عايدة" في شقتها التي انتفضت: "يا مصيبتي، انتي بتقولي إيه يابنتي؟ بتقولي إيه؟ سقطت دمعة "نيروز" وهي تحرك رأسها لتؤكد، تزامناً مع خروج "زينات" من الغرفة بسرعة. حينها سمعت قول "نيروز" المتألم:

"بقول اللي سمعتيه يا ماما، أنا وغسان هنطلق! اقتربت "ياسمين" بملامح متشنجة، واندفع الغضب لرأسها عندما سألها بتوبيخ مع صوتها العالي: "انتي مجنونة؟ طلاق إيه اللي بتقولي عليه ده؟ ما الدنيا كانت فل بينكم، إيه اللي حصل؟ جلست بانهيار على المقعد، ونفت تضرب ساقها بانهزام، كي يتركوها مع وجعها: "معرفش، معرفش، ومحدش يضغط عليا بقى، أنا حرة في حياتي، وده قراري!

وضعت "سمية" كفيها على رأسها بتعب، ورددت بغير تصديق، تزامناً مع اقتراب "حازم" من "نيروز" بقلق أخوي عليها: "يخيبتك في بناتك ياسمية، يخيبتك واحدة مجنونة عايزة جوزها يدب خناق لرب السما وهي مش عارفة شر اللي قصادها، والتانية جاية تقولك هتطلق وهي حامل مكملتش كام شهر جواز! نزلت دموعها حينها، وقبل أن تتحدث أكثر. جلس "حازم" يشير لـ"نيروز" برفق، كي تنتبه، حتى قال بهدوء يتعاكس مع حال زوجته ووالدتها:

"اهدي بس يا نيروز وقوليلي إيه اللي حصل، احكيلي يمكن نلاقي حل مع بعض، مش كل حاجة طلاق، الطلاق مش بالساهل، خصوصاً إن في بينكم طفل جاي! وانتي وغسان بتحبوا بعض، إيه اللي حصل؟ بكت بانهيار. فربت على كتفها، بينما بكت هي ولم ترد بأي حديث. تزامناً مع فتح "سمية" باب الشقة وصرخت "ياسمين" لها كي تنتبه بقولها: "ما تردي تفهمينا إيه اللي حصل؟ اتكلمي!

وعقب ذلك القول دخلت "عايدة" مسرعة وخلفها "جميلة" و"عز" و"فريدة" وحتى "حنان" و"فرح". وهتفت "سمية" بتحسر وتقطع مقهور على الحال وهي تجذب انتباه "عايدة"، أقرب المقربين إليها: "تعالي يا عايدة شوفي خيبتي في بنتي. تعالي شوفي نيروز اللي غاوية وجع قلب وبتقولي هتطلق. طلاق إيه؟ طلاق إيه يبنتي حرام عليكي!

وقف "عز" مصدوماً بجانب "حنان"، بينما هرولت "جميلة" و"فريدة" و"فرح" باتجاه "نيروز" التي كانت تبكي بصمت كاسر، وكأنها هي التي لم تفتح هذا الباب من الوجع مجدداً للمرة الثانية. عانقتها "ياسمين" بإستسلام عندما رأتها بهذه الحالة. ونظرت "جميلة" و"فريدة" لـ "حازم" فبادلهم النظرة بجهل شديد عن ما حدث بينها وبين "غسان". احتوت "حنان" و"عايدة" "سمية" في حين وقف يدق "حامد" مع "بسام" جرس شقة "سمية". وعقب ذلك دخلوا مهرولين عندما رأوا هذا التجمع. وقفت "سمية" بإندفاع تسأل "حامد"

هذه المرة بتحسر: "يعني إيه ابنك هيطلقها يا حامد؟ حد يقولي يعني إيه ويفهمني أنا دماغي خلاص حرام عليكم! وقف الكل يترقب قوله. في حين أخذ "حامد" أنفاسه ببطء ورفع رأسه أكثر يخبرهم بهدوء: "ممكن تسيبوني مع نيروز شوية لوحدنا؟

تبادلوا النظرات. وخرج "عز" ساحباً يد "حنان" معه واليد الأخرى كانت بها "جميلة" التي خافت من رؤية "نيروز" بهذا الشكل. بينما هربت "فريدة" كي لا تسوء حالتها من هذه الأجواء التي لا تنتهي هذه المرة. هرولت تجلس بمحل الورد في الأسفل. وبخفة كانت "ياسمين" تجلس بالخارج برفقة "سمية" التي كانت تنهرها "ياسمين" على بكاءها هذا. ووقف "بسام" بجانب "حازم" وهم يرون الآن انسحاب "نيروز" ناحية غرفتها مع "حامد" كي تقص عليه بنفسها ما حدث بكل هدوء.

ابتلعت "زينات" ريقها بتوتر عندما لاحظت انسحاب "فريدة". ولكن نظرة "حازم" طمئنتها لأنه هو من حثها على الذهاب من هنا. إلتفت "حازم" برأسه يسأل "بسام" بترقب: "خير ي بسام إيه اللي حصل ي بني لكل ده؟ وفين غسان؟ وجد الحزن على ملامحه عندما رفع "بسام" رأسه وهو يتنهد ثم قال يجيبه: "صدقني معرفش اللي حصل. وغسان مش شايف قدامه ولا عايز يتكلم ومش طايق لحد كلمة!

زفر بصوت وسحب "بسام" معه بذراعه تجاه شقة "حامد". حتى دق الباب بهدوء. غير غافلاً عن أنه إلى الآن لم يأخذ حقوقه من الشقة المقابلة لشقة "حامد". لحظات وفتحت لهم "دلال" بعينيها الباكية. دخل "بسام" مع "حازم" تزامناً مع إرتداء "غسان" قميصه على نصفه العاري دون غلق الأزار. واللفافة لا تفارق شفتيه. جلس يرتدي حذاءه بغير اهتمام أمام أعينهم. وبعدما انحنى اعتدل يغلق أزاراه نافثاً دخان سيجارته بشراهة. ومن ثم اعتدل ينهض وهو يغلق هاتفه. وقبل أن يخطو أكثر ركز عينيه على الثلاثة. وسأله "بسام"

بإستفهام: "انت رايح فين دلوقتي ي غسان؟ تركهم مولياً ظهره ليفتح الباب مردداً بفظاظة يختصر الرد بـ: "فـ داهية! وضع "حازم" يديه على الباب يرفض خروجه. فأغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر. وكما فعل تقدم "بسام" يكمل ما فعله "حازم" ولكن بالقول: "مش قبل ما تشوف مشكلتك مع مراتك. روحلها هناك طيب واتكلمو أكيد هتلاقوا حل وأبوك هناك. الدنيا مقلوبة وانت مش حاسس! "تتقلب محدش ليه دعوة. دي حاجة بيني وبينها ومتفقناش يبقي خلاص!

صمت "بسام" مضطراً كي لا ينفعل. بينما مال "حازم" ينظر بقوة داخل عينيه. كيف لا يعلمه وهو صديقه هو الآخر. هتف بجملة واحدة أراد بها أن يهز ثباته الزائف أمام أعينهم: "انت مصدق نفسك؟ حاول "غسان" فتح الباب. ولم تقترب "دلال" كونها تعلم حالته. هذه المرة لم ينصت أي منهم لتركه عندما يكون كذلك. بل إقتربوا وما فعلوه لا يختلف عن "نيروز" التي لم تتركه هي الأخرى بوقت انفعاله. ولكن الأمر يتطلب التدخل. دفع الباب وضربه بساقه حتى

رفع عينيه يردد للآخر بحدة: "ابعد ي حازم خليني امشي! نظر "حازم" نحو أزرار قميصه المفتوح أكثر من أن يغلق وجسده الذي يظهر. فردد يشتته كي يهدأ: "هتمشي كده؟ وقفت "وسام" في الخلف بغير فهم عندما استيقظت على هذه الأصوات. ركضت نحو "والدتها" الباكية التي رددت عليها بحسرة ما حدث تحت مسامع "غسان" الذي تشنجت ملامحه أكثر وهو يحاول دفع الباب: "بقولك ابعد. انت هتحبسني!

بينما من جهة أخرى لم تصدق "وسام" ما ارتمى على مسامعها. تعلم هذه الحالة التي لبسته الآن من انفعال. ابتلعت ريقها وهي تركض ناحيتهم أكثر تحت إصرار "حازم" عليه بعدم الخروج ومساعدة "بسام" له إلى أن يأتي "حامد" أو "شادي" على الأقل. بينما هتفت "وسام" من خلف ظهره عندما وجدته يدفع الباب بغضب: "غسان! هي من احتوتنه في قرار الطلاق الأول. ولم يسرد لأحد سواها على ما اعتراه من مشاعر موجعة. تنفس بصوت مسموع والتفت برأسه لها فوجدها

تردد بنبرة على وشك البكاء: "بلاش يا غسان.. نيروز حامل! وكأنها تخبره لأول مرة. رأى دمعتها الصادقة في خوفها من الخراب. حرك عينيه بعشوائية وضيق مع لمحة من الحزن التي ظهرت في تنهيدته. وعقله لا يتوقف عن قول جملة بأنهم لا يعلمون ما حدث فعلى ماذا يحكمون دون علم. وبين قلبه الذي يرفض. بينما كرامته كرجل طغت على كل ذلك عندما تهجمت ملامحه يدفع بذراعه "حازم" و"بسام" مردداً لهم بنبره جادة جامدة:

"ٱنا مش فاضي لشغل العيال بتاعكم ده. عدوني ورايا زفت شغل! دفعهم وفتح الباب حتى خرج بإندفاع وهم خلفه. وأوقفه عن التقدم ناحية المصعد خروج "حامد" الذي نظر له وهو يرحل. الغريب أنه تركه يرحل. وأشار لـ "بسام" هو الآخر باقتضاب وكأن شيئاً لم يكن: "سيبوه. وروح شغلك انت كمان يلا عشان ميحصلكش مشاكل. انت اتأخرت! وقف حائراً من الذي يحدث. بينما انسحب "حازم" بيأس ينظر نحوهن في داخل شقة "سمية". ودخل "حامد" شقته حتى وقف. وقبل

أن يسأل أي منهم ردد بحزم: "أنا مش عايز لك وكلام كتير. الموضوع مش عايزه يكبر أكتر من كده. خدي بنتك واعقلي ومتفرجيش حد علينا. وابنك هيجي ويهدي ونتفاهم. خلصنا! دخل يتركهم ناحية غرفته. بعدما ترك "بسام" يقف متعجباً من الحالة التي لبسته هو الآخر. وظهرت بوادر الضيق عليه عندما اندفع هو الآخر بغير رضا للذي يحدث ورحل من الشقة ناحية عمله.

انصاعت "دلال" و"وسام" لحديث "حامد" الحازم. تركته "دلال" وهي تجلس بقهر تنتظر قدوم "شادي" على أخر من الجمر.

وقف "حامد" بتخبط وشفقة عندما قصت عليه "نيروز" ما حدث بكل صدق. هي أخطأت وهو الآخر مخطئ، بينما خطأها أكثر منه. ابتلع ريقه يحاول أخذ أنفاسه، وعلم الآن ما يجتاح صدر ولده من مشاعر موجعة لرجل يحب، وانخفضت كرامته للأسفل. يعلم تمام العلم أنه مهما كان صوابًا، يظهر بأنه المخطئ بسبب أفعاله وأقواله. ثم ليزيد الخطأ عليه أكثر في حين بأن من البداية لم يكن عليه ولو ذرة لوم، بأنه الخطأ.

-وقفت تحاول إلهاء نفسها بأنفاس لاهثة تهرب من أفكار كثيرة تداهمها عندما ترى بأن الوضع يضيق. تحاول الهرب من نفسها ومن عقلها، وهذا موجع موجع جدًا. أعدت كوبًا من الشاي هذه المرة. ووجدت أحدهم يدلف إلى الداخل كي يبتاع باقة زهور أو ماشابه. رحبت بالزبون بحرارة، وتركته يختار دون مساعدة. وشردت مرة أخرى كلما تتذكر ما حدث لها وما كانت ستقدم عليه من انهيار. لا تصدق بأن عقلها اختل لهذه الدرجة. باتت تكرههم بشدة، ولولا هو لما نجت من هذا الضياع والهلاك التي كانت ستذهب له دون رحمة.

أنقذها. وكأنها تسأل ولا تصدق بأنه كان على حافة السقوط من أجلها. تعثرت قدمه أكثر من مرة. ولأن أمس لم تستطع تذكر التفاصيل، بينما الآن من بداية اليوم تتذكر وتعي ما حدث. أخذت أنفاسها بهدوء، تهرب من ما تكنه له. باتت لا تفهم، وبعد ما فعلته بنفسها بلحظة انهيار، الكل سيرى أنها مختلة عقلية، لا يصح لها إلا مستشفى الأمراض العقلية.

جزء من كبريائها يهاتفها الآن كأنثى تتحسب النظرات في عين الغير تجاهها، ولم يهمها سواه. هل هرب ولم يطمئن عليها لأنها باتت لا تصلح له؟

نفضت من عقلها عندما حثتها الفتاة على أن تغلف لها ما قدمته أمامها، وسألتها عن السعر. ابتسمت بترحاب أكثر كي تكسبها لتأتي مرة ثانية. وهي من انتشلتها من أفكارها المتداخلة والتي على وشك الاعتراف لنفسها بأنها بالتأكيد أصبحت تكن له شيئًا بداخلها. وبين استنكار وخداع لنفسها، رفضت وهي تعلم بأنه يخدع قلبها. لا تعلم هي بأن القلب قادر على كشف أي خداع، ولا يعرف طريقًا إلا للصدق. وعلى فجأة جاب سمعها صوت دراجته البخارية. هو هنا؟

جاء؟ أم أنها كلما تفكر بشخص يأتي؟ تقدمت على أطراف قدمها أكثر كي ترى من بالخارج. فلاحظت الفتاة ذلك وابتعدت بلطف كي تستطيع "فريدة" أن ترى. ويديها تعملان على تغليفه ما لديها. انتهت تتصنع عدم رؤيته عندما دخل، وصوت مفتاح الدراجة مع مفاتيح أخرى يتسلل لأذنيها. أخبرتها بالسعر وأخذته، وشكرتها الفتاة ورحلت من جانب "آدم" الذي وقع بصره عليها بتلقائية. ولاحظت "فريدة" تمعنه.

والغريب بأنه تعمد عدم تذكر أمس بكل ما حدث منها. رغم خوفه، ولكن تراقصت دقات قلبه فرحًا برؤيتها كذلك. تقدم "آدم" يبتسم باتساع، وتفاجئ بشدة من اندفاعها وهي تسأله بآخر ما كان يتوقع سماعه من هذه الشرسة: "حلوة؟ سألته عن الفتاة ورواغ بابتسامة واسعة عكس ما احتلّه من مشاعر الآن. بل سلط نظرة على عينيها وقال بعمق، يقصد عدستيها بخبث: "أوي!

اهتزت عينيها ورأت دموعها بها، كما نظرتها هذه تظهر الحزن المفاجئ. ابتلعت ريقها ومحت تورطها من عينيه التي تحاوطها، وقالت: "إيه اللي جابك؟ "تعرفي؟ بيقولوا الملافظ سعد." تعمدت تجاهله كما تتعمد كل مرة، وأشارت بعينيها بغير اهتمام حتى رفعت الكوب تنجرع منه، ونفت باختصار: "لأ معرفش!

هبطت عينيها ناحية المفتاح وما علقه به. المفتاح الذي بيديه معه ميدالية اسم آدم التي ابتاعته له مثل البلهاء دون مسمى. نهرت نفسها سرًا من تسرعها. وكأنه أدرك ما تفكر به حيث قال بسعادة هادئة عبثية: "عمري ما هفرط فيها أبدًا! "مكنتش جايباهالك. اتلخبطت وجبت آدم بدل أدهم! هربت بعينيها كي لا يكتشف كذبها، بينما نبس هو بضحكة عالية أثارت انتباهها بغير وعي: "كذابة." "لأ مش كذابة."

اندفعت ترددها له تحت بسمتها التي خرجت على ضحكته، فتاه بين ملامحها وقال قوله المعهود: "اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا." وكالعادة أجابت بعناد: "لأ بيعرفوا." "طب عيني في عينك كده!! هذه المرة أثار تحديها، ونهرت نفسها وقررت مواجهته، وقبل ذلك مواجهة نفسها كي تثبت لكل أفكارها بأنها لا تحمل تجاهه أي مشاعر. وعندما رفعت عينيها، صمتت العيون بحديث عاجز، وتحدثت القلوب عندما خفق قلبها بشدة من عينيها التي تعلقت به. كيف حدث؟

ليس هذا السؤال الذي جاء على عقلها، بل لا تدري كيف اقترب وباتت عينيه داخل عينيها بنظراتها هذه. وللحظات، توقف ينظر نحو جرأتها الزائفة، وحزن للحزن الذي بات رفيقًا لعدستيها. والغريب بأنه استشف ذلك الحزن من قبل، وسألها دون أن يعلم كل ما حدث. وعلم بالنهاية أن حديث القلب والعين يتوافق، بينما العقل خبيث يشتت صاحبه. رمش بأهدبه يردد باسمها بتيهان كي يعترف: "فريدة!

وكأنه أخرجها من دوامتها. ابتلعت ريقها من ما فعلته، وهربت بعينيها تلتفت وهي تردد بتخبط مهتز ظهر له وٱخيرًا استطاع أن يلجم حديثها. حديث هذه المندفعة بشراسة التي تحاول محو طيبتها، رغم أنها تظهر وهو وحده أمام عينيها خبير: "نعم! توقف وأراد أن تلتفت كي يعترف وهي تنظر له، بينما لم تلتفت هي. ولكنه ردد بحديث آخر مختلف: "أنا عايز أقولك إني خوفت أوي امبارح! ابتلعت "فريدة" ريقها وهي تلتفت تنصت باهتمام، وواصل هو بصدق شديد:

"تاني خوف حسيته بعد خوفي من إني أخسر أمي! وأكمل بعمق وتأثر تحت ملامحها التي تتراخى باندماج واهتمام وهي تنصت: "بس هي مشت وسابتني متعلق ومخذول. انت هتمشي؟ أصبحت تتأثر، وكلما تريد أن تثبت العكس لنفسها، هي من تخذلها وليس آخر سواها. تقطعت أنفاسها من ما شعرت به من خذلان لأجل ما فقده. وابتلعت ريقها، ولكن لم يخرج الحديث، بل خرجت هزة رأس خافتة جدًا تنفي بها. تهللت أساريره في الخفاء، وعاد يسأل: "ولا هتسيبيني متعلق حتى؟

تاهت عينيها بتقاسيم وجهه، ولمعت بدمعة تشتت، وقالت بجهل ظهر بوضوح: "مش عارفة! اقترب "آدم" يخطو أكثر حتى وقف أمامها وقال يذكرها: "طب فاكرة لما سألتيني الحب بالنسبالي إيه؟ أكدت هي برأسها بابتسامة صغيرة، وأخذ "آدم" نفسًا عميقًا يسرد باقي ما بدأه: "ساعتها جاوبت وسألتك زي ما سألتيني، بس مكنتيش عارفة الجواب. بس عايز أعرف عرفتيه دلوقتي ولا لسه مش عارفاه؟ وصمت مقررًا قول الآتي بصدق:

"لو لسه مش عارفة، أوعدك إني مش هفتح الموضوع ده تاني وهبعد عنك! كان صريحًا. فقد كل ما أصبح يهمه هو راحتها، واعتبر نفسه عبئًا عليها. رغم أنه طلبها دون مشاعر تكنها له، ولكنها استشعرت ضغطها منه. لا يعلم هو الآتي منها. صمت ينتظر الجواب لفترة. ورغم حالتها النفسية، ولكنها تشتت كلما تهرب من الحقيقة تواجه بها إما مع نفسها أو معه هو، ومع عينيه الجادة الحازمة التي تغلب عينيها وتجعلها تتعلق بها دون وعي منها. أهذا هو الحب؟

أهذا هو عندما يتعرض للخطر من أجل آخر لم يعطه أي جواب لمشاعره؟ أهذا هو التخبط الذي بداخلها؟ أهذا مع نظرة عينيها التائهة؟ وحديث قلبها الذي ود لو يصرخ لينفعل من كثرة إشاراته ودقاته تحت مسمى الحب لاسم من ثلاثة حروف؟ آدم. "آدم" انتظرها فترة ولم تجب. أعطاها المهلة الكافية وعلم أنه يضغطها، لذا ابتسم بألم داخلي. ولكنه ضغط نفسه لأجلها كي يصبر، وقال متخليًا بفقدان أمل:

"ولا يهمك لو معندكيش الرد خلاص، أنا مش حابب أضغطك وهمشي عشانك قبل عشاني. بس عايز أقولك إنك مش قليلة على أي حد، انتِ كتيرة أوي وحلوة كمان ومش أي حد يستاهلك. يا بختي في الوقت اللي راح ده عشان كنت معاكي، حتى لو بخناق. فـمـ... الصادم هو الآتي. الصادم له ولها. عندما ابتلعت ريقها، غمضت عينيها وهتفت بإعتراف، ولم تعِ بأنها الآن من بدأت قول شيء قبله هو شخصيًا: "آدم.. أنا بحبك!

انتفض بغير تصديق، وبرزت حدقتاه بذهول. هذه المتنحة المستفزة كما يلقبها، والثقيلة التي تتجاهله، تعترف قبل أن يعترف هو؟ ماذا حدث؟ ارتجفت أوصاله بدلًا منها، وكأن الوضع معكوس بطريقة ساخرة مضحكة. ابتلع ريقه بغير تصديق، وحك أذنه بذهول، مرددًا: "قولي تاني كده! "لأ! التفتت تهرب على الفور وهي تدخل إلى الداخل أكثر، ولكنه قاطع هذا بلمح البصر وهو يقف حتى قال يسألها بمواجهة. وقبل أن يسأل، وجد دموعها تهبط. تلهف، وبدلًا من أن يتأكد،

سألها بقلق: "مالك طيب إيه اللي حصل؟ دا أنا ملحقتش أفرح!! وب تلقائية كشفت أوراقها، تخبره بصراحة: "مش عارفة ده حصل امتى وإزاي!!! وأكملت بضعف ظهر أخيرًا أمام عينيه: "وخايفة! "مني؟ سألها بابتسامة صافية حانية. فنفت تسرد بصدق أكثر: "من الأيام لو جمعتني بيك! "واثقة تحطي إيدك في إيدي وتسيبي الباقي عليا؟ تشتت وسالت دموعها تداهمه بأوجاعها: "خايفة توجعني بأي كلمة ومتستحملنيش!

حاول التخفيف عنها، ومال يلتقط وردة صغيرة هادئة مختلفة، واعتدل يجيبها تزامناً مع تقديمه الوردة لها: "دا أنا أبقى ابن كلب لو عملت كدة لواحدة حلوة أوي كده زيك! ظهر خجلها، وانتشلت من بين يديه الوردة، ترددت بتهكم، غير غافلة بأنها اعترفت قلبه وتنتظر اعترافه، رغم أن تمسكه وكلماته تظهر لها اعترافه، ولكنها تريدها منه كي تطمئن: "بتعاكسني زي أدهم؟ تحدث بعدما ضحك بغير تصديق، وقال مع ضحكته الهادئة: "هو أدهم عاكسك قبل كده؟

أكدت وهي تستنشق الوردة مع ابتسامة جميلة زينت وجهها: "آه" "عنده نظر! قالها "آدم" بفخر. فضحكت "فريدة" من بين دموعها، ومسحت وجهها برفق، وارتبكت من قربه. ولكنه عاد يبتسم باتساع. فرفعت عينيها حتى تعلقت بعينيه، وهو يضع يديه في جيب بنطاله: "معايا حاجة إترددت أوريهالك وألبسها، بس انتي سبقتيني وادتيني الميدالية، مع إني عاملها قبلك بس مش في مفتاح!! ترددت نظراتها، وأخرج ما صدمها من جيبه عندما قدمها أمام عينيها، وابتسم يفسر

ليخرجها من حالتها هذه: "فاكرة يوم ما اتصورتي معايا أنا وأدهم وأنا نزلت أخذ الصورة معاكم، لما كنتي ماسكة تليفوني وانتِ اللي اخدتي الصورة؟ ابتسمت بتأثر، وهي تؤكد. ففسر مجددًا: "اليوم ده قصيت صورة عينيكي صورة لوحدها، وبعدها قررت أعملها حاجة تتلبس في الإيد وعملتها. كنت ناوي ألبسها لو كنتي قبلتي يوم ما قولتيلي هديك ردي في محل الورد بليل، بس محصلش. بس بعد اعترافك ده...

توقف ينظر نحو ملامحها، وبدأ بفك القفل الصغير من هذا السلسال الخاص بالسوار المعلق به صورة أعينها على خشب أنيق صغير بطريقة حديثة: "بس بعد اعترافك ده، عيونك هتبقى في إيدي، وهحافظ عليها!!

ربما قوله بقصد لشيء آخر. تخللتها شعور السعادة والإطمئنان، توسعت بسمتها أكثر وهي تراه يرتديها ببسمة هادئة على شفتيه. وجاء عند غلقها، وقدم كفه بمعصمه لها يشير لها بأن تغلقه. ارتجفت يداها، وعملت على إغلاقه وهي تنظر باهتمام لكفه، في حين بدأ يتحدث من جديد كي ترفع عينيها له: "فريدة!

همهمت بانتباه، ورفعت رأسها تنظر بعينيها داخل عينيه. وهيهات من عقل مثل عقله عندما قرر الاعتراف على سهوة غير متوقعة، ليشعرها بسعادة ما شعرها من فعلتها واعترافها المفاجئ والغير متوقع: "أنا بحبك! لم تكن تعلم بأن ضربات قلبها ستتسارع بمثل هذه السرعة. شعرت بسخونة أذنها أسفل حجابها. ابتعدت عنه تمسك السلة الصغيرة لتراعي الورود، بينما أحاطها بعينيه وتنهد يشاكسها من خلف ظهرها عندما تذكر دموعها قبل لحظات:

"بس علفكرة، أنا لسه مصمم إن شكلك مش حلو وانتِ بتعيطي! أتاه ردها المعهود وهي تعطيه ظهرها بغير اهتمام زائف: "محدش طلب منك تعطينا رأيك! وقبل أن يردد بالجملة المعتادة، اندفعت تقترب وهي تنفي بنفاذ صبر تشير له قبل أن يتحدث هو: "ولا... رأيك مش أمر مفروض ولا أنا شاطرة. ارتاحت! آقترب يهمس قبل ان يعتدل ليتجهز للخروج: "آه، النهار ده بس ارتاحت وقلبي كمان ارتاح! واعتدل مع فعل صوت لمفتاحه بين يديه فترقبت تسأله: "انت ماشي؟

"مفيش شغل النهاردة الورشة متفتحتش. أنا كنت جاي اطمن عليكي! ابتسمت ببساطة وسهولة هذه المرة. ووجد لمحة الحزن في عينيها فاقترب يسألها: "بس مش همشي قبل ما أعرف سبب زعلك المختلف اللي باين فعنيكي! تنهدت تخبره بما صدمه في الحال: "نيروز وغسان هيطلقوا! قوس "ٱدم" حاجبيه بغرابة وهتف بغير تصديق: "ازاي؟ دوا بيحبوا بعض أوي. وامته لحق يحصل ده؟ "معرفش. مره واحدة لقينا الدنيا بتتقلب بالكلام ده. خدت بعضي ونزلت عن الدوشة والصريخ! ود ان

يطمئنها فقال بملامح تراخت: "أقولك على حاجة؟ وجد الفضول في عينيها فقال جملة لم تتأكد منها بالقوة، عندما قال يخبرها: "غسان ده بؤ. فمتخافيش. كل حاجة هتبقي تمام! "مش باينلها كدة. ونيروز منهارة حتى معرفتش ولا قدرت أعملها حاجة! كان سيذهب ولكنه دب به بعد القلق من أن تقدم على خطوه أخرى خطره بسبب هذا الضغط الذي وجده بين حديثها وتنهيدتها. فجلس على المقعد يلهيها وقال: "ايه رايك اساعدك النهاردة وأشتغل معاكي شوية؟

نفت برأسها وعادت تتجاهله. لا تعلم بأن التجاهل يزيده قربا منها. دنت تحمل السلة ووضعتها حتي التفتت تجلس وقالت ترفض بفظاظة: "مش موافقة! توسعت ابتسامته وهو ينهض يحمل السلة وقال وكأنها لم ترفض: "كنت متأكد. علشان كدة هقعد. أنا مش مؤمن بحرية الرأي. رفضتي نقعد وافقتي برضو نقعد. عادي مفيش ورانا حاجة!

ضحكت خلسة من خلفه فابتسم شاعرا بأن الحياة تفتح إليه ذراعيها للمره الثانية بعد تعافيه. وعلم بطريقة ما ان الله يحبه ليعطيه ما يريده ويقربه منه! "دمي خفيف؟ سخرت من قوله واقتربت تلقي الورد الذي دبل بالسلة التي بين يديه وقالت بتهكم غير صادق بالمرة: "تقيل. أتقل حاجة شوفتها! "كدابة! "لا صادقة ومتقوليش عينـ.." بتر جملتها وقال قوله المتكرر يطلب منها: "طب عيني فعينك كده؟

رفضت "فريدة" وضحكت بإستسلام وابتعدت تجلب ورد ٱخر قد دبل وتركته رافضه النظر داخل عينيه لأنها بالتأكيد باتت تعلم بأنها ستنهزم!

_لم تستطع التوقف عن البكاء بقهر. عن ما توصلت إليه رغم احتواء "حامد" لها ولكنها وجدت بين حديثه كلمات لامتها بأنها من عصت أولا وعارضت قوله حتى جلبت كل ذلك. أغلقت غرفتها ترفض أن يدخل عليها ٱحد. حاولت "سمية" وبعد ان جاءت "وردة" مع "بدر" علموا. وانصدمت "وردة" حتى اندفعت تطرق باب غرفة "نيروز" ولم تفتح أيضا. بينما إنسحب "بدر" إلى الشقة الٱخري وعلى أذنيه يضع هاتفه يطلب رقم "غسان" المغلق!

"قولت مش عايزه أتكلم مع حد. سيبوني فحالي بقا!!!! هتفت بها "نيروز" بنبرة باكية صارخة. أمسكت معدتها بألم وأراحت ظهرها على الفراش كي تطبق ما قالته الطبيبة ولكن كيف وحالتها النفسية تسوء؟ مسحت دموعها بكسرة. لا تختلف عن كسرته هو الٱخر عندما رحل تاركا كل شئ يهرب من وجعه. لا يعلم بٱنه ذهب لينفرد به وحده دون أدنى شعور منه!

أمسكت "سمية" رٱسها بتعب وساندتها "زينات". بينما ظلت "ياسمين" تحرك قدمها بغيظ وتخبط فمد "حازم" ذراعه يحثها قائلا كي تهدأ وتسكن حركتها: "ما تهدي ي ياسمين! "أهدى ازاي؟ عايزني ٱهدي ازاي وهي بتعيده تاني؟ نيروز مش حمل كل ده. وكمان حامل. فاهم يعني ايه؟ يعني لو فضلت على الحال ده هيحصلها اللي حصلي بس مش هتقوم بحالها ده! ويعني ايه كمان هو التاني يسيبها كده ويمشي؟ هو بيستهبل؟ مش حاسس باللي هما اتحطوا فيه؟

كانت كلماتها بانفعال، تترقب قدومه بأي لحظة لتخرج شراستها. زفر "حازم" بضيق وخرجت كلماته يحذرها من التدخل بطريقة غير مباشرة: "ياسمين..انت متعرفيش اللي حصل بينهم فمتتدخليش من غير ما تفهمي اللي فيها!! إندفعت تقف تخرج له كلماتها هي الٱخري بإنفعال سببه الأول حملها:

"لا هتدخل ي حازم عشان دي أختي ولازم ٱعرف ايه اللي غير الحال بينهم كده. دا غير البني الٱدم اللي مشى ومعندوش ريحة الدم انه يجي. لا دا سابها وسابنا احنا كمان بدماغنا!!! ووقف يخبرها بنفس الضيق يشير لها هو الٱخر: "لا فكري صح. ومتحكميش من غير ما تعرفي. ما يمكن اللي حصل بدايته من عند نيروز. انتي عارفه أختك!! "انت بتدافع عنه؟ نهرته بتعجب وملامح تشنجت فرفض بخبرها بعلمه لهوية الٱخر:

"لا مبدافعش. نيروز اختي وغسان بردو اخويا وصاحبي قبل ما يبقي جوزها. وزي ما عارفها عارفه هو كمان وعارف إنه مش متسرع في انه ياخد قرار زي ده. انتي ناسيه بيحبها ازاي؟ لم يعجبها ذلك الحديث كونها تأخذ صف شقيقتها بالفطره. تنفست بصوت مسموع تتدافع هي الٱخري بإستماتة: "طب ما هي بتحبه!! إقترب كي لا يثير القيل والقال وهمس بصوت منخفض يخبرها بما جعلها تسكن بتشتت مقررة فهم ما حدث بينهما: "انا كراجل بقولك ان غسان بيحبها ٱكتر!!

قلبت عينيها بضيق. وتقدمت تطرق باب الغرفة مجددا بجانب شقيقتها. في حين حمل "حازم" "يامن" يداعبه بعيدا عن هذا الجو المشحون. وبقت "سمية" تندب باكية بغير تصديق إلى الٱن لهذا الحال!!! _"فهمني بس ي." عمي حصل إيه؟ أنا لسه جايل ومش فاهم حاجة، وبرن على غسان تليفونه مقفول! رددها "بدر" بقلق، وخلفه كانت تقف "دلال" مع "وسام". زفر "حامد" بصوت مسموع وردد بنبرة هادئة جداً يجيبه وهو ينهض يضع هاتفه ومفتاحه بجيب بنطاله القماشي:

"أهو اللي سمعته يا بدر، وغسان مشى ومـ... قطع حديثه صوت دقات الباب والجرس. توقعت "دلال" من القادم وهرولت تفتح الباب، فوجدته "شادي" الذي كان يتلهف. دخل ورأى دموعها على وجهها لم تجف إلى الآن، لذا دفع رأسها ناحية أحضانه يعانقها ليبث بها الاطمئنان وقال برفق: "متقلقيش.. كله هيبقي زي الفل والله، ما انتي عارفة غسان وجنانه!

أغلق الباب بقدمه ودخل يسحبها معه برفق، حتى أجلسها على المقعد. واقترب يعانق "حامد" و"بدر" ورحب بـ "وسام". وقف "حامد" بعدها يخبرهم: "أنا نازل أقعد في المحل شوية، هاتلي يا وسام مصحفي! استنكر "بدر" رد فعله وكذلك "شادي" الذي اقترب منه يسأله بلين: "أومال غسان فين؟ ردت "دلال" هذه المرة تخبره بنفس النبرة الضعيفة: "راح الشغل! اختفت ابتسامته واقترب يخفض صوته كي لا تسمعه "دلال" ووزع نظراته بين "حامد" و"بدر" وقال يصحح قولها:

"أنا لسه مكلم الفرع وقالولي إنه مش موجود، ومراحش امبارح برضو! أمس لأنه ظل برفقته ورفقة "حازم" بينما اليوم أين رحل؟ استنكروا أيضاً رد فعل "حامد" الذي أومأ بصمت هادئ وأخذ المصحف من بين يدي ابنته وفتح الباب ورحل منه بعد أن ارتدي حذاءه. قصدت "دلال" الجلوس بشقتها وعدم الذهاب ناحية "سمية" بأي وجه ستراها وجهها. ظلت واحتوتها "وسام" لتهدأ، بينما حرك "بدر" رأسه ناحية "شادي" الذي سأله بتعجب: "هو في إيه بيحصل؟ وماله؟

"مش عارف يا شادي، يمكن عارف مكانه عشان كده سكت! صمت بحيرة وتقدم "بدر" من زوجة عمه يهدأها، بينما تقدم "شادي" هذه المرة يخرج يعتصر ذهنه عند أكثر مكان كان يتحدث عنه الآخر معه، أماكن يذهب إليها وحده، أي شيء! آخر ما رآه من حالة مشابهة لهذه كان يقف عند البحر كالعادة بالكورنيش، ولكنه تذكر مكان ما، عندما أخذ "غسان" بعض الصور لنفسه وهو يجلس أسفل الكورنيش من الأسفل عن البحر على أحد الصخور، وأمام مقهى على النيل مباشرة!

أسرع كي يبحث، يكفيه شرف المحاولة حتى وإن لم يجده. وهبط كما هبط "حامد" قبل دقائق. "إزيك يا عمي؟ رحب "آدم" به وعانقه حتى بادله "حامد" العناق بترحاب، ورد على سؤاله بحمد لله وأشار له قائلاً بهدوء يطلب منه: "هاتلي كرسي كده حطه هنا! مد "آدم" ذراعه يحمله بعدما كان يستند عليه وتقدم يضعه حتى جلس "حامد" وهو يمتن له بنظراته، فتقدمت "فريدة" تسأله بلطف: "تحب أعملك حاجة تشربها يا عمو؟

ابتسم بلطف وقرر التخفيف عنها وراضي قولها ظاهراً الحماس: "لو كوباية شاي فريدة زيك كده يبقى يا سلام! توسعت بسمة "فريدة" من مجاملته أمام نظرات "آدم" الذي جلس هو الآخر مع عمه. وقعت عيني "حامد" على سعادته الظاهرة على ملامح وجهه وعندما رفع الآخر يديه يمسح خصلاته انتبه لما يرتديه على الفور، ابتسم بنفسه ولنفسه وأخذ نفساً عميقاً ثم قال: "انت عارف ياواد يا آدم.. إن العيون بتتكلم من غير كلام؟

ولما بتتكلم كلامها بيغلب أحلى كلام، عنوان القلب وطلائع القلوب، ومهما كانت جريئة السر فيها مكشوف! تحركت عيني "آدم" تلقائياً نحوها هي وهو يسمع حديث "حامد" وعقب ما انتهى هاتفاً بتنهيدة يجيبه: "عارف آه! "عارف إيه يخويا؟ شاكسه "حامد" بسخرية غير غافل عن تيهته بها وعدم تركيزه. وعندما سمع سؤال عمه أجاب وهو يتفحصها بنظراته كي تلتفت وما إن التفتت رد عليه بـ: "عارف إن عينيها خبيثة، بتثبت وترمي السهم يرشق في القلب وتهرب!

لحظات وتوردت وجنتيها بتوتر، تعيش أجوائه لمرات قليلة وكان هو السبب. كان هو سبب في ضحكات "حامد" وهو يلتقط منها الكوب، تزامناً مع رده الخبيث: "عين مين دي اللي خبيثة ووقعتك؟ التفت "آدم" وقال بتلقائية مع ابتسامة بلهاء: "اللي بحبها" فسأله "حامد" بمشاكسة يريد منه الوضوح كي يتولى زمام الأمور مع "بدر" في اللاحق: "هي مين؟ "واحدة حلوة فريدة من نوعها، شوفت قبلها وشوفت بعدها بس الفريد فريد، كاريزما ومبيتغيرش!

هربت "فريدة" مع دقات قلبها لناحية أخرى بعيد، وضحك "حامد" بخفة، ومد كفه يربت على ساق الآخر مردداً بهدوء يتذكر طباع "غسان" ولده التي تشابهها طباع من يجلس أمامه وخاصة في العبث: "إهدى انت بس على نفسك، وعمك هيطلبهالك! تلهف بحماس وشعر بأن وجود شخص كعمه بشيء كهذا سيعزز من موافقة شقيقها. فنبس بحماس: "بجد؟ سبه "حامد" هذه المرة وقال يشير على نفسه بمرح: "أنا عمري قولت كلمة ورجعت فيها يا بن الكلب؟

ضحك "آدم" بخفة وهو ينفي برأسه. فندم "حامد" مستغفراً ثم قال: "شوفت؟ خليتني أغلط في أبوك، الله يرحمه. اتحرك فز ارفع إيدك نقرأ الفاتحة على روحه! نظر "آدم" يرمقه بترجٍ مرح: "طب ما تيجي نقرأ فاتحتي عليها!! ضحك "حامد" بيأس ورفع يديه مباشرة يقرأها على شقيقه ووالد الآخر الذي ضحك محركاً عينيه ناحيتها وهي تضحك عليه بخفوت من على بعد. فضحك بخفوت مثلها تحت تحدي "حامد" له محذراً بالالتزام عند قراءة الفاتحة.

لحظات الوجع تأتي بينما التفكير والمواجهة يجهل عنها. يريد أن تسقط دموعه وهو وحده ولكن لا يستطع ولا يعلم. جهل عن مشاعره السيئة المؤلمة التي تجتاحه ولكن ثمة شيء يكسره من الداخل لا يريده أن يتخطى هذا الوضع. نظرته لنفسه خائبة وهو الذي إن حدث غير ذلك يتباهى بما لديه حتى لو بمرح، بينما في الداخل إن بحث بنفسه لم يجد إلا الخراب. سيتركها بعد أن حملت في أحشائها قطعة منه. هذا الحوار المتعب المنهك بين عقله وقلبه لا يتوقف. لكنه يعلم وبات يفهم أن كبرياءه سيغلبهم بقول كلمات أخيرة يفهمها جيداً، بل وبه لمحة من الاقتناع.

لم يجد على لسانها سوى كلمة طلاق وفراق وانفصال وكأن الأمر هين على الاثنان. وجد الأمر هين عليها بمنتهى البساطة وكأنها كانت مجبرة على العيش معه. لم تواجه أكثر، تبرر، تحتويه، تعطيه كلمات يقتنع بها، كلمات تتلهف بها كي تظهر له بأنها تتمسك مثله تماماً. كل مرة يقارن وهذه المرة قارن تمسكه في كل مرة كي يتخطى لها الوجع ويستمر. والمرة الوحيدة الذي وقف بها ساكنًا يأتي بكلماتها الحزينة بعد أن كسرت شيئًا بداخله لم تفعلها، ولم تتمسك ولم تصمت ولم تبتعد كي يهدأ ويسكن الوضع، بل بكل جبروت رآه هو بها بهذه اللحظة رددت بالانفصال والفراق. هل سهل؟

سهل هذا الوجع عليها؟ أم أنه هو وحده الذي وقع بها وقعة لم يستطع النهوض منها وبها؟ وكالعادة أفكاره تهزمه. وكالعادة مرة أخرى عندما يحزن يستدعي بهذا الحزن كل حزن حزنه من قبل. ما ينهكه أنه لا يستطيع شرح ما يشعر به، ولا يستطيع أن يبرر ويوضح أسباب لغيره! كل ما بات يعلم طريقه حيث الراحة كان أحضانها. أين هي؟ حتى لم تحاول أخذه بها بطريقة ما كي تسكنه وتسكن وجعه، حتى هذا كان سيعتبر تبريرًا هادئًا سيفهمه عندما يرى اللهفة بها.

-وهل رأيت؟ سأله العقل المؤلم الموبخ الحاد، ونفى قلبه، ولأول مرة يصدق معه. -لا، لم أرى.

قال القلب بخيبة، رغم قهره. وكأن القلب يعلن وجعه له. المرة الوحيدة الذي نكس بها رأسه بخذلان، كان دائمًا يكابر كي لا يرى لعقله بأنه هو الصواب. جاء دور الوجه عندما أشار له العقل بأن يبتسم بسخرية لاذعة من هذا الحال. الغريب أنها لأول مرة تكون محقة عند قولها، وهي تخبره بتأجيل الإنجاب. بينما هو لم يرى حينها سوى الحب واللهفة والحماس بإنجاب طفل عندما تسنح الفرصة. من أكثرهن أثرت بقلبه ورمت شباكها ووقع بها، عكس كل مرة كان يعلم بها أنهن لن تكن حالة مستمرة بحياته، إلا هي...

"نيروز الحب". ألقى السنارة بعدما علق الطعم، وعيناه لا تفك عن الشرف المفتوحة والأصوات العالية بذلك المقهى الذي يوجد أسفل الكورنيش، يطل على ماء النيل مباشرة بشكل أنيق. ترك كل شيء وجلس على صخرة على بعد من هذا. ومن بين ما يفعله عقله يشرد. سمع أحدهم خلف ظهره يهبط بحذر كي لا تتعثر خطواته وقدميه ليقع. حينها إن تدحرج سيقع بالماء! لم يلقي بالا، بل شغله وجعه، بينما هتف الآخر من خلف ظهره: "حسيت إني هلاقيك هنا بردو!

لم يكن هذا القول سوى من "شادي" الذي بحث عنه ومن قبل هذا المكان، ولكنه وجد سيارته فأخذ يبحث بعينيه إلى أن وجد ظهره له. لم يلتفت "غسان"، استمر بما يفعله وقال ساخرًا من أمر قديم كان سبب في كل ذلك: "ومين يرجع لنا أماكنا القديمة؟ ورفع ذراعه يأتي بالسنارة ناحيته أكثر، حتى سأله تزامنا مع تقدم "شادي" ليجلس بجانبه بحذر: "إيه اللي جابك؟

حرك رأسه بعدها فوجده يرمقه بتفحص وتمعن لهذه الجروح التي وجدت في وجهه، وخاصة أنه انتبه لجرح رأسه من الخلف. صمت لم يجبه، بل راوغ بسؤال آخر: "مروحتش الشغل ليه؟ وسيبت البيت ليه؟ وأمك ساييها بتعيط ليه؟ وايه اللي أنا سمعته ده؟ داهمه بأسئلة كثيرة، في حين طالعه "غسان" بغير اهتمام وألقى ما بيديه مرة أخرى بصبر وقال متهكمًا يسأله: "وأنا مطلوب مني أجاوبك على كل ده بقى؟

"أه مطلوب، لأن كل سؤال سيبت وراه مشاكل ومشيت. طلاق إيه يا غسان اللي بتقول عليه؟ حرك رأسه وقال بلامبالاة يهرب من ضغط الآخر: "انزل من على وداني ي شادي، أنا مش ناقصك! أخذ السنارة من بين يديه وأمسك ذراعه بحزم وجدية قليل ما تظهر وقال يوبخه: "لأ ناقص، ناقص عقل. انت مش واعي إنت قلبت الدنيا ومشيت إزاي؟ ولا حتى واعي إن مراتك حامل. إيه مش فاكر كنت مبسوط إزاي؟ إيه اللي كان حصل لكل ده مش فاهم، فهمني؟ ابتلع "غسان" ريقه

وقال يبرر بصدق لما فعله: "أنا معملتش حاجة غير إني عطيتهم خبر باللي هيحصل. مش فاهم أنا ليه مكبرين الموضوع! استنكر "شادي" بساطة حديثه، وعلم أن بين الكلمات وطياتها يوجد وجع لا حدود له. لانت نبرته وسكن قوله بمواجهة له ناظرًا له بعدستيه: "عينك بتقول غير كده! انتشل "غسان" ما أخذه منه وقال بضيق يشيح بوجهه بعيدًا عنه: "اه انت فاضي بقا!!! "اتكلم واحكيلي إيه اللي جرا واتغير ومين مبهدل وشك وباطحك كده!

تصنع عدم الإنصات وصمت يشعل لفافة. فإنتظر "شادي" الرد ولكنه بعد عن محور الحديث عندما سمعه يشير وهو ينفث دخان سيجارته: "من ساعة ما جيت والبت اللي هناك دي عينها عليك. بص كده!! زفر "شادي" بنفاذ صبر وقال بعدما سبه سب خافت وصل إلى مسامع الآخر: "بت وايه وزفت إيه دلوقتي؟ ما تركز معايا! "ما أنا مركز معاك أنا والبت. بص كده دا شعرها أصفر بص ياض!

ضغط "شادي" على أسنانه بضغط من تصنعه اللامبالاة. يريده يواجه وطالما تهرب أيقن أن الحوار كبير عن ما كان يتوقع. وعلى فجأة مد "شادي" كفه يمسك ياقة قميص "غسان" بعنفوان كي ينتبه له وقال بغيظ: "الشغل ده ميمشيش مع شادي يا حيلتها. إحنا مش صحبة يومين. إنطق حصل إيه معاك وبلاش اللف والدوران ده!!! هبطت عيني "غسان" على يديه التي تتمسك به بهذا الإنفعال المبطن. ودفع يدي الآخر بذراعه حتى رجع إلى الخلف مع قوله الهادئ:

"متختبرش صبري ي شادي. وإبعد عني لأن كدة كدة مش هتاخد مني كلمة! أخذ أنفاسه يتحلى بالصبر واستخدم طريقة أخرى يحثه بها وهو يشير: "طب قوم بينا نروح! "مش عايز" "ليه؟ صمت "غسان"، ووقف "شادي" بعد ذلك قاصدًا قول الآتي بجدية يواجهه: "أقولك أنا ليه؟ عشان مش عايز تحط عينك فعين مراتك وكل كلامك دا بلح. يا أخي مش قد القول بتقلب الدنيا وتمشي ليه؟

ويكون في علمك بقا تيجي متجيش ميهمنيش. أبوك زعلان وأمك زعلانه. ولو حامد جراله حاجة المرادي كمان يا غسان هيبقي بسببك انت ومحدش هيسامحك!!! ولم ينتظر الرد بل أشار بيديه بإهمال يتركه: "سلام!! نظر بطرف عينيه بخبث قبل أن يوليه ظهره، بينما الآخر شعر ببوادر القلق تداهمه على "والده" كيف لم يفكر بما حدث له بسبب حزنه على "بسام"!!

التفت برأسه فوجد "شادي"، بطريقه للأعلى كي يخرج. بينما نظر بساعة معصمه وزفر بصوت عالٍ ود لو يضرب رأسه من تشتت أفكاره. بينما لم يستطع فعلها وقرر النهوض غافلا عن سيطرة الآخر الغير مباشرة عليه. أما غيره كانت تعلم بأنه يبرع في التعامل معه!!

وبعد لحظات، ركب "شادي" سيارته بعدما ركنها على بعد وانتظر دقائق بعدما أغلق الاتصال مع "دلال". نظر بالمرآة بتمعن حتى وجد جسده بظهره يخرج من المكان متحسسًا مفتاحه بجيب بنطاله وهو يمرر عينيه على صف السيارات كي يتذكر مكان سيارته. ركبها وبعد دقائق رجع بظهر السيارة إلى الخلف وسار. وعلى غير العادي كانت سرعته في القيادة سريعة هذه المرة وما يعرف عنه عكس ذلك. لم يكن بمتهور في حين علم من يراقبه وسار خلفه أنه يخفي ضغط بأعصابه كي لا يخرج، بينما ملامح التعب تظهر للمقربين منه!!

تلك المرة قررت "فرح" الهبوط لمحل الورد لتجلس مع "فريدة" بعدما علمت وتيقنت بأن جلوسهم سيطول مع "عز" شقيقها. وهم، وبقت "حنان" تتولى زمام أمور الطهي في حين تقدمت "عايدة" ناحية شقة "سمية" لتواسيها وتسكنها من روعتها. وبقت "دلال" في الداخل تنتظر ومنعت "وسام" من الاتجاه نحو شقة "سمية" كي تتقابل مع "نيروز". تهاب رمي حديث معين ومن ثم لا يصلح الوضع بل يعقده وهو معقد من الأساس. تقدمت "جميلة" بجانب "وردة" تدق باب غرفة "نيروز". وبقت "ياسمين" تنتظر في الخلفية وعلى بعد وقف "عز" مع "بدر" والإثنان يتشتتان، وأحدهما تشتت عن أخذ حق كان يصمم على أخذه اليوم!!

لكن يتضح أن العقبات لا تترك راحة لغيرها كي تتولى مكانها، بل واحدة مع الأخرى بنفس زمنها، أو واحدة تلي الأخرى دون راحة، أو دون أن تعطيهم فرصة لأخذ أنفاسهم.

وفي "محل الورد" في الأسفل، اندمج "آدم" في العمل بجدية كي يساعدها ويخفف عنها ما تحمله. وتنحني تلتقطه، يكفي ثقل وضغط ما حدث بالأمس. في حين منذ فترة بدأ المحل يعرف، لذا بين دقائق وبين وقت والآخر يدخل زبون لهم. و"حامد" يجلس أمام المحل على الشارع الترابي للسير، وعلى بعد كان كورنيش البحر أمامه والهواء يداعب بشرته وهو يقرأ من مصحفه، ينتظر قدوم "غسان" الذي يعلم بأنه سيأتي بواسطة "شادي" الذي سيدبر الأمر كي يجعله يأتي بأي طريقة حتى ولو بخداع.

وفي الداخل، ساعدت "فرح" "فريدة" ووقف الاثنان يتسامران، وعلى بعد كان يتابع "آدم" ما يفعله بدلاً عنها. ابتعدت "فرح" قليلاً تجلس مع "حامد" بالخارج، في حين كان قد دخل المحل شاب من بين الذين يدخلون. ترقبت وابتسمت "فريدة" تسأله بعدما ألقى عليها التحية وكلمات أخرى: "أهلاً بك، اتفضل حضرتك محتاج إيه؟ تحب أساعدك في حاجة؟

وبذكاء من الذي يتابع من على بعد، تشككت في هيئته وشكله الكامل، رغم أن هناك شباب دخلت وساعدهما وهي أيضاً، ولكن هذا يختلف ولم تشعر بالراحة. وفهم نظراته جيداً، لذا اقترب "آدم" يتابع بتفحص وتمعن. في حين لم يغفل بنفس الوقت عن جمالها وحتى ضحكتها الرسمية التي تبتسمها للزبون فتزيدها أناقة رغم انطفاء ملامحها بحالتها النفسية. لكن ما يعرف عنها بأنها أجمل فتيات العائلة، وبجانبها "جميلة" وتليهم "ياسمين". والمتوقع بأن

يجيب الشاب بابتسامة عبثية: "ياريت والله واحدة زيك تساعدني، أنا موافق جداً." لم تهتز ملامحها، تعرضت من قبل ذلك لهذه الكلمات، لذا تحاملت وصبرت. ابتلعت ريقها تبتسم فقط. فوقف هو يتابع وجهها هذه المرة دون أن ينبس بأي حرف، واللحظات تمر. اقترب "آدم" هذه المرة ودخل يقف بجانبها ودفعها بكتفيه وهو يمر بقصد، حتى ابتعدت قليلاً بغرابة. وسمعته يردد بنبرة جادة وابتسامة زائفة صغيرة جداً، بمجاملة:

"أؤمر ياباشا، أنا معاك أهو. محتاج إيه أساعدك فيه؟ رأى الشاب نظرة عينيه التي كشفته، فاهتزت نظراته وسأل بسؤال غريب جعل "فريدة" تكتم ضحكاتها مع "فرح" التي وقفت تتابع من على بعد: "عندكم ورد؟ ما هذا السؤال؟ استغرب "آدم" ورفع شفتيه باستنكار يجيبه: "نعم يا خويا.. لا معندناش." "أنا آسف جداً، أنا متابع المحل من فترة وعارف إن الآنسة واقفة فيه بقالها شوية، ومعجب جداً بنظامها للمكان وشكله." يراوغ؟ بل وتجرأ أمامه هو؟

أخرج "آدم" أنفاسه ببطء، وعلم ما ينويه الآخر، لذا قتل آماله بجملته الآتية بصبر: "في الحقيقة عندك معلومات غلط، لأن اللي بتقول عنها آنسة مراتي يا باشا، وده محل أخويا وبتساعده فيه هي ومراته. ها تحب تشوف هتاخد إيه؟ ولا؟ قتل أمله بعد فترة مراقبة. تراخت ملامحه بحرج، وحرك رأسه بنعم وهو يبتعد يختار أي شيء من على بعد كي يخفي إحراجه بهذا الشكل. ناهيك عن صدمتها بما قاله، حتى التفتت تنظر له بذهول، مرددة: "انت قولت إيه؟

التفت برأسه هذه المرة يرى ما جذبه ناحيتها. لم تضع أي مساحيق تجميل مثلما كانت تضع، وحتى خصلاتها مخفية وملابسها طويلة. ووجنتيها لم يوجد عليها شيء. رفع عينيه ناحية شيء آخر وقال يختصر: "مقولتش." بارعة في كل ذلك من قبل، وعلمت ما يحتله الآن من مشاعر. تصنعت الجهل والبراءة وقلبت عينيها تشير له بطريقة غير مباشرة بأنها ستسير ناحيته: "طب عديني كده أساعده، شكله غلبان ومش عارف حاجة."

رمقها "آدم" بطرف عينيه وتابع تبجحه الذي خرج يقف أمامها بابتسامة عبثية يعلن لها ما يعلمه من ما تفكر هي به: "وأنا معنديش مانع أقول إني بغير على مراتي لو حابة تسمعي ده يعني! فاندفعت بقولها تهرب من نظراته: "أنا مش مراتك! اقترب "آدم" يهمس عندما وجد الأنظار ناحيتهما وقال بإيجاز تحت ثباتها تستمع: "مستقبلاً إن شاء الله! ابتعدت "فريدة" قليلاً تخفي ارتباكها وأشارت برفض زائف: "انت مصدق بقا اللي بتقوله ده؟ انسى اللي قولتهولك!

تصنع "آدم" الذهول وأشفق وهو يشير يسرق انتباهها عن الآخر: "هو أنا مقولتلكيش؟ سخرت هي ولوت شفتيها بتهكم تنفي قائلة: "قولتلي إيه ان شاء الله؟ "اني مبعرفش أنسى، وبالذات الكلام الحلو اللي من ناس حلوة! اهتزت نظراتها وعينيها، وكذلك خرج الشاب يهرب دون أن ينتبه له أحد. تابعتهما "فرح" من الخارج باهتمام وإعجاب. "ميمنعش انك بتغير وبتشيط كمان وانت واقف مكانك! تذكر أمر الفتاة قبل ساعات، فضحك يخبرها بما سهت عنه:

"عملتيها قبلي، ولا ناسية.. حلوة؟ قلد نبرتها وإشارة يديها بالتفصيل، حتى قهقهت هذه المرة بقوة. تفحص ضحكتها بسعادة من سعادتها التي تظهر معه الآن. وتلقائياً تمعن النظر بتيهان، حتى هتف بعدما انتهت تتعلق عينيها معه: "حتى ضحكتك فريدة من نوعها! تذكرت عبثه من قبل ذلك ومسحت الطاولة التي تقف أمامها بقماشة وتصنعت عدم الاهتمام وسألته بخبث: "وقولتها لكام واحدة قبلي؟ حرك "آدم" كتفيه ببساطة ورد:

"ولا واحدة، معرفتش واحدة اسمها فريدة قبل كده! علمت أنه يبرع في التلاعب معها بكلمات متأثرة تارة، وتارة يقتل أملها في قولها الشيء التي تتأكد منه أنه دوماً ما يخالف توقعاتها ويأتي بحديث لا تعلمه، ناهيك عن سؤال عينيها المعهود منه وحتى رأيه المفروض ولقبها بالـ "شاطرة"! لاحظت نهوض "فرح" وهي تقترب، ومن خلفها وقف "غسان" بعدما اقترب من "حامد"، يقف أمامه ينظر بتمعن يراجع نفسه عن ما فعله من تركه ولم يتحسب لتعبه.

رفع "حامد" عينيه وأغلق المصحف حتى وجده يقف بصمت، فقط يسمع صوت أنفاسه وملامح وجهه. ابتسم على غير العادي ابتسامة هادئة يقدم له كفه كي يسنده. وبالفعل لبى "غسان" غرضه وأمسك يديه يدفعه برفق إلى أن وقف. عجز الآخر عن قول شيء ونظرات والده له كمن يرى نفسه مكشوف. ولم يبدأ الحديث برسمية عن حاله الآن، بل قال فجأة وهو يقف أمامه: "موجوع منها ومشيت وسيبت الدنيا، يبقي بتحبها وأوي كمان. ليه عايز تطلقها؟

هو من أراد. أخرج "غسان" تنهيدة حارة ورفع عينيه يحركها بعشوائية وانهزم عندما عاد ينظر تجاه وجه والده وقال رداً عليه بوجع قد كشف له وحده: "علشان تعبت يا بابا، ومبقتش قادر أحط نفسي دايماً تحت ضغط. ليه أنا اللي أجازف وليه أنا اللي بفضل أحاول وليه أنا اللي بحب أكتر وأنا اللي مضطر أعدي حتى لو مجبتش على حد!

عمم بحديثه كي يبعد عن هذا الحوار المنهك، خاصة أمام عيني "حامد" المشفقة والمتفهمة لما حدث له. سارا معاً أثناء هذا الحديث ناحية كورنيش البحر تقدما مع قولهما. "حامد" وهو يستند، محركاً نظراته نحو البحر: "عارف يا غسان انت بتصعب عليا ليه؟ لم يجب "والده"، بأي حرف بل سكن ينظر بشرود أمامه حتى واصل "حامد" يكمل بعقل:

"علشان مهما كنت على حق بتغلط نفسك وغلبان. تمد ايدك بقا تقول كلمة كده ولا كدة، بصة شتيمة من لسانك الطويل، برودك، فأوقات غلط وقراراتك فأوقات أغلط زي دلوقتي كده! وأكمل بيقين يهون على قلبه: "مع ان الأساس انت مبتكونش غلطان. وممكن تفضل مش غلطان لحد ما تعاند قصاد اللي قدامك وخلاص! أخرج "غسان" لفافة يشعلها أمام والده بتعب وهو يستمع. تركه "حامد" يخرج ضغطه وابتلع ريقه يحثه: "اتكلم ي غسان!

وبغير وعي أجاب بإقتضاب وهو ينفث دخانه، ولكنه لم يكن يعلم أن نبرته ستخونه عندما ظهر العجز بها: "مش عايز ومش عارف! أخرج "حامد" أنفاسه ونظر ناحية وجهه وقال يخبره: "بس أنا عرفت. وحاسس كمان باللي انت حاسس بيه ومقدرك. مش عشان انت ابني، عشان أنا كمان راجل ومعرض اتحط فالموقف اللي انت اتحطيت فيه. انت عارف الغلط فين؟ إنها اتسرعت وإنت وافقتها وسكت!

لم يتفاجئ من علمه. بالتأكيد أخبره "بسام" النصف والنصف الٱخر منها بالتفسير. ابتلع ريقه ولم ينظر إلا عند أخر حديثه والتفت يلقي السيجارة هادراً بوجع ظهر بين تفاصيل الحروف المؤلمة: "مطلوب مني موافقهاش علطول واسكت؟ مطلوب مني بقا اجاريها بالرفض وهي كل مره بتتسرع فالغلط وهو غلط. ليه متغيرش طبعها ومتتسرعش هي زي كل مره؟ ولا أنا اللي لازم أعدي وأصبر كل شوية!!!

"كونك راجل تقدر وتصبر بس مش كل مره زي ما بتقول. انت حاولت وبتحاول تمسك الموقف كل مره وجيت عند المره اللي المفروض تقف فيها وتمسكه وتعاند بالصح. وسكت! لأنك مش واعي إنك هتبقي أب في المستقبل ومراتك حامل بعيدا عن عنادها وسكوتك."

"وأنا مقولتش اني هأثر فحق ابني اللي جاي. وهي كمان اللي طلبت الطلاق مش أنا. أنا متهورتش. بس هي اللي أصرت تقول مننفعش لبعض وإنها عايزه تتطلق عشان مبقتش عايزاني. وعمرك ما هتتخيل أنا شوفت ايه فعينها لما سمعت. يعني مش عايزاني وأنا كمان مش هفضل مع واحدة مش عايزاني. أنا كفاية اللي اتبقى من كرامتي. أنا عايش عليها وعايش راجل بمبدأ قلبي يبقي تحت رجلي وكرامتي فوق الكل!! وضع "حامد" كفه يربت عليه وقال يسكنه:

"بص يبني بإيدك تعاقبها أي عقاب لكن بلاش الطلاق ده اهدي واسمع الكلام. دا أبغض الحلال عند ربنا الطلاق ده. ربنا يهديك أقعد واهدى وفكر مع نفسك كده! ينصح وكأنه الذي طلب الانفصال. قرر تجاهل قول "والده" بالصمت فقط ودس يديه بجيي بنطاله حتى نظر "حامد" بابتسامة واسعة لـ "شادي" الذي وقف من خلف ظهر الٱخر. بينما هتف "غسان" له بثبات: "شايفك. بشوف بضهري كمان انا! إقترب "شادي" وهو يضحك مع ضحكات "حامد" فردد هو

بمرح يخرجه من حالته هذه: "ليه؟ جامد للدرجادي؟ حرك "غسان" رأسه يؤكد دون النظر له فأكمل "شادي"، بمرح: "طب ما تخف جمدان ينجم! إلتفت "غسان" قبل أن يرد "حامد" وقال يرد على حديثه بـ: "حاولت مبقاش جامد بس الطبع غلاب انت عارف!! صفق "شادي" وضربه يضم رأسه بين ذراعه تحت نظرات "حامد" المتأثرة. فدفعه "غسان" عنه بنفور زائف وهو يقول: "ابعد ي زنان. يا لزقة! "متسيبهوش يا شادي وتعالوا يلا نطلع!!

سار قبلهما ناحية المبنى هذه المرة بينما سار "شادي" يجذب "غسان" معه بمشاكسة ينصحه بالهدوء. إلى أن وقف بمفاجأة من وجودها هنا. بالفعل جلبها معه ولكن أوصلها عن والدها. كانت "منة" تقترب منهما بسرعة وملامحها ما يبدو عليها التشنج. نظر "غسان" له فوجده يبتلع ريقه بريبة مردداً بخفوت: "ايه اللي جاب بنت المجانين دي هنا الوقتي؟ أنا مش موديها عند أبوها؟

هبطت قبل وقت من منزل والدها وعلمت بما فعله هو، لذا لم تتردد لحظة في التوجه نحو مكان ما تعلم بأنه به. وجدها تقف وخصلاتها تناثرت للأمام عندما حركت رأسها تشير له بإنفعال: "هو ايه اللي أنا سمعته ده ي شادي؟ ايه الكلام ده وازاي تعمل حاجة زي دي من غير ما ترجعلي؟ انت اتجننت؟ كان يقف ساكناً، في حين تابع "غسان" ما يحدث بغرابة. ووزع نظراته بينهما بينما تصنع "شادي" الجهل عندما هتف يتساءل بغير اهتمام: "ايه عملت ايه؟

"انت كده واو يعني. لما تروح تلغي اشتراك الجيم وكمان تمرين البوكس اللي فالنادي. انت ازاي متقوليش علي حاجة زي دي قبل ما تقرر تعمل كده؟ اقترب يطالعها بحدة من صوتها المرتفع. ووقف يخبرها بردح: "أومال عايزاني كل يوم اجيبك وأوصلك وارجع أرجعك ليه ان شاء الله السواق اللي ابوكي جابهولك. اسمعي ما اقولك بقى فضناها وهناك ابقي اشتركلك فكل ده من جديد عشان المسافة دي مش جاية معايا!!! اقتربت ترفع عينيها بغيظ وهدرت بإنفعال:

"وأنا فين يا بني ادم انت؟ بتمسح شخصيتي ورأيي. أنا اللي المفروض أخد قرار زي ده مش انت. أنا مش موافقه. أنا متعودة على هنا ومش هغير أي أماكن!!! يؤلمان رأسه أكثر مما هو مؤلم. نظر بعشوائية فوجد "فرح" و"فريدة" و"آدم". هو الٱخر الكل يتابع. بينما أمسك "شادي" معصمها يوبخها بجدية هذه المرة: "انتي ازاي تعلي صوتك وتيجي تتكلمي كده فوسط الشارع؟ احنا هنخيب ولا ايه ما تتظبطي وإطلعي بدل ما ازعلك مني المرادي بجد يا منة!!

دفعت "منة" يديه بضيق وعنفوان وتركته تدخل المبني حتى هرولت خلفها "فرح" وذهبت "فريدة" تغلق المحل كي تصعد هي الٱخري. في حين زفر "شادي" بصوت ووضع يديه بنتصف خصره. والتفت برأسه ناحية "غسان" يضع كفه على كتفيه وقال بتشتت: "ها كنا بنقول ايه؟ وكأنه تذكر للتو فضرب كتف "غسان" بتذكر ودفع بإصبعه بجانب رأسه وكأن عادت له الذاكرة وقال بما لا يتوافق معه:

"أه.. افتكرت. خليك حنين بقولك مع نيروز وهدي أعصابك خالص مش كل شوية خناق و شد لأن مـ.... توقف عن الحديث عندما وجد "آدم" يضحك بقوة عليه. من ينصح الٱن؟ نظر "غسان" ناحية "آدم" الذي. ضرب ركبتيه من كثرة الضحك. فابتسم "غسان" بسخرية ثم أشار ناحية عقله كدلاله علي أن "شادي" مختل عقليا بالفعل حتى سبقهما وتركهما مع بعضهما ودخل هو المبنى!! "أنا مسيطر على فكرة، أنت بس مش فاهم الموضوع! تشكك "آدم" من بين ضحكاته

وهز رأسه يجاريه بمجاملة: "آه منا شفت، ومصدقك من غير ما تحلف كمان!! وأضاف وهو يشير له باستفزاز بهاتفه: "دا أنا حتى هسميك شادي سيطرة!!

طالع "شادي" بسخط وتركه كي يصعد هو الآخر. سار "آدم" خلفه بعدما راقبها بتمعن قبل قليل عندما صعدت. دخل الاثنان المصعد تزامناً مع فتح الآخر الذي خرج منه "غسان" ووجد باب شقة "سمية" مفتوحاً وبه يجلس "والده" مع "سمية" يهدئها من لهفتها الحزينة المتحسرة. وما أن وجدت هيئته وقف بسرعة، خاصة أن ملابسه لا توحي بأنه الآخر بل هو. سارت بسرعة وخلفها "ياسمين" التي طالعت "والدتها" بغرابة، وكأن هذا ينقصه. لا يريد من الأساس المواجهة معهم كي لا يخرج عن شعوره وبالنهاية يُلقب بالوقح!!

وقف يطالع وجهها عندما خرجت تسأله بلهفة: "إيه اللي أنا سمعته ده يبني؟ قولي فيه إيه بينكم يوصل للطلاق كده؟ أنا قلبي معتش يستحمل كل ده يا غسان، بنتي عملت إيه؟ قولي؟ سألته ووجد بين طيات حديثها شعورها بأن ابنتها من اندفعت لفعل شيء. تنفس بصوت مكتوم وصمت، يتابع اندفاع "ياسمين" وهي توبخه: "إنت إزاي تسيبها وهي كده؟ إنت مفيش دم خالص ولا بتحس؟ مش جاي معاك إنها حامل وهتتعب؟

ظهر من خلفها "حازم" و"بدر" و"عز" هو الآخر. حاول "حازم" سحب ذراع "ياسمين" بينما نفضته هي وهي ترى صمته الغريب، حتى وقوف "حامد" في الداخل بترقب لهم جميعاً. قرر تركهما تزامناً مع ظهور "شادي" و"آدم". سار "غسان" بخطوات هادئة ناحية باب شقة "حامد" كي يخرج بالمفتاح من جيب بنطاله بصمت مريب بالنسبة لهم. في حين اندفعت تقترب وهي تهتف بغيظ من تبجحه حتى في عدم الرد عليها وعلى والدتها وتجاهلهما: "أطرش؟ ولا أطرش؟ إحنا مش بنكلمك؟

مش بترد ليه؟ إيه كل دي كاريزما يعني؟ سخرت منه تحت نظرة "حازم" وهو يضغط على معصمها. وقبل أن يوبخها، التفت "غسان" ينظر داخل عينيها الخضراء وردد بآخر ما كانت تتوقعه هي: "أه.. العين مش خضرا بس الكاريزما حاضرة!! استخفت بقوله تحت مسك "حازم" لها. وقبل أن تردد هي بتبجح مرة أخرى، عنفها "حازم" بـ: "بس.. اسكتي وادخلي جوه! كادت أن تتحدث مجدداً، بينما هتف هو بصراخ لتلبي قوله: "قولت ادخلي جوه حالا!!

تركته رغماً عنها ودب الخوف بها من نبرته. ولبت غرضه ودخلت نحو الفتيات. في حين كانت عائلة "زهور" تتابع كل ذلك من خلف باب الشقة. اقتربت "سمية" ببكاء هذه المرة تسأله قبل أن يلتفت ليفتح الباب: "قولي يابني فيه إيه؟ "معنديش كلام يتقال، اسألي بنتك! فتح الباب بعدها حتى وجد "دلال" برفقة "منة" الملتف حولها الفتيات من "وسام" و"فريدة" و"فرح". دخل "حامد" والشباب من خلفه عدا "حازم" الذي قرر محاسبتها.

دخل خلفها ومازالت تقف خلف من تدق باب غرفة "نيروز"، حيث "وردة" و"جميلة". وحتى "زينات" التي وقفت تتابع بملامح مت حسرة، لا تعلم هي بأن ما حدث بسبب ولدها. تسمع كل منهم شهقاتها تارة وتارة تسكن دون صوت. في حين سار "حازم" يمسك مرفقها بعصبية ثم قال يعنفها أمام نظراتهن: "أنا مش قولتلك زفت متتدخليش؟ إيه؟ بتموتي في خراب البيوت؟ نظرت "ياسمين" بغير تصديق له وأشارت بيديها الأخرى على نفسها تردد باندهاش تلومه:

"أنا عايزة أخرب على أختي ياحازم؟ "أه ومش بس كده، سايقة البجاحة كمان على الراجل، هو كان عملك إيه عشان تتزفتي تكلميه بالطريقة دي؟ دا مردش وبردو مكملة فبجاحتك وقلة ذوقك من غير ما تفهمي اللي حصل بينهم. هتبطلي إمتى اندفاعك بالغباء ده؟ نفضت يديه عنها وردت تبرهن له بصوت عالٍ دون تدخل الآخرين:

"أنا مش غبية، إنت اللي مش فاهم ولا حاسس باللي أنا حاساه عشان أختي. دي نيروز وأنا عارفاها أكتر من أي حد. ومش عايز اها ترجع لحالة هي بطلتها من زمان. وحتى هو بايع ومش قادر يفهم إن مش تعبها في حملها وبس، دا ساب إيديه من كل حاجة ومطري دماغه!! "اسكتي.. تعرفي تعملي كده ولا مبتعرفيش؟

إنتي مجربتيش حتى تقفي فوق راس أختك لحد ما تقولك الموضوع فيه إيه. لا دا وإنتي مغمضة راحة ترمي عليه اللوم وسيبتيها. فوقي يا ياسمينا وبطلي شغل الجنان ده ومتدخليش فاللي ميخصكيش طالما مش هتعرفي تحلي وهتخربي بإسلوبك ده!!! وقبل أن تتحدث بنفس الانفعال، ردت "سمية" بيأس منها: "ربنا يهديكي ويحط فدماغك شوية عقل!! تركتهم وتقدمت هذه المرة تدق باب الغرفة بإصرار وأعلى في الصوت تحت ترقب البقية. اعتلى صوتها وهي تردد لها بالداخل:

"افتحي يا نيروز، افتحي خلينا نتكلم!!! فتح باب شقة "حامد" كي يخرج منه بعضهم. في حين بنفس ذات الوقت صرخت "نيروز" وهي تقترب تهيج بهم بعدما فتحت الباب بانفعال: "انتوا عايزين مني إيه بقا؟ عايزين إيه؟ سيبوني فحالي مش عايزة أتكلم مش عايزة أشوف حد!!

وكالعادة أكثر من تصرخ كانت هي. رددت حديثها ببكاء صارخ صدم البعض ودفعتها "جميلة" تهدأها بلهفة في أحضانها. فبكت "نيروز" بعد هذا الصراخ الذي جعل من في الشقة الأخرى يخرج. والمفاجئ بأن "زهور" فتحت باب الشقة تخرج منه سريعاً على الصوت وخلفها فتياتها وأخيراً المتشبه بالرجال "سامر". وقبل ذلك هرولت "الفتيات" مع "دلال" التي أخيراً خرجت. بعد أن سار "غسان" بخطوات سريعة بعد أن هزمه خوفه عليها واخترق قلبه صراخها المنهار. ارتجفت بين ذراعي "جميلة" ترفع رأسها ببكاء أكثر حينها وقعت عينيها على الجميع وامسكت رأسها وهي تسمع الأحاديث بحسرة من طرف وغرابة من آخر وآخرون!!

"بـــــس، بـــــس بقا!! صرخت بقوة وصراخ آخر جعل الكل يتلهف بقلق، وأولهم هو. وقبل أن يقترب، تحولت ملامح "زينات" للخوف ورددت لها كي تهدأ: "اهدي يا بنتي، اهدي خلاص!! الصادم هو الآتي عندما اندفعت "نيروز" بشراسة تلقي اللوم عليها هي. اقتربت بعنفوان تردد بهيجة أعصاب ثائرة على الكل، خاصة هي وأمام عينيه هو. هتفت بنبرة قوية لها: "بس اسكتي خالص، كله بسببك إنتي، كله بسببك ربنا ينتقم منك ومن ابنك ومنكم كلكم عشان أرتاح!!!

رددتها ببكاء مع انفعالها. عقد البعض ما بين حاجبيه وشعر "غسان" بأنها ستكشف الذي تعمد ستره هو لأجلهما ولأجلها هي خاصة. اقترب يمسك ذراعيها برفق كي يسحبها، فانتفضت هي تصرخ عليه مرددة: "ابعد عني، متلمسنيش!!! ومن بعدما اقترب، عندما وجدت الخوف على ملامح الأخرى وبين الملامح المنصدمة، هدرت هي بقوة أخرى لا تعلم من أين جاءت بها: "ليه؟ حرام عليكم أنا عملت فيكم إيه؟ لما كل شويه تخربولي حياتي بالشكل ده؟

خبيتي ليه إن حسن فاق وبقا كويس ها؟ وبختها وسمعت "زينات" شهقات النساء حتى "زهور" نفسها لم تكن تعلم هذا. ابتلعت ريقها ونظرت ناحية "حازم" بخوف، والذي يطمئن عليه منها. واتضح بأنها أخفت عليه هي الأخرى. حاولت التبرير ولكن قطع حديثها قبل خروجه صراخ "نيروز" الآخر: "ليه؟ ردي عليا. خرج وخربلي الدنيا ومشي زي ما بيخربها وكل مرة يمشي!!! المرة الأولى كان السبب وبردو هو السبب في المرة دي. أنا عملت لكم إيه عشان يحصل فيا كل ده؟

ابتلعت ريقها ووقفت فريدة مصدومة من هذا الخبر. وبجانبها وقف آدم، هو الآخر آخر مرة سأل عنه زاره كان بها غافية ولم يذهب بعدها. أغمض غسان جفنيه بصعوبة من ما فعلته بتهور. الآن إن تركت الألسنة للحديث من زهور وفتياتها لن يحدث خيرا. خاف وهاب سمعتها لأقصى حد، لذا لم يتعمد حتى السرد لشقيقه وهي هي تقوم بذلك أمام العائلة ببساطة. تظن نفسها ستتركهم دون التفاصيل؟ هو من سيفعل ذلك قبل أن تسرد أكثر. مد يديه يمسك معصمها وهو

يتحامل على ذاته وهدر بأمر: "تعالي معايا! حاولت نيروز أن تترك يديه ولكنه أمسكها بحزم، يدفعها بضغط، مرددا مرة أخرى: "قولت تعالي معايا.. اخلصي!

وقفت تأبى حدوث شيء، وكل ما فعلته يشعره بأنه لا يوجد أمامه سوى أن يصفعها صفعة، علها تفوق. بينما لم يقدر على فعلها. لم ولن يفعل ذلك. سحبها ولكنها وقفت بعناد، تحاول تركه بعنفوان. وهو الذي يجبرها الآن أمام الأعين. علم حازم ما يفعله غسان بتفكيره. لذا اقترب وحل محل شقيقها الأكبر، أو لربما والدها، عندما نظر لها مرددا بلهجة آمرة مع نظرته الجامدة: "اسمعي الكلام وامشي معاه!

حركت عينيها ونظرت نحو عيني غسان التي تحذرها من فعل أو قول أي شيء. سارت رغما عنها معه ناحية شقة حامد الذي انسحب خلفهما تحسبا لأي تهور. في حين جلست سمية بغير فهم تقهر على هذا الحال وحولها النساء. بينما هذه المرة رمقهم حازم بتفحص وجاءت اللحظة الحاسمة. اقترب من الباب وأخذ المفتاح من على الطاولة ووضعه في الباب حتى جابت مسامع الكل إغلاقه بالقفل.

اندفع سامر برأسه فوجد حازم، يتابع بملامح وجه جادة يوزعها بينهم بتفحص، وبين فريدة التي تقف بجانب آدم. وردد بنبرة ليست هينة بالمرة: "نيجي بقا للحق اللي لسه مرجعش! وأكمل بابتسامة صفراء يدعي البراءة: "ايه؟ فاكرني نسيت ولا إيه؟ ابتلعت أسماء ريقها، في حين تجمدت ملامح زهور مع سامر. ورغم شماتة مروة، إلا أنها نظرت بترقب له وهو ينفي برده على حاله بنبرة جادة وبشدة: "لا دا حازم ابن سليم مبينساش وبيعرف يأذي زي أبوه كمان."

هنا توسعت ابتسامته أكثر وقال يعترف بخصال الشر المكبوتة: "أصل العرق دساس!

وكان بعد هذا القول ترقب من الكل. انتظر آدم اللحظة وجاءت له على طبق من ذهب. وخافت النساء والفتيات عداها هي، عدا ياسمين التي وقفت تتابع بملامح هادئة ساكنة لتترقب في الآتي منهم، ومعها فريدة التي تود الشعور بالانتشاء بطبع مثل طبع الأخرى. و عز الذي تفحص ملامح وجه حازم، بينما لم ترى عايدة وزينات بهذه اللحظة في النظر نحو ملامح وجه حازم وحديثه الغير هين الجاد بقدرته على الأذى سوى أنه لم يكن بهذه اللحظة إلا سليم. سليم الأكرمي الراحل.

***

صفع باب غرفته خلفه بقوة، تاركا من انسحب خلفه يقف. ومن سحب نفسه خلف حامد كان بدر وشادي ودلال ووسام. وقفوا بتوتر، وتركوه معها بالداخل. أما هي فانتفضت على صفعة الباب، وأول ما وجده أمامه كانت زهرية أنيقة على طاولة طويلة بجانب الباب. وكي لا يرفع ذراعه عليها، مد ذراعه يدفعها بإنفعال، حتى وقعت أرضا بقوة وتهشمت أمام شهقتها وهي تتراجع إلى الخلف مع أنفاسها العالية. خفق قلب من بالخارج، بينما فهم حامد ما فعله من إخراج الانفعال. توقف ولم يتحرك، وكذا هم. في حين شحب وجهها بربضة، وهو يعطيها ظهره ساندًا بذراعه على الباب الذي أغلقه هو.

صوت أنفاسه العالية يظهر هو الآخر، وهي تستمر في التراجع بعيدا عنه، حتى وقفت وخلفها المقعد الخشبي. حاولت أن تخرج الحديث ولكنها عجزت وشُل لسانها. بينما اعتدل غسان يلتفت بتعابير وجه مشدودة متصلبة. اقترب وزاد خوفها من إقترابه، حتى بات قريبا منها فسقطت بجلوس على المقعد وهي ترفع عينيها بتيهة مريبة تنظر له. أما هو فسألها سؤال واحد هادئ يحاول محو أي انفعال كي لا تخسر ويخسر هو الآخر: "ايه اللي انتي عملتيه ده؟ وصرخ بصوت أعلى:

"ردي! انتفضت وحاولت تحريك شفتيها وحثت نفسها على الثبات، رغم أن الآن تود الصراخ. تقطعت كلماتها وهي تبرر: "مـ..مـعملـ ـتـ.." توقفت عن قول أي شيء عندما وضعت يديها على معدتها لشعور الألم الذي يداهمها في بداية شهور الحمل. وتشنجت ملامحها. بينما صبر هو إلى النهاية ورد على تقطعها هذا بـ: "معملتيش.. للمرة التانية شايفة نفسك مش غلطانة وبتقولي معملتيش." توقف وسألها بلوم جامد ظهر بحدته في نبرته المماثلة له:

"كنتي جاهزة يطلع عليكي كلام من أي نوع؟ ولا مش عارفه بردو إنك كنتي هتفتحي على نفسك فاتحة ملهاش آخر بكلام ناس ملهومش أي ستين لازمة! وجد دموعها تتجمع في عينيها الفاتحة، وقبل أن تبرر بتراهات يراها هو بعينيها، صرخ هو بصوت عال: "مـــش عارفــــة كان هيتــقال ايـــه! أهبط كفه وهو ينحني برأسه ومسك كفها كي تقف لتواجهه. ووقفت تضم عينيها بتعب. فواصل صراخه المنفعل ينهرها: "سيـــرتك سهلة تتجــاب. سهل عليكي تتجاب بالوحش يا غبية!!!

حرك معصمها واهتز جسدها بالكامل وهو ينهرها مرة أخرى: "هتفضلي لحد امته كده؟ هتفضلي لحد امته متسرعة وكل الغباء مراحش غير ليكي لوحدك وبس!!!! وأكمل بظهر لها إنهاكه منها: "كل مشكلة تبوظيها بغبائك وتمشي عاملة حسابك ان في حد ضامناه وراكي هيصلحلك. المفروض مطلوب مني ايه المرادي!!! ردي!

اعتلى صوته أكثر، وشعرت بضغطه منها إلى كثير. سالت دموعها أمامه وكأنها تنتظر السؤال. من قبل ومن بعد. عندما شعرت بثقل كلماته وضغطه منها قالت بخواء كاسر ردا على آخر حديثه ببكاء شديد:

"تطلقني. تطلقني يا غسان. إحنا حتى لو رجعنا بعد كل ده أنا مش هقدر أشوف في عينك بصتك دي. بصتك دي بتكسرني وبتدبحني. أنا تعبت.. كفاية عليا كده حرام. حرام والله. أنا كنت مستنية اليوم ده. مستنياه بكل خوف وكنت عارفه إنه هيجي. مسيرة كان جاي وفرحتنا دي كانت هتقع في أي لحظة. أنا كده وانت أخدتني كده بس اللي فات كوم ودا كوم تاني. كوم تاني بكسرتك اللي أول مرة أشوفها. أنا حتى مبقاش عندي طاقة أقولك لا. ولا كان عندي. المرادي ابعد. أنا بقولك ابعد عني وسيبني. سيبني بقا!!

كلماتها موجعة كاسرة. في حين بنفس ذات الوقت أبعدته عن محور الوجع الرئيسي. لذا أنهكت ملامحه وحاول الحديث بتعب، فقاطعته هي مرددة: "طلقني. طلقني بقا!! رددتها ببكاء وكأن ليس على لسانها غيرها. وهو الذي يتوجب عليه التحمل إلى متى أيها القلب اللعين؟ سأل العقل وأجاب الفؤاد بنظرة. خاوية لمعت بها عينيه وهو ينظر لخاصتها مرددًا بنفس الإنهاك الذي احتلها:

"أنا بضرب قلبي ده مية قلم إنه حبك ودق ليكي انتي بالذات، قلب عمره ما قسى ولما كان بيجمد يرخى علطول عشان ضعيف قصادك، سألت نفسي امتى أنا كنت ضعيف كدة، امتى كنت غبي واتخدعت ورا شوية مشاعر جابوني الأرض وكسروني، كان ليه الحب مادام مش قد وجعه؟! واجابت بنبرتها الخاوية الباكية وهي تنظر لمعالم وجه وكأنها تشبع نفسها من رؤيتها: "نصيب! "بس أنا مش مسامح النصيب ده!

صدمة قلبها الهش هي نبرته في قولها، ورغم أنه وجد الإصرار في عينيها، تجمدت دموعه في لحظة الوداع، ما يظهر في عينيها الآن عكس ما كان يتوقعه منها في كل مرة، هي من أرادت وكفى ضغط منها على كرامته، الحوار من بدايته لنهايته مسموع منهم بالخارج.

الموجع له ولقلبه الذي خانه أنه دفعها بين ذراعيه بقوة وكأنه يخرج بها كل كبت من مشاعره الثائرة بالانفعال، ضمها وتوجعت بعظامها أما هو فتلمس معدته بذراعه برفق، يودع صغيره هو مستنشقًا تلك الرائحة الخافته التي تتسلل منها، وبالذراع الآخر يضم جسدها ساندًا رأسه على كتفيها بإنهاك، حينها بكت بشدة تركته يفعل ما يشاء غافلة عن الآتي، تنفس براحة، للمرة الأخيرة وهي في ضمته وهمست بنفس الطلب بإصرار من بين بكاءها، فابتلع ريقه يومأ بعينيه دون أن تراه سقطت دموعها مع سقوط دمعته فرفع ذراعه يمسح وجهه واعتدل ينظر لها وردد هو أخيرًا، ردد بالقول الذي فارق معه روحه، القول الذي أعلن الفراق بينهما ومن قبل هذا كان فراق روحهما معًا،

وحبس أنفاسها هي: "إنتِ طالق! رددها، أغمضت عينيها ونفت برأسها بوجع، تحت شهقات من بالخارج بصدمة، ابتلع ريقه ينظر نحوها أهذا ما كانت تريده؟ ، ود لو يقسم بهذه اللحظة أن ملامحها التي شحبت بهذه الطريقة التي لم تكن تتخيل بأن هذه الحالة ستلبسها عند سماعها لذلك، لما قالها هو من الأساس! ، لحظات تستوعب وشددت في ضم عينيها وهي تنفي بكسرة وخرت قلبه، ولكنه وقف صامتًا، ساكنًا، موجعًا، ودموعه تنزف بالداخل.

انتفضت عندما ركضت تفتح باب الغرفة بسرعة وفتحته ناهيك عن ركضها على الذي هشمه هو بنفسه لم تتأوَّه بل وجعها الداخلي كان أقوى من ذلك، لم تستمع لأي منهم بل رحلت، رحلت بركض سريع حتى أغلقت باب الشقة بنفسها رافضة هرولة الكل خلفها.

أما هو فأغلق باب الغرفة بسرعة بالمفتاح قبل أن يدخل عليه أحدهم ووقف لم يحرك ساكنًا، بل الآن دموعه من تهبط على وجنتيه وتتحدث بدلًا عنه وعن الذي بداخله، سمع صوت دقات الباب وصوت "دلال" يتداخل مع "حامد" و"بدر" و"شادي" و"وسام" ببكاءها هي الأخرى.

أما هو فأمسك رأسه بين كفيه لا يطيق سماع هذه الأصوات المتداخلة ومن بين الأصوات صوتها المُصر على الانفصال طوال الوقت، أحنى رأسه وضعها بين كفيه وهو يقف وهنا رأى قطرات الدماء التي سقطت أرضًا أمام عينيه الزائغة، وضربات قلبه التي تسارعت وضع يديه على موضع قلبه يحاول تحمل كل هذا مُجبرًا.

بينما في الخارج أمسك "شادي"، يديها يوجهها ناحية الغرفة يحاول التهوين عليها بعدما فقدوا الأمل في أن يفتح هو الباب، ووقف "حامد" بهذه اللحظة شاعرًا بألم ولده، ضاق صدره وجلس على الأريكة بينما نجده أحضان "وسام" وهي تتلهف له ببكاء في أن لا يحزن لأجل خاطرها، بينما وقف "بدر" يحاول للمرة الأخيرة أن يدق الباب بقوة أكثر ليراه، والآخر بعالم موجع أكثر من عالمهم المؤلم، فالألم عليه كان أضعاف مضاعفة.

حُبست الأنفاس عند هذه النقطة عندما اندفع "حازم" يمسك "سامر" بين ذراعيه بقوة، يُحرّكه بانفعال، مرددًا بعدما قام بضربه على وجهه: "جواز وغصب ومأذون من ورايا يا روح أمك. بتتصرف من دماغ أهلك على أختي اللي حذرتك من القرب منها بعد ما رفضتك؟ كانت "فريدة" في قمة سعادتها عندما وجدت "حازم" لم ينسى وعلى عكس العادة تركوه الجميع يتصرف بإرادته تحت خوف "زهور" بينما اقتربت "ياسمين" تمسك "مروة" من ياقنتها وهي تردد بتوبيخ:

"كنتي بتقولي إيه بقا يا حلوة؟ فكريني كده كل القديم عشان ذاكرتي بعافية معلش!!! كُبِتت الضحكات على غير العادة وحاولت "مروة" دفعها بينما صفعتها "ياسمين" على صفحة وجهها وقفت "زينات" بدهشة مع "حنان" و"عايدة" و"سمية" في حين الكل يتابع انقلاب الوضع بأخذ كل طرف لطرف آخر بشر، وكما هم توجهت "فريدة" هذه المرة أمام "أسماء" تمسكها كما فعلت "ياسمين" ورددت لها من أسفل فكها:

"بتستغفلينا. بتاخدي التليفونات وتخبيها يا بت. فكرانا عبيطة إحنا. صح؟ لا فوقي. فوقي كده وصحصحي!!!

ابتسم "آدم" باتساع وفخر بها وجاب عينيه ملامح وجه "زهور" عندما شهقت تحت سكون "عز" مع "جميلة" و"فرح" و"منة" بينما لكم "حازم" "سامر" بوجهه بقوة وأحكم مسكه وأمسكه "آدم" بتشفي من الناحية الأخرى وهنا ضربات وهناك صفعات تتلقاها "مروة" من "ياسمين" التي هرولت ناحيتها "وردة" وعندما شعرت "وردة" بخطر ما تفعله الأخرى بأسفل معدة شقيقتها دفعتها بفزع حتى وقعت أرضًا. نظرت "ياسمين" بذهول لما كانت مقبلة عليه من ضرب لتهبط ما في رحمها بينما جثت فوقها بقوة وشرر تضربها وكأن بهذه اللحظة ولدت هذه العائلة في الشارع!

حيث التشرد. "أنا مغصبتهاش، مغصبتهاش صدقـ.." وقبل أن يكمل "سامر" وهو محكم بالمسك من ذراعي "آدم" و"حازم" الذي يضربه لم يتركه بعدها بل ضربه وقاطع جملته بصراخ آخر: "إخرس!!!

هرولت "زهور" لتدفع "ياسمين" عنها بينما فصلت "جميلة" "فريدة" عن "أسماء" تحت ترقب الكل، تحاملت "زهور" وهي تسند "مروة" التي نزلت دموعها بوجع في جسدها وخدوش يديها تنزف دمًا، كما الدماء التي بجانب فمها، مسحت فمها بألم، وجذبت العصا من يد "زهور" على فجأة بقوة، وقبل أن تضربها مدت "منة" ذراعها بسرعة تأخذه منها بقوة وهي تردد بإشمئزاز: "إنتي مبتحرميش يا بت. إيه راحة فين تاني؟!

ذهلت "ياسمين" مرة أخرى وحاولت أن تنقض عليها بينما أبعدتها "وردة" بأعجوبة كما أبعدت "جميلة" "ياسمين"، التسلية كلها كانت في نظرات "عز" الذي جلس براحة يتابع بتمعن ما يحدث وكأنه فيلم بتصنيف أكشن! أشارت له "جميلة" كي ينقذ الوضع بينما اندمج "حازم" بغضب يصبه لوجه الآخر وحتى معدته، الثلاثة تأذوا اليوم، ترك "آدم" "سامر" حتى وقع أرضًا على ركبتيه ينهج وهو يمسح وجهه الذي كان به دماء أثر خاتم "حازم" الذي يرتديه وقام بجرحه!

بينما صرخت "زهور" على فجأة: "بس كفاية!!! اقترب "حازم" هذه المرة أمام عينيها يردد بانفعال: "لا مش كفاية. إنتي تاخدي بعضك إنتي وولادك وتغوروا فستين داهية بدل ما أوديكم أنا فداهية وأنا قادر أعملها كويس أوي. برا.. ومعاكم وقتكم تلموا بعضكم وتمشوا!!! اغتاظت من طريقته. ورددت تجيبه بتهديد وهي تسند فتياتها بنفسها: مش هسيبك كده يا حازم وبكرة نشوف!

لم يعطِ بالا لقولها، ورغم أن لديه قوة أكثر من تلك في أخذ الحق، ولكنه أتى بآخره، قدرته على التحمل أصبحت معدومة. ابتلع ريقه ووقف يتابعهم، في حين وقفت "ياسمين" في الخلف تردد لها: "استني، خدي بنتك التالتة اللي بدقن دي! لم يمنع "عز" و"آدم" بأن تخرج ضحكاتهم بصوت عالٍ، وكذلك الفتيات على قولها. نظرت بشرر تحت بسمة "حازم" الجانبية الهادئة بتهكم وهو يقف، في حين اعتلى صوت "آدم" بسعادة غريبة:

"عندها حق، وربنا خسارة فيك العيون الخضرا، مكنتش تجيبهالي والله كنت وقعت كام واحدة فحبي بدل ما أوقعهم في وسـ.." صمت ببراءة ووضع كفه على فمه مرددًا بغيظ له وهو يراه يتحامل على نفسه كي يقف: "اسكت ي بؤي بقا، في ستات، وست تانية مش قادرة تقوم! تشنجت ملامح "سامر" من الإهانة وعلم بأنه يرد له ما فعله به. ضغط على فكه ماسحًا وجهه بتشنج وألم. ووقف "آدم" يطالع أجسادهم وهم يقفون ينتظرون فتح الباب: "بقولكم!

نظروا بحقد والغل يظهر في عينيهم، بينما تابع "آدم" بمنتهى الثبات بخبرهم: "انتوا اللي علمكوا الأصول كان راجل مسطول صح! كيد عائلة البدري! ضحك البعض بقصد وأيدت "ياسمين" قوله بفظاظة: "هو مفيش أصول من أصله، ده أصل عيلة ناقص مع عدا أبويا، معرفش إزاي قدر يعاشر ناس زيكم جاتكم القرف! نهرتها "جميلة" بعينيها، فأشارت "ياسمين" برأسها. ووقفت "زهور" تردد بحزم: "ما تجيبوا المفتاح ولا ناوين تحبسونا؟

ذكرت "حنان" ربها من اختلال عقل هذه العائلة! ووقفت مصدومة، ناهيك عن صدمة "فرح" هي الأخرى. بينما "منة" تعتاد والآن تضحك بإندماج وهي تراقص حاجبيها لـ "مروة"!!! اقتربت "فريدة" منهم تنظر بشمامة وظهرت ابتسامتها الواسعة تردد:

"أنا مش قادرة أعبرلكم عن سعادتي اللي أنا فيها دلوقتي، أصل العرق دساس زي ما انتوا فاهمين وزي ما حازم قال، فـ شر ولاد سليم موجود وعلى أي حد يجي علينا بيطلع حتى لو كان مين، معلش عيلة وملهاش عزيز ومعروف عنها كده.. ودا ميمنعش بقا نخرج الأسرار عشان الناس تاخذ حذرها.." في تلك اللحظة كان يقف "بدر" خلف الباب بالخارج قبل أن يدق سمع هذه الأقوال، خاصة الآتي:

"ابقي خدي بالك ي وردة على جوزك، أصل الست زهور وبنتها جايين زي ما بيجوا كل مرة بأعمالهم عشان يدسوها ويشربوها لجوزك وبيفشلوا، يا شيخة دول طلبوا مني قبل كده من سنة أجي هنا وأجيب حاجة من قطرة، مع إني مكنتش أطيقكم بس أصدمهم بقا باللي عملته ساعتها لما جبتلهم أي قماشة ملهاش أي ستين لازمة، ما أنا بردو كان عندي رحمة ومصعبش عليا حد غير الواد الصغير يامن حبيب قلبي، وزي ما عملوا كده عايزين يعملوا كده مع حسن عشان يقع فـ إسماء بس أنا مسمحتش ليهم وزي المغفلة مقولتش لامي اني سمعت خططهم دي وخبيت عشان موقعش اختين فبعض، ألا من حق ي خالتي هو حسن موقعش على عينه ليه لحد دلوقتي مع أسماء؟

لم تترك لهم فرصة للحديث بل واصلت بتفسير أمامهم جميعًا: "دلوقتي بس يعرفوا بنفسهم ليه بتكرهي نيروز أوي كده ومش بعيد حياتها بتتخرب بسبب عينك أو الله أعلم يمكن عاملالها عمل ما انت رجلك بقت حافظة طريق الشيخة خديجة المغربية لرد الحبيب وجلب الزبيب واللي مش عارف إيه!!!! أسرار أخرى تكشف!! صدم الكل وشحب وجه "وردة" و"سمية" في حين إقتربت "أسماء" بذهول لم تكن لتعلم بأن والدتها فعلت ذلك!

بينما صاحت "فريدة" هذه المرة بتقزز لـ "أسماء": "أه يا غبية بقا بذمتك حد يحب واحد زي حسن؟ إهربي نصيحة مني لأنه زي ما عرفنا هو فاق ولو رجع ووقعتيه فيكي قولي على نفسك يا رحمان يا رحيم بعد كده معاه!!! تكن له حب سري لم تكن تعلم بأنه مكشوف أمامهن!! . ذُهل الكل مع دقات الباب بعصبية من "بدر" ولكن اندمج الكل في صدمته واقتربت "زينات" تهتف لها بنبرة مصدومة: "إنتي كنتي بتعملي أعمال لآبني يا زهور؟ وردت "مروة" حينها

رغم تشنج وجهها بالألم: "إيه ما انتي كنتي معاها عالخط وقاعدين مش سابين غيركم فحالهم ولا بتنسي يا خالتي؟ كانت الأقوال أشبه بـ: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! "حسبي الله ونعم الوكيل"

كانت الأقوال بعد تلقي الصدمات. اقترب "حازم" غير المقتنع بهذه التراهات التي تفعل من النساء لذا لم يشغل باله وقرر محاسبة زوجة أبيه بوقت لاحق. أخرج المفتاح من جيب بنطاله ودفعهم بفظاظة كي يفتحه تحت توجه الشرر. ولكن ما يغفل عنه وما توقف عنه بذهول أن بعدما استوعبت "ياسمين" الآن ما كان يُدبر منها لشقيقتها التي ارتجفت أوصالها بخوف. ركضت تنقض، وهذه المرة لم تنقض سوى على "زهور" التي اختل توازنها بعيدًا عن العصا ووقعت أرضًا وبرزت حدقات الكل بصدمة كبيرة من ما فعلته تلك الفظة للتو!

وقبل أن تضربها دفعها "حازم" عنها مع فتيات الـ أخري وهما يسمعونها تهتف بـ: "أه يا بنت الكلب يا واطية! بتعملي أعمال لأختي وجوزها يا قذرة يا زبالة! وديني لآعرفك يا***" يتأزم الوضع كل مرة وهذه المرة سبتها سبه نابيه غير لائقة بتاتا أمام الجميع وخاصة الرجال. خرجت وسبه كهذه أمام الرجال! قرر "سامر" المراوغة حيث لديه معلومات لم تفصح بعد ولكنه سيفعلها حتى وهو على مشارف الرحيل بوقت لاحق لم يترك حقه. هكذا!!!

تفاجأ "عز" و"حنان" من طبيعة "ياسمين" الشرسة!! وتخلل "عز" من الداخل شعور عدم الاستحسان لما رددته للتو من سبة نابية رغم أنه يؤمن بأنها لديها الحق في فعل أكثر من ذلك. نظر تجاه "جميلة" التي نظرت بضياع وحسرة وبالآخر حرج من وجوده ووجود عائلته للتدخل في هذه المشاكل الصعبة بينهم وبين عائلتها التي لا تكف عن المشاكل. مشهدها أمامه الآن لا تريده يكفي أنهما بينهما ماضي من العائلة واستمرا رغم كل ذلك!!

ابتلعت ريقها تمسح دموعها بكسرة. أبعد "حازم" "ياسمين" بإنفعال بعدما فتح الباب وسحبها بقوة ناحية غرفتها وصفع الباب خلفه بقوة هزت أرجاء المنزل!! انتفض البعض. وقابلت بوجهها "بدر" وفتياتها يساندونها. فوقف يتحامل على نفسه يسألها بهدوء ما قبل العاصفة: "هو سؤال واحد بس.. إنتي لسه شغالة فالقرف ده؟ لسه موجود؟

نفت بوجع في جسدها. وسارت بخوف تحاول إخفاءه وخلفها كان "سامر" يسير بعدم توازن. في حين الشئ الوحيد الذي يطمئن "بدر" أنه يواظب على الصلاة وقراءة الأذكار والقرآن مثل "وردة"!!! لذا لم يطولهما الأذى!! دخل بلهفة فوجدها تركض ناحية الغرفة وهي تضع يديها على وجهها تخفي دموعها الخائبة ويديها التي ترتجف. أشار لهم بالتوقف ورحل هو خلفها بسرعة مقرراً إنقاذ الوضع بالبراهين!!

وقفت "فريدة" تنظر بصمت بعدما حدث. وبعد كل ذلك اعتادت على الهروب لأسفل كي لا تصعد حالتها لشئ تعجز عنه. ركضت على عكس مشهدها وهي تفعل ما فعلته ولكنه الآن بات يعلم أن قوتها زائفة. انسحب "آدم" خلفها. ووقفت "عايدة" تود حفظ ماء وجهها من عائلة "عز". نظرت إلى "حنان" بأسف. ولكن الأخرى بادلتها النظرة بتفهم وحنو. آقترب "عز" يمسك يدي "جميلة" التي كانت تبكي وفقط. وسحبها معه ناحية شقة "عايدة" التي استأذنت من "سمية", بحرج فتفهمت

وأشارت لها بأن تأخذهم ناحية شقتها. خرجت "حنان" ومعها "فرح" تسندها. بينما وقفت "زينات" ورغم كل ما فعلته إلا أنها تابت وندمت ولكنها قررت على الرحيل ناحية شقتها حيث غرفتها دون ان تحدثهم. وسارت أمامها حتى بقت "منة" مع "سمية" تحاول مواساتها!!!!

السؤال هو أين ركضت وذهبت وشقة والدتها كانت مغلقة يخرج منها أصوات عالية. بهذا الشكل بعدما سمعت كلمة الطلاق سار الألم في قلبها الهش وجسدها الضعيف. لم تجد أمامها سوى الركض حتى لم تنتظر المصعد. ركضت تهبط على السلم إلى أن ألمتها قدمها التي تنزف الدماء. جلست على إحدى الدرجات تبكي بصمت موجع. الدرجات التي تصعد لأول الطابق الثالث حيث هم وعائلته هو! إن صعد أحدهم سيجدها هكذا بهذا الشكل!

جلست تضم ركبتيها تبكي وسالت دموعها بغزارة ناهيك عن بصمات الدماء التي خلفها على درجات السلم من السير عقب ما هبطت أول درجة بقوة.

حينها بدأت قدمها تنزف من الزجاج الذي تهشم وسارت هي عليه بغير وعي. كيف ستعيش مع كل هذا الألم، ليس ألم قدمها بل ألمها الداخلي. لم تكن لتتخيل بأنها ستوجع بهذه الطريقة. هي من بدأت بالوجع ومن طلبت الألم في كؤوس لتتجرعه دفعة واحدة بعدما كان الحال بينهما هادئ ساكن من الطرفان بدفء والدين ينتظران قدوم طفلهما. أين والده؟ أين الدفء والانتماء؟ أين حبه؟ أين تمسكها؟ هل كنت أستمر في قدرتي على التحمل كي تبقى هذه هي النهاية؟

هل نهايتي هنا؟ حيث الوجع؟ وحيدة؟ شهقات تمزقها، وسمعت صوت قطع الكهرباء بالسكون، خاصة سكون المصعد! لم تعِ بأن من سيصعد سيصعد عليها بهذا الشكل. هي ظلت بعباءتها، ولكن ما تغفل هي عنه وما غفل هو الآخر عنه، خصلاتها التي انْكَشَفَت دون ستر بالكامل! لو يعلم هو حالها الآن لركض إليها دون أدنى شك، بينما أين رحل هو؟ أم أنها هي التي رحلت؟

اهتز جسدها من البكاء وصوتها العالي يتخلل لأذن أول من صعد. سمعت خطواته وهو يصعد، وما إن التفت ليصل الطبقة الأخرى وجد جسدها يَنْضَم بهذه الطريقة. هذا الجسد يعلم هيئته! نيروز، زوجة شقيقه. فتح "بسام" عينيه بصدمة من حالها، وجاب عينيه قطرات الماء. تلهف بخوف عليها واندفع بيديه يرفع رأسها مرددًا بتيه وعدم استيعاب: "نيروز! نيروز!

رفعت رأسها بتعب، وعينيها الزائغة تدور، وما إن وجدت وجهه تمعنت وعلمت أنه ليس هو. صمتت بإستسلام ودموعها تهبط. فسألها وهو يتفحصها بنظراته كي يعلم مكان نزف هذا الدم، ولوهلة انتقض ماذا لو كانت هذه الدماء نزيف جنينها وطفل شقيقه! حبست أنفاسه وعادت عندما جلس بسرعة يمد يديه على جرح قدمها بقلق. "أخوي صافي." ابتلع ريقه وسألها باندفاع: "إيه ده من إيه؟ قومي. قومي معايا بسرعة! تبخرت أي قوة بها ونزلت الدموع وكأنها تعي للتو، وأخبرته

كي تثبت لنفسها بأنه حقيقة: "غسان طلقني! نبرتها الخاوية الباكية صعبة أشفق، بعدما انتفض بصدمة، مغمضًا عينيه بضغط من كل هذا. ربما رحيله للعمل وتركهم هو، اعتقد بأنها مشكلة وستُحَل، بينما ما يسمعه الآن صدمة. قرر التحامل على كل ذلك، ونهض يتلمس ذراعها كي يسندها متخليًا عن الحرج وهو يقول: "قومي معايا. قومي يا نيروز!

حاولت النهوض ولكنها لم تقدر. سندها بيديها ونهضت تستند على سور السلم، ولكنها ما إن وقفت على قدميها كان سيختل توازنها من الألم والزجاج الذي بقدمها. أسند ظهرها بسرعة من عدم تماسكها وسألها وكأنه لا يرى: "إنتِ ماسكة نفسك ولا لأ؟ نفت وهي تغمض عينيها بألم. فردد لها بحرج: "طب أنا آسف.. مش من حقي بس مضطر!!!

لم تفهم قوله، ولكنه قاوم أي شيء وأهبط ذراعيه يحملها، مشيحًا بوجهه بعيدًا عن وجهها وصعد بسرعة كي ينقذ جرحها هذا. حالها لم يصدمها كثيرًا، ولكنه دق باب شقة "حامد" بقدمه بقوة حتى هرول "شادي" يفتح الباب، وما إن فتحه صدم بقوة. هرول بها بسرعة ناحية الأريكة الطويلة يسندها تحت ركض "حامد" بألم من ساقه. ما إن وجد المشهد، انحنى يتلمس وجهها وهو يسأل بقلق: "مالها؟ مالها يبني؟

لم يجب، وشهق "حامد" بسرعة ما إن وجد دماء قدمها. أسرع "بسام" يجلب حقيبته وجلس يتفقد جرح قدمها. أما هي فعينيها الزائغة تدور وهي توزع النظرات بين "شادي" و"حامد". لم تستطع التركيز، بل فقط ترديد كلمة طلاقها تعلو في أذنيها فتهبط دموعها وتنفي بسكون. وقف "حامد" يتابع بخوف، والآخر يطهر جرحها ويخرج منه ما دخل به. في حين وقف "شادي" ينظر نحو باب غرفة "غسان" الذي لم يخرج منه أي صوت.

كانت "وسام" تجلس مع والدتها في الغرفة غافلتان عن كل ذلك، في حين انتهى "بسام" بعد وقت من ما فعله. ناهيك عن عينيه المحرجة الذي كان يبعدها عن ساقها، الذي وكأن "حامد" تفهم الوضع بينهم فمد يديه يدفع طرف عباءتها أكثر على ساقها كي لا ينكشف. أما هي فحاولت أن تعتدل وهي ترفع يديها تضعها على وجهها تخفيه بكسرة. ابتعد "بسام" ما إن شعر بتحركها، فنهضت هي وتقابلت عينيها مع عيني "حامد" الحزينة.

الغريب والموجع بنفس ذات الوقت أنها وقفت على ساق واحدة تستند به ونظرت نحو وجهه تحاول فرك عينيها بإنهاك، ولكنها وجدت وجه والدها به. الملامح تتداخل وعقلها يتشوش وانتفض قلبها وهي تدفع نفسها بين أحضانه بقوة حتى اندفع "حامد" إلى الخلف، ولكنه ربط ذراعيه يضمها بحنان وشفقة تحت تفهمه لما يجري معها الآن. بينما صدم "بسام وشادي" من ما فعلته، ولكن بمثابة سهم اخترق قلوب الثلاثة عندما رددت بتحشرج وبكاء ضعيف يعلن عن هشاشتها:

"متسبنيش تاني يا بابا.. متسبنيش.. أنا تعبانة من غيرك أوي والله.. متمشيش! لمعت عيني "شادي" من هذا الاحتياج الذي يفتقده هو الآخر منذ أن كان أصغر. فقدان لا يشعره سوي من جربه بالفعل. أما الآخر فابتلع المرارة بحلقه على حالها، وهي لم تختل لتراه هو، بل تعلم وبكل وجع تجاري عينيها وعقلها بذل لتنعم بهذه اللحظة حتى ولو كان ليس هو.

سقطت دمعة "حامد" على وجهه ومرر ذراعه على ظهرها بشفقة وحزن. ولم يرغب في الحديث كي لا تنصعق ويخيب رجاءها الخائب من الأساس. وكأنها تعي الآن عندما حررت نفسها تنظر حولها برهبة. رفعت يديها تمسح وجهها التائه وثبتت عينيها على غرفته الساكنة. آخر ما نظرت له وبعدها حاولت السير بسرعة كي تخرج من الشقة تحت قول "بسام": "يا نيروز استنـ.."

قطعت قوله إغلاق باب الشقة خلفها بسكون. حيث حاولت دخول الشقة الأخرى. جلس "حامد" على المقعد بسكون، ووقف "شادي" بتشتت مع "بسام". وإلى الآن غرفته ساكنة من الداخل. فتح "شادي" الشرفة أكثر وأكثر كي ينير المكان. في حين انسحب "بسام" يدق باب غرفة "غسان" مع دق جرس المنزل. تقدم "شادي" يفتحه، بينما ما إن وجدها تدخل تمسك كفه بلهفة تسأله:

"إيه ده يا شادي نيروز مالها وطلاق إيه اللي حصل. دي مامتها منهارة وهي مدتش فرصة لحد ودخلت قفلت على نفسها! سحبها لتجلس كي يغلق الباب ورأت العجز في عينيه. توجهت تنظر بصمت. وهي تسمع صوت "بسام" القلق: "غسان! .. انت سامعني؟ لم يأخذ أي رد سوى الصمت. السكون المريب. بينما وقف "حامد" يحثه على التراجع وقال يخبره: "سيبه يا بسام. سيبه وبلاش حد منكم يقوله على اللي حصل. خلاص! قطع أي حديث كان سيُقال. بينما وقف "حامد" يخبر "شادي":

"روح وروح مراتك يا شادي يلا! "أنا مستني هنا مش همشي إلا ما أطمن عليه! "مش هيطلع. أنا بقولك إن أنا أبوه ومش هيطلع إلا ما ربنا يسهل. مراتك واحدة وراها امتحانات ومحتاجة تذاكر ولازم تكون كمان معاها. يلا ومتقلقش هطمنك!

وجد العجز بعينيه. ونظر صوب "منة" التي حدقته بصمت. ووقفت ما إن وجدته يومئ رغما عنه. اعتدل يودعهم كي يرحل. وكما سيرحل هو. كانت قد عقدت "عايدة" عزمها على أن ابنتها "جميلة" يستوجب عليها الرحيل مع زوجها وعائلته وأن لا تجلس وسط هذه الأحداث وبالنهاية تحت مسمى عروس. رغم تلقي خبر الطلاق ومحاولتهم في الوصول لها صعبة بعدما أغلقت على نفسها تنفرد بالوجع.

وحتى "سمية" يأست وذهبت لغرفتها تنزوي بوجعها كما كان غيرها. وآخر ما سمعته من صوت "حازم" وهو بنهرها بالصمت ومن ثم قرر الصمت معها لمعاقبتها دون تبرير وهيهات من تلك الشرسة. وكما صمتا هما صمتت "وردة" تكتم كالعادة تجاري الحديث لحديث آخر بعدما أنهكت نفسها في البكاء والخوف عليه هو وعلى حياتهما سويًا. وبكاء آخر على حال شقيقتها. وان امتزجت مياه دموعه مع مياه الاستحمام، فكيف سيميز على أية حال؟

الاثنان يهبطان بغزارة، أخرى تلبي غرضها وأخرى تعبر عن غرضها. وما الغرض؟ العودة لنهر مشاعره التي تجتاح صدره، وخاصة قلبه، ذلك العضو الضعيف تجاهها، يضخ بحروف اسمها، تشبيه ساخر، ساخر جدا منه ومن حاله المؤلم. يرى بأنها تساهلت وتخلت، وكذلك تري هي. على الرغم من أنها طلبت، ولكنها لم تتردد بالعكس أبدا. ربما كان يريد منها رؤية التمسك الذي عاش يفعله. وعلى الرغم مرة أخرى من أنها ليست مقارنة بينهما، ولكنه سأل سؤال واحد رغما عنه:

-لم لم نأخذ مثلما نعطي؟ ثم سؤال آخر: -لم دائما لا تريدنا الأشياء التي نريدها؟ ثم: -لم الوجع؟ وبعده: -لم العودة؟ ولما الوصال من الأساس؟ وصال، "وصال" وصاله الذي عاد معها، وبعد ذلك رددت له في أواخر علاقتهما بأن حبل هذا الوصال ربط بشدة وصعب فكه، صعب البعد، صعب الفراق، وليس هين الانفصال. هل كانت تكذب؟ تخادع؟ ترمي مجرد كلمات تحت مسمى الهوى؟ منذ متى يردد العاشق بكلمات ليست صادقة؟

أحيانا يتم ترديد كلمات الحب بنغمة معينة لم يفهمها سوى الطرفان وفقط، بينما الآخرون سيرون أن هذه مجرد تراهات. هل كانت آخرون؟ طوال هذه الفترة؟ أسئلة كثيرة ليس لها جواب وعقله على وشك الانفجار. كما أن قلبه كذلك، حتى من قبل الانفصال، ترى ماذا سيفعل به قلبه في اللاحق؟

مجبر وسيجبره على التحمل لا محال، ليس لديه خيار آخر. وجد جوابا يهزه من الداخل بأن إن خالفت الظروف، يتخلى طرف عن طرف لأجل آخر. لأجله. نفض ذلك وقال ناهرا هذا الجانب الذي يلين ويتحلى بالوفاء تجاهها: مجرد تراهات، من يحب لا يتخلى، ومن يهوى لم ولن يقدر على الفراق.

من بين الوقت خرج بعدما ارتدى ملابس مريحة بالنسبة لعضلات جسده المتشددة بصلابة من هذا الضغط. رفه يديه يرجع خصلاته المبللة إلى الخلف، وانحنى يلتقط ذلك الزجاج الذي هشمه بغير وعي. التقطه، يضع ما بيديه في سلة المهملات بحذر. ونهض بعدها. من بين مرور الوقت شعر بإنسحاب الكل. بينما لم يهون على والده تركه بعدما حث الكل بحزم على ذلك. بل ما أوقفه في منتصف الغرفة وهو يلقي المنشفة بإهمال، دقة واحدة خافتة مع قوله

الذي ظهر به القلق عليه: -أنا عارف إنك صاحي وسامعني، بس افتح كلمني دقيقة بس واقفل تاني زي ما انت عايز، بس اشوفك يا بني. شعر باختناق نبرة والده. أدمعت عينيه بلمعة غريبة وهو يتوجه يلتقط السجادة الخاصة بالصلاة من جانب الباب المغلق وقال مختصرا بنبرة جاهد بأن تخرج، ثم لتخرج ثابتة بعدما تخرج: -أنا كويس يا حج حامد وهنام، تصبح على خير.

ومع الأسف الشديد شعر والده بثقل جملته. بينما ما بيده حيلة. توجه يجبر أذيال الخيبة مع اليأس في الجلوس معه وأدرك أنه سيتعامل عكس من قبل، بالتجاهل وكأن شيئا لم يكن. منع عنه الكل ليهدأ كي لا تلبسه هذه الحالة، ولكنها لبسته. بينما قبل وقت ومن بداية اليوم كان يطمئن عليه رغم أنه كان يرى الانفعال، بينما الآن يرى به الكسرة الذي قرر دفنها بقوة. وهل لا يشعر والديه؟

أما هو، فعند السجود أطال، وهنا سمح في أن تهبط دموعه خلف بعضها، دمعة خيبة ودمعة وجع ودمعة قسوة. قسوة يتمناها. هل يتمنى المرء القسوة؟ تمناها هو لقلبه كي يستطيع التعايش بأخذ أنفاسه. حتى الأمل اختفى. فقط تمنى بهذه اللحظة أن ينعم بالراحة وليس الوجع. ثم المسامحة. من يسامح؟ هي؟

أم طفله الذي تركه رغما عنه قبل أن يعيش أجواء فرحته بقدومه. وبين مشاعر وأقوال تذكر بسخرية مؤلمة قول أحدهم الساخر من بين الحديث أن لا تقع بالحب، فكل ما يقع يكسر. وكسر حيث كان هو، قابل للكسر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...