الفصل 12 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
30
كلمة
9
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

جاء صباحهم همّ، وصوت الأقدام في الصباح في شقة "حامد" مسموع نسبياً. حركة ما بين ارتداء "غسان" بغرفته ملابسه الخاصة بالعمل، والمكونة من حلة رمادية عادية، ولكن معلقاً عليها تلك الهوية الخاصة به وبعن رتبته في العمل المنقول به من المكان الآخر. لاحظ هو اللاصق الطبي الموضوع على جانب فراشه، يبدو أن شقيقه وضعه له عندما يستيقظ ليضعه قبل الخروج. ابتسم هو حينما جذبه ليفتحه، ومن ثم يقوم بوضعه على وجهه.

والغرفة الأخرى التي توجد بجانبه، غرفة شقيقه، حركته وهو يأخذ أغراضه من على مكتبه الصغير بلهفة للخروج لعمله. أما الغرفة الثالثة، فكان الصباح باكراً بالنسبة لها "وسام". بالتأكيد هي في سبات عميق الآن لسهرها على المذاكرة، وقبل كل ذلك متابعة تلك المباريات الخاصة بكرة القدم التي لا تفوت أي مباراة منها حتى وإن انقلب ذلك العالم رأساً على عقب.

خارج تلك الغرف الثلاث، كانت "دلال" بالمطبخ تعد مشروبات ساخنة وشطائر خفيفة لأولادها. و"حامد"، كما يعتاد، يستيقظ في الصباح الباكر لاعتياده ذلك أغلب الوقت، حتى وإن كان لا يعمل حالياً. فقد تقدم للمعاش منذ فترة كبيرة، لذا هو دائماً بالمنزل، ولكبر سنه نسبياً. خرج الاثنان معاً بنفس ذلك الوقت من غرفة كل منهم. ابتسموا لبعضهم لتلك الصدفة الجميلة في أول يومهم. ولكن هناك من له رأي آخر.

نظر "غسان" لشقيقه وهو يقف بجانبه من الناحية الأخرى، وكل منهم يقف أمام غرفته. وجه هو نظراته للآخر وهو يردف قائلاً بابتسامة واسعة لا تتماشى مع طبيعة حديثه: "أعوذ بالله بقا دي خلقة أصطبح بيها على الصبح يا جدع!! نظر له "بسام" بحنق مصطنع، بينما كان يتابعهم "حامد" الجالس على تلك الأريكة بالصالة أمام التلفاز، حتى ضحك على حديث الآخر بخفة. اتجهوا هم نحوه بهدوء، وكل منهم يجلس بجانبه. أما "بسام"، فأردف قائلاً يجيب الآخر بمرح:

"هو مش نفس الخلقة بردو ولا انتَ في عالم غير العالم؟! "ده للأسف فعلاً وأنا مش قادر أتأقلم مع الحقيقة دي! أردفها "غسان" بنبرة مرحة بعض الشيء، مما جعلهم يضحكون عليه بخفة. فأخذ "حامد" أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً بهدوء: "انتوا ماشيين مع بعض ولا إيه؟ تحدث "بسام" قائلاً وهو يجيب الآخر: "لا أنا مش قاعد، أنا نازل حالاً، وهركب أي مواصلات توصلني بسرعة." عقد "غسان" ما بين حاجبيه بتساؤل له: "ليه مش هتيجي أوصلك بالعربية في طريقي؟!

"لا انتَ لسه قدامك شوية على ما تنزل وأنا مستعجل، يلا عاوزين حاجة؟ قالها وهو ينهض ليودعهم، بينما أومأوا له بصمت. ولكن أجابته "دلال" وهي تخرج من المطبخ قائلة: "انتَ مش هتفطر يا حبيبي؟ "دلال أنا فاطر من أول ما صحيت يجي سبع مرات لحد دلوقتي، أنا بسام ها؟ من امتى وانتِ بتتلغبطي فينا يا عسل؟ حب حامد متوهك، ولا لسه مفوقتيش من النوم؟ قهقهوا جميعاً عليه، بينما هي نظرت له بحنق زائف وهي تجيبه قائلة:

"يخويا أنا بقول الكلام واللي ياخده على نفسه ياخده، معدش فيا خلق أنا، بس بالهنا والشفا على قلبك يا ضنايا، خلي بالك من نفسك! ابتسم هو بقلة حيلة من طبيعة حديثها الذي يغلب عليه عاطفتها أينما قالت. ابتسم لها بسمة واسعة وهو يقترب منها، يقبلها على وجنتيها بمرح، ثم فر هارباً من نظرات والده الزائفة بالحنق لمشاكسته، ليخرج هو من المنزل بسرعة ليلحق بعمله. بينما نظر "غسان" لوالده وهو يردف بتصنع للمفاجأة: "آلحق! ده باسّ أشيائك!!

إعتلت ضحكاتهم الرنانة، ثم جاءه صوت "والده" المردف من بين نبرته قائلاً بلامبالاة زائفة: "عادي مسامح، مسامح!! ***

خرجت هي من منزلها سريعاً لتلحق محاضرتها الأولى في هذا الصباح. حسناً حسناً، ستتحدث مع من تعتبر شقيقتها وقت لاحق لتأخرها كذلك. هبطت السلم لتقف أمام المبنى تنتظر مواصلة توصلها حيث مقدمة جامعتها. نظرت بجانبها بعد عدة دقائق لتجده هو بجانبها. ثوانٍ والتفت هو لخيال هذا الشخص الذي يعتقد أنه ينظر له، فوجدها هي أيضاً. ابتسم لها "بسام" بسمة صغيرة وهو يردف قائلاً بلباقة: "مساء الخير! نظرت "جميلة" لخاصته وهي تجيبه ببسمة صغيرة:

"مساء النور! قالتها بتلقائية، ولكن بعد عدة ثوانٍ أردفت على فجأة تحدثه بعفوية: "مساء إيه يا دكتور؟ إحنا الصبح لسه!! "ما انتِ ذكية أهو يا دكتورة! عقدت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تسأله: "يعني إيه؟! "يعني عرفتي إن أنا الدكتور وفرقتي وكمان لاحظتي إننا الصبح مش بليل، مبتستغليش ذكائك ده بقا ليه؟

قالها بطريقة علمية وكأنه يردف شيئاً خارقاً وليس شيئاً بديهياً. في البداية ظنت أنه يسخر منها، ولكن لاحظت بأن طريقته توحي بأنه يوجد ثغرة ما بحديثه. نظرت له بتردد وهي تسأله هاربة بأنظارها إلى ركن آخر. هي ليست من النوع الخجول كثيراً، بل هي اجتماعية نوعاً ما، ويوجد بها عامل شرس أحياناً للردود لبعض أصدقاء الجامعة المستفزين. ولكن شراسة بنسبة معقولة وللذي يستحق ذلك فقط. ولين قلبها في نهاية كل ذلك يغلب عليها.

"مش فاهمه تقصد إيه." التفت ينظر على الطريق وهو يجيب على حديثها بتنهيدة: "أقصد إن اختياراتنا مش بإيدينا لوحدنا، بس لو اتحطينا في حاجة بنبقى قدها من غير ما نحس، وعندنا القدرة ليها."

التفت برأسه لها في آخر حديثه، وجدها تنظر بشرود وهي تستمع. وما أن انتهى هو، جاءت مواصلة تقف لها، فنظرت له وهي تتجه لها، ثم ابتسمت بسمة صغيرة كرد على حديثه المحفز لها بطريقة غير مباشرة. ركبت هي المواصلة أولاً، ثم تحركت وهي تفكر بحديثه الأخير لها وبنظرة أخرى للذي أجبرت هي عليه. أما هو، فنظر بأثر المواصلة وهي تتحرك من أمامه حتى اختفت. ولم تدم دقائق كثيرة، ثم جاءت له أخرى مثلها ليركبها هو متجهاً حيث عمله الذي ينتظره بالتأكيد.

***

وفي الأعلى، خرجت "نيروز" من غرفتها وهي تقوم بارتداء تلك الساعة بيديها. مرتدية ملابس رسمية، وكان بنطالها من اللون الأسود الداكن، وكذلك الجاكيت الخاص به، ولون القميص كان باللون البيج، والحجاب من نفس لون القميص. لاحظت هي شخصاً ما يحدق بها بإعجاب وصوت صافرة من فمها توحي بالإعجاب الشديد. ولم تكن سوى شقيقتها "ياسمين"، والتي لم تفوت يوماً كهذا حتى يضيع عليها فرصة رؤيتها لشقيقتها في أول يوم من العمل. ابتسمت لها "نيروز" باتساع وهي تتجه بجانبها.

"ده إيه الحلاوة والجمال والدلال ده يالا." ابتسمت "نيروز" لها بتعالٍ وهي تعدل من ياقة ملابسها بغرور زائف قائلة بمرح: "طول عمري شياكة أصلاً." نظرت "ياسمين" لهاتمعن، وكان يوجد أمامها مقعد من الخشب. نظرت له هي مطولاً، ثم أردفت قائلة بغموض: "مش كده؟ عقدت الأخري ما بين حاجبيها. بينما جذبت "ياسمين" الكرسي ناحيتها على فجأة، وهي تقوم بالدق عليه تلحن بمرح بالغ من بين ضحكاتها وبصوت غنائها العالي: "دي دي دي شياكة دي،

دي دي دي أناقة." قالتها عدة مرات، مما جعلت الأخرى تضحك عليها بقوة. بينما "سميه" كانت تنظر لهم من مكان المطبخ البعيد وهي تبتسم بحنان فاض من أعينها. اتجهت هي لهم، ثم وقفت أمامهم وهي تقدم لكل واحدة شطيرة وكوب من المشروب الساخن. ابتسمن لها بحب. بينما تحدثت "سميه" لـ"ياسمين" بابتسامة واسعة وهي تقول: "يلا بقا يا حبيبة ماما…" قاطعتها "ياسمين" قائلة بتفكير: "حبيبة ماما!! أه...

لا بقولك إيه يا سميه قبلي باللي عاوزاه من غير مقدمات للمصلحة يلا! قهقهن الاثنان عليها، بينما اعتدلت "سميه" بوقفتها وهي تتحدث بهدوء: "هنضف الشقة عشان بدر ووردة جايين بكرة على هنا، يعني هنضف السراير والأوض والتلاجة ونغسل الستاير والسجاد ونفرش غيره و.." قاطعتها هي سريعاً بحنق وهي تجيبها على حديثها: "ثانية واحدة؟؟ هنضف التلاجة ليه؟ وردة هتنيم يامن فيها ولا إيه؟! حدقتها والدتها بنظراتها المتحدية، وهو تردف قائلة:

"آه هيقعدوا فيها كلهم وهيعملو اجتماع كمان هناك اذ كان عاجب، في حاجة ولا إيه؟ .... أوعى يكون في حاجة؟ قالتها وهى تنظر أرضاً لحذائها المنزلي بينما أخذت تتذمر على ما تريد والدتها فعله عامةً. ولكن هناك من انصرفت بهدوء لتجلس تتناول إفطارها البسيط في شرفتها لتحظى بوقت هادئ قليلاً، تاركة إياهم مع بعضهم يتشاجرون بطريقتهم المعتادة لها.

دلفت بخطواتها حيث غرفتها ثم توجهت تجلس بالشرقة قليلاً تتناول هذا الإفطار قبل الخروج. أمسكت الهاتف الخاص بها من جيب الجاكيت وهي تأخذ عدة صور لهذا اليوم المميز. هناك من يشبهوننا كثيراً في أغلب الأشياء دون أن نعلم. ولحسن الحظ هو أيضاً كان قد أخذ الشطائر وكوب القهوة الساخن ثم اتجه للشرفة كما يحب هو. وما إن دلف إلى الشرفة فاتحاً بابها بصوت عالٍ نسبياً، كانت هي قد أخذت عدة صور. إلى الآن دق قلبها سريعاً عندما أخذت صورة

معينة وقد ظهر هو بها وهو يمسك كوب القهوة بيديه. أخفضت الهاتف سريعاً ثم التفتت تنظر له بحرج وبنظراتها المرتبكة. كان هو قد لاحظ ما فعلته، فابتسم باتساع وهو يرتشف من الكوب الذي في يديه مستنداً على عمود الشرفة، ومن ثم خرجت نبرته المتنحنة وهو يردف قائلاً

بنبرة هادئة ثابتة: "المهم متكونش تغفيلة! صمت هو قليلاً ثم واصل مجدداً بمرح طفيف وتعالٍ زائف استشفته هي: "ولا أقولك!! عادي أنا حلو في كل الأحوال وقَمّور!! نظرت له بتشكك من ثقته النابعة من حديثه. نظرات دون وعي منها، ثم أخذت أنفاسها تبرر له ما حدث قائلة: "علفكرة أنا مكنش قصدي هي جت بالغلط وكده."

نظر لها بصمت ثم أشار هو على الكوب الذي في يديها كعلامة لبرودته قبل أن تشربه ساخناً. ولكن لم تنتبه هي له بل ظلت تنظر على تلك الهوية المتسائلة عن مكان عمله. وللمرة الثانية لا تستطيع بدء الحديث في ذلك الأمر كي لا تسبب لها وله الإحراج. "لما عاجبك البادج بتاع الشغل يعني! ليه مقولتيش ساعتها إنه نفس المكان والشغل اللي انتِ راحة تعملي فيه إنترفيو؟ قالها بثبات. فتحت هي عينيها بمفاجأة لعلمه دون أن تصرح هي. فنظر "غسان" لها

بتعمق وهو يردف مرة أخرى: "ما انتِ مقدمة أونلاين، وأنا اللي بعمل الـ interview بقى!! توترت ملامحها وهي تتحدث قائلة له بهدوء: "أنا بس اتحرجت أتكلم! "يا خسارة مع إن لو كنتِ قولتي كنت هقبلك بواسطه!! قالها بمرح. أما هي ففهمت مغزى كلامه خاطئاً وأنها الآن لن تقبل بعد. رفعت أنظارها كي تتحدث له، فتحدث هو قبلها قائلاً بتفهم: "متتخضيش أوي كده ده أنا حتى بهزر!! ابتسمت بتوتر وهو تتحدث قائلة بنبرة هادئة: "عادي!

قالتها وهي تتجه للوراء بضعة خطوات كتمهيد للخروج من تلك الشرفة. أما هو فلم يبدِ أي ردة فعل بل خرج من الشرفة بعدما قام بالانتهاء من قهوته ليستعد للخروج. خرجت "نيروز" من الغرفة بأكملها فوجدت والدتها وشقيقتها قد بدأن بالفعل في تنظيف الشقة. ابتسمت هي لهن بعدما وضعت ما بيديها على السفرة. لتتجه هي ناحية والدتها وهي تودعها: "أنا نازلة بقا ياماما، عاوزة حاجة؟ اتجهت لها "سمية" ثم وضعت يديها على كتف الأخرى بحنان

وهي تردف قائلة بحنان بالغ: "في رعاية الله يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك. وغسان على فكرة كان قالي إنه شغال معاكِ في نفس المكان لما كنت قاعدة مع مامته وكنا هناك. وطنطك دلال أصرت إنه ياخدك معاه بما إنه نفس الطريق ونفس المكان، وأنا بصراحة اتحرجت أتكلم وأقول حاجة." عقدت ما بين حاجبيها بضيق وهي تجيبها قائلة: "ليه يا ماما أنا هتحرج أوي! مسألتنيش ولا قولتيلي الأول ليه طيب!

"يا حبيبتي مفيهاش حاجة، ده إحنا قرايب وكمان متربيين مع بعضيكو كلكم من صغركم. ودلال صاحبتي وأنا مقدرش أحرجها بقى! نظرت لها "نيروز" دون تفوه أي حرف رغماً عنها. ولكن جاءهم صوتها ولم تكن سواها "ياسمين". وعلى وجهها آثار أتربة خفيفة من أثر كنسها. نظرت للأخرى وهي تقول بتبجح: "جرا إيه يا بت ما تركبي معاه وانتِ ساكتة، شحات وبيتأمر؟ ده انتِ المفروض تشكريه على المزاج الرايق اللي خلانا فيه من ساعة ما ضرب حسونة!!

ضحكت الاثنتان عليها بقلة حيلة. فتوجهت "نيروز" ناحية باب شقتهم لتخرج منه والحقيبة بيديها ينقصها فقط الحذاء. ولكن أوقفتها شقيقتها وهي تتجه لها تقبلها من خديها بسرعة وهي تقول: "خلي بالك من نفسك يا روز، مش مهم الشغل المهم العريس!! العريــــــس يا نجيبة!!

قهقهت "نيروز" بقوة وهي تهز رأسها بالإيجاب وبالسخرية منها. ثم توجهت بحذائها المنزلي بعدما أغلقت باب شقتهم خلفها، إلى المكان الخاص بالأحذية وهي تفتحه تجذب منه حذاء معين تخرج به. حتى ارتدته أخيراً. بينما الآخر خرج من الشقة يغلقها من خلفه فوجدها تستقيم تعتدل حتى تستعد للهبوط. فتنهد "غسان" وهو ينظر ناحية قدميها ومن ثم "جزامة الأحذية" قائلاً بإطمئنان متصنعاً المفاجأة. وهو يضع يديه على مقدمة رأسه مكان

ضربتها السابقة بحذائها: "لقد فلتنا! رفعت أنظارها تطالعه وهو يردف تلك الكلمات. ثم ابتسمت بسمة مرحة على حديثه وهي تردف قائلة بهدوء: "علفكرة أنا مكانش قصدي ساعتها! نظر لها بصمت دون أن يتفوه بحرف واحد. بينما هي اعتدلت لتفسح له الطريق أولاً ليبدأ بالهبوط. فتححنح هو وهو يتجه يهبط من قبلها قائلاً: "كنت فاكرك Ladist Frist وبتاع!

ضحكت بخفة وهي تهبط من خلفه دون أن تجيبه على طرفته هذه. لم يستغرقا وقتاً كثيراً حينما هبطوا للأسفل أمام البناية. أما هي فوقفت في ركن ما بعيداً. ولكن هو كان قد سار متوجهاً للجراج ليركب سيارته. سرعان ما فاقت من شرودها حينما وقفت لها تلك السيارة السوداء البسيطة أمامها قائلاً لها هو بهدوء وهو يشير لها بذراعه: "اتفضلي يلا!

خجلت منه ولكن لم تستطع أن تعارض مثلما قالت لها والدتها. بل توجهت لتركب السيارة واختارت المقعد الأمامي بجانبه حتى لا تسبب له الإحراج عندما تركب في الخلف. وما إن ركبت هي بهدوء ثم أغلقت الباب خلفها. بينما كان ينتظرها هو بأن تنتهي. وما أن انتهت وجه "غسان" نظراته لها وهو يردف قائلاً بابتسامة عبثية احتلت على شفتيه بلؤم وإعجاب من ردة فعلها تلك: "لأ وبتفهمي!!

هربت بأنظارها ناحية الطريق مع تسارع دقات قلبها. بينما تحرك هو بالفعل، وهو يتحدث وكأنه شارد قائلاً وهو ينظر للطريق أثناء قيادته: "مش عارف عملت إيه! علشان يدق جامد كده!! بالطبع لاحظ إحمرار وجهها. وللحق ما إن أردف تلك الكلمات زاد خجلها الضعف. ولكن هي الآن أمام أنظاره وبجانبه، فلا مفر إذن. "ما تقوم يا حسن كل ده نوم ياض؟

حسناً الآن الساعة الحادية عشر صباحاً فقط. ولكن هو أصبح معتاداً على الاستيقاظ في أوقات كهذه وكذلك في منتصف الليل أيضاً. نَبس "آدم" بتلك الكلمات وهو يقوم بهز صديقه النائم ولم يكن سوى "حسن". تململ بإنزعاج وهو ينهض ببطء ليجلس على الفراش، مردفاً بنبرة ناعسة ولكن بها بعض الضجر من الآخر: "جرا إيه يا آدم ما تسيبني أنام، نايم فوق راسك أنا، صاحي بدري كده ليه أصلاً؟

كان "آدم" يستمع للآخر وهو يمسك بتلك السيجارة يدخن بها كما يعتاد منذ أفاقته من النوم مباشرة. نظر له وهو يتجه ناحيته مردفاً بتهكم: "انتَ هتتأمر ياض، قوم اعملنا فطار إنجز! عقد "حسن" ما بين حاجبيه يكاد يسب ويلعن به ولكن ليس وقته تحديداً الآن: "انتَ مصحيني بروح أمك عشان أعملك فطار، بقولك إيه حل عني! طالعه "آدم" بحدة وهو يردف قائلاً بجمود: "حسن!! لآخر مرة هقولك أمي سيرتها متجيش لأهزار ولا بجد في أي حوار سامعني؟!

"متزقش يا عم وأنا ليا مين أروح أتزفت أبات عنده إلا انتَ،. عجايب رايح أبات بعد ما اتطردت وعند ابن عم خصمي، أما قصة عبرة يا جدع! قالها بسخرية. ليجيب الآخر على حديثه الجامد بعد الشيء وبرغم ما بهما الاثنان من أفعال يشهد بها الكل بسوئها ولكن تظل علاقتهم علاقة أصدقاء منذ الصغر. صمت "آدم" ولم يتفوه بشيء. بينما واصل "حسن" مجدداً. وهو يتجه ناحيته يأخذ السيجارة من بين يديه ليدخن هو الآخر قائلاً من بين خروج الدخان من فمه وأنفه:

"مقولتليش يعني صاحي بدري ومصحّينا معاك ليه؟ هنوزع لبن؟ كانت نبرته ساخرة بعد الشيء. نظر له "آدم" ثم اتجه يجلس على الأريكة الصغيرة في الغرفة وهو يتنهد قائلاً بغير وعي، حديث لا يتماشى مع طبيعة ما يفعله من تصرفات: "من زمان وأنا بصحي بدري كده، أو مبنامش أصلاً نوم كويس، يعني! دايماً قلقان،" علشان لو حد هنا علطول، بخاف أموت وأنا لوحدي هنا ومحدش شايفني. أنا مبقتش أخاف من حاجة وأنا لوحدي غير من الموت يا حسن!

"اسكت، إنت مين قدك يا عم إنتَ. احمد ربنا بس ومتعترضش على النعمة والروقان اللي انتَ فيه! طالع آدم بلا مبالاة وهو يتنفس بعمق قائلاً من بين تنهيدته: "صدقني يا حسن، إحنا قدامنا فرصة نبطل. قدامنا فرصة نبقى جاهزين حتى للموت! ضحك حسن على حديث الآخر ضحكة ساخرة وهو يتجه ليخرج من الغرفة بغير اهتمام، تزامناً مع قوله العالي ليسمعه الآخر: "مش شايف نفسك أوڤر عالصبح يا دومي دومي. ولا انتَ عامل دماغ ومش قايلي. هو شريف مكلمكش؟

نهض آدم ليسير خلفه خارجاً من الغرفة وهو ينظر بأثر الآخر بقلة حيلة، وإن كان بقلبه ذرة من الأمل فقتلها الآخر. لأنه تحدث بالحديث الصحيح مع الشخص الخاطئ بالتأكيد، ولكن كل ابن آدم خطاء! لا يوجد بيننا شخص بلا خطيئة! نحن بالأساس يجب أن يُنظر إلينا من قلوبنا، تلك التي تريد شيئاً والعقل يأبى لإرادته لشيء آخر غير ما يريد الأول! ***

بعدما استيقظت مبكراً، ثم هبطت من منزل شقيق والدتها لتذهب وحدها إلى منزلها تجلب منه بعض الأشياء الخاصة بجامعتها في حقيبة ظهر فقط! دلفت منزلها منذ نصف ساعة تقريباً لتجلب هي الأشياء الخاصة من المنزل، ومن ثم انتهت سريعاً لتخرج من المنزل تغلق الباب خلفها. وما إن التفتت لتهبط، وجدتـه أمامها يحدقها بنظراته الخبيثة.

انتفضت سريعاً ثم رجعت عدة خطوات إلى الخلف وهي تضع يدها على فمها حتى لا يخرج منها صوت يلاحظه بعض من الجيران الموجودين بجانب منزلها. تمسكت بالحقيبة بقوة وهي تتنفس عالياً، بينما تقدم هو لها وهو يبتسم ببرود ثم وقف عند مكان معين. بينما أمعنت فرح نظراتها له وهي تحاول أن يخرج منها صوتها، وأخيراً أردفت قائلة بنبرة مهزوزة: "إنتَ عرفت بيتي إزاي، و... وإزاي تجيلي هنا؟ نظر خالد لها بصمت لدقيقة واحدة، ثم أردف بعدها بنبرة باردة

امتزجت بابتسامته السمجة: "أنا أجي فالوقت اللي أنا عاوزه والمكان اللي أحبه مادام مبترديش على التليفون يا دكتورة فرح! "إبعد عني وسيبني في حالي بقى. أنا مقدرش أعمل اللي بتقولي عليه ده حرام عليك، دا فيه ألف واحدة غيري، ليه أنا؟! قالتها بنبرة عالية محتدة بعض الشيء، فأردف لها هو قائلاً بتجاهل لما سبق: "أيوه يعني مبترديش على التليفون ليه!

وبعدين ليه انتِ دي فللأسف أنا مش هعرف أجاوبك، بس عارفة لو بإيدي الاختيار أكيد مش هختارك انتِ بالتحديد مش من حلاوتك يعني يا دكتورة! ابتلعت ريقها بخوف، وحاولت أن تتغاضى عن إهانته الصريحة لها بحديثه، ثم خرجت نبرتها منها وهي تقول بتساؤل: "يعني إيه! أخرج هو هاتفاً ما يبدو أنه لها تحديداً ثم قدمه لها وهو يجيبها قائلاً: "يعني تاخدي ده، ولما أرن تردي قبل أي حاجة عشان مزعلش منك يفروحة."

نظرت بتردد للذي يوجد بيديه، فاحتـدت نظراته هو، وهو يقدمه لها أكثر وأقرب. فمدت يديها تأخذه منه بتردد وأصابع مرتعشة، فاعتلت ضحكاته المريضة وهو يردف قائلاً لها: "بتترعشي كده ليه! ده انتِ فافي أوي صحيح، يلا إركبك تاكسي تروحي لنبع الحنان يلا." حملقت به بصدمة لكونه يعرف كل شيء تقريباً تريد فعله. أيعقل؟ يراقبها؟! احتدت نظراتها وهي تجيبه قائلة بحـدة: "انتَ مجنون، تاكسي؟ عاوز تخرج من بيتنا وأنا معاك عاوز الناس تقول عليا إيه؟

"لا بصراحة عندك حق، بس هقولك؟ اللي يبيع صاحبه يعمل أي حاجة أو اللي ناوي يعني، ولا إيه؟ قالها بخبث ثم هبط السلم من أمامها سريعاً وهو يخرج من المبنى الصغير هذا!

أما هي فجلست على الأرض وهي تضع يديها الاثنان على أذنيها مع بكائها الصامت ورعشة يديها الملحوظة مع فقدانها لأعصابها حتى باتت لا تستطيع في الحال الوقوف عليها. بكت بانهيار ولكن كل ذلك دون صوت يخرج منها، بكاءً يوحى بقلة الحيلة والتشتت. مرت الدقائق وحاولت أن تلملم ذاتها للتوجه حيث المشفى الخاص بوالدتها، وللحق هي الآن لا تستطيع فعل أي شيء بعد فتك أعصابها هذا ولكنها ستحاول التحامل على ذاتها! ***

بالطبع وصل هو بسيارته إلى عمله وعملها منذ قليل بعدما هبط من سيارته ودلف هو أولاً من ذلك الباب الرئيسي، كان غسان يسير وهي من خلفه لعدم معرفتها أي شيء إلى الآن ولكن قد علمت مسبقاً المكان الخاص بجلوسها حين مجيء موعدها للدلوف لتلك المقابلة. صعد السلم وهي من خلفه حتى وصلوا إلى الطابق الثاني وجد به عدة غرف مكاتب بالطبع له واحدة منهم، والكثير من الفتيات يجلسن بالانتظار. التفت هو لها ثم تنحنح قائلاً لها: "اقعدي ار...

هناك من قاطع حديثهم وهو يقوم بالمناداة على ذلك الواقف بالنسبة له. التفت غسان له بينما اقترب منه ذلك المجهول وهو يمعن النظر على تلك الهوية الذي يرتديها هو، ثم أردف قائلاً له برسمية: "أهلاً بيك يا مستر غسان، ده مكتبك حضرتك! نظر غسان لإشارة الآخر على الغرفة التي كانت توجد بجانب مكان جلوس الفتيات وبعض من الشباب القلة. ابتسم غسان له بتكلف، بينما الآخر نظر لها هي ثم عاود النظر له وهو يردف قائلاً بابتسامة:

"اتفضل خد المدام وتقدر تقعد فمكتبك من دلوقتي." احمر وجه نيروز بشدة، بينما عقد هو ما بين حاجبيه بتساؤل: "مدام مين!؟ "دي، هي مش المدام ولا إيه؟ نظر غسان له بنفاذ صبر وهو يردف قائلاً يجيبه باقتضاب: "لأ." "أنا آسف بس، الآنسة محجبة ولما لاقيتها كده فكرتها مدام حضرتك، لأن جاي أوامر المرة دي بعدم تعيين محجبات من المقابلات الشخصية بتاعت الدور ده! توترت ملامح نيروز بشدة، بينما نظر غسان له بجمود وهو يردف بتساؤل: "نعم!

حسناً ما مشكلة الحجاب إذن والمشهورة كمثل هذه الأيام!! هاجت الدماء بعروقه وحاول أن يتحكم بانفعاله على قدر الإمكان، بينما نظر لها فوجدها تنسحب ببطء. قاطع سيرها بنبرته العالية وهو يناديها: "استنى!! التفتت تنظر له بتعابير وجه خالية ولكن لم تكن خائفة تلك المرة وهي تقف بمكانها، بينما وجه هو نظراته لذلك الواقف وهو يسأله بحدة لم تظهر للآخر بوضوح ولكن امتزجت باللطف كي يخبره الآخر على الفور: "ده مين اللي طلع بالقرار ده...

قالها بلطف مصطنع بينما ابتسم الآخر بغباء وهو يشير على المكتب الذي يتوسط الدور وهو يقول: "مدام إنجي المديرة هنا! "تمام؛ اتفضل إنتَ." أومأ له الآخر وهو يسير بعيداً عنه بينما نظر هو لها وهو يتقرب يقف أمامها ثم تحدث بنبرة هادئة وبثبات: "تقدري تقعدي هنا لحد ما دورك يجي متمشيش." قالها ثم اتجهت هي تجلس على مقعد ما بعدما أومأت له بنعم، بينما هو توجه يدق الباب لتلك الغرفة عدة دقات خافتة حتى أُذن له بالدخول!!

دلف بخطوات واثقة وهو يغلق الباب من خلفه، بينما ابتسمت تلك التي بالداخل وهي تشير له بالجلوس على المقعد من أمامها، فجلس هو بصمت بينما تابعت بقولها: "أهلاً بيك يا أستاذ غسان إحنا بنستناك من بدري هنا." وجه غسان نظراته لها وهو يبتسم بتكلف ثم تحدث قائلاً: "كده كده كنت هاجي طبعاً، بس المحجبات بقا يا ترى هيجوا بردو ولا ممنوعين؟ نظرت له إنجي بملامح وجه مبتسمة كما يتوجب عليها: "مالهم المحجبات يا مستر غسان؟

"هو مش انتِ بردو اللي منعتي المحجبات المرة دي من الشغل هنا،؟ "هو تغيير المرة دي بس، هو فيه مشكلة؟ أخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة زائفة: "هو حضرتك مش شايفة إن منعك للحجاب ده في حد ذاته مشكلة؟ توترت من الداخل كونه ذات صلة بمدير هذا الفرع في المكان الآخر وجاء بتوصية وتمهيد من هناك. ولكن لم تظهر هي كذلك بل ابتسمت بسمة مصطنعة وهي تردف قائلة لتجيبه:

"أخدته من غير تفكير فعلاً بس غرضي أعدل من واجهة المكان، لكن إحنا مش متشددين أوي في الحكاية دي لأنها أول مرة تحصل، ممكن نعينهم مش هيحصل مشاكل عادي." ابتسم لها هو بسمة على جانب شفتيه بالطبع بسمة تهكم لعلمه بما دار في ذهنها الآن!! ولكن لم تعرف هي حقيقة وطبيعة تلك البسمة. واصل هو ليتحدث قائلاً من بين ابتسامته:

"بعيدًا عن أنك طلعتِ ذكية، بس مفيش حاجة تقنع بجمال واجهة للمكان غير الحجاب. الحجاب فرض، وكل واحد حر. وبيتهيأ لي الموظفين مش هيسألوكِ انتِ مش محجبة ليه، زي ما حضرتك بتسأليهم بطريقة غير مباشرة انتِ محجبة ليه! ابتسمت له بهدوء وهي تردف قائلة برسمية حتى لا يتأزم الوضع: "شكرًا للتوضيح يا أستاذ غسان. اتفضل ابدأ في شغلك، واللي له نصيب يتعين هيتعين إن شاء الله." نهض "غسان" وهو يقف ثم أجابها قائلاً باقتضاب وهو يومئ لها:

"أكيد." قالها ثم توجه عدة خطوات ناحية باب الغرفة يخرج منها بهدوء، عالقًا الباب من خلفه. أما هي فتنفست بعمق أخيرًا ثم أمسكت بالهاتف الأرضي وهي تنبئهم بما حدث مؤخرًا من جديد حتى لا يذهب البعض كما تعتقد هي.

خرج هو ثم وزع أنظاره على الجالسين جميعًا. حثه عقله على البحث عنها بالحال. فوجدها أخيرًا تعبث بهاتفها بملل. فاتجه بخطوات واثقة ناحية مكتبه في الناحية الأخرى والذي أشار له عليه الآخر منذ قليل. بالطبع مع تفكيره بمنع نفسه من الاحتكاك بها كثيرًا، مقررًا تجاهلها الآن إلى استقرار الأوضاع. ***

مر الوقت وهما يقومان بتنظيف المنزل إلى الآن. جلست "ياسمين" أرضًا بضجر أمام الثلاجة وهي تنظف بها بإنهاك أمام أنظار والدتها المتجهة إليها بعناية. رفعت "ياسمين" أنظارها لتلك الواقفة أمامها بحنق ثم أردفت قائلة لها: "إيه مش مشكلتك مع الثلاجة قولي بصراحة؟ هتحطي فيها آثار؟ "بتعرفي تنضفي وأنتِ ساكتة ولا مبتعرفيش؟ قالتها "سمية" بتهديد للأخرى وهي تنظر لها بحدة. تأففت "ياسمين" ثم أخذت أنفاسها بصوت مسموع وهي

تنهض على فجأة قائلة بحنق: "لأ بقى دي مش عيشة بقى! ناس تقعد في تكييف وناس تغسل ثلاجات؟ ده مش عدل! ده ظلم! "أومال إن شاء الله هتنضفي في بيتك إزاي؟ هتسيبيه؟ ولا هتخلي حازم ينضف لكِ؟ نظرت هي إلى والدتها ثم تركت الأشياء التي توجد بيديها وهي تعدل من ملابس المطبخ بغرور زائف لتتجه ناحية والدتها التي ابتعدت عنها عدة خطوات ثم جلست على المقعد الذي يوجد بجانبها لتضع قدمًا على الأخرى قائلة بغرور زائف: "وده عايز كلام!

طبعًا هجيب خدامة، تعملي أنا وحازومي." نظرت لها "سمية" وهي تردف قائلة بسخرية: "الله يرحم أمك وأبوكِ يا أختي! قال خدامة قال! قومي فزي حطي الهدوم في الغسالة يلا! نفخت هي أنفاسها بقوة وهي تستقيم واقفة ثم طالعت والدتها بغيظ قائلة بحنق: "على فكرة أنتِ وله قادرة! "ما أنا عارفة، واتلمي بدل ما الشبشب يطلع، وشوفي الباب بيخبط!

نظرت لوالدتها بضجر وهي تتجه ناحية باب المنزل تفتحه بشكلها غير المرغوب هذا والأتربة تغطي ملابسها المنزلية وحجاب رأسها المعقود من الخلف. دقيقة وفتحت باب المنزل، لتنفرج أساريرها وهي تبتسم باتساع وقبل أن تتحدث هي، تصنع "حازم" المفاجأة وهو يردف قائلاً: "يا ساتر يارب! أنتِ مين! فين ياسمين؟ خشي اندهي لها من جوه! نظرت له بحدة وهي تردف قائلة بحنق: "وحياة أمك عايدة؟ "وحياة أمك سمية!

صمتوا هم قليلاً ثم أردفت "ياسمين" على فجأة وكأنها لم تعرف هويته منذ قليل: "حازم حازم! "ياسمين ياسمين! رددوها الاثنان خلف بعضهم كعلامة للترحيب وتعريف هويتهم أخيرًا بمرح! فقهقه "حازم" سريعًا وهو يدلف إلى الداخل قائلاً بمرح: "بالأحضان ياراجل! قالها ثم التفتت لها وكأنه سيأخذها بأحضان ولكن بطريقة زائفة. ابتعدت هي عنه ثم قامت بضربه بخفة على كتفيه قائلة بتحذير: "احترم نفسك! "ما أنا محترمها والله."

ابتسمت هي له ثم أردفت قائلة وهي تشير له بأن يتبعها إلى المطبخ سريعًا، حتى توجها معًا ناحية المطبخ وهي تقف أمام الثلاجة ثم وضعت يديها بمنتصف خصرها وهي تردف قائلة له بجدية زائفة: "إيه رأيك؟ "في إيه؟ قالها باستغراب، وهي تطالعه و"سمية" تكتم ضحكاتها وهي تنظر لهم. فأجابته الأولى على حديثه بعفوية: "في الثلاجة اللي أنا لوحدي اللي نضفتها! ضحك هو بخفة ثم أردف قائلاً يجيبها بعفوية: "تحفة زيك."

ابتسمت هي بخجل وهي ترمش بأهدابها بمرح. أما "سمية" فأردفت قائلة للآخر: "بص بقى البت دي لو أنتَ أخدتها وحبيت ترجعها إحنا معندناش الكلام ده، ودوروا لكم بقى على خدامة من دلوقتي يا حبيب قلبي! "ليه بس يا حماتي ما الثلاجة نضيفة وزي العسل أهيه! نظرت "ياسمين" إلى والدتها بضجر بينما انتهى الآخر من حديثه فابتسمت هي له باتساع وهي تردف قائلة بمشاكسة:

"وربنا أنتَ اللي زي العسل، بس قولها، قولها بقى الست القادرة دي اللي مش عاجبها العجب دي." قهقهوا جميعًا عليها وعلى طريقة حديثها المرح، بينما تعلو ضحكاتهم الرنانة بصوتها المبهج في المطبخ وبقلة حيلة من طبيعة مرحها الدائم هذا! *** "تمام! آخر حاجة هسألها وتقدرِ تتفضلي. إزاي هتتعاملي مع الضرائب في شغلك والملفات الضريبية؟

قالها "غسان" بإنهاك لتلك التي تجلس من أمامه. الفتاة قبل الأخيرة وسينتهي هو اليوم أخيرًا بعد مرور كل ذلك الوقت! طالعته الفتاة بنظرات واثقة ثم صمتت تفكر حتى يخرج منها حديثها بمنطقية. تنهدت ثم أجابته أخيرًا بعقلانية متفهمة:

"على حسب. يعني هنا هحدد سجلات الضريبة، وأتأكد من صحتها ومن كل الملفات بتاعة الضرايب. وعشان أكون محاسبة صح لازم يكون عندي سرعة بديهة ويكون في إدراك كامل للضرايب اللي من أي نوع، وتطبيق القوانين واللوائح الخاصة بعمل المحاسبة عشان تطلع عملية محاسبه دقيقة ونظيفة." أومأ لها بهدوء ثم تنحنح قائلاً برسمية: "موفقة في الشغل من بكرة إن شاء الله، اتفضلي."

ابتسمت باتساع وهي تنهض لتخرج من الغرفة. تنفس هو بعمق وراحة وهو يرجع بظهره إلى الخلف على المقعد. عدة دقائق تقريبًا ودلفت الأخيرة ولم تكن سوى "نيروز". دقت الباب بخفوت ومن ثم أذن لها فدلف هي بخطوات بطيئة ثابتة، حتى أشار لها بأن تجلس أمامه على المقعد. فجلست هي بهدوء. فخرج صوته الهادئ بعض الشيء وهو يحدثها قائلاً بابتسامة صغيرة: "طلعتِ آخر واحدة عشان حرف النون! ابتسمت هي برضا وهي تجيبه قائلة بصوتها الهادئ:

"مش مشكلة المهم إني دخلت الحمد لله يعني." أومأ لها هو ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يأخذ منها الملف الخاص بها يطالعه بتمعن. لم يأخذ وقتًا كثيرًا، بل أخذ أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً: "جاهزة تتسألي 3 أسئلة بس، بما إنك مشتغلتيش قبل كده! هزت رأسها بالإيجاب ثم فركت يديها بهدوء ولكنها حثت نفسها على الثبات أكثر. فبعد الآن سيتغير كل شيء بمعاملاتها خلال عملها هذا، هذا ما حثت به نفسها، وإن قُبلت! "طيب خلينا في أول حاجة!

إزاي هتتعاملي مع العملاء وجه لوجه أو من على بعد عامةً؟ تنفست هي بعمق ثم أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتها أخيرًا وهي تبدأ بالبسملة في سرها، مردفة أخيرًا بنبرة هادئة واثقة: "يعني أنا هقدر أتعامل معاهم من حيث الأسلوب يكون كويس وهادي، وبشكل إيجابي ككل، وأقدم لهم الخدمات وأحقق رضاهم، وأخيرًا تكون بطريقة مرضية لجميع الأطراف من حيث العميل أو العمل وضميري نحيته." طالعها باهتمام وهو يهز رأسه قائلاً برسمية:

"كويس ده، عندك فكرة عن الفرق بين المخصص والاحتياطي ولا..؟ هزت رأسها بنعم وبها بعض الحماس لكون الأسئلة الذي يسألها هو لها، هي تعلمها ولديها خلفية عنها. فتحدثت هي قائلةً تُجيبه: "أعتقد أن المخصص مبلغ يتم تكوينه سواء للربح أو للخسارة لأنه إجباري. أما الاحتياطي، فنكونه بس في حالة تحقيق الربح." نظر لها بتعمق وهي تردف حديثها. وما أن انتهت، طالعها بإعجاب طفيف لمعلوماتها تلك، حتى وإن مر عليها وقت لم تدرس به شيئاً.

"حلو. بما إنك ما اشتغلتيش قبل كده، طب الموازنة إيه بالنسبة للمحاسبة؟ صمتت هي تفكر لمدة دقيقتين حتى تستطيع جمع الكلمات في ذهنها. انتهت أخيراً، ثم أردفت قائلةً تُجيبه وهو ينتظر إجابتها: "هي حاجة زي تقدير مصروفات وإيرادات ممكن لسنة أو أكتر لقدام تقريباً يعني! "صح! مين مسئول عن التقدير ده؟ "انتَ!! قالتها بعفوية، فصمت هو عاقداً ما بين حاجبيه. فأردفت هي سريعاً تحاول تجميل ما قالته دون تفكير:

"قصدي يعني حضرتك اللي هو مدير الحسابات! حاول إخفاء بسمته، فخرج منه صوته قائلاً بثبات: "عالّ أوي. هتتعيني من بكرة بإذن الله." ابتسمت باتساع وهي تنظر له. فنهض هو من على مقعده، ومن ثم نهضت هي سريعاً لتخرج من الغرفة. فأوقفها ليقاطع سيرها: "خمس دقايق ونازل."

التفتت ثم أومأت له بالإيجاب. هو يعني أنها ستنتظره بالأسفل حتى يعودا مع بعضهما إلى المنزل كما جاءا. خرجت من الغرفة ثم اتجهت إلى السلم حتى تهبط وتنتظره استعداداً للذهاب. ***

وصلت هي إلى المشفى لا تعرف كيف وصلت منذ وقت مر، ولكنها وصلت بخيبة كبرى. سارت بخطواتها البطيئة وعيناها شاردتان في الطريق أمامها إلى أن وصلت إلى الدور الخاص بالغرف التي توجد بواحدة منها والدتها. لا ترى أي شيء من أمامها سوى تفكير عقلها فقط. الأصوات متداخلة. الحقيبة تهبط من يديها بقوة على الأرض، ثم انحنت بتعب تجلس على درجة من درجات السلم الذي أمامهم. جلست متجاهلة الأنظار التي عليها. ثم وضعت يديها على أذنها من تداخل التفكير والصراع الذي بداخلها ودموعها تهبط بصمت. لا ترى الآن شيئاً حقاً من دموع عينيها. أصوات كثيرة من حولها تحثها على القيام، تسألها عن حالها، ولكن هناك صوت قريب جداً منها!

نعم! الطبيب الخاص بحالة والدتها. سمعت صوته من قبل! تعرفه! كان في ذلك الوقت، صاعداً هو للمرور على حالة المرضى عامةً والاستئذان للانصراف ولانتظار شقيقه الذي حدثه منذ قليل بأنه سيأتي له ليأخذه من عمله. أشار "بسام" لتلك التي تجلس بيديه كي تنتبه له: "آنسة فرح! أنتِ معايا؟ شايفاني؟ سمعاني طيب؟

هزت رأسها بنعم رغم تشوش الرؤية أمامها. ولكن يفهم هو تلك الحالة غالباً. مد لها يده ليسندها برفق وهو يُنهضها من على درجة السلم متجهاً بها بخطوات بطيئة ناحية غرفة من الغرف الفارغة مؤخراً. استندت هي عليه بغير وعي. خطوات وخطوات حتى وصلا هما إلى غرفة معينة فارغة، ثم جلست هي بمساعدته على الفراش الخاص بالمشفى. وما إن جلست، تضاعفت دموع عينيها بالكثرة!

وكل ما يجول بخاطرها تصوير مشاهد لها وهي تخون صداقتها وتتداخل الأمور بمشاهد عدة لمرض والدتها! ما الذي يحدث الآن! جذب هو مقعداً سريعاً ثم جلس أمامها وهو يهدهدها براحة واطمئنان: "إهدي! اهدي يا آنسة فرح! نظرت بدموع عينيها، ثم بكت بصوت عالٍ وهي تضع يديها على أذنيها تزامناً مع تحركها بقوة وكأنها تنفي شيئاً ما، ليخرج منها صوتها المنهار: "لأ لأ مفيش حاجة من دي بتحصل.. لا مش هتحصل!!

نهض هو سريعاً وهو يحكم من حركتها ثم نادى سريعاً على الممرضة وهو يضغط على الزر الذي يوجد بجانب الفراش، قائلاً لها بصوت هادئ ممسكاً يديها بحنو كتغلب على تشنج أعصابها: "اللي انتِ بتفكري فيه أو اللي شيفاه مش حقيقة. أنا هنا! مامتك هنا يا فرح. كلهم هنا حواليكِ. فوقي!!

دقائق وهي تهدأ تدريجياً من حديثه التي تسمعه. فاقت تدريجياً أخيراً من تلك الغفوة الإجبارية، ثم التفتت حولها بريبة وصدمة مما يحدث الآن. أحقاً وصل بها الحال إلى ذلك! نظرت هي له نظرة مطولة والدموع تهبط من مقلتيها وكأنها شلالات لا تعرف طريقاً لها، ثم خرج منها صوتها الضعيف: "إشمعنا أنا؟ "إهدي! "أنا عملتله إيه؟ "معملتيش! انتِ كويسة مفيش حاجة." "..مش هقدر.. جميلة متستحقش ده مني لأاا!

عقد ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما ربت على يديها بهدوء وهو يضغط على مجرى الدماء كإفاقة لها ولتشنجها. ولكن هو لا يفهم بحالتها تلك إلا القليل، ليس تخصصه من الأساس! "مش هتعملي حاجة بس اهدي! اهدي خالص. اتنفسي براحة."

سكنت هي فجأة ولكن ليس بمفردها، بل بتأثير الحقنة المهدئة الذي أحقنها هو بها بمساعدة من الممرضة التي أتت له عقب ضغطه على زر الطوارئ هذا. مددها على الفراش بمساعدة الأخرى. دقائق وأغلقت عينيها بتعب وإرهاق مع هزات رأسها الهادئة بالنفي وكأن وحشاً يطاردها وهي تهرب منه بحركة رأسها فقط ولكن جسدها يظل متيبساً! ***

هبط هو ومن ثم ركب السيارة وهي بجانبه من الأمام. بدأ بالفعل بالتحرك. كانت تبتسم بشرود وهي تنظر من النافذة. أما هو فصب أنظاره على الطريق، ولكن انتبه هو إلى بسمتها تلك، فوجد نفسه يبتسم تلقائياً. نهر نفسه لصب تركيزه بالكامل معها! كثير من الوقت يحث نفسه على عدم الاحتكاك بها ولكن عند وجودها يتغير كل شيء. حسناً، مجرد صديقة؟

هذا ما قاله لعقله. أخذ أنفاسه ببطء وصوتها العالي الممزوج مع صوت "أم كلثوم" الضعيف في كاست السيارة. وللحق هو يعشقها. أياً يكن، يقوم هو بتشغيلها حتى في غرفته التي يوجد بها الشرفة. ولكن يقوم هو بخفض الصوت مؤخراً. مد يده سريعاً ليقوم بتعليّة الصوت قليلاً، ثم نظر لها وهو يردف قائلاً على فجأة: "كده أحلى، خلي كوكب الأرض تبدع شوية!

انتبهت هي له بالأساس عند تعلية الصوت. تذكرت بأنها كانت تسمع صوت تلك الأغاني منذ عدة أيام ولكن صوتاً كان خافتاً بعض الشيء. ابتسمت هي له عفوياً على حديثه ولكن تلاشت بسمتها وهي تنظر له ببلاهة قائلة: "كوكب الأرض!!! اسمها كوكب الشرق! "طب ما أنا عارف! هي بالنسبالك كوكب الشرق عادي! لكن عندي أنا بقا كوكب الأرض، صوتها حياة! ابتسمت "نيروز" بإعجاب وهي تردف قائلة بهدوء: "فكرة بردو... واصل "غسان" حديثه، وهو ينظر على الطريق قائلاً

وهو يتذكر جوابها اليوم: "شكلك كنتِ دحيحة! طالعته وهو يردف حديثه وما أن انتهى، أجابته وهي تأخذ أنفاسها: "يعني... "ده كده دحيحة وخبيثة كمان، مادام معترفتيش علطول!! ضحكت هي بخفة، ثم التفتت بوجهها ناحية الشرفة سريعاً، بينما ابتسم هو، ثم أردف قائلاً بعفوية: "حاجتين بيفضلوا زي ما هم حتى بعد ما نكبر! التفتت تطالعه بتساؤل في عينيها، فأجابها "غسان": "لون العين، و..الضحكة!

دقائق ولم تفهم، ولكن أخيراً ابتسمت بخجل وهي تنظر له وهو يقوم بركن السيارة إلى جانب من تلك الجوانب أمام المشفى الكبيرة. عقدت ما بين حاجبيها لتوقفه، فنظر هو لها بعدما أوقف السيارة: "هجيب الدوك يروح معانا، مليش أنا فـ تجارة الأعضاء!

أومأت هي له وهي تكتم ضحكاتها، فهبط هو من السيارة ثم أشار لها بأن تهبط، فهبطت هي ثم تقدمت تقف بجانبه. فنظر هو لها ومن ثم بدأ بسيره عدة خطوات إلى داخل المشفى. دلف هو وهي بجانبه، ولكن لم يصعدا بل اتجه ليجلس على المقاعد في الاستراحة. ومن ثم جلس هو فجلست هي على الفور. أخرج "غسان" هاتفه ليقوم بإرسال رسالة بقدومه إلى شقيقه. آلتفت لينظر لها فوجدها جالسة تنظر بتمعن لتفاصيل المكان. قاطع نظراته مجهول يقف أمامه ثم ليتجه نحوه أكثر وهو يبتسم بسمة صغيرة قائلاً له باحترام

وكأنه على معرفة به: "دكتور بسام! أهلاً أنا كنت منتظر حضرتك. عشـ.... "لأ أنا مش دكتور بسام! عقد "عز" ما بين حاجبيه قائلاً بحرج: "هو حضرتك بتهزر معايا يا دكتور؟ ولا بتتكلم جد؟ نظر "غسان" له بتمعن وهو يردف مرة أخرى بنبرة جادة ولكن بابتسامة صغيرة للآخر: "أنا معرفش حضرتك علشان أهزر معاك! أنا فعلاً مش دكتور بسام. أنا.." قاطعه قدوم شقيقه الهمجي وهو يركض بسرعة إليه. حملق "عز" بصدمة لهما الاثنان. تزامناً مع حديث "بسام"

العبثي للآخر: "أتأخرت عليك يا أبو الغساسين! الشغل كان.." صمت هو قليلاً عندما وجد شخصين لم يكن عليهما القدوم، ولكن الأخرى كانت تجلس بعيداً، أما الآخر فكان ينظر بصمت. ابتسم "بسام" سريعاً وهو يبرر الموقف: "أستاذ عز، كويس إنك جيت، كنت عاوزك. بس قبل أي حاجة، ده غسان أخويا، آه إحنا توأم وتلاقيك ممكن اتلخبطت فينا، بتحصل! ابتسم "عز" بلباقة فبادله "غسان" نفس البسمة، تزامناً مع قول الأول:

"عادي ولا يهمك يا دكتور، اتفضل حضرتك اتكلم..! تحرك "بسام" إلى جانب آخر بينما جلس "غسان" بمكانه. تحرك "عز" خلف الأول حتى وقفا بمكان جانب مقعد "نيروز" التي كانت تبعث في هاتفها بملل. لاحظ "عز" تلك التي تجلس بوجهها المألوف بالنسبة له، فهي بالأساس كانت تأتي لهم مع جميلة أحياناً لشقيقته فرح. "آنسة فيروز؟

رفعت أنظارها تطالع هذا الذي يبدو أنه يحدثها، بينما كان قد انتبه لهم "غسان" ففعل صفارة من فمه سريعاً وهو يبتسم بعبث، لينبه الآخر قائلاً باختصار: "بالنون يا حبيبي." ابتسم "عز" بحرج بينما كان قد اتجه لهم "غسان" يجلس قريباً منهم بعد هذا الحوار. أما هي فابتسمت بخفة على حديث "غسان"، فأردفت "نيروز" وهي تنهض واقفة تبتسم للآخر قائلة بلباقة: "أهلاً بيك يا أستاذ عز، أخبار طنط حنان إيه وفرح؟ "الحمد لله، كويسين!

قالها بحرج كونه نطق اسمها بطريقة خاطئة. فابتعدت هي بعدما أومأت له، فأخذه "بسام" جانباً وهو يقول له: "بص يا أستاذ عز، مش عاوزك تقلق يعني من اللي هقوله ده.. بس الآنسة فرح جالها انهيار عصبي وما شابه وهي في غرفة في الدور اللي فوق ونايمة دلوقتي بعد ما أخدت المهدئ، وأنا هنا بالليل تاني وهي للمتابعة، لكن هي محتاجة طبيب نفسي يشوفها ضروري! شحب وجهه عندما أنصت لحديث الآخر ثم تسارعت دقات قلبه وهو يردف قائلاً بلهفة:

"يعني هي دلوقتي كويسة؟ طب ومن إيه؟ ينفع أشوفها؟ "الزيارة ممنوعة لحد ما هي تفوق وممكن على بالليل كده إن شاء الله، متقلقش. يستحسن والدتك متعرفش، أظن معدش إلا حاجة بسيطة على العملية فبلاش توتر..! أومأ له "عز" سريعاً ثم هرول من أمامه يصعد عالياً حتى وإن يجلس فقط أمام الغرفة. ابتسم "بسام" بضعف بأثره كونه يلمس بداخله شعور التعاطف. اتجه له شقيقه بعدما وجده شارداً، فانتبه هو له ثم ابتسم قائلاً:

"يلا يا غُس، ده فيك تأخرنا كده يعني..؟ مش فاهم إيه ده والله." قالها بتعالٍ زائف وهو يتجه ليخرج أولاً تحت أنظار الآخر. فالتفت ينظر لها وهو يشير لها بأن تتبعه للذهاب. دقائق وخرج كلاهما ليتجهها ناحية السيارة، فوقف "بسام" بحرج وهو يبتسم لها قائلاً باحترام: "اتفضلي قدام طبعاً! ابتسمت هي بحرج وهي تنفي قوله: "مينفعش، اتفضل انتَ! "طب المرادي بقى بما إنك أول مرة! "شكراً.. ليك احترامك!

كاد أن يتحدث "بسام" مرة أخرى، فأخفض "غسان" زجاج الشرفة من الداخل بنفاذ صبر كونه جالساً من فترة ينتظرهم. فتحدث قائلاً للآخر يقاطعه بملل: "إيه يا حبيبي، أجبلك كرسي تقعد تستريح؟ ما تخلص يا محترم واركب، واركبي انتِ يا نيروز ورا عشان مش هنخلص ولا نتحرك!!

ضحكت بخفة، ولكن مهلاً، تلك أول مرة ينطق اسمها. لاحظت هي ذلك وحاولت أن تتغاضى وتتجاهل ما تفكر به، لتركب هي السيارة. عندما تنحنح الآخر وهو يصعد بجانب شقيقه، ومن ثم ضغط سريعاً على البلوتوث وهو يقوم بتشغيل أغنية من أغاني الكرتون المتحرك الذي يعشقه هو وكانت الأغنية من فيلم "طرزان". نظر له "غسان" بحدة وهو يردف قائلاً بجمود تحذيري: "رجعها تاني لكوكب الأرض.. علشان منزعلش من بعض!!

نظر هو له بحنق، وهو يعيد ما أمر به الآخر بضجر، بملامح وجه عابسة. بينما ما إن اعتلت أغنية الكرتون المتحرك ضحكت هي بخفة وهي تضع يديها على فمها حتى لا يخرج صوتها، وهي تتابع باستمتاع ما يحدث من شجار بينهم. نظر هو بالمرآة فوجدها مازالت على وضعها تبتسم، فاتبسم هو بسمة صغيرة وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً من أفعال شقيقه المضحكة حتى وإن لم يقصد الآخر ذلك بالفعل.

كان المنزل يوجد به أماكن كثيرة غير مرتبة. تجلس هي بإنهاء على الأريكة حديثة الطراز، والعديد من الحقائب أمامها وبعض الملابس غير المرتبة أيضاً. أخذت "ورده" أنفاسها بنفاذ صبر منه وهي تردف قائلة له بنبرة تحذيرية: "حط الحاجة مكانها يا يامن، كده غلط.. ما تشوف ابنك يا بدر!! كان "بدر" يجلس معها في المكان تارة ينظم معها وتارة يعبث بهاتفه. انتبه هو لها ثم ترك هاتفه بجانبه وهو ينظر لها قائلاً بمزاح: "جرا إيه يا عم الورد؟

ما تروق! طالعته بجمود وهي تردف قائلة بحده مصطنعة: "انتَ بتلهيني؟ مش عاوز تشيل يامن عني ولا تساعدني ولا مش.." قاطعها هو سريعاً وهو ينهض بسرعة يجذب صغيره من على الأرض حاملاً إياه وهو يردف قائلاً بمشاكسة، تزامناً مع دغدغته لصغيره الضاحك بين يديه: "الملاك ده؟ عملك إيه؟ قوليلي!! ضحكت هي بقلة حيلة على ضحكات صغيرها وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً: "قول معملش إيه؟ كل ما أظبط حاجة يهدها تاني، أنا تعبت بجد."

ابتسم هو لها بحنو وهو يتجه لها بعد إردافها آخر حديثها بإنهاك من هذا العمل عامة وليس من صغيره بالتحديد. اتجه وهو يحمل صغيره ثم جلس بجانبها وهو يضع يده على كتفيها بود: "هانت يا وردة خلاص قربنا أهو، ده إحنا نازلين بكرة فين لهفتك اللي كنت بشوفها! "طيرها سعادة البيه!!

قالتها بمرح وهي تقرص صغيرها بخده، فابتسم "بدر" وهو يدخلها بين أحضانه رابطاً على كتفيها بحنان. ثم نظر لصغيره وهو يشير له بأن يفعل مثله، ولكن "يامن" كان له رأي آخر، بل ربت عليها ثم اقترب يقبلها قبلة طفولية من وجنتيها ثم صفق ببراءة، فقهقهت هي عليه وهي تحمله داخل أحضانها قائلة بطبيعته الأم الحنونة: "يامن بيحب ورده! صح؟ ابتسم الصغير باتساع وهو يومأ لها، وكذلك "بدر" وهو يربت على أسرتها مجيباً على حديث الأخرى بمشاكسة:

"وبدر برضو! ضحكت هي بخفة على حديثه، ومن ثم خرجت بعد دقائق من أحضانه ثم بدأت من جديد في إعداد الحقائب ولكن هذه المرة بابتسامة حتى وإن عاد الصغير يدمر ما فعلته هي!!

مر وقت بالطبع وقد وصلت السيارة أمام المبنى الذين يقطنون هم به. هبطت هي، ثم شقيقه، وبعد دقائق كان قد ركن هو السيارة ثم هبط. دلف ثلاثتهم المبنى ثم وقفت "نيروز" أولاً لصعودهم هما من قبلها. فأخفض "بسام" نظراته باحترام ثم صعد هو أولاً، ومن ثم ابتسمت هي له بتكلفه، فنظر لها "غسان" ثم التفت يصعد وراء الآخر وهو يردف بنبرة خافتة: "محترم أوي."

سمعته يتمتم بكلمات غير مفهومة، بعدما صعدت خلفهما ولكن تجاهلتها تماماً ولم تشغل بالها. وصلوا إلى الطابق أخيراً، فوقفت هي أمام المنزل وهي تقوم برن الجرس، وهما من جانبها يخرج أحدهم المفتاح، فأردفت هي بنبرة حرجة كي لا تغفل عن آداب الذوق: "اتفضلوا شوية." ابتسموا هما بتكلفة، فأردف "بسام" قائلاً بلباقة: "مرة تانية إن شاء الله." "هيجيلكم لما يلاقي دلال طابخة حاجة مش على المزاج متقلقيش!

قالها "غسان" بمرح، فضحك شقيقه وكذلك هي ضحكت بخفة وهي تلتفت للجهة الأخرى بعدما قال لها "بسام": "عن إذنك." دلف الاثنان إلى الداخل بهدوء، بينما فُتح لها الباب أخيراً بواسطة "حازم" الذي كان هناك من وقت الظهيرة بعدما أغلق المكتب ورحل إليها مباشرةً. ابتسم هو لها باتساع وهو. يردف قائلاً بمرح: "أهلا بالباش محاسبه!! إعتلت ضحكاتها وهى تدلف إلى الداخل قائله بصوت عالٍ بعض الشيء:

"قوام بقيت باش محاسبه مش لما تعرفوا الأول اتقبلت. ولا لأ!؟ دلفت تجلس بالصالة بينما هن لم يكنّ بها! ، فاتجه الٱخر نحوها يُجيبها بعدما أغلق الباب: "فكرك دي حاجة تفوتنا يعني، كلنا عارفين إن غسان معاكِ فالشغل، وعرفنا بعد ما اتقبلتي علطول منه! طالعته بدهشة، بينما خرجت لها شقيقتها من الشرفة بعدما كانت تقوم بنشر الملابس، وتلك المشابك مُشبكة بكل إنش بها حتى حجاب رأسها الخلفي! هرولت ناحية شقيقتها وهى تحتضنها ثم جلست بجانبها

وهى تردف قائلة بلهفة: "لازم تخرجي كام ساعة يعني علشان أعرف مقامك عندي! ابتسمت "نيروز" باتساع بينما عقد هو بين حاجبيه باستغراب من طبيعة حديثها، وللحق كان معه كل الحق! ، عندما واصلت حديثها مجدداً: "أنتِ فهمتي إيه؟ قصدي غيابك كان حمل تقيل في شغل البيت مش كان فاتك مساعداني ولا الذل ده يا روز! قهقه "حازم" بقوة، وكذلك التي خرجت من المطبخ للتو! ، أما "نيروز" فتلاشت الابتسامة سريعاً وحل محلها الغيظ وهى تردف قائلة بحنق:

"واللهِ؟؟ طب يلا من هنا" قالتها وهى تحركها بقوة من جانبها، فاعتلت ضحكاتها الكيادة لها! ، ومن ثم اقتربت والدتهم من الأخرى وهى تردف قائلة لها بحنوٍ: "حمد لله على السلامة يا حبيبتي، قومي غيري عما نجهز الأكل يلاا" أومأت هي لها بصمت، بينما تحدثت "ياسمين" بضجر: "نـ.. إيه؟ نجهز!! إيه نون الجماعة دي يا وليه! "نون زي أي نون يا ضنايا يلا قدامي، وتعال يا واد يا حازم انت كمان معاها هتكبروا عليا ولا إيه؟!

"لأ إزاي يحماتي، ريحة أكلك مجننانى أصلاً، يلا بينا! حدجت "ياسمين" له بأعينها بطريقة زائفة، فضحك هو بقوة تزامناً مع رده: "أنا مليش دعوة أنا عبد المأمور!! قالها وهو يرفع يديه أمام كتفيه بقلة حيلة، فابتسمت هي كالبلهاء وهى تنظر له ثم قامت متجهة معه ناحية المطبخ خلف الأخرى! ***

في الشقة الجانبية، بعد مرور وقت، فالآن هم جالسون على مائدة الطعام يتناول كل منهم الغداء من فترة قليلة، نهض "بسام" أولاً وهو يبتسم،، فنظرت له "دلال" وهي تردف قائلة: "لحقت تاكل يا ابني؟ كمل أكلك! كاد أن يجيبها، فطالع "غسان" والدته بتشكك وهو يردف قائلاً بجدية مصطنعة: "ده ناقص ياكل دراعي! "أصله بيتعب يحبيبي والدكتور ده شغلانته مش سهلة برضو! ابتسم "بسام" لها بحنوٍ وهو يكيد الآخر قائلاً لها بمرح:

"وربنا ما ليا غيرك انت يا عسل" نظرت لهم "وسام" باشمئزاز وهي تتحدث قائلة بضجر: "مش فاهمة بتحبي فيهم إيه؟ ورمياني على جنب كأني ضُرتك يا ست انتِ!! اعتلت ضحكاتهم تزامناً مع تحرك "بسام" من أمامهم، فأردف "حامد" يجيبها بحبٍ: "ما انتِ فعلاً ضُرتها، أصلك حب عمري التاني! "عليا الجواز بالتلاتة انت حبيبي، حبيبي، حبيبي"

قالتها بمرح وهي تنهض سريعاً ثم أرسلت له قبلة طائرة وهى تتجه إلى حيث اغتسال يديها، ابتسم "حامد" بأثرهم باتساع ومن ثم وجه نظراته لزوجته وهي تضحك على ابنتها، فلاحظ "غسان" نظرات والده فتنتح قائلاً: "جرا إيه يا حج، خف شقاوة بقى دا أنا قاعد لسه مقومتش! "ما تقوم يا خفيف! قالها بحنق، فنظرت له "دلال" وهي تلومه قائلة بحنان: "إخس عليك يا حامد سيبه يكمل أكله"

"والله ما انتِ فاهمة حاجة، ده قاعد عشان يفصلنا وخلاص، مش فاهم طالع بارد كده لمين! غمز "غسان" بعينيه بمرح وهو يضحك على حديث والده مردفاً بمشاكسة: "بقا مش عارف لمين بردو!! قلب "حامد" عينيه بملل زائف وهو يغير مجرى الحديث قائلاً: "انتَ اللي رايح تجيب بدر بكرة من المطار؟ أومأ هو لوالده بنعم وهو يجيبه بهدوء: "آه قال لي النهاردة الصبح، وكلمت حازم وجاي هو كمان بعربيته علشان الشنط كتير"

أومأ له والده، تزامناً مع اتجاه "بسام" لهم المستمع إلى حديثهم من بعيد: "طبعاً يا غُس أنا كان نفسي آجي معاك بس ورايا شغل جامد بكرة" نهض "غسان" وهو يومأ له، بعدما كانت قد نهضت والدتهم من فترة قبل حديثهم هذا، فواصل "بسام" مجدداً: "إنچوي انتم، ورايا مذاكرة، سلام" ضحكوا هم عليه بخفة عندما قالها وانصرف سريعاً، حتى بعدما جاءت "دلال" مرة أخرى لتأخذ بعض الأطباق وهي تمط شفتيها باشفاق:

"يا حبيبي يا ابني ده شكله هيقعد يذاكر كده لحد يوم القيامة! حرك "غسان" رأسه من حديثها وهو يبتسم بقلة حيلة ومن ثم متوجهاً ناحية حوض الاغتسال، فنهض "حامد" وهو يحمل معها بعض الأطباق، يجيب على حديثها بتفهم: "هي الدكاترة كده يا أم غسان، مش كنتِ عايزة دكتور قد الدنيا البسي بقى! ابتسمت هي بقلة حيلة، ثم نظرت له وهو يتحرك من جانبها بعدما قام بمساعدتها، لأن الأخرى، دلفت للمذاكرة سريعاً هروباً من تلك الأعمال الشاقة بالنسبة لها!

، ابتسمت هي بقلة حيلة لعلمها بما دار في ذهن ابنتها!! *** حلّ بدايات المساء، وكـانت تجلس هي بالصالة، وبجانبها ابنتها وهي تنظر لها بشفقة طفيفة، كانت "زينات" جالسة شارده تارة، ودموع عينيها تهبط تارة أخرى بسبب غياب ولدها إلى الآن، تارة أخرى تقوم بسب كل من كان السبب في ذلك، اقتربت "فريدة" من والدتها وهي تنظر لها بصمت، فطالعتها هي بنظراتها الخالية من تعابير، فأخذت الأخرى أنفاسها وهي تردف قائلة: "يا ماما!!

، حسن هيرجع أكيد... ، ما انتِ عارفاه! هزت "زينات" رأسها يميناً ويساراً وهي تجيب الأخرى بولولة: "اخوكي بيضيع مني بسببهم، بسبب ولاد عايدة، و، ولاد دلال!! ، ربنا ينتقم منهم" "عندك حق! قالتها "فريدة" وهي تنظر في الفراغ بحدة، ثم نظرت لوالدتها وهي تردف قائلة مرة أخرى: "بس اهدي وكل حاجة هتبقى تمام!!

"بس متقوليليش اهدي دي، وبعدين مش قولتلك 100 مرة متقربيش مني وأنا في حالتي دي، غوري من هنا، خليني أتحسر لوحدي كدهو لا جوز جمبي زي الناس ولا بنت ولا أي زفت، حسبي الله ونعم الوكيل فيهم! قالتها بحدة وانفعال، فنظرت لها "فريدة" بجمود وهي تنهض متجهة حيث غرفتها، إذن الآن سوف تأخذ الخطوة التي كانت تنتظرها، لعدم وجود أمل ما!! ، صفعت الباب خلفها بقوة، تاركة الأخرى تهذي ببعض الكلمات الغاضبة!

خطر ببالها بأن تأخذ هاتفها وتقوم بالاتصال به من رقم صديقة التي كانت تدونه في ورقة ما في محفظتها الخاصة، نهضت لتبحث فوجدته بجانبها، هي على ذلك الحال منذ أمس لم تتحرك بل جالسة تفكر فقط! ، انتشلت المحفظة ثم فتحتها لترى ما بها من الورقة التي تريدها ولكن مهلاً، أين تلك الأموال التي كانت توجد بها!

، ذهب عقلها لفترة في التفكير بكيف وبما صرفتهم هي، إلى أن وصلت، لوالدها ولكن طبيعة عقلها نفت هذا سريعاً وهي تفكر بالآخر ولم يكن سوى "حازم" أقنعت عقلها بأن ليس سواه من كان غريباً أمس!! ، نظرت بخبث في الفراغ وهي تفكر بكيف ستكون تلك الفاجعة بالنسبة للآخرين، وفرصة للتشفى بهم جميعاً أيضاً، صيد ثمين إذن!! ، ولكنها ظلت غافلة عن الفكرة الوحيدة والمؤكدة بوجود سارق ما في المنزل بالتأكيد!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...