أوقات الفرح جميلة، قد تكون قليلة، ولكن ما دامت هناك فرصة أن بإمكاننا أن نفرح سوياً، فلنفعلها إذن دون التفكير بأي شيء قد يعكر تلك الفرحة. نحن نعايش ونتعايش لنفرح رغم طغيان الحزن على الفرح، إلا أننا سنحاول ونحاول دائماً.
أصوات الأقدام الكثيرة في المكان وقت ما بعد الصباح الباكر بكثير. منهم ما هم بالمطبخ ومنهم ما هم في صالة المنزل يقومون بتنظيفه بمساعدة بعضهم حتى يسهل الأمر. ومنهم من بالخارج يقوم بتنظيم ما أمام الشقة بالطابق الخاص بهم بالتحديد.
كانت "سمية" و"عايدة" و"دلال" مع بعضهن في المطبخ يقمن بالطهي لمناسبة اليوم، فالجميع عندها اليوم من أجل عقد قران ابنتها. "وردة" و"بدر" في الصالة يقومان بالتنظيف مع بعضهما بهدوء. والعروس "ياسمين" تقوم بتنظيف ما أمام الشقة من الأتربة. أخذت تنظف المكان بتلك المكنسة بضجر من أمرها.
لاحظت هي صوت وصول المصعد من خلفها، فالتفتت سريعاً. فوجدتها تخرج منه وفي يديها بعض الأكياس. ثم لاحظتها تنظر لها بابتسامة خبيثة على جانب شفتيها مستغلة اللحظة حتى تسترد حقها منها منذ ليلة أمس مردفة لها بتساؤل: "إيه ده؟ عروسة بتكنس يوم كتب كتابها؟ لا دي حاجة صعبة أوي يا ياسمين، مش بدل ما تقعدي ملكة كده. الست يا حبيبتي لازم تقعد كده وتعزز نفسها في بيتها!
قالتها "زينات" بسماجة وحقد دفين ظهر بنبرتها فقط. ابتسمت لها "ياسمين" بثقة ثم زفرت بهدوء متمتمة بذكائها الدائم في الرد: "أصلنا متعودين على النضافة مش معفنين زي ناس كده. بس قوليلي انتِ، انتِ نازلة تشتري ليه طلبات بنفسك مادام الست ملكة في بيتها؟
قالتها ثم ابتسمت ابتسامة عبثية. ثم التفتت تتحرك من أمامها لم تعطيها فرصة للرد حتى. تركتها تنظر بأثرها بغيظ. دلفت "ياسمين" إلى شقتها ولم تغلق الباب بل ضحكت بخبث. ما إن سمعت صوت غلق باب الأخرى بقوة من أثر غيظها. لاحظ شرودها وبسمتها الواسعة تلك شقيقتها. التي وكزت "بدر" الذي يقف بجانبها قائلة له بخفوت: "بص، عارف الضحكة دي؟ مش مطمنالها! عارفاها كويس أنا." كانت قد اتجهت "ياسمين" تقف أمامهم وهي تبتسم تلك
المرة باتساع قائلة بمرح: "إيه رأيكم في العروسة اللي كلها بقت تراب دي بقى؟ "زي القمر يا حبيبتي. خشي بقى نضفي التلاجة بتقولك ماما! زفرت "ياسمين" بقوة مرددة بحنق من أمر والدتها: "يا دي التلاجة! كنت منظفاها لما كنتوا جايين بردو، مش فاهمة حكايتها إيه معاها! قالتها بتفكير وهي تضع يديها تحك بها أسفل ذقنها. ولكنها أردفت على فجأة وكأنها تذكرت شيئاً مرعباً للتو: "يالهوي لتكون ناوية تقعد المأذون فيها!
قالتها ثم تحركت سريعاً من أمامهم وهي تنادي على والدتها عالياً بقلق كبير تحت ضحكاتهم العالية. "مش قادرة أتخيل إنها ممكن تتجوز وتفتح بيت وكده. لا بجد مش قادرة!! نظر "بدر" إلى زوجته التي أردفت حديثها من بين ضحكتها العالية. نظر لها بشرود. ثم تحدث قائلاً على فجأة باطمئنان: "كانت وحشاني ضحكتك الحلوة دي بقالها كتير! نظرت له بخجل. ثم وكزته بمشاكسة قائلة بمزاح: "بتكسفني علكفره! "كسوف إيه يا أم يامن؟ دا إحنا عندنا يامن!
ضربته بخفة وهي تتحرك من جانبه إلى ناحية أخرى حيث ترتيب وتنظيم آخر حتى اندمجت بالفعل في عملها وكذلك الآخر. أما في المطبخ فكانت النساء تعد الأطعمة بمختلف أنواعها. دلفت "ياسمين" إلى المطبخ وهي تنظر إلى والدتها بضجر. فنظرت لها والدتها باستغراب. بينما تابعت هي قائلة بحنق: "انتِ إيه مشكلتك مع التلاجة يا ست انتِ؟ "احترمي نفسك يا بت بدل ما أطلع لك الشبشب. ولا يهمني لا عروسة ولا بتاع!
قالتها "سمية" بغضب طفيف من الأخرى. فنظرت لها "ياسمين" بخيبة زائفة ثم رددت بأسلوب درامي: "اعمليها. ما هي القسوة بتعمي الواحد مبتخليش يشوف ضناه اللي من لحمه ودمه واللي شاله في بطنه تسع شهور من التعب والـ... قاطعتها سريعاً بعدم اهتمام تحت ضحكات الآخرين: "مش وقته. مش وقته. تعالي امسحي التلاجة! فتحت فاهها بصدمة من معاملتها كذلك وهي اليوم عروس. نظرت هي إلى الاثنتين ثم زفرت بقوة وهي تتحدث قائلة لهما بخفوت: "وليه قادرة؟!
"ياسمين" هتفت بها "سمية" بتحذير وهي تكتم ضحكاتها بقوة متحلية بالحزم. فانتفضت الأخرى وهي تتوجه ناحية الثلاجة قائلة باندفاع: "خلاص. بنضف. بنضف أهو!
بعد مرور وقت كان يصعد "علي" السلم ماسكاً بحلة وكانت في غلافها. والتي سيرتديها اليوم في عقد قرانه. أخرج المفتاح ليفتح باب شقته. فتفاجأ بتلك التي تخرج من باب الشقة التي توجد بجانبه وما هي إلا شقيقته. نظر لها بتفحص من أعلى لأسفل ثم نظر بتعمق لذلك الحجاب. أو مهلاً. لا يستحق بأن يطلق عليه حجاب من الأساس. نصف خصلات شعرها بالخارج. ومقدمة عنقها ظاهرة بشدة يظهر بياضها الناصع. وإن جئنا لتلك النقطة فهي أصبحت شهيرة في مجتمعنا هذا.
تلك الـ "فريدة" تعتبر من أكثر فتيات العائلة جمالاً. منهن هي ومن بعدها "ياسمين" ثم شقيقتها "جميلة". وهذا ما يجعل "فريدة" مغرورة بعض الأوقات. ولكن ليس الجمال كل ما هو في الأمر. وقفت أمامه عندما وقف أمامها يمنع سيرها. فطالعته بإستغراب وهي تعقد حاجبيها. أما هو فتـناسى كل ما قاله لوالده من عدم اهتمامه بعد الآن لتلك الزوجة الثانية وأولادها. ولكن طبيعته كرجل شرقي تمنعه من التصرف بمثل ذلك. وبعد صمت دام من محاصرتها وهو يقف أمامها خرج منه صوته الهادئ
والذي غلفه بعض التهكم: "ده المفروض انتِ خارجة كده يعني ولا إيه؟ ورغم إرتباكها الدائم أمام شقيقها هذا تحديداً، ولكنها حاولت الثبات ومن ثم خرج منها صوتها بلامبالاة قائلة: "آه" "هو إيه اللي آه؟ كل مرة بترجعي الحجاب أكتر لحد ما وسعت منك أوي. هو ده حجاب بزمتك؟ نظرت بنفاذ صبر ثم رددت بتنهيدة: "آه حجاب. أنا مش شايفة يعني إن فيه حاجة تستدعي لكل ده. دا أنا نازلة أشتري مرطب من الصيدلية اللي تحت وطالعة على طول. إيه المشكلة؟
إقترب خطوة واحدة إلى الأمام ثم ردد بإنفعال مما جعلها تتراجع إلى الخلف: "يعني بتتمادي في الغلط. ومش شايفة إن اللي بتعمليه ده حرام؟ لأ ده وكمان الحجاب مش شامل الشارع عندك. هي الصيدلية دي في بيتكم ولا في الشارع؟ ... ادخلي البسي طرحة طويلة يا فريدة وخبي رقبتك وشعرك ده. عيني جمالك للي يستاهلك ومترخصيش من نفسك!
زفرت بقوة وهي تخرج أنفاسها. ثم نظرت له بحنق وهي تلتفت لتدق جرس الباب بقوة. سريعاً وفتح لها الباب بواسطة والدتها التي عقدت ما بين حاجبيها قائلة باستنكار: "إيه ده هو انتِ لحقتي يا بت انتِ؟ قالتها فوجدت ابنتها تنظر بضجر ثم التفتت تنظر لذلك الواقف من خلف الأخرى ينتظرها لتدلف تقوم بتغيير حجابها. نظرت له "زينات" بحدة ثم خرج منها صوتها وهي تقول: "نعم؟
لم يعط لانفعالها الطفيف ولا لوجودها اهتمامًا، بل تحدث لشقيقته بأمر، وتلك المرة خرج منه صوته هادئًا كنصيحة لمرة أخيرة: "أدخلي غيريها يلا وخليكي دايما عارفة إن الجمال جمال الستر والعفة! قالها ثم التفت ليدخل بمفتاحه في باب شقته ليدلف بها بهدوء، غالبًا الباب من خلفه. نظرت "زينات" بأثره بغيظ وباستنكار ثم هتفت بتهكم، وهي تلوي شفتيها تزامنا مع إغلاقها لباب منزلها:
"وده من إيه ده كمان يا بن عايدة، أهو ده اللي ناقص يتحكم فينا كمان!! *** مر الوقت عليهما، ثم خرجا من عملهما، ولكن أين هما الآن بعد انتهاء ساعات عملهما التي تبدأ من الصباح الباكر وتنتهي في الظهيرة؟
جلست بجانبه في نفس المكان، ذلك المكان هو نفسه عندما كان يجلسان أمس به. كلاهما يمسك بيديه كوبًا بلاستيكيًا من مشروبه المفضل. ابتسمت هي باتساع وهي تتذوقه للمرة التي لا تعرف عددها. التفتت برأسها له وهو جالس بجانبها فوجدته شاردًا وهو ينظر ناحية البحر. تذكرت تلك الكلمة الذي رماها على مسامعها في الصباح وهي تأخذ راحتها معه بالحديث، عندها قال لها بأنهم سوف يصبحان أصدقاء مقربين فلا داعي لخلق الحواجز بينهم. قطع شرودها أسألته العبثية دائمًا لها حينما أردف لها بلؤم،
وهو يتساءل: "حلو؟ بالطبع يقصد ذلك المشروب، ولكن هو يحاصرها كل مرة بأسئلته الخبيثة لها، وإن أجابته بأنه مذاقه جيد، سيجيبها إجابة عبثية توترها أمامه بشدة. لذا أصبحت تفكر بعمق وذكاء. استغرقت وقتًا لتجيبه، ولكنه ضحك عاليًا وهو يضع العلبة البلاستيكية في صندوق قمامة صغير معلق بجانبه، تزامناً هو رده عليها بمشاكسة:
"ميستاهلش كل الوقت ده في التفكير يعني، بس أكيد طعمه حلو، أصل أنا مبختارش حاجة وحشة أبدًا، كل اختياراتي زي العسل." ذلك الجرئ، غير المتوقع حديثه بالمرة، في كل مرة يحرجها بشدة مما يسبب قيام ارتجافة يديها الغير ملحوظة. نظرت له بتردد ثم تلعثمت بحديثها مرددة بشجاعة كما حاولت: "هو إنت كلامك دايما مش مفهوم ولا أنا اللي غبية! تفاجأ من غرابة وإندفاع سؤالها، ولكنه تمادى بما يفعله مجيبها بثبات:
"كان نفسي كلامي يبقى مش مفهوم، بس أنا بقول الكلمة ويا تبقي مقاسك وتلبسها يا إما تبقي مقاسك وتلبسها برضو! مطت شفتيها بتلقائية مردفة بتخمين مريح: "جرئ يعني! ابتسم لها بعبث، ثم مد يده ينتشل تلك العلبة من يديها ليضعها في الصندوق بجانبه، ثم التفت لها مجددًا حتى يجيبها على حديثها وهو ينظر من أمامه مرة أخرى على منظر البحر:
"ياريت كل حاجة كانت تتحل بالجرأة. جربتي قبل كده تخبي حاجة على حد قريب منك عشان خايفة من رد فعله أو هيعيش إزاي بعد ما يعرف الحاجة دي! رغم إن ممكن ضميرك يوجعك! قالها بشرود، ودخل بنقطة الحديث المنطقي على فجأة، يبدو أن بداخله الكثير وليس من ناحيتها فقط بل من جهة أخرى، لموضوع مجهول!
وكما فعل ذلك هي الأخرى فعل بها ذلك من أقرب الناس إليها، والدتها ثم شقيقتها وشقيقتها الأخرى في إخفاء مرض والدتها عليها إلى الآن خوفًا من ردة فعلها! هي طرف، وهو الفاعل في طرف آخر! صمتت ثم هتفت بعد وقت بشرود تجيبه: "مش عارفة بس أنا مجربتش أخبي حاجة عن حد، أنا ممكن أخبي حاجة عن حد بس حاجة تخصني!! إنت جربت؟!
ورغم طبيعته الكتومة في عدم الحديث عن حياته الخاصة مع أي شخص حتى أقرب الناس إليه، ولكن شيئًا ما دفعه للحديث معها، ولحظة بأريحية! أومأ لها يهز رأسه بالإيجاب بأنه فعل ذلك فعلاً، ثم هتف باختصار، مما يوحي لعدم قدرته وإرادته في حديثه بتلك النقطة: "عملتها، بس أول مرة كنت أخاف أعمل حساب لرد فعل حد مش خوف منه، كان خوف عليه!! رغم وجع ضميري، بس مش ندمان!
"أكتر حاجة ممكن تخوف أي بني آدم، إنه يخاف أوي على أقرب الناس منه، وكمان لو عاش وهو بيتنافق من شخص! حسنًا، دخلت في نقطة أخرى وجديدة للحديث عن مخاوفها. أثارت فضوله، فتنّهد بعمق يسألها بشغف: "دي أكتر حاجة بتخوف بالنسبالك؟ التفتت برأسها له فوجدته ينظر لها وانتظار الجواب بعينيه. هزت رأسها بنفي ثم تحدثت مرة أخرى تجيبه بنبرة هادئة مكتومة:
"لأ، أنا أكتر حاجة ممكن ترعبني، إني أحب حد وبعد كده يسيبني وأنا لسه مش عارفة أنجى من حبي ليه، أو حد يسييني من غير مقدمات بعد ما أتعلق بيه! دي نقطة أوجاعي ومخاوفي من أول صحابي في الجامعة والثانوي لحد موت بابا!
حديثها ألم قلبه من ناحيتين، ناحية بينه وبينها عندما كانوا صغارًا، وأيضًا نفس الناحية عندما فكر بأن بالفعل هل ستوجد عوائق لفراقهما قبل اجتماعهما. ومن الناحية الأخرى أن إحساسها لامس قلبه بشدة تشبه في كسرتها شقيقته الذي أنهك وبشدة بسبب تركه من الوحيدة الذي أحبها وبشدة. هز رأسه يؤيديها بصمت، فخرج منها صوتها بتساؤل: "وإنت؟ أكتر حاجة بتخاف منها إيه؟ زفر وهو يأخذ تنهيدة حارة يخرج أنفاسه الساخنة رغم برودة الجو قليلاً:
"معتقدتش إني ممكن أخاف من حاجة أوي وتطغى على خوفي التاني، خوفي على أخواتي غلب خوفي من أي حاجة، الإخوات جزء من الروح وأنا كل روحي اخواتي الصراحة، حتى خوفي عليهم الزيادة بيوترني من جوه بس مش عارف الخوف ده اتخلق ازاي! "أنا فهماك علفكرة، بس أنا مش في مكانك، أنا في مكان أخواتك واللي بيعمل كده ياسمين! صمتت ثم تابعت بنبرة جادة ولكن جعلته يضحك بخفة: "هو إحنا ليه كل مرة بنقلبها نكد! "أدينا بنسوي دراما!
ضحكت عاليًا على حديثه، فنظر هو لها مطولاً، تلك الجاهلة لا تعلم أن ضحكتها تهز من ثباته أمامها. التفت بوجهه سريعًا ينظر إلى تلك الفتاة التي وكزته برفق في ذراعه تزامناً مع حديثها الطفولي البريء: "ورد يا باشا!
ابتسم لها بحنو، هي نفس تلك الفتاة والذي ابتاع منها الورد أمس، ولكن هي الآن بمفردها. أخرج من جيبه بعض الأموال، ثم قدمها لها وهو يأخذ منها وردة واحدة فقط من اللون الأبيض. فودعته هي بعدما أخذت الأموال وهي تشير له ببراءة. فأشار لها هو الآخر كما فعلت. كل هذا تحت نظرات "نيروز" المتأثرة. التفت برأسه أخيرًا، ثم ابتسم لها وهو يقدم لها تلك الوردة التي توجد بيديه، قائلاً بمشاكسة طفيفة لطيفة: "إمسك، Rose to rose"
قالها مع استخدامه لمصطلح "Rose" بسبب طبيعة اسمها والذي يردده البعض لها "روز". ابتسمت بخجل وهي تمد يديها لتأخذها من بين يديه. أخذتها سريعًا منه تزامناً مع تسارع قلبها تحسباً لما سيفعله. وبطريقة مضحكة بالنسبة له فعلت هي كذلك بسرعة وهي تنتشلها من بين يديه. قد قرأ أفكارها، علما بأنها خجلت من التلامس باليد كما يفعل هو بالقصد، ولأن ردود أفعاله ليست متوقعة بالنسبة لها وإن توقعتها فسيفعلها بجرأة. فعلت هي كذلك. ضحك بصوت متوسط العلو، وهو يردد بخفوت لها
يسألها بعبث بسبب ما حدث: "عارفة الست قالت إيه؟ طالعته بتساؤل وتلك الوردة تهتز من ارتجافة يديها. فواصل هو يجيبها ناظرًا في عمق أعينها يكمل ما أردفه من إجابة والتي كانت بضعة كلمات من إحدى أغاني "أم كلثوم": "واتغيرت شوية شوية... اتغيرت ومش بإيديا" قالها ببطء يلمح لها ما أصابه وما يفعله معها من حركات عبثية مخيفة قليلاً لأي فتاة بسبب ما يفعله من جرأة لا تتناسب مع التزامها.
هربت بنظراتها ثم تصنعت انشغالها برفع تلك الوردة إلى أنفها. *** جلس بشرود ممسكًا بهاتفه الذي بين يديه بتردد، أيطلب شقيقه حقًا أم ماذا يفعل؟ لم تغفل عيناه منذ ليلة أمس صراعًا بين عقله وقلبه. تارة ينفعل وتخرج أنفاسه عاليًا منه، تارة يجلس بانكسار، ولكن لا فائدة من ذلك. الأفكار تتضارب في رأسه والشكوك تحيط به أينما تحرك وفكر وتنفس.
نهض على فجأة وكأن طاقته استنزفت وبقي بها القليل فقط. ثم رفع ساقه يركل ذلك المقعد بعصبية حتى رجع خطوات إلى الخلف بأثر ركلته القوية. ثم وقف ينظر إلى ما فعله بأنفاسه العالية وصدره يعلو ويهبط. فدق باب غرفته دقات متتالية. فتوجه يفتح الباب بقوة فوجده أمامه طبيبه النفسي، رغم فرق السن الكبير بينهما إلا أنه صديقه. طالعه بصمت، فدلف ذلك الواقف إلى الداخل وهو ينظر على ما فعله الآخر من تحطم بسيط في ركن ما بتلك الغرفة الصغيرة.
جلس "عاصم" وهو ينظر له بصمت. فالتفت "بسام" على فجأة متحدثًا بصوته العالي في المكان: "هو أنا ليه يتعمل فيا كده من الأساس؟ ليه حصل فيا كده؟ ليه أرجع أشوفها تاني ليه؟ طالعه "عاصم" بتعامل بارد في حركات عينيه وحتى حديثه لأنه يتفهم جيدًا ما يمر به رغم جهله بما يرادف الآخر، ولكنه علم معلومة جديدة الآن أنه قابلها.
"فهمت دلوقتي ليه نحاول نتعافى ونحب نفسنا ومنفكرش في اللي راح منا. كنت هاموت وأشوفها وأعرف السبب، وأديك عرفت. شوفت إيه اللي حصلك! قالها بهدوء ثم واصل ليكمل: "أنا بكلمك كصديق أو كأخ كبير مش كدكتورك النفسي! صمت ثم تابعه وهو يتنفس عاليًا من أثر انفعاله. فنظر له "بسام" بتعابير وجهه الخالية ثم انحنى ليجلس بانكسار على المقعد بجانبه وكأنه غير قادر على الصمود جسديًا قبل نفسيًا.
"أنا غبي وإستغفلت من كل الناس اللي حواليا، القريب والبعيد وكله. قاعد بدفع ثمن حاجة مش بإيدي، مكانتش بإيدي إني أختارها هي من ضمن كل الناس ولا حتى بإيدي أختار أخويا الـ... مش قادر، مش عارف أصدق مين. أنا تعبت ودماغي تعبتني من التفكير! "صدق قلبك! رفع "بسام" أنظاره يطالعه بخيبة كبرياء وعجز. ثم ردد بإنهاك: "قلبي! أصدق قلبي اللي لسه مش عارف يبطل يحبها رغم كل اللي حصل! لو صدقت قلبي هصدقها وأنا مش عاوز أصدقها بس مش عارف!
قال "عاصم" حديثه الأول دون أن يعلم ماذا حدث بلقائهم. هو علم من مجرد حديث الآخر للتو. صمت يأخذ أنفاسه. فقاطعه "بسام" وهو ينهض واقفًا ليتجه حيث الخارج تزامناً مع قوله له: "مينفعش أكذبها! كل حاجة قدامي بتقول إن هي الصح!
قالها ثم خرج من الغرفة صافعًا الباب من خلفه بقوة، متوجهًا حيث الأسفل وهو يحاول بكل ما يملك من ثبات، أن يبقي به، أن يبقي ثابتًا إلى حين مواجهته مع شقيقه والذي لا يريد أن يأتي موعدها من الأساس. كل ما يجول بخاطره هو كيف سيواجهه، كيف سيتحكم بانفعاله أمامه، كيف سيحاول تصديقه إن قال له بعد الترهات والحجج. ***
جلس على الأرض وحوله بعض الأحجار أمام قبر الإثنين "والدته وشقيقته". ذلك الجامد ذو الملامح الجادة يبكي الآن. رفع يده يتملس القبرين من أمامه بحنو. تهبط دموعه من على خديه الآن، حتى هبطت وهي تنزل على عنقه وكأنها أخيرًا وجدت لها مجرى تسير به. ليت الدموع تفيد بشيء، ليت الدموع قادرة على حل كل ما يجري بنا من ألم. ولكن هو! ماذا عنه! عاش طيلة حياته مسؤولًا حتى وإن لم يفقه شيئًا. تحدث وكأنهم بجانبه يستمعان له، فخرج
منه صوته الممزوج ببكائه: "وحشتوني أوي. مش عارف أقولكم إيه المرة دي. كل مرة ببقى جاي ببقى مكسوف أوي منكم. نفسي آخدكم في حضني، أو نفسي أجيلكم أنا. ليه سبتوني أتعذب من بعدكم؟ حاسس إني بجري في مكان ملوش آخر. ورغم كل ده مش هسيب حقي وحقكم! مش قادر أتخيل منظرك يا بثينة لما عملوا فيكِ كده لحد النهارده!
ومش قادر برضه أتخيل إني ممكن أعمل في حد كده ويبقى محطوط مكانك. بس أبوها اللي عمل كده. هو اللي بدأ الأول هو السبب في ظهورك قدام الكل كده! هو السبب برضه في موتك! وموت أمك كمان. مش عارف أشوفهم عايشين عادي مع بعض وأنا هنا لوحدي من غيركم. ليه يا صفية جبتيني الدنيا من الأول لما أنا هبقى لوحدي كده في الآخر؟ ليه جبتيني وإنتِ هتمشي إنتِ وبنتك وتسيبوني؟ جبتيني ليه وأنا هبقى كده؟
قال حديثه بانكسار ثم استند لينهض واقفًا بتعب، وكأنه مخدر، وهو يواصل مرة أخرى بحدة حتى في نظرة عينيه: "بس أنا وعدت! وعدتكم إني هجيب حقكم. مش هسكت! مش ناسي كلمة بثينة ليا قبل ما تموت. قالتلي متسبش حقي يا شريف! مش هسيبه. مش هسيبه يا بثينة اطمني."
قالها وهو يجذب باقة كبيرة من الورد يضعها على قبر شقيقته، كما كانت تحب هي. وضعه بانتظام ثم رفع يده يمسح دموعه برفق، وهو يبتسم مودعًا قبريهما قبل الرحيل للبلد الأخرى. "شريف" هذا ما قد يظهر للبعض بأنه مثل اسمه. ولكن اتضحت الأدلة وكان صاحب تلك النظرات الشيطانية هو! كما أن كان هو الراغب بالانتقام بأي طريقة غير عابئًا بالنتيجة.
توجه ليخرج ثم وصل إلى البوابة وقبل أن يخرج نظر إلى العامل بتعابير وجه خالية. ثم وضع يديه في جيب بنطاله الأسود وأخرج ورقة بمبلغ كبير. ومن ثم قدم له بذراعه تلك الأموال قائلًا ببسمة صغيرة عكس المرة السابقة: "خد دول! وخلي بالك منهم. ومتنساش الورد." توجه من بعد ذلك إلى الخارج تحت نظرات العامل المستنكرة بما يفعله من انفصام. توجه ثم ركب تلك السيارة متجهًا بها حيث بعيدًا عن ذلك المكان الذي توجد به نهايتنا جميعًا. ***
كانت تجلس بجانبه في السيارة وهو يقودها، بعدما تحدثوا بأمور عدة، أخرى عبثية وأخرى منطقية. نظرت له بعد لحظات من الصمت بتردد من ذلك السؤال التي تريد وبشدة أن تعرفه. تحاول مقاومة فضولها ولكن لا تستطيع. نظرت له فوجدته مسلطًا أنظاره على الطريق، فرجعت بقرارها سريعًا وهي تلتفت تنظر من الشرفة بجانبها. ولكن جاءها صوته الواثق الذي فاجأها حينما ردد لها: "لو عاوزة تقولي حاجة قوليها! التفتت سريعًا تطالعه بدهشة وهي تهتف بتلقائية:
"انت عرفت ازاي إني عاوزة أقول حاجة! "من عينيك وهي بتلف وبتدور. وكمان فركك لأيديك ده بيدل على التوتر والتردد." قالها ببساطة ثم واصل يكمل بغرور زائف: "إنتِ بتتكلمي مع أي حد ولا إيه؟ ده أنا دارس علم نفس لما قولت بس عشان المقابلات الشخصية في الشغل! "انت مغرور ولا أنا بتهيألي؟ قالتها رغم اندهاشها بما علمه من تفاصيل حركتها، ولكنها أردفتها بجدية مرحة مما جعلته يحرك رأسه إيجابًا ثم قال بثبات:
"لأ أنا فعلًا مغرور مش بيتهيألك ولا حاجة. كنتِ عاوزة تقولي إيه؟ لم تفرك بيديها بل حاولت الثبات والتماسك ثم أغمضت عينيها للحظات ومن ثم فتحتها وهي تتنفس ببطء قائلة دفعة واحدة: "أنا شوفتك عند الدكتور النفسي من كام يوم! ورغم غرابة ما أردفته تلك الغبية إلا أنه تظاهر باللامبالاة، ثم ابتسم في نفسه عليها من اعترافها الآن بطريقة غير مباشرة أنها تذهب هي الأخرى لطبيب نفسي.
ورغم مفاجأته بذلك ولكنه لم يستبعد أمر علاجها النفسي أبداً. صمت للحظات، فتلاشت ابتسامتها المرسومة دائماً على وجهها تدريجياً، وهي تتراجع بما أردفته قائلة بأسف: "أنا آسفة، مقصدتش حاجة بجد! دقيقة واحدة ثم خرج منه صوته الهادئ يجيبها: "إنتِ عارفة ده معناه إيه؟ رددت بخفوت رغم حرجها من الموقف: "إيه؟ "إنك إنتِ كمان بتروحي لدكتور نفسي! صمت مع احمرار وجهها بشدة من تلك المعلومة. ثم نهرت نفسها بعدم تفكيرها بالحديث قبل قوله!
حاولت أن تبرر وهي تتعلثم، فتحدث هو من قبلها قائلاً يجيبها هذه المرة: "أنا مبروحش لدكتور نفسي، شفتيني إزاي؟ ممكن يكون حد شبهي! بعد إردافه لحديثه فكر للحظة بشقيقه، من المحتمل أن يكون هو!! كيف غاب ذلك عن عقله؟ حاول بالتظاهر بعدم تذكره لشيء ثم هتف بتساؤل: "كنت لابس إيه ساعتها؟ "نفس اللبس بتاع اليوم اللي مكنتش لابس فيه بدلة الشغل أول مرة."
اندهش من الإجابة. ذلك اليوم كان يرتدي مثل شقيقه، ولكن بالنسبة لها كانت ستعرفه جيداً. وإلى تلك النقطة هتف ليسألها من جديد: "بعيداً عن الحوار ده؟ هو إنتِ بتعرفيني أنا وبسام من بعض؟ أتجيبه بأنها أصبحت تعرفه جيداً من مجرد رؤيته، حتى وإن لم تنظر على لون عينيه وخصلات شعره، أصبحت تعرفه جيداً. بمجرد ظهوره أمامها، روحه مألوفة لها ثم أصبحت معروفة! أتقول له بأن بريق عينيه وجمال ابتسامته لن تجدها بشخص آخر.
تنهدت بعمق ثم ردت باختصار: "آه، بعرف أفرق بينكم." حسناً، تأكدت شكوكه حينما أجابته. ذلك اليوم تذكر اتفاقهم بالملابس والأهم قبعة الرأس السوداء الذي جلبها له ولشقيقه. بالتأكيد لم تعلم من هو تحديداً بسبب رؤيته بتلك القبعة، وأيضاً بالنسبة لها بعده عن المكان التي كانت تجلس به هي الأخرى، حتى وإن عرفته بشدة، فهما متشابهان إلى حد كبير!
أومأ لها وهو يبتسم ابتسامة صغيرة، ثم وضع السيارة في إحدى الجوانب ليغلقها بعدما وصل أمام المبنى. هبط منها تزامناً مع هبوطها أيضاً. خرجت لتتجه حيث الداخل وهو بجانبها أيضاً. وما أن بدأت لتصعد السلم، أمسك يديها من الخلف يوقفها على فجأة فالتفتت هي سريعاً، ثم ترك يديها من بعدها وهو يبتسم قائلاً لها بمراوغة: "خايفة تركبي الأسانسير معايا؟ ورغم غيظها من محاولته لمسك يديها، إلا أنها حاولت أن يوجد بها بعض الشراسة
وهي تجيبه بنبرة جادة: "أنا مبخافش على فكرة! وما أن سمعها شهق سريعاً بقوة متظاهراً أنه لاحظ شيئاً مرعباً من خلفها قائلاً بذهول زائف: "إيه ده! حاسبي! التفتت بهلع وهي تهبط بتعلثم درجة السلم التي صعدتها بسرعة، حتى اصطدمت بصدره باندفاع عندما هبطت بسرعة من أثر خوفها. الآن وحرفياً أصبح محاصرها في أحضانه. دفعته بقوة إلى الخلف ثم نظرت حولها باستفهام فلم تجد شيئاً. فطالعته من بعدها بجمود وهي تهتف بأدب:
"لو سمحت اللي إنتَ عملته ده مش كويس خالص، عيب كده! ضحك بخفة وتبجح، ثم غمز لها بوقاحة مردداً بجرأة: "أومال إيه اللي كويس؟ حضني ولا إيه؟ حركت رأسها بنفي سريعاً، وبصدمة من تطوره في جرأته معها. ثم تحلت بالشجاعة وهي تقترب منه خطوة واحدة مشيرة بإصبعها لتوجهه وكأنه طفل صغير: "إنتَ قليل الأدب! ردد بغير تصديق مشيراً على نفسه بدهشة: "أنا قليل الأدب؟ "آه، إنك تمسك إيدي من غير ما يربطني بيك حاجة وراجل غريب عني ده حرام!!
وكمان بتكذب عليا عشان تاخد فـحضنـ.." صمتت بصدمة مما أردفته. فانتظر يطالعها بعبث، ولكنه أيقن أنه تسرع كثيراً. وأيضاً هي لا تشبه الفتيات الذي كان صديقاً لهن من قبل! نظر لها بهدوء، ثم ردد بنبرة هادئة وكأن شيئاً لم يكن: "أنا بس كنت بعرفك إنك بتخافي. بس إطلعي على السلم خلاص وأنا هطلع في الأسانسير." لم تجبه بل التفتت حتى تصعد على السلم. فوقف هو منتظراً، ثم ردد مرة أخرى:
"بس حاسبي لتقابلك حاجة كده ولا كده، ساعتها مش هتلاقي حضني! قالها وهو يتجه حيث المصعد يدلف به، أما هي فابتسمت حينما أردف لها حديثه ولكن حاولت أن تخفي بسمتها وهي تصعد. وصل هو سريعاً، ثم وقف ينتظرها حتى وصلت. فنظر لها بصمت فوقفت هي وهو من أمامها حتى خرج منه صوته قائلاً بثبات: "مكنتش أقصد كل اللي حصل ده، من أول مسكة الإيد لحد الحضن الـحلـ.." قطع كلماته قبل أن تسوء الأجواء مجدداً مما سيردفه. هزت رأسها بقلة حيلة
ثم تحدث تجيبه بعقلانية: "إحنا أه بقينا أصحاب بس يعني مش لدرجة التلامس، مش زعلانة خلاص! نظر لها بثبات، ثم التفت ليتوجه ليخرج مفتاحه من جيبه حتى يدلف شقته. حسناً، إن اعترف لها بحبه سيكون أهون من حديثه الذي يفتك بها في كل مرة يقوله!! أحبت حديثه واخيراً ابتسمت وخرجت منها بسمتها بحب حينما أغلق الباب من خلفه بهدوء. ثم حركت رأسها بصدمة وبهجة في آن واحد مرددة في نفسها بدهشة: "مش معقول أكون بحبه؟ لأ حبيته.. يلهوي!!
قالتها وهي تفكر ورغم تظاهرها بالتفكير إلا أنها تعلم جيداً أنها وقعت به! كما هو أيضاً وقع بها ورغم تصارع تفكيرها الزائد به الليلتين الماضيتين، إلا أنها أيقنت أنها تكن له شيئاً بدأ بالإعجاب ثم انتهى بحب. ورغم خوفها من إحساسها، ولكنها تفاجأت بفرحتها حينما قال لها اليوم من حديث عبثي به من التلميحات ما يكفي!! تعلم أنه أحبها فكلماته لها كافية لشرح ذلك جيداً. ولكن هو يحبها ولكن هل يعلم بأنها تكن له شيئاً. أم ماذا؟
دلفت المنزل بعدما جلبت المفاتيح معها اليوم في حقيقتها مثلما يفعل هو الآخر. وحتى لا ينتظر أحد بأن يفتح لهما الباب! بعد مرور عدة ساعات، في المستشفى كانت تنهض لتتجهز حتى ترحل مع شقيقها إلى منزلهما. وقفت بعدما قدمت له الحقيبة يحملها. وما أن قدمتها سقط منها الهاتف الذي يبدو عليه بأنه مكسور من شاشته جانب بسيط. هبط لينتشله من على الأرض تحت نظراتها المرتبكة. ثم عقد ما بين حاجبيه متسائلاً: "إيه ده يا فرح؟ وجبتيه منين؟
رغم ارتباكها حاولت أن يخرج منها صوتها ثابتاً بعد معاناة ثم أجابته قائلة: "ده.. ده أنا اشتريته مستعمل بفلوس بسيطة من فترة كده.. عشان أعرف أتعامل! "مستعمل!! وإنتِ اللي شارياه؟ قالها باستنكار وهو ينظر لها بتعمق وهي تقف من أمامه. فكادت أن تتحدث لتبرر مرة أخرى ولكن قاطعها صوت دقات الباب الخافتة. اتجه هو ناحية باب الغرفة حتى يفتحه. فوجده أمامه. ورغم خيبة "بسام" إلا أنه يحاول أن يبقي ثابتاً على الأقل في ساعات عمله!!
رحب به وهو يدلف إلى الداخل. فابتسم له "بسام" ثم تحدث ليقول: "أهلا يا عز، أنا جاي بس أودعكم وكمان أقولك حاجة." صمت ليجده منتبهًا له هو والآخر. فتنحنح يجلي حنجرته قائلًا: "طبعًا مش محتاج أقولك رغم إنها مش مسؤوليتي بس خروج الآنسة فرح مش كويس أوي. حالتها مش صعبة بس حافظ على حالتها النفسية وكمان هي متحطش نفسها تحت ضغط. وربنا الشافي. وإحنا هنا في خدمة الوالدة لحد ما تقوم بالسلامة." هز "عز" رأسه بامتنان وشكر، ثم أجابه بلطف:
"شكرًا يا دكتور، ربنا يجعله في ميزان حسناتك. إحنا هنا ماشيين لمناسبة معينة وممكن هي ترجع تاني تقعد." "ربنا معاكم. لو احتاجتوا أي حاجة أنا موجود بس أنا همشي دلوقتي. عن إذنكم."
قالها وهو يتجه إلى الأسفل. هو في الأساس كان مستعدًا للخروج ولكن قطعه محاولة الاطمئنان بعد أن علم برحيلهم. توجه إلى الأسفل وهو شارد، ثم خرج من المستشفى بأكملها متذكرًا تلك الرسالة وحديث والدته له بأن اليوم موعد الغداء في شقة "سمية". رحل، وهما أيضًا خرجا من الغرفة بعد رحيله متناسيان ذلك الموضوع قبل مجيئه. خرج هو أولًا ثم هي من بعده حتى يذهبا هما أيضًا خارج المستشفى بعد تصفية حسابات تلك الغرفة التي تجلس بها فرح.
"مش شايف إنك متحمس تروح بيتكم أوي، ده أنا الست عزماني ومش عاوز أروح أصلًا." قالها "آدم" وهو يعدل من مظهره جيدًا، والآخر بجانبه يرتدي من ملابس صديقه. ابتسم "حسن" بسمة ليست طبيعية ثم ردد يجيبه بلؤم: "أنا رايح عشان نيروز. خلاص معادش إلا هي. وجه الوقت اللي أستغل فيه الفرصة بس هي تلين هي وأمها بالحب بدل ما أعمل حاجات متعجبنيش! نظر له "آدم" بصمت وهو ينحني يرتدي حذائه، ثم خرج منه صوته الساخر وهو يقول:
"ما بقولك إيه يا حسن البنت دي شكلها مبتحبكش فـ ريح. وبعدين انت جاي دلوقتي تصحي وتفوق ليها! ضحك "حسن" عاليًا وهو يفتح من أزرار قميصه الأبيض قائلًا من بين ضحكاته: "جرى إيه يا آدم متعرفش إن حسن بيستني الوقت المناسب ولا إيه. وبعدين وحياتك هتبقى ليا حتى لو بالعافية! "كمان ناوي ع الشر ليها! أنت أهبل يا حسن. دي بنت عمك!! قالها بحدة طفيفة وهو يقف بمكانه، ولكن نظر له الآخر وهو يقلب عينيه بملل مرددًا ببرود:
"بقولك إيه غير السيرة وماتكلمش فيه. يلا مش أنت خلصت؟
نظر له "آدم" بقلة حيلة ثم تحرك من أمامه والآخر من خلفه حتى يخرجا من المنزل، حيث منزل "سمية" التي حدثته بالهاتف بأن يأتي اليوم على موعد الغداء منتظرًا إلى عقد القران. أما الآخر فله دوافعه الخاصة، وأيضًا بعد محاولات مهاتفة والدته له إلا أنه لم يجيبها حتى اليوم صباحًا عندما قال لها بأنه سيأتي على موعد الغداء إلى عقد القران. بالطبع فرحت بشدة ولكن لم تبوح لأحد بما عرفته منتظرة ما سيحدث!
جلست تفكر بأمور عدة، وبحقد فاق الحدود بكثير. لا تريد بأن تمضي تلك الليلة بسلام عليهما، ذلك التي تكرهه بشدة بسبب مقارنتها دائمًا به وبولدها. أما الأخرى فهي تكن لها حقدًا ليس له آخر. جلست تفكر بأبسط شيء قد يعكر صفو مزاجهما اليوم لا تريدهم بأن يفرحوا فرحة كاملة! ولكن لم تستطع التفكير بشيء معين. أمور كثيرة وردت على بالها ولكنها استحسنت بأن تؤجل ثم لتفكر بآخر حتى ولو بسيط لترى به وبه الحزن في يوم كهذا!
نهضت بغيظ تكنه لهما ثم توجهت حيث غرفة ابنتها الصغرى، وهي تفتح الباب على فجأة. فوجدتها مسطحة على الفراش ممسكة بهاتفها. التفتت "فريدة" لها بتوتر. ذلك اليوم هو يوم التنفيذ لهروبها معه! تنتظر اللحظة المناسبة بفارغ الصبر. نهضت لتجلس سريعًا وهي تبتلع ريقها ناظرة لوالدتها وهي تتجه نحوها بشرود متمتمة:
"بنتي يا فريدة قبل ما نروح ع الغدا كنت عاوزاك تفكري في أي حاجة نعملها في كتب كتابهم تقهرهم كده وتزعلهم. عاوزاه يوم يبقى ليه ذكرى سودة معاهم كل ما يفتكروه." نظرت "فريدة" لها بصمت وهي تراها تتحدث بحماس كبير وكأنها تخطط لشيء جبار! شردت "فريدة" بتفكير وهي تتحدث قائلة لها باقتراح: "مش فاهمة زي إيه؟ عندي فكرة! قالت آخر جملتها بتذكر ولهفة. فنظرت لها والدتها بحماس وهي تستجوبها قائلة: "إيه يا بت قولي بسرعة!
"هتتفاجئي منها. سيبي الموضوع ده عليا. ومش هيبقوا هما بس لا ده عليهم كلهم. هدخلهم من نقطة ضعفهم! نظرت لها "زينات" ثم تمتمت بتهكم: "مش مطمنالك يا بت! "خليكي واثقة فيا. بس في حاجة عاوزاك تخلي عينك عليا كده عشان لو شاورتلك تفهميني علطول! "متأكدة يا بت إنك هتعلمي عليهم كلهم وفي نفس الوقت مبتبوظيش الدنيا بردك أنا بقولك أهو." نهضت تضع حجاب رأسها على شعرها وعلى ملابسها المنزلية قائلة ببسمة خبيثة:
"يستي عيب عليكي. هتنبهرى متنسيش بردك إن ياسمين ليها عندي واحدة مش فاكرة! "وأنا هنسى حاجة زي دي! العقربة بنت سمية. وأهو كله كان منك يا عين أمك. يارب بس متتهوريش ولا تطلع البتاع اللي هي مصوراكي إيه ده وإنت قاعدة مع البيه بتاعك! أوعي يا بت تكوني لسه معاه وبتكلميه لحد دلوقتي؟ وزعت أنظارها سريعًا في المكان ثم رددت بسرعة: "لأ مفيش حاجة من دي. ومتنسيش إنك حبساني ولا كلية ولا بتاع!
نظرت لها "زينات" بتمعن ثم التفتت لتخرج من الغرفة والأخرى خلفها حينما قالت الأولى: "طب يلا فات أبوكي راحلهم هناك باين. خلينا ننجز!! بعد مرور وقت قليل وصل هو إلى المبنى أخيرًا بعد ركوبه للمواصلات. ثم دلف يدخل إلى المبنى. ولكن بسبب عدم قدرته لفعل أي شيء اتجه ناحية المصعد ليدلف به بهدوء. دلف "بسام" بالداخل ولكن قاطعه صوت يعرفه جيدًا بأن ينتظر!
أوقفه قبل الصعود فوجد "آدم" من أمامه وبجانبه ذلك اللعين "حسن". مد "بسام" يده ليرحب به قائلًا بلطف: "إزيك يا آدم." ابتسم له "آدم" بتكلفه وهو يدخل معه إلى المصعد والآخر بجواره. ثم ردد يجيبه قائلًا برسمية: "الحمد لله إزيك يا بسام."
ورغم أنه سلام فاتر إلا أن "آدم" لا يحمل من ناحيته أي كره. وكما أنه رحب به ابتسم للآخر بسمة متكلفة فبادله "حسن" البسمة بتعابير وجه جامدة. وصل المصعد أخيرًا. فعلم "بسام" أنهما أيضًا متوجهان حيث شقة "سمية" فتوجه كلاهما إلى حيث أمام الشقة وأولهم "بسام" الذي دق الجرس هو أولًا حيث هو الذي كان بمقدمتهما.
قبل دقائق في شقة "سمية" كانت السفرة الكبيرة يوجد عليها جميع أصناف الطعام الذي نفعله في المناسبات. وكل منهم يساعد الآخر في تجهيزه وجلبه من المطبخ. حتى "غسان" الذي بدل ملابسه إلى أخرى مريحة وكذلك "حازم" والفتيات أيضًا. جلس "حامد" أخيرًا في الأمام وبجانبه مقعد آخر يبدو أنه تُرك لـ "سليم" باعتبار أنهما الأكبر سنًا ومقامًا. وإن قارنا فلا يوجد مقارنة بينهم من الأساس فأحدهم في السماء والآخر في سابع أرض!
جلست "سمية" أخيرًا بإنهاك ثم جلست بجانبها "عايدة" وابنتها و "حازم" التي تجلس بجانبها "ياسمين" وبجانبها شقيقتها وزوجها. ثم من بعدها "نيروز" يقابلها في الجهة الأخرى "غسان". ابتسم حامد ثم صاح عالياً ببهجة: "متجمعين في الفرح دايمًا إن شاء الله! صمت ثم نظر للعروسين قائلاً بحب: "ألف مبروك يا حبايبي، وعقبالك بقى يا روز معتش إلا انتِ."
ردوا عليه بامتنان. في حين قد خجلت هي ثم نظرت من حولها حتى تقابلت نظراتها بنظراته، فوجدته يبتسم على حديث والده، ثم رفع يده كعلامة للدعاء، ولكن فعلها دون أن ينظر لها! وكزتها جميلة التي لاحظت تلك الفعلة ثم مالت على أذنيها قائلة: "ده بجد؟ التفتت لها سريعاً في حين انشغال الآخرين، ثم ردت بتساؤل بعد الحرج: "هو إيه ده اللي بجد؟
كادت أن تجيبها الأخرى ولكن قاطع حديثهم جميعاً صوت جرس المنزل، فنهض غسان سريعاً وهو ينظر عليهم جميعاً، فكلهم موجودون! حتى شقيقته التي أتت من دروسها، لم ينقص إلا سليم، إذن عائلته بأكملها هنا! توجه تحت أنظارهم ليفتح الباب فوجد الثلاثة من أمامه، ورغم دهشته برؤيته لـ آدم وحسن إلا أنه لم يعيرهم انتباه، ثم نظر لشقيقه مردفاً بتساؤل: "ده أخيراً! مبتردش ليه؟
بالنسبة لبسام، فمجرد رؤيته لشقيقه وهو يفتح له الباب حاول التماسك إلى حين المواجهة بعد عقد القران حتى لا تحدث مشكلة، رفع أنظاره المترددة وهو يحاول أن يتجاهله مردفاً باقتضاب ليجيبه: "كنت مشغول." ورغم استغرابه من رد شقيقه الجاف وليس المرح معه كما هو معتاد، إلا أنه أومأ له بالإيجاب ثم تحرك ليفسح لهم الطريق متوجهاً حيث مكانه من جديد. ابتسموا جميعاً لهما حتى سمية التي رحبت بآدم، ولكن لحظة!
تفاجأوا بذلك الذي دخل خلف آدم منهم ملامح وجه كانت صارمة ومنهم شامته ومنهم متفاجئة. رغم صدمة سمية إلا أنها قامت لترحب به هي الأخرى مشيرة له لمقعد معين ليجلس عليه. كانت نظرات الجميع صامتة لا يجرؤ أحد على الحديث! ورغم خوف نيروز قليلاً من رؤيته ونظراته لها إلا أنها حاولت الثبات أمامه متجاهلة نظراته! خرج صوت زينات يقاطعهم جميعاً وهي تهتف بفرح:
"حبيب قلبي رجع تاني أهو يا جماعة، عقبال عندكم كان مسافر بشغل بعد اللي حصل يعني." ورغم اشمئزاز البعض ومنهم ياسمين، آلا أنهم هتفوا جميعاً بنبرة واحدة: "حمد لله على السلامة!
كبت آدم ضحكاته من حديث زينات، فوكزه حسن بجانب معدته وهو يجلس بجانبه. حتى انشغل الجميع بالحديث مرة أخرى ثم قاطع صوتهم من جديد دلوف سليم من الباب الذي تركه حسن مفتوحاً من خلفه. رحبوا به جميعاً وهو يتجه إلى جانب حامد بعدما أغلق الباب من خلفه، حتى بعد ملاحظته لـ حسن، ولكن قرر تجاهله إلى انتهاء تلك المناسبة!
بدأوا جميعاً في تناول الطعام، رغم نظرات غسان المستغربة من شقيقه الذي هرب واختار مقعداً بعيداً عنه حيث جانب شقيقته وسام، ولكن قرر تجاهل الأمر ليندمج في تناول الطعام. كما أن بدر الذي لاحظ نظرات آدم الكثيرة له، يبدو أن نظراته بها بعض الندم، ولكن قرر تركه ليعرف ما فعله معه ومن أسلوب حديثه وصراخه في المقابلة السابقة! في موضع كهذا يحب أن تتحدث سمية بلباقة لشكرهم، فتحدثت قائلة بامتنان:
"متحرمش منكم أبداً، عقبال أولادكم جميعاً وعقبال الشباب والبنات يارب، متجمعين في الفرح! رددوا ببهجة مجاملتها، ولكن بعد صمت آخر تحدث حسن عالياً يجيبها قائلاً بتبجح: "صح، وعقبالي بقى أنا ونيروز، ولا انتِ نسيتي!
توقف غسان عن مضغ طعامه بطريقة غير ملحوظة ثم نظر لها بتوتر فوجد تعابير وجهها متشنجة كما تشنجت ملامح البعض، ولكن لا يحق لشخص الآن الحديث بهذا الموضوع سوى أصحاب الشأن أنفسهم. ورغم خوف البعض من ردة الفعل، إلا أن حاولت سمية الإجابة بهدوء ولباقة حتى تنتهي المناسبة على خير: "المفروض الموضوع ده ما يتفتحش دلوقتي، وبعدين يا حسن إحنا قولنا اللي علينا وخلاص وكل واحد له نصيبه يا ابني."
ابتسمت زينات في نفسها بخبث، توتر الأجواء هذا ما كانت تريده، ولكن سليم كانت تعابير وجهه جامدة، لم يعطي بالاً لوالدته منتظراً أخره! نظر لها حسن ثم ردد يجيبها بضغط: "آه، مع عشان كده هي من نصيبي وأنا من نصيبها، وكمان ياسمين وحازم خلاص بقى، يبقى إحنا اللي علينا الدور يا حماتـ.."
وقبل أن يكمل في أسلوب ضغطه ووضعه لهم أمام الأمر الواقع، خرج صوت نيروز بصوت عالٍ حتى يسمعها وهو يجلس بآخر السفرة، نبرة وحديث تسبب في إخراجه، ولكن البعض أيقن أنها فعلت الصواب: "بس أنا مبحبكش ومش عاوزاك، وقولتلك!
ورغم حرج حسن، إلا أنه تظاهر بأنها لم تردف شيئاً، بينما ابتسم غسان بداخله كما ابتسمت ياسمين أيضاً، وكذلك حازم وجميلة. أما بسام فكان يتابع بترقب بداية الحوار الذي لم يروق له أبداً. خرج صوت زينات منها قائلة بجمود يغلفه اللطف كطبيعتها الخبيثة: "يا حبيبتي ده حسن ابني ألف مين تتمناه، وبعدين بلاش الكسوف ده، ما كلهم عارفين إنكم بتحبوا بعض من زمان! صدمة!! على وجوههم جميعاً، كيف تخوض بها كذلك!
تركت نيروز الملعقة برعشة يديها الذي لاحظها غسان المدقق في تفاصيلها. دق قلبه بتوتر خوفاً من أنها تكن له حباً؟ لا يعقل؟ لا! هذا ما قاله لنفسه. وقبل أن تجيبها نيروز بعد محاولة بالثبات، تحدثت ياسمين قائلة بحزم حتى توقفها: "إزاي ده يا مرات عمي، ده لا مؤاخذة يعني كتف ابنك متعلم من سناني عشان بس كان بيغصبها إنها تحبه تقريباً، انتِ مش فاكرة ولا إيه؟
لما بعدها غسان اللي قاعد هناك ده ضربه في وشه ساعة المحضر اللي ابنك راح يتبلى عليه يا زوزو! قالتها بأسلوب رقيق كما كان كل الحوار! ورغم جرأتها إلا أنها كادت ستكمل، فخرج صوت سليم أخيراً بهدوء خوفاً من حدوث شيء: "خلاص نتكلم بعدين، ياريت نكمل أكل كلنا ونركز في اللي عندنا دلوقتي وبعدين نشوف الموضوع ده."
التفتت زينات تنظر له بغيظ، كما لبى الآخرون أمره، حتى نظر حامد لهم وهو يهز رأسه يؤيد ما قاله لهم. ورغم ابتسامة ياسمين الخبيثة من إحراجها لزوجة عمها وغضب حسن المكتوم، إلا أنها نظرت لـ غسان فوجدته ينظر لـ نيروز بدقة. علمت هي ما يجري جيداً، كما أنها سمعت من قبل رغم عنها وقوفها معه في الشرفة ليلة أمس بعد رحيل حازم منذ أن كان معها. نظرت لهما بتعمق فوجدت غسان يحرك أنظاره من عليها ثم نظر بحدة بالغة لـ حسن الذي لم ينتبه لتلك النظرة. ولكنها أيقنت جيداً أن شقيقتها وقع بها رجل سيحميها!
ستؤجل ذلك إلى حين آخر عندما تواجه شقيقتها. تنفست نيروز بعمق كما ربّتت عليها جميلة برفق، ونظرات وردة المتعاطفة أيضاً معها. دقائق بسيطة وانتهوا من الطعام، ورغم موعده المتأخر كثيراً، إلا أنهم اجتمعوا على أية حال! نهض كل منهم على فترات حتى يضعوا من الأطباق في المطبخ ثم ليغتسلوا! حتى خلى المكان من الطعام، فجلس جميعهم في صالة المنزل التي كانت ممتلئة بهم، عدا النساء في المطبخ.
توجه حازم وياسمين إلى الشرفة التي توجد في صالة المنزل بعيدًا عنهم. ثم وقفت تنظر له بصمت، قائلة بقلق: "مش مطمنة يا حازم، حاسة إن في حاجة هتحصل! "متوتريش نفسك، وادخلي يلا ظبطي لبسك، وعلى المغرب المأذون هييجي." أومأت له بالإيجاب، وبها بعض القلق، ولكن ظلت واقفة معه لفترة. بينما في الخارج، جلس حامد بجانب آدم، ثم ربّت على كتفه بحنو وهو يقول:
"روح يا بني، حب على راس أخوك. انتوا ملكوش إلا بعض يا آدم، وارموا وعدوا كل حاجة وحشة حصلت وعيشوا. هو خايف عليك، مش قصده أي حاجة خالص من اللي في دماغك. وهو عنده حق بصراحة، لأن الطريق اللي أنت فيه ده يا بني آخره وحش. وزي ما في أصحاب جدعان، في أصحاب سوء. مش كل الناس زيك، خد بالك من الكلمة دي! كان آدم يجلس بهدوء، وهو ينصت إلى حديث عمه باهتمام، ولكن لم يتحدث ليرد عليه، بل استمع له فقط بعجز من صحة كلماته.
بينما جلست وسام بجانب غسان، وبجانبهم يامن وبدر. أما زوجته فهي في المطبخ مع النساء. وكان أمامهم نيروز، التي جلست بصمت بجانب جميلة، ولكنها تنفست بعمق حينما وجدت عمها يخرج من باب المنزل، وخلفه زينات وأولادها. بقليل من الذوق العام خرجوا دون أن يستأذنوا للانصراف، ولكن خير ما فعل عمها، يبدو أنه لا يريد افتعال المشاكل. نظرت بتوتر في المكان بسبب نظراته لها بين الحين والآخر.
فنهض آدم من جانب عمه، وهو يشير لشقيقه بالحديث على انفراد. نهض بدر له، تاركًا الصغير مع غسان يلاعبه هو والآخر. فاتجهت نيروز تحت أنظاره إلى والده، الذي يجلس بجانبه بسام. جلست نيروز بجانبه بأدب، فابتسم حامد لها بحنو، ثم قال: "عاوزك متخافيش، طالما كلنا هنا ومعاك. ولو حاجة حصلت واحتاجتيني، أنا هنا جمبك على طول. وإفرحي النهاردة وانسي كل حاجة كده وفرفشي، عشان الهبل دول يتجوزوا بقا والبيت يفضي ليك، ولا إيه؟
طالعته بتأثر، فنظر لها بحنو عندما أردفت ببسمتها البسيطة: "شكراً على اهتمامك يا عمو." قالتها بامتنان، فأجابها بلطف وعاطفة أبوي، كونه أب لثلاثة: "أنا زي أبوك يا حبيبتي، ده بعد إذنك طبعاً. ربنا يصلح حالك! هزت رأسها وهي تبتسم له، لوهلة شعرت بأن ماذا لو كان ذلك الجالس يواسيها هو والدها؟! كان بسام يجلس بجانبهم بملل، فنهض على فجأة، ثم تحدث قائلاً بهدوء:
"أنا همشي أنا، يدوبك ألحق أروح أغير وأصلي وألبس وأجي تاني. جاي معايا يا بابا ولا هتخليك شوية؟ كاد أن يتحدث والده، فوجد دلال تخرج من المطبخ، فابتسم له قائلاً: "أمك طلعت أهيه، كنت هستناها. دي الحب دي يااض، همشي من غيرها إزاي." قالها وهو ينهض، ثم تحرك وهو من خلفه، بعدما أشار للأخرى بأن تتبعه، حتى يخرج جميعهم من باب المنزل، بالطبع بعد وداع حامد المؤقت لنيروز. نهضت وسام هي الأخرى معهم، حتى تقتل حيرتها بماذا سترتدي!
سيأخذ منها وقت بالتأكيد!! تبقى هو والصغير وهي!! لحظة موترة بالنسبة لها، خاصة بعد ما حدث منذ قليل!! اقترب غسان من الصغير، ثم قام بتقبيله من خده، ثم هبط على أذنه بعدة كلمات، وهو ينزله أرضًا. فتوجه يامن وهو يركض ركض طفولي، حيث وصل إلى نيروز، فانتبهت هي له، ثم انتشلته ترفعه، وقبل أن تقبله، تحدث الصغير تزامناً مع تقبيله لها هو أولاً ببراءة: "خدي دي!
قالها بنبرة طفولية، لم تفهم هي، ولكن على أية حال قبلته بحب هي الأخرى، مع نظراتها العشوائية في المكان، فوجدت غسان يطالعها بعبث، وهو يبتسم، ثم تحدث بثقة، وهو يشير على نفسه بجرأة: "بتاعتي! كان يقصد القبلة. احمرت وجنتاها بشدة، ثم نهضت من مكانها بتوتر، وهي تتجه حيث الشرفة، بعدما أنزلت الصغير على الأرض. فدلفت لشقيقتها، فابتسمت لها ياسمين باتساع، ثم بادلتها نيروز البسمة وهي تقول: "يلا عشان تلبسي عشان نحلق حتى."
أومأت لها ياسمين، فتحدث حازم بمرح، وهو يخرج من الشرفة: "قاعد بقولها كده من ساعتها. بكذب نفسي باين، مش عاوزاني! ضحك الاثنان بخفة، ثم توجهت معها حيث الغرفة. كانت قد رحلت جميلة منذ قليل هي وعايدة، حتى يجهزوا أنفسهم. والآن اتجه حازم حيث غسان، الذي رفع يده يدفعه قائلاً بمرح: "يلا يا عريس، خلينا نروح نجهز بقا." قالها غسان وهو يدفعه بمرح، فضحك الآخر بخفة، وهو يصيح عالياً بالمكان أنه سيخرج. فأجابته سمية وهي تخرج من المطبخ:
"ماشي يا حبيبي، متتأخرش بقا، وانت كمان يا غسان! أومآ لها وهما يخرجا من المنزل. بينما حملت هي الصغير بتعب، بعدما انتهت من عمل المطبخ. بقي تنظيم الصالة بخفة فقط!! ستفعلها سريعاً، ولأن عقد القران سيبدأ الناس في الاجتماع عندها بعد قليل، بسبب المعازيم المتكونين من أصدقاء ياسمين والأقارب المقربين بشدة فقط!! في الجهه الأخرى!! كان يحتضن آدم شقيقه، ثم خرج يتحدث بهدوء:
"حقك عليا يا بدر، أنا مش عارف كنت بعمل إيه ولا بقول إيه. أنا تايه." غلبته عاطفة الأخوة، وهو يمسكه من كتفيه بحب، قائلاً بحنان: "أنت أخويا يااض، مقدرش أزعل منك. بس سيبك من كل اللي أنت فيه ده يا آدم، وحاول تبدأ من الأول صح! هرب آدم بأنظاره، وهو يتحدث باختصار، حيث لا وقت له في فتح تلك المواضيع في يوم كهذا: "إن شاء الله. روح البس بقا ولبس يامن وهاته يقعد مع عمه." "من عين يامن يا جدع!
بس متبوظليش الواد، خليه محترم، هلاقيها منك ولا من غسان." نظر له ببسمة مكلفة، بسبب إرداف ذلك الاسم الذي لا يحبذه من فراغ، ثم شرد بأثر شقيقه، وهو يتجه بعيداً عنه. فجلس آدم منتظراً على الأريكة، وهو يمسك هاتفه يعبث به بملل، فهو أتى بملابسه متجهزاً من الأساس عند موعد الغداء، الذي كان متأخراً!! *** "تقدر تقولي أنت جاي دلوقتي ليه؟
بعد مرور وقت في شقة زينات، وقف سليم بعدما بدل ملابسه، ينظر لابنه وهو واقف في صالة المنزل، مردداً كلماته بجدية وجمود. حتى خرجت أيضاً زينات بمجرد سمعها لصوته الجامد من الداخل، وهي ترتدي ملابسها! فطالع "حسن" ببرود، ثم ابتسم بسمة جانبية بسخرية، قائلاً بتهكم: "بدل ما تقول لابنك حمدلله عالسلامة؟ "والله لما تكون ابن بجد مش فاشل وضايع! لأ، وكمان خراب، وجاي تخرب وتبوظ اللي بيتعمل! قالها بحده، ثم واصل مجدداً بتحذير: "إسمع!!
لو حصل حاجة النهاردة منك، أنا هيبقي ليا تصرف تاني معاك. خليك في نفسك كده واهدي، ومش عاوزين زفت مشاكل! مش فاهم أنا إيه اللي حدفك علينا دلوقتي؟ نظرت زينات له بحدة، ثم تحدث قائلة بغضب: "جرا إيه يا سليم؟ ده مش كلام تقوله ليه بعد غياب، محموق أوي كده ليه على ابن عايدة؟ مالك؟ نظر لها بصمت، ثم توجه يخرج من باب الشقة، متوجهاً حيث أسفل لجلب المأذون، كما قال لابنه! تاركهم ينظران من خلفه بغضب دفين!
ولكن على أية حال، سيصبران في هذا الوقت. اتجاهت لتأخذ حقيبتها، ثم صاحت باسم ابنتها، وهي تمسك بكتف الآخر بمواساه، قائلة بعدما خرجت ابنتها من الغرفة: "يلا." *** في شقة حامد، وبعد مرور وقت عليهم أيضاً، كلاهما يرتدي ملابسه بأناقة!
خرجت "وسام" من غرفتها وهي ترتدي فستاناً من اللون الأزرق الداكن وحجاب رأسها كان من نفس اللون، واضعة كحل أعين فقط من مساحيق التجميل ليظهر عينيها. خرجت لهم بصالة المنزل فوجدت والديها يجلسان بجانب بعضهما بعدما تجهزا سريعاً. "حامد" كان يصنع الانبهار الشديد بطريقة بالغة حتى يبث لها الثقة، ثم نهض يمسك يديها وهو يقوم بتدويرها مثل العروس قائلاً بحب وحماس: "إيه الجمال ده يا حبيبة بابا !!
نظرت له بتأثر كما نظرت والدتها، ثم دخلت في أحضانه سريعاً قائلة بتأثر غلفته طبيعتها المرحة: "أجدع بوب ! بحبك اوي! ربت عليها بحنان ثم خرجت من أحضانه تجلس بجانب والدتها. فالتفت هو لهم ثم حك ذقنه بتفكير: "عارفين ناقصني إيه ؟ "إيــــــــــه." "أحط برفان ! قالها ببساطة وهو يعدل من مظهره بخفة، فضحكا الاثنان عليه. بينما نهضت "وسام" بحماس وهي تأخذ يده حيث غرفة "غسان" قائلة على سرعة: "برفيوم غسان تحفة، تعال أحطلك منه!
دقت الباب ثم انتظر هي وهو بضعة دقائق حتى فتح لهم "غسان" بضجر وهو عاري الصدر، من أمامهم فقط يرتدي بنطال الحلة فقط! انتفضوا جميعاً حينما شهقت "دلال" عالياً مرددة: "يلهوي!! هتاخد برد يا بني! انتفضا سريعاً من أثر صوتها، فنظر لها بهدوء محركاً عينيه بمعني لا تقلقي، ثم وجهها حيث الاثنان قائلاً بتساؤل: "هو فـى ايه ؟ "عاوز أحط برفان ياض!! عندك مانع ولا ايه ؟
ضحك رغماً عنه وهو يفسح لوالده المكان هو والأخرى ليدلفا الغرفة. في حين توجهت "دلال" للغرفة الجانبية حيث "بسام" لتدق عليه. بعد لحظات، وضع "حامد" العديد من الروائح المختلفة، فنظر له "غسان" باشمئزاز زائف وهو يردد: "ما خلاص يا حامد مش فرح امك هو! "الله يرحمها يا بني، الف رحمه ونور تنزل عليها! قالها "حامد" بتأثر زائف، فضحك "غسان" رغماً عنه وهو يرتدي قميص الحلة ثم ارتدي الأخرى ليكملها!
وقف قليلاً حتى توجّه ناحية شقيقته وهو يمسكها من طرف فستانها حيث عنقها متجهاً بها حيث خارج الغرفة. ومن بعدها توجه يقف أمام والده قائلاً بثبات: "مينفعش امسكك زيها يا حج فاطلع وراها يلا، هعمل حاجه وهاجي وراكم علطول!
قلب أعينه بملل من حديثه، ثم تركه وتوجه حيث غرفة الٱخر غالقا الباب من خلفه. فتوجه "غسان" حيث مكتبه جالباً ورقة وردية من دفتره ثم قطعها ودون بها شيئاً للحظات، ثم توجه ناحية الشرفة يعلق بها مشبكا، ثم قطعها ودون بها شئ للحظات، ثم توجه ناحية الشرفة يعلق بها مشبكا، ثم قذفها ناحية شرفتها إلى أن تظهر بها في المساء بعد الانتهاء من عقد القران. فتوجه هو من بعدها خارج الغرفة حيث غرفة شقيقه الذي يتجاهله. وجد الجميع متجهزاً الٱن، ولكن هو وشقيقه لم يرتديان مثل بعضهما تلك المرة بسبب عدم أخذ "غسان" الفرصة للحديث معه!!
لا يعلم لماذا ولكن يعلم أن بشقيقه شئ!! توجه "حامد" إلى حيث باب الشقة وهو يمسك بيده "وسام" وكأنهم عروسين وبجانبهم "دلال" حتى فتح الباب أخيراً، ومن خلفه توأميه! التفت "غسان" برأسه لذلك الذي يهرب بأنظاره منه قائلاً: "خلصت؟ اكتفى الآخر بهز رأسه فقط!!
ثم توجه ليتخطاه حتى يخرج من الباب. عقد "غسان" ما بين حاجبيه بحيرة من أمره تزامناً مع توجهه للخارج وهو يغلق الباب من خلفه متوجهاً من خلفهم. ثم كانت الصدفه أنه اتجه ليقف أولاً وهم من بعده. فوكزه "حامد" وهو يدفعه بمرح قائلاً بجديه زائفه: "إبعد يا حبيبي..إبعد أنا الكبير! ضحكوا على ردة فعله، فابتسم "غسان" لوالده باستفزاز ثم ردد ببساطة: "وأنا الطويل"
قالها ثم ضحك رغماً عنه وهو يربت على كتف والده يدفعه إلى الأمام برفق ليبقي في المقدمة تحت ابتسامتهم الواسعة. فدلفوا هم من الباب المفتوح على وسعه، ولم يغلق بعد بسبب المناسبة.
في شقة "سمية" كان المكان مجهزاً إلى حد كبير كما جاء لهم بعض من المعازيم القلة الجالس بعضهم في حجرة الضيوف الكبيرة قليلاً، والمرتبة للجلوس بها هم والمأذون. كانت "سمية" هي التي تقابل المعازيم هي وزوج ابنتها "بدر" و "حازم". أما بقية الفتيات في الغرفة مع العروس. تجهزت "ياسمين" أخيراً، كما تجهزن هم أيضاً. نظر ت لها "نيروز" بتأثر، التي ترتدي فستاناً بسيطاً من اللون الوردي الهادئ جداً كمثل ملامحها!!
أما "ياسمين" فكانت ترتدي فستاناً بسيطاً بأكمام واسعة من اللون الأبيض وكذلك الحجاب! وارتدت "جميلة" كمثل "نيروز" ولكن كان باللون الأخضر الداكن!! و "ورده" كان فستانها طويلاً من اللون اللبني كلون السماء في صفائها! إحداهن كورده، وواحدة كملاك والاخرى كورقة شجرة، مع لون السماء!! طالعتها "ياسمين" بحب وهي تنظر لدموع عينيهما المحبوسه فاتجهت لتحتضن الثلاثة بتأثر وهي تهتف بصوت متحشرج:
"يخربيتكم هتبوظولي اللوك قبل ما قرة عيني يشوفه!! خرجن من أحضانها وهن يضحكن عليها بقوة، رغم تأثرها تضحكهن بشدة. قاطع لحظتهم "وسام" التي دقت على الباب حتى أذنت لها من الداخل، فابتسمت لهم ثم وضعت يديها على فاها ومن ثم قامت بخروج زغروطة عالية صدحت في المكان بأكمله. ثم اتجهت لتحتضنهن قائلة بحب: "زي القمر كلكم يا اخواتي! بادولها المجاملة، فتحدثت "وسام" مرة أخرى قائلة بسرعة: "طب يلا أنا جايه أقولكم ان المأذون جه!
رغم توترها كعروس إلا أنها خرجت خلفها ومن خلفها الأخريات. فصدحت الزغاريط في المكان على أثر رؤيتها وهي تقف من أمامهم قبل أن تدلف إلى الغرفة. أما "حازم" فنظر لها بفرح وتأثر وانبهار تلك الفتاة الذي عاش طيلة هذه السنوات يعشقها ستكون على إسمه بعد دقائق. أدمعت عينيها سريعاً حينما اتجه لها والاخرين يهللوا بالتصفيق والصفارات أيضاً مع صدوح صوت الأغاني في المكان. امسك يديها سريعاً فوجدها باردة من أثر التوتر، فخرج منه صوته المتأثر
المختنق من كثرة فرحته بها: "هو فـى.. حد حلو بالشكل ده؟ ابتسمت رغم هبوط دمعة على خديها قائلة بنرجسية لا تتوافق مع الموقف: "أه أنا! ولأنهم كانوا بالقرب من بعض، ضحكوا عليها بخفة. فتوجه وهي بجانبه حيث الداخل. أما "غسان" فوقف ينظر بتيهان إلى تلك التي سلبت قلبه منذ زمن مر عليه الكثير!!
ابتلع ريقه وهو يحاول تجاهلها. أصبحت خطراً عليه حقاً. كان قد وصل "عز" و "فرح" فوقف معهم "بسام" في جانب يتحدثان مع بعضهم من تلك الصدفه كما ذهبت "جميلة" لترحب بصديقتها!! دلف الجميع أخيراً بعد دقائق إلى الغرفة وامتلئت الأماكن إلى حد ما. و "سمية" كل ما تفعله أنها بين الحين والآخر تنظر بتأثر وفرح لابنتها كم يعز عليها فراقها حقاً، رغم ما يحدث بينهما!!
جلس المأذون وبجانبه "حازم" ومن ثم "ياسمين" وعلي الناحية الأخرى من المأذون جلس موكل العروس "سليم" ووالد العريس أيضاً. أطفأوا الأغاني حتى يتحدث المأذون في هذا الجو المشحون بمشاعر كثيرة متضاربة، رغم بعض النظرات الحاقدة من "زينات" وأولادها إلا أنها بقيت في جانب ما ساكنة. وأخيراً صدح صوت المأذون الهادئ وهو يخطب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة."
قالها كما أكمل، من بعدها أيضاً حديث عن بر الزوج وطاعته وحسن معاملة الزوجة، تحت نظرات الجميع المنصتة باهتمام. فواصل بعد انتهاء الخطبة موجهاً حديثه لـ"سليم":
"قول ورايا يا أستاذ، بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد إني استخرت الله تعالى وزوجتك موكلتي الآنسة البكر الرشيد ياسمين سالم محمد الأكرمي لنفسك زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا حاله ومؤجله وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين."
رددها "سليم" خلفه كلمة تلو الأخرى. وكما أن الشهود بعض من الشباب ومنهم "غسان" ووالده و"بدر"، فنظر المأذون إلى "حازم" مردداً وهو ينظر إلى مسك يديهما ببعضهما من خلف المنديل القماشي:
"قول ورايا يا عريس، إني استخرت الله تعالى وقبلت ورضيت الزواج بموكلتك الآنسة البكر الرشيد ياسمين سالم محمد الأكرمي لنفسي وبنفسي زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا حاله ومؤجله وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين." صمت ثم أشار ليتحدثوا جميعاً مع بعضهم وكل من في المجلس: "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
بــــــــارك الله لــكمـا وبـــارك عليكـــما وجمــع بينكمــا فـي خـيـر." رددوها جميعاً، تحت النظرات المتأثرة من النفوس الصافية. فنهض "حازم" سريعاً ثم فرد ذراعيه على آخرهما قائلاً لها بتأثر وفرحة: "فـحـضن جــوزك يا مــراتي بقـا! قالها فهللوا جميعاً بالتصفيق وهي داخل أحضانه، والآن هي أصبحت حلاله!
شعور غريب كتب عليهما رغم الراحة التي توجد به. رحل المأذون بعدما أوصله "سليم" ثم اعتلت الأغاني مرة أخرى في المكان وكل منهم يرقص مع نصفه الآخر على نشيد العاشقين. هو وهي، "وسام" و"حامد"، "فرح" و"عز"، "بدر" و"ورده"، أما البقية فكانوا ينظرون ببهجة رقصة الأميرة والأمير بهدوء، على لحن الكلمات الشهيرة وهم من خلفهم والتي كانت تحتوي برتمها الهادئ البسيط: "صاحبة الصون والعفاف أحلى واحدة في البنات
اللي عمري ما قلبي شاف زيها في المخلوقات تسمحي لي برقصة هادية تسمحي لي بقربي منك حلم عمري تكوني راضية عن وجودي بس جنبك يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين يا حبيبتي إنت نوري إنت إحساسي بحياتي إنت مالكة من شعوري كل ماضي وكل آتي إنت مفتاح الحياة للي نفسه يعيش سعادة قلبي محتاج لك معاه وكل يوم يحتاج زيادة
يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين يا حبيبتي إنت نوري إنت إحساسي بحياتي إنت مالكة من شعوري كل ماضي وكل آتي إنت مفتاح الحياة للي نفسه يعيش سعادة قلبي محتاج لك معاه وكل يوم يحتاج زيادة يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي
والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين" وبخفة في المكان تحت أنظار الجميع، وما أن انتهوا جلس كل منهم من جديد. كانت أنظار "غسان" مجتنبة "نيروز" إلى حد كبير، ولكن لتلك الغبية جاءت بنفسها لتجلس بجانبه!! وهو يحاول أن يتهرب منها ولكن لم تكن تقصد ذلك!! مال عليها متحدثاً بجانب أذنها: "عقبـالنـا." ماذا يقصد ذلك الوقح!! أهي مرة وهو مرة أخرى أم هما معاً بمرة واحدة. رغم حرجها منه إلا أنها أجابته برسمية حتى تضربه بمقتل:
"عقبالك انت الأول! قالتها بثبات وهي تنظر بمكان آخر غير عينيه. فواصل بتبجح غير مستسلماً لها وهو يردد مرة أخرى بضغط وعبث: "ومالو، قريب أوي! تظاهرت بأنها لم تستمع له، بل نهضت تقف بجانب شقيقتها الكبرى وبعض الفتيات، حينما هللوا بأن "فريدة" ستقوم بتشغيل أغنية حتى يقوموا بالرقص عليها. ورغم غرابة هذا!! ولكنهم ترقبوا جيداً حتى يستطيعوا الرقص بسعادة. ولكن ضربتهم بمقتل حينما كانت بداية الكلمات أغنية مؤثرة عن الأب:
"صوت رنة المفتاح في الباب ساعة أما توصل ومكالمة نص اليوم لما من غير داعي تسأل والزعيق من ورا قلبك لما أصالحك وتتقل وحضنك اللي بنسي قبله ليه كنت بزعل رأيك اللي كله حكمة صوتك حفظته كل موقف يوم زعلني وبعدين فهمته أنت اللي أنا رافعة رأسي من ورا اسمه وسيرته بنت أبويا واه يا بختي بعمري وياك عشته." بداية الكلمات صدمة وإحراج شديد وكسرة قلب!
أدمعت عين الثلاثة أشقاء "ورده وياسمين ونيروز"، ولم يقو أحد على الحديث بأن شخصاً ما يوقف من تلك الأغنية التي كسرت قلب ثلاثتهم للتو. نظر "حازم" حوله بتوتر، فوجد الأجواء كهذه، ثم نظر إلى "فريدة" فوجدها تبتسم بانتصار هي ووالدتها!! أمسك يد "ياسمين" سريعاً ثم حاول مجاراة الأمر بمرح حتى لا تتوتر الأجواء هاتفا بصوته العالي: "ما انا هبقي ابوها بردو يجماعه!
منهم من ضحك ومنهم من نظر بتأثر. فأمسك "حازم" يديها وهو يقوم بالرقص معها على بقية الكلمات خاصة بعد تلك الحركة الغريبة والغير مألوفة بالنسبة لهم حينما أمسكت "فريدة" يد "سليم" المرغوم على أمره من أمامهم وهي تتراقص معه حتى تزيد في ضغطها وقهرها لهن. فتراقصوا على كلمات الأغنية مع الآخرين حتى أكملت الكلمات: "بيقولوا لي إني شبهك. إني زيك حتة منك." روحي روحك واخدة قلبك في المشاعر والكلام
بيقولوا لي اللي شافوكي كتير لاقوكي بنت أبوكي ده في سلامه واهتمامه يا بختي قالوا بنت أبويا يا سلام لما تقلق وأنا أخبي لتزعل عشاني وأما في طريقنا نسافر ونشغل أغاني وأما تشوف مني دمعة وتعمل مش شايفها بتخاف تكسفني وتحسسني أنك كاشفها أنت سندي وأنت ضهري وصاحب عمري كله لما بشكي لما بحكي من غيرك أروح أقوله اللي مهما كبر سني هفضل أعيش في ضله يا حبيبي يارب يخلي صوتك العمر كله
كانت تتراقص "ياسمين" معه بتأثر. مر الوقت عليهم لا يعرف أي منهم كيف مر. ولكن بقى أفراد العائلة والبعض من الخارج فقط مثل الأصدقاء. جلس "حازم" معها في الغرفة فحاولوا هم إخلاء الجو لهما، تاركينه معها وهم يتوجهون إلى الخارج. كانت هي قد خرجت تجلس وهي تبكي في شرفة الصالة. وعندما خرج هو لاحظ جلستها حتى ذهب لها الشرفة وهو يدلف يقف بجانبها مرددًا على فجأة: "بتعيطي؟
التفتت برأسها تمسح دموعها وهي تهز رأسها بصدق. ولم ولن تحاول التكذيب. فابتسم على صراحتها ود لو ليأخذها بين أحضانه ولكنها أحلام الآن! خرجت نبرته المليئة بالحنو والمواساة وهو يردف: "ياريت العياط بيرجع حاجة! عارف إنك مبتحبيش وبتوجعي من الفراق وبتخافي منه. بس خليكي جامدة كده ولا يهزك حاجة! ابتسمت على تشجيعه لها ثم هتفت بصوت ضعيف تسأله: "يعني أنا ضعيفة؟ "انتِ؟ ده انتِ الواحد يقوي بيكِ!
قالها بتلقائية فنظرت له بتأثر ثم بكت بصمت من خلال مشاعرها للتو!! نظر بدهشة وهو يردد بغير تصديق: "ايه ده؟ بتعيطي تاني ليه؟ "مش عارفة! وكالبلهاء المختلة عقليًا أردفتها بضحكة من بين بكائها كما فعلت معه من قبل! ضحك عاليًا بخفة وهو ينظر لها بحب. ثم تنحنح قائلاً: "انتِ نكدية ولا إيه؟ نظرت بصمت ثم رددت بجهل مرة أخرى تكرر: "مش عارفة" قهقه عاليًا بقوة وهو يخرج من جيبه علبة من المناديل الورقية ثم قدمها لها وهو يتحدث
من بين ضحكاته الرجولية: "أومال عارفة إيه؟ انتِ بتعيطي ولا بتضحكي.. إمسكي إمسكي! اهتز جسدها من أثر ضحكاتها على حالها. لا تعلم أتضحك أم تبكي. أخذتها وهي تضحك وتبكي في آن واحد تتمنى لو يبقي معها بالشرفة ولم يرحل ذلك الذي تخلل بها شعور الحب تجاهه وبقوة ولا تعلم متى!
فالخارج استأذن "حامد" وزوجته من المغادرة بعد ذهاب الكثير على فترات. فرحل هو وهي. وبقي "سليم" وزوجاته والأخرين. أما "فريدة" فرحلت إلى المنزل لتجلب شيئًا كما قالت لهم. كما خرج "آدم" و"حسن" مع بعضهما من المبنى بأكمله! اتجهت "جميلة" تودع "عز" و"فرح" الذي أخذا كثيرًا على الأجواء. خرج "غسان" من الشرفة حتى لا يبقي أمام الأنظار والشكوك بينهم بسبب تلك العقربة بالنسبة له "زينات". توجه ليقف أمام "عز" وهو يبتسم له قائلاً:
"نورتنا يا عز. ياريت تكون عرفت تفرق بينا بقا. أصل أنا بتعب من الحوار ده" ضحك "عز" عاليًا من على باب المنزل! وهو يردد بأسف: "للأسف لسه مش عارف أفرق. ده يدوب عرفتكم النهارده من بعض بسبب اللبس المختلف!!
قالها وهو يبتسم فبادله الآخر الحديث بمرح. هبط الآخر بينما ظلت فرح مع جميلة لدقائق يتحدثا قبل الرحيل. نظر عليهم فوجد المكان ينقص "بدر" وزوجته يبدوا أنها دلفت غرفتها بعد الذي حدث فذهب خلفها وانتهت تلك الجلسة المبهجة بأخرى بها بعض الحزن! استأذن ليننصرف إلى شقته تاركًا تلك النظرات الصامتة لكل منهم للآخر! قبل قليل
خرجت تلتفت من حولها خوفًا من أن أحد قد يراها. ثم ركبت المصعد بسرعة وهي تحمل تلك الحقيبة المتوسطة في الحجم في يديها. حتى وصلت "فريدة" إلى الأسفل وهي تلتفت حولها بريبة. اصطدمت بذلك الذي سبق شقيقته فالنزول "عز" فالتفت سريعا بأسف: "أنا آسف. معلش" "ما تفتح يا بني آدم انت! ذهل من ردها عليه!
ولكن صمتت تلاحظ ذلك الشبه الذي بينه وبين "شريف". شريف ينتظرها. ركضت بعيدًا عنه قبل أن يراها أحد متوجهه إلى حيث أحد الشوارع الجانبية التي توجد بها سيارته كما اتفقا مع بعضهما! ومن ثم هبطت "فرح" أخيرًا ثم امسكت ذراع شقيقها وهي تبتسم له ليرحلا معًا! بعد قليل دلف إلى الشقة فوجد والده ووالدته يجلسان بإنهاك على الأريكة وهم كما هما بملابسهم. وبجانبهم "وسام" أيضًا. ابتسم لهم بتساؤل: "أومال بسام فين؟
"فأوضته مش عارفه بيسو ماله واخد جمب كده ليه! قالتها "وسام" بحيرة. فتركها "غسان" وهو يتجه حيث غرفة شقيقه. ثم فتحها دون الدق عليه فوجده يجلس على الفراش غير مهتمًا لوجوده حتى. اتجه ليقف من أمامه ثم تساءل بهدوء من الذي يحدث منه من غرابة التصرف: "مالك يا بسام؟ فيك ايه؟ رفع "بسام" أنظاره يطالعه ببرود. ثم أجابه وهو ينهض ليترك له المكان: "مفيش حاجة. ما أنا كويس أهوو!!
قالها وكاد أن يتحرك من أمامه فأمسكه "غسان" بحزم يوقف من حركته. ثم تساءل بجمود: "بتكلمني كده ليه؟ هو فيه ايه؟ أنزل من يد شقيقه الممسكه به ثم نظر له بعينيه قائلاً على فجأة وبصوت عالي يصرخ به عاليًا كمن انفجر للتو بعد كل ذلك الكتمان منذ زمن: "مــــش عارف في ايــــــه" استغرب "غسان" من تحوله المفاجئ ثم تحدث قائلاً بقلة علم وبنبرة جادة: "انت بتزعق كده ليه؟ لو عندك حاجة قولها غير كده تسكت! قالها بحزم!
فرفع "بسام" يده يمسكه من تلابيبه باندفاع صارخًا بوجهه: "أنـــا قابلت تاج!! عارف يعني إيه؟ يعني عرفت بكل قذارتك! دهش بشدة حينما أردف الآخر له حديثه وهو يمسكه كذلك! فخرج منه صوته يجيبه بغير تصديق من ما أردفه ومن مقابلته لتلك الحقيرة! هو يعلم أنه سيأتي يوم لتلك المواجهة. ردد أخيرًا بغير تصديق وكبدايه لكسرة قلبه من شقيقه: "قذارتــى! "أه قذارتك. ليــه؟ ليه كل الفتره دي تكون انتَ اللي كاسرني مش هي!
أنا عملتلك ايه عشان تدمر حياتي كده؟ ما تنطق" صراخه العالي جعل من بالخارج يدلفون الغرفة على فجأة بينما دفعه "غسان" إلى الخلف بقوة مرددًا بصراخ: "ضحكـــت عليك تانــي يا غبي! قالتلــك ايه المرادي؟ قــــول! نهض "بسام" يدفعه هو الآخر صارخًا بوجهه بانفعال اشتد في نبرته العالية أمام أنظار البقية المنصدمة مما يحدث! "قالتـــلـــي إنــك قــذر وزبــاله.. ! و بتستغفلني... بتدخل فحياتي ليه؟ بتدمرها وتكسرها ليه؟
حرام عليك العذاب اللي عيشته بسببك يا أخي! صدمته فاقت كل الحدود، ولكن تحكمه في سرعة رده كانت الأقوى حينما انْفَعَل وهو يقترب منه ممسكاً بوجهه يهزه بعنف حتى يفوق الآخر تحت نظرات والده المنصدمة وحتى بكاء وصراخ الأخريتين! "انت مجنون؟ إزاي تصدق أي حاجة هي تقولها؟ ده أنا عشت طول الفترة اللي فاتت براقبك عشان خايف عليك. شوفت وصلت لحد إيه؟ أنا دمرت حياتك. دا أنا كل خوفي في حياتي عليك وعشانك!
أنا اللي بعدتها عنك عشان كانت بتأذيك وبتستغفلك! كانت هتشوه سمعتك لو كنت كملت معاها! أنا كنت عارف إن ده لو حصل ما كنتش هتسيبها، ما كنتش هتسيب واحدة مقضياها بالطول والعرض يا متخلف وانت نايم على ودانك! هاجت الدماء في عروق الآخر حتى هما الاثنان لم يستمعا لمناداة والديهم عليهما، وإن تدخلا ستتعقد الأمور من تصرفاتهم!
رفع "بسام" يده بغضب ثم دفع شقيقه بقوة إلى الخلف حتى ارتطم "غسان" بالحائط الذي خلفه بقوة كبرى من أكثر دفعة شقيقه، وهو يصرخ عالياً بغضب. سالت الدماء من رأس "غسان" من الجانب بسبب خروج بعض الأخشاب الصغيرة من الديكور. ثم من بعضهما أخذ الآخر يدفع كل شيء من حوله بهستيرية وهو يصرخ عالياً بانفعال ممزوج بالبكاء. تأوه "غسان" حينما وقع على ذراعه ذلك الرف الكبير الذي يحمل من الكتب أعداداً كبيرة! سمع صوت كسر عظمة من عظام ذراعه!
فتأوه بصوت عالٍ مع صراخ "دلال" ببكاء، و"وسام" الباكية هي الأخرى. فتوجه "حامد" يدفع "بسام" حتى يهدأ فدفعه الآخر بعيداً عنه قائلاً من بين بكائه المنكسر: "ابعدوا عني! لم ينظر له "حامد" بل اتجه سريعاً يدفع تلك الأشياء من جانب "غسان" المستمع لبكاء والدته وشقيقته. نهض وهو يتحامل على ألم رأسه وذراعه. ثم وجد الآخر يقف أمامه بعدما دفع كل ما حوله بقوة. عاد ليقف بأنفاسه العالية!
حتى خرج صوت "بسام" منه وهو يهتف عالياً وصدره يعلو ويهبط من أثر انفعاله ومن كل ما حدث: "ابعد عني! معتش ليك دعوة بيا ولا بحياتي يا أخي. امشي! حَبِسَت الدموع في عين "غسان" الذي يقف وبجانبه والدته الممسكة به. صمت. صمت ليسمع صوت تكسير قلبه من أقرب الناس إليه! فرت دمعة قاسية وحيدة على وجهه الخالي من أية تعابير ثم ردد بتعب جعل والدته تبكي بقوة وهي تصرخ حينما قال بطاعة أتت من تمزيق قلبه:
"همشي يا بسام ومش هخليك تشوف وشي تاني! صمت ثم واصل بتعب ظهر بكل تفصيلة في حديثه: "همشي، عشان أنا اللي غلطت لما معرفتش أتمكن من خوفي عليك. طول الوقت حاسس إن أنا أكبر منك ومسؤول عليك! أنا اللي شيلتك من وجع كبير وسيبتك لوجع أقل. أنا الغبي اللي خبيت عليك قهره عمر بحاله، مش قهر وزعل عندك بيروح وبيجي. همشي عشان مستحقش منك إنك تشوفني قذر. وهمشي بردو عشان مينفعش تشوفني بعد ما صدقتها هي وأنا لا!
قالها ثم توجه سريعاً يفتح باب المنزل بقوة وهو يخرج منه حتى وقف فجأة على صوت والدته الباكية عالياً، هذه المرة بقوة عن ذي قبل: "متمشيش يا غسان. متسبناش عشان خاطري! كان صراخ "بسام" من الداخل مع والده يكفي لجلب العشرات من الناس. خرج من شقة "سمية" كل من كان بها منذ قليل. حتى نظروا لذلك الواقف بصدمة، وللأخرى التي تبكي وهي تجلس أرضاً غير قادرة على الحركة!
توجهت "سمية" و"عايدة" لها سريعاً وهما يقومان بمساندتها تحت نظرات "زينات" وزوجها الصامتة كما وقف "بدر" مصدوماً وهو يري المشهد من أمامه! بينما هتفت مرة أخرى بضعف من بين بكائها وانهيار شامل: "عشان خاطري متمشيش. ده اخوك يا غسان. خليك عشان خاطري!
توجه "بدر" سريعاً خطوة إلى الأمام ليقف بجانبه حتى يرى جرحه والدماء التي تسيل على وجهه. فأوقفه "غسان" بحزم وهو يشير له بعدم الاقتراب أكثر. وصوت أنفاسه العالية كفيل بشرح ما كان يشعر به. خرجت "نيروز" بعد شقيقتها الأخرى و"حازم". فثبتت قدميها أرضاً حينما رأت منظره ودماءه التي تسيل من رأسه. أخرجت علبة المناشف الورقية لديه الذي جلبها لها منذ قليل ثم توجهت سريعاً بلهفة ومن ثم رفعت يديها أمام أنظارهم جميعاً تضعها على جرح رأسه وهي ترتجف من خوفها ولكن ليس منه ومن عبثه بل خوفاً عليه. نظر لها بعمق أعينها مطولاً، فوجدها تحبس الدموع بعينيها إلى آخرها!
فردد وهو يوقف حركة يديها قائلاً بانكسار وهو يهبط يديها وينزلها: "أنا آسف! لماذا يتأسف الآن؟ يودعها؟ سيتركها؟ بعدما قالت له بأنها تهاب الفراق وبشدة! أحبته وتعلقت به كثيراً. لا تعرف ماذا يقصد. أحقاً سيرحل حتى كانت تحذره والدته؟ ترك يديها وهو يهبطها ثم نظر لها بخزي وهو يتوجه على السلم ليهبط على الدرج تحت ردة فعلهم الصامتة! حتى "حازم" الذي توجه سريعاً للهبوط من خلفه هو و"بدر". رفع "غسان" أنظاره لهما مردداً بجمود:
"متجوش مش عاوز حد ورايا! وقفا بمكانهما بسبب تحذير الآخر الحاد له!
وقف من صدمته وتأثره ببكاء "دلال" وهي تهتف عالياً بأن لا يرحل. ولكنه رحل وتركها. هي وزوجها الذي خرج للتو بعد مواجهته مع "بسام" الذي كان بانفعاله في عالم آخر. انحنى ليسند زوجته إلى الداخل. وبجانبه ابنته الباكية الذي ذهب "بدر" ليسندها سريعاً. وهم يدلفون جميعاً إلى شقته. تنحنح الآخرين بحرج وهم يدلفون إلى الشقة من جديد. ولكن تلك المرة رحلت "عايدة" مع ابنتها إلى شقتها. وكذلك "زينات" إلى شقتها هي وزوجها
والتي هتفت بخفوت وتشفي: "ايه الفيلم الهندي ده! دلف كل منهم إلى شقته ولكن بقي "حازم" مع "ياسمين"، وهو يجلس بجانبها منصتاً لحديث "سميه" المتأثر: "لا حول ولا قوة إلا بالله. من إيه دا بس ياربي." أما هي دلفت إلى غرفتها وهي تكتم دموع عينيها. بكت بعجز وقلة حيلة وهي تحاول أن تأخذ أنفاسها بصعوبة. لماذا تبكي الآن؟ شعور الفراق مؤذي يتأكل في الروح بشدة. وكسرة القلب منهكة. كسر قلبه بشدة كما كسر شيئاً بداخله من ناحية شقيقه!!
ذلك الذي عاش وكأن خوفه على أخوته كمثل وسواسا لن يتركه!! بل يزداد أكثر وأكثر. صوت شهقاتها كان عالياً. لا تعرف ماذا تفعل؟ ماذا تفعل اتجاهه؟ كيف يرحل دون أن يجتمعا من الأصل؟
وضعت يديها على موضع قلبها بتعب وهي تتجه حيث الشرفة لتستطيع أن تأخذ أنفاسها من الهواء بالخارج. ولكن أعاق سيرها اصطدام قدمها بشيء خشبي من الأسفل انحنت لتنظر ما هذا التي انتشلته بيديها بغير وضوح من دموع عينيها. مسحت دموعها ثم بدأت تفتح تلك الورقة الوردية المعلق بها المشبك والذي قذفها الآخر قبل ذهابه لعقد القران تمهيداً لما كان من المفترض بأن يحدث كمثل هذا الوقت. ولكن أين هو؟
هو الذي رحل قبل مواجهتهم وهي التي انتظرت وستنظر!! فتحت الورقة وهي تزيل المشبك الخشبي عنه فوجدت جملة مدونة جعلت دقات قلبها تتسارع قهراً وليس خجلاً مع دموع عينيها الحزينة والفرحة في آن واحد حينما قرأت كلماته المكتوبة لها: "مش عارف أقولهالك إزاي! .. بس عينيك هدت كل اللي حاولت أمنعه في لحظة! .. أنا شكلي حبيتك يا بنت الأكرمي." وكأنه كان يشعر بأنه سيفارق قبل أن يعترف لها مباشرة!!
نظرت لها مطولاً ثم طوتها بيديها وهو تتمسك بها بقوة تلك الورقة وعلبة المناشف الورقية آخر شيء تبقى لها منه. ذلك الذي جاء بلحظة ليربط قلبه بقلبها دون أسباب. جاء بقلب سليم ثم رحل الآن بقلبين منكسرين! قلبه وقلبها!! هما اللذان كتب عليهما الفراق قبل أن يجتمعا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!