الفصل 14 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
23
كلمة
7,912
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18
"ما أجمل التلاقي بعد الفراق، خاصةً عندما تكون جميع الأطراف مخلصة بالفطرة!" في الطابق الخاص بعائلتي "الأكرمي" و"البدري"، خاصةً في شقة "سميه". وتحديدًا وقت ما قبل الظهيرة بقليل، بعدما استيقظ جميعهم. جلس كلٌّ من "ورده" التي تجلس بجانب والدتها، و"بدر" الجالس أمامهم. كانت أنظارهم موجهة حيث "يامن" الذي يلعب بألعابه الصغيرة على الأرض. كانت جدته تبتسم بحنانٍ كاد أن يفيض من عينيها. لاحظت "ورده" نظرات والدتها، فتنحنت قائلةً لتتساءل بهدوء: "مفيش تطورات يا ماما في يامن؟ مكبرش كده؟" ضحكت "سميه"، وكذلك الآخر. فأردفت والدتها تجيبها بمرح: "مستعجلة على إيه؟ هيكبر وهيبقى زينة الشباب. بس هو منفض كده ليه يا ورده؟ مش باين عليه أكل ولا حاجة! بتاكليه أكله يا بت ولا إيه؟" ضحكت "ورده" بخفة. أما "بدر" فأجابها قائلاً بمزاح: "ده ناقص ياكل دراعي ودراع ورده. طالع لعمه بسام، أصل كنت بتنمر عليه، وأهو طلع لي في يامن." قهقهوا عليه، ولكن لم يستطيعوا تكملة الحديث بسبب تلك التي خرجت من غرفتها وهي ترتدي حجاب رأسها على ملابسها المنزلية الطويلة. خرجت "ياسمين" تقف أمامهم بنعاس، وعلى يديها المنشفة، ثم ابتسمت لهم بسمة واسعة وهي تردف قائلة: "صباح الخير يا عيلة صداع!" وجهت نظراتها حيث "يامن"، ومن ثم انحنت لترفعه وهي تقبله بمرح وحب. فنظرت لها "سميه" بضجر، ومن ثم وجهت نظراتها للآخرين وهي تردف قائلةً حتى تأخذ شهادتهم كأي أم: "اتفضلوا، صباح الخير قرب الضهر. هتفتح بيت دي إزاي؟ ده كتب كتابها خلاص أهو على المشارف ولا فرحها!" ضحكوا عليها جميعًا. أما هي فنظرت لهم وهي تحدثهم قائلةً: "دايمًا حاطة نقرها من نقري الولية دي والله." "دي بتحبك أوي والله، والزعل هينط من عينيها على فراقك." قالتها "ورده" فأيدها "بدر" قائلاً من بين ضحكاته: "دي حقيقة، أنا شاهد." ضحكت "ياسمين" بقوة، ومن ثم أردفت قائلةً باستنكار: "تزعل؟ دي هتعمل فرحين، فرحي وفرحة خروجي من بيتها. دي ست صعبة وأنا عارفاها!" قهقهوا عليها بقوة. أما "سميه" فنظرت لها بضجر، ومن ثم وجهت نظرتها إلى الحذاء المنزلي. فتراجعت "ياسمين" إلى الخلف سريعًا وهي تضع الصغير أرضًا، قائلةً بخوف: "لا خلاص، كله إلا ده! هروح أصلي أحسن!" ضحكوا عليها جميعًا بقلة حيلة. فعقدت "ورده" ما بين حاجبيها قائلةً بتساؤل: "تصلي إيه دلوقتي؟" "الصبح!!" صمتت هي تحت أنظارهم، ثم أردفت قائلةً بعقلانية: "يا حبيبتي، مش أنا قولتلك قبل كده يفضل صلاة الفجر. مش الصبح فالوقت ده لأن ساعتها مش بتتسمى صلاة صبح أو فجر مادام الشروق طلع. صلاة الفجر وقتها من وقت الأذان لحد الشروق، ودي فرض!" عقدت "ياسمين" ما بين حاجبيها وهي تقترب منها، ثم تساءلت بجدية: "يعني حرام عليا؟" "بصي، دار الإفتاء المصرية قالت إن المسلم لازم يصلي الفجر بمجرد استيقاظه. ولكن لو كانت قبل الشروق تبقى أداء، ولو بعد الشروق تبقى قضاء. بس الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس)." كان حديثها من حد علمها، فهي الوحيدة التي تابعت دراستها في المعهد الإسلامي ومن ثم التحاقها بكلية الدراسات الإسلامية. أومأت لها بتفهم هي ووالدتها. أما "بدر" فأومأ لزوجته يؤيدها، ثم أردف قائلاً بعقلانية: "فعلاً، لأن صلاة الفجر وقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فمن غلبه النوم في هذا الوقت لا يؤاخذ شرعًا، لأن النائم قد رُفع عنه القلم. وعلى المسلم أن يبذل أقصى جهده ليدرك هذه الصلاة وغيرها في وقتها." قالها بحكمة. فابتسمت "ياسمين" لهم قائلةً بلطف: "إن شاء الله بعد كده هحاول أصحى الفجر وأنتظم. أنا بجد بحاول أنظم صلاتي ومأخرش وربنا يعيني بقا، ادعولي." قاموا بالدعاء لها بحب. أما "سميه" فابتسمت لها قائلةً: "أنا غلبت أقولك قبل كده إن صلاة الفجر بركة وأقعد أصحيكي، بس نومك تقيل. قعدت أقولك ركعتين الفجر خير من الدنيا وما فيها، بس مبتسمعيش كلامي أبدًا، ونومك زي الطوبة." وجهت حديثها في آخره لابنتها الأخرى وزوجها. فنظرت لها "ياسمين" بقلة حيلة من طبعها، وحديثها كأي أم إن ظهر حديثها بالصواب. ولكن بدلت نظراتها للحب، ومن ثم الامتنان للآخرين الذين استشفوها رغم حديثهم مع "سميه". فتركتهم لتتوجه حيث المرحاض وهي تحفز نفسها بأنها سوف تنتظم بمجرد المحاولة. *** "لا ينسى شخص أبدًا، مهما طالت الأيام، موعد كسر قلبه. ومن كان يقسم للآخرين له بعدم الفراق، فتهشم القلب يخلق فجوة يصعب أن تلتئم مرة أخرى. وتهالك الروح، رغم التظاهر بأن كل ما يحدث على ما يرام، شيء مؤذٍ. يؤذي من يحاول التماسك رغم هشاشته من الداخل!" جلس وهو صامت بعدما خرج أخيرًا من المستشفى وغيابه بها لفترات طويلة. فهذه الأيام لم يشعر جيدًا أنه على ما يرام، وكذلك الأيام التي مضت والتي ستمضي. هذا من وجهة نظره المحبطة والمخفية أمام أنظار الجميع. إذن، عكس طبيعة شخصيته المرحة التي يظهر بها للكل بأنه ملك اللامبالاة عندما يكون كثير المرح! يتأذى كثيرًا من الداخل بمحاولة إخفاء وجعه بذلك المرح! إذن ليس كل ضاحكٍ مرحٍ مسرورٍ بحياته. وتلك هي الحقيقة القاسية الذي لا يعرفها سوى الذين يخوضون حروبًا مع أنفسهم لا يعلم الآخرون عنها شيئًا! صمت، سكوت! هذا ما يفعله عادةً عند جلوسه في المكان الذي يكشف به الستار عن أوجاعه. نظر "بسام" للطبيب الذي أمامه، ثم ابتسم قائلاً بقلة حيلة: "مش عارف أقول إيه!" طالعه "عاصم" بلطف، ثم ابتسم قائلاً بهدوء متفهمًا: "اللي قولته خلص." طب قول انت حاسس بإيه لحد دلوقتي؟ إيه شعورك عامة؟ شرد بنقطة أوجاعه ثم أردف قائلاً: "محدش يعرف إيه اللي جوايا. مفيش حد عارف إن شكلي المتماسك الهادي ده وراه كتير. اللحظة اللي بحط فيها راسي ع المخدة مابيفضلش فيها غيري أنا، وأفكاري، وأوجاعي وكل الحزن اللي في قلبي. أنا اللي بواجه كل ده لوحدي." أومأ بتفهم ثم تنهد قائلاً بعقلانية: "محدش عارف وجعك عشان انت نفسك واجهته ولما واجهته استسلمت بسرعة. شكلك المتماسك الهادي اللي وراه كتير ده بسبب ظلمك لنفسك وعدم حبك ليها. عارف يعني إيه تصالح مع النفس؟ التصالح مع النفس بيكون في إن أبواب ماتتفتحتش عشان مش لينا، وفرص ضاعت عشان ماكناش مستعدين ليها مثلاً، وناس خرجت من حياتنا بالرغم من حبنا ليهم لكن برضه مش شبهنا من الأساس. نجاتنا في الحياة هو الرضا بالمقسوم والمكتوب بالرغم من وجع قلوبنا لإننا مش عارفين الخير فين. عرفت يعني إيه ناس خرجت مش شبهنا من الأساس؟ عرفت التصالح مع النفس بيبقى إزاي وإيه؟" "مش مهم نكون شبه بعض. أنا حبيت نفسي بسببها ورجعت كرهتها بسببها. إيه يعني مش شبهي؟ عادي مش لازم أكون شبه حد عشان أحبه وأرجع أتوجع منه." قال "بسام" آخر حديثه بسخرية من حاله، فهز "عاصم" رأسه هزات متتالية ثم ردد قائلاً بتساؤل: "الاختلاف فالحب مؤذي. ناس بتقدر تتحكم فيه وناس تانية لأ. اللي بيوزن العلاقة هو إصرار الطرفين على إنها تكمل مش تفشل! لكن لو الاختلاف فالعلاقة فيها طرف مش بيحب ومش عاوز يكمل، أو كان القرب مصلحة من الأساس، متتسماش علاقة ولا حتى يستاهل يتقال عليه حب." أومأ بصمت وهو شارد ثم أردف باختصار ووجع: "أنا اللي حبيت." صمت ثم تابع بإنهاك، ظهر بنبرته الموحية بتهتك فؤاده: "ولما حبيت اتعميت!" خرجت من المبنى الصغير الخاص بعملها وهي تلتفت خلفها كمن سرق شيئاً! اتجهت "نيروز" حيث خارج تلك الشركة الصغيرة وهي تقوم بالالتفات خلفها للمرة الأخيرة بعدما قامت بالاستئذان للانصراف. ولكن لم تذهب له تحديداً، حتى تخبره بأنها لن ترحل معه تلك المرة. تذكرت كم كان متحاشياً النظر إليها في الصباح، ورغم طبيعة حديثه العبثية لم يتحدث معها بشيء. الشيء الوحيد التي أردفته هي سبب عدم ارتدائه لملابس العمل الرسمية، بل كان يرتدي قميصاً وبنطالاً عاديين. استغربت الأمر، ولكنها علمت سريعاً منه باقتضاب بأنه ليس من الضروري سوى الشيء المعلق للاستعلام عن هويته ذو الجهد الكبير في عمله حتى يعرف!! نفضت أفكارها من عقلها ومن ثم أشارت سريعاً إلى سيارة أجرة لتقف أمامها. لحظات ومن ثم دلفت تركب بها بهدوء، وهي تملي عليه العنوان التي تود زيارته منذ كثير ولكنها لم تستطع بسبب ازدحام أحداث أيامها. دقيقة ثم سارت السيارة إلى العنوان، عنوان لم يكن بعيداً عن مكان العمل بل كان قريباً بالتوسط. ولكنها أصرت حتى لا يراها أحد إذن! "حمد الله ع السلامة يا صاحبي!" نبس بها "آدم"، الجالس بجانب صديقه على فراش تلك المستشفى المتهالكة نوعاً ما! فنظر له "حسن" بتعب وهو جالس بعدما ارتدى ملابسه. وقف "آدم" وهو ينظر إلى هاتفه ولكم الرسائل الذي بعثها له شقيقه. أغلق الهاتف سريعاً ثم دسه بجيبه وهو ينهض ومن ثم اقترب يقف أمام "حسن" الذي رفع له نظراته بتساؤل. فتنهد الآخر ثم التفت ورائه حتى يتأكد من عدم وجود شخص ومن ثم ردد بنبرة خافتة يسمعها الآخر بالكاد: "الدكتور قال تحليل الدم هيطلع خلاص ورايح يجيبه من المعمل، وانت أكيد عارف لو طلع تحليل الدم هيحصل إيه!! فـ..... نجربلها؟" غمز له بآخر حديثه وكأنه يقوم بتقليد أحد أفلام الأكشن. بادله "حسن" الغمزة وهو يفهم مقصده جيداً، متذكراً تلك الكلمة منذ الطفولة عندما كانا يعبثان بأمور يصعب الهروب منها بالنسبة لطفل!! ابتسم "آدم" له ابتسامة توحي بالمكر ومن ثم قدم له يديه سريعاً وهو يقوم بمساعدته في النهوض قائلاً بلهفة وسرعة: "يلا، مفيش وقت!" وقف "حسن" وهو يسير من خلف الآخر الذي تأكد وهو ينظر بعدم وجود أي أحد بالخارج في الطرقة. فأشار له بيديه بأن يتبعه إذن!! ركض بغير صوت من أثر قدميه والآخر خلفه. ثم وصلا إلى الساحة الكبيرة في الدور الأرضي ورغم ركض "حسن" المنهك، إلا أن وقف "آدم" على فجأة ثم التفت يضع منقبة السترة الخاصة بـ "حسن" على وجهه وهو يتحدث قائلاً له بعدة كلمات. فأومأ "حسن" ومن ثم ترك "آدم" الواقف ينظر على الأشخاص من أمامه. بينما سار "حسن" إلى مخرج تلك المستشفى حتى آخرها متظاهراً بأنه زائر فقط!! بينما وقف "آدم" يتحدث مع شخص من المستشفى يسأله عن أي تراهات حتى يستطيع أن يفلت الآخر. وعندما وجده قد خرج بالفعل، ابتسم للرجل الذي أمامه ثم سار بخطوات ثابتة إلى خارج المستشفى. فعل ذلك لكون من يراهم الاثنان معاً، سوف تعرف هويتهم من الرجال الواقفين على تلك البوابة القديمة! كثيراً ما يشبه على المرضى بوجود أشخاص معهم، ولكن تلك المرة كلاهما بمفرده يخرج وسط أناس حتى لا يدقق الآخرين كثيراً. وكذلك تحدث "آدم" يلهي من تركيز ذلك الواقف بغير اهتمام منذ قليل إلى أن يخرج "حسن". لحظات وانتظر هو صديقه. ومن ثم دقائق واجتمعا معاً، حيث تبعد تلك المستشفى بمسافة متوسطة. ضحك "حسن" عالياً وهو يوجه حديثه له قائلاً: "رجعنا لشقاوة زمان!!" ابتسم الآخر بأنفاس عالية وهو يجيبه قائلاً: "لولاها كان فاتنا متكلبشين ومودين على مصحة غصب. امسك بطاقتك!" "هو عرف اسمي؟" ابتسم "آدم" وهو يجيب الآخر بعبث: "مش هتفوتني حاجة زي دي. اديتهم عنوان البيت بس اسم تاني. ولما وصلنا المستشفى طلبوا بطاقتك بس قولتلهم مفيش معانا، فدخلوك. ولما طلبوا التحليل اديتهم الاسم المزيف اللي قولتلهم عليه ساعة الإسعاف. وانت عارف أي حاجة حكومة بتمشي أي كلام من غير اهتمام أوي يعني. وبعدين عمرهم ما عملوا حاجة كله سكتي. دي مستشفى كلها فوضى مش شايف عاملة إزاي! والدكتور مشي الدنيا من غير معلومات بالفلوس. طلع!... فتقوم ماشية الدنيا على طول يا بو علي." نظر له "حسن" بدهشة ومن ثم أردف قائلاً بصدمة من فعله كل هذا: "دماغ شغالة يبن الآيـه!!" "أنا عملت كده عشانك يا حسن، وانت عارف إن اللي حصلك ده حصل من الشرب والضرب ملهاش معنى تاني. اللي حصلك ده إشارة وفرصة أخيرة للنجاة. وموعدكش أعمل كده تاني عشانك لو ده حصل!! والفلوس اللي اتدفعت كانت من فلوسك الباقية لما سبتها معايا!" نظر "حسن" له بتردد ومن ثم التفت يوجه أنظاره للجهة الأخرى قائلاً: "أنا مش هعرف أبطل يا آدم. انت مش فاهم ولا حاسس بيا!" "يا غبي انت كنت هتموت النهاردة! ربنا اداك فرصة ونبهني. هتموت يا حسن لو مبطلتش. انت مش شايف نفسك؟ بتضرب أكتر ما بتتنفس!" قالها بإنفعال طفيف جعل من حوله يلاحظون صراخه المتوسط فالعلو. فالتفت "حسن" له باندفاع من صراخه ثم ردد بحدة: "انت اللي غبي. عاوزني أروح مصحة عشان أموت! طب ما أنا أموت من الشرب بالبطيء ومموتش وأنا بتعذب ومش طايل وبتذل!" اتجه "آدم" سريعاً نحوه يمسكه من تلابيبه قائلاً وهو يحاول إفاقته: "تتذل؟ انت مبتفهمش!" هتتعذب عشان تعرف تعيش بعد كده. مش نموت نفسنا بالبطيء يا متخلف! التف من حولهم الناس وهم ينظرون إليهم بترقب، منتظرين لحظة ضربهم لبعضهم حتى يفصلوهم. ولكن أنزل "حسن" يد الآخر بهدوء وهو يربط عليها، متوجهاً حيث موضع أذنيه قائلاً بخفوت: "انت خايف يا آدم؟ وضعيف كمان. أضعف من إنك عايز تتعافى بس مش عايز برضه ومستني كلمة من أي حد توديك وتجيبك. أنا مش هروح للذل برجلي، ولا انت حتى. ريح نفسك ويلا بينا!" قالها بفحيح وهو يردف قائلاً بطريقة مقنعة ليقوم بإقناع الآخر، الآخر الذي أصبح منذ فترة متردداً، كلما يأخذ القرار يصبح اليوم الثاني لينفيه. نظر "آدم" من حوله بريبة ممن ملتفين حوله، ثم صمت يترك الآخر وهو يلتفت ليسير تاركاً. لحظة إلى أن وقف والتفت برأسه لصديقه وهو ينظر له بنظراته التي تعني بأنه ينتظره ليسيرا معاً الطريق حيث منزلهم. فالحقيقة يبدو لهم السير إلى طريق منزلهم، ولكن بالنسبة لأي شخص ليس مثلهم، فهو السير إلى الدمار، دمار أنفسهم! --- دخلت سريعاً إلى عيادة الطبيب النفسي. لم يأخذ منها وقت كثير حتى تستطيع الوصول. دلفت "نيروز" تجلس على إحدى المقاعد إلى أن يحين دورها. ولأن مخرج الطبيب غير مدخله، لاحظت سريعاً ظهره وهو يخرج من الغرفة متوجهاً حيث الخارج. فتحت فاها بصدمة ودهشة في آن واحد. هي أصبحت تعرفه الآن جيداً، حتى وجهه باتت تحفظ ملامحه وطبيعة حديثه حتى لاقترابها منه الأيام الماضية، ولكن هذه المرة نفس الظهر! أردفت قائلة بغير وعي وكأنها تحدث نفسها: "إزاي؟ مستحيل! ... يعني هو مش فالشغل!" قالتها بعدما نهضت تجلس بمكان آخر قبل قليل بسرعة حتى لا يلتفت هو بمجرد خروجه هذا ويراها. ولكنه التفت وهي رأته بعدما هربت بأنظارها بعيداً. تأكدت من أنها لا تراه، ولكن لم تعلم هو قد لاحظها من الأساس أم لا. ولأنه كان يرتدي مثلما يرتدي الآخر تماماً، أيقنت سريعاً أنه هو بحدسها! لم يأت على بالها أنه الآخر كون طبيعة تفكيرها أوصلت لها أن الطبيب لا يداوي إذن ولا يحتاج لطبيب نفسي كونه طبيب، وخاصة إن كان طبيب يفضل مهنته مثل بسام! نهضت سريعاً وهي تفوق من شرودها على موعد دخولها للطبيب حيث موعد حجزها منذ أمس. دلفت سريعاً ومن ثم أغلقت الباب من خلفها بهدوء. ابتسم هو لها من الداخل وهو يرحب بها. فاتجهت ثم جلست هي على المقعد الطويل والمريح. بينما جلس الآخر أمامها وهو يتنهد قائلاً بهدوء: "كنت مستنيك من قبل ما أعرف إنك جايه حتى!!" ابتسمت له بامتنان وظلت صامتة تفكر هل من الصحيح سؤالها عن من كان يوجد هنا قبلها؟ ولكنها تحرجت عندما أيقنت متذكرة بقوله الدائم: "أسرار المريض لا يمكن تتطلع برا، ولا حتى يتعرف من الأساس إنه بيجي عندي. ده قسم وضمير للمهنة." أومأت برأسها تؤكد تفكيرها. فردد يسألها بلطف: "شكلك بتفكري فحاجة؟ حابة تشاركي؟" وكونها اتجهت من نفسها لتجلس على الأريكة الطويلة، فهذا يعني أنها ستتحدث وتبوح عن ما بداخلها في الفترة الأخيرة وليس مناقشات بينها وبينه إذن. هزت رأسها بتأكيد ثم أردفت قائلة له بهدوء: "بفكر فـ حاجات كتير أوي. فـ دماغي زحمة!" "زحمة حلوة؟ ولا وحشة؟" ابتسمت بسخرية تجيبه بهدوء: "الإتنين! ما أصل الزحمة حلوة ووحشة. بس يعنى بفكر فـ رجوع وردة وبدر عندنا، وجواز ياسمين، وماما. حاسة اني مهتمة بيهم زيادة." خرج منه صوته ليسألها سريعاً بعقلانية: "تفكيرك فأهلك كان الزحمة نهيه؟" "هتصدقني لو قولتلك الاتنين مع بعض! رجوع وردة عامل لي خوف من إنها يترمي على مسامعها كلام يكسر فيها، وأنا اتكسرت من شماتتهم وكلامهم قبلها! مش عاوزاها توصل ولا تحس باللي أنا بحس بيه! أنا بخاف عليها أوي، ومستعدة أدفع عمري كله عشان أحميها من كلمة واحدة. وردة عانت ساعة موت بابا زيي بالظبط. ولو مكناش وقعنا احنا الاتنين، كانت ياسمين وقعت. بس لما ياسمين لقتنا وقعنا وحالنا اتبدل حاولت تتماسك وهي بتقف جنبنا." تنهد "عاصم" يأخذ أنفاسه وهو يرجع من ظهره للخلف مردداً حديثه لها: "حاسة إنك بقيتي أحسن وأقوى إنك تحميهم الإتنين مش وردة بس؟" نظرت شارده ثم رددت وهي تسلط أنظارها على مكان ما: "أنا اتعودت إن ياسمين هي اللي تحميني وتدافع عني، بس لو جت لحظة إنها تتكسر قدامي هحميها ومش هسمح لحد مهما كان إنه يكسر ولا ييجي على ركن أماني وسكينتي أبداً. هقدر أحمي وردة من أي حاجة عشان متبقاش زيي. أنا كل خوفي إن إحساس كسرتها منهم ميرجعش تاني!" "كلامك عن ياسمين كان مختلف حاجة بسيطة المرة اللي فاتت. بس انت لما خرجتي واتفتحتِ على الدنيا والشغل عرفتي قيمتهم عندك عاملة إزاي." أومأت تؤيد حديثه. ومن ثم لحظات ثم رددت قائلة: "الشغل والخروج غير فيا كتير. كنت حاسة إن العالم كله وحش. ونفس الوقت حلو كله فمكنتش قادرة أثق فـ مين. بس حبيت وقتي فيه حتى لو متعرفتش كفاية على ناس كتير. وكمان بقى عندي روتين كل يوم بقيت بمشي مع غسان لحد ما بقيتش أتحرج منه وبقيت أبقى معاه على طبيعتي نوعاً ما. حبيت الوقت عموماً." لاحظ هو الاسم سريعاً، ولكن لم يعر اهتمام. فوجه لها نظراته وهو يتحدث قائلاً بمنطقية: "حبيتي وقتك فالشغل ولا وقتك مع.. غسان!" دق قلبها سريعاً، ولكنها رددت بداخلها جملته الذي يردفها له سريعاً. نفضت من عقلها سريعاً. ثم نظرت له بتوتر وهي تجيبه: "في فرق!" "طبعاً. مش يمكن حبيتي وقت الشغل عشان حبك لوقتك مع غسان من الأساس!!" "مش عارفة! أنا متلخبطة. أنا حبيت كلامه اللي مش مفهوم معايا وبقيت أستنى منه أي سؤال ملوش لازمة عشان أجاوب عليه. كنت بخاف الأول بس بقى وجوده معايا على طول مش مخوفني بقى مخليني مش خايفة وكأني فـ بيتي بالظبط. حبيت أخته وهزارهم مع بعض وهزاره مع دكتور بسام أخوه! وحبيت باباه اللي عمري فحياتي ما هلاقي زي بابا حد. بس حبيته عشان كان صاحبه أوي. حتى باباه هزاره وطيبته وعقله فوقت الجد بيفكرني بـ بابا. حبيت مامته أوي ووجودها دايماً مع ماما وحبها ليها الظاهر فعيونها. لقيت ناس يحبوا لينا الخير أكتر من قرايبي اللي من دمي ومش بيحبوني ولا بيتمنولي أي حاجة حلوة!!" قالت "نيروز" حديثها بشرود وراحة كبرى. كان ينصت هو لها بتعمق حتى بعد سماعه لإسم شقيق من تتحدث عنه لم يبدي أي ردة فعل. أيقن الآن هو كل ما تتحدث عنه. فآردف يتحدث قائلاً لها بهدوء من بين أخذه لأنفاسه: "انتِ الوحيدة اللي قادرة تحددي اللي انتِ فيه ده إيه! بس أنا شوفت إنك اتعلقتي بنسبة مش بسيطة ولا قليلة. والتعلق بيجي بعد الحب أو قبله!!" حملقت بصدمة ومن ثم هربت بأنظارها إلى أماكن أخرى حتى ساد الصمت. وبعد دقائق من نظراتها المرتبكة والغير قادرة على أن تجيبه نهضت على فجأة وهي تلملم من حقيبتها. وهي تبتسم له بتكلف. فأومأ لها بتفهم حتى لا يضغط عليها. نظر لها وهي تتجه لتفتح الباب وقبل أن تفتحه جاءها صوته العقلاني وهو يقول: "لو كانت مشاعرك فعلاً حب، يبقى الهروب مش حل! لو كان!! لأن انتِ الوحيدة اللي قادرة تحددي ده إيه بالظبط!!" وقفت تستمع له بتمعن ولم تلتفت بعد. فهزت رأسها بنفي لنفسها ومن ثم خرجت سريعاً تختفي من أمام أنظاره. هيئة لعقلها بأن مجرد الهروب من تلك الغرفة هو نفس الهروب من أفكارها ومشاعرها التي لم تستطع تحديدها!! --- جلست في غرفتها في المستشفى تفتح ذلك الهاتف الذي أحضره لها ذلك الحقير! فهي منذ أمس تنتظر موعد إفاقة والدتها وكذلك شقيقها. ولكن هو ذهب لعمله حتى يستطيع أن يدفع كل تلك المصروفات وبسبب تأخره الأيام الماضية عنه. فتحت الهاتف لتجد رسائل كثيرة منه. توترت ملامحها عندما وجدت ما يوحي بأنه يعلم كل تفصيلة تحدث في حياتها! وبمجرد فتح الهاتف وصل له ذلك ومن ثم قام بالاتصال عليها حتي إنار الهاتف سريعا. مدت يديها لتفتحه بتردد وهي تضعه على أذنيها بيد مرتعشة قليلا. فجاءها صوته من الناحية الأخرى قائلا: "دكتورة فروحة، فينك من زمان ده ألف سلامة عليك والله." احتدت عيناها وهي تجيبه قائلة بجمود: "عايز إيه يا خالد؟ لما تحدد كويس انت عايز إيه اتكلم غير كده فتسيبني في حالي!" "عندك حق الحكاية طولت فعلاً، بس مش بإيدي يا دكتورة! وبعدين أنا بتجيني أوامر، أقولك إيه ومقولكيش إيه! ولحد دلوقتي محدش قالي الصراحة إيه اللي هتعمليه بالتفصيل. شكله بيحبك أوي يا فرح، لأ وايه عاوزك تموتي بالبطيء وتسلمي صاحبتك بإيدك وتخسري كل حاجة!" تنفست بصوت عالٍ ثم صرخت به قائلة: "مين اللي عاوز يعمل فيا كده يا قذر غيرك؟ إيه رأيك إني مش هعمل أي حاجة من دي وتليفونك هرميه، وأي كان اللي متفق معاه عليا فـ أحسن لكم تبعدوا عني!" "حبوب جرأة دي ولا حبوب مهدئ! اعمليها وساعتها هتندمي ندم عمرك ومش هخليك تبيعي صاحبتك بس لأ ده أنا هخليكي تبيعي شـ..." قطعت الاتصال سريعاً ومن ثم قذفت الهاتف بعيداً عنها بتعب، وهي تتنفس بصوت مسموع وقهر من الداخل لكل ما يحدث لها، من بداية والدتها حيث الفتك بأعصابها ببرود دون فعل شيء منه إلى الآن! قامت بعد لحظات وهي تعدل من غرفتها ثم جلست بإنهاك على السرير وهي تفكر بجلستها صباحاً مع طبيبها النفسي عندما كان موجوداً بالفعل صباحاً. تذكرت حديثها المقتضب معه وكأنها لا تحبذ وجوده، ولكن كان الآخر واقفاً قبل بداية الجلسة يحفزها على البدء بها مع الطبيب ولأن شقيقها لم يكن موجوداً في الصباح. وعندما ابتسمت له بامتنان وصل إليه بوضوح، ولم تكن البسمة سوى لـ "بسام". *** بعد قليل، بعدما خرج من منزله بعد عودته هو وصديقه، خرج ليذهب حيث ما قال له شقيقه. مر الوقت وها هو يصعد في المصعد حتى خرج ووقف أمام شقة "سمية". رفع يديه بتردد ليقوم بدق الجرس. انتظر قليلاً حتى فتحت له "سمية" الباب. ابتسمت له سريعاً وهي تقوم بالترحاب به قائلة له بود: "إزيك يا آدم؟ اتفضل ادخل، تعالى." ابتسم لها بامتنان ومن ثم دلف بخطوات مترددة حيث المكان الخاص بالضيوف. دلف ليجلس بعدما وجهته الأخرى. قابل في طريقه "ياسمين" التي حدقته باشمئزاز تجاهلها سريعاً وهو يدلف من الباب جالساً على إحدى المقاعد منتظراً قدوم شقيقه. خرج "بدر" من الغرفة وهو يتجه حيث يجلس شقيقه، وما أن دلف ليراه، رآه جالساً بصمت حتى رفع الآخر نظراته إليه ومن ثم نهض ليقوم باحتضانه! نظر له "بدر" بتعب وهو يردف قائلاً بنبرة متحشرجة: "هونت عليك يا آدم؟ مستاهلش منك إني مش فارق معاك عشان متجيش تشوفني ولا تعرف إني جاي غير لما بكلمك وبترد بالعافية!" لم يتحدث الآخر بل ظل صامتاً. أما "بدر" فنظر على هيئته الضعيفة من تعاطيه للمخدر، ثم أخفض نظراته حيث يديه الزرقاء المعدومة! ود لو يخنق نفسه للتو حتى لا يرى شقيقه في حالته تلك! أردف قائلاً من بين نبرته المختنقة: "مين يستاهل منك كده؟ حرام عليك جسمك ونفسك! جسمك وصحتك ليهم حق عليك، ليه تعمل في نفسك كده؟ كنت ناقص إيه يا آدم مش عندك وحارمك منه! أنا مقصرتش معاك في حاجة!" وجه له "آدم" نظراته أخيراً، ثم أردف قائلاً بملامح وجه خالية من التعابير كما يحاول: "انت عايز إيه مني يا بدر؟ أنا جيتلك عشان تشوفني مش عشان تقعد تقطم فيا! ملكش دعوة بيا ماشي." نهض "بدر" سريعاً بانفعال وهو يصرخ في وجهه قائلاً: "لما أنا مليش دعوة بيك مين هيبقي ليه دعوة؟ انت ليه بتدمر نفسك! ليه بتبعد عنا وعن الدنيا ليه؟ تقدر تقولي آخر حاجة عرفتها عن أختك إيه لما انت فايق ومصحصح وفـ طريق عدل؟ ولا آخر مرة شوفتها ولا روحتلها إمتى؟ عايشين زي الغرب برغم قرب الدم!!" "هي مش رفضت تتطلق واختارتهم عننا! وحبيته أكتر من أخواتها! يبقي متستاهلش حتى السؤال عليها لا من قريب ولا غريب." قالها "آدم" بحدة وهو ينهض ليقف أمام الآخر، فبادله "بدر" النظرات الجامدة وهو يجيبه قائلاً باندفاع: "إفرض ماتت ولا حصلها حاجة! إفرض حد عمل فيها حاجة! بردو مش هتبقى أختك ولا من دمك ولا انت خلاص ممعتش يفرق معاك غير روقان دماغك." "مش فارق معايا حاجة وبقولك إيه يا بدر فاطمه حبت ورضت بالذل اللي هي فيه فـ مش هنيجي إحنا نقولها لأ وهي أصلاً مش هتقدر تسمع كلامك ولا تنفذه، وكل واحد منا وخلاص اختار طريق حياته، وربنا يخليلك ابنك ومراتك وشغلك، وأنا ملكش دعوة بيا أموت، أعيش، أتدمر، اتزفت أنا حر، زي ما انت حر، وزي ما فاطمه حرة وهي حابة إنها تتذل كده، محدش هيختار للتاني طريقه." طالع "بدر" بقله حيلة وهو يراه يتحرك من أمامه، خارجاً من تلك الغرفة متجهاً حيث باب الشقة يخرج منه بانفعال. أما "بدر" فبقي في مكانه عاجزاً عن فعل أشياء كثيرة ليست سهلة للتصليح الآن. أما "سمية" فالخارج أشارت لابنتها بأن تتدلف إلى زوجها حتى تشاركه حزنه، وتحت نظرات "ياسمين"، المشمئزة والحزينة في آن واحد!! *** كان قد عاد من عمله وهو يصعد السلم حتى وصل "غسان" إلى الطابق، فتفاجأ بخروج "آدم" من شقة "سمية" فالتفت "آدم" ولكنه اصطدم بمن لا يحبذه كثيراً "غسان". نظر له "غسان" ومن ثم تنفس بهدوء قائلاً: "هو اللي بيقفل باب الناس بيخلعه في إيده كده؟" رفع "آدم" أنظاره إليه بصمت، ثم ابتسم قائلاً بتهكم: "أهلاً، معلش، تلاقيها أول مرة يدخل فيها العمارة حد جامد وراجل وكدا." ابتسم "غسان" باستفزاز وهو يجيبه بنبرة ثابتة: "لأ الصراحة! هي أول مرة يدخلها ست عاملة مسترجلة أو تاني مرة ممكن؟" صمت ثم واصل بكيد: "أصل أول مرة كان حسن، تسمع عنه؟" قالها ببطء حتى يثير حنق الآخر هو يعلم أنهم أصدقاء!! طالع "آدم" بحدة وهو يتحرك من أمامه متوجهاً حيث المصعد ثم وقف بمكانه وهو يجيبه قائلاً: "مقبولة، بس متنساش إن باين عليا أوي إني مش طايقك يا غسان." اتجه "غسان" ليقترب منه عدة خطوات ومن ثم فتح له المصعد وكأنه طفلاً لا يفقه شيئاً، ثم ضغط على رقم الطابق وهو يجيبه قائلاً عكس طبيعة ما يردفه: "وأنا ليا الشرف إن واحد زيك مش طايقني!" قالها بعدما جهز له المصعد ومن ثم التفت مجدداً بخطوات ثابتة حيث شقته وهو يخرج المفاتيح من جيب بنطاله، في حين قد هبط المصعد. ولكنه انتبه لتلك التي تتحرك من خلفه إلى أن وصلت بجانبه. نظرت "نيروز" للجهة الأخرى فوجدته هو. أما هو فنظر لها بصمت، بعد الحدة الطفيفة التي ظهرت في نبرته وهو يقول: "حمد الله عالسلامة!" توترت نظراتها، خاصة من نظراته إليها، وتصرفها الأحمق بعدم إخباره بأنها سترحل من دونه!! فاقت على غلق الباب من خلفه بعدما استأذن بخفوت حتى لا يسبب لها الإحراج!! ، ولم تمر لحظاتٍ إلى أن فُتحَ لها الباب بواسطة شقيقتها التي إبتسمت لها سريعاً ببهجه وهي تحتضنها قائله:




_" وحشتيني"




بادلتها شقيقتها البسمه وهي تحتضنها ثم دلفت ببطئ إلي الداخل حيثُ غرفتها تحديداً لتقوم بتبديل ملابسها أولاً!!




___________________________________________________




بعد مرور وقت كبيرو بعدما دلف لغرفتهُ ولأنه لم يستطع تناول الغداء معهم ،خرج لهم بعدما بدلّ ملابسه وأخذ قسطاً من الراحه، حتي وجد كل من والده وشقيقهُ ووالدتهم كانت بعيده عنهم بمسافه كبيره تقوم بترتيب الأشياء في منزلها ، إبتسم "غسان" لهم بإتساع وهو يتجه ليجلس بجانبهم تحت أنظارهم ، فتحدث "والده "قائلاً وهو مُمسك بكوب الشاي الساخن بيديه متحدثاً بمرح :





_" ضحكتك مش ماشيه مع مودك ليه ياض! "




نظر هو إلى والده بتحدي ومن ثم أردف قائلاً وهو ينظر له :




_" هبقى أفصّل لمودي ضحكه تانيه، مرضى ؟؟"




ضحك شقيقه بقوةٍ وهو يردف من بين ضحكاته :




_" يجماعه حسسونى إنك أب ، وانتَ ابن ، ده انتو علاقتكم ببعض لُطف والله"




نظر. إليهم "حامد" بضجرٍ ومن ثم تحدث سريعاً :




_" عندك حق ياض يا بسام ، أنا مربتوش باين !"




_" لا مش باين !! ده أكيد يا حامد "




قلب "حامد". نظراته بملل زائف وهو ينظر له بغيظٍ ، فابتسم له الاثنان معاً ، حتى تحدث "بسام" قائلاً بهدوء:




_" طيب أنا المفروض أروح لبدر بقا من إمبارح مفضتش وجيت من المستشفي متأخر ورجعت روحت الصبح وبعد كده جيت أستناك يا غُس عشان تيجي معايا "




أومأ له "والده" بتأيد وهو يردف قائلاً :




_" أيوه واجب روحوا ، وعلفكره هو أكيد محتاجكم ، ٱدم شايفه من البلكونه نازل من العماره وكان هنا ، ومش هيجي غير لبدر ، واللى حصل أكيد معروف ؛ ولا ايــه يا غسان ؟؟"




قالها ٱخر حديثه بخبثٍ وهو يوجه حديثه لولده، إبتسم له "غسان" باتساع ومن ثم أردف قائلاً له بتبجحٍ :




_" صح يا حامد ، بس لو عندك حاجه عاوز تقولهالى من أول القاعده قول !"




_" وقفت ٱدم ع السلم ليه؟؟ الكلام اللى كان بينكم كان عامل كده إزاي ولا كأنكم بايتين فحضن بعض ، مهما كان ده ابن عمك بردو!!"




قالها بسرعه ، وبإندفاع ، حيث وجد الوقت المناسب الذي يردف به هكذا ، أما "غسان" فنهض يقف أمام أنظارهم ثم وجه حديثه له بهدوء وهو يتساءل بلؤمٍ:




_" مركب كاميرات معايا ولا إيه يا حامد ؟"




_" لما أكون بتكلم معاك جد ، يبقي تكلمي بجد !"




قالها "حامد" بجمودٍ طفيف ، مما جعل الٱخر ينظر لوالده بنفاذ صبر تحت أنظار شقيقه المرتبكه قليلاً :




_" وأنا بتكلمّ بجد !، بتراقبني ، ولا مش واثق فيا ؟.، أنا شوفتك من البلكونه وحسيت بحد ورا الباب لما جيت أفتحه بعد ما مشيته ، لدرجادي خايف عليه .؟"




وقف "بسام" يردف بنبره مرحه حتي يلطف من الأجواء:




_" حامد يا عم خايف لا يحصل تاتش صعب بينكم ما انتَ عارف إحنا عارفين علاقتك بٱدم مش أووي من العدم ومن غير أسباب كمان !!"




_" عامتاّ محصلش حاجه تستاهل الكلام عليها ، المهم دلوقتي هو كان عند بدر وايه اللي حصل هناك لما خرج متعصب من الشقه وبس"




نظر له والده بتمعن وبالٱخر أومأ له بهدوءٍ ولم يتحدث بعد ، هو لم يتناقش بحده من الأساس كان مجرد حديثاً عابراً ولكنه كان جاداً فقط ، أما "غسان" فنظر له بصمتٍ ومن ثم أردف بإختصارٍ:





_" لازم تثق فيا أكتر من كده "

صمت ثم واصل مجدداً لشقيقه:




_" يلا بينا !"




أومأ له شقيقهُ وهو يتجه خلفـه حيث في اتجاه باب المنزل !




____________________________________________




فـى الشـقه الأخري كانتّ هى واقفه بالشرفـه مع "حازم" وهم يتحدثان بأمورٍ عده وبحماس لموعد كتب كتابهم الذي إقترب كثيراً ، حينما مر الوقت ، جاء منظر الغروب ، فابتسمت هى بشرودٍ إلى مغرب الشمس وهي تتحدث قائله بتذكرٍ:




_" انتَ عارف انى مبحبش غروب الشمس؟! "




نظر لها وهو يعقد حاجبيه بينما تابعت هي بابتسامه صغيره:




_" أصل بخاف من بليل أوي، بحب النهار والنور أكتر ، كل مره كنت بقف فيها هنا والشمس تروح وكله ينام بصحي ألاقي الدنيا إتشقلبت ، وبابا نلاقيه تعب فجأه وراح المستشفي ، ويمر كتير ويحصل نفس اللي بيحصل ،. لحد ما بقيت أخاف إن بليل يجي وأنامه ! ، واليوم اللي منمتوش فيه مات !! "




صمتت ثم تابعت بابتسامه حنونه:




_" بس عارف!! ، أنا ممكن أقولك إني بحب كل حاجه الوقتي معاكّ، بحب كل حاجه بسببك ، كل اللي مكنتش بحبه وبخاف منه ، معاك اتبدل لحاجه تانيه ، بس كان نفسي أوي بابا يبقي موجود ويشاركنى فرحتى ، ويشوفني بفستانى الأبيض ، حاسه انى وحشه أوي وأنا بشوف صحابي بيتجوزوا وبيرقصوا مع باباهم كده فالفرح ، ساعتها بيجيلي لحظة إدراك إنى مش هعيش اللحظه دي ومش همسك ايده ولا هحضنه ولا هعيط على فراقى من بيته !! "




إنتهت "ياسمين" من حديثها ثم إلتفتت برأسها تنظر له ، فوجدته ينظر لها بصمتٍ ،. نظراته لها كانت نظرات حنونه ، مُشفقه عاجزه عن الرد !! ، تنفس بعمق ثم تحدث قائلاً يجيبها:




_" بعيداً عن إنك فين وفين لما تتكلمي جد وده مش مطمني ، بس أوعدكّ إنى هحاول أعوضكّ بكل ما أملك من إراده يا ياسمين، حتي لو محدش بيقدر يملى مكان الأب ، بس بوعدك انى هحاول وبحاول عشانكّ !"




_" أنا متأكده من ده !!"




قالتها ثم إلتفتت تشير له قائله:




_" هو مش غريبه مجية زينات وبنتها وعمي تانى الوقتي بعد ما مشوا إمبارح مقموصين دي مبطيقش تيجي عندنا ، مش مرتحالها !"




صمتت تلاحظ الحيره في عينيه فأردفت قائله مره أخري:




_" طب تعال ندخل ، غسان وبسام هنا على فكره لسه جايين أهم. شوفتهم وهم داخلين وأنا واقفه !"




_"بجد .؟ طب تعالي نطلع لهم"




توجهها معاً حيثُ الداخل ، فوجدتهم جميعاً جالسين ، فنظرت لهم جميعاً بتمعن حتي انتبهت لنظرات عمها لها ، وبالأخري نظرة "زينات" لها التي تحفظها عن ظهر قلب !! ، اتجهت تجلس بجانب "نيروز"وشقيقتها الأخري أيضاً ، أما "غسان" فكان يجلس بجانب "بدر" وشقيقه ، وايضاً قص لهم بإيجاز ما حدث مع مقابلته لشقيقهُ ، هبط "يامن" من على قدم جدته ثم توجه حيث يجلس والده ، فوجه نظراته التائهه لهم للتوأمان !! تحت نظرات الجميع ، إعتلت ضحكاتهم جميعاً علي ما حدث منه ، فأردف "غسان" له بلطفٍ من بين ضحكاته:





_" أيوه أنا ، أنا اللي غسان ياض مش هو تعالَ !"




نظر لهم الإثنان بخوفٍ من كونهم نفس الشكل !! ، فاتجه سريعاً حيث ما بين ساق والده ليختبئ ، فربت عليه "بسام" بحنوٍ عليه وهو يهبط إلى مستواه ليقبله قلبه رقيقه وهو يقول بمرحٍ:




_"معذور يا بني والله ، شكلك بيقول إننا كائنات مرعبه!!"




ضحكوا عليـه بخفـه ، فأردف "بدر" لهم قائلاً بتحذير مرح حتي يخفف من خوف صغيره:




_" معتش ظهور ليكوا انتوا الاتنين قدامه ، هتجننولي الواد !"




إبتسموا له باتسـاع في حين، وجدتها "زينات" اللحظه المناسبه لإرداف كلماتها الٱن :




_" ما شاء الله عليه يامِن يا ورده ، خدي بالك منه يا حبيبتي أصل خلاص مش هتعرفي تجيبي غيره ! الست اللي بتشيل الرحم بتبقى صعبة عليها قوي وبتحس يعني إنها مش ست وكده! قالتها بتبجح أمام أنظار الجميع المصدومة من حديثها الوقح. احمر وجه "ورده" سريعاً وهربت الكلمات منها، وكذلك "سميه". أما الجميع فكانت نظراتهم ما بين الدهشة والصدمة والغضب. عندما لاحظت تعابير وجهها، أردفت تواصل مرة أخرى: بصراحة محدش بيحس إلا اللي مجرب ده فعلاً. أكيد إحساسك صعب. حاسة بـ إيه يا حبيبتي كده وإنت يا حبة عيني بقيتي مش عارفه تخاوي ابنك؟ نزلت الدمعات على وجه "ورده" فأخذتها والدتها بأحضانها سريعاً. أما البقية فوقفوا جميعهم بعدما وقفت "نيروز" ووقف "بدر" و"ياسمين". التفوا حول بعضهم حينما وقف الجميع أمام أنظار "زينات" الحاقدة وأنظار زوجها الصامت الذي لم يقدر على فتح فاهه بالحديث لها. توجهت "ياسمين" خطوات بسيطة أمامها ومن ثم أردفت قائلة بهدوء: بتسألي عن إحساسها؟ بتهيألي مش أصعب ولا أقهر من إحساسك لما كنتِ متجوزة واحد مبيخلفش وكنتي هتموتي وتخلفي. لأ وكمان مكنتيش عارفه تتطلقي منه. كان إيه إحساسك إنتِ ساعتها؟ احكي لنا يلا. ثبتت قدم "سليم" أرضاً من إحراجه وإهانته. أما "زينات" فهاجت الدماء بعروقها ومن ثم نظرت لها بشرر يتطاير من عينيها لترفع يديها سريعاً حتى تقوم بصفعها على وجهها وهي تهتف بحدة: اخرسي يا زبـ.. هناك من أمسك يديها قبل أن تفلت على شقيقتها ولم تكن تلك الحركة الجريئة سوى من "نيروز" التي صدت يد الأخرى وهي تدفعها بعيداً عن وجه شقيقتها وهي تردد موجهة لها حديثها الجامد: متمديش إيديكِ على أختي. ابعدي! حملقوا جميعاً بها بصدمة ولفعلها تلك الحركة. أما "ياسمين" فبقيت ثابتة لم تتحرك، بل طالعتها بتحدي وعلى ثغرها ابتسامة صفراء. اقترب "بدر" الذي صمت إلى آخر حديث النساء مثل بقية الشباب. ثم وقف أمام "زينات" وزوجها مردداً بحدة لهما: كنت عارف إن مش هتسبونا في حالنا. إنتِ مالك شايلة الرحم ولا شايلة المرارة حتى. لآخر مرة بحذرك قدام الكبير والصغير لو كلمتي مراتي تاني بكلامك ده هتشوفي وش تاني مني ما يعجبكيش! وانتَ كراجل كبير وليك احترامك، بقولك ابعد عني وملكش دعوة بحياتي إنت ومراتك. أنا مش هتجوز غيرها لا بنت أخت مراتك ولا بنت الجيران ولا غيرها. أنا بحب ورده وعمري في حياتي ما هسيبها. ولو طايقك إنتَ ومراتك فده عشان صلة الدم بينك وبين مراتى. قسماً بالله لو حد قرب منها ما هسيبكم تتهنوا! قال حديثه بحدة ولكن بهدوء تحت أنظار الجميع. فاتجه "غسان" يقف بجانبه وهو يدفعه للوراء خطوة بسيطة للدلالة على توقف حديثه. أما "سليم" فنظر له بغضب مردداً: هو ده الاحترام اللي المفروض يبقى في بيتي ليا! أنا مش في بيتك، أنا في بيت مراتى. ولو مزعلاك أوي الحتة دي فأنا هاخدها وهنمشي. ضحكت "زينات" عالياً وهي تتحدث قائلة بتهكم: يخوي مش عارفة ماسك فيها أوي بسنانك وإيدك كده ليه. إلا ما فيها حاجة عدلة. نفذ صبره أخيراً من والده فتحدث "حازم" قائلاً لوالده وزوجته: كفاية لحد كده بقى. مينفعش اللي بيحصل ده! لم تعيره تلك الواقفة انتباه لحديثه، بل نظرت "نيروز" إلى تلك التي هتفت بكلمات كسرت من شقيقتها بغضب. ثم اقتربت منها قائلة بجمود: سيبي أختي في حالها عشان ميتردش في بنتك. قطع لسانك بنتي دي أجمل البنات وأشرف من الشرف مش زيك. اندفعت "نيروز" صارخة بها عالياً: أنا أشرف منك ومن عشرة زيك إنتِ وبنتك. نظرت لها "زينات" بنفاذ صبر ومن ثم رفعت يديها لتدفها بعيداً حتى تعرقلت "نيروز" عدة خطوات للخلف سريعاً. ولم تعطيهم فرصة بل توجهت لتضربها على وجهها سريعاً. فأوقفتها يد "غسان" بسرعة وهو يتجه يقف أمامها ناظراً في عينيها بتحدي. حتى نفض يديها سريعاً وهو يقول: إيه حبك إنتِ وابنك في إنكم تمدوا إيدكم على الستات؟ اتجهوا سريعاً يفصل كلا منهم شخص بعيداً عن الآخر. أما "سليم" فأخذ يد زوجته وهو يدفعها خلفه مشيراً إلى ابنته الصامتة ليتجها خلفه حتى يخرج كل منهم من باب الشقة بصمت دون مقدمات. اتجهت "نيروز" و"ياسمين" سريعاً يحتضنن شقيقتهم التي تبكي بصمت بين أحضان "سميه" الباكية أيضاً. أما "يامن" فأخذ يصرخ بالبكاء عالياً كونه وجد والدته تبكي وفي حالتها تلك. انحنى "غسان" سريعاً بطبيعته الحنونة وهو يحمله ليهدهده وهو يربت عليه بحنو، متجهاً حيث الشرفة والهواء ليبعد الصغير عن تلك المشكلة ومكانها. خرجت "ورده" من أحضانهم بعدما مسحت دموعها بصمت. ثم اتجهت إلى حيث غرفتها بمفردها. بينما جلس "بدر" بتعب على الأريكة بجانب الشباب و"سميه". أما "ياسمين" فوقفت بجانب "نيروز" بصمت، غير قادرين على التحدث. نظر "حازم" إلى "بدر" وهو يتجه يقف أمامه قائلاً له دفعة واحدة: أنا آسف يابدر. آسفلك يا طنط سميه و آسف لورده. حقكم عليا! قالها ثم اتجه حيث باب الشقة ليخرج منه سريعاً بخزي تاركاً "ياسمين" تنظر بأثره بتأثر، لا تعلم أتختار شقيقتها أم هو. اتجهت "نيروز" تحتضن شقيقتها وهي تميل قائلة لها بخفوت وتفهم: روحي وراه. وأنا وماما مع ورده متقلقيش. إنتِ عارفه ورده مش هتطلع أصلاً الوقتي. نظرت لها بتردد فوجدت "نيروز" تشجعها بنظراتها. وبالفعل اتجهت حيث باب الشقة بخطوات مترددة، ولكنها خرجت منه عندما وجدت نظرات التأييد من والدتها الجالسة بجانب "بدر"، حتى خرجت خلفه. أما "بدر" فنظر إلى "سميه" بضعف. فاستشفت هي نظراته. لاحظ "بسام" نظراتهم فتنحنح بحجة الانصراف حتى يخلو لهم الجو. وكون "بسام" لم يكن قريباً مثل شقيقه من "بدر" لذا تحرج ورحل. تركتهم "نيروز" وهي تتوجه حيث الشرفة لتقوم بالاطمئنان على الصغير. أما "سميه" فنظرت للآخر قائلة بأسف: حقك عليا يا بني إنك اتحطيت في الموقف ده هنا في بيتي! الحق مش عليكِ يا حماتي. أنا بس خايف على ورده. صدقيني أنا بحبها والله وعمري ما هسيبها. بس الموضوع ده لما يتفتح بتحسس نفسها بالنقص وتقنع نفسها إني مش هفضل على كده معاها. مش فاهم ليه بيحصل كل ده. ما يامن معانا أهو والحمد لله ربنا رزقنا بخلفة غيرنا مش طايل. محدش بيسيب حد في حاله أبداً! صمتت بعجز وهي تعلم معنى كلماته جيداً. أما فالجهة الأخرى فاتجهت "نيروز" مسرعة حيث حمل الصغير من بين يد "غسان" حملته من بين يده ببطء حتى قامت بلمس يد "غسان" رغماً عنها. توترت ومن ثم أخذته سريعاً وهي تهدهده وتربت عليه محاولة بأن ينام على ذراعها. فجلست بانهاك أمام المقعد الذي يجلس عليه الآخر وهي تحمل الصغير أمام أنظاره. أخذت تهدهده براحة حتى سكن تدريجياً. فأخذت أنفاسها تردف قائلة له بامتنان: شكراً. قالتها لمدافعته عنها من تلك اللعينة التي تسمى "زينات" فابتسم قائلاً يجيبها بلطف وهو يتذكر لمسة يديها: أنا معملتش حاجة. يامن نام؟ لا هو سكت بس. الجو كويس هنا وشكله مرتاح. استمع لها باهتمام ثم صمت للحظات ليتحدث قائلاً بهدوء من بعدها: الطفل بيحس بطيبة وحنية اللي قدامه. وطالما سكت يبقى أكيد مفيش في حنيتك. بتحبي الأطفال؟ أخذ يغير مجرى الحديث حتى يخفف عنها وعن ما حدث منذ قليل. هو يعلم منذ إن كانوا أطفال أنها عندما تحزن، تحزن بمفردها ولم تتشارك به مع أحد. نظرت له ثم أجابته من بين ابتسامتها الرقيقة: مكنتش مغرمة بيهم أوي. بس لما يامن جه حببني في كل الأطفال. وانتَ؟ بحبهم أوي. وهم يتحبوا الصراحة! أوي. فتحت فمها بتلعثم وهي تعدل جلسته على قدميها. "أنا كنت عاوزة أعتذر إني مشيت من الشغل ومقولتلكش." نظر لها بصمت. ثم وجه أنظاره نحو يامن وهو يقدم يديه له. أتى يامن له بترحاب، ولكن جلس بصمت على ساقيه. تحرجت كثيراً من تجاهله لها ولحديثها. بعد دقائق، أجابها بصوت هادئ: "حركة تزعل ولا إيه؟" "مش عارفة. بس أنا بتأسف لو كنت اتصرفت بغباء كده." "عادي!!" قالها وفصمت. صمتت هي، ولم تتحدث، ولا هو لمدة دقائق. استغرق الصغير في النوم، فانتبهت له. أشارت نيروز لغسان لتأخذ الصغير من بين يديه. وما أن نهضت لتأخذه بحذر شديد، تلامست يداها يده مرة أخرى. ارتبكت ملامحها، بينما نهض هو مقترباً من مستواها. هامساً بصوته الخافت بجانب أذنيها وهي تأخذ الصغير بسبب تقاربهما، قائلاً بهمسه الهادئ الذي صدمها وشدد من حمرة وجنتيها بتوتر: "يا بخت إيدي!" قالها ثم استقام سريعاً دون أن ينظر لها. بل نظر لها بطرف عينيه بعبث وهو يتوجه ليخرج من باب الشقة بعدما وجد بدر ليس موجوداً. يبدو أنه دخل لزوجته، والأخرى لغرفتها حزناً على ابنتها. أما نيروز، فخرجت من الشرفة، ملامح وجهها محمرة ومتوترة، وهي تنظر بأثره وهو يغلق الباب من خلفه. حركت رأسها بتيه، وهي تتجه مسرعة نحو غرفتها لتسطح الصغير على فراشها إلى أن تكون والدته قادرة. جلست كثيراً أمامه والوقت يمر. لكنها زفرت باطمئنان عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة، وبعده صوت إغلاق باب الغرفة. يبدو أن شقيقتها أتت من الخارج. بعد انتظارها طويلاً لخروج شقيقتها الأخرى من الغرفة لتطمئن عليها، أيقنت أنها قد أُغلقت بعد إنهاك، لحين مواجهة أخرى. هي تعلم من الأساس أنه إن خرجت وردة، سوف تتعامل بأن كل شيء على ما يرام. *** جلست على مكتبها بإنهاك. ذاكرت بالفعل ولكن إلى حد معين. في كل مرة تحاول أن تخلي تفكيرها، يغلبها عقلها في النهاية. لم تتحدث مع والدها كثيراً بعد آخر مواجهة، وكذلك والدها. كل ما يجول بخاطرها في كل ثانية تمر عليها هو صراع. صراع ما بين أنها تحبه، ولكن لا تحب معاملته. إلى أنها أصبحت تكرهه وتكره معاملته. من يرى تفكيرها يعتقد أنها مختلة عقلياً. لم تتحمل كلمة أنها تكره والدها. من منا يكره والده؟ أيوجد من يكره والده؟ ترتمي الأسئلة عليها كثيراً. لا تريد أن تقنع نفسها بأنها أصبحت تمقته ولا تحبذ قربه ولا حديثه. لا تريد أن تكره، ولكن شعورها في كل مرة يغلبها. وتارة أخرى تفكر بصديقتها وما يجري معها دون العلم بما يحدث. في حيرة بين أمور كثيرة. انتشلت الهاتف سريعاً وهي تتصل على نيروز. كانت الأخرى واقفة في ذلك الوقت بجانب الفراش تنظر على الصغير، ولكن الهاتف أنار. فانتشلته سريعاً لترد وهي تخرج إلى الشرفة سريعاً بعدما فتحت بابها. ثم ضغطت لترد. فبدأت جميلة بالحديث أولاً: "إيه ده بجد؟ رديتي من أول مرة!" ابتسمت نيروز ثم تحدثت تجيبها: "فينك؟" "موجودة، بس كنت عاوزاك بكرة نروح المستشفى اللي شوفتي فيها عز وتيجي معايا يعني." "خلاص. عمّا أجي من الشغل هاجي معاك، وتكوني إنت كمان خلصتي جامعة، وبعد كده نفضى بقى ونظبط لك كتب الكتاب مع بعض كلنا لما نخلص اللي ورانا." همهمت جميلة ثم قالت بتردد: "خلاص اتفقنا. علفكرة ياسمين وحازم كانوا بيتكلموا بصوت عالي من شوية ولما حاولت أتدخل ماما منعتني، بس بعد كده لقيتهم هدوا من تاني!" زفرت نيروز بتعب ثم رددت: "هو حصل مشكلة كده هبقى أقولك عليها بكرة. بتعملي إيه؟" صمتت جميلة قليلاً ثم أردفت متحيلة بالثبات بعد عدم انتباهها لما أردفته الأخرى منذ قليل، فتحدثت قائلة بتردد: "نيروز! هو ممكن تقوليلي اسم الدكتور النفسي وعنوانه؟" تفاجأت الأخرى من طلبها، ولكن لم تتفاجأ بمعرفتها أنها إلى الآن مازالت تذهب له. ولأن جميلة حافظة أسرارها، هي وحدها من تعرف لأنها تعتبرها متميزة بالعقل نوعاً ما عن شقيقتها. تنفست بعمق وهي تجيبها قائلة بهدوء: "إنت متأكدة يا جميلة من الخطوة دي؟" صمت بلا حديث. لم تعرف الأخرى بما تجيب. بل سمعت صوت أنفاسها العالي فقط. فهمهمت نيروز بتفهم وهي تردف قائلة بهدوء: "حاضر! هبعتلك اسمه وعنوانه في ماسدج." أجابتها جميلة بعد لحظات باقتضاب: "مافيش قدامي حاجة أعملها لنفسي غير كده يا نيروز. سلام." قالتها ثم أغلقت الخط، بينما الأخرى أخفضت الهاتف من على أذنيها وهي تنظر إلى الشاشة بأثر مكالمة الأخرى بحزن عليها. رجعت بها الذاكرة إلى أول جلساتها مع الطبيب النفسي، وإلى معاركها الخاصة التي كانت تخوضها بنفسها دون إحساس من أي شخص. تذكرت كيف كانت مغيبة عن العالم حتى لا تتعايش مع حقيقة والدها. تذكرت سوء حالتها النفسية لفترات طويلة دامت تحت ضغط. تذكرت مناداتها بالمجنونة، والمختلة عقلياً، وبالضعيفة من زوجة عمها وأولادها. تذكرت كيف كانت نظرتهم لها وكأنها معاقة ذهنياً. فرت منها دمعة بسيطة، ولكنها مسحتها سريعاً بقوة من على وجهها، مذكرّة نفسها بأنها عاهدت نفسها من الآن ومنذ اختلاطها بالخارج ستصبح أقوى مما كانت عليه. التفتت تنظر وهي واقفة بالشرفة إلى الوراء، حيث مكان ما ينام الصغير. نظرت له من على بعد، ومن ثم التفتت مجدداً تتذكر حديثها مع الطبيب اليوم وهروبها الغير مفهوم منه. تنفست عالياً وهي ترفع رأسها عالياً. ولكنها سمعت سريعاً صوت فتح باب الشرفة التي توجد بجانبها. تنبأت بأنه هو. لم تتحرك ساكنة، بل ظلت كما هي على حالها. حتى تذكرت عندما لاحظته اليوم في عيادة الطبيب. أخفضت رأسها بعد ثوان، ثم التفتت برأسها إلى حيث يقف الآخر. فوجدته واقفاً ولم يعرها أي انتباهاً. تنفست هي بعمق، ثم التفتت إلى الناحية الأخرى من جديد تتطلع إلى الأمام حتى ترد له تجاهله. فالتفت غسان. المنتبه لها منذ دخوله إلى الشرفة، ثم تحدث بهدوء شديد. ولأنها كانت تنظر إلى السماء والنجوم، أردف يسألها على فجأة: "سما بردو عندك أحلام المرادي عاوزة تحققيها ولا إيه؟" التفتت له ولكن ليست بمفاجأة، وللحق كانت تنتظر أسئلته العبثية هذه. نظرت له وهي تتجه أكثر حتى تستطيع أن تسمع ما يردفه جيداً بعد الآن. تنفست بعمق وهي تجيبه بنبرة عادية: "المفروض يبقى لسه في أحلام بعد ما اتخرجت واشتغلت وخلاص!" ضحك بخفة وهو يردد: "دي كآبة دي!" أخذت "نيروز" أنفاسها وهي تضحك بخفة هي الأخرى قائلة: "لأ، بس هحلم من تاني يعني." التفت بوجهه ينظر لها فوجدها تنظر له بتمعن منتظرة إجابته، فأخذ أنفاسه بصوت مسموع، ثم خرج منه صوته الأجش وهو يردف قائلاً لها بهدوء: "الحلم مش حلم واحد بس عاوزين نوصله، ولما منوصلوش ميبقاش فيه أحلام خلاص. في أحلام تانية عاوزين نحققها ومش لازم يكون حلم كبير عشان نوصله. ممكن يبقى حلم بإيدنا نوصله بس مش متشجعين ليه أو مفيش طاقة كافية ليه، أو مفيش جمبنا اللي يساعدنا نوصل ليه!" أومأت بتفهم لحديثه، ثم ابتسمت له قائلة: "قصدك حلم فرعي غير الأساسي اللي موصلناش ليه؟" هز رأسه لها مبتسماً بسمة صغيرة. فوجهت نظراتها إلى أمامها بشرود، ثم قالت: "في حاجات كتير نفسي أعملها، بس في دايماً حاجة عاوزة أعملها وبرتب ليها كأنها حلم كبير بجد. نفسي أفتح Rose shop (محل ورد) ويبقى كبير أوي وأجيب فيه كل أنواع الورود وريحتهم تبقى مالية المكان كله ويبقى مكان كبير أوي ويبقى فيه فريق كبير ينظم للحفلات اللي برا بالورود والديكور وفريق تاني يبقى مسئول عن تنظيم وتنسيق الورد للي هيشتريه الناس وهساعدهم كلهم كمان ويبقى فيه ركن صغير في المكان مخصص للتصوير بالورد ويبقي فيهم عدد من الـ photographer يصوروهم صور حلوة وكويسة ومفيش فيها حاجة وحشة عشان مخدش ذنوب طبعاً. وميدخلش المكان غير المكتوب كتابهم أو المتجوزين والمخطوبين برضو بس الصور تكون بقواعد معينة كده. وأشغل قرآن في المكان وكل يوم سورة لحد ما تتكرر على مسامعهم وتتحفظ. وكمان أبقى أشغل أمير عيد شوية أصل بحبه أوي وممكن أبقى أشغل كوكب الأرض بتاعتك كمان!" صمتت تستوعب ما قالته، ثم ضحكت عالياً بخفة وهي تردف قائلة بمرح: "شوفت، أهو حلم واحد جواه أحلام كتيرة أوي!" جميل من يتحدث عن شيء يحبه، وجميل من يتحدث عن أحلامه بشغف. وللحق كانت جميلة وهي تتحدث بعفوية وتلقائية كبيرة. كان ينصت لها بتمعن وهو يبتسم على ابتسامتها وضحكاتها من بين حديثها بغير وعي. وما إن أردفت كلماتها وإنتهت من حديثها، تنفس هو ببطء متحدثاً بعد لحظات: "حلم حلو أوي، متأكد إنه هيتحقق!" "ياريـت." هز رأسه ليؤكد: "أكيد. بس انت بتحب أمير عيد؟" هزت رأسها تؤيد وتؤكد ما قاله بابتسامه صغيرة. فابتسم هو لها بعبث وهو يردد: "عارفه أحلى حاجة قالها وعجبتني إيه؟" طالعته بإهتمام ولم تأخذ إحتياطها مما سيردفه وهي تردف قائلة أولاً بترقب: "قال إيه عجبك؟" نظر لها مطولاً، وإلى أعينها اللامعة وهي تنتظر ما سيقوله بغباء. فابتسم وهو يطول في نظرته بعينها قائلاً، مما أربكها نظراته الطويلة دون حرج منه، ليردف أخيراً بصوته الهادئ وبلحن ظهر في نبرته ولكن لم يكن صوته أبشع شيء، حتى أتى بنفس لحن وترتيب مد الكلمات ولكن بصوته هو، وهو يقول: "كنا أطفال وكبرنا ومع بعض إحنا كملنا الحكاية حب البراءة والسذاجة غلب الدنيا الكذابة ولسه عايش جوايا بشوفك زي أول مرة كنت غيرهم كنت حرة واللي في قلبك كان بره إنت كل حلم عدى وإستخبى وخرجتيه مني بزقة بتشديني ودايماً سابقة ... عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل وكل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول" أردف كلماته باللحن الخاص بتلك الاغنية ولكن بصوته الهادئ، وهو ينظر إلى عينيها لم ينزلها بعد، ولم يوجه نظراته إلى جهة أخرى، حتى يوصل لها ما يريد إيصاله. إحمرت وجنتيها سريعاً، ثم أخفضت رأسها وهربت بنظراتها إلى جهة أخرى. لم تتحدث بعد، ولكن منعا للإحراج، همهمت تتحدث تسأله حتى تغير مجرى الحديث ويا ليتها ما غيرته حينما سألته قائلة: "لسه ليلي فالآخر مقولتهاش!!" إبتسم بلؤم ثم حرك رأسه ينظر وهو واقفاً بجانب السور، ممسكاً بزجاجة المياه وهو يفتحها حتى أجابها قائلاً بعبث شدد من حرجها: "هو اللي بيحب ليلي، أنا مبحبش ليلي، بحب واحدة تانية!" إرتجفت يديها بسبب ما أردفه. حاولت أن تتظاهر بأنها لم تستمع إلى ما أردفه، مدعية بأنها تنظر خلفها إلى الصغير النائم، وهي تردف قائلة له على عجالة: "شكل يامِن قلق هروح أشوفه. تصبح على خير!" سارت بخطوات متعلثمة سريعاً من الشرفة حتى تهرب من نظراته وكلماته التي تربكها كثيراً. ثم أغلقت الشرفة بيديها المرتجفتين، تكاد تسمع دقات قلبها العالية المتسارعة وهي تتجه حيث الفراش لتتسطح بجانب يامِن النائم وهي تأخذ الغطاء تدثر به نفسها وبالصغير، واضعة رأسها على الوسادة حتى تذهب في النوم وعلى ثغرها ابتسامه صغيرة مما حدث بغير وعي منها. نهرت نفسها سريعاً وهي تعود لطبيعتها حتى تغلق من الإضاء الخافتة التي بجانبها محاولة مناساة الأمر. أما هو فضحك بخفة عندما تعلثمت وتعرقلت بحركاتها وهي تخرج من الشرفة. ابتسم باتساع على احمرار خديها وهي تهرب بأنظارها، وكأنه يتحدث مع نفسه وهو يردد بخفوت، ينهر نفسه نهراً زائفا بسخرية من حاله وبسبب تسليط أنظاره عليها ولم يحركها إلى أن خرجت من الشرفة: "قليل الرباية، مكنش ينفع تبصلها كده!!" قالها بمرح شديد في نفسه، وهو يرفع زجاجة المياه المثلجة ليتجرع منها بإستمتاع. ثم أخفضها وهو يعتدل باستقامه، ناظراً على شرفتها ومكان ما كانت تقف هي، مردداً بشرود وبصوت خافت وهو يبتسم ببلاهة: "طب وربنا، لم أكن أنويكِ حباً قد وقعتِ فيكِ سهواً!!"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...