الفصل 5 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الخامس 5 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
31
كلمة
5,840
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

« هل يعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة، شخص بلا أنياب أو مخالب !! لــ "أنطون." كانت جالسة على الأريكة في صالة منزلها شارده بعدما خرجت من غرفة ابنتها وحدثتها بحديثها الغامض المهدد بالنسبة للأخرى. انتبهت هي لتلك الرائحة المعروفة للآخر عندما ازدادت رائحته هو أكثر، كان قد أتى من الخارج وأغلق الباب خلفه. انتبهت هي على أثر دخوله للداخل. نظرت له وهو يتجه ناحيتها. ثم أردفت قائلة

وهي تلوي شفتيها بتهكم: "مانا قولت بردو ريحة السجاير الفاقعة دي موجودة ازاي وانت مش هنا. أتاريك كنت قدام الباب يا عين أمك!! نظر لها بتعابير وجه خالية. ثم ثوانٍ وجلس بجانبها وحاوط ذراعاه كتفيها. ثم تحدث قائلاً بمشاكسة: "مساء يا زينات مالك قالبه علينا كده ليه، إيه مدايقك كده؟ أجابته قائلة بغيظ مكتوم: "مبقتش عارفة إيه اللي بيدايقني غيرك انت والمحروسة اللي جوه دي."

"سيبك منها يا زوزو، دي بت هبلة أصلاً. شاطرة بس تقعد تتكبر وتترسم علينا وتعملنا فيها السفيرة عزيزة!! نظرت له والدته باستنكار. ثم أردفت قائلة: "ولو مش السفيرة عزيزة تبقى هي عشان أنا أمها يا خويا، أومال إيه؟! نظر لها بابتسامة. ثم تحدث قائلاً بمرح: "طبعاً يا زوزو، محدش يقدر يقول غير كده." كانت قد خرجت من غرفتها متجهة إليهم. ثم جلست بجانبهم دون تفوه أي حرف. نظر لها كل من والدتها وشقيقها باستنكار. فتحدثت "فريدة" قائلة:

"بتبصلي كده ليه انت؟ وبعدين أنا أه فاكرة نفسي السفيرة عزيزة، ملكش فيه؟ نظر لها "حسن" ببرود مردفاً: "وده من إيه بقا؟ اقعدي في جنب بس كده، لاحسن دماغي مش ناقصاكي." نظرت له ببرود. ثم أردفت قائلة بخبث: "تمام، هقعد في جنب. على الأقل سفيرة مش زي ناس ريحتها سجاير، والله أعلم إيه تاني! وجايين عاملين علينا رجالة! نظر لها بشرر يتطاير من عينه. ثم نهض من مكانه على فجأة مردفاً بغضب:

"أنا هسكتلك وهعمل نفسي مسمعتش، عشان لو عملت نفسي سمعت محدش هينجدك من تحت إيدي، سامعة! كانت والدتهم تتابع الحوار بأكمله. فتحدثت هي أخيراً مردفة بصوت مسموع: "خلصنا يا خويا انت وهي، موتوا بعض يلا! انت يا بت ما تقصري لسانك يا أختي معانا وطوليه برا على ولاد عايدة ولا على أي حد غير هنا. وانت يا خويا روح غير هدومك دي وحطها في الغسيل، بدل ما أبوك ييجي يقولي ريحة مش عارف إيه وابنك مش عارف إيه، أنا مش ناقصاكو!

قالت حديثها في آخره ببرود. ثم قامت من أمامهم وتوجهت ناحية غرفتها. وتركتهم ينظرون بأثرها ببرود مماثل. "أنا داخلة أوضتي، أصل بصراحة يا أبو علي مش طايقة الريحة. يا خي دا انت لو كنت اتجوزت نيروز بقا كانت هتيقك إزاي بس بالقرف ده!

قالت حديثها باستفزاز. هي تعلم أنها ضغطت على جرح الآخر. تعلم أنها استثارت غضبه الآن، خاصة بالحوار الخاص بتلك نيروز. لكنه فاجأها برده البارد عليها. وكأنها ليست قائلة حديثاً كفيلاً بموتها تحت يده الآن. لكن هيهات لتلك المواد المخدرة! تغير من طباع الإنسان وتجعله شخصاً آخر غير الذي كان عليه. تجعله يثار غضبه عند نقطة معينة، ولكنه لم يحن موعد انفجاره حتى الآن!

"متقلقيش يا فريدة، هاجبهالك هنا في أقرب فرصة وهتعرفي بتموت في ريحتي إزاي! وخدي بالك، أنا مستني منك حاجة قد كده قد النملة، عشان ساعتها مش هعرف أنا هعمل فيكي إيه. يلا، خدتي من وقتي كتير. وعلفكرة يا فريدة، أنا بكرهك من زمان أوي عشان تبقي واعية بس." قال آخر حديثه وهو يشير لها بيده. ثم تركها ودلف إلى غرفته ببرود هادئ يتنافى مع حديثها له منذ قليل.

تركها واقفة مستغربة من ردة فعله هو. لكن لم تظهر له ذلك. بل دبدبت بقدميها في الأرض بغيظ لتفوقه عليها في الحديث. هي تعتبر أنها بمنافسة معه! بالحديث. توجهت إلى غرفتها هي الأخرى. وهي غير رابحة. وبغيظ مكتوم منه. دخلت "جميلة" منزلها بعدما كانت في الشقة المجاورة لـ "نيروز". دلفت هي إلى الداخل فوجدت والدتها تخرج من غرفة شقيقها الآخر. نظرت هي إليها. ثم توجهت مردفة بهدوء: "مساء الخير يا ماما. هو بابا هنا؟

ابتسمت لها الأخرى ابتسامة صغيرة. وهي تردف قائلة: "لا، نام يا حبيبتي. خير، في حاجة؟ "لا عادي. بس نيروز كانت بتسأل عليه، هبقى أبعتلها ماسدج بقا. قولولي، هو حازم فين مش ظاهر يعني، وياسمين المفروض إنها جت معاه؟ أجابتها "عايدة" قائلة: "أخوكي دخل ينام. جه من برا من شوية." أومأت لها "جميلة" وهي تهز رأسها بالإيجاب. "ماشي. أنا هدخل أذاكر. ادعيلي يا عايدة بقا." ابتسمت لها والدتها باتساع قائلة:

"ربنا يوفقك يا بنتي يارب وينجحك. وتبقي أشطر دكتورة بإذن الله." ابتسمت هي لوالدتها بسمة صغيرة. بالطبع ليس هذا الدعاء ما كانت تريده هي من قبل ذلك! سارت هي متجهة إلى طريق غرفتها. تفكر ماذا لو كان ما تعيشه حلماً!

« أتعجب من نفسي. من تفاوت قدرة قلبي على التحمل. في بعض الأحيان أبدو قوياً. لا يقهرني شيء. أو حتى يتهمني بعض من حولي بالشدة التي تصل للقسوة. وفي أحيان أخرى تهزمني لمحة خذلان عابرة. تؤلمني وتزعزع ثقتي بنفسي. تكاد تعصف بي!

أتأرجح بين شدة القوة وشدة الضعف. كأن بداخلي شخصين. أحدهما لا يبالي بأفعال البشر واثقاً بنفسه. وآخر تهزمه كلمة قاسية في موقف عابر أو سند انتظره ولم يجده. بداخلي اثنان يتنازعان. وبينهما أتمزق أنا في المنتصف.»

مرت نصف ساعة تقريباً. وهي تقف في شرفتها بمفردها. تستنشق بعض الهواء تارة. وتسقي الزرع بجانبها تارة. زرع والدها الراحل الذي كان يهتم به وهي معه. فـرت منها دمعة عابرة من عينيها. سقطت على خديها بصمت. صمت كاسر. صمت مؤذي يؤذي صاحبه. أمسكت كوبها. ثم ارتشفت منه بخواء. ومازال يوجد بأيديها. لا تعي ما تفعله هي الآن. شارده في كم ذكريات السند الراحل بالنسبة لها. دلفت شقيقتها الشرفة بهدوء من خلفها. انتبهت هي لذلك. التفتت لها. ثم ارتسمت على وجهها بسمة صغيرة.

وهي تردف للأخرى بتساؤل: "إيه يا ياسمين، منمتيش ليه؟ تعبانة؟ تحركت شقيقتها إليها. ثم وقفت بجانبها. أصبحت وجهها بوجه الأخرى بعدما جلسا الاثنتين أمام بعضهما على الأريكة الصغيرة بالشرفة. ابتسمت هي لها. ثم أردفت بهدوء: "مجاليش نوم. واقفة وسرحانة. انت في إيه؟ بتحبي؟ اعتلت ضحكات الأخرى. ثم تحدثت بين ضحكاتها: "أحب إيه بس. لا طبعاً. بس قاعدة بشم هوا عادي! من حقك تقوليلي.

نظرت لها "ياسمين" وهي تعقد حاجبيها بتساؤل، فتحدثت "نيروز" مرة أخرى مردفة: "أنتِ قلتي لي إن عمو سليم موجود عند طنط عايدة النهاردة وكنت خلاص هروح، بس نايم دلوقتي." أجابتها الأخرى بهدوء مماثل: "هيصحى، مش هيفضل نايم على طول، متقلقيش يعني. ولو صحي هروح له وهاخدك معايا." أومأت لها "نيروز" بالموافقة. نظرت لها شقيقتها بحنان ثم أردفت بثقة:

"شوفتي أنتِ دخلتيني في إيه وإيه، بس برضه متوهتش عن الموضوع الأساسي. متوهتش عن عينيكِ الدمعة اللي أنا شايفاها برغم الإضاءة الضعيفة." ارتبكت هي بنسبة قليلة ثم أردفت بهدوء تحاول الثبات: "لا عادي، مفيش حاجة." "أصدقك؟ نظرت لها "نيروز" بتردد ثم نهضت من مكانها والتفتت إلى جهة السور قائلة بتيهان للأخرى: "ياسمين!!!

تمتمت الأخرى لها كعلامة للدلالة على تكملة حديثها. حديث هي تعلم أنه سينبع من قلبها، لطالما تفوهت باسم الأخرى بشرود وهي تقف شارده بمكانها المفضل. "هو... هو أنا ضعيفة؟ يعني أنا مش قوية كفاية إني آخد قرار من غير موافقة شخص غيري زي عمك مثلاً، اللي أنا عارفة إنه احتمال كبير جداً ميوافقش أصلاً إني أنزل اشتغل."

ابتسمت لها "ياسمين" بسمة ثقة. هي الآن تعلم أن شقيقتها تريد أن ترى بعد الأمان والثقة لها، حتى لا ترجع في قرار قد أخذته هي. "أنتِ عارفة إنك جميلة قوي من جوه ومش ضعيفة. طب عارفة إنك محترمة؟ وهي اسمها محترمة. وجود عمك مش ضعف، وعاملة حساب لحاجات كتير قوي بعيد عن الضعف. متقوليش إنك ضعيفة دي أبداً، وأنا موجودة معاكي وفـ ضهرك، ماشي." أومأت هي بابتسامة لها ثم أردفت قائلة حديث ينبع من أعماقها:

"بابا مغلطش لما كان بيقول لكِ دايماً إنكِ الولد اللي كان نفسه يخلفه. مغلطش لما قال لكِ إنكِ اللي هتبقي السند من بعده لينا." ابتسمت لها الأخرى ابتسامة صغيرة دون أن تتفوه بأي حرف. فتنهدت "نيروز" ثم أخذت أنفاسها وهي تقول: "بس تفتكري لو كان بابا موجود، كنا هنبقى كده؟ يعني عمك مكتفنا بتحكماته؟ أو خلينا نقول مكتفني أنا بالذات عشان أنا وماما رفضنا حسن يتجوزني. يعني لو كان وسطنا، كان هيوافق على حسن؟

وكان هيوافق إني أنزل اشتغل؟ قالت آخر حديثها بلهفة، كمن ينتظر ليأخذ طلب الموافقة من والدته لتناول الحلوى. ابتسمت لها هي ثم تنهدت قائلة من بين ابتسامتها العريضة: "أولاً، ده عمره. يعني خلينا نقول مفيش حاجة اسمها لو كان عايش. بس أنا هقول لك، لو كان فعلاً معانا، مكنش هيرفض ليكِ حاجة أنتِ حباها وعايزاها. كان هيرفض في حالة واحدة بس، إلا إذا كانت فيها أذى ليكي. أما بقى بالنسبة لموضوع حسن، فبذمتك، حد يوافق على المتخلف ده؟

اعتلت ضحكاتها على حديث شقيقتها، خاصة أنها كانت تقول آخر حديثها بمرح ممزوج بالسخرية. انتهت هي من ضحكاتها ثم تنهدت قائلة بتفكير: "عندك حق. بس ساعات بفكر يعني، لو كان معانا ومكنش هيعرف يرفض طلب لعمو سليم، كنت هتجوز غصب؟ "محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ مش عاوزاها. وماما كانت عارفة كويس إنه لا بتاع جواز ولا مسؤولية، ولا كان هيحافظ عليكِ."

قالت "ياسمين" حديثها وهي تحتضن الأخرى بنظراتها، وكأنها تحميها من قساوة العالم الخارجي بنظرات عينيها الحنونة. استشعرت "نيروز" نظرات شقيقتها الواثقة التي شجعتها على إكمال حديثها دون خوف. "بس أنا بخاف. بخاف لحد دلوقتي أتقابل أنا وهو في مكان واحد. ساعات بتوتر أول ما بشوفه. بخاف من نظراته الغير مريحة دي. بخاف نفضل أنا وهو في مكان واحد في أي بيت من بيوت عمك." أجابتها "ياسمين" بنبرة مليئة بالثبات:

"بصي، أنا مش عاوزاكي تخافي وأنا معاكي. عاوزاكي كده تقفي في وش أتخن تخين زي الأسد يا بت." قالت آخر حديثها بمرح، حتى اعتلت ضحكات الأخرى. فتحدث "ياسمين" مردفة مرة أخرى: "أنتِ متستغربيش أصلاً. الخوف ده شيء أساسي للكائنات اللي زي دي. يعني مثلاً، البطن اللي شالت أبونا مش نفس البطن اللي شالت عمك. ودي تربية زينات، يعني بطن غير بطن عايدة يا حبيبتي." ابتسمت "نيروز" ثم تحدثت بخبث قائلة: "طب وتربية عايدة؟

"لأا، كله إلا تربية عايدة. دي تربية سكر وقمر وعسل وجمال وحاجات حلوة كتير كده." نظرت لها هي ثم عدة ثوانٍ، وانفجر كلاهن على هذا الحوار الواثق النابع منها. ضحكات عالية، نقية، نظيفة، آمنة، خالية من النفوس الخبيثة. تحدثت "ياسمين" مردفة بعدما توقفت أخيراً من ضحكاتها: "ما تيجي نطلع نقعد مع ماما في الصالة. لسه بدري شوية على ميعاد النوم. وحازم نايم بدري أوي وأنا زهقانه بصراحة وفاضيالكم بقى."

أومأت لها شقيقتها بالموافقة وهي تبتسم على حديث الأخرى. تزامن مع تحركهما من خارج الشرفة بأكملها متجهتين إلى حيث تجلس والدتهم. شيء ما يدفعني للبكاء، لكني أشفق على وسادة لم تعد تحتمل الدموع. لكنه كان شيئاً ثميناً، غالياً بالنسبة لي، شيئاً يجعلني لن أكف بكاءً على حاله. شيئاً يستنزف طاقتي ببطء. بكاء وحيد، صامت، كاسر، مؤذي، يتآكل كل شبر بداخلي.

كانت شهقات بكائها عالية مسموعة. تبكي من فرط تحملها لكل ذلك. تبكي قهراً على حال والدتها التي تسوء ولم تستطع أن تفعل لها شيئاً. حالتها أشبه بحالة الجالس مكانه على فراشه، لا يستطيع التحرك من الجاثوم. جاثوم عدو للحركة. فقط تستطيع أن تأخذ أنفاسها بصعوبة، هذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تفعله، ولكن يؤخذ بالنهاية بصعوبة.

جالسة على فراشها وصوت بكاؤها هو التردد الوحيد بينها وبين عقلها. تريد أن تنهض هي لترى مستقبلها الذي أهملت هي به. وصوت آخر يحثها على عدم القدرة والاستطاعة. يهيئ لها بأنها غير قادرة نفسياً على تلك الخطوة.

سمعت عدة دقات خافتة على باب غرفتها. هممت هي بصوت ضعيف لتأذن للطارق بالدخول. فتح شقيقها باب غرفتها ثم توجه ناحيتها وجلس بجانبها على الفراش. نظرت له هي عدة ثوانٍ بعينيها الحمراء من فرط البكاء. تجمعت الدموع بمقلتيها من جديد حتى أصبحت لا تقوى على الرؤية. بادلها هو بنظراته المشفقـة. بادلها بنظراته الحزينة المنكسرة. نظرات قليلة الحيلة. نظرات تقسم للأخرى بأنه يفعل ما بمقدوره هو. تجمعت الدموع بمقلتيه لكنه أبى أن تسقط أمام نظراتها الضعيفة تلك. رفض أن يبادلها الضعف بالضعف. رفع ذراعيه على كتفيها ثم ضمها بقوة فجأة بأحضانه. هنا، سمح لدموع عينيه بالسقوط. سمح بسقوط ثباته الزائف وهي بأحضانه.

بكت هي بأصوات مسموعة عالية. تمنت لو أن باستطاعتها الصراخ عالياً لتفرغ ما بها. همت بعده كلمات غير مفهومة من بين شهقاتها. أخذ يهدهدها هو، وهو يربت على ظهرها ودموعه تسقط على شعر الأخرى، حتى أصبحت خصلاتها كمن خارجة من دورق مليء بالماء الساخن للتو.

أصبحا على هذا الحال. مرت الدقائق عليهم، لم يعلما هم كم من الوقت ظلا هكذا. مسح هو وجهه من آثار دموعه المتبقية. ثم أخرجها من أحضانه بهدوء ورفع ذراعيه ممسكاً بمقدمة رأسها يقبلها. تحدثت هي أخيراً بعدما هدأت. تحدثت قائلة من بين شهقاتها التي أصبحت ضعيفة: "أنا خايفة أوي يا عز. أنا... أنا مبقتش قادرة أشوفها بتتعذب كده." "دي شعرها معتش فيه زي الأول! ابتسم لها بانكسار وهو يردف محاولا الثبات أمام أعينها:

"أنا واثق إنها هتبقى كويسة وهتعمل العملية وهتخرج وهتبقى تمام. أنا عارف إن صعب الوقت اللي إحنا فيه ده، حاجة عاملة زي محدش هيحس بكده غير اللي جرب. وجعها ده هتاخد عليه أجر كبير أوي وثواب. وإحنا أهو جنبها طول ما هي شايفانا كويسين وحلوين ممكن حالتها تتحسن. ومتنسيش إن حالتها النفسية مهمة. أنا عاوزك قوية عشان خاطري، عاوزك ميأثرش فيكي حاجة. اتفقنا؟ هزت "فرح" رأسها بضعف بالإيجاب فخرج منها صوتها الضعيف وهي تقول:

"اتفقنا، بس أنا مش قادرة مش قادرة أعمل حاجة. أنا بتماسك قدامها بالعافية حاسة إني بعيدة ومش عارفة أعمل إيه. قلبي مش مرتاح، أعصابي مش مساعداني إني أعمل حاجة! لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه متحدثا بيقين: "دي ليها حل، كل حاجة وليها حل صدقيني. قومي صلي واتكلمي مع ربنا. ادعيه يشفيها ويقويها، ادعيه يصبرنا ويقوينا، ادعيه يقويكي ويجعلك قادرة، ادعيه يوفقك. ادعيه يدب فيكي الأمل والشغف عشان تقدري تذاكري وتنجحي.

ربنا بيقول: 'وإذا سألَك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون'." "مفيش أحن من ربنا علينا. وجه وقتك، جه وقت إنك تنتظمي بقى في صلاتك اللي أنتِ مش منتظمة فيها. بقول إنك كبيرة كفاية ومحدش يقولك كل شوية صلي ومتصليش، لكن ده فرض. ارجعي لربنا عشان يريح قلبك وقلوبنا كلنا. ربنا الأقرب ليكي دايما، أقرب ليكي من نفسك. ربنا بيقول يا فرح: 'ونحن أقرب إليه من حبل الوريد'."

"قريب جدا ليكِ. ودي حكمة، حكمة ربنا الجميلة. فكل شيء، خلاني أسمع صوتك وأنتِ بتنهاري. ربنا خلاكِ تنهاري ومبقتيش قادرة عشان ترجعي ليـه يا فرح. قربي منه، قربي من ربنا عشان ترتاحي. اتوسليه وادعيه واشكيله. ممكن الدعوة تستجاب منك عني ويشفيها ومتحتاجش لعمليات. اشكيله من كل اللي تاعب قلبك. الشكوى لغير الله مذلة يا فرح."

كانت تستمع إلى حديثه وهي تبكي بصمت تارة وتبتسم تارة. أنهى هو حديثه فابتسمت له هي بسمة هادئة ثم نهضت بعدما نهض هو. وقف أمامها ثم ربط على ذراعيها بانكسار وتوجه إلى خارج الغرفة. توجهت هي خلفه بلهفة متوجهة إلى طريقة المرحاض لتتوضأ وتبدأ في أول خطوات قربها من الخالق لعله يسكن ذلك القلب المتهالك! ولكن بالقرب منه يسكنه سكينة مليئة بالراحة ولن نحتاج بعدها شيئ!!

_على الجانب الآخر كان يجلسون جميعهم على الأريكة بإنهاك واضح بعدما أنهوا تنظيم بعض الأشياء بمنزلهم. ظهر على "دلال" الإنهاك والتعب وهي تردف قائلة: "هانت، الشقة تخلص كده على بعد بكرة إن شاء الله ولا حاجة." إعتدل "حامد" في جلسته ثم رفع يديه وهو يربت على ظهرها بهدوء قائلا: "كتر خيرك يا دلال، الواحد تعب. أومال لو أنتِ بقى الله يعينك." ابتسمت له باتساع وهي تنظر له قائلة: "ولا يهمك يا حبيبي، أيام وتعدي يا خويـا."

ابتسم "حامد" قائلا بمرح: "إيه؟ قولي أخويا كده تاني دي والله طالعة منك زي العسل.." قاطعه "غسان" كالعادة قائلا: "إيه؟ أنت مكمل؟ يعني ناوي تكمل وبتحلف كمان؟ دي بتقول يا خويا إيه اللي فيها يعني. طب علق حتى على يا (حبيبي) مقنعة أكتر!! نظر له "والده" بحنق تزامنا مع ضحكات الآخرين جميعهم: "أنت مالك يا أخي؟ مراتي بتتدخل ليه." ابتسم هو لوالده باستفزاز فتحدث شقيقه الآخر "بسام" مردفا من بين ضحكاته:

"حقك يا حج بس راعي الجفاف اللي عندنا بقى، وكمان معانا أطفال." قالها باستفزاز ليثير حنق الآخر فتحدثت "والدته" قائلة بابتسامة: "ربنا يرزقكم يا حبايبي ببنت الحلال يارب." "أنا مش طفلة، أنا كمان كام أسبوع وهبقى ١٩ سنة على فكرة." قالت "وسام" حديثها بضجر فتحدث "بسام" قائلا بسخرية: "يــاه كبيرة فعلا! نظرت له بحنق فتحدث "والدها" قائلا بفخر: "حبيبة أبوها كبيرة وعاقلة وراسية مش زي ناس." تحدثت "دلال" قائلة بتعالي:

"هو في زي ولادك ولا تربيتهم يا خويا." أجابها بمرح قائلا: "الصراحة لأ، أنتِ هتقوليلي؟ نظرت له تستشف كلماته إن كانت ساخرة منها أم لا فتحدث هي أخيرا وهي تنهض: "طب أنا راحة المطبخ وجايه وسعولي بقا."

تحركت هي إلى طريقة مطبخها ومن بعدها انسحب كل من "بسام" و"وسام" منصرفين بعدما استأذنت للدلوف إلى غرفتها لتنظيم كتبها الدراسية خاصة أنها ستبدأ دروسها بداية من الغد. حينها رد عليها "غسان" بأنه سيوصلها إلى حيث مكان السنتر الخاص بدروسها!! نظر "حامد" إلى الآخر مردفا باستفزاز: "إيه أنت كمان؟ مش ناوي تقوم؟ أجابه "غسان" وهو يبتسم بخبث: "لأ ازاي! ودي تيجي؟ أنا قاعد أسمع شعر الحج للحجة." نظر له "والده" ثم أردف قائلا بتعالي:

"لا طرقنا من هنا... ولا أقولك! خليك واتعلم." نظر له "غسان" وهو يردف قائلا: "يبقى أنت مش عارفني بقا يا حامد. بس ومالو، مُعلم ومنك نتعلم." اعتلت ضحكات والده وهو يمد يديه يربط على ذراع الآخر بحب تزامنا مع خروج "دلال" من المطبخ متجهة لهم وهي تحمل عدة أطباق وصينية متوسطة الحجم قليلا. فتحدثت قائلة وهي توجه أنظارها لوالدها: "قوم يا بني ودي الحاجات دي لـ "سمية" واشكرها كده على ما أقابلها بكرة." "لازم يعني!!

أجابته هي حينما سألها هو: "أيوه طبعًا. أومال الحاجة تبات وتتأخر عندنا ميصحش." لوي شفتيه ثم تحدث بسخرية: "ليه حالفين عليها ماتبات برا بيتها!! " تنهد هو ثم أردف قائلا مرة أخرى: "طيب هاتيهم." ابتسمت له باتساع وهي تقدم له الأشياء ليحملها الآخر بانتظام وترتيب!! _كان يجلس ثلاثتهم على الأريكة بجانب بعضهم فأردفت "والدتهم" من بين حديثهم قائلة: "أومال جميلة مجتش ليه؟ أجابتها "نيروز" قائلة بهدوء:

"بتقول هتذاكر ولو فضت بعدها هتيجي." تحدثت "ياسمين" بإشفاق: "ربنا يعينها على طب دي. الواحد لما بيعمل حاجة غصب عنه مبيبقاش طايق نفسه مابالكم بحاجة ليها علاقة بالمستقبل! ردت عليها "سمية" بقناعة: "ده نصيب يا حبيبتي. وبعدين حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب." أومآ لها الاثنتين بتأييد حتى سمعا صوت دقات الباب الخافتة ورنة جرس المنزل. تحدثت "نيروز" قائلة باقتراح: "لتكون جميلة!! خليكم أنا هروح أفتح أنا."

نهضت هي من على الأريكة ثم توجهت عدة خطوات ناحية باب شقتها حتى فتحت الباب. ظهر هو أمامها وهو يقول: "مساء الخير. خدي الحاجات دي وقولي لمامتك شكرا على تعبها." قال حديثه وهو يمد يده لها بالأشياء لتحملها. هي استوعبت الأمر ثم اتجهت بجانب الباب سريعًا. ثم وضعت على رأسها الحجاب بارتباك وعادت لتحمل منه الأشياء. نظرت هي أرضًا وهي تحمل من بين يديه الأشياء قائلة بخفوت: "لا شكر على واجب." عقد ما بين حاجبيه قائلاً:

"إيه ده أنتِ بتتكلمي؟ طب ممكن تعلي صوتك مش سامع قولتي إيه بصراحة! رفعت رأسها تتطالعه ثم تحدثت قائلة بارتباك: "لا شكر على واجب." تحدثت والدتها من على بعد قائلة: "مين يا نيروز وواقفه لسه ليه عندك؟ التفتت هي تجيب والدتها قائلة بتوتر: "ده... دا... قاطعها هو قائلاً وهو ينظر لها متحدثًا بخفوت: "قولي لها غسان لو مش عارفة أنا مين فيهم." قال حديثه لها بخفوت ثم قام بتعليّة رتم صوته يجيب والدتها قائلاً: "ده أنا غسان."

نهضت سميّة من على الأريكة سريعًا متوجهة إليه مردفة: "اتفضل يا بني، ميصحش تقف على الباب كده." وزّع نظراته بينها وبين الأخرى ثم تحدث قائلاً بشكر: "شكرًا، كنت جاي أديك الحاجة بتاعت الغدا وتسلم إيدك على تعبك." ردت عليه هي وهي تنظر له: "ولا تعب ولا حاجة تعبكم راحة يا حبيبي." أومأ لها بابتسامة مكلفة ثم تحدث قائلاً بهدوء: "عن إذنك." قالها وهو يتحرك من أمامهم متجهًا إلى الناحية الأخرى حيث شقته هو.

أغلقت الأخرى باب منزلها ثم توجهت إلى الداخل في المطبخ لتضع الأشياء. ثم خرجت مجددًا لهم وجلسا هم بجانب بعضهم من جديد. فتحدثت ياسمين قائلة بمرح: "ودول نفرق بينهم إزاي؟! أجابتها الأخرى بتأييد لحديثها: "فعلاً، شبه بعض، أنا مكنتش عارفة أقول مين واتحرجت أوي." تحدثت والدتها موجهة أنظارها لـ نيروز: "والله يا عين أمك لو عارفة مين بالظبط ما كنتي قولتي، انتِ بتتكسفي من خيالك مش زي ناس."

ابتسمت لها نيروز بهدوء وهي تهز رأسها بالإيجاب تؤيد حديث الأخرى. فتحدثت سميّة من جديد قائلة: "قومي يا ياسمين هاتي لي كوباية ميه والعلاج." أومأت لها الأخرى بالموافقة مبتسمة وهي تنهض من جانبهم تحت أنظارهم. *** جلسا هما معًا بصالة المنزل بعدما انتظرت هي زوجها يأتي من الخارج. كان يجلس بجانبها وهما يشاهدان صغيرهم يجلس أمامهم وهو يلعب بالألعاب الصغيرة الخاصة به. تحدثت ورده بابتسامة قائلة بحنان:

"الحمد لله طالما فاق ولعب بالألعاب كده ومسهرني جنبه يبقى بقا تمام." نظر لها بدر نظرات حانية ثم تنهد يأخذ أنفاسه وهو يقول: "قولت لك إن شاء الله هيبقى كويس، كل الأطفال بتتعب كده يا حبيبتي."

"أيوه الحمد لله، بس غصب عني مببقاش قادرة أستحمل أشوفه بيتألم ويتوجع وأنا مش عارفة أعمله حاجة. عندي هوس من فكرة إنه يروح مني ويسيبني، أنا بحبه أوي. أنا أم لازم أقلق كل القلق ده. عارف الأمومة دي صعبة أوي. كنت بستغرب إزاي ماما بتقلق علينا كل القلق ده أنا وإخواتي وكانت بتخاف أوي ودايمًا مكتفانا حواليها. لما حد كان بيتعب كانت بتبقى شايلة الهم وتقِل كبير وتبقى ملبوخة في إنها تكشف وتتطبخ أكل صحي وتنظم العلاج وتعمل حاجات

سخنة وتروح كشف إعادة. وواحدة تتعب وتروق والتانية كانت تستلم. أمي دي يتعمل لها تمثال، ست عظيمة بجد برغم إن بابا كان بيساعدها وحنين أوي معانا وعليها لكن هي بردو شالت واستحملت كتير. أنا بحبها أوي وخايفة عليها بردو نفس الخوف اللي كان عليا يا بدر. خصوصًا إنها تعبانة في قلبها، ودايمًا بقلق عليها ومبرضاش أقولها حاجة تزعلها أو أخليها تشيل الهم بمجرد إن عندي حاجة صعبة أنا مش مستحملاها."

طالعها بسِهام عينيه، كان ينصت لها باهتمام يدرك كل حرف تتفوه هي به. تنهد ثم أخذ أنفاسه قائلاً:

"إن شاء الله هتبقى كويسة. الأم دي حاجة عظيمة في حياة أي إنسان. يعني أنا لما أمي راحت حسيت إن الحاجة اللي المفروض عايش عشان أخدمها راحت. وكان قبلها أبويا كان ميت وهي اللي شالت واستحملت. وقبل ما تمشي وصتني على آدم. أقنعته كتير يجي هنا معايا مرضاش. بقيت ببعت له فلوس يعيش بيها وأنزل له من فترة للتانية. بس بردو آدم بعيد عني وضايع وفي سكة غير اللي المفروض عاوزه يكون فيها. بس أنا بذلت كل جهدي عشان يطلع كويس لكن هو مصر. عايش

بس على الفلوس اللي ببعتها له. مبيكلمنيش إلا كل فين وفين. بقينا بعاد عن بعض جدًا. الأم لما تموت غالبًا الأولاد بيتفرقوا لكن لما بتبقى موجودة بنبقى متجمعين على حسها وصوتها في الدنيا. بس أنا فشلت في آدم. جوايا صوت بيقولي إني كنت أناني ناحيته برغم إني عملت كل اللي بوسعي أعمله عشان يبقى بني آدم كويس وماشي مظبوط!!

نظرت له والدموع تتجمع في مقلتيها. رفعت ذراعيها تحاوطه بداخل أحضانها قائلة بثبات زائف، حتى تبث بعض الأمان للآخر: "مسيره هيفوق ويرجع للصح. ادعي له يا بدر ادعي له دايمًا." ربّتت على كتفيه بحنان حتى لاحظهما يامن. ثم اتجه إليهم وصعد على قدم والدته ثم رفع يديه الصغيرتين يربّت على صدر والده بحنان بالغ وهو يقول بنبرته الطفولية: "متـزعـلـش يا بـدي."

ومع خروج حروف اسم والده بطريقة خاطئة وطفولية ابتسم والده له، واعتلت ضحكات والدته. فجذبه والده على قدميه ثم انحنى ووضع قبلة على خديه الممتلئ قليلاً وهو يدغدغه والآخر يضحك بصوت عالٍ بمرح، والأخرى تبتسم باتساع. فتحدث بدر قائلاً من بين دغدغته لصغيره الضاحك: "قولت كام مرة، ده حبيـب بـابـاه!! قالها هو بطريقة مرحة وهو يشاكس صغيره والأخرى تشاركهم بابتسامتها الواسعة الحنونة.

بنظرات تترجى بها الخالق بأن يديم عليها تلك العائلة الصغيرة!! *** كانت تجلس بغرفتها تتحدث بخفوت في هاتفها الممسكة به بين يديها. "أيوا يا شريف كنت فين كل ده برن عليك مش بترد! جاءها صوته وهو يجيبها قائلاً: "معلش يا حبيبتي كنت في مشوار كده، وبعدين أنا قللت اتصالاتي بيك بعد اللي حصل في المطعم والرسالة اللي بعتيهالي أمشي عشان أخوك شافك." "أيوه فعلاً شافني بس مخدش باله من حاجة العقربة خطيبته هي اللي شافتك يا شريف."

"شافتني إزاي! ودي مش هتقول لأخوكي ولا إيه؟ "لا معتقدتش هي عاوزة تمسك عليا حاجة تتضغط عليا بيها فأي وقت، سيبك منها دلوقتي، قولي بقا أنا موحشتكش؟ "طبعًا وحشتيني، مفكرتيش في الموضوع اللي قولته لك عليه؟ "يا شريف أنت مبتنساش بجد؟ بس أوعدك هفكر، بس أنا خايفة أنا مقدرش أعمل كده ومحتاجة فرصة بس شوية." "تمام، براحتك. هقفل أنا بقا عشان صحابي بيرنوا عليا عشان أروح لهم." "ماشي يا حبيبي، باي."

أغلق هو الخط بعد حديثها ثم اتجهت هي إلى الدولاب تخرج منه ملابسها لتتجه إلى المرحاض من بعدها وهي شاردة بحديثه معها منذ قليل. ليس على بالها بأنها قد خانت تلك الثقة الموضوعة بينها وبين عائلتها. وقبل كل ذلك ثقتها بنفسها وعلاقتها بربها. بأنها تفعل شيئًا محرمًا لها!!

مرت الساعات عليها وهي تجلس على مكتبها تفرك عينيها بإجهاد وتعب. دقت والدتها عليها الباب ثم دلفت بهدوء وبيديها بعض الشطائر وكوب من المشروب الساخن. ابتسمت لها "جميلة" وهي تتحدث قائلة: "مساء الخير يا ماما. إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي؟ وضعت "عايدة" الصينية التي بيديها على المكتب أمام الأخرى وهي تردف بهدوء: "ما جاليش نوم يا حبيبتي. المهم كُلي دول كده، انتِ ما أكلتيش حاجة من بدري." ابتسمت الأخرى بحب لها وهي تقول:

"ماشي يا عايدة. ده كُله من حنانك اللي مافيش منه ده." قالت آخر حديثها بمرح، مما جعل ضحكات الأخرى ترتفع على حديثها. فتحدثت هي من بين ضحكاتها قائلة: "الله يصلح حالك يا بنتي. كُلي بقى وأنا هدخل الأوضة. عاوزة حاجة مني؟

هزت لها "جميلة" رأسها بالرفض، فابتسمت لها الأخرى بهدوء وهي تتحرك من أمامها خارج غرفة "جميلة". ابتسمت جميلة بحب في أثرها ثم أمسكت الشطائر تتناولها وهي تمسك بيديها الأخرى هاتفها لتقوم بإرسال رسالة تطمئن بها على صديقتها. *** كانت "دلال" تجلس على فراشها وهي تتدلك قدميها بإنهاك مستعدة للذهاب إلى النوم لتنعم بساعات من الراحة، حتى تكون قادرة على العمل مجدداً في شقتها في الغد. نظر لها "حامد" بإشفاق:

"كتر خيرك يا دلال. نامي وارتاحي. هبطي النهاردة." أومأت له مبتسمة ثم تسطحت هي على الفراش. جذب هو الغطاء عليها ثم دثرها جيداً وهو بجانبها، حتى ذهبت هي بثبات عميق. ابتسم زوجها على حالها ثم ربّت على كتفها بحنان واستدار هو الآخر متسطحاً بجانبها مستعداً للخلود إلى النوم. دلف هو إلى غرفة شقيقه فوجده متسطحاً على الفراش يتفحص هاتفه بملل. فتحدث "غسان" قائلاً له بتساؤل: "انت صاحي ليه؟ انت مش نازل شغلك بكرة!

وقالولك محتاجينك ومش هتتنهني بالإجازة؟ نظر له "بسام" ثم أردف بمرح: "ده ذل ولا إيه يا غس؟ عالعموم أه نازل بس مش لازم أصحى بدري عشان الطريق الطويل. أنا بقيت قريب منها خلاص يا سطا." تحدث الآخر وهو يطالعه مردفاً بسخرية: "ياسطا! في دكتور يقول ياسطــا؟ "أه. أنا."

قالها ببساطة، فنظر له الآخر نظرة مطولة ثم خرج هو من غرفة الآخر وتركه، متوجهاً إلى غرفة شقيقته. دق هو الباب عدة دقات حتى سمحت له بالدخول. دلف هو إلى الداخل ثم جلس بجانبها وهو يطالعها. "كنت عارف إني هاجي ألاقيكِ حمرا في بعضك كده! أجابته "وسام" بابتسامة زائفة: "لا عادي مفيش حاجة." "لأ ده فيه حاجات مش حاجة! " تنهد هو ثم أكمل قائلاً بهدوء وهو يضع يديه أسفل ذقنها. "يا بت بصيلي!!

رفعت رأسها ثم نظرت له وهي تبتسم ابتسامة صغيرة. فأردف هو مجدداً:

"أنا عارف إنك متلغبطة وحاسة إنك تايهة وكمان ثانوية عامة، يعني تغير الدروس والمدرسين مش أحسن حاجة. بس أنا بقولك إن إحنا لسه فالأول ومش عاوزك تفكري في حاجة تأثر على نفسيتك. كون إنك بتفكري في المكان اللي سبتيه ومتربية فيه من صغرك وصحابك مثلاً اللي سبتيهم ده مش سهل. واسأل مجرب وأنا بقا مجرب. بس انتِ هتتأقلمي وهتتكيفي على المكان والناس، ومع الوقت هتعرفي إن هنا أفضل من هناك كمان! تحدثت هي قائلة بنبرة متحشرجة قليلاً:

"مش زعلانة على قد ما أنا حاسة بغربة برغم إنكم معايا. يعني مكان غريب وجو غريب فمش متعودة، بس أنا والله لو فرحانة ففرحانة إني معاكم وإننا دايماً مع بعض! أجابها "غسان" مبتسماً:

"مش عاوزك تعلقي نفسك بحاجة من دلوقتي. سيبي الدنيا تمشي زي ما ربنا حاسبها وشوفي إيه اللي وراكي ومتديش فرصة للزعل يتمكن منك عشان تقدري تكملي من غير ما عقلك يتشغل بحاجة. وتحاولي تحطي تركيزك كله على مستقبلك، لأنه أهم حاجة دلوقتي. وتفكري بقى في اللي انتِ بتتمنيه وعاوزة توصليله. غير ده بتهيألي مفيش حاجة تفكري فيها! ابتسمت له ثم فرت منها دمعة كانت تكتمها بعينيها وهي تنصت له. فتحدثت قائلة من بين نبرتها المتحشرجة:

"أنا بحبك أوي يا غسان. مش عارفة من غيرك الدنيا هتهون عليا إزاي! ابتسم لها شقيقها قائلاً: "مينفعش تشيلي هم وأنا موجود بنفسي جنبك. عيب والله! اعتلت ضحكاتها. فتحدث هو مرة أخرى مردفاً: "يلا ارتاحي ومن بكرة تبدأي تشوفي مذاكرتك ومستقبلك بقى. خليكي زي الدكتور بسام. دحيحة. هو آه دكتور ودكتور أي كلام وشاكك فيه. بس دكتور قد الدنيا على رأي دلال." قالها وهو يقلد والدته مثلما تقولها هي. فقهقهت الأخرى على حديثه المـرّح.

فتحدثت هي قائلة بمرح: "حاضـر. هعمل زيه مع إني أدبي بس هخترق قوانين العالم وأبقى دكتورة من أدبي." "أدبي، علمي، أي حاجة مش فارقة كتير طالما عندك حلم وعاوزة تحققيه." غمز لها بمرح وهو يردف مجدداً: "أنا واثق إنك هتتدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة قد الدنيا زي ما بتحلمي. ودلال تقولك دا أنا بنتي فنانة قد الدنيا يا خويا." اعتلت ضحكاتهم معاً على الحوار الدائر بينهم. ثم تحدثت "وسام" أخيراً بحب:

"شـكراً إنك دايماً جمبي. وفأي وقت بتحس بيا من غير ما أتكلم." ابتسم لها ثم تحدث بثقة: "أنا ضهرك دايماً طول ما بيجري في عروقنا لسه نفس الدم! ابتسمت له بحنان فانحنى هو ناحيتها ثم أخذها بأحضانه بهدوء. نهض هو بعدها ثم نظر لها وهي جالسة وأردف: "يلا تصبحـي على ترويق شقـة."

ابتسمت هي له ثم ابتسمت مرة أخرى بأثره بحنان بعدما اختفى من أمامها وخرج من الغرفة بأكملها. رفعت عينيها إلى الأعلى كعلامة للدعاء إلى ربها، تشكره وتحمده على وجود مثل ذلك الأخ في حياتها ومثل تلك العائلة معها. *** كانت هي متسطحة على فراشها بغرفتها وبجانبها شقيقتها. ينظر كل منهم لسقف الغرفة بشرود. فتحدثت "ياسمين" قائلة بمرح: "لا بس أنا منورة أوضتك النهاردة. إيه رأيك بقى هنام هنا علطول جنبك لحد ما أتجوّز." تحدثت "نيروز"

بحنق من الأخرى: "بت أنا سمحتلك بس النهاردة عشان صعبتي عليا. معرفش هنام إزاي وانتِ جنبي؟ "لا مانا مش قايمة أنا لازقة زي اللبانه المارميلا الكور." نظرت لها شقيقتها ثم تحدثت مردفة بابتسامة: "مش عاوزاكي تقومي. بهزر معاكي. بس ادخلي شوية ومتضايقنيش عليا المكان." أجابتها "ياسمين" بمرح: "يا ستي. اعتبريني أمك وخدّي حنان زيادة." "ولا حنان ولا دلال. خشي يا بت شوية عشان مش عارفة أتنفس بجد." ابتعدت عنها "ياسمين" بلهفة.

"مش عارفة تتنفسي إزاي؟ مقصدش والله، أنا فاكرة إن الحالة دي معادش بتجيلك." ابتسمت لها "نيروز" بحنان قائلة: "متخافيش، أنا بس مخنوقة عادي مش حاجة كبيرة يعني! "قطعتيلي الخلف، خدي بالك الله يسامحك." اعتلت ضحكات "نيروز" ثم أردفت هي قائلة بهدوء: "قوليلي أعمل إيه في عمك ده اللي قرر ينام وما يقومش يوم ما أفتحه." "حظك بقى، بس استنيلك كمان يومين ولا حاجة." نظرت لها هي ثم أردفت بقله حيلة:

"مش عارفة يا ياسمين، بس كنت عايزة أقوله بدري عشان لسه وقت للتقديم ووقت للمقابلة الشخصية. أنا شفت الإعلان كان بيقول خلال أسبوعين، وعدى منهم أيام وخايفة يكتمل العدد." ربطت "ياسمين" على كتف الأخرى باطمئنان وهي تحدثها قائلة: "متقلقيش، أنا هحاول أعمل حاجة كده لو عمك رفض أو لأ وعى معاكي في الحوار ده." عقدت هي ما بين حاجبيها بتساؤل: "هتعملي إيه؟ "لا متاخديش في بالك، ونامي بقى عشان جالي صداع."

قالت حديثها بغموض، لم تهتم الأخرى بل حدثتها قائلة وهي تعتدل في نومتها على الفراش: "تصبحي على خير، أو تصبحي على حازومك، أيهما أقرب يعني! "الاثنين خير بالنسبالي عموما." اعتلت ضحكات الأخرى على حديث شقيقتها المعروف دائمًا، ثم سحبت الغطاء عليهن وهي تمد يديها تغلق إنارة المصباح الصغير الذي يوجد بجانب فراشها، مستعدة للنوم هي والأخرى التي بجانبها.

في أحد الأماكن الليلية كان يجلس جميعهم بجانب بعضهم يتحدثون بعدة أشياء ليس لها علاقة ببعضها. فتحدث "حسن" وهو ينفث دخان سيجارته: "أبويا مديقها عليا أوي يا جدعان! ومبقاش في إيدي فلوس زي الأول." نظر له "أدم" ثم أردف قائلاً: "أنا بقى الفلوس حاضرة، بس العيشة ملل من غير أب يزهقني في عيشتي، عم إحمد ربنا! أجابه "حسن" بتهكم: "انت مين قدك يا عم انت!

ولا قد أخوك. ألا قولي صحيح عمك جه بيته القديم من جديد، مجتش تزوره يعني ولا حاجة ولا تشوف ولاد عمك؟ "أزور مين بس! مش ناقص وجع دماغ، هم ليهم بدر حبيبهم. وبعدين أنا مبقتش أطيق ولاد عمي أساسًا، خصوصًا غسان بحس إنه قافش عليا حاجة دايمًا كده." "غسان ده نفسي في مرة أعلم عليه، طول عمره كان بيجي عليا." نظر له أدم ثم حدثه بنبرة تحذيرية:

"بلاش غسان يا حسن. ملكش دعوة بيه، البعد عنه غنيمة. ده متخشش معاه في حاجة وتكسب انت. انت أه كياد، بس متجيش فيه حاجة." أجابه "حسن" بسخرية: "مين هيشهد للعريس يا خويا؟ وبعدين أما أعرف أفرق بينهم بس الأول دلوقتي أبقى أتكلم." تحدث "شريف" مقاطعًا حديثهم: "شكلك اتسطلت يابا انت وهو!

اسمها مين هيشهد للعروسة مش العريس. وبعدين مش هنقضي الحوار كله في مشاكلكم العائلية دي. قولي يا حسن اعرف يعني إن عندك إخوات ما تقلب منهم أي حاجة يعم وعيش وخلي عندك دماغ شغالة كده! متبقاش زي خبيتهم." رد عليه "حسن" بتفكير: "والله فكرة، بس الإخوات دول مش زي أي إخوات، دول إخوات متفرقين مع بعضنا كده. مش معقول يعني يا صاحبي مش هطيق إخواتي وأروح أجيب منهم فلوس!! "ومين قالك إنك تجيب؟

انت تاخد من غير ما يجبولك هم، يصاحبي شغلها، تكسب." شرد "حسن" بحديث الآخر، أحقًا؟ يمكن أن يكون سارقًا؟ سارق لأموال أشقائه وبيته؟ أيصبح شخصًا غير آمن على نفسه وعلى أهل بيته؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...