الفصل 11 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
27
كلمة
7,946
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

يدبّر الأمر بينما أنت تحارب قلقك. يدبّر الأمر بينما أنت غارق في أفكارك. يدبّر الأمر بينما تخشى وقوع مخاوفك. يدبّر الأمر بينما أنت مكتف بعجزك. يدبّر الأمر بينما أنت تسعى خلف رغباتك. يدبّر الأمر بينما أنت في تمام الضياع ويقين الرجوع. يدبّر الأمر لأنه أعلم منك بحالك. حالة صدمة هذا ما يشعرون به الآن. والدته تستند بضعف على الأريكة، غير قادرة على كبح دموع عينيها. وكل ما يجول بخاطرها أن ولدها ليس مؤذياً ليؤذيه أحدهم!

بالتأكيد يوجد شيء خطأ. طيلة السنوات الماضية لم تأتِ شكوى من شخص تجاهه، وإن أتت يتصرف بأموره دوماً وبطريقة ما بمفرده! خاصة أنه محبوب بين الناس! لكن ماذا يوجد الآن!

كان الوجوم والتشنج يكسو ملامح البعض، والبعض منهم بصدمة. أما شقيقته فالدموع تجمعت في مقلتيها وهي تنظر ناحية الباب عليه وعلى ملامحه الخالية من أي تعبير، وكأن شيئاً لم يحدث. قاطع حبل أفكار كل منهم ذلك الرجل وهو يردف قائلاً مرة أخرى، ومن ثم موجهاً أنظاره لـ "غسان": "ها يا أستاذ معايا؟ اتفضل امضي هنا." نظر له "غسان" بتمعن ولم يبدي أي ردة فعل! فتحدث "حازم" سريعاً بخبرة أنه يعمل بالمحاماة: "طب ممكن أشوف الجواب دا الأول؟

ناوله الآخر ما بيده قبل أن يدون "غسان" باسمه. وما أن فتحه وقرأ محتواه سريعاً، وخاصة بتركيز عينيه على اسم المبلغ عنه، والذي قام بعمل هذا المحضر ضده! لم يكن سواه! شقيقه! الآن فهم كل شيء برغم صدمته البادية على ملامح وجهه. فنظر له "غسان" وهو يتحدث بنبرة واثقة لا شك بها: "عارف إنه حسن! مش عارف بيحب يأذي نفسه ليه! نظر له "حازم" ووالده وشقيقه بمفاجأة لعلمه دون النظر لذلك الجواب، وتهديده الصريح أمامهم!

ولكنه علم لأنه لم يتعامل مع شخص بعنف سوى شقيق الآخر مؤخراً. فأردف "حامد" بنبرة رخيمة قائلاً: "طيب يا أستاذ، تقدر تتفضل جوا أو تستنى تحت ونيجي وراك! قاطعه "غسان" سريعاً وبنبرة جامدة: "لأ أنا نازل معاه. محدش ييجي معايا! وجه هو نظراته ناحية شقيقه والتفت ورائه يطلع على حالة والدته وشقيقته. فواصل حديثه مرة أخرى: "خليك جمبهم! كاد أن يعترض شقيقه ووالده فأردف من جديد بنبرة حادة لا تقبل النقاش: "أسمع اللي بقول عليه!

اضطر شقيقه لرضوخ زائف. تحرك هو سريعاً يهبط من على الدرج خلف الآخر! أما "حازم" فنظر لـ "حامد" و"بسام" قائلاً بلهفة وهو يتجه ناحية الدرج بسرعة خلف الآخر: "متقلقوش أنا معاه وهتصرف. خليكم إنتم هنا عشان الموضوع ميكبرش! قالها سريعاً ثم هبط خلف الآخر بسرعة. فأغلق "حامد" الباب من خلفهم بتيه من ذلك الموضوع متجهاً لهن بالداخل. حتى وجد زوجته وأخيراً تبكي وهي تردف قائلة من بين بكائها: "ابنى معملش حاجة والله ما عمل حاجة!!

ليه بس ياربى ده كان العشم برده يا حسن! نظرت لها "جميلة" بأسى، خاصة أنها الآن ولا تغير لذلك شقيقته من والده مهما بدر منهم! أما "نيروز" فكانت تتابع بحزن بالغ هي ووالدتها التي تربط على صديقتها بمواساة. لكن "ياسمين" تشنجت ملامحها بانفعال وهي تربط على كتف "وسام" بلطف! فجاءت نبرة "حامد" الحادة وهو يجيب زوجته قائلاً: "ابنك راجل، وأكيد معملش حاجة. اجمدي كده!

نظر له "بسام" وهو يجاهد أن يخرج صوته. فخرج منه بتشنج رغماً عنه ومع تقاسيم وجهه المنفعلة وهو يردف: "إحنا طالعين من بيت راجل يعني مينفعش تعيطوا كده. راجع مادام معملش حاجة! نظروا له جميعاً بترقب وبشعور ببعض من الخوف، خاصة أنهم من المرات القليلة عندما يروه فيها كذلك!! وبالنسبة لبعضهم فتعتبر أول مرة! نظر "حامد" لـ "بسام" وهو يشير له جانباً لزاوية ما. ثم أردف قائلاً بخفوت بعدما اتجه له الآخر: "تعال معايا."

أومأ له هو. كان يعلم جيداً ما يريد أن يفعله والده بعد هذا الصبر والثبات في هذا الموقف. أومأ له بصمت وبالإيجاب يهز رأسه بهدوء. شاردًا بكيف تكون المقابلة! وعلى الجانب الآخر كان هو قد أتى من عمله. يقيم هذه المرة بشقة زوجته الثانية. كان يجلس هو وهي وابنتهم بصالة المنزل. وبصمت. منهم من يشاهد التلفاز بملل ومنهم من يمسك هاتفه يتفحص به بنفس الملل! وها هو التفكك الصحيح لمعنى الأسرة! بأن نكون حاضرين ولا حاضرين!

وجه "سليم" نظراته لـ "زوجته" ثم تنهد ببطء وهو يردف قائلاً بتساؤل: "يعنى ابنك مش باين بقاله كام يوم مشوفتش خلقته؟ فينه البيه؟ قلبت "زينات" عينيها بملل وهي تحيبه قائلة بنبرة مكتومة من عيظها وبقلة صبر: "خرج من الصبح. في حاجة؟ عمل حاجة؟ هبب حاجة؟ "وانت الصادقة ده مبيجيش من وراه غير زفت مصايب!!! كانت "فريدة" تتابع الحوار بملل بادٍ على ملامحها. وهي تهز ساقيها بسرعة بالتأكيد له عامل نفسي!! ولكن تلك عادتها غالباً!!

تجاهلت "زينات" حديث زوجها. ولكن جاءهم صوته المنفعل وهو يردف قائلاً للأخرى: "ما تعقلي يا بت انتِ!! إيه التعقيد ده ع المسا! روحى إعملى عقّدتك دي بعيد عن عيني مش ناقصين خوتة دماغ! نظرت له "فريدة" بتعابير وجهها الخالية لكن داخلها يسب ويلعن بتلك اللحظة التي خرجت فيها للجلوس معهم! الآن كل السبل تشير لها أن تخرج تماماً من هذا البيت وتنساق خلف حديث الآخر لها! هذا ما تقنع نفسها به!

نظرت "زينات" لزوجها بغير اهتمام. وكانت نظراتها لـ ابنتها وهي تتحرك إلى غرفتها بصمت لا تختلف عن نظراتها للأول! حاولت هي أن تفتح بحديث ما آخر. فأردفت تقول بنبرة يملؤها الخبث: "ألا قولى! وافقت على شغل البت نيروز؟ "اه." قالها بإيجاز. فنظرت له هي من جديد وهي تتساءل: "وقولتلها ايـه؟ عقد ما بين حاجبيه بنفاذ صبر وهو يجيبها قائلاً بسخرية: "لما أوافق على شغلها هقولها ايه يعني؟ شاي بالليمون! ما توزني كلامك انتِ كمان!

عقدت حاجبيها بتفكير من أمر انفعاله على كل كلمة يتحدث بها أو أي حديث تردفه هي عامةً!! "مش شايف إنك متعصب زيادة عن اللزوم؟ خير؟ نظر لها بتردد وهو يرد على حديثها باختصار: "مفيش! نظرت له وهي تفكر بمكر قائلة له من بين نظراتها الحنونة المصطنعة! "قولي بس مالك يا حبيبي! أعصابك مالها كده! "ولا أعصابي ولا حاجة. بس واخد على خاطري من حازم شوية!

عقدت ما بين حاجبيها باستنكار. فاعتدلت جالسة بانتظام وهي تسأله بنبرة حملت من الفصول شيئاً!! "عمل ايه؟ قالتها باسلوب رقيق حتى تسلبه ناحيتها. هي تعلم مهما انفعل عليها، يأتي لها بالنهاية بكل ما تريد معرفته من أحداث تخفي عليها هي؟ وللحق لا يخفي عليها إلا القليل!! وإن خفي من الأساس!! أردف هو. قائلاً يجيبها بشرود وهى مازالت تطالعه بنظرة الفضول التي توجد بعينيها! مفيش اختيار للمحروسة عني!

أقوله متضيعش شغلك ليوم تافه زي ده مرضاش، قال إيه السنيورة هتزعل ولازم يكون معاهم! انتبهت هي لعدة ثغرات بحديثه، فأردفت تسأله من جديد وبطريقة غير مباشرة: ما لازم يا خويا بنت أخوك خلاص لحست عقله، بس يعني وهو اليوم التافه ده راح فيه فين! معزومين عند حامد البدري ومراته! والآن ربطت الأحداث ببعضها وشعرت ببعض الدماء تغلي ولو لذرة بعروقها! دلوقتي جمعت! كلهم بقا هناك من مرات أخوك وبناتها لحازم وأمه وأخته صح؟

أومأ لها يهز رأسه بنعم وهو صامت، فنظرت له هي وهي تردف بحدة قائلة: يعني إيه توافق على كده؟ إنت مش عارف إن بنتي كده تزعل عشان هيبقوا مع بعضها وهي وحيدة هنا؟ ولا إحنا مبقناش قد المقام عشان ميقولوش ويقضّوها من سكات؟ ولا أقولك إيه، ما هم 3 حرابي لايفين على بعض بعيالهم بكله! وجه نظراته لها وكاد أن يجيبها، ولكن قاطعه دقات الباب البسيطة ورنة الجرس العالية بالمنزل، عقد هو ما بين حاجبيه بتساؤل: هو مش الزفت ابنك معاه مفتاح؟

معاه! وبعدين هو لازم يكون ابنك، ما تقوم تشوف مين يا راجل، عمّا أدخل أنا أغطي راسي يمكن يكون حد غريب الله! اتجه هو ناحية الباب، بينما دخلت هي إلى حيث غرفتها. هي تعلم جيدًا أنه ليس ولدها! بالتأكيد أخذت تفكر من هذا؟ غير المعتادين على زيارتها! ***

في قسم الشرطة القريب من منطقتهم نسبيًا. كان يجلس "حسن" بمفرده ينتظر قدوم صديقه بعدما كان يجلس معه، ولكن الآخر ذهب ولم يعد الآن. كان يحرك قدميه بانفعال، لا يعرف أهذا من فرط توتره أم لعدم تناوله جرعته اليومية من المخدر اللعين، تلك الذي جلبه له الآخر من فترة. نظر الضابط إليه وظل محدقًا به لفترة ولهيئته، فتنهد يأخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً باستنكار خفي به: إنت بتعاني من حاجة نفسية؟ ولا إنت بتشرب؟

فتح "حسن" عينيه بصدمة وحاول أن تخرج منه نبرته الثابتة رغم ارتباكه من الداخل: لا شرب إيه ياباشا، حد الله. أنا بس بتخنق يعني من الأماكن اللي زي دي! قصّره! هم على وصول. يا ريت تفوق لنا كده عشان نشوف شغلنا! هز له رأسه بالإيجاب بالايجاب عدة مرات متتالية وهو يردف قائلاً بإطاعة: حاضر يا باشا. إنت تأمر!

قالها وقد تبدو إطاعة للآخر، أما من داخله فأخذ يسب ويلعن بذلك الذي قام بالاتفاق معه على كل شيء، وأيضًا حدثه بأنه سيكون بجانبه في تلك اللحظة، خاصة أن الآخر فضل منه بلباقة وصنع الحديث، أما "حسن" فلا يجيد ذلك بتاتًا، وعلى الأغلب صديقه يعلم بذلك جيدًا ويلعب على تلك النقطة. أين هو الآن إذن ولما تركه ولم يأت بعد؟ وبعد دقائق دق الهاتف على مكتب الضابط، أجاب هو على الهاتف سريعًا بنبرته المقتضبة بعض الشيء:

تمام. دخّلهم الاتنين عادي. قالها وثوانٍ وفُتح الباب، ودلف منه "غسان" أولاً، ومن ثم "حازم". كل ذلك تحت أنظار الجالسين، وخاصة "حسن" والذي ما إن رأى شقيقه، دب به بعض الارتباط لدمار خطته المرسومة وفشل ما كان ينوي قوله وإخلاقه من بدع كاذبة. اتفضلوا يا أساتذة هنا! اتجه "غسان" أولاً ناحية الجالس هناك وعلى ملامحه ترتسم ابتسامة صغيرة وكأن شيئًا لم يحدث. فاتجه بخطوات واثقة ناحية "حسن". ثم مد يده للسلام قائلاً

بنبرة دافنة للتهكم: أبو علي! إيه اللي جايبك هنا؟ لأ لأ متقولش! هو إنت اللي... ماطل في آخر حديثه ليثير استفزازه إذن. مد له "حسن" يده رغماً عنه، فازداد "غسان" من ضغطه على يده، فأبعد "حسن" يده سريعًا دون استطاعته بأن يتفوه حرفًا. جلس الاثنان أخيرًا بجانب بعضهما من أمامه. فبدأ الضابط بالحديث قائلاً بمهارة حسب طبيعة عمله:

إيه قولك يا أستاذ غسان بأن الأستاذ حسن بيقول إنك اتعديت عليه بالضرب والدليل اللي في وشه ده لما كنتم مواجهين بعض لوحدكم؟ إخص منك يا حسن بجد! ده أنا كنت بدافع عنك ياراجل لما كلنا كنا واقفين، يبقى دي شكرك بذمتك يعني كده؟ قال حديثه قاصدًا بتكذيب بلاغة ولكن بطريقة التلاعب بالحديث غير المباشرة، وتبدو وكأنه وقع بالحديث رغماً عنه وليس قاصدًا أن يردفه عمداً. عقد الضابط ما بين حاجبيه وهو يردف بتساؤل زاد من توتر الآخر:

أفهم من كده إن التعدي عليه مكنش لوحدكم زي ما هو قال؟ تسارعت دقات قلب "حسن" من فرط التوتر، ثم ضاعف عدد هزات قدميه، ولكن جاءهم صوت "حازم" الهادئ وهو يردف قائلاً للدفاع والمساواة بين الطرفين: ساعة الواقعة دي كنت أنا معاهم، بس أنا اللي ضربت حسن كده مش هو. ولما غسان جه وشال بينا حسن، زقه فهو زق حسن بس، لكن الأصل إننا اتنين إخوات وبيتناقشوا مع بعض يا فندم، بس هو حب يكبر الموضوع وخد على خاطره شوية!

نظر هو إلى "حسن" وهو يتساءل بعينيه له، فجاءهم نبرة "حسن" وهو يقول: اللي اتعدي عليا بالضرب غسان هو اللي عامل كل ده في وشي مش حازم. أخوك شاهد ومعترف إن هو كان بيتفاهم معاك وهو اللي ضربك وحصل مشادة بينكم، أظن أخوك مش هيحب لك السوء! لا إنك تتسجن مثلاً، إلا إذا كان فعلاً مكنتوش انتم التلاتة بس في الواقعة دي. جاءهم نبرة "حازم" السريعة وهو يحاول أن يخرج منها بأقل الخسائر وأيضًا بمدافعته عن شقيقه وليس توريطه:

لا يا فندم كنا إحنا التلاتة وأنا اللي جيت ضربت حسن وغسان فعلاً كان بيشيلنا وبيبعدنا عن بعض، وزي ما قولت لحضرتك أنا معنديش مشكلة أمشي الأمر دي ونتصافى ويتنازل عن المحضر لأن ملوش لازمة أظن! ده أخويا يعني وبياما بيحصل بين الأخوات! ها يا حسن! إيه قولك؟

قالها الضابط "أحمد" بعرض على الآخر وهو يوجه نظراته المتسائلة نحوه، أما غسان فلم يردف شيئًا، بل فكر بكيف ساوى الآخر بتلك الطريقة. فكر أنه كان بإمكانه أذية الآخر وبالحال، ولكن صمت ينتظر ما الآتي منه. نظر "حسن" لهم جميعًا، خاصة شقيقه وهو يطالعه بحدة، و"غسان" وهو ينظر له مبتسمًا ابتسامة صفراء توحي بالكثير. حينها اقتنع "حسن" أن الآن موقفه أصبح ضعيفًا.

معلش يا باشا، الغضب أعمىني. اللي تشوفه حضرتك. موافق نمشي الموضوع دي عادي. قالها "حسن" وملامح وجهه لا تتماشى مع طبيعة الحديث الذي أردفه. فالحال! ابتسم "غسان" بسخرية ابتسامة صغيرة بالكاد استشفها من يعرفه جيدًا. ابتسامة توحي بتحقيق ما كان يتوقعه من رد فعل الآخر. فأخذ شهيقًا عاليًا أخيرًا. طول عمرك ودود وابن أصول. مع إن عندك ليا واحدة واتهمتني بحاجة معملتهاش، بس هنتصافى بعدين زي ما إنت فاهم بقا يا بو علي!

أردفها "غسان" بلطف وهو يوزع نظراته ناحيته وناحية الضابط. فنظر الضابط إلى "حسن" وهو يردف قائلاً بهدوء: كان ممكن أتخذ إجراءات تانية باتهامك اللي مش في محله دي فيها قضية. بس هنمشيها المرة دي. شكلكم يعني ولاد ناس. فبلاش منه الكلام ده! يلا إمضوا عشان تمشوا. قالها بسرعه للجالسين فوقف كل منهم يدون إمضائه بالترتيب. ثم خرج ثلاثتهم بعد عدة دقائق إلى خارج القسم مباشرة بصمت حتى بعدوا عنه مسافه لم تكن قريبه.

وأول من تحدث كان "حازم" وهو يردف قائلا بحده لشقيقه مصوبا نظراته إليه: "مبسوط واحد غبي زيك كان هيضيع نفسه. انت إيه يا اخي؟ بتعمل كده ليه؟ وايه القرف اللي انت فيه ده؟ شايف نفسك بني آدم ربنا خلقه بعقل ازاي وانت كده؟ قالها بحده وبانفعال. وكان "غسان" يتابع الحوار بصمت أو دعنا نقول هدوء ما قبل العاصفه. فنظر "حسن" إلى شقيقه بجمود وهو يردف قائلا بصوت منفعل: "انت اللي إيه؟

معندكش دم وبتدافع عنه قصاد أخوك اللي من دمك وشغل بياعه ورخص محصلش؟! "انت غبي وكنت هتدخل نفسك في سكة أطين. سكة كانت هي الوحيدة اللي ناقصة للي انت فيه. لولا لحقت الدنيا مكنش زمانك متلقح واقف قصادي دلوقتي." قالها بانفعال وهو يقترب منه يصرخ بوجهه عاليا. نظر لهم "غسان" بصمت ثوان ثم أردف عاليا ينادي الآخر: "إستنى." إلتفت ينظر له. بينما إقترب هو يقف أمام "حسن" مبدلا نظراته للحدة قائلا بجمود:

"أنا بقف جامد أوي علي التالته يا حسن خد بالك كده لسالك واحده." صمت هو لثوان ثم واصل مجددا بنبره بطيئه بارده متقطعه ليثير إنفعال الآخر بتلك النبره البارده: "وأنا..مش دايما هكون لطيف. ممكن أوريك وش.. يفاجئنا إحنا الاتنين! نظر له "حسن" بشرر يتطاير من عينيه قائلا بانفعال وبصوت عال: "هخاف منك أنا كده يعني؟ "ده شيئ طبيعي إنك تخاف. ومتلعبش في العداد كتير. أصلى بيتقال عليا قادر. ومش هسكتلك!!

قالها ببرود لا يتماشي مع الموقف ذاته. فالتفت هو ينظر لـ "حازم" وهو يردف مجددا: "بعد كده إبقى فوتلى يا صاحبى. لأن معتش هيتسكت كتير علشانك. عــال! قالها ثم اتجه من أمامهم يسير بمفرده دون إنتظار رد أيا منهم. سار يسبقهم بعدة خطوات وهم من خلفه. ومازال "حازم" يطالع شقيقه بحده وهو يدفعه بقوه رغما عنه ليصير معه علي الطريق: "علي البيت. وخلى أبوك يعرف بقرفك ده بقا يا قـ ـذر."

قالها "حازم" بحده وعينيه تطلق الشرر للآخر وبقوه. بادله الآخر بنفس التعابير ولكن لن يتفوه بأي حرفا. مضطرا لتلبية ما أراده شقيقه مدام يحاصره الٱن بتحكمات عقله قبل بدنه. قبل قليل. وعلى الجانب الاخر. كان يجلس هو وولده في صالون منزل ذلك الجالس أمامهم "سليم". أخذ "حامد" أنفاسه ليبدأ هو بالحديث أولا وهو يوجه حديثه للآخر: "أظن كده كتير أوي من ابنك يا سليم!! عقد "سليم" ما بين حاجبيه وهو يردف بتساؤل: "ابني مين؟

وضح كلامك يا حامد لأن أنا مش فاهم تقصد ايه ولو عندك حاحه مستخبيه جواك يا ريت تقولها! تشنجت ملامح "بسام" بطريقته الغير حسنه مع والده في الحديث. فأخذ "حامد" أنفاسه متغاضيا عن حديثه وهو يقول: "حسن إبنك عامل محضر لابنى ليه يا سليم وواخده عالقسم؟ احنا ناس متقبلش بكده وفى حالنا. وبنتكلم بالادب والاحترام مع كبير البيت لان واضح ان ابنك مش كبير كفايه ولا عاقل يعنى علشان يعمل كده! "وهو حسن هيعمل كده لابنك ليه؟

ويعني إيه ابني مش عاقل؟ إوزن كلامك يا حامد واعرف إنك فى بيتي واللى بتتكلم عليه ده ابني! هنا وأردف"بسام" قائلا بنبره جامده: "كلامنا موزون كويس ومفهوش غلط. الغلط من عندكم من هنا. إحنا جينا للكبير وعملنا اللى علينا. بس الواضح إن حضرتك مبتعرفش تتكلم ولا تتعامل مع ضيوفك!! يلا يا بابا! قالها هو ينهض مره واحده. فاستقام والده خلفه مباشرة. ولكن كان خلفهم "سليم" يسير من خلفهم ناحيه باب شقتهم ولا يفهم كل جوانب الأمور إلى الٱن!

أما زوجته كانت بالداخل لا تستطيع الخروج إلا عندما ينصرف الضيوف حسب التقاليد الخاصه بذلك الـ "سليم". نظر "حامد" أخيرا إلي الأخير وهو يردف بهدوء: "عـقل حسن يا سليم. غسان لو فاقله أنا نفسي مش هقدر أمننعه ووقفه ياريت تكون فاهمني كويس!! كاد الاخر أن يجيب علي حديثه. فلاحظو هم صعودهم من خلف بعضهم على السلم من أمامهم. وكان أولهم "غسان" حتي صعدوا جميعا أمام المنازل في الطابق الخاص بهم.

اتجه "بسام" سريعا يحتضن شقيقه بحب وبهدوء. فنظر له الاخر نظره تبث به بعض الاطمئنان. ولكن نظرات "سليم" لأولاده كانت خاليه من التعابير إلى أن أردف قائلا وهو يوجه نظراته ناحيه ولده بتساؤل: "ايه اللى فوشك ده ومن امته؟ "أنا اللى عملت فيه كده لانه مد ايده علي جميله وكمان ياسمين! قالها"حازم" وهو ينظر لوالده. فنظر له "سليم" بحده مردفا: "من امته واحنا بناخد حق حريمنا من راجل و بالضرب!! نظر له "غسان" وهو يردف قائلا

ببساطه وبصوت عالي نسبيا: "ده لو كان راجل! وبالمناسبه أنا بردو شاركت مع حازم يا عمى!! نظر له "حسن" بشرر غاضب. ثم اتجه ناحيته سريعا ليقوم بضربه بوجهه أول مره على غفله. كاد أن يكمل ضربه للمره الثانيه ولكن تفادى "غسان" جيدا وهو يسدد له الضربه مرتين علي وجهه. ثم أمسكه من تلابيبه بسرعه قائلا بحده تحذيريه وبصوت منفعل وهو يقوم بهزه يدفعه بقوه للحائط من خلفه:

"وحياة أمى لولا في رجاله ليهم مقام كنت عرفتك مقامك اللي على حق يا عـ ـره !! أسرعوا علي الفور ليفصلوهم عن بعضهم. فنظر "حازم" لـ "حسن" بحده وهو يبعده بعيدا عن الاخر. و"بسام" ساحبا لشقيقه بهدوء. أما "حامد" والٱخر فلم يتتدخلا بعد. فأردف "سليم" قائلا بنبره حاده: "ده ينفع اللى بيحصل من إبنك ده يا حامد! نظر له "حامد" بتعابير وجه خاليه وهو يتحدث قائلا بثبات: "إسمها ينفع اللى بيحصل من راجلك ده! مش ابنك!

ابني راجل ومسئول يا سليم. وعارف هو بيعمل ايه الدور والباقي علي ابنك ياريت تعقله لأن اللى حصل منه مش شويه." كان هذا الحوار تحت أنظارهم جميعا. فأردف "حسن" بسرعه وعلي فجأه قائلا بصوت جهوري متجها له على فجأه: "ودين الله ما أنا سايبك يا غسان والله لاورريك ياللى عاملي فيها...

نفض "غسان"ايدي شقيقه الممسكه به سريعا بغضب وبقوه. ثم اتجه ناحيه الآخر بسرعه قياسيه غير عابئا بمناداة والده عليه. وأمسكه من تلابيبه علي فجأه مقاطعا بقية حديثه وهو يضربه ضربات متتاليه علي وجهه يصيح به عاليا وبصوت جهوري من غضب فاق الحدود: "توري مين ياحيلة امك! أنا سايبلك خالـ ـص من الصبح يا ناقص. وأنت عاوز تتربي واخدت عليها ياض! كان قوله تزامنا مع ضريه ودفعه له بقوه.

خرجت النساء من الشقه المقابله علي أثر الصوت. والرجال يحاولون الفصال بينهم بكل الطرق الممكنه حتي الرجال الكبار. فاق هو من دوامته علي صوت والدته وهي تصيح عاليا ببكاءها الذي يعد أحد نقاط ضعفه والذي إخترق مسامعه وبقوه: "خلاص عشان خاطر أمك!! خلاص يا غـسان." قالتها والنساء الآخرين يؤيدونها في الحديث. مع تشنجات وجه الفتيات من أثر هذه المعضلة التي أمامهم حتى "جميله" قتل بها إحساس الخوف على الآخر.

تركه أخيرا. ثم ألقاه أرضا ووجهه غارق بدمائه. متنفسا بأصوات مسموعه. خرجت "زينات" من شقتها أخيرًا، وبسرعة هي وابنتها. وما أن رأت حالة ولدها صاحت عاليًا وهي تشهق بخوف، متجهة نحوه بلهفة. أما "فريدة" هي الأخرى، فلم يتحرك بداخلها أي شيء تجاه شقيقها، بل أخذت تنظر بشماتة وببسمة جانبية متهكمة. لم يلاحظها غير التي كانت بنفس ردة فعلها، شقيقتها. صاح "سليم" عاليًا وهو ينظر حوله للصامتين، مردفًا بقوة:

"لا واضح مين اللي ابنه مش كبير ومش متربي يا حامد! "واضح أوي فعلًا، ربي ابنك بقا وكبره لأن محدش تعب في تربيته وده غلط! قالها "غسان" بسخرية وبنبرة باردة، ثم نظر ناحية "حسن" وهو يردف قائلاً له بصوت هادئ يحمل الكثير، والآخر يجلس أرضًا بالكاد لا يرى من دماء وجهه. "الواحد لازم يحمد ربنا إن ابوه وامه مش قرايب! مكنتش هستحمل نفسي لو طلعت أهبل وبرياله زيك كده يا حسن!

قالها تحت أنظار الواقفين جميعًا، ثم اتجه إلى داخل الشقة المفتوح بابها بخطوات واثقة وكأنه لم يفعل شيئًا للتو. نظر "سليم" بحدة ناحية الواقفين جميعًا، ثم أشار لزوجاته وأولاده بأن يدخل كل منهم إلى الداخل. انساقوا هم خلف ما يريد هو، ثم اعتدل بوقفته ليبدأ بدلفه إلى الداخل. كل ذلك تحت نظرات "ياسمين" و"نيروز" غير الغائبة بالخوف على الآخر، والسعيدة المكبوتة ولو بذرة مما بالـ"حسن"، وعلى موضع عمهما في الحوار. كانت نظراتهم الاثنتان لا تختلف عن بعض، خاصة "نيروز" التي شعرت لوهلة بأن حقها قد استرد من عمها حتى ولو كان الحوار لا يخصها من الأساس. اتجهت "نيروز" ناحية "وسام" وهي تأخذها بأحضانها، خاصة أنها كانت تبكي مثل والدتها تمامًا.

دلف بعضهم إلى الداخل. وتبقى عائلة حامد وعائلة سمية، وزينات وهي تسند ولدها ببطء. وما أن وقفت على أعتاب باب شقتها، أردفت عاليًا موجهة نظراتها لـ"دلال" وهي تصيح بغضب، ظهر بنبرتها ونظراتها: "روحي إلهي يتقطع ايد ولادك أو ياخدهم عشان ترتاحو!

قالتها عاليًا، ثم صفعت الباب خلفها بعدما دخل زوجها منذ قليل. نظرت "دلال" بدموع بأثر الأخرى نظرات أسى وخيبة لا تعرف بماذا تجيب، ولكن ألمها قلبها من مجرد دعائها على أبنائها. نظر "بسام" بأثرهم بغضب، ثم وجه أنظاره ناحية عائلته وعائلة سمية وهو يردف قائلاً: "يلا ادخلو جوه ملهاش لزوم الوقفة دي خلاص!

أيده والده بقلة حيلة، خاصة أنه منع نفسه للتدخل فيما يسمي حديث النساء. نظر لهم وهو يتجه ناحية زوجته يسندها بعدما تركتها "سمية" حينما رأته يتقدم ناحيتها. ربط على ظهرها بحنان وهو يتجه بها إلى الداخل. بينما "بسام" يسند شقيقته وهو يمسك بيديها إلى حيث شقتهم. نظرت "سمية" لهم قبل أن يدلفوا إلى الداخل قائلة لهم بأسف: "حقكم على راسي مكان أي حد فيهم. ادخلو ارتاحو وإحنا هنيجي نطمن بعدين! كادت أن تعترض الأخرى ولكن قاطعتها "سمية"

وهي تجيبها: "معلش عشان تبقوا على راحتكم، وربنا يهدي الحال يا حبيبتي! قالتها، فأومأوا لها هم تزامناً مع إشارتها لبناتها بأن يتجهوا هم الآخرين حيث شقتهم. دقائق بسيطة وأصبح السلم خاليًا، ودلف كل منهم إلى شقته بهدوء بعد تلك المعركة المنتظرة بنوعها الآخر. ***

كان يقف ينظر على الاثنين وهما يحتضنان بعضهن بحب. نظرت له والدته وهو يقف أمامها، والأخرى تجلس بجانب والدتها تنظر لها باهتمام. طالعته والدته بنظراتها الحنونة وهي تأخذ أنفاسها أخيرًا ببطء قائلة له بنبرتها الهادئة: "بس أنا مش موافقة حد يبات هنا معايا منكم على فكرة! أجابها "عز" وهو يتجه يجلس على المقعد الذي يوجد بجانب فراشها:

"مفيش حل غير ده يا حنون. وبعدين أنا كلمت مرات خالي الله يرحمه، وفرح هتروح تبات عندهم في البيت عشان كليتها طبعًا، بس مش مهم تروح بكرة، عما تبقي تجيب حاجتها من البيت والدنيا تمشي. يعني فرح مش هتبات هنا، تيجي اه تتطمن عليكِ، وأنا هبقى هناك وهنا وهظبط الوقت بإذن الله وهبقى على اتصال مع فرح بالتليفون كمان."

توترت ملامحها عندما جاء بحديثه عن هاتفها، بالطبع لا يعلم هو أنها قامت بتكسيره للهروب من تلك العقبة التي جاءت لها، وإلى الآن لا تعلم كيف تتصرف. نظرت له "فرح" بتوتر وهي تردف قائلة متحلية بنوع من الثقة في حديثها حتى لا يخرج مهزوزًا: "اه، بس يعني... بصراحة كده يا عز تليفوني ضاع مني من كام يوم في الكلية، فأنا يعني مش معايا تليفونات دلوقتي." عقد ما بين حاجبيه بتساؤل: "ومقولتليش ليه؟ عامةً، أنا هتصرف."

نظرت له هي دون تفوه أي حرف، بينما تحدثت "حنان" قائلة بلطف: "فداكِ يا حبيبتي مليون تليفون، المهم تبقي كويسة. قوم يا عز بقا وديها يلا زي ما قلت عشان الليل ليل خالص أهو! "طب سيبني اقعد معاكِ شوية يا ماما! نظر لها شقيقها بتعمق، ثم دقيقة وأخذ أنفاسه وهو يجيب الأخرى بهدوء: "أيوه قايم أهو. يلا يا فرح!

قالها بنبرة تائهة من أمر الأخرى والتشكك به وبمعاملاتها خلال اليومين الماضيين. أما "فرح" فانتبهت لنظراته جيدًا، وخاصة أن تلك النظرات بثّت بها ضعف التوتر الذي كان مدفونًا بداخلها وبمحاولاتها لإخفائه. قامت أخيرًا متجهة خلفه بعدما احتضنت والدتها بحب ثم ودعتها، لتتركها في حفظ الله، ومن ثم تحركت خلف الآخر بهدوء. ***

بعد دقائق بسيطة في شقة "حامد"، دلفوا هم وراء الذي سبقهم. ولكنه كان بمكانه المفضل الآن، ممسكًا بزجاجة المياه المثلجة بيديه يتجرع منها على فترات. أصابعه تتمسك بها بقوة حتى صدر منها عدة أصوات من مسكته تلك. ناظرًا من أمامه بشرود، مع ذلك الهواء الذي يداعب وجهه بقوة مطيرًا بعضًا من خصلات شعره، خاصة الجزء الذي بمقدمة رأسه. أخذ أنفاسه للمرة التي لا يعرف عددها وهو واقفًا بمكانه والصمت سيد الشرفة. الصوت المسموع هو صوت أنفاسه مع صوت الزجاجة الذي يضغط عليها هو بيده ممزوجًا بصوت الهواء العالي، وكأنه هو والهواء صديقين يتأثر كل منهما بالآخر. إن هاج وآنفعل هو فعل مثله ذلك الهواء غير المتوقع متى سيقوم.

بالخارج كانوا هم يجلسون مع بعضهم بصمت والوجوم يحل على ملامحهم مع تشنجات وجوه بعضهم. جففت "دلال" عينيها من أثر البكاء منذ قليل وهي تتنفس بعمق قائلة بهدوء ونبرة صوت خرجت ضعيفة منها نسبيًا: "قوم! قوم ادخل لاخوك يا بسام، أو قوم انت يا حامد! وجه "بسام" نظراته المشفقّة على عاطفة الأمومة لديها، ثم أخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً بعقلانية: "معلش يا ماما سيبه لوحده شوية، أكيد محتاج يهدي عشان نعرف نتكلم معاه على الأقل."

"كلام ابنك صح يا دلال، وبعدين مش عايزين المواضيع تكبر أكتر من كده. اللي كان كان، ادخلي يلا الأوضة ونامي وارتاحي وهيحلها ألف حلال!!

نظرت هي إلى زوجها وهي تومئ له بالإيجاب، ثم قامت لتنهض من على الأريكة. فنهض "بسام" سريعًا يسندها وهو يمسك يديها بلطف متجهًا معها إلى حيث الغرفة بخطوات تكاد تكون بطيئة. دقيقتان ودلفا معًا الغرفة، وسطحها على الفراش الخاص بها، ثم دثرها بالغطاء جيدًا وهو يبتسم لها بحنو. فالتفت هو ليتجه خارجًا من الغرفة، ولكن أوقفته نبرتها الهادئة وهي تقول له بترجّي: "بسام!!

متسيبش أخوك مع أبوك لوحدهم، متسبش أخوك يفكر كتير مع نفسه عشان خاطري!! التفت ينظر لها بهدوء وهو يردف قائلاً باطمئنان: "متقلقيش عليه! كل اللى حصل ده بيحصل عادي، متحطيش نفسك عشان متتعبيش. ولو على أبويا، هظبطهولك مع غسان خالص، متقلقش إنت يا قمر! قال أخر حديثه بمرح طفيف، حتى تبتسم هي. وبالفعل ابتسمت باتساع وهي تردف قائلة بنبرة بالغة من الحنان: "ربنا يخليكم ويبارك فيكم! ربنا يطمنك يا بني!

ابتسم لها بثقة ثم التفت متجهًا خارج الغرفة بأكملها، غالقا الباب من خلفه بهدوء، متجهًا مرة ثانية حيث مكان جلسته الأول. فوجد والده يجلس بمفرده! ويبدو أن شقيقته انصرفت إلى غرفتها أيضاً بأمر من والده، فبالأساس كانت لن تتحرك إلى أن يهدأ ويخرج لهم الٱخر ما دام منعوها من دلوفها له بالداخل! اتجه ليجلس بجانب والده بصمت. فأخذ أنفاسه وهو يتحدث قائلاً وبنبرة مترددة بعض الشيء: "بابا! متزعلش من غسان، هو ميقصدش يصـ.."

قاطعه والده وبنبرة جامدة: "أنا مش زعلان من أخوك، أنا خايف على أخوك!! "بابا غسان ميتخافش عليه، حضرتك عارف ده كويس! وحسن تعدي حدوده وأكتر!! التفت حامد ينظر له وهو يحرّك رأسه يميناً ويساراً: "يا ابني إنت عمرك ما هتفهم كلامي ده! اللى شوفته النهارده وشكل حسن ده بيقول إنه إنسان شراني، ده أكيد بيتعاطى حاجات. أخوك فاكر إنه كده بياخد حقه صح!

مش عارف إنه ممكن يعمل فيه حركة غدر. ده مش حسن الصغير يا بسام، أنا مش خايف منه، أنا خايف على ابني خايف على أخوك! صمت قليلاً ثم واصل مجدداً: "أنا مش مستعد أخسر واحد فيكم، مش هستحمل يا بني!! ربط هو على يد والده باطمئنان وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة وعميقة: "عايزك تعرف يا حامد إن ابنك راجل، وقبل ده كله فى حماية ربك! وصاحب الحق والصح عمر ما ربك يخذله ولا يكسره! نظر له والده بصمت وهو يومأ له على حديثه دون تفوه أي حرف!

فنهض هو ثم سحب يد والده خلفه وهو يتحدث مردفاً بنبرة لا تقبل النقاش: "الوقتي لازم تواجهو بعض! وإنت عارف إن غسان مطلعش لحد دلوقتي عشان ميشوفكش كده ولا يشوف ماما وهي بتعيط! نهض حامد بهدوء وسار هو أولاً، ثم بسام من خلفه مباشرة، متجهين معاً ناحية الشرفة التي توجد بغرفة غسان. فتحوا الغرفة بهدوء ثم اتجهوا ناحية الشرفة يدلفونها من الداخل، واقفين معاً جانب بعضهم متراصين دون تفوه أي حرف إلى الآن!

فخرج الحديث من غسان بنبرة هادئة وهو يلتفت ينظر لذلك الواقف بجانبه بصمت وكأنه بمفرده في تلك الشرفة: "أنا عارف إنك زعلان مني، مش قصدي أقلل من وجودك ساعتها، بس انت عارف آني مغلطش وإني كان لازم أرد حقي!! "أنا عندي زعل بالخوف عليك! مش منك، مش عايز واحد زيه يخسرني فيك! قالها حامد بهدوء وهو ينظر إلى الٱخر. وجه غسان نظراته إليهم ثم خرج منه صوته قائلاً بهدوء مطمئن:

"عايزك تبقى مطمن أكتر من كدا يا حامد، ولا عاش ولا كان تبقى حاجة ولا حد مخوفك وأنا لسه عايش! ابتسم له حامد ببساطة، ثم رفع يده يربط على ظهره بحنان. فوجه غسان نظراته لذلك الواقف خلف والده! فوجده يرسل له غمزة من عينيه بمشاكسة تعني بأن كل شيء على ما يرام الٱن! ابتسم له هو بثقة وهو يهز رأسه له بالإيجاب. وبعد دقائق استأذن هو ليخرج من الشرفة قليلاً: "جايلكم تاني!

قالها ثم خرج منصرفاً من أمامهم، متجهًا إلى حيث غرفة والدته. دقها دقة واحدة خافتة ثم دلف وترك الباب من خلفه مفتوحاً. أما هي فابتسمت باطمئنان وثقة من نفسها، كانت تعلم جيداً بأنه سيأتي لها ولو قاربت الساعة على مشارف الفجر ولكن لا يتركها حزينة! اتجه يجلس أرضاً ثم أخذ يديها يضعها أمام فمه وهو يقبلها بحنان. ابتسمت هي وهي مسطحة على الفراش ليخرج منها صوتها الهادئ قائلة له:

"كنت عارفه إنك هتيجي ومش هتسيبني أنام كده وأهون عليك! ابتسم لها هو بسمة صغيرة وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة وعميقة تصل إلى مسامعها: "لو يهون العالم كله، يهون، لكن إنت عمرك ما تهونى أبدا! حقك عليا! "هتخلي بالك من نفسك؟ وهتسكت ومش هتعمل حاجة تاني؟ مش هتوجع قلبي عليك وتقلقه؟ "متقلقيش واطمني، كله هيبقى تمام!

قالها هو يستقيم من جلسته أرضاً، منحنياً يقبل قمة رأسها بحب. أغمضت عينيها باطمئنان وهي تشتم رائحته بحب، ترفع ذراعيها تحاوطه بحنان. وفي تلك اللحظة، تشكر ربها على وجود الخير التي زرعته به! قاطع لحظتهم تلك دلوفهم إلى الداخل بهمجية، بعدما خرجت وسام من غرفتها بواسطة بسام ووالده أيضاً! "بتبوس مراتى؟ وفـ أوضتى؟ قالها حامد بحده مصطنعة. فنظر له غسان ثم أردف قائلاً: "معلش إني لمست أشيائك عليا دي المرادي، بس انت مسقط حاجة!

دي أمي يا حامد!!! قالها بكيد للٱخر! فأيدته شقيقته وهي تنظر لولدها أيضاً: "صح ادعم وبشده، و خد بالك ومرات أبويا أنا كمان! ضحكوا بخفة عليها. فخرج صوت بسام قائلاً بمرح: "يعني إحنا شركة فيها محدش يبقى أناني يجدعان! "ماشي حيث كده! فأنا هضطر... صمت هو قليلاً ثم أردف يقول مجدداً: "مسيبهاش ليكم، دي حب عمري يا صايع." قهقهوا على حديثه. فأردف غسان قائلاً بهدوء:

"أسيبكو أنا مع حب عمره، وأروح أشوف حالي وشوية وأنام عشان ورايا شغل الصبح! أومأو له بالإيجاب، خاصة والدته وشقيقه الذين ابتسموا له باطمئنان وأمان، نظرات تعني وللمرة الثانية! بأنه (حسناً حسناً، كل شيء الٱن على ما يرام دعنا الٱن وشأننا!

أما في شقة الٱخر والذي يعتبر خصم الٱن، كان مسطحاً على الأريكة الكبيرة في الصالة الخاصة بمنزلهم وهم ملتفون من حوله عدا زينات التي كانت تجلس بجانبه تضع على وجهه بعض من القطن الطبي لتزيل آثار الدماء على وجهه بالمحلول الطبي الذي بيديها الأخرى! كان سليم واقفا بجانب إبنه الاخر حازم والذي جاء لهم بعدما دخل بوالدته وشقيقته حيث منزلهم! نظر سليم لهم وهو يردف قائلاً بحده أخيراً بعد فترة من الصمت:

"انتم ايه اللى هببتوه واللى بيحصل من ورايا ده! وانت يا فاشل ياللى هتفضل طول عمرك فاشل وغبي ومفيش منك رجا، مش ناوي تحل عني وعن سمايا بقا بمشاكلك وقرفك ده! كان ناقصلك ايه! السجن؟ ما تنطق؟ يا أخي كنت روحه وخلصنا منك ومن خلقتك العكرة دي! صاح بآخر حديثه بانفعال بالغ، حتى فريدة انتفضت من أثر صوته وهي واقفة بعيداً بركن ما!! أما زينات فضغطت على أسنانها بقوة وبغيظ مكتوم من طريقته تلك وولده بهذه الحالة!

قلب حسن نظراته المذلّة من حديث الآخر المعتاد له، وهو ينفخ أنفاسه رغماً عنه، مردفاً بنبرة متقطعة ومتغيرة من أثر القطن الذي يوجد بجانب فمه ناحية خده! "أنا لسه معملتش حاجة! ممكن توفر كلامك ده لوقت تاني يبقى أحسن! "ولسه هتعمل ايه أكتر من كده كفايا بقا يا حسن كفايا ضياع أكتر من اللى انت فيه اهدي وخلينا نهدي معاك بقا!! قالها حازم بصوت عالٍ، فأخذ سليم أنفاسه بحده وبصوت مسموع: "وهتعمل ايه تاني!

عاوز تموت تحت إيده المرة الجاية يا غبي! ايه؟ مشوفتش نفسك وانت بتفرفر تحت ايده ومحدش عرف يشيل غير حرمه وهى اللى شالت عنك!! قالها بإنفعال فألتفتت "زينات" تهدر بعصبية بالغه وعينيها تنطلق الشرر: "إنت ايه !! نازل فيه ومفكرتش في حالته دي ولافى اللي واقف جمبك ده لولا شهادته عليه ووقوفه جمب التانى مكنش حصل اللى حصل!! نظر "حازم" لها بحده وهو يردف قائلا بجمود:

"وبشهادتي دي بردو هي اللي جابتلك إبنك اللي قاعد قدامك الوقتي بدل ما مكانه كان معروف هيبقي إيه ده العقل حلو يا مرات ابويا!! كاد أن يكمل حديثه أيضا فصاح بهم "سليم" عاليا: "أخرسوا بقا محدش ينطق بكلمه. مخلف اتنين أفشل من بعض زي قلتهم واحد ضايع خلقه والتانى بيـ ـاع لأهل بيته وعـ ـويل!! ابتسمت "زينات" بانتصار من حديثها الذي أردفته وبالفعل أثر بالاخر جيدا كما كانت تريد. خرجت نبرة "حازم" المنفعله وهو يوجه حديثه لوالده:

"لا أنا مش عويل وبياع !! , أنا غلطان أاه غلطان كنت سيبته يتعامل ويضيع ومكنش ليا علاقه بيه وسيبتكم تجروا وراه وأريح دماغى أو أسيبهالك انت تتصرف فيها وانت مكنتش موجود أصلا. المره الجايه إتصرف زي ما انت عاوز ملحوقه !! قالها بانفعال واندفاع ثم اتجه سريعا يخرج من باب المنزل تحت أنظارهم جميعا فنظر "حسن" لوالده وهو يردف قائلا بتهكم: "مش ده حازم ابنك اللي بتفضله عني!! وجهت "زينات" أنظارها تنتظر رد الآخر فجاءهم

صوته المهدد له وهو يقول: "إسمع !! لو فضلت علي حالك ده شوفلك حته تانيه تتزفت تقعد فيها مش ناقص قرفك ومشاكلك وبعدين انت بتقارن نفسك بيه علي ايه مكمل علامك وشغال زيه وبتصرف على نفسك. ولا يكون في حالك ومبتحطش سيجاره في بوقك. لاخر مره بحذرك خلقتك دي لو متظبتطش مشوفهاش في بيتي تاني!

قال حديثه باندفاع ومرة واحده ثم اتجه إلى حيث غرفته تاركا اياهم بمفردهم. لملم "حسن" أشيائه من حوله ثم هب واقفا وهو يتأوه من تعبه. نظرت له "زينات" بتساؤل فلم يعيرها أي انتباه بل اتجه إلي حيث باب الشقه يفتحه وهو يردف قائلا بتشنج: "ماشي وسيبهالكم مخضـ ـره عشان ترتاحو. ويرتاح من خلقتي. سـ ـلام" "لأ استنى يا حسن متمشيش هو مش قصده أقعد وملكش دعوه أنا هتصرف !!

قالتها عاليا أما هو فتجاهلها وهو يخرج من الشقه تاركها تصيح عاليا بترجى. نظرت هي بأثره بأعين مدمعه بعاطفة أي أم رغما عنها ورغم طبعاها السيئه تلك. أما الاخري نظرت لهم بخيبه أمل وهي تتوجه ناحية والدتها تربط علي كتفيها. نفضت "زينات" يدي الأخري وهي تصيح بها بانفعال من بين دموعها: "ابعدي عنى ابعدي السعادي غوري من وشي بقولك!!

إنتفضت "فريده" ثم نهضت واقفه تنظر لها بتعابير وجه خالـ ـيه غير متفاجأه من هذا التعامل بل هي معتاده. توجهت هي حيث الغرفه تاركه والدتها جالسه بمفردها بالصاله ومازال بيديها أثر دماء الاخر المـ ـلطخه بها. *** كـ ـانت تجلس على تلك الاريكـ ـه المعتاده. لم ينام أيا منهم إلى الٱن. برغم عملها الذي سيكون فى الصباح الباكـ ـر. وجهت "نيروز" نظراتها إليهم ثم أخذت أنفاسها ببطئ وهو تردف قائله بدون مقدمات:

"ايه يا بت وشك منور وفرحان كده ليه" قالتها وهي توجه أنظارها لشقيقتها تحديدا. فابتسمت "ياسمين" باتسـ ـاع وهى تتحدث قائله تجيب الاخري تحت أنظار والدتهم: "هو مش طبيعي اللي أنا فيه ده. ده كده قليل أوي عاوزه أقوم أرقص قدام زينات وبنتها وعمك كمان. غـ ـسان عمل اللي كنت عاوزه إعمله من زمان. علفكره أنا ضايع عليا فرص كتير أوي عشان مش ولد!!

قالتها بمرح مشاكـ ـس. افلتت ضحكات "نيروز" عليها بقلة حيلـ ـه. ولكن "سـ ـميه" كانت تنظر لهم بصمت إلى أن انتهت الاخري فاردفت قائله بعقلـ ـ: "الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تـ ـظهر الشماتة لأخيك. فيرحمه الله ويبتليك. وإنتم مش كده. ولا ربيتكم على كده. أاه عمل كتير وقال كتير هو وعمك وكلهم عموما. بس لا نفرح ولا نزعل فيه. عشان ربنا يكرمكم وحياتكم تمشي براحه وخفيفه وبسـ ـلام!! "عليه الصلاة وأفضل السـ ـلام!

كلامك صح ياماما بس إحساس الخوف المقتول جوايا من نحيتهم خلاص!

معتش بيصعب عليا حد فيهم. مش ناسيه. مش ناسيه كل حاجه عملوها فيا أنا وورده ومعايرتهم ليها. مش ناسيه نظره الفرحه في عنيهم لما كانو فرحانين فيا وبحالتي بعد موت بابا مش ناسيه عياط ورده على حالها الي بتحاول تنساه وتتأقلم معاه وكل ما تيجي هنا بيفكروها. مش ناسيه كسرتى أنا وهى بسببهم. لما هى حست إن حد جه على ابنها وكسره وقلل منه ده مكنش إحساسك ياماما علينا منها. علفكره هي بتدوق من نفس الكاس. بس كاسها أقل مراره منا!!

قالت"نيروز" حديثها بإندفاع ومره واحده على مسامعهم. فتنفست "ياسمين" بعمق وهي تجيب الاخري: "مش عارفه هي شماته ولا إيه بس هي حاجه غصب عننا. بس اللى أعرفه ومن غير مبالغه إن حسينا إن الحق بيرجع لاصحابه بطريقه مش مباشره. أو القوي فيه الاقوي منه وهيجي يوم وكله يترد فيهم والواضح إن الميعاد جه خلاص!

وانها حست بحاجات كتير حسينا بيها لوحدنا. برغم إنها كام بونيه وقلم على وشه وزقه على الارض. إتهان مش هنكر. بس متاهنش زي ما كانت بتهين فينا بشماتتها وكلامها اللي زي السـ ـم! ابتسمن لها الاثنين بهدوء. فأردفت "سـ ـميه" أخيرا: "داين فـ ـ تـ ـدان. دي الخلاصه. وانتم قلوبكم بيضه وتربيتكم بعيد عن الشماته. بلاش يا حبايبي! نظرت "ياسمين" لها بحده مصطنعه وهي تردف قائله: "لأ مش كده!! "أومال ازاي" "هقولك"

قالتها ثم نهضت واتجههت ناحيه السـ ـفره وهي تضع كلتا يديها تقوم بالدق عليها بلحن. تتحدث بأغنيه معروفه نسبيا. وبصوتها المـ ـلحن قائله بتلحين: (أنا شفت كتير منك وخلاص أهو فاض بيا معقول كده عآدى وسهل عليك تظلم فيا ودا قلبك إيه أصلي مشوفتش عندك إحساس إزاى في الدنيا فيه ناس كده قاسيه ومؤذيه أنا شوفت كتير منك ياللي عليا استقويت وإنت مبطلتش توجعنى يوم و استكفيت الله لا يسامحك علي جرحك ولا كسرك ليا

الصبر جميل واهو بكرة تشوف ويجيلك يوم والوقت كفيل هيجيب حقي دى دعوة مظلوم ودعيتها عليك من قلبي بقيت كارهاك بضمير داين ف تدان اومال يعنى إنت مفكر إيه ودا درس زمان إنت مذاكره و بتسقط فيه مش قسوة دى منى وتستاهل آكتر بكتير) أما هم فابتسموا باتساع وهم يستمعون إليها بهدوء واستمتاع مندمجين. ما إن انتهت، جاءهم صوتها المتسائل وهي تتحدث لهم بمشاكسة: "عرفتوا بقا بتبقا إزاي؟

قالتها ثم اتجهت تقف من أمامهم، لتجدهم ينظرون إليها بحب فاض من أعينهم، حتى تحدثت "نيروز" قائلة بلهفة: "بقالك كتير أوي متغنتيش ولا سمعتينا صوتك الحلو ده! "لا ما كلو بتمنوا، هه قولولي بقا هتدفعوا كام؟ نظرت لها "والدتها" بحنق زائف وهي تجيبها قائلة وهي تنظر أرضًا حيث حذائها المنزلي: "تعالي وأنا أدفعلك أغلى حاجة عندي." نظرت لها "ياسمين" ببرود وهي تتحدث قائلة تزامناً مع دلوفها غرفتها لطريقها لها:

"لأ خلاص ميرسي، كانت حفلة مجاناً، good night يا حبايب! ضحكوا عليها بخفة وهي تدخل إلى حيث غرفتها بخطواتها الواثقة ولكنها كانت مرحة. نظرت "نيروز" إلى أثرها بقله حيلة ثم وجهتها إلى والدتها وهي تقول: "أنا هروح أوضتي وشوية كده وأنام، بس صحيني بدري بقا عشان المقابلة الشخصية للشغل، انتي مش هتنامي بقا ولا إيه؟ "لا يا حبيبتي قايمة! هروح أتوضى وأصلي عشان مكنتش صليت عند طنطك دلال! وأنام علطول."

أومأت لها هي وهي تستقيم من مكانها ناهضة لتتجه حيث غرفتها، تتمتم للأخرى بابتسامة صغيرة: "تصبحي على خير يا سمسم! *** تجلس شاردة الذهن بأحوالها التي لا تكف عن التفكير بها! تفكر بحديثهم عن مدى جمال تلك المهنة المستقبلية بالنسبة لها! تفكر بحديث كل من قام بتحريك الأمل بها! تتداخل الأفكار بعقلها ويوجهها ناحية تفكيرها بأمر شقيقها الٱخر! وكيف كانت ساكنة ثابتة لا تشعر بشيء تجاهه!

وكذلك والدها التي أصبحت تمقت أن تناديه بكلمة "أبي" لو بإمكانها لقامت بمناداته بلقب مهنته فقط! نهرت نفسها للمرة التي لا تعرف عددها بسبب وصول تفكيرها لمن جاء بها إلى هذه الدنيا بهذه الطريقة! لكيف تفكر به كذلك! بالطبع لا، لا يوجد من يكره أباه. وصلت لنقطة معينة وأخيراً أنها أيقنت بالفعل أنه صراعها النفسي الداخلي! أصبحت لا تقوى على تفكيرها وخلوها بنفسها.

وصلت عند نقطة معينة الٱن هي تحتاج طبيباً نفسياً لوقوف صراعها الداخلي عن الحد! قاطع شرودها شقيقها وهو يدلف إلى غرفتها المفتوحة قليلاً بهدوء! باتر حبل أفكارها الميت ومنقذه "حازم" دلف بخطوات بطيئة ثم جلس بجانبها على الفراش بصمت. ثوانٍ لا تعد وأخذ هو أنفاسه بعمق مردفاً لها وبتلقائية دون أية مقدمات: "زعلتي النهارده كام مرة؟ طالعته بخيبة أمل وهي تأخذ أنفاسها محاولة التحكم بنفسها لتجيبه بهدوء وصوت كان به بعض الضعف:

"زعلت انت كام مرة؟ "زعلت عشانك! وعشانك وعشانك! نظرت له باستغراب من أمره وحديثه هذا، فواصل هو مجدداً بنبرة عميقة واضعاً ذراعه على كتفيها: "الأولى علشان حسيت بكسرتك وانت بتتكلمي عن حاجة مش حباها فوقت غيرك كان بيتكلم عن حاجة حاببها! والتانية علشان هم اتعاملوا بحسن نية قدامك ومعاملتهم مع بعض خلتك تقارني غصب عنك!

والتالتة عليكي على إنك لا الدم غلي فعروقك ولا اتحركتي سنتيمتر واحد كرد فعل لزعل وخوف على حسن عكس ما توقعت لقلبك الطيب! طالعته بعدم تصديق إلى وصوله لمرحلة ما تفكر به هي دون أدنى مجهود بأن تشرح هي! لم تظهر هي كذلك بل أخذت شهيقاً وزفيراً بعمق مردفة بهدوء: "وده بردو عدد المرات اللي زعلت فيها بالظبط! بس بحاول مزعلش وأحط فنفسي بس غصب عني. عارف؟ أنا متدايقه أوي من نفسي عشان متزعلتش على حسن. حاسة اني ندلة ووحشة!

"عمرك ما كنتي ولا هتكوني وحشة. الحلو من جوه صعب يتفهم من برا. وانتي جميلة يا جميلة من جوه ومن برا. هو بس نفسيتك وأحوالك متلغبطة. بس أنا جمبك وبحاول أملي أماكن فاضية عندك. بحاول أعمل اللي يرضيكي. أرضيني برضاكي ومتزعليش عشان خاطري! قالها وهو ينظر بنظراته ذات التأثير عليها هي. طالعته بحب، ثم دخلت بين أحضانه وهي تقول بنبرتها المتحشرجة: "أنا راضية عشان حاجة واحدة بس. كونك فحياتي.

فكل الرضا وكل الاطمئنان عشان جمبي ومعايا أخ زيك يا حازم!! رفع ذراعيه يربت على شعرها ممراً على ظهرها بحنان، يفيض منه هو تحديداً. هو ذلك المعروف بلين قلبه ومعاملته أينما حل عليه. *** "الذكريات لا تُنسى بل تبقى في ركن ما في القلب وتأبى أن يعبث بها أحد."

وقفت بشرفتها تشم القليل من الهواء، ولكن تلك المرة لم تفكر بماضيها، بل فكرت ورسمت في عقلها ماذا سيحدث غداً عند أول خطوة قد اختارتها هي بإرادتها وبعد فترة من انعدام الرغبة لفعل شيء!

كان يوجد ضوء بسيط بالكاد ترى ما حولها منه. أخذت نفساً عميقاً ثم نظرت إلى الدفتر الذي يوجد بيديها. دفتر خاص بها تتدون به كل ما يخطر وما يحدث وما ستشعر أنه سيحدث. استندت على العمود الخاص بتلك الشرفة وهي تفتح القلم تتدون ما تريده خاصة أنه قد دب بها بعض الأمل الممزوج باللهفة لخروجها من تلك القوقعة التي حاصرت نفسها بها لمده طويلة. بدأت بالبسمة ثم دونت ببطء وبخط يديها البسيط: (أدعوك اليوم وكل يوم.. أن أنجو من ثقل الأيام.

أن تمر خفيفة دون مشقة. ألا أجد في طريقي عثرات. فأنا متعب وأنت أحن مني. أسألك أن يختفي القلق قريباً. وألا أجد في قلبي إلا أمانك! استغرقت عدة دقائق حينما دونت هذه الكلمات التي كانت تناجي بها ربها بينها وبين نفسها والمطلع الوحيد ربها! ذلك الدفتر الوحيد القادر على خروج تلك الكلمات المحبوسة بداخلها!

نظرت لتلك الكلمات عدة مرات وهي تدعو بها بكل مرة. أما الٱخر فبالطبع وبذلك الوقت كان يقف ممسكاً بزجاجة المياه في يديه ولكن لم يشرب منها هذه المرة عندما جاءت ووقفت هي بل تابع ما تفعله هي بتمعن. وقبل ذلك كان يقف شارداً الذهن يدخل في عقله بعض الأمور المتداخلة مع بعضها. لم يأتيه النوم بعد! إلى أن جاءت هي وبحركاتها التلقائية الغير عابئة بوجود أحدهم يرى ما تفعل هي! ومن ثم قاطعت شروده!

أخذ "غسان" أنفاسه دون صوت ثم أردف قائلاً على فجأة وبنبرة متسائلة تحمل من الذكريات ما يتذكره الاثنان معاً: "وعلى كده لسه خطك حلو؟ إنتفضت كما تنتفض كل مرة، ولكن التفتت بسرعة وما أن رأته أخذت أنفاسها بعمق مردفة بعد ثوانٍ بتأكيد وبنبرة هادئة مهزوزة ولو بذرة من حرجها منه: "انت لسه فاكر.. خطي؟ لحظة! كيف عرفت أنه هو! كيف لم تجد به شقيقه الٱخر! كيـف عرفته من مجرد حديثه العابر عن الذكريات؟

ولكن كيف شعرت أنه من قام بالمعركة التي كانت من نوع آخر منذ ساعات قليلة!! هذا ما حدثت به نفسها. أمن لون الشعر؟ أم من لون الأعين كما قالت شقيقته؟ أم أخيراً من تلك البقعة الزرقاء الصغيرة التي توجد على وجهه من أثر ضربة الآخر الوحيدة منه! ابتسم بسمة صغيرة، وهو يتحدث موجهاً أنظاره فقط لها مردفاً بنبرة واثقة خرجت منه بثبات دون حرج: "ولسه فاكر حاجات كتير منستهاش!! ابتسمت بخجل!

ولكن شردت للحظة لأن تلك الذكريات تذكرها بحبيب أيامها الراحل! التي كانت تشاركه كل ذرة بها. لذلك، نظرت له بلهفة تجيبه بنبرة متسائلة بها بعض اللهفة التي ظهرت من نبرتها الهادئة وهي تقول: "قولي زي ايه؟ عقد مابين حاجبيه. قبل أن يجيبها، سألها قائلاً: "متقوليش المرادي انتِ مين فيهم؟ بس معذورة المرادي في علامة معلماني! فلتت منها ضحكة خافتة على حديثه الذي أردافه بسخرية، ولكن اعتدلت تجيبه بهدوء وكأنها لم تفعل شيئًا:

"ع فكرة إحنا كلنا بنتأسف ليكم على اللي حصل من حسن! "دي حاجة من الحاجات اللي منستهاش! عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل، وجهت أنظارها من على بعد لعينيه أخيرًا، خاصةً أنها غالبًا ما تركزها بركن آخر غير عينيه! فأردفت تسأله: "هي إيه؟ فتح الزجاجة يتجرع منها بثلجها الذي يوجد معه القليل من المياه الباردة! وبعد دقيقة واحدة جاءه صوته الهادئ المتنحنح وهو يجيبها:

"إنك بتتأسفي كتير على حاجة ليكي ذنب فيها وعلى حاجة ملكيش ذنب فيها. فاكر إني ضربت حسن عشان قطعلك فستانك من الكوم عشان متجيش تلعبي عندنا انتِ وجميلة؟ ولما عيطتِ روحتِ تتأسفي له أنه عيط بسببك عشان شوفته بيضربك وروحتِ ضربته! كانت تبتسم ببسمة واسعة وهي تستمع إلى حديثه، خاصةً أنها تتذكر مثل ذلك الموقف جيدًا! فنظر هو لشرودها ولكن فاقت هي أخيرًا ثم تحدثت تجيبه قائلة:

"بابا قالي إن الأسف مش بس عشان غلطنا ونتأسف، ممكن تتأسف مكان حد ونهون عليه، نتأسف حب! أو نتأسف مواساة أو نتأسف عتاب! نتأسف بالأفعال! بس أنا واضح كنت واخداها بالمعني الحرفي وخلاص." قالت آخر حديثها بسخرية مُرَحَة بغير وعي، خاصةً أن الآخر لديه قدرة بتلاعب الأحاديث وجعل من يقف أمامه يتحدث أكثر ما يتحدث هو! ضحك هو بخفة فنظرت له بهدوء وبها بعض الحرج منه! فجاءها نبرته الهادئة العقلانية بقوله: "بس مش مع كل الناس الكلام ده!

مع اللي يستاهل ده فعلًا. مظنش أبو علي يستاهل، وبعدين أنا عندي سؤال! طالعته بنظرة عينيها ذات لون العسل وهي تقعد حاجبيها!! فأردف "غسان" يجيبها بتساؤل: "هو حسن؟ راضع عادي زينا ولا راضع زبالة؟ صمتت هي تحاول كتم البسمة وكتم إجابتها الحتمية المعروفة! هز هو رأسه وهو يتحدث قائلاً لها بثبات: "ودي حاجة تانية كنت هنساه! "إيه؟ "بتخافي تقولي الحقيقة؟ صدمت هي داخليًا لاتعرف بماذا تجيب ولكن حاولت التبرير بقدر الإمكان:

"مش سكوت عن الحقيقة، بس يعني أنا مش هطلع كويسة لو قولت عليه حاجة وحشة وهو... وهو ابن عمي، معروف أنه عمل وسوى كتير بس مش عارفة هو يعني إيه بالظبط لحد دلوقتي! "بس أنا عارف هو إيه! قالها ببساطة! فنظرت له تسأله بتلقائية: "هو إيه؟ "لأ منا مش هينفع أقولك! أحمر وجهها بشدة، فأردفت قائلة بنبرة مرتبكة: "طب عن إذنك، تصبحوا على خير! نظر هو بأثرها مبتسمًا على رد فعلها هذا!

يعلم أنها قد خجلت ولطالما خجلت فطبعًا دق قلبها بسرعة، وهذه سر كلمة "بيدق جامد ليه؟ والذي يردفها هو عندما يحمر وجهها بشدة، ولكن تلك المرة وهي تغلق الباب الخاص بالشرفة جاءها صوته المتسائل وهو يقول: "بيدق جامد ليه طيب؟ ابتسمت هي بقله حيلة! وبنفس الوقت استغراب من أمره! هو يتلاعب بتلك الكلمات والذكريات الذي لم ينساها هو ولا هي! دلفت هي للداخل حيث فراشها تتسطح عليه بإنهاك من ذلك اليوم المرهق!

أما هو فلم يسمع صوت إغلاقها للشرفة دون صوت بل أردف تلك الجملة المتسائلة مقنعًا نفسه بأنها دلفت إلى الداخل وبالكاد لا تسمع الجملة بوضوح، لكنها وصلت إلى مسامعها! تلك الجملة الذي بالكاد يتذكرها هو ومن أشد الجمل التي كانت تلقيها على مسامعهم عندما يجلسون معًا في الطفولة! تذكر هو تلك الجملة جيدًا الآن! وهي تحدثهم بنبرتها الطفولية البريئة: "لما خدودي تبقى لونها red قلبي بيدق بسرعة خالص!

ابتسم وهو يهز رأسه متذكرًا، تلك الجملة جيدًا وذلك اليوم وتلك اللعبة التي كان يلعبها معها ومع الآخرين، جملة أتت من زمن كان مليئًا بحب الطفولة، زمن مليئًا بالبراءة والعفوية! وإن كنا نبحث عن أمنية واحدة نريد تحقيقها ولو للحظة! أمنية تتكرر على مسامعنا أغلب الوقت ألا وهي: "ليت الزمان يعود يومًا!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...