الفصل 15 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
20
كلمة
10,926
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

هبطا السلم معًا منذ قليل، وكل منهم يبتسم ابتسامة صغيرة بتعب طفيف من ساعات العمل البسيطة. اتجها معًا حيث السيارة، وركب "غسان" أولًا، ومن ثم "نيروز". هو كان ينظر لها بين الحين والآخر نظرات مطولة دون حرج. لاحظت هي نظراته الكثيرة لها عدة مرات، خجلت تارة، وتستغرب تارة أخرى، لكنها تحاول أن تتحلى بالشجاعة والثبات.

ركبا الاثنان السيارة بعد انتهاء ساعات عملهم، ثم انطلق "غسان" بالفعل في القيادة. دقائق مرت وهي تنظر إلى الجهة الأخرى حيث النافذة، وهو يوزع أنظاره بين الطريق وبينها هي الأخرى. ولو بحث داخلها، أحبت وقتها معه. أصبحت تتحدث كثيرًا دون عوائق، بالرغم من نظراته المهتمة في كل حديث تردفه هي تخجل، ولكن بالنهاية تتخلى عن خجلها وتستمتع بالوقت فقط. لا تستطيع تحديد مشاعرها، ولكنها أحبته. هذا ما تفكر به طوال الليلة الماضية بعدما ظلت تفكر بحديثه واهتمامه وأسئلته لها بابتسامة. هي الأخرى ابتسمت دون وعي.

نظر لها أخيرًا بطرف عينيه وهو يبطئ من حركة السيارة ثم تساءل بابتسامة عبثية موقفًا من السيارة على إحدى الجوانب: "أجبلك ورد؟ انتبهت له ثم وجهت رأسها لناحينه بعدما فاقت من شرودها وهي تجيبه قائلة بحرج هاربة بأنظارها بهدوء: "ورد؟ "آه، شايفه اللي هناك دول؟ قالها وهو يشير على فتاة صغيرة ومعها ما يبدو شقيقتها ممسكان بورود كثيرة. ابتسمت "نيروز" أثرهم بتأثر وحنو. فنظر هو لها مجددًا قائلاً لها على عجالة من أمره: "تعالى ننزلهم!

إرتبكت ملامحها بخجل وهي تجيبه بتعلثم: "أيوه، بس... قاطعها وهو يخرج من السيارة، ثم لف واتجه إلى ناحية باب السيارة التي تركب بها من الناحية الأخرى، ثم فتح لها الباب قائلاً بثبات: "إنزلي! حسنًا، وضعها أمام الأمر الواقع لا مفر. هبطت من السيارة أمام أنظاره، ثم سارت بجانبه خطوات بسيطة حتى وقفا أمام الاثنين. ابتسمت لهم "نيروز" بحب، ثم وزعت أنظارها على الورد. فابتسم هو الآخر على أثر ابتسامتها قائلاً لها من بين ابتسامته:

"إختاري يلا." طالعته بصمت من بين ابتسامتها الصغيرة، ثم مدت يديها تختار إحدى الورود مرتين والتي توجد بيد الصغيرة من أمامها. ثم وجهت نظراتها له مرة أخرى بتأكيد: "إختارت دي، ودي كمان عشان تعلقها فالعربية."

ابتسم باتساع وأومأ لها بهدوء وهو يخرج من جيبه بعض الأموال يدفع لها للصغيرتين، ومن ثم ترك الباقي من الأموال لهما. ربت على كتفيهم بحنو، ثم أشار لهم بالوداع. أمام أنظارها المستمتعة بما يفعله. شعرت بحنانه الفياض عدة مرات خلال تعامله مع أكثر من شخص أمامها. نظرت له بإمتنان وهي تردف قائلة بلطف محركة أنظارها على الورود التي توجد بيديها: "شكرًا بجد."

قالتها وهي تقدم له تلك الوردة بيديها، الوردة الخاصة به. فابتسم لها باتساع وهو يأخذها منها حتى لامس يديها. ولكن تلك المرة لمسة لا تعد، كانت سريعة إلى حد ما. كان قاصدًا تلك الحركة بتبجح. أما هي فلم تنتبه كثيراً. ابتسم لها "غسان" وهو يقول بهدوء: "على إيه؟ عارف إنك بتحبي الورد أوي من زمان! "لسه فاكر الحاجات دي؟

أومأ لها يؤكد، وهو يتجه حيث الأمام إلى مكان استراحة صغير أمام البحر. حتى هي سارت معه بغير وعي. فابتسم يجيبها وهو يؤكد حديثها قائلاً بصوته الأجش: "منستش أي حاجة، حتى لون عينيك اللي مش ثابت." أشار لها بأن تجلس ثم جلس هو بجانبها. فطالعته بخجل وهو يجيبها. ثم أجابته قائلة وهي تأخذ أنفاسها متحلية بالثبات ببعض المرح: "ذاكرتك كويسة ما شاء الله." نظر لها بتشكك ثم أردف قائلاً بمرح متسائلاً يشاكسها: "إحنا هنقر بقا ولا إيه؟

ضحكت بخفة وهي تضع يديها على فمها حتى لايخرج منها صوتها. ثم تحدثت تجيبه من بين ضحكاتها التي تغلق من عينيها عندما تضحك: "مش قصدي أصل... قاطعها سريعا وهو يردف بغير وعي لها: "وضحكتك لسه حلوة كمان! فتحت فاها سريعا بمفاجأة ثم أغلقته، ودقات قلبها تتسارع بشدة. فنظرت إلى الجهة الأخرى بخجل مما أردفه مدعية أنها تنظر على البحر من أمامها. فابتسم قائلاً بثبات محاولاً تغير موقفهم الإثنان المحرج: "هتجهزوا لكتب الكتاب؟

التفتت سريعا تومأ له بحماس قائلة بلهفة طفيفة: "أيوه، المفروض إني هشتري الحاجات عشان نجهزها مع بعض، وأنا قولت لوسام إنكم تيجو برضو تساعدونا وكده ونقضي الوقت مع بعض!! هتيجي إنت وهي والدكتور بسام صح؟ "هاجي أنا ووسام أكيد إن شاء الله، بس بسام عنده شغل وبايت فالمستشفى النهارده! أومأت له "نيروز" بالايجاب وهي تبتسم. ثوان ثم إردفت تجيبه بهدوء: "ربنا يعينه! برغم إنكم توأم بس مش بشوفكم شبه بعض! زي ما وسام قالت بالظبط!

أنصت لها بإهتمام، ثم ردد يحييها بتساؤل وهو يوجه نظراته ناحية البحر: "أومال بتشوفنا آزاي؟ "مش عارفه، بس هو هادي أوي ساعات، ومش بيظهر كتير، وبيتكسف أوي مننا كده، لكن إنت يعنى قريب شوية، وبشوفك بصراحة هادي بس مش هادي بردو يعنى ساعات رد فعلك مش متوقع خالص يا غسان! حسنًا، اسمه منها شيئًا آخر. تجاهل سريعًا شعوره ثم شهق شهقة زائفة وهو يشير على نفسه قائلاً بلوم وبراءة زائفة رغم عدم اهتزاز ثباته: "أنا؟

دا أنا غلبان أوي، حرام عليك! ضحكت هي بخفة وهي تردد قائلة بسخرية منه: "آه، بأمارة ضربك لحسن!! ضحك "غسان" عالياً وهو يحرك رأسه مجيباً إياها بثقة بالغة من حديثه: "أبو على!! ده أنا كنت براضيه بس! "كده بتراضيه؟! أكد بجدية زائفة وهو ينظر لها، قائلاً بثبات: "آه، ما لو لقيت نفسك مش عارفه ترضي جميع الأطراف زعليهم كلهم وريح تستريح! ضحكت "نيروز" له ثم أومأت بمرح قائلة لتجيبه علي حديثه: "يا حكمك!! بس فكرة والله."

قالتها بطريقة مرحة، فضحك هو على ضحكتها التي وأخيراً، دعنا نقول سلبت قلبه. لاحظت نظراته لها المتمعنة. فنظرت له رامشة بأهدابها بهدوء، ومن ثم حركت رأسها ببطء على الوردة التي توجد بيديها وأخيراً تنهدت وهي تحرك أنظارها للبحر من أمامها. أما هو فلأول مرة يشعر بتلك الراحة، راحة لم تأتي لنا كثيراً. تأتي فقط عندما نجلس مع من نحب. تأتي عندما يجلس القلبان بجانب بعضهما ليتلاقا قبل تلاقي الأرواح.

إقترب منها على فجأة جزعه يميل ناحيتها قليلاً. إنتفضت هي بسرعة بعدما كانت شارده ثم تزحزحت بعيداً عنه قليلاً بخوف. أما هو فرفع ذراعه الطويل ينتشل تلك الورقة الساقطة من الشجر على حجابها على أعلى رأسها. ثم رفعها أمام أنظارها بلؤم وهو يبتسم بعبث قائلاً لها: "كنت بجيب دي، دماغك راحت فين بس!! احمرت وجنتاها سريعاً وهي تعتدل بجلستها، تحاول أخذ أنفاسها ثم ردت قائلة بتعلثم: "لا، مـ مفيش عادي! ضحك عالياً وهو ينهض ليقف قائلاً

لها من بين ضحكاته: "إنت كده عادي يعني؟ ضحكت بخفة وهي تومئ له هاربة بنظراتها لمكان آخر غير عينيه. فنظر هو لها قائلاً مرة أخرى: "تعالى نشرب حاجة، بتحبي تشربي إيه؟ نهضت تقف بجانبه ثم ابتسمت قائلة بحماس طفيف: "ممكن أجرب الليمون بالنعناع بتاعك؟ "حبيتيه؟ "آه، جربته بعد ما دوقتهولي في العربية، أوله مكانش لطيف، بس بعد كده حلو أوي على فكرة. هو ده أكتر مشروب بتحبه ولا إيه؟

نظر لها "غسان" بعمق عينيها التي أصبحت لونها أفتح من أشعة الشمس المتعامدة عليها، ثم تنهد قائلاً بحب متمسكاً بثباته أمامها: "أوي، بحبه أوي وربنا! تنحنتحت هي سريعاً، ثم تحركت من قبله عدة خطوات. فالتفت هو بهدوء ثم لاحقها وهو يسير بجانبها قائلاً باقتراحه: "هنشربه ونعدي نجيب حاجات كتب الكتاب ونروح بقى."

التفتت برأسها تنظر وهي تومئ بالإيجاب، ولم تتخل عن ابتسامتها المرسومة على وجهها دائماً، دائماً تبتسم بسمة صغيرة بوجهها البشوش، حتى وإن لم تكن جميلة حد الجمال الشديد، وإن لم تكن بيضاء بشدة، فهي جميلة دائماً ببساطتها وهذا ما جذبه مرة أخرى لها. ***

جلست بصمت على الأريكة بمفردها، تفكر بتجاهل زوجها لها منذ ليلة أمس، تهز ساقيها بشدة من تفكيرها الزائد المتداخل ما بين مغادرة ابنها المنزل إلى الآن وبين تخطيطها لتقوم بفضيحة شخص ما وبين تجاهل زوجها لها أخيراً. التفت سريعاً تنظر على باب الغرفة الذي فُتح من أمام أنظارها، حتى وجدته "زوجها" الذي أخذ عطلة قليلة بغلقه للمكتب هو وولده تلك الأيام. اتجه يجلس بجانبها بصمت، ومن ثم نظر لها بتمعن، تلك أول مواجهة بالنظرات منذ أمس. ارتسمت ابتسامة تهكم

على جانب شفتيها قائلة له: "ياريـت اللى عندك تطلعه وتبطل تتجاهلني." طالعها بحدة وهو يعتدل حتى يبقى وجهه أمامها، ثم أردف قائلاً بجمود: "هو المفروض اللى عملتيه امبارح ده يعدي ازاي؟ "يعدي يا خويا زي ما أي حاجة بتعدي، ولا انت عاوزني أروح أحب على راسهم، أهو ده اللي ناقص كمان! قالتها بلامبالاة، فهز رأسه لها بتأكيد وهو يردف قائلاً بحدة:

"ما هو ده اللي هيحصل، هتروحي تتأسفي لورده وبدر على اللي حصل، وعشان الدنيا تهدى قبل كتب الكتاب والفرح، عاوزة الناس تقول عليا إيه؟ نهضت واقفة بانفعال وهي تقول له باندفاع صارخة بوجهه: "يعني إيه أروح أحب على راسهم؟ ومالك خايف أوي كده ليه على ابنك؟ مش خايف عليا؟ ولا حاسس بيا وأنا بتقطع من جوه ومش عارفة ابني مكانه فين بسبب اللي ما يتسمى غسان؟ لأ وكمان عاوزني أروح أحب على راس ابن عمه؟ انت أكيد جرا لمخك حاجة؟

"ده اللي هيحصل ومفيش فيه كلام، وبعدين حقك اللي بتجيبه بطريقة مش مباشرة ده من حامد وولاده مش جاي سكة معاهم، وكلامك لورده غلط من الأول، إحنا مال أهالينا شايلة زفت رحم ولا شايلة ضرس العقل مجلناش غير الإهانة منك ومن حبيبة القلب اللي البيه ماسكلي فيها بسنانه! هدي الدنيا ولمي الدور يا زينات ومشّي كلمتي المرة دي أنا مش طول الوقت هبقى هادي معاك، سامعة. ومش هكرر كلامي ده تاني."

وصل إلى ذروة غضبه، لن يفيد الآن إقناعه بأي شيء، هو على هذه الحالة لتجاهل ولده له منذ أمس. قال حديثه لها دفعة واحدة ثم تحرك سريعاً إلى غرفته. أما هي فاحمر وجهها من الغضب والغيظ، ثم جلست بمكانها مرة أخرى بغضب مكتوم. ***

بعد مرور وقت، جلست على الأريكة تنظر أمامها بشرود، وبجانبها صغيرها يلهو ويلعب بألعابه الصغيرة، تذكرت مواساة زوجها لها أمس، ولكنها كانت صامتة لم تبدي أي ردة فعل ولا حديث. كانت أمامها "ياسمين" ووالدتها. نهضت "ياسمين" على فجأة وبخفة تجلس بجانبها بهدوء، ثم رفعت ذراعها تحاوط كتفيها بحنان ومرح. وبعد لحظات، تنفست بعمق وبنتهيدة حارة قائلة على فجأة: "إتكلمي يا ورده، متكتميش فنفسك، قولى كل اللى جواك!

حركت "ورده" نظراتها لشقيقتها بصمت، ثم ابتسمت قائلة بهدوء: "أقول إيه؟ قالتها بقلة حيلة، فحاولت "سمية" أن تترك لهم المساحة عل ابنتها تبوح ما بداخلها، ثم أخذت الصغير معها إلى المطبخ لتطعمه في طريقها. فتنهدت "ياسمين" قائلة لها بتفهم: "قولي إنك زعلانه، قولي إنك اتكسرتي، أو قولي حتى إنك مش فارق معاك يا ستي."

"أنا فعلاً مش فارق معايا يا ياسمين، أنا كنت بزعل أوي في الأول بس بعد كده قولت ده قضاء ربنا، بس كان بيني وبين نفسي، لكن أنا المرة دي مش عارفة حاسة إنها كبرت مني أوي، وكسر خاطري كان قدام الكل!! قالتها بهدوء، ولم تتخلى عن ابتسامتها بعد. أما "ياسمين" فاحتضنتها بقوة ومشددة في عناقها لها، ثم تنفست قائلة بمرح شديد: "بصي هي كام سنة سجن يعني لو أخدت سكينة من عند أمك وروحت غزيت زينات في بطنها؟ ضحكت الأخرى عالياً،

ثم ردت قائلة بسخرية: "لا مش كام سنة سجن يحب، ده إعدام!! "عادى!! أتعدم عشان خاطرك يا أجمل ما في الورود يا عسل انت! قالتها بمشاكسة وهي ترفع يديها تحركها بمرح شديد، مما جعل الأخرى تبتسم بحنو شديد وكأنها خففت عنها باهتمام كلماتها للتو! ثم مالت تضع رأسها بخفة على كتفها متمتمة بهدوء يغلفه الحب: "مستحيل ازعل وأبوظ عليك فرحتك يا ياسمين، أنا جايه عشانك وعشان فرحتك أصلاً، أنا بحبك أوي ولازم أفرح عشانك."

رفعت "ياسمين" يديها تربت على خصلات شعر الأخرى بحنو، وهي تقول: "وأنا بحبك كمان يابنتي انت والبت روز الهبلة دي، بس شوفتيها امبارح وهي بتدافع عنك وعني، كانت جامدة، كنت عاوزة أسقف لها بفخر كده بس مكنش الوقت وقته، مكنش ناقص بس إلا إني أسقف لزينات على وشها هي دي السقفة اللي المفروض كانت تتعمل ساعتها والله." صمتت ثم واصلت بنبرة جادة ولكنها جعلت الأخرى تضحك بشدة: "وليه صعرانة!

قاطع صوت ضحكاتهم رنين جرس المنزل، فإتجهت "سمية" من المطبخ سريعاً لتفتح الباب بعدما وضعت "ورده" حجاب رأسها، وكذلك قبعة سترة "ياسمين". فتحت الباب ثم ابتسمت باتساع عندما وجدت ابنتها تحمل بعض الأكياس التي توجد بها (البلالين) المخصصة لكتب الكتاب، والآخر يحمل معها بعض الأشياء. أفسحت لهم الطريق سريعًا، ثم رددت قائلة بلهفة: "اخشوا يا حبايبي اخشوا!

دلف الاثنان خلف بعضهما، يضعان الأكياس التي بيديهما بجانب باب المنزل، فاتجها لها أختيها بسرعة. نظرت "ياسمين" لهما بفرحة، ثم هتفت بصوت حماسي: "يخرب عقلكم ده انتوا طلعتوا جامدين وجبتوا كل حاجة بجد! قالتها وهي تتفحص الأشياء، فاستقامت سريعًا بعدما ضحكوا عليها بخفة، ثم نظرت لـ "غسان" مبتسمة له قائلة بامتنان: "شكرًا بجد يا غسان، تعبناك معانا! ابتسم لها بتكلف، ثم ردد قائلاً بهدوء: "على إيه، ما عملتش حاجة! ابتسمت "ورده"

له هي الأخرى قائلة بلطف: "متنساش تجيب وسام وبسام بقا ع المغرب عشان ننظم مع بعض الحاجة." أومأ لها بالإيجاب دون حديث، فرددت "نيروز" قائلة بتهكم: "يعني مفيش شكرًا ليا؟ إيه الندالة دي؟ "بس يا بت" قالتها "ياسمين" بلامبالاة زائفة، مما جعلهم يضحكون عليها بشدة. فتنحنح "غسان" يستأذن للانصراف، قائلاً بهدوء: "طب أنا همشي أنا بقا." "استني يابني، أدخل اتغدى طيب معانا الأول." نظر إلى "سمية" بامتنان، ثم انصرف سريعًا بعدما أردف:

"مرة تانية." أومأوا له بهدوء. فرددت "ورده" عالياً حتى يسمع صوتها: "بدر عندكم على فكرة يا غسان! ***

صعد الدرج الذي بالمشفى ببطء، وهو يمر على الحالات المحتجزة. فوصل إلى طابق الغرف التي لم تكن تحت إشرافه، فالبعض منها ولا حتى تخصصه. توجه عدة خطوات إلى أن وقف أمام غرفتها هي. لا يعلم لما ثبتت قدماه أمامها، ولكن على أية حال لا مانع من التجربة في الاطمئنان كما هو معتاد. هذا ما حدث به نفسه وهو يدق الباب دقات متوسطة في العلو. أذنت هي له من الداخل بصوت خافت وهي جالسة على فراشها. دلف هو بخطوات ثابتة، ثم ابتسم بوجهه البشوش لها وهو يهتف تزامناً مع سيره ليجلس قليلاً

على المقعد: "أخبارك النهارده يا آنسة فرح؟ حالتك أحسن؟ اعتدلت بالطبع في جلستها ما إن رأته يتوجه، ثم ابتسمت بتكلف له وهي تجيبه بهدوء: "الحمد لله أحسن، شكرًا على سؤالك." ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيه، ثم من بعدها تنهد يأخذ أنفاسه قائلاً بلباقة: "ده واجبي، وأنا عايزك انت وعز تسلموا الأمر لربنا، وإن ربنا قادر على كل شيء. وإن شاء الله مسيرها هتفوق، هي يمكن اتأخرت شوية بس المؤشرات مش عاطية إنها في خطر أوي."

أدمعت عينيها بمجرد حديثه عن والدتها التي لم تستفق من غفوتها الإجبارية بعد. فرت منها دمعة على خدها سريعاً. سرعان ما رفعت يديها تمسح أثرها حتى لا ينتبه، ولكنه انتبه لها سريعاً. ثم نظر لها بشفقة: "عارف إن صعب عليك حاجات كتير، بس الصبر على الابتلاء حاجة جميلة أوي، وإنك دايماً ترددي قرآن وأذكار بنية الشفاء وفك الكرب حاجة أجمل! صمت ثم واصل يسألها بعقلانية رجل متفهم: "عارفه إن في آيات شفاء سبعة؟

يستحب إننا نقولها دايماً ونكررها للشفاء من المرض، ودي سنة من الرسول صلى الله عليه وسلم." قالها ثم صمت يتابعها. فوجدها تستمع له باهتمام وهي تصلي على شفيع الأمة، مسلطة أنظارها بالكامل عليه وهو يردف كلماته. ولكنها تساءلت أولاً بحرج: "ممكن أعرفهم منك لو مفيهاش حاجة؟ أومأ بابتسامة صغيرة وهو يردد بترحاب: "طبعًا، هقولهوملك وتحاولي تحفظيهم وتقوليهم علطول. ممكن تفتحي تسجيل الموبايل لو هتنسي."

أومأت بحماس غريب من داخلها، ثم اعتدلت أكثر في جلستها وهي تنصت له بكامل اهتمامها. فتحدث هو يردف كلماته الهادئة: "أول حاجة سورة الفاتحة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين." صمت بعدما أردف بصوته الهادئ والصحيح بالتجويد. ثم واصل يكمل: "تاني حاجة

هي آية من سورة التوبة: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. التالتة آية من سورة يونس: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين." صمت يأخذ أنفاسه ثم واصل مجدداً بهدوء شديد: "أما بقا الرابعة من سورة النحل: ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون.

والخامسة من سورة الإسراء: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا." قالها "بسام" بصوته الهادئ أمام نظراتها المتأثرة، فأردف قائلاً لها بتساؤل: "مركزة ولا؟ ابتسمت له بلطف، ثم أجابته بلهفة: "آه، طبعًا، لسه اتنين." "صح، الآية السادسة سورة الشعراء: وإذا مرضت فهو يشفين." والسابعة

من سورة فصلت بتقول: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ". صدق الله العظيم. وأخيراً لو هنقرأ على المريض علطول مثلاً بنية شفائه ممكن نقول برضه:

"وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" دي بقا سورة التوبة. "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" ودي الشعراء. "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ" ودي يونس. "يُخْرِجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ" سورة النحل. "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" سورة الإسراء.

"قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ" ودي سورة فصلت. صمت يأخذ أنفاسه أخيراً بعدما انتهى، أما هي فابتسمت بتأثر ثم أردفت تجيبه بنبرتها المتحشرجة: "مش عارفة أقولك إيه! شكراً يا دكتور بسام."

"متقوليش حاجة، ادعي ربنا وإن شاء الله هيستجيب. وكمان بلاش تعقدي نفسك من حكاية الدكتور النفسي، علفكرة دي مش حاجة وحشة أبداً، ده الوقت الوحيد اللي هتحسي فيه إنك على طبيعتك ونفسك مكشوفة قدامك وبتواجهيها. أتمنى تفكري في الموضوع." ابتسمت له بامتنان ثم نظرت بشرود طفيف قائلة بحيرة:

"مش معارضة الفكرة، بس أنا.. أنا حاسة إني لوحدي اللي حاسة بيا، محدش عارف أنا بمر بإيه، كل حاجة جاية عليا، وسيبت دراستي وكل حاجة بتبوظ مبقتش عارفة أتعامل! حديثها لامس قلبه وبشدة، يشبه حديثه وإحساسه إلى حد كبير. ابتسم أخيراً ثم تحدث قائلاً يجيبها بعقل: "خليكي على يقين دايماً، بإن كل حاجة بتتصلح وهتبقى كويسة. إحنا في الدنيا دي عشان الاختبارات والامتحانات اللي من ربنا لينا!

لو على الدراسة فكل حاجة بتتعوض أكيد هتقومي أقوى من الأول! انتِ بتدرسي إيه؟ أومأت علي حديثه وهي تهز رأسها ثم نظرت له بشكر من نظراتها الذي استشفها هو للتو، وأخيراً تنهدت تجيبه قائلة: "طب بشري! "زملا يعني مش تقولي؟ ضحكت بخفة، ضحكة هادئة رغم ملامح وجهها المرةقة، فأجابته سريعاً: "لا طبعاً، زملا إزاي، أنا لسه في بداية المشوار والمقام يفرق."

"هي نفس الرحلة، صدقيني مفيش صعب إلا لو اتسهل عليكي بعد كده في حياتك. بتحبي دراستك بقا على كده؟ "آه، بحبها أوي عكس ناس صحابي، أنا حلمت ووصلت، بس صعب أوي التنفيذ ربنا يعين." نهض وهو يستقيم ثم أخرج يديه من جيب معطفه الطبي، مجيباً إياها بلباقة: "إن شاء الله السنين هتعدي وتبقي دكتورة شاطرة. عن إذنك بقا، ياريت تنتظمي في علاجك وتسيبي كل حاجة على ربنا زي ما قولنا."

قالها وهو يبتسم ثم تحرك من أمامها سريعاً تحت نظراتها الممتنة، فخرج هو من الغرفة سريعاً بعد تلك الجلسة التي أراحت من نفسية الإثنين! هو الآن واليوم سيقوم بالإقامة في تلك المشفي بسبب تزاحم العمل كما في الأيام الماضية، فتلك الأيام يوجد بها ضغط عالٍ ليست كالأيام السابقة. خرج يذهب إلى غرفته ليتسريح قليلاً، خاصة أن الآن اقتربت صلاة العصر كثيراً.

جلس بجانب والده بعدما دلف منذ قليل، حمل كوباً من الشاي الساخن وهو ينصت لحديث والده ومع من يعتبره شقيقه الأكبر منه بقليل "بدر"، ورغم تقاربهم من بعض بشدة إلا أن "غسان" يحترم آراء الآخر بشدة ويحبه مثل شقيقه!! "عين العقل يا بني، متعملش معاهم مشاكل أكتر من كده، ومتحطش في دماغك كلامهم، ربنا يهدي الحال، خلي بالك انت من مراتك وحبيب جده."

قالها "حامد" وهو يضع يديه على كتف الآخر بمواساة غير مباشرة. ابتسم "بدر" له ثم تحدث قائلاً بهدوء: "أنا بحب وردة وعمري في حياتي ما هسيبها يا عمي، مش عارف دول قرايب وواكلين مع بعض عيش وملح ونفس الدم إزاي! ضحك "غسان" بسخرية ثم أردف قائلاً له بمزاح: "لا يا حبيبي اطمن، دول لو حد غيرهم وواكلين مع بعض سم فران حتى مش هيعملوا كده! ضحك الآخر كما ضحك والده بخفة، وبعد لحظات أخذ "حامد" أنفاسه وهو يردد للآخر

بهدوء يكمل ما كان يردفه: "الله يصلح حالك يا بدر، يا بني وردة بتحبك وبتخاف عليك، وعمرها ما هتتخلي عنك أبداً. متوجعهاش يا بدر، عمرك ما هتلاقي حد حنين زيها، دي واخدة حنية أبوها كلها لوحدها! "أنا عارف يا عمي من غير ما تقول!! "أيوه خد من حامد نصايح رومانسية، خليك نحنوح زيه كده." قالها "غسان". باستفزاز، نظر له "حامد" بتمعن ثم هتف له بتحدي: "ملكش دعوه انت، أما نشوف يا حبيب أبوك لما تحب هتبقي عامل ازاي!

ضحك "بدر" بقوه وكذلك "غسان" والذي أردف من بين ضحكاته: "هنشوف يا حامد، تحدي يا نحانيح! أومأوا له بمرح ثم صمتوا قليلا، فنهض "بدر" يقف وهو ينظر للٱخر قائلا على عجاله: "هروح لـ فاطمه، هتيجي معايا؟ أومأ له "غسان" وهو يستقيم هو الٱخر، فنظر له "والده" بتمعن وهو يحذره بنظراته قائلا بهدوء، للاثنين: "بالعقل يا بدر، ولو حصل حاجه إبعد اللى جمبك ده عن المكان، بلاش مشاكل." ضحك "بدر" بخفه وهو يجيبه: "متقلقش يا حج، خير إن شاء الله."

أما "غسان" فنظر لوالده بتعمن ثم وقف قليلا بصمت، ومن بعدها تحرك ناحية باب الشقه يخرج منه بهدوء، وكأن شيئا لم يحدث، فتحه من الداخل ثم خرج يرتدي حذائه بسرعه، ومن ثم نهض فوجدها تقف بظهرها على باب شقة عمها، فالحقيقه كانت تنتظر "جميله"، فتنحنح هو بنحنجرته فانتبهت هي له وهي تلتفت، حتي ابتسمت سريعا، فبادلها البسمـه سريعا وهو يردف قائلا لها دون مقدمات: "شغل تانى ده ولا ايه؟ إبتسمت له "نيروز" ثم هزت رأسها بنفى قائله:

"لأ راحه مشوار صغير كده مع جميله." خرج "بدر" من خلفه فوجده يحدثها قائلا دون أن يفهم: "طب تعالوا وأوصلكم في طريقى." إبتسم "بدر" لها وبادلته هي البسمه، فأردفت قائله تجيب الٱخر: "هو إحنا راحين مستشفي اللى دكتور بسام فيها، فممكن متكونش فطريقك مش عاوزه اتعبك." هز "بدر" رأسه باستغراب من بسمة ذلك الواقف بجانبه وهو يجيبها قائلا بتبجح: "وايه يعنى لو تعبت عشانك! عادي." وكزه "بدر" سريعا في كتفه فنظر هو له بثبات،

ثم تنحنح بنحنجرته قائلا: "يلا هنستناكم تحت." قالها وهو يلتفت ليهبط على الدرج، وخلفه "بدر" الذي أشار لها بالتأييد وأنه سينتظرها أيضا، خرجت "جميله" لها، بينما هبط "بدر" خلف الٱخر وهو يشاكسه بضحكته الخفيفه قائلا بصوت خافت سمعه "غسان": "إيه الحوار ده بقا! التفت له "غسان" ثم نظر له من أعلى لاسفل ومن ثم التفت مره أخري يهيط، وهو يجيبه: "ملكش فيه يا نحنوح! "ماشي! بس دي أخت مراتي يعني لو مش واخد بالك."

وصلو إلى الأسفل، فتوجه "غسان" حيث السياره وهو يفتحها، تزامنا مع رده على الاخر بنظره متحديه: "واخد بالي يا خفيف، إركب يالا." ركبت الاثنتان المصعد بعدما شرحت لها الوضع سريعا. وبالتالي وصلا بسرعه إلى الأسفل وهما يتجهان حيث السياره ليركبان بها من الخلف بجانب بعضهما، فابتسمت له "نيروز" بامتنان بعدما ركبت فأومأ لها بهدوء تحت نظرات "بدر". الذي أردف قائلا لها ليثير من حنق الاخر: "منوره يا روز انت وجميله والله."

"شكرا يا بدر ده نورك بجد." قالتها "نيروز" بلطف، في حين نظرت له "جميله" بامتنان، ومن ثم تحركت السياره سريعا بواسطة "غسان" الذي أخذ يوزع أنظاره عليهم جميعا، وبالأخص هي، لاحظ "بدر" نظراته، فالبدايه توقع أن الامر مجرد مرح، ولكنه أيقن من نظراته لها والذي سيعرفها أي رجل، بأنه يكن لها شيئا داخله، ابتسم بلؤم وهو يحدثه قائلا بنبره بريئه زائفه: "ركز على الطريق يا حبيبى. أيوه كده!

نظر له "غسان" بحده من طرف عينيه لأنه يفهم جيدا ما يرمي له الٱخر من حديث، أما "نيروز" فحاولت إخفاء ابتسامتها من ذلك الوضع الذي وضع به الاخر نفسه به، ولكنها تلاشت إبتسامتها سريعا ودرات وجهها حيث الشرفه عندما وجدته يسلط أنظاره عليها من المرٱه الأماميه، أما الاخري التي بجانبها فهي بعالم غير العالم، بسبب توترها اللحظي لتلك الزياره من بداية شقيق صديقتها إلي صديقتها ووالدتها التي لا تعرف إلي الٱن من منهم مريض !! ***

جلس بجانبه على الفراش، نظر له وهو مغمض العينين، وملامح وجهه الشاحبه كثيرا، وذلك السواد الذي يوجد أسفل عينيه بشده، سمع صوت اذان العصر، حرك شيئا بداخله وكأن الله يناديه، أنزل قدميه بتعب من على الفراش ثم تنفس بتنهيده حاره بعدما أخذ يفكر بحديثه مع شقيقه أمس! مد "ٱدم" يديه ليوكز الٱخر النائم بجانبه، فتح "حسن" أعينه سريعا، ولأنه لم يكن مستغرقا فى النوم، عقد مابين حاجبيه قائلا بضجر: "انت دايما فصيل كده يابنى!

"قوم نصلى العصر." قالها "ٱدم" وهو يقف على الأرض متوجهها حيث الأريكه ليأخذ قميصه يرتديه سريعا، فنظر له "حسن" باستغراب من أمره ثم ردد قائلا بغير اهتمام: "طب روح وأنا هبقى ٱجى وراك." التفت "ٱدم" بملامح وجهه الصارمه ثم دفعه ليقف علي مره واحده، قائلا له: "كده أحسن، يلا ورايا عشان نتوضي."

قالها وهو يخرج من الغرفه متوجها حيث المرحاض والٱخر من خلفه رغما عنه، دقائق وخرج هو من المرحاض مبللا من المياه وقطرات المياه تسقط من خصلات شعره الطويله، أمسك المنشفه وهو يتجه خارج المرحاض كثيرا، ثم أشار لصديقه بأن يدلف هو الٱخر بعينيه، فدلف "حسن" هو الٱخر ولم يلبث كثيرا، ثم خرج من المرحاض هو الٱخر حتي وجده ينتظره، فأردف"ٱدم" سريعا بنبره بارده وهو يتجه حيث باب شقته ليخرج منه: "إخلص يلا." "وراك. اهو يعم الشيخ! ***

وقفت السياره أخيرا أمام المشفى وهبطت الاثنان منها، وأخيرا ابتسمت له "نيروز" له وهي تلتفت بشكر، فأشار لها بإصبعه بأن كل شئ على مايرام، ثم تحرك بالسياره سريعا، تاركهم يدلفون بجانب بعضهما من البوابه الرئيسيه، دلفت الإثنان معا، ثم التفتت كلا منهم حولها من المكان، نظرت "جميله" لها بجهل وهي تتحدث قائله بقلة حيله: "هنعـمل ايه ولا هنوصل ازاي؟ كانت "نيروز" تنظر خلف الاخري باهتمام وهي تشبه عليه كثيرا، قائله على فجأه:

"مش ده عز؟ التفتت هي سريعا تنظر من على بعد فوجدته هو وهو يقف أمام خزنه لادرارة الحسابات ويبدوا أنه يدفع أموال ما، وما أن انتهي هو وضع البقية في جيبه ثم التفت ليسير إلي الأمام. وقف على فجأة وهو ينظر إليها بدهشة. أحقا هي هنا؟ أم من كثرة تفكيره بها أصبح يتخيل وجودها؟ أرتجفت يديه سريعا بتوتر بعدما وجدهما الاثنان يقتربان منه. فابتسم هو لهما سريعا بعدما وقفا أمامه قائلا لهم بترحيب: "أهلا بيكم"

ابتسمت "جميلة" له بسمة هادئة وهي تجيبه قائلة بهدوء رغم اهتزاز ثباتها: "إزيك يا عز؟ عامل إيه؟ وفرح عاملة إيه؟ أنا جايه أسأل عليها لأن مش عارفة عنها حاجة بقالي كتير! نظر لها مطولا في عينيها وهي تردف كلماتها الهادئة. دقات قلبه المتراقصة فرحت الآن لوجودها من أمامه. ابتهجت ملامحه عند سماع كلماتها حتى وإن كانت عادية. كل تفصيلة بوجهها يفضلها كثيرا منذ وقت كبير. أنتج بحنجرته بحرج، ثم أنزل نظراته أرضا وهو يوزعها

بمكان آخر غيرها وهو يقول: "فرح تعبانة نفسيا شوية بس، وماما عاملة عملية فعشان كده إحنا هنا معاها. بس تعالي هي صاحية فوق كانت قاعدة بتقرأ قرآن أكيد ملحقتش تنام. أصل أنا لسه جاي من شوية."

من يحب شخص يصبح كثير الحديث معه. وطريقة حديثه وهو يردف كلماته لها بشغف زادت من حبه في قلبها. هي تعجب به ولكن ليس للقلب ولا للسان بالبوح. فعندها أكثر ما يكفي في داخلها. ابتسمت له باتساع، وهو كذلك وهما الاثنان يتحركان من خلفه ليصعدا السلم معه. كل ذلك تحت نظرات "نيروز" التي فهمت سريعا حرب نظرات الحب بينهما. نظرات العاشق تفضحه بشدة لذا، ليس لكل عاشقين الانتشار بالأماكن العامة.

صعدا جميعا إلى أن وصلا أمام غرفتها. دق هو الباب سريعا حتى أذنت هي له وهي جالسة على الفراش. دلف وهو مبتسم قائلا لها بحماس: "جايب لك مفاجأة." قالها ومن ثم دخلت هي ومن بعدها "نيروز". وما أن رأت صديقتها، وقفت سريعا وهي تهبط من على الفراش بتعب. ثم أدمعت عينيها سريعا بتأثر. توجهت "جميلة" بفستانها الأبيض الفضفاض ومن ثم احتضنتها سريعا تحت نظراتهم. بكت "فرح" في أحضانها بعجز وبشدة. فربتت عليها الأخرى بحنو وهي تقول:

"أنا آسفة يا فرح. صدقيني أنا معرفش كل اللي حصل لك ده والله." خرجت من أحضانه وكل منهم يجلس على مقعد صغير وهي على الفراش مرة أخرى. ثم أجابتها قائلة بضعف: "مش زعلانة. بس إنت وحشتيني أوي." توجهت "نيروز" لتقوم بالترحيب عليها بهدوء وهي تتحدث قائلة: "ألف سلامة يا فرح."

كل ذلك تحت أنظار ذلك العز الذي كان يتابع كل تفاصيل حركتها. محدثا نفسه وكأنه معاق ذهنيا. أنها حقا ملاك في ردائها الأبيض. خرج من شروده وهو ينظر لهن يتحدثن مع بعضهن. نظر لها فوجدها تنظر له ولكنها حركت رأسها سريعا عندما وجدته ينظر لها. لحظات. ثم أردفت "جميلة" حتى تخفف من نفسية صديقتها قائلة رغم حرجها:

"أنا مكسوفة أوي وأنا بقول الكلام ده في الوقت ده. بس هتيجوا كتب كتاب حازم بكرة. إنت وعز. واهو تخففي من نفسيتك شوية وترتاحي ومش هيبقي وقت كبير يعني. صدقيني الوقت ده هيفرق معاك يا فرح أوي. مش ناسيه تعب مامتك بس خليك مبسوطة وهي هتتبسط أكيد." أيدتها "نيروز" في الحديث. فحركت "فرح" رأسها لشقيقها حتى تعلم رأيه. فتنفس هو بعمق وهو يجيبها قائلا:

"حازم صاحبي والله وعلى راسي. بس هشوف وقتي وهحاول نيجي شوية ونمشي على طول. على حسب شغلي إن شاء الله. وألف مبروك. عقبالك بقى." قالها وهو يتمنى في نفسه بأن تكون له ومن نصيبه. ابتسمت بخجل وهي تومئ له ثم تحدثت قائلة تجيبه بلباقة: "حقيقي هتبسط لو نورتوني. حازم بيتصل بيك بس تليفونك مقفول عشان يقولك تيجي. وبجد الوقت ده هيفرق معاكم أكيد بإذن الله. وربنا يقوم طنط حنان بالسلامة." ابتسموا لها جميعا. فخرج صوت "نيروز" وهي تقول:

"أيوه يا فرح هستناكي. وإنتِ عارفة ياسمين موصياني لما عرفت إني هشوفك. بتقولي هاتي فرح تبات معانا لحد يوم الفرح." ضحكوا جميعا بخفة. فأردفت "فرح" من بين ضحكاتها وهي تقول: "ربنا يسعدها. إن شاء الله ربنا يسهل وهحاول أجي أنا وعز." تنحنح هو أخيرا بحرج. ثم تحدث يمهد لانصرافه: "طب أنا هستأذن أنا وأسيبكم مع بعض شوية. عن إذنكم."

قالها ثم توجه سريعا يخرج من باب الغرفة الصغيرة غالقا الباب من خلفه. سامحا لأنفاسه المكتومة بالخروج وهو يتخلى عن ثباته الزائف أمامها. ابتسامة واسعة زينت محياه لم تظهر عليه منذ مدة. ورغم حزنه على والدته إلا أنه ولد به شغف جديد بمجرد رؤيتها. ***

وقف "حازم" في الشرفة الموجودة بصالة منزله بعدما صعد لتوه من أسفل حينما كانت صلاة العصر من فترة صغيرة. شرد بالكثير. كان شروده بأكمله بمناقشتهم العالية ليلة أمس لأنها قامت بإحراج والده. ورغم ذلك قام بمراضاتها سريعا لأنه يعلم تمام العلم أنه كان بإمكان والده أن يوقف زوجته عند حدها. وهذه نقطة شروده الأخرى بنقطة ضعف شخصية والده أمام زوجته الذي سبب لهم الكثير هو ووالده وشقيقته. خرج من شروده عند وضع يد حنونة لمستها تبث به من الأمان والحب ما يكفي. ابتسم وهو يلتفت لينتشل يد والدته وهو يقبلها بهدوء. فوضعت هي كوب العصير على المنضدة الصغيرة التي توجد بالشرفة. ثم وقفت بجانبه وهي

تربت على كتفيه قائلة بحنو: "مالك يا حبيبي؟ انت كويس؟ ابتسم لها ثم ردد باطمئنان: "كويس طول ما إنتِ جنبي وبخير." "أنا عرفت اللي حصل يا حازم من سمية الصبح. بس أنا عاوزاك متشيلش هم كده. ولا تزعل نفسك من ياسمين. دي طيبة وقلبها حنين أوي وبتحبك. وبعدين هي متسرعة زيادة وأي حد في مكانها هيعمل اللي عملته ده وأكتر. وسكوت أبوك هو اللي عمل كل ده." أومأ لها بابتسامة ثم ردد يصحح مفهومها:

"مزعلتش من ياسمين يا ماما. عارف إن ده غصب عنها. بس مش عارف أتصرف إزاي لحد الآن. أوزن بين أبويا وبينها إزاي؟ هو زعلان إنها هانته وأنا لسه متمسك بيها وهي زعلانة عشان أختها!! "متشيلش هم إنت. وربنا يسعدك معاها. وإن كان على أبوك إنت عارف إنه مش بيفضل ياسمين أوي فطبيعي المشاكل دي. ولو على وردة وبدر فهم عارفين كويس إنت إيه وعامل إزاي وبتفكر في إيه. لا إنت زي زينة ولا عيالها يا ابني." رفع ذراعه يحاوطها

ثم تحدث قائلا لها بمرح: "قادرة تشيلي أي حاجة تقيلة على قلبي في ثانية. إنتِ وياسمين. بس إنتِ حبيبتي الأولى طبعًا يا عايدة. أوعى تقولي لها لأحسن يتنكد عليا وتبقى ليلة سودة وأنا مش ناقص." ضحكت عاليا وهي تنظر له بنحو. ثم رفعت يديها تحتضنه بحب بالغ. فابتسم هو بتأثر وهو يشدد من عناقها. سمعوا هم صوت غلق الباب من خلف الدالف ببطء. نظر من مكانه فوجده والده. نظر لهم "سليم" بصمت ثم توجه إليهم يقف من أمامهم مشيرا لزوجته قائلا:

"اعمليلي كوباية قهوة يا عايدة." قالها لها بهدوء. فأومأت له ثم انصرفت من أمامهم. نظر هو إلى ولده ثم تنفس ببطء وهو يتحدث قائلا بهدوء: "زينة هتروح كمان شوية معايا وتتأسف لوردة وبدر." "كويس." أجابه "حازم" باقتضاب. فنظر هو له قائلا مرة أخرى بجمود: "أظن لما تكلم أبوك تتكلم بشكل أحسن من كده! تنفس هو ببطء متحليا بآخر ما يملك من الصبر: "المفروض أتكلم إزاي؟ .. هو إنت ليه مبتحسش بيا؟

نظر له "سليم" وهو يعقد حاجبيه من طريقته مرددًا: "مبحسش بيك إزاي! "مبتتحسش بيا كأب! عملت إيه أنا فحياتي عشان كل شويه أتقهر من جوه بالبطئ بسبب مراتك؟ عاوز أفرح ومش عارف، فرحان بس مش فرحة كاملة، هفرح إزاي وأوريهم وشي عندهم كل شوية وأنت كان بإيدك توقف مراتك عند حدها ومتكملش في كسرتها لـ ورده. أنا محروج من بدر ومن وردة حتى من ياسمين اللي ببقى قدامها مكشوف! ليه بتخلي راحتهم دايماً على حسابي وحساب غيري؟

أنا سكت كتير بس من حقي أفرح بقا! قالها باندفاع ومرة واحدة كمن انفجر للتو! نظر له "سليم" بصمت ثم ردد يقول بنبرة جامدة بها بعض البرود والفتور: "انت اللي مبتخافش على منظري، مش واخد بالك إني اتهانت بسبب السنيورة بتاعتك؟ مش واخد بالك إن شكلي وقتها كان وحش أوي قدامهم وهي بتجيب سيرة حياة زينات كلها من قبل ما اتجوزها حتى!! "بردو بتدافع عنها وبتيجي عليا؟ رغم إن هي اللي بدأت الأول وخلت ياسمين تعمل كده، كنت عاوزني أعمل إيه؟

أروح أضربها وهي أصلاً مغلطتش في حاجة. ولا أضربها عشان ترتاحوا وتبعدوني عنها وخلاص؟ لأ وماليش كلمة عليها لسه، أومال بعد كده إيه اللي هيحصل؟

أنا آسف بس أنا تعبت من كتر الضغط ده، أنا معتش هستحمل حاجة تحصل وأقف ساكت وأتقهر من جوه، مش هضيع فرصة إن في فرحة هفرحها وأقعد أضيعها وأنا شايفها قدامي، وأي حاجة هتحصل لمراتك أو غيرها أنا مليش دخل بيها، مليش غير حياتي وبس لأن محدش مسئول عنها غيري، أنا اللي بتدبس في الآخر، خوفي عليها وعلى أخواتي بيقل كل مرة بسببك وبسببها وممكن كنت أعمل أي حاجة عشانهم بس لأ، معتش هعمل كده دلوقتي، كل مرة بتأذي أكتر من الأول ومع ذلك مكمل، بس كفاية لحد كده أوي!!

قال آخر حديثه بهدوء، ثم خرج من الشرفة متجهاً حيث خارج الشقة بأكملها، تاركاً والده ينظر بأثره بصمت، صمت يغلفه البرود والفتور والعجز! *** وقف الاثنان أمام الباب في تلك المنطقة الشعبية قليلاً، وقفا أمام البيت لدقائق، نظر "بدر" إلى "غسان" بترقب وهو يسأله بعينيه، فنظر له الآخر نظرة اطمئنان قائلاً: "متقلقش أكيد هيفتحوا، اصبر."

ثوانٍ وفُتح لهما الباب بواسطة تلك التي ترتدي مريلة المطبخ المتهالكة وملامح وجهها الباهتة الذي يغلفها الإرهاق، فتحت الباب وهي تردف على عجالة بضجر: "طيب يا اللي بتخبط، طيب الله! هو يعني الدنيا هـ.." توقفت كلماتها عندما وجدت أمامه شقيقها الأكبر، ورفيق أيامها! أيعقل؟ اتجهت مسرعة بعينيها المترقرق بالدموع وهي تدخل بأحضان بقوة، والآخر يبادلها العناق بقوة ولهفة، دقائق مرت والاثنين يحتضنان بعضهما، خرجت هي من أحضانه أخيراً

وهي تبتسم قائلة بتأثر: "وحشتني يابدر، أووي." قالتها ثم نظرت للآخر وهي تمد يديها ترحب به بحرارة فبادلها الترحيب، ثم وجهتهم إلى الداخل سريعاً، ليجلسا في غرفة صغيرة تعد للضيوف، جلست بجانب شقيقها وهي تنظر له بشغف. نظر هو لها بتفحص من أعلاها لأسفلها وبسبب خسارتها للوزن، كما انطفأت بهجتها أيضاً. لاحظ هو كدمة زرقاء على وجهها تقرب على الاختفاء، يلاحظها من يركز بها، فتساءل بنبرة هادئة: "إيه اللي في وشك ده يا فاطمة؟

وضعت يديها عليها سريعاً، ثم نظرت له بارتباك تحت نظرات "غسان" المتفحصة لوجهها. صمتت لم تتحدث ولا تجيبه. فنظر لها "غسان" ثم تساءل بنبرة جادة على فجأة: "عارف مد إيده عليك؟ "لا، لا ده أنا اتخبطت فيها في الشباك وأنا ماشية، متشغلوش بالكم أنتم." قالتها بسرعة تحت نظرات الاثنين المتشككة في حديثها. فأخذ "بدر" أنفاسه وهو يتحدث قائلاً بهدوء: "مبسوطة يا فاطمة؟ "أيوه الحمد لله رضا، متشغلش بالك بيا، قولي وردة ويامن عاملين إيه؟

نظر لها بهدوء ثم تنهد قائلاً يجيبها: "كلنا بخير، بس أنتِ مش حاسة مبسوطة، قوليلي إيه اللي جابرك على كده؟ انتِ تستاهلي تتبسطي وتتشالي فوق الراس، أنا خايف عليكِ يا فاطمة." "أنا مبسوطة يا بدر كده ودي حياتي بقا خلاص، وحتى لو هستحمل فعشان العيال، هيتربوا إزاي دول؟ وبعدين أنا بحب عارف ومش عارفة أبطل أحبه، آه عصبي ساعات وبيغير عليا بطريقة أوفر وبيحصلي ياما بسبب حماتي، بس ده النصيب والحمد لله."

نظر لها بصمت، لا يعرف بماذا يجيب. فتحدث "غسان" سريعاً يجيبها: "محدش بيغصبك على حاجة يا فاطمة، لو محتاجة حاجة إحنا هنا معاكِ وفضهرك، متتردديش لحظة إنك تيجي لو الدنيا ضاقت بيكِ، ولو عارف عملك حاجة قولي، قوليلي وتعاليلي متخافيش حتى لو بدر مش هنا." ابتسمت له بامتنان ثم قالت: "متحرمش منك يا غسان وسامحني إني معرفتش أزوركم! كنت عاوزة أوريكم العيال دلوقتي بس عند حماتي، مفيش هنا غير ولاد عمهم وعارف فاته على وصول من شغله."

نظر لها هو بمعنى لا يوجد مشكلة في الأمر، بينما ابتسم لها "بدر" قائلاً بهدوء: "مرة تانية نشوفهم، كتب كتاب ياسمين وحازم بكرة، تعالي وهاتيهم وإقعدي معانا شوية." "ربنا يفرحهم ويسعدهم، إن شاء الله لو عرفت هاجي طبعاً." كاد أحدهم أن يتحدث، ولكن قاطعهم نبرة رجل خشنة بصوته الأعلى في المكان وهو ينادي عليها قائلاً: "انتِ يا وليه، انتِ فين تعالي حطيلي الغدا، أنا على لحم بطنـ.."

صمت حينما وجد الاثنين معها، ثم نظر لها بغضب وهو يهتف عالياً بتبجح: "انتِ قاعدة كده إزاي وفي راجل غريب؟ نظر إلى "غسان" وهو يشير عليه، تنحنح "عارف" سريعاً، ثم قدم يده للاثنين بالسلام، فرحبوا به بفتور، فأجابه "بدر" قائلاً: "قاعدة إزاي يا عارف ما لبسها محترم أهو!! نظر له "عارف" بغضب دفين يكتمه ثم رسم على محياه ابتسامة سمجة وهو يردد: "أنا عارف مراتي، وعارف تلبس إيه ومتلبسش إيه، هتيجي انت تعلمني ولا إيه؟

نظر له "بدر" بصمت حتى لا يفتعل المشاكل لشقيقته وهو يتحامل على انفعاله قائلاً بهدوء: "لا، هي مراتك، بس أختي بردو، فخلي بالك... أنا هستأذن أنا بقا، بس معلش خمسة بالحب عشان عاوز فاطمة أختي في كلمتين قبل ما أمشي، أخوها وجاي من السفر بقا، طرُقنا." حك ذقنه بسماجة ثم أردف له باستفزاز: "وماله ميضرش، بس ياريت بسرعة عشان جعان! نظر "غسان" له باشمئزاز ثم خرج هو الآخر من الغرفة قائلاً للآخر: "أنا برا هنا، خد راحتك."

نظر له الآخر بأن ينتظر ولكنه خرج خلف زوج ابنة عمه، سار خلفه وهو يتجه حيث الأريكة التي توجد بصالة المنزل. التفت "عارف" ليرى من خلفه فوجده "غسان" الذي أخذ يقترب منه أكثر فأكثر مع تزايد الخطوات، منهم من يتقدم ومنهم من يرجع إلى الخلف. حاصره "غسان" أخيراً على حائط من ضمن حوائط المنزل وهو ينظر له بتعابير وجه خالية من التعابير. فـ طالعه الآخر بخوف طفيف من طريقته وهو يردد: "انت بتعمل إيه يا جدع انت؟

ابتسم "غسان" بخبث، ومن ثم وضع يده بجيبه على فجأة ثم أخرج نصل حاد (مطواه) بيديه ثم فتحه بسرعة متجهاً به حيث على عنق الآخر، وهو يبدل نظراته للحدة عندما وجد الآخر ينظر له بهلع، فهتف قائلاً بصوته الحاد: "عارف يا عارف ولا مش عارف؟ صمت ليفتك بأعصابه. وهو يراه ينظر له بخوف، مجيباً إياه بهلع، وهو ينظر للأداة الحادة التي توجد أسفل عنقه: "عـ.. عارف إيه؟ واصل "غسان" مجدداً، بتحذير جاد وثمة ابتسامة عبثية تزين محياه مع احتفاظه

بملامح وجهه الجادة: "لو إيدك اتمدت عليها تاني، هخليك ماشي من غير رقبتك الحلوة دي." هز له الآخر رأسه يلبي أمره بخوف، وهو يبتلع ريقه، هو يعلم أن ذلك الغسان معروف عنه أنه ليس هينناً، كل الوقت أحياناً ما تنفلت منه زمام الأمور بعد تفكير منه! ولا يحبذ القرب منه من الأساس بسبب حديث "آدم" منذ سنوات عنه!! ابتسم "غسان" وهو يقرب من نصل سكينه الحاد أكثر حتى تكون مقتربة بشدة من عنقه وهو يشدد من مسكته وقربه لها قائلاً بتسلية:

"أيوه خليك مطيع كده، معلم! أنزل الأداة الحادة وهو يغلقها أمام وجهه بقوة، حتى يضعها بجيبه بحركة محترفة وكأنه ولد في الشارع! ثم طالعه ببسمة ببرود، وهو ينظر له من أعلى لأسفل، تاركه يرتجف رغم ملامحه الصارمة ألا أنه يتظاهر بممارسة القوة فقط!

نظر "غسان" من أمامه وهو يتجه حيث باب الشقة ليخرج بثقة تامة وكأنه لم يفعل شيئاً، لتو متذكراً وضعه لتلك الأداة بجيـبه إن حدث شيء ما، دقائق لينتظر الآخر في السيارة، حتى وجده يخرج له وهو يركب السيارة بجانبه، فحرك الآخر السيارة ليقودها خارج تلك المنطقة حيث منزلهم.

بعد مرور ساعة منذ مجيئهما، كانت الاثنان جالستان مع "فرح" في جو هادئ يفتحن بعض المواضيع المختلفة وأهمها الأمور المتعلقة بجامعتهم. لاحظن صوت دقات الباب الخافتة. أذنت "فرح" للطارق بهدوء، فدلف "عز" وبيديه بعض من المشروبات الغازية والأطعمة. ابتسمت له شقيقته بحنو، في حين ابتسما له الاثنان بحرج. فتنحنح هو قائلاً بلطف: "دي حاجة بسيطة كده، إشربوهم يلا." ابتسمت "نيروز" له بتكلف، فنظرت "جميلة" بامتنان:

"تعبت نفسك ياعز شكراً، بس احنا لازم نمشي لأننا اتأخرنا." "خلاص إمسكوا اشربوهم وانتوا ماشيين." قالها وهو يقدم لهم المشروبان، فنهضت تأخذه منه بحرج. ثم توجهت كلا منهن تحتضن "فرح" حتى تودعها. فنظرت "نيروز" لهما قائلة بهدوء: "مع السلامة وهنستناكم فـ كتب الكتاب." ابتسما لها وهما يومآن لها بالإيجاب ثم توجها ليخرج الاثنان من الغرفة، وهما يغلقونها من خلفهم، تحت نظرات "عز" المثبتة عليها. التفتت "فرح" إلى شقيقها تنظر له بعبث،

ثم أردفت: "حلوة أوي أنا عارفه! نظر لها بحرج، ثم تنحنح يجلي حنجرته ثم قال: "أخدتي علاجك؟ "بتوه عن الموضوع. عموماً خدت علاجي، علفكرة انت مفضوح أوي!! قلب أعينه بملل ثم أومأ لها قائلاً بضجر: "بتعرفي تهدي شوية ولا مبتعرفيش؟ أنا ماشي هجبلك بقية العلاج من الصيدلية وجاي عاوزه حاجة أجبهالك وأنا جاي." "لا، متحرمش منك."

خرج سريعاً من الغرفة ليهرب من أنظارها متوجهاً لأسفل، وهو يهبط بسرعة من على الدرج. سار بخطواته في الساحة الكبيرة فوجده واقفاً يحدث إحدى الممرضات على إحدى الحالات الجديدة. توجه "عز" له وهو يبتسم قائلاً: "دكتور بسام، عامل إيه." "أهلاً يا عز عامل إيه انت؟ من قبل ما تسأل والله، والدتك حالتها مستقرة تحت الأجهزة بس لسه مفاقتش. متقلقش ان شاء الله خير." نظر "عز" له بصمت، ثم تحدث قائلاً بشكر:

"شكراً يا دكتور، مش عارف أقولك إيه." "يا جدع إحنا بقينا صحاب وبعدين ده واجبي وواجب المهنة. ربنا يقومهالك بالسلامة يارب." ابتسم له برضا ثم دقائق واختفى من أمام أنظاره. فنظر "بسام" بأثره مطولاً، حتى قطع شروده تلك الممرضة التي استأذنت للإنصراف. توجه ليلتفت مرة أخرى حتى يصعد السلم وهو يفكر في أمور عدة. فـ لمح ظهر يعرفه جيداً، ولكن ماذا؟ هي؟

ركض سريعاً في الطرقة حتى التفتت تلك الفتاة سريعاً لأثر الراكض من خلفها. وما أن رآها تبدلت ملامحه للدهشة. أيعقل قلب الحال في لحظات؟ أيعقل أن تكون هي؟ اقترب بخطوات مهزوزة ثم وقف أمامها ناظراً في وجهها بشدة، لم تتغير مع مرور السنوات! سوي انخفاض وزنها قليلاً. استوعب عقله سريعاً، ثم فتح عينيه على وسعها مردداً بدهشة: "تــاج!! رددها بدهشة من أثر رؤيتها لكن صوته خرج منه متحشرجاً كمن يريد أن يبكي ولم يستطع!

أما هي فنظرت له بنفس الصدمة. ما أن رأته ثبتت قدميها على الأرض بقوة لم تستطع الهروب كما هربت من قبل! دقائق مرت على الاثنان وكل منهم يريد أن يتحدث ولكن لم يقو أياً منهم. تنفس ببطء وهو ينظر لها وبأعينها الحمراء، يبدو أنها كانت تبكي. ولكن هل لقلب جاحد مثلها أن يتأثر بشيء ويبكي حزناً؟ أم فرحاً؟ لا يبدو!! خرج منها صوتها أخيراً بعد فترة ثم أردفت بصوتها الذي لم يستطع الآخر نسيانه: "إزيـك يا بسام؟

بسمة سخرية لاحت على جانب شفتيه منها ومن تلك الدنيا القاسية التي تضع في طريقنا شخص لم ولن نستطع التعافي مما فعله بنا إلى الآن حتى بعد اختفاء دام ولكن الآن؟ أردف بصوته الجامد بعض الشيء يجيبها بنفس السخرية: "إزيـك؟ صمت ثم واصل بنبرة ساخرة من نفسه وحاله، ومن تلك الصدفة العجيبة مردداً بنفس النبرة الساخرة التي يغلفها بعض التعب الذي لم يعرفه سواه هو وقلبه: "دا الدنيا دي صغيرة أوي!!

وبكل جرأة أجابته وكأن شيئاً لم يحدث قائلة على فجأة بنبرة عادية متحلية بالثبات والتبجح: "أيوه إزيـك؟ مستغرب؟

نظر لها بملامح وجه خالية، ثم اقترب منها حتى بات لم يفصل بينه وبينها شيء. رجعت هي خطوات للخلف ولكنه أمسك يديها بقوة من معصمها ثم سحبها خلفه وهو يسير بسرعة إلى حيث توجد غرفته في الناحية الأخرى من السلم الجانبي. أخذت تتملص منه وهي تحاول أن تفك معصمها من يده ولكنه كان يمسكها بقوة ولم يعير لاعتراضاتها أي اهتمام، حتى وصل إلى الغرفة صافعاً بابها من خلفه بقوة، ولولا خلو المكان قليلاً لهاجت الأصوات بسبب ما يرونه أمامهم من شيء غريب. بسام؟

يمسك يد امرأة؟ وتعبس ملامحه؟ هذا. ما يراه البعض غريبًا بالنسبة لهم ولطبيعته! بعد مرور وقت منذ أن كانوا بالخارج، وصلت "نيروز" و"جميلة" إلى المنزل منذ فترة، ومن قبلهما "غسان" و"بدر" أيضًا. حتى اجتمعوا جميعهم في شقة "سمية"، وجميع من في الطابق أيضًا عدا "زينات" وزوجها وابنتها. كانوا جالسين على الأريكة التي توجد بصالة المنزل، جميعهم. كل منهم يحدث الآخر بأمور مختلفة.

وعند ناحية "ياسمين" و"حازم"، كانت تنظر له بحب بعدما جلب لها الفستان التي سترتديه في الغد قبل قليل. ابتسمت بحنو وهي تردد قائلة بمرح: "بجد الفستان تحفة أوي يا حازومي، فرحانة أوي إننا خلاص هنكتب كتابنا لبكرة بعد مأساة كبيرة أوي يا جدع، أخيرًا! "وحياة عيونك فرحان أكتر منك! ضحكت بقوة، ثم نظرت لهم جميعًا وهي تهتف عاليًا:

"ها يا جماعة معتش ناقصنا حد، المفروض نقوم بقا ونخلي عندنا دم وننفخ البلالين ونعلق الحروف ونهيص كده، شغلوا أغاني يلا." ضحكوا جميعًا بخفة، فوقف الشباب ليتجهوا معًا ناحية حجرة الضيوف والتي سيُعد بها كتب الكتاب. ثم توجهت النساء معًا إلى المطبخ ليقمن بعمل مشروبات وطعام بسيط لهم جميعًا. نهضت "نيروز" أخيرًا، ثم ابتسمت لذلك الجالس بجانب يام يدلله، فابتسمت قائلة له بتساؤل: "وسام مجتش ليه يا عمو حامد؟

رفع "حامد" عينيه لينظر لها مبتسمًا من اهتمامها البسيط، ثم تحدث بمرح طفيف: "والله يا بنتي كان نفسي أقولك بتذاكر، بس في ماتش جاي الوقتي ومستحيل تقوم لو القيامة اتهدت. ومتبصليش باستغراب لأن فعلًا أنا أب مليش كلمة، والمفروض أخليها تذاكر وأحكم وأشكم وكده، بس ربنا ع الظالم!! قهقهت عاليًا، ثم نظرت له بحب قائلة: "أخر العنقود، زيي، فتهون أي حاجة بقا." "أخر العنقود أه، بس عنقودي ده كله ابن كلب!!

ضحكت عاليًا، ثم نظرت حولها فوجدت الأغاني صوتها يملأ المكان ببهجة. يبدو أنهم بدأوا فعلًا في التجهيزات!

توجهت حيث الغرفة بضعة خطوات، فوجدت كلًا منهم يفعل شيئًا. نظروا لها بتشجيع وهي تتجه نحوهم لتفعل مثلهم. دفعة بسيطة على كتفها من الخلف دون تلامس مباشر، فالتفتت لتجده هو. طالعها بابتسامة صغيرة، ثم قدم لها "غسان" ذلك اللاصق وهو يصعد على السلم. فأخذته منه سريعًا وهي تساعده في تعليق بعض من أشياء الديكور. اهتز السلم كالعادة وهو عليه، فأمسكته هي سريعًا بمحاولتها، متحدثة بسرعة وبعفوية حتى خرج صوتها بلهفة: "حاسب هتقع يا غسان!!

قالتها عاليًا مما جعل ما حولها يطالعونها على فجأة. أما هي، فهربت بأنظارها سريعًا. ثم عاودت النظر إليه فوجدته يغمز لها بطرف عينيه وهو يتحدث بهدوء مستغلًا انشغال الآخرين مرة أخرى: "غسان وقع من زمان! تحرجت بشدة، خاصة أن تلميحاته لها أصبحت كثيرة في الآونة الأخيرة. احمر وجهها بشدة وما أن رأته يهبط من على السلم، توجهت تقف حيث شقيقتها وزوجها لتقوم بنفخ تلك (البلالين)

معهم، متجاهلة ذلك الجريء قليل التربية من وجهة نظرها. ولكنها فتحت عينيها على وسعها حينما اقترب منها متظاهرًا بأن شيئًا ما قد وقع أرضًا، ثم انحنى ليمسكه وهو يستقيم مجددًا، مقتربًا من أذنها قائلاً بخفوت: "يحلاوة القلب لما يدق يدق!

رعشة يديها إن قدمتها أمام أنظارهم سيعلمون الآن. بعد احمرار وجهها بشدة، تحركت سريعًا خارج الغرفة لتجلب زجاجة مياه هروبًا منه ومن كلماته التي تفتك بها، وهروبًا من نظراته الجريئة في عينيها دون حرج ومن أفعاله!

حرب نظرات نشبت بينهم، لم يتحدث أي منهم إلى الآن، وما زال وجودهم في غرفته إلى الآن أيضًا. توجه ليقترب منها أكثر حتى بات قريبًا منها بخطوة واحدة فقط. لم ترجع هي إلى الخلف بل طالعته بصمت وجرأة. ثم لحظات وخرج منها صوتها عندما وجدته بات قريبًا منها بنسبة ما. ومن ثم تحدثت ببطء قائلة بنبرة فاترة وبتبجح رغم بكائها وأثر دموع عينيها لسبب مجهول بالنسبة له: "مقرب مني أوي كده ليه؟

وكمان كنت ماسك إيدي، ده منظر واحد عارف ربنا وقريب منه. خيبت توقعاتي يا دكتور بسام بجد! تشنجت ملامحه، ثم نظر لها بجمود للحظات، ومن بعدها ردد قائلاً لها بتساؤل حاد: "هو سؤال واحد بس. ليه عملتي فيا كده؟ نظرت له بصمت. بماذا تجيب؟ أحقًا لم يعلم إلى الآن؟ أهذه فرصتها لاختلاق الأكاذيب من جديد؟ طالعته بصمت فقط، فنفذ صبره وهو ينتظر ردها، ثم صرخ عاليًا بوجهها يكرر ما قاله لها من سؤال: "عملتــى فيــا كده لــــيــه؟

انتفضت على أثر صراخه كما حاولت أن تبقى ثابتة نوعًا ما. التفتت تنظر بعشوائية ومن ثم تنفست أخيرًا وهي تتصنع اللامبالاة: "هو انت جاي بعد كل ده تقولي ليه عملت فيك كده؟ إيه؟ أوعى يكون معرفتش تنساني؟ تنفس بصوته العالي مما يوحي إلى تماسكه الانفعالي حتى لا يتهور. فواصلت هي تحاول الهروب من نظراته: "وبعدين ابعد كده، بابا تعبان ومش وقته ولا لازم أصلًا الكلام الفارغ ده."

قالتها وهي تدفعه حتى يترك لها المكان لتخطو. فأمسك هو معصمها مجددًا بقوة وهو يرجعها إلى الخلف حتى جلست بقوة على المقعد من خلفها من أثر دفعته. فتنفست عاليًا، تزامناً مع إجابته لما أردفته منذ لحظات: "كلام فارغ! إنك تختفي وتمشي وتسيبيني بعد ما خلاص كان حتى فرحنا وقربنا نتجوز. ده كلام فارغ. كلام فارغ إن أعد أدور عليكي في كل الوشوش وبردو ملاقكيش. كلام فارغ إنك تسيبني وتمشي وتخلي اللي يسوي واللي ميسواش يعيب فيا. عملتلك إيه؟

ده أنا حبيتك حب لسه لحد دلوقتي بتعافي منه! عملتلك إيه عشان تمشي من غير أسباب ولا وداع حتى! كلام فارغ إني أعرف بالصدفة إنك عايشة وعايشة حياتك عادي وأنا هنا لسه بتأذي من اللي عملتيه فيا! أنا وقفت فوش كل اللي مكانش حابك بطريقة غير مباشرة! يحذروني أقولهم دي أول الحب وأخره، مستحيل تإذيني! ما تنطقي!

عملتلك إيه لما نكون مع بعض خطوة بخطوة بنجهز لكل حاجة بكل حب والاقيكي اختفيتي. مش عاوز أعرف عملتلك إيه قوليلي كنت بتقوليلى إنك بتحبيني ليه كل شوية! قوليلي إيه اللي خلاكي تمشي وتسيبني واقع ومكسور لحد النهارده. قوليلى الواحد يحس بـ إيه لما حد يحبه يمشي ويسيبه بعد ما خلاص اتعود على وجوده وكان مستحيل يومه يمشي من غيرك. إيه الـ خلاكي تمشي وأنا كل يوم بتحارب مع ذكرياتنا وهي اللي بتكسب في الآخر!

قوليلي إنك كنتي وحشة وأنا اللي مكنتش واخد بالي عشان أنا لسه مأذي وملعون بحبك وبتفكيري فيكي لحد دلوقتي! أخرج كل ما بداخله، تارة يصرخ وتارة يحدثها بنبرة منهكة. طالعته هي وهي تمسك معصمها، ثم نظرت له بملامح وجه خالية من التعابير. صمتت للحظات لم تجيبه وصوت أنفاس الاثنان يملأ المكان. صمت! يقتل أحدهم والآخر يفكر بطريقة ما كيف ينجو بأذية أحدهم! "خلصت؟ طلعتنى الوحشة؟ مفكرتش إن أنا هربت مثلاً من ضغط أخوك غسان عليا؟

مفكرتش إنه جه وهددني إني أبعد عنك من غير ما أعمله حاجة؟ مفكرتش إني كنت بتعرض منه لمواقف وحشة لأي بنت ومش بقولك؟ وعينه كانت عليا وكل مرة كنت بخاف أقولك. انتوا عيلة مريضة ومكنتش أتمنى أعيش مع شخص زيك وواحد قذر زي أخوك! صدمة! هذا ما عاشه تزامناً مع قولها حتى إنه لم ينتبه لسبها له ولعائلته بل لجزء شقيقه فقط! قنبلة وانفجرت في وجهه. تراخت أعصابه لم يقو على الصمود أكثر حتى قام بدفع المقعد ليجلس عليه بخواء. ثم

خرج منه صوته بنبرة متقطعة: "غـ غسان هيعمل كده ليه؟ مسـتـحـ ـيل! قالها وهو يصارع نفسه وهو يتذكر تحذيرات شقيقه منها، متذكرًا أنه كان لا يحبذها ولا يفضل وجودها، وأغلب مشاكلهم في تلك الفترة بسبب تلك الفتاة "تاج". نظرت هي له بلؤم داخلي. الخبث وضح في نظرتها ولكنه كان في عالم آخر! تمادت في ما تفعله أكثر ثم رددت بانفعال: "ما تقول!

أنا كان لازم أمشي عشان انت ضعيف، ضعيف قدامه، ومستحيل كنت هتصدقني، وتلاقي الوقتي مش مصدقني، طول ما انت ضعيف كده قدامه عمرك ما هتصدق حد يقول حاجه عليه!! فالحقيقة هو ليس ضعيف، هو عند نقطة معينة وسينفجر. بل هو الأكثر تهوراً وتيبساً للعقل مقارنة بشقيقه الذي ينفعل ويصرخ ويضرب، ولكن بعد تفكير. محافظاً على ثباته الانفعالي!! قالتها بأسلوب درامي حتى يقع بشباكها، ولكن عقله كان قد صور له الكثير!!

أحقاً كاسرة في كل تلك الفترة كان شقيقه الذي كان يشاركه أحزانه حتى لو قليل!! ابتسمت بسخرية ثم رددت بتهكم: "إبقى اتأكد الأول يا دكتور عشان متظلمش حد وتخش النار! أكيد انت بتصلي وعارف ربنا، وعارف جهنم عاملة إزاي اللي انت وأخوك هتتشووا فيها! واتأكد من أخوك كمان، ها أخوك والدم اللي بيجري في عروقه ده إيه؟

وإياك تكلمني تاني ولا تمسك إيدي كده ولا تجرني وراك زي الجاموسة، مش هقبل بكده بحكم إني ست ومتجوزة. أاه نسيت أقولك إني اتجوزت وحبيت أحافظ على نفسي بدل ما أضيع بسببك من أخوك وقبل ما اتجوزك كمان! اسمع.. ولا كأنك شوفتني ولا أعرفك حتى. انت هنا دكتور زي ما كنت وهتكون، وأنا هنا مع مريض فستشفي. فـ متمناش نتقابل تاني. سلام!

قالتها وهي تتحرك بسرعة من أمامه حتى لفح وجهه خصلات شعرها الطويلة، فهي ليست محجبة كما اعتادت، ملابسها جريئة أيضاً عن ذي قبل! فعند ارتباطهم كان ينصحها بهدوء مقنعاً نفسه بأن الله سيهديها ولا مانع من ارتباطهم ما دامت تلك النية موجودة!! ولكنه خدع بها من الأساس. تركته ثم سارت بكعب حذائها العالي وهي تخرج من الغرفة، متجهة إلى الأسفل ومن ثم السلم الآخر للصعود إلى غرفة والدها!! أما هو فهو جسد خاوي الآن، أحقاً سيواجه شقيقه؟

وكيف سيواجه؟ ولماذا فعل هذا من الأساس؟ تروّقت عيناه بالدموع حتى هبطت دمعة وحيدة قاسية على وجنتيه، ثم اختلطت بلحيته الخفيفة!! رافعاً ذراعه على رأسه يمسكه كمن دخل في معركة بين صدقه وتكذيبه، بين عقله وقلبه! بين ما يريد وبين ما هو ظاهر، بين ما هو ظاهر وبين عاطفة الأخوة!! هو اليوم مقيماً في المشفي ولن يعود إلى منزله حتى اليوم الآخر!!

احتدمت نظراته وهو يرى هاتفه يدق دقات عالية صادحة في المكان ولم يكن سوى شقيقه. ترك الهاتف يدق بمفرده ثم نهض بتعب وهو يتجه إلى خارج الغرفة وعقله مغيب عن ما عليه فعله لـ مهنته!!

جلست على الأريكة بإنهاك بعد مرور وقت من تجهيزاتهم، إلى حد ما جهز المكان وتجهيزاته كانت سريعة بمساعدة البعض خرجوا إلى الصالة، فجلس هو وهو يعبث بهاتفه محاولاً طلب شقيقه، ولكن لا رد منه. قاطع حديثهم العبثي صوت دقات الباب العالية بصوت متوسط. نظروا جميعاً إلى الباب وإلى "بدر" الذي توجه ليفتحه فوجدوها تهل عليهم ببهجة قائلة بحماس: "مسا مسا! ع الناس الكويسة!

ضحكوا جميعاً عليها، ومنهم من يضحك وهو يمسك بأكواب العصير ومنهم من انتهى منها بلتذذ أخيراً. اتجهت هي أخيراً لتجلس بجانب "غسان" التي غمزت له بعينيها وهي تميل تدفع كتفه بمرح قائلة برواقة: "إيه يا أبو الغساسين يا عسل" ابتسم لها وهي تجلس بجانبه، ومن ثم مال عليها ليتحدث بجانب أذنها بخفوت: "ماتش جاي في وقت ولا أروع! بدل ما كنت تتحججي عشان متعمليش حاجة" ضحكت "وسام" عالياً ثم أردفت ببراءة زائفة: "حرام عليك!

ده أنا بريئة وكيوت أوي" نظر لها بسخرية ومن ثم وزع نظراته عليهم مرة أخرى وبالأخص هي. فنظر إليها حتى وجدها تنظر له هي وشقيقته وتبتسم ببلاهة. لاحظت انتباهه إليها فهربت بأنظارها بحرج. ومن بعدها هلل الجالسين حينما وقفت "ياسمين" قائلة بصوتها العالي: "جماعة! هشغلكم أغنية بتحكي قصة حياتنا بالظبط أنا وحازم جاهزين"

نظروا إليها بحماس وترقب. فضغطت لتقوم بتشغيل أغنية كلماتها كالآتي مما جعل اثنان من الجالسين ينظران إلى بعضهما وكلا منهما على ثغره ابتسامته. وكانت الكلمات تحتوي على: "من زمان نفسي أغنيلك وأحكيلك قد إيه أنا بحبك وأمسك قلمي وأكتبلك، وأعمل أغنية باسمك...

ما أن سمعوا بدايتها هللوا سريعا وبالتصفيق، حتى جذب "بدر" يد "ورده" ليقومان بالرقص على لحنها بهدوء كأنه فيلم رومانسي جميل بألوانه الهادئة. ومن بعدها نهضت "وسام" وهي تأخذ يد "غسان" ابتسمت لهم "دلال" بحنو، ثم تفاجأت بمن يمسك يديها ولم يكن سوى "حامد" ليقومان بالرقص معاً هم الأخريين ورغم عدم تمكنهم إلا أنهم قد حاولوا. كانت النظرات جميعها جميلة يغلفها الحب واللطف. نظر "حازم" لها بحب، ثم قام بمسك يديها فقط ليرقص معها بهدوء رغم ترددها في البداية من التلامس ولكنها أمام الأمر الواقع!

المكان وكأنه ساحة للرقص في أحد الأفلام الكرتونية ذات الساحة الواسعة خلف الأميرة والأمير يرقصان بهدوء. حتى تحركوا معاً بخفة على بقية كلمات الأغنية الهادئة اللطيفة: "كنا أطفال وكبرنا ومع بعض احنا كملنا الحكاية حب ببراءة وسذاجة غلب الدنيا الكدابة ولسه عايش جوايا بشوفك زي أول مرة وكنتي غيرهم كنتي حرة واللي ف قلبك كان بره انتي كل حلم عدى واستخبى وخرجتيه مني بزقة بتشديني ودايما سابقة"

تراقصوا بخفة على تلك الكلمات وكل منهم ينظر نظرة مليئة بالحب. طالتهم "نيروز" بتأثر كما أن أنظار "غسان" كانت مرصدة عليها. أتى في عقله ماذا لو تراقص معها هي على تلك الأغنية! التي تشبه قصتهم هم أيضاً إلى حد كبير. وبخفة بدلت الحركات مابين "حازم" و "عايدة" و "غسان" و "دلال". وقامت "ياسمين" بمسك يد "نيروز" و"جميلة" وهي تحركهم من أماكنهم ليرقصن بعشوائية!

حتى اعتلت الضحكات ببهجة في المكان. وبعد دقائق جلسوا جميعاً مرة أخرى بتعب، وتلك المرة تبدلت الأماكن وجلس "غسان" بجانب "نيروز" وما أن طالعها نظر لها بصمت ثم حرك أنظاره لعينيها أكثر وهو يردف بخفوت: "كنت حلو وانا برقص" ابتسمت بحرج ثم أجابته بدبلوماسية: "كلكم كنتوا حلوين أوي" "وإنت كمان كنت حلوة!! هربت بأنظارها سريعا. هذا الغير هين يجعلها تتأثر بكلماته البسيطة! دون أن يدري أو يدري!!

قطع حديثهم الغير منتظم مع شخص واحد صوت دقات الباب. فنهض "غسان" تلك المرة وهو يتجه حيث باب الشقة ليفتحه وما أن فتحه وجدهم الاثنان أمامه. طالعته تلك الواقفة بغيظ وحقد إلى الآن لن تنسى أنه السبب في ترك ابنها المنزل! لاحظ هو نظراتها فرفع يده يشير لها بالدخول هي ومن بجانبها بهدوء. ثم أغلق الباب من خلفهم واضعاً يده أمام صدره وهو يقف أمامهم مرة أخرى ولم يجلس تلك المرة. نظر لهم "سليم" بصمت ثم ثوان وأردف على فجأة:

"زينات جايه تتأسف على اللي حصل ومش عاوزين مشاكل بقا" قالها فنظر له البعض باستنكار والبعض الآخر بصمت. أما "ورده" فلم تحرك ساكناً بل جلست بصمت بجانب زوجها الذي كان ردة فعله باردة أيضاً. نظرت "زينات" بحقد داخلي وهي تتوجه حيث "ورده" و"بدر" ثم قالت بلطف غلفه الخبث من الداخل: "معلش يا حبيبتي ذلة لسان وكده. حقك عليا إني يعني اتفكيت بالكلمتين من غير حساب. غصب عني قولت كده يعني وانت فاهمه"

لم تجد أي رد بل صمت تام في المكان ولم يتحدث أحد والغريب أن تلك التي وقفت وهي تصيح عالياً بنبرة عادية مما جعل البعض يستغربون "خلاص يا جماعة بقا. عدت أو هتعدي! صمتت حتى وجدت الاستنكار يغلف ملامحهم فواصلت بابتسامة صفراء تكمل ما بدأته والذي جعل البعض يعلم جيداً أنها هي بالفعل "ياسمين" حينما قالت بعلو صوتها:

"ساعات بردو الواحد لما يكبر بيخرف و بيقول كلام كده عبيط. ولو انه كلام ميتفوتش. بس عادي يا مرات عمي انت كبيرة بردو وبتقولي كلام ساعات كده!! كله من السن ولا يهمك يا زوزو. قالتها بطريقة مرحة مما جعل البعض ينظر لها بذهول وإعجاب، حتى "غسان" نفسه الذي نظر إلى "بدر" من على بعد وهو يغمز له بطرف عينيه مردداً في نفسه بخفوت: "كويين والله!! حاول "سليم" أن يلملم الحوار رغم غيظه من تلك المندفعة "ياسمين"، ولكن لها وقت آخر.

"خلاص الصلح خير، همشي أنا بقا وزينات كمان عشان ورانا مشوار مهم." قالها بسرعة وهو يدفع "زينات" خلفه برفق، والتي كانت تطالع "ياسمين" بغيظ وضح على وجهها بشدة، فحاول زوجها أن يلملم الموضوع ويأخذها بعيداً إلا وستحدث معركة للتو! صوت غلق الباب من خلفهم سد المكان بعد الصمت، وحتى "حازم" الذي حاول نسيان الأمر متجاهلاً وجودهم من الأساس منذ دقائق. ثم نظر إليهم جميعاً مردداً ببهجة: "كنا بنقول إيه بقا؟ هتف "حامد" عالياً وبأسف:

"كنا بقول هروح بقا وهنجيلكم بكرة عشان بنام بدري! نظرت "سمية" لهم نظرات معاتبة، ولكنهم بطريقة ما نهضوا بسرعة حتى يتوجهوا حيث الباب حتى يخرجوا منه. هرول "يامن" على "غسان" يحتضن ساقيه قبل المغادرة، فانحنى "غسان" ليرفعه بمرح يقبله من وجنتيه، ففعل الصفير إشارة الوداع لوالديه حتى ضحكوا عليه بشدة. فنظر لهم "غسان" قائلاً بنبرة لا تحمل النقاش: "لأ دا أنا كده هاخده أحطه فجيبي ومش هرجعه تاني! صمت ثم واصل بطلبه:

"هاخده يقعد معايا شوية وهرجعه تاني! كادت أن تعترض "وردة"، ولكنه أردف مجدداً بنبرة لا تحمل النقاش: "يالا سلام! قالها وهو يغلق الباب من خلفه تحت ضحكاتهم جميعاً، حتى نهضت "عايدة" و"جميلة" أيضاً يستأذنان للإنصراف، وخرجا بالفعل! دقائق وكل منهم ذهب إلى حيث غرفته تاركين "حازم" و"ياسمين" في شرفة الصالة!!

والمكان يخلو من الأشخاص عدا هم، حتى "نيروز" ذهبت إلى غرفتها سريعاً تبدل ملابسها وهي تجلس على فراشها بهدوء، تجلب تلك الأظرف البيضاء المجهولة لتفتحها!! جلس هو والصغير في الشرفة وهو يدلله، تارة يقبله بحنان، وتارة يقوم بتشغيل الأغاني الطفولية له. أخذ يداعبه بلطف وقت قليل في الشرفة، فأخذ "غسان" هاتفه ثم قام بتشغيل أغنية لـ "أم كلثوم" وهو يجلس برواقه، ورغم تفكيره في عدم رد شقيقه عليه، إلا أنه اعتقد أنه مشغول بشدة!!

سمعت هي صوت الأغاني الذي اخترق مسامعها، وضعت حجاباً كبيراً على رأسها وهي تتجه بسرعة حيث الشرفة. فتحته سريعاً حتى وقع بصرها عليه وهو يجلس وعلى قدميه الصغير. ابتسمت باتساع وهي تتجه لهم أكثر ثم تحدثت على فجأة: "مبسوطين مع بعض؟ رفع أنظاره إليها، هو انتبه لها منذ أن وضعت قدمها في الشرفة ولكنه بقي ثابتاً، محفزاً نفسه بالثبات أكثر أمامها، ورغم صعوبة ذلك إلا أنه يحاول! رفع أنظاره إليها ثم أجابها ببسمة صغيرة:

"جداً، مبسوطين ورايقين زي ما انت شايفه." ابتسمت له ثم للصغير بحنو وهي تردد قائلة: "ربنا يديم المحبة!! نهض وهو ينزل الصغير أرضاً بسبب إرادة "يامن" بذلك، ثم وقف "غسان" بجوار السور ثم نظر إلى السماء بشرود وهو يتحدث قائلاً دون مقدمات: "حبيتي قبل كده؟ ورغم جراءة السؤال، إلا أنها حاولت الثبات من صدمتها ثم تنفست بعمق تجيبه بهدوء رغم توترها الداخلي: "حبيت." التفت برأسه يطالعها بتساؤل وفي عينيه نظرة فضول، فواصلت هي قائلة:

"الراجل اللي كان ومازال حبيب أيامي، بابا، ده اللي بحبه، حتى وهو مش موجود. عارف.. كنا إحنا واعدين بعض بالإيد إني مخونش ثقته ومعملش حاجة غلط! ساعتها قولتله يبقي لسه وعدك أنا وعدت خلاص! قالي مش هحب على أمك عشان لما تحبي وتتجوزي جوزك ميحبش عليك. لسه معلقة معايا الكلمة دي وعشان كده معرفتش أحب حسن!! طالعها بشغف رغم غيظه من ذلك الاسم الحقير!! فواصلت هي وهي تشعر براحة حديثها معه التي لم تتحدث به مع أحد من قبله:

"مش متخيلة إن هلاقي حد يحبني زي ما هو كان بيحب ماما، كل حاجة كانوا بيتقاسموها سوا! الزعل قبل الفرح. كان بيقولي عمري ما هلاقي حد يحبني زي ما أمك حبتني، ولا عمري هلاقي حد يستحملني في أوقاتي الوحشة زي ما هي استحملتني في عز ظروفي الوحشة!

مش بتمنى غير إني ألاقي حد يحبني زي ما هو كان بيحبها، ساعتها هقدر أعطيه حبي ليه الأكتر منه زي ما ماما كانت بتعمل، فالحقيقة أنا محبتش غير أبويا، ولو حبيت بعده هيبقي أول حب ليا هو بابا بردو!! فقدان الأب كسره!! عن أي كسرة تتحدث! تحدثت بكلماتها المنكسرة، بنبرة متعبة حتى أدمعت عينيها وهبطت دموعها دون أن تشعر. وجدته ينظر لها بتوتر، ولأول مرة يظهر عليه التوتر! لحظة ليس توتر! بل خوف!

خوف دفعه لمد يده لها بمنشفة ورقية بيضاء، وبسبب تقارب الشرفتين من بعضها وكانت هي قريبة جداً. وضع يده على خديها بالمنشفة الورقية يمسح من أثر دموعها. توترت سريعاً ثم أخذت منه المنشفة الورقية تمسح دموعها، وهو بقى ثابتاً في مكانه، ترتجف يديه من كونها أظهرت جانب من جوانب ضعفها أمامه. أخذ أنفاسه يحاول التماسك ثم تحدث بنبرته الهادئة: "مش عارف أقولك حاسس بيك، بس انت أقوى من كده أنا عارفك!

هزت رأسها من بين دموعها ثم ابتسمت كمختلة عقلية وهي تهتف بمرح من بين دموعها قائلة بعفوية: "يلهوي أنا قلبتها نكد أوي! وكما قالتها بالعفوية نظر لها بصمت ثوانٍ ثم قهقه عالياً، كم كانت ضحكته الرجولية بسيطة وجميلة. حمحمت هي بحرج من بعدها، فإردف هو من بين ضحكاته قائلاً: "ولا يهمك، لو نكد منك يبقي حلو!

قالها هو أيضاً بعفوية والآن انفتح القلبان على بعضها، بسبب حديثهم المريح بين الطرفين وبعد لحظات من الصمت حمل هو "يامن" وهو يتحدث قائلاً لها بمراوغة: "تاخديه من هنا؟ "لأ لأ، دي وردة تشوحني فيها من هنا." قالتها بسرعة فضحك هو وهو يقترب أكثر قائلاً لها باطمئنان: "ارفع إيديك ومديها! كادت أن تعترض فأشار لها أن تفعل ولأن المسافة قريبة جداً. انتشلته سريعاً منه بعدما رفعت يديها بجرأة من تحفيزه لها. ابتسمت بحماس وهي تضعه أرضاً

قائلة: "إيه السهولة دي! "مفيش أسهل من كده." قالها ببساطة، تزامناً مع نظرتها لـ "يامن" وهو يخرج من الشرفة، يبدو أنه قد عرف الطريق جيداً!! عدلت هي من حجابها سريعاً، ثم نظرت له فوجدته يطالعها بصمت، فتحدث هو قائلاً بتسرع بسبب تأثره بما حدث: "لو طلعتي بكرة البلكونة بليل بعد كتب الكتاب ما يخلص، هقولك حاجة مهمة.. ماشي؟ هزت رأسها بالإيجاب دون وعي، فابتسم هو قائلاً بتأكيد: "مهمة ها!

قالها وهو يرجع خطوات إلى الخلف، متمتماً بهدوء مع أثر خروجه من الشرفة: "تصبحى على خير! ابتسمت بأثره ثم توجهت مع لفح الهواء لوجهها بقوة لتخرج من الشرفة تغلقها من خلفها بسرعة وهي تفكر بما هذا الموضوع الذي يريدها به! أما هو فتسطح على الفراش وهو يفكر بتسرعه!! أيعقل؟ سيعترف بحبه لها بتلك السرعة! فكر بأنه قد تسرع بسبب خوفه ولهفته عليها وهي تتحدث بحديثها منذ قليل. وضع يده أسفل رأسه مرددًا بشرود ناظرًا لأعلى:

"حبك جنني يا بنت الأكرمي! قالها بشرود وهو يفكر بكيف ستكون تلك المواجهة وذلك الاعتراف المتسرع منه وماذا إن لم تواجهه هي الأخرى بالحب ذاته! عند هذه النقطة تسارعت دقات قلبه بشدة. فنهض على فجأة يخلع قميصه وهو يقف أمام المرآة يخرج تلك الأداة الحادة من جيبه واضعًا إياها في أحد الأدراج. ثم نظر لنفسه بالمرآة مطولًا وكأنه يحدث نفسه قائلًا بشرود من أثر تصرفاته وتفكيره العالي وحديثه مع نفسه مرددًا بسخرية وهو ينظر لنفسه:

"الحب بيعمل كل ده! ده أنا شكلي اتهبلت على آخر الزمن! قالها ثم التفت بنفس الشرود يجلس على الفراش مجددًا. ثم تسطح مرة أخرى عليه ناظرًا لسقف الغرفة وهو يفكر بماذا يعترف وكيف. ولماذا؟ أيعقل "غسان" حائرًا في التصرف بأمر ما ولا يستطيع إنجازه بنفسه؟ مهلاً، ذلك هو الحب يا عزيزي! يصعب به أي شيء بمفرده. بل يجب أن يكون مع الحبيب حبيبه! ومع العاشق عاشقه!

حتى تسهل تلك الحياة. مصمص شفتيه وهو ينظر إلى السقف قائلًا بلحن في آخر جملته والتي من إحدى أغاني "أم كلثوم": "صحيح، على رأي الست! وأهرب من قلبي أروح على فين؟ قالها وهو يدندن كلماتها متناسيًا أي أمر يزعجه الآن. فهو في حيرة في تطبيق تلك الكلمات الخاصة بالأغنية ألا وهو الأمر المحير كثيرًا. "إلى أين سيهرب من قلبه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...