ارتدى "حازم" ملابسه قبل وقت، وقبل أن يقرر الخروج من الغرفة، تذكر أن عدم وجودها بعد أن اعتاد على وجودها بجانبه مؤلم. هو الآخر علاقته مهددة بالفراق! وكيف لم يتألم وهي من سميت بحب العمر!! ابتسم بسخرية متعبة متذكرًا احتوائها له عندما يكون بأشد حالاته. لم يفعل هو سوى أنه يردد الدعاء التي علمته له عندما يضيق صدره من الحياة. يضيق بالفعل وحتى أنها ليست بجانبه الآن!! قرر ترك شعوره ثم تعمد أن ينبه نفسه بأن الآخرين من حوله أحق بأن يشغل باله وتفكيره بهم هو. أول خطواته في بدء الإجراءات اليوم.
خرج من الغرفة بهدوء وهو ينظر. توجه بخطوات بطيئة يدق باب الغرفة عدة دقات هادئة. أذنت له من الداخل واحدة منهن ففتح هو الباب بهدوء. ثم ابتسم وهو ينظر إليهن وكل واحدة منهن قد تجهزت. أكملت "فريدة" ملابسها التي جاءت بها أمس وارتدت "جميلة" أحد ملابس "ياسمين" أما "عايدة" فظلت بملابسها كما هي. توجه يقف بينهن ثم هتف يستأصل بلين لهما:
" جاهزين؟ "
لم ينتظر هو الرد بل أضاف سريعًا يوضح لهما:
" قبل الرد أنا مش عاوزكم تخافوا طول ما أنا موجود معاكم، بالذات إنتي يا فريدة. إنتي هياخدوا أقوالك كده الأول عالماشي على ما يتحول شريف ده على ذمة التحقيق هنروح كمان مرة يكون بعدها القضية تتحول للنيابة. هو خرج النهارده الصبح من المستشفى وبشويه مكالمات بلغت عنه وخدوه قبل ما يمشي. الناقص ده بتاعنا احنا. هو كده كده لابسها طالما احنا بإيدنا دلائل كتير وشهود. المهم إنك تكوني ثابتة وتتكلمي ومتخافيش. وكمان إنتي يا جميلة عاوزك تكوني قوية وتحكي بهدوء زي ما فهمتك."
نظرا له الاثنان بتأثر تحت نظرات "عايدة" الساكنة المتأثرة بما يفعله. فواصل "حازم" يكمل مرة أخرى بعقل:
" وعاوزك تدوسي على قلبك عارف إنها صعبة بس أنا مش مستعد أفتح باب للوجع ليكي. أنا مش مأمن عليكي حتى لو عز كويس فعلاً. أنا كلمته وهو هيحصلني على القسم وهيجيب "فرح" معاه. قولتله إني مش هجيب سيرتها فأي تحقيق عشان مستقبلها ميضيعش. رغم إنها تستاهل بس عشان مقدر حالته سكت. مكنش لازم أسكت بس الواضح إن فرح مش متزنة نفسياً. ده مش مبرر بس عشان ننهي الحوار ده هبعدها عن أي كلام. ولما يطلبوا القبض على خالد أنا هتصرف فالكلام ده. كل اللي عاوزه منكم إنكم لازم تكونوا أقوياء. مش عايزكم حاجة تهزكم طول ما إنا موجود!!"
رفع ذراعيه عقب قوله وقد تعمد هو سرد المختصر بما يفهمونه كي يطمئنهم. دخلا الإثنان بين أحضانه. فرددت "فريدة" أولاً بنبرة مختنقة صادقة وحتى متأسفة:
" أنا بحبك أوي يا حازم. بحبك ومحدش كان هينفع يكون السند غيرك انت!!"
تأثر فضمها أكثر. فوجد شهقات "جميلة" تخرج منها بضعف. علم ما تكنه وما تشعر به. خرجت "فريدة" من بين أحضانه وبقت الٱخرى التي رفعت انظارها توجهها نحو "حازم" بلوم علم هو معنى نظراتها فردد يواجهها بصراحة في نبرته:
" صدقيني يا جميلة هو ده القرار الصح. متلومنيش على حاجة أنا مرعوبلك عشانها. خلينا ننهي اللي بينكم بمنتهى الهدوء رغم كل اللي حصل! مش هتفهمي كلامي ده إلا لما تكوني مكاني!!"
قررت "جميلة" الصمود للمرة الأخيرة. نظرت له للحظات ثم انفجرت تواجهه بما تشعر به بضعف وبنبرتها الباكية تشرح:
" ليه كده يا حازم. أنا قولتلك إني بحبه. أنا حتى مش قادرة أستوعب إني لما نخلص الموضوع ده وواجهته هقوله إيه؟ كده مش هبقى بتخلى عنه. انت مش حاسس بيا. محطتش نفسك مكاني. عشان عز هو الوحيد اللي خلاني أحب نفسي أكتر خلاني أذاكر عشان حسيت إن قد إيه اللي أنا فيه ده حاجة عظيمة وفخر بالنسباله. غيرني فأقصر وقت ممكن. خلى عندي طاقة وحماس حتى لو بالكلام بس!! أنا حبيت اللي أنا فيه عشانه هو. هو ميستحقش ده مني يا حازم صدقني. أنا مش عايزة أقف فطريقك وأعارضك.. بس ده قلبي اللي إنت بتاخد ليه قرارات صعبة أوي عليه!!"
وكانت لأول مرة جريئة في وصف شعورها تجاهه وهما في خطبة فقط!! نظر لها بألم يقسم أنه أخذه منها ومن نبرتها الضعيفة تلك. تشبثت هي بأحضان والدتها وشقيقتها وهي تشهق. في حين وقف "حازم" يبتلع ريقه ثم تعمد بأن لا يعطيها الأمل رغما عنه:
" أوقات كتيرة العقل هو اللي بيبقى صح عن القلب والإحساس. أنا مش حاسس بقلبك بس فاهم لك المستقبل واللي جاي ليكي من تعب في العلاقة دي. متنفعكش يا جميلة. والله ما تنفعك عشان إنتي مش حمل وجع. هو لما جه الأول وكلمني عنك عرفت إنه بيحبك حتى من نبرة صوته. مفرقش معايا شغله ولا حالته ولا حتى تعليمه. كل اللي فرق معايا واللي قولتهوله إن راحتك عندي وعنده لازم تكون رقم واحد. ملوش ذنب. بس الحقيقة اللي موجودة غصب عننا فكل ده إنك إتحملتي فوق طاقتك. إتوجعتي من علاقة فيها ماضي ربنا أراد إنها تكون دي فـ دي. ماضي أبوكي عمله. ماضي يا جميلة اللي الراجل مننا غصب عن عينه بيعاير الست بيه عند أول مطب. إحنا مش كاملين وكلنا فينا العبر الوحشة. وأي إنسان بيخرج منه كلام بيندم عليه. أنا بقا مش عايزة يندم إنه اختارك وحبك رغم اللي أبوكي عمله. مش عايزك تندمي إنك بقيتي وإختارتي الحب عن الواقع الصعب اللي مش بيتنسى بالسرعة دي. يمكن عز ده أكتر واحد فاهم الدنيا دي صح بس مضمنش الدنيا اللي جت عليه.. مضمنهاش لما تكوني معاه فتيجي عليكوا انتوا الاتنين من كل ده وبعد كل ده!"
انتهى من كلماته وقد تعمد عدم فتح ذلك الموضوع مرة ثانية. مسحت دموعها بضعف ثم نبست بنبرتها المتحشرجة تبرر له سريعًا:
" بس " عز " مش كده!!"
تيقن وعلم جيدًا بأنه قرار صعب. وقف يطالعها بصمت وقد حدجها بقوة فقط دون نبس حديث. علمت بأنه قد نهى الحوار بل والإصرار ملازم نظرة عينيه إليها. أخفضت نظراتها أرضًا بكسرة. وحتى هو ابتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه. لامته "عايدة" بنظراتها المشفقة على حالة ابنتها. وبعد صمت دام، ردد هو من جديد يشير لهما:
" يلا علشان منتأخرش. وإنتي يا ماما هتيجي معانا وهتخليكي قاعدة فالعربية برا لحد ما نخلص عشان لما نطلع أدويكم لنيروز عشان عزالها النهارده زي ما انتوا عارفين!!"
أومأت له "عايدة" بهدوء ثم سألته بتردد وهي تنظر إليه:
" هتطلع معانا؟"
" هطلع أكيد "نيروز" بنت عمي وأختي و"غسان" صاحبي. مفيش بينا الكلام ده عادي كل حاجة هتبقى تمام ركزي انتي معاهم وسيبك مني!!"
علمت مخزى حديثه. فرسم هو ابتسامة صغيرة حانية وهو يوجه نظراته نحو شقيقاته مرددًا بتفهم:
" أنا بقولكم إن إحنا لسه فيها. لو مش قادرة تروحي يا فريدة إنتي وجميلة دلوقتي البيت بعد ما نخلص مشوارنا أنا مستعد أرجعكم هنا تاني وأودي ماما بس!!"
قاطعته "جميلة" بلهفة وهي تمسح أنفها بالمنشفة الورقية سريعًا:
" إنت بتقول إيه يا حازم. حتى لو فينا إيه بس لازم أكون مع نيروز طبعًا في يوم زي ده. أنا هاجي مش هسيبها!!"
ابتسم بزهو لأصلها فرغم حالتها النفسية إلا أنها تقدر جيدًا. رفع أنظاره نحو "فريدة" ثم سألها هو الآخر بترقب:
" وإنتي يا فريدة رأيك إيه؟"
سألها وهو يتمنى بداخله بأن لا تكون منغلقة على نفسها. وقبل أن ترد هي بتردد وجد هو نبرة "عايدة" السريعة وهي تبتسم قائلة باندفاع:
" هتيجي طبعًا يا حازم. فريدة من زمان أختكم وحتى أخت نيروز. ومش معنى اللي حصل ده إنها تبعد وتقفل على نفسها. لأ سيبهالي بقا كده وأنا هدخلها في الجو وهروقها ومحدش متقل منها ولا حاجة. بس هي ترضي وتفتح صفحة جديدة وتبدأ من جديد وإن شاء الله خير!!"
تعمدت الضغط عليها كي تأتي معها. ابتسمت "جميلة" بحب. في حين طالعتها "فريدة" بتأثر ثم ردت بألم أخفته بأعجوبة:
" أنا فاهمه ده. بس أنا طاقتي مش مستحمله. مش قادرة ومش متخيلة إني هقدر من تاني ولا متخيلة إن حد ممكن يقبلني وسطهم وإنا كده!!"
وجدت لهجة "حازم" الحادة وهو ينظر لها قائلاً بجمود:
" مسمعكيش تقولي كده تاني. فاهمه؟"
قالها بغضب دفين عندما وجدها تقلل من شأنها في آخر حديثها. هزت رأسها بالإيجاب من نبرته الآمرة. فأمسكت "جميلة" كفها باحتواء ثم رددت والدموع تتجمع بمقلتيها وحتى الصدق كان رفيق صوتها:
" أنا أول واحدة قابلاكي بكل حاجة. وأول."
واحده رغم التعب اللي فيا وفيكي بس أتمنى تدي لنفسك فرصة. أنا قوية بيكي يا فريدة مش العكس أبداً.
كلمات مواساة حقيقية رفعت من شأنها. تأثرت فريدة بشدة. حتى أنها رفعت ذراعها تحتضنها، ثم احتضنت بذراعها الآخر عايدة التي أثر بها حديثها هي الأخرى. وللحق شعرت بها بحنان نبع من أم ليس إلا. لم تشعر هي بهذا من والدتها الحقيقية.
خرجت من أحضانهن ثم هزت رأسها لهن بالإيجاب والموافقة. ستضغط على نفسها كمحاولة لإعطاء نفسها فرصة قبل أن تنغلق للأفكار الجنونية الانتحارية. ما أن وجدت فرحتهن على وجههن بابتسامتها، شعرت بالصدق النابع بشعورهن هذا نحوها.
توجهت بكل عقل. وهذه المرة هي من فعلتها. أمسكت رأس حازم بين كفيها، ثم توجهت تقبل قمة رأسه بشفتيها ببر. ثم قالت بكل تأثر وصدق:
"إنت أبويا يا حازم بجد. أنا مش عارفة أقولك إيه. بس أنا آسفة إنك بتشوف كل ده بسببي!"
تأثر منها بشدة حتى أنه رفع كفها وقد تعمد بأن يقبله بلطف. ليظهر لها الاحتواء التي لم تأخذه يوماً. ثم ردد بعمق:
"متقوليش حاجة يا فريدة وبلاش تحملي نفسك ذنب. خلاص اللي فات عاوز يموت عشان نبدأ من جديد وصح. ولو إنت شايفاني بعد النهارده أبوكي فعلاً، يبقى مفيش بنت بتحس نفسها تقيلة على أبوها. الدنيا دي لو مشالتكوش هشيلكم أنا فوق كتافي العمر كله!"
قال آخر حديثه وهو يوزع أنظاره بينهن هن الثلاثة. نظرن له بإمتنان. فابتسم لهن بحب صادق. وقبل أن يتحدث لهن ليحثهن على الخروج، وجد فريدة تردد باندفاع فجأة:
"إرجع لياسمين يا حازم علشان خاطري. والله العظيم مقصدتش أوقع بينكم بس هي ملهاش أي ذنب. بالعكس أنا شايفاها عملت حاجة كانت بتحاول إنها تراضي وتريح أختها. كانت عاوزة تبسط نيروز وتحقق لها اللي عايزاه. ياسمين فعلاً مش سبب في حاجة. كل ده كان مني أنا من الأول. مراتك يا حازم مش وحشة. أنا يمكن كنت بغير طول عمري وأنا شايفاها واقفة جنب أخواتها وبتدعمهم وشايفة منهم الحب اللي أنا عشت أرفضه بمزاجي عشان اتعودت على ده. رغم إن كان في محاولات منكم، بس أنا اللي غبية. لو بتحبني بجد إرجعوا!"
لم يقاطعها في الحديث، تركها كي لا يكون متحسساً بالنسبة لها. لم يجيب. بل أضافت جميلة هي الأخرى بحديث لفت انتباه فريدة رغم قوله أمس، ولكن حالتها كانت لا تسمح لها بالانتباه:
"أيوه يا حازم. وياسمين حامل كمان. حرام وحمل عليها الضغط النفسي ده!"
"عقلوه وقولوله.. ربنا يهديك يبني."
قالت عايدة حديثها بآخره. كولوله نسائية معروفة بحسرتها على حاله. هناك من تفاجأ من حديث شقيقتها. فرددت باندفاع متلهف رغم نبرتها الضعيفة من كثرة البكاء:
"بجد؟ ياسمين حامل؟"
لا يعلم هو لما سعد هو من نبرتها الملتهفة. ولا تعلم هي لما تلهفت وفرحت وهي التي كانت تقصد البعد عن أشقائها. هز لها رأسه بتأكيد. كما فعلت الأخريات. فدخلت فريدة بأحضانه بسعادة وصلت بقوة لحازم الذي شعر لوهلة بأن سعادتها بذلك كفيلة لصموده طوال اليوم. أخذ منها المباركة السعيدة وهي تهتف بتعلثم بكلماتها كي توصل له سعادتها. وكأن ذلك دليل كي يستطيع تصديقها. وهو الذي سعد من صدق نبرتها فقط. سمعها تهتف مرة أخرى بنبرة حزينة مترجية:
"يبقى لازم ترجعها يا حازم لو عايزني بجد أبدأ من جديد. هبدأ فعلاً وأنا حاسة إني مش ظالمة حد. بس ترجع لو أنا هاماك بجد!"
ربطت أمرين ببعضهما بطريقة خبيثة ولكنها لم تقصدها. بل أتى ذلك من الألم. تعمد مجاراتها فقط دون الوعد بأنه سيفعل ذلك. فإن ذهب ليعود بها فعلاً ويلومها فسيفعل ذلك لأجله ولأجل زوجته وحياته وطفله القادم. وليس لأجل غيرهما كي يستطيع أن يكمل حياته بالصدق والتفاهم. فاق من شروده. ثم أشار لهما بابتسامة قصد بأن تظهر دون حمل هم كي يتشجعا على ما بعد الآن. خرجن الثلاثة من خلفه. واحدة تفكر بأن بالفعل أعطى لها من حولها الفرصة. تبقى فقط قربها القوي من الخالق عندما وجدت الأمل من حولها. أما الأخرى فليس هين على قلبها الذهاب لرؤية شخص تخلل حبه بقلبها. بل ومن الأصح بأنها ستتركه وتودعه وتودع علاقتهما التي وصفت بالراحة. وأي راحة؟ وكل منهم قد تأذى بالفعل. وهما اللذان لم يفعلا جرماً ليستحقا كمثل هذا العقاب الموجع.
في شقة سمية. جلست نيروز في صالة المنزل على الأريكة بجانب سمية الجالسة بشرود هي الأخرى. فقد تجهز الوضع. بل وجهاز نيروز الذي من المفترض بأن يصعد اليوم. موجود بالفعل بإزدحامه في الصالة. ولكن ليس بالكامل. فقد أخرجه في الصباح الباكر بدر. مع غسان وبسام قبل رحيل الإثنين إلى العمل. بقى خطوة صعوده لأعلى وفقط. نظرت وردة على شرود والدتها وشقيقتها. وقد كان بدر في الداخل مع صغيره. تنهدت نيروز تخرج أنفاسها بيأس. ثم تساءلت للمرة التي لا تعرف عددها:
"ياسمين لسه مصحتش بردو؟"
هنا والتفتت سمية برأسها نحوهما. ثم قالت بحزن:
"ولا هتخرج وتقولك سيبوني أنام. أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا تعبت ومعتش فيا صحة لكل ده ياربي!"
كان حديثها متحسراً لحد كبير أتى من غلبها في فتياتها. وقد أدمعت عينيها من جديد. كانت تجلس بالمنتصف بينهما. فرفعت كل واحدة ذراعها تضعها عليها بحنو وأسف في نظراتهما لها. ابتلعت سمية ريقها بلوم من ما قالته للتو. في حين اليوم يعد وقت من أوقات فرحة ابنتها نيروز. ربتت على ساق نيروز بأسف. ثم حاولت التظاهر بالتماسك وهي تبتسم لها كي لا تشعرها بشيء. حتى قالت بأسف:
"معلش يا بنتي مقصدش أقول كلامي ده بس أديكي شايفة الحال. عاوزاكي تتبسطي وتفرحي ومتشيليش هم!"
تفهمت نيروز ما تفعله جيداً. حتى أنها ابتسمت لها. ثم أجابتها بتعقل:
"مش زعلانه يا ماما. أنا فاهمة كويس اللي إحنا فيه. بس إنت قولتي بنفسك عاوزاكي تفرحي. يعني إنت كمان متقعديش تقطمي في نفسك كل شوية. وأنا متأكدة إن ربنا هيحلها من عنده!"
تنفست بعمق وهي ترد لها ابتسامتها. فأيدت وردة الحديث قائلة هي الأخرى توصل لها رسالة معينة:
"معاكي حق يا روز. وعشان بردو صحتها مبقتش زي الأول وكل ده عليها فالآخر. خلينا نركز دلوقتي فالحاجات اللي اتحطت دي ومشوا وسابوهالنا كده!"
"غسان راح الشغل وقرب يجيي. ساعتها هنبدأ نطلع الحاجة دي. وكمان جميلة بعتتلي ماسدچ إنها جايه هي وطنط عايدة عشان يبقوا معايا.. و.."
وقبل أن تسترسل نيروز في حديثها. وجدت من تفتح الغرفة وهي تهتف بأسماءهما من بعد. وكأن شيئاً لم يحدث لها. توجهت نظرات سمية نحوها بلهفة. فوجدت ياسمين تتعامل وكأن شيئاً لم يحدث. بل وبمنتهى اللامبالاة تضغط هي على نفسها وهي تحمل بأحشائها جنين. توجهت ياسمين تبتسم لهن. ورغم تظاهرها بذلك، إلى أن عينيها المتورمة من البكاء تشرح وضعها المخفي.
"أنا مش فاهمة ازاي عزال نيروز وكمان أيام معدودة عالفرح وقاعدين حاطين إيديكم على خدكم. مفيش أغاني ورقص؟!"
رددت جملتها بإستنكار. وللشفقة على حالها تحاول هي عدم تحميلهم همها كي يستطيعون أن يعطوا للفرحة حقها. وأي حق؟ والجزء الآخر مؤلم يتألم هو الآخر. تفهمت سمية ما تفعله هي. بل وزاد الحزن بداخلها لأجلها. حركت وردة رأسها بأسى على حالها. في حين نهضت نيروز. ثم وقفت أمام ياسمين التي وقفت تنتظر الرد والجواب من أحداهن.
وعلى فجأة رفعت نيروز ذراعيها تدفع ياسمين بأحضانها وهي تضمها إليها باحتواء. شعرت بها وبألمها التي تحاول رغم ما بها إخفاءه.
ابتلعت "ياسمين" ريقها بوجع وهي تحاول التماسك أمامهن. سمعت صوت شهقات سميه. ربتت "نيروز" على ظهرها ثم هتفت تقول لها بإختناق:
"متعمليش كده يا ياسمين. عيطي وبيني إنك موجوعه. فأي وقت، حتى لو فـ يوم زي النهارده، مش هزعل. انتِ أهم من أي حاجه. أنا بحبك أوي، متعمليش كده فنفسك وفينا!"
انتظرت والدتها وشقيقتها الٱخرى الرد من "ياسمين" التي صمتت للحظات. ثم أخذت أنفاسها ببطء وهي تخرج من أحضان شقيقتها حتى وقفت تعتدل، محاوله تغير مجرى الحديث وهي تردد بهدوء شديد:
"أنا هروح النهارده أتابع عند الدكتوره عشان الحمل. حد هيفضى يجي معايا ولا كلكم بقا هتتشغلوا مع العروسه وتهملوني أنا والعيل اللي فبطني ده!"
ورغم إنها تحاول تغير الحديث، ولكنه كان حديث مضحك منها هي. ضحكن بخفه كي يخففن عنها. وأما هي، فأثارت "نيروز" شفقتها وهي تحاول أن تراضيها بيوم كمثل ذلك اليوم الذي من المفترض بأن يكون مبهج سعيد. أكملت على حديثها الٱول مره أخرى وقبل أن تجيب عليها أي واحده منهن:
"علفكره أنا كويسه، متشيلوش همي. أنا تمام بس هبقى تمام أكتر لما نحاول ننسي اللي فات ونعيش لحظة الفرح اللي موجوده. نتبسط بـ نيروز ونفرح بيها كلنا سوا، عشان اللي احنا فيه ده مش عادي خالص وإحنا عندنا فرحة كبيره المفروض نستغلها."
نظرن لها بعمق وتأثر. في حين هزت لها "نيروز" رأسها بموافقة ظاهريه لتجاريها بالحديث. لوهله شعرت بأن لو تظاهرت بالسعاده ستسعد الٱخرى لأجلها. ابتسمت لها "نيروز" بتخفيز، ثم سحبتها لتجلس بجانبهما على الأريكه الطويله وهي تلتفت لها ومازالت ممسكه بجانبها حتى رددت بلهفه وصلت لها:
"وإحنا كلنا جنبك ومبسوطين عشانك وعشان هبقى خالتو للمره التانيه. وكده كده انتِ والدكتوره أهم مني ومن غسان ومن العفش والجهاز يستي! ولا إيه يا ماما انتِ وورده؟"
ضحكن علي حديثها. وقد تشبتت "ياسمين" بنظراتها بـ عين "سميه" التي شعرت بأنها الوحيده التي تريد التأسف لها عن ما تعانيه وهي مريضه قلب. وكأن الآمر بيديها هي. هزت لها "سميه" رأسها بإطمئنان. فأجابت"ورده" بحماس هي الأخرى:
"طبعا. مفيش حد غالي قد غلاوة ياسمينا. بلا نيروز بلا غسان!"
شهقت "نيروز" بقوه ثم حدجتها بضيق زائف وقد تعمدت فعل ذلك لجعل الٱخرى تضحك. رددت "نيروز" بنبره حانقه لها وهي تشير لها بيديها:
"عندك كده يا حبيبتي. انتِ كده بتغلطي فيا وفـ جوزي حبيبي!"
خرجت أخيراً ضحكة "ياسمين" العاليه مما جعل من حولها يضحكن عليها وهي تجيب شقيقتها باستنكار من بين ضحكتها:
"من إمته بقا جوزك وحبيبك؟ الله يرحم لما كنتِ قاعده قعدتي دي وأسخن وإنتِ بتستني يبت ورقة الطلاق!"
"يا بنتي الكلام ده ميصحش دلوقتي. النهارده عزال اختك، حسّي على دمك وبلاش الفال الوحش ده!"
قالتها "سميه" بضيق واضح. فضحكت "ورده" بينما أجابتها "ياسمين" بضجر:
"انتِ يا ستي انتِ. لا كده عاجبك ولا كده عاجبك!"
حركت "سميه" رأسها بقلة حيله حتى فردت لها ذراعها خاصةً أنها أصبحت جالسه بجانبها. دخلت "ياسمين" بين أحضانها براحه فربتت عليها"سميه" وهى تجيب بتأثر:
"انتِ عجباني يا حبيبتي فكل الأوقات. وعايزاكي تعرفي إنك غاليه أوي على قلب أمك وعمري ما أزعل منك أبدا. وهاكل بسناني أي حد يقرب منكم. إنتم السند ليا في الدنيا دي. عشان كده لازم تكونوا فضهر بعض حتى لو جرالي حاجه أوعوا تدوسوا على بعض. كل واحده أمانه فرقبة التانيه. حتى أمانه فرقبة جوزها اللي أنا وافقت عليه لكل واحده وأنا عارفه هو هيصونها إزاي. وزي ما متأكده إن كل واحد بيحب اللي آختارها قلبه. بس بردو لازم تعرفوا إنكم تراعو ربنا فيهم!"
كان الحديث عاقل عميق لحد كبير. إعتدلت "ياسمين" ثم سمعت وانصتت جيدا لما يقال من جديد بفم وصوت "سميه" العقلاني:
"وطالما الموضوع ده إتفتح فإسمعوني كويس عشان لازم تفهموا ده. وبالذات انتِ يا نيروز. بلاش يابنتي تقسي قلبك فالوقت الغلط. رغم إنه مش قاسي بس محاولتك إنك لازم تبيني إنك قويه وقادره ده غلط على حد حبك وشاريكي. لينك ده بيعدي الصعب فالأيام. عارفه إن "غسان" مش سهل فحاجات كده بس كل واحد بيطبع بطباع التاني واللي بيحبه. كنت حاطه إيدي على قلبي أنه يطلقك عشان للحظه حسيت انه هيبيع الدنيا بحالها وببعضها من غير ما يهمه حد. بس لما فهمت ودققت كويس عرفت إنه قلبه ده عامل زي الريشه. عرفت إنك متماسكه عنه وإنه اقل حاجه بتأثر فيه. إتقالي إنه طيب وبيطلع وينزل علي مفيش بس مصدقتش إن واحد بقوله خلي بالك من بنتي ومتقربلهاش عشان لسه مش فبيتك رد عليا رد مختصر كده وخد جنب مني وبعد كده رجع عادي. أنا قولت ده قلبه إسود ومببغفرش وهتعاني معاه بس المعدن بيبان فوقت الشده. ومفيش شده عدت علينا إلا وكان موجود حتى لو كنتي على خلاف معاه. أنا بقولك كده عشان يوم عن يوم بيزيدوا وهتبقي معاه فـ بيته. وعشان أقولك إنك بنتي بس هو مش هتلاقي زيه. اللي زيه في الطيبه والحنيه دي خلصوا من زمان. خلى بالك من منه يا حبيتي وبلاش تيجي عليه خليكي عاقله وفاهمه الدنيا صح ومين بيحبك ومين شاريكي ومين غير!"
تأثرت من حديث والدتها بشده. تعلم تمام العلم أن علاقتهما سويا هي الطرف الغير هين بها مهما فعل هو فلين قلبه يغلب عناد قلبها هي. لطالما يظهر عليها عكس ذلك ولكنها الشخصيه الأكثر سلطه عن من حولها من الفتيات. أخرجهن من حالتهن هذه حديث "ياسمين" المرح وهي تقول:
"والله الإتنين عايزين يتكشف عليهم. عقلهم مفوت!"
ضحكن عليها بخفه في حين رددت "سميه" مره أخرى بتعقل:
"ولو بردو. وانتم كمان خلوا بالكم منهم. خلي بالك من بدر يا ورده وإعرفي يا حبيتي انه بيحبك ومش شايف غيرك مهما حصل ومهما عملتي. وفكري فالمستقبل وفـ يامن ربنا يبارك فيه. واعرفي كمان إن بدر ده مفيش فقلبه أغلى منك انتِ. وخفي نكد عليه شويه الواد يعيني بيصعب عليا يا بنتي!"
ابتسمت لها"ورده" بإمتنان. بينما رددت "ياسمين" سريعا تسبق الحديث المنطقي كي لا تتأثر:
"متقوليش ياسمين وخلي بالك من حازم وبتاع. أديكي شايفه الحاله. سابني قدامكم كلكم!"
قالتها بمرح كي تتخطي الحوار والأتى. ولكن لم يضحك أحد. علموا جيدا ما تفعله. ولم ترد عليها سوى"سميه" بجديتها الهادئه وهي تقول:
"مش انتِ بنتي يا ياسمين. بس هقولك إنك غلطانه من زمان من ساعة ما خبيتي حاجه المفروض تتقال بكل هدوء. عشان جوزك يتصرف مع أخته ده لو إعتبرناها علاقه بعيد عن القرايب. لكن ده حازم ابن عمك وجوزك. وقبل ده كله بير أسرارك من زمان وحبيبك. حبيبك اللي الحب بينكم كان سر كده تخاطيف وكأني كنت هبله وأنا عامله مش واخده بالي من اللي كان بيحصل. بس سيبتك عارفه ليه؟ عشان عارفه إني سايبه راجل وبنت فنفس الوقت ومهما يحصل هتيجي تقولي. بس اللي حصل إن العلاقه إتغيرت ومهما يحصل بتروحي تقوليله دلوقتي. راح فين دا كله؟ لو هو غلطان وهو يكلمك بالاسلوب اللي أنا مقبلوش وليا عتاب عليه عشان بردو انتى حامل. بس بردو هو موجوع ومقهور. مكسور كسره محدش يتحط فيها أبدا. عارفه إن زعلك عليه أكتر من زعلك منه بس لازم تعرفي إنك غلطتي وإتصرفتي غلط من الٱول خالص وصغرتيه زي ما هو قال. مش غريب عليا تبقي أي حد على أخواتك حتى لو هو. بس هو الوقتي يا حبيتي بعد ما يكون اللي قلبك اختاره فهو أبو ابنك اللي جاي وشريك أيامك اللي مكنتش بتعدي ألا ما تكونوا مع بعض فيها!"
وجدت أن لا مفر من الحديث بذلك بمنتهي الألم عليها والجديه منها.
ابتلعت ريقها ثم حركت رأسها بيأس. موجع. وقد خرجت نبرتها التي أعلنت بها خروج ضعفها:
"بس أنا هونت. هونت عليه يا ماما وأنا واقفه ببرر ليه بكل لهفه عشان يصدقني وفالآخر مشي ومختارنيش. ومعملش حساب حتى لتعبي اللي هو عارفه. معملش حساب للي أنا فيه وأنا حامل. أنا مش باجي عليه. أنا موجوعه أوي علشانه. حاسه إن قلبي بيوجعني عشانه وعشان إخواته مش منه. بس كل ما أفتكر إني هونت. وهونت بطريقه وحشه لما حملني كل الذنب للي حصل كله مع إني مكنش ليا صله ولا علم بكل ده وهو عارف. زعلت لما مشى من غير حتى ما يفكر فأي حاجه تخص حملى منه. وكأني قليله أوي. عارفه إنه فحاله صعبه وإن ده ميجيش حاجه فيه. بس هو كان قادر يعملها. كان قادر يحسسني إني غاليه عليه حتى فـ عز وجل وجعه. هو أنا يعني قليله لما يمشي ويسيبني بالطريقه دي؟"
أدمعت عيني "ورده" بتعاطف وحزن. في حين تماسكت "نيروز" وهى تحرك رأسها نفياً. بينما رددت "سميه" بلهفة كبرى وهي تضمها باحتوائها:
"لا يا حبيتي. لأ. إنت غاليه اوي وفالعالي وميطولكيش أي حد. متقوليش على نفسك كده. يا ما بيحصل بين أي إتنين متجوزين. الدنيا هنتعدل وربنا هيصلح الحال خليكي عارفه وواثقه من ده!"
تنفست "ياسمين" باحضانها بإختناق بصدرها. ربتت عليها والدتها بحنو. لطالما تعلم هي طبيعة شخصيتها. فمهما تحدثت لم ولن تسطتيع وصف ما يجري داخلها. بل وتقسم هي بأنها مادامت تحدثت كذلك فبداخلها أضعاف من الوجع مضعفه. حاولت "نيروز" أن تشاكسها بالحديث هي و"ورده" للتخفيف عنها والآنخراط في مناسبة اليوم كي تمر بخير. غير متناسين وجعهم التي تحاول كل واحده منهن إخفائه كي يمر الوضع. وجعهم الذي كان سببه القوي أحوال "جميله وفريده". رغم بعدهما عن الٱخيره إلى أن كل واحده منهن ترى وتتألم لها حيث لم تستحق أي واحده مهما فعلت بأن يحدث لها كذلك بل وتكسر كمثل هذه الكسره. وما شعور "حازم" الٱن. وكيف وضعه؟ سؤال لم يغيب عن عقل "ياسمين" أبداً.
في شقة "حامد". تجهز هو وهو يجلس بصالة المنزل بجانب "دلال". ينتظر فقط قدوم "غسان" من الخارج. حيث أتى "بسام" من الخارج قبل قليل بعد أخذه إذن من المستشفي. نظر "حامد" في شاشة هاتفه الصغير بملل. ثم إلتفت برأسه ناحية "دلال" التي أمسكت بيديها القرٱن لتقرأ به:
"هو الواد ده إتأخر ليه كده النهارده يا دلال؟ حقا ليكون متجوز على البت الغلبانه دي وضاحك عليها. والله ابن كلب ويعملها!"
خرجت ضحكاتها العاليه وهي تغلق المصحف. ثم التفتت برأسها له متحدثه بهدوء. تعنفه:
"متأخرش ولا حاجه ياحامد. انت بس تلاقيك متحمس وفرحان عشان أول مره لسه تجرب حاجه زي دي. أما إبنك يتجوز علي مراته فإنت حرام عليك ودايما. جاي على غسان كده والله!"
إبتسم لها "حامد" بحب. ثم طالعها بنظراته الدافئه مجيبا عليها بحب. ظهر في نبرته:
"أجي على مين بس يا دلال! دا غسان ده هو حامد البدري التاني هنا من بعدي. ده أنا بحبهم عشان منك إنت. ومبسوط إنه هيتجوز. ومش هيتجوز كده وخلاص ده هيتجوز اللي حبها واختارها بنفسه وخد القرار لوحده لما شاف إنه قادر وراجل عشان يتفح بيت. الزمن بيعيد نفسه أهو وأنا شايفه متحمس يبقي مع اللي بيحبها ووقعته زي ما أمه وقعت أبوه على وشه وخلت قلبه كله ملكها هي. أم غسان الأصيله اللي عمر ما كنت ألاقي واحده تستحملني وتبقي أم لولادي غيرها هي! إنت بس اللي كنتي تنفعي. وتستحقي لحد اللحظه دي. لحد ما احنا واقفين ومعجزين وبنفرح بأول فرحه لينا فـ ولادنا!"
تأثرت من حديثه بشده. حتى أنها أردفت بنبره متحشرجه متأثره بعد أن أدمعت عينيها من حديثه:
"إنت اللي عجزت يخويا أنا لسه صغيره..أه!"
تفهم ما تفعله من هروب كلماته المتأثره عليها. ضحك وهو يحرك رأسه بمرح. ثم شاكسها وهو يقرب من وجهها ناحية رأسها مردداً بخفوت تزامناً مع فتح باب الشقه أمامها:
"طب والله حصل لسه صغيره وشابه وجميله يا أم غسان"
أغلق "غسان" الباب وهو يدخل في هذه اللحظه. توقف بمكانه عند هذه اللحظه. حتى أنه دار وجهه بمرح. وهو يضع يديه على وجهه مردداً بمزاح ليصلهما صوته المرتفع:
"تؤ تؤ تؤ. استغفر الله العظيم يارب. خلصت يا حامد ولا لسه؟ ياراجل إنت مش قولتلك الكلام ده مش فالصاله!"
قهقهت "دلال" وهي تنظر إليه يأتى إليهما من على بعد تزامناً مع رد "حامد" الحانق:
"مراتي وبراحتي!"
الكلمه المعهوده والمتردده منه دائماً على مسامعه هو. ضحك "غسان" بخفه ثم انحنى يمسك وجه "حامد" وهو يقبل قمة رأسه ببر حتى خرج منه حديثه العاقل الهادئ عكس طبيعة حديثه معه:
"انت تعمل اللي يريحك يا حج حامد!"
ربت عليه "حامد" على ظهره وهو جالس بحنان. ثم ردد له بلين:
"ربنا يسعدك يا حبيبي!"
إعتدل "غسان" سريعاً. ثم بحث بعينيه على شقيقه والٱخرى ثم تساءل باستفهام:
"أومال بسام فين ووسام فين عند نيروز؟"
"لا وسام كان عليها درس أونلاين. بس خلصته ودخلت لبسام الأوضه. إدخل إستعجلهم بقا عشان نروح لسميه ونيروز!"
أومأ لها "غسان" ثم توجه بخطوات هادئه حتى فتح غرفة "بسام" على فجأه دون أذن. انتفضت "وسام" الجالسه. أما "غسان" فدخل ينظر بصدمه على ما رٱه. كان الوضع كالأتى. "وسام" تجلس وتفرد خصلاتها و"بسام" يمشطها لها بحذر. بسبب جرح رأسها. ليس هذا الصادم بل كان الصادم هو الٱتى عندما هتف "غسان" بغير تصديق:
"حلقت دقنك ليه يا بسام!"
إعتدل "بسام" وهو يقف ثم ترك خصلاتها بعدما ربطها بحذر. ثم توجه يقف أمامه وهو يبتسم بإتساع. مجيباً إياه ببساطه:
"عشان إنت العريس ياض!"
خرجت ضحكات "غسان" على حديثه ثم حرك رأسه بغير اهتمام. وهو يردد:
"طب وإيه المشكله؟"
"مفيش مشكله ولا حاجه. أنا اللي حبيت أغير. وعشان تبقي فريد من نوعك كده. عشان عريس أقولك ايه يعني!"
دفعه "غسان" بمشاكسه بكتفه بمرح. وهو بضع يديه على كتفه. في حين وقفت "وسام" بينهما وهي تنظر لهما حتى رددت هي الٱخرى بإعجاب:
"شكله بقا حلو عن الأول علفكره يا غسان إعملها انت كمان!"
حرك رأسه بنفي. ثم رفع يديه بإستسلام. وهو يردد بمرح:
"نيروز بتحب الدقن!"
ضحك شقيقه وشقيقته عليه. في حين أمسك "بسام" يد "غسان" ثم هزه بحركات مرحه وهو يرفع يديه ليتراقص معه بدون موسيقي. فهلل بصوت مرتفع يتمايل معه:
"أحلـــى عريـــس!"
ضحك "غسان" بقوه وهو يتمايل معه ففتحت "وسام" سريعاً إحدى الأغاني الحماسيه التي يتراقص عليها. ثم دخلت بينهما تتراقص بخفه وسط ضحكاتهما العاليه ببهجه. شاهد سريعاً هذا المشهد "حامد" و"دلال" الواقفان على باب غرفة "بسام". إبتسما بحب. وقد تحركت نظراتهما لبعضهما بتأثر. تفاجئت "دلال" بـ "غسان" وهو يسحب يديها لتتراقص معه. في حين سحب "بسام" يد "حامد" ليجعله يتراقص معه هو الٱخر. فأصبح الجميع يتراقص مع بعضه يبهجه وحب. أمسك "غسان".
يد "دلال" وفي يديه الٱخرى "وسام" وهو يتراقص بهما بسعادة ظهرت على وجهه حتى انتهى وهو يحتضنهما بحب بالغ. في حين اندمج "بسام" في رقصه مع "حامد" الذي وقف البقية ليشاهدان ما يفعلانه بمرح.
اخرج "غسان" هاتفه وهو يعطيه لـ "وسام" في وضع التصوير. ومن ثم دخل هو بينهما يتراقص معهما ببهجة كبرى وهو يمسك كف والده بحنو. وعقب ما انتهى قبله ببر. فاحتضنهما الآثنان "حامد" بتأثر. وقد نزلت دمعته السعيدة في هذه اللحظة التي أردف حديثه المتأثر بها:
"كبرتوا وعجزتوني يا ولاد الحلوه!!"
ضحك الجميع عليه بخفة. وقد رفع "غسان" أنامله يمسح دمعته الوحيدة وهو يردد:
"عجزت إيه يا راجل؟ دا أنا لسه قافشك بتسوق الشقاوة برا. إجمد كده دا آنت لسه مبقتش جد!!!"
توسعت بسمته وبسمتهم جميعًا. في حين احتضن "بسام" "دلال" وهو يتنفس براحة كبرى مرددًا لها بمرح:
"حضنك ده عامل زي المخدر يا أم بسام!!"
"أم غسان يالاا!!"
قالها "غسان" بتبجح. في حين ضحكت "وسام". فنظرت "دلال" لـ "بسام" بإستسلام مبررة له:
"عنده حق. ما إنت عارف.. هو أكبر منك بخمس دقايق!!"
"مستعجل بروح أمه على النزول. يشرب بقا أهو داخل على جواز ودنيا!!!"
لم يكن الحديث إلا من "حامد" الذي ضحك على حديثه كله. وسرعان ما سمعوا هم صوت دقات الباب العالية مع جرس المنزل الذي لم يتوقف. توجه "غسان" وهم من خلفه بخطوات سريعة. حتى فتح "غسان" أولاً الباب. وسرعان ما تفاجئ بمن أمامه. وجد بعض من الشباب بل ومن أصدقائه وبعضهم لم يراهم هو منذ فترة. ويترأسهم "شادي" الذي كان يقف في الأمام. دخل بين أحضان "غسان" بسرعة فائقة ثم هتف بتهليل جعل صوت الشباب يعلو ببهجة:
"الــــعـــريـــس أهــو يـــجـــدعــان!!"
دخل الشباب يحتضنونه وقت واحد بهمجية. ومن يخرج من أحضانه يتوجه لـ يرحب بـ "حامد" الواقف بين "غسان" الذي فرح بشدة لتجمعهم كذلك وهو يردد لهم الحديث اللبق. في حين دخلت "وسام" سريعًا لترتدي الحجاب الذي كان ينقص ملابسها. ووقفت "دلال" ترحب بهم هي الأخرى مرددة بتلقائية من بين سعادتها:
"منورين يا حبايب قلبي!!"
إلتفت "حامد" برأسه وهو يطالعها بضجر زائف:
"بغير يادلال قولتلك!!"
ضحك الشباب جميعًا. حتى قال أحدهم بنبرة ضاحكة لـ "حامد":
"لسه زي ما انت يا حج حامد متغيرتش. دي أم غسان أمنا يا عم مالك كده خليك أوبن مايند عشان الدنيا تمشي!!"
ضحك "حامد" عليه وعلى حديثه ثم ردد يجيبه بمرح وهو ينظر إليه:
"طب خليك فحالك يا أحمد. إنت متجوز ومخلف بنوته زي القمر. ترضى حد يقولها يحبية قلبي وهي حبيبة قلبك انت؟"
نظر على الجالسين من حوله وهم يضحكون بعدما دخل الجميع ليجلس. ولكنه حرك رأسه بنفي باقتناع مضحك وهو يقول:
"الصراحة لأ مرضاش. بغير أنا!!"
مصمص "شادي" شفتيه بمزاج. ثم نظر لـ "حامد" بفخر وهو يردد للآخر:
"شوفت؟ خد يبني من عمك حامد ومتراجعش وراه"
"بس يا صايع يا بايظ يا بتاع البنات. بقا اقولك عايزك تتجوز يا كلب تمشي وتسيبني بعد ما بوظت ابني!!"
لم تتغير علاقتهما مع بعضهما. هكذا رأى الشباب وهم يضحكون على حديثه. تحولت ملامحه للضجر الزائف وهو ينهض مشيرًا له بغير اهتمام:
"سيبهالك يا عم. ورايح المطبخ أشوف أم غسان بتعمل عصير ايه.. يارب مانجا."
أضاف سريعًا وهو يشير لهم بإهتمام متلهف:
"قولوا يارب"
قالها وهو يتوجه سريعًا. وقد تعالت ضحكاته عندما سمعهم يرددون بصوت واحد مرتفع خشن رجولي:
"يــــــــارب!!"
قالها الجميع حتى "غسان" الذي أخذ يرحب بهم بسعادة وهو يشاكسهم بالحديث مع ترحيب "بسام" بهم هو الآخر. ووسط الحديث المبهج والمفرح من كل منهم للآخر على مناسبة "غسان". صوت الرجال الخشن كان له صوت عالٍ وصل إلى شقة "نيروز" التي علمت سريعًا ما الأمر من إرسال "غسان" لها رسالة سريعة وهو يجلس بينهم!!
مر الوقت الذي يعد ليس قليلًا. كانت تنتظر "عايدة" في الخارج وللمرة التي لا تعرف عددها بين لحظة والأخرى تهزمها دموعها على كل ما حدث. كل ما يحدث لولدها وما فعله زوجها وحتى حالة ابنتها والآخرة وضع "فريدة".
لحظات وجع بين لحظات سعادة ويتوجب عليها العيش والتأقلم كما توجب على غيرها ممن حولها!!
قسم الشرطة داخل غرفة التحقيقات. وقفت "فريدة" قبل وقت تتحدث بكل ما لديها وما حدث لها من كتلة الشر "شريف" الذين أخذوا أقواله ثم عادوا به إلى "الحبس" قبل تعرضه للنيابة وذلك بعد عدد من التحقيقات الأخرى ليتصعد الأمر أكثر. تجمع في الغرفة الجميع حيث بعضهم كان من الشهود وبالأخص سكان المبني الذي كان يستأجر به "شريف" الشقة. و"عز" الذي يعد أحد الشهود مع "فريدة" و"حازم" و"جميلة". حيث تعد شهادته عامل مهم لأنه بالفعل شقيق "شريف". "شريف" الذي علم عن ما قاله من قضية في الماضي الكل. وتيقن "حازم" بالفعل بأن والده على مشارف الطلب للتحقيق معه بعد ساعات معينة. للوقوف أمام "شريف". وإن اعترف فسيسجن هو الآخر وتتصعد القضية إلى النيابة. موضع صعب لكل منهم في هذه اللحظة وحتى قبلها والتي انتهت الآن بخروج "حازم" ومعه "فريدة" للخارج. حتى تبعهم "عز" الساكن وبجانبه "فرح" التي هتفت بإسم "جميلة" لتوقفها. وقفت "جميلة" تبتلع ريقها بصعوبة ثم التفتت لهم بعد أن وقف شقيقها وشقيقتها على بعد منها. وقف "عز" بانكسار وهو يراها تقف من أمامه مرددة بنبرتها الضعيفة التي ألمته هو عندما قالت للآخر:
"نعم؟ لسه عايزة تأذيني تاني ولا كفايه كده؟!"
لم تتمسك لآخر حديثها بل أدمعت عينيها بآخره وهي تحرك أنظارها نحو "عز" الموجوع. هزت "فرح" رأسها نفيًا. وقد هتفت تجيبها بإختناق تتوسلها:
"سامحيني يا جميلة. صدقيني أنا مكنتش أعرف كل ده وخوفت والله العظيم أنا مش بكرهك. سامحيني أنا مليش ذنب في كل اللي حصل ده و."
وبترت جملتها وحتى حديثها عندما عنفتها "جميلة" وهي تقاطعها بشراسة لم تخلو من اللوم المنكسر:
"لأ يا فرح ليكي ذنب. انت السبب الكبير في إن كل ده يحصل. سبب في وجعي وكسرتي دلوقتي. سبب في إني فعلاً كنت رايحة أضيع نفسي بإيدي عشان أخوكي يتبسط. وكل ده وأنا الغبية المغفلة. كل شوية بقول لنفسي وأنا بتخيلك قدامي.. "ليه؟" كلمة من ٣ حروف وجعتني وأنا اللي طول عمري ما أذيتكش حتى بمجرد الكلام لا من قدامك ولا من وراكي. انت اللي فهمتيني وحسيتي بيا وكمان عارفة أنا عندي إيه وحياتي إزاي. مش معقول بعد كل ده تكسريني بالشكل ده. انت خذلتيني أوي وأنا والله مستحقةش منك كل ده. عشان أنا طول حياتي في جنب مبجيش جنب حد عشان يحصل فيا كل ده. مكنش ليا ذنب إن أبويا يكون سبب كبير في اللي حصل لأختكم زمان. ومكنتش أعرف زي المتخلفة إن ممكن شريف أخوكم يعمل حاجة زي دي. مكنش عندي الفضول اللي يخليني أعرف سبب المشاكل اللي بينكم. حبي ليكم كان كفاية يخليني معاكم طول ما انتوا كويسين ومعايا. أنا عملت فيكم إيه؟ أنا أستحق ده؟"
تارة تلوم وتارة توبخ وتارة أخرى شراسة ولكنها انتهت ببكائها الذي ظهر في نبرتها. كادت أن تبرر لها "فرح" بلهفة كبرى من بين دموع عينيها فأشارت لها "جميلة" بأن تتوقف تزامناً مع قولها المخذول تقسم الأخرى بأنها سمعت صوت تهشيم قلبها منها هي حتى تؤخذل منها بهذه الطريقة الموجعة:
"أنا مش عايزة أسمع أي حاجة لو سمحتي. إنسي إن كانت في حياتك واحدة اسمها جميلة من الأساس عشان أنا مش قادرة أعدي اللي عملتيه فيا. مش قادرة أنسى المشهد كله وكل اللي حصل. غصب عني بس أنا مش قادرة. انت بقيتي غريبة يا فرح. عشان كده بعد إذنك سيبيني أنهي اللي بيني وبين أخوكي بكل هدوء عشان أمشي."
نظرت "فرح" نحوها ونحو "عز" الذي كسر قلبه للمرة التي لا يعرف عددها. نظرت بأسف وهي تنسحب ببطء ولم تغفل هي عن نظرات "حازم" و"فريدة" الحادة لها. خاصة "فريدة" التي حدقتها بإشمئزاز كلما تذكرت ما فعلته وكلما تذكرت أنها شقيقة الحقير من الأساس!!
أما "عز" فوقف ينظر لها بصمت، كاسر وقد هربت الكلمات منه، بينما طالعته هي بأسف، حتى نبست بمختصر ألم قلبها له رغما عنها ودموعها تهبط بلا توقف، حتى أنها لم تعبأ بمن حولها، بل ووقفت هي بركن بالخارج ليس به أحد، لذا كان الحوار بينهم فقط وعلى بعد من تبعها.
"أنا آسفة يا عز، صدقني أنا حاولت، حاولت عشان أدي فرصة لعلاقتنا بس لقيتها مقفولة من كل زاوية، أنا عارفة إنك مش زيهم، عارفة إنك حاجة عدت عليا ومش هتتكرر على قلبي تاني، يعز عليا فراقك بس والله العظيم مش سهل علينا كلنا اللي حصل!"
تردف الحديث بدموع منهمرة حتى هبطت دمعته هو الآخر واستجمع شتاته عندما أخرجت "دبلتها" من يديها، ثم خاتمها الآخر وهي تمد يدها بهما له، لم يرفع يديه بل حاول التماسك هو يردد لها بضعف ناظرًا على لون ملابسها:
"هتفضلي أحلى واحدة بتلبس أبيض حتى لو غيرتيه للأسود، هتوحشيني يا جميلة، هتوحشيني عشان قلبي عمره ما شاور على غيرك وسط كل البنات، عارف إن الظروف والدنيا خلتنا كده دلوقتي، بس والله العظيم أنا لسه عايزك لآخر نفس فيا، كان نفسي أبررلك إني مظلوم من كل حاجة، بس اللي يوجع بجد إنك فاهمة ده وبرضه لازم نسيب بعض عشان الظروف حكمت بكده، وأنا مقدر ده، بس قوليلي هتأقلم إزاي من غيرك؟ هعيش إزاي وأنا اللي كنت بحلم بأمنية وفكرت إنها اتحققت ومش هتروح وفلحظة كل حاجة راحت!"
ردد حديثه بألم، ولم تستطع التماسك هي أكثر، أمسكت كفه تضع به ما بيديها بوهن، ثم قالت من بين حديثها الضعيف له رغما عنها قبل أن ترحل وتتركه:
"تستاهل حد أحسن مني بكتير يا عز، تستاهل حد على الأقل أبوه مظلمكش وظلم عيلتك في يوم، أنا آسفة بس غصب عن عين قلبي مش هقدر، مش هقدر عشان أختي وعشان حاجات كتيرة، وافتكر إن اللوم ميترماش علينا اللوم كله على الدنيا وعلى اللي حوالينا، وعلى اللي وصلنا للحظة المتعبة دي."
ابتسمت بألم وهي تبتلع ريقها بوجع، ثم أضافت سريعًا كي لا تترك له الفرصة للرد بحديث يفتك بقلبها:
"مع السلامة!"
قالت حديثها ثم هربت سريعًا ورحلت وتركته ينظر بأثرها بألم، وقد هبطت منه دمعة ثانية، كالجسد الخاوي، لا يستطيع أن يثور أو يصرخ الآن، كل ما عليه فعله أن يصبر على أعباء الحياة ووجعها كما اعتاد، ولكن تلك الضربة هذه المرة كانت بقلبه هو، أي صمت وأي سكون، تحاشى النظر إلى "حازم" الذي وقف بتعب هو الآخر وهو يتابع ما يحدث، في حين تعمد "عز" الهروب منه ومن كل ذلك عندما أشار لـ "فرح" بعينيه لترحل خلفه بسكون، فقد قاطع الحديث معها منذ آخر مواجهة.
أما "جميلة" فمسحت دموعها متحلية بالثبات، وهي تهز رأسها لهما، احتضنها "حازم" باحتواء، وقد ربتت عليها "فريدة" بمواساة هي الأخرى ولم تعطهم "جميلة" فرصة للحديث بل أشارت لهم قائلة بسرعة رغم اختناق حديثها الذي يدل على عكس ما تحاول أن تتحلى به:
"يلا عشان منتأخرش على نيروز.. هسبقكم على العربية!"
تجهزت شقة "سمية" بجهاز "نيروز" بالكامل، وقفت النساء بركن بعيد، حيث أتت "دلال" و"وسام" لهن بشقة "سمية"، وقفت "نيروز" بعدما تجهزت بملابس تليق بالمقابلة والاستقبال، كان حديث النساء والفتيات جانبي، إلى أن جاءت اللحظة المنتظرة ودق جرس المنزل الذي يوحي بقدوم الشباب أجمعهم من الشقة الجانبية، حيث سبقت "دلال" وابنتها وتبقى "حامد" و"غسان" وأصدقاؤه وشقيقه، دق جرس المنزل فأول من توجه كان "بدر" الذي فتح الباب على وسعه ومن ثم ظهر له "غسان" والشباب مجتمعين ببهجة كبرى، دخل الجميع يقف في الصالة وهم يرحبون بـ "بدر" وصوتهم يملأ المكان، في حين وقفت "نيروز" على بعد بجانب "وسام" و"ياسمين"، اتجه لها "حامد" سريعًا ثم وقف أمامهما يبتسم باتساع وهو يفتح ذراعيه لها قائلاً بحنان:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدكم ويكمل فرحتكم دي على خير!"
احتضنته "نيروز" بتأثر وحرج، كونها لاحظت أن بعض الأنظار عليهما، ردد "غسان" سريعًا وهو يتوجه لهما أمام أنظار الشباب:
"كما تدين تدان يا حامد، فـ سيب مراتي بقى!"
قالها وهو يفصلهما عن بعضهما فصفق له الشباب بحرارة، بالخصوص "شادي" الذي هتف بصوت عالٍ مبهج:
"وسع الطريق يبني عشان أبو الغساسين داخل!"
ضحك الشباب بقوة وقد أخذوا كل منهم الوضع ليحملا الأشياء، حتى وقفت "سمية" بجانب "دلال" تتابعهم وقبل أن يتحرك أحد هتف "غسان" سريعًا وهو يشير لهما بالتوقف:
"استنوا حازم بيركن العربية تحت!"
"حبيبنا نستناه ومالو!"
قالها أحد الشباب، فوقف كل منهم يتحدث بحديث جانبي للآخر، ووقف "حامد" يطمئن على حالة "ياسمين" التي كانت تظهر عكس ما يجري بداخلها، في حين وقف "غسان" يطالع "نيروز" بصمت، والمشاعر المتضاربة بداخله لا يفهمها ولكنه شعور جيد، كانت تتحدث مع "وسام" بلطف، فحركت عينيها بعشوائية حتى وجدته ينظر لها مبتسمًا، توسعت ابتسامتها ثم تساءلت بهدوء:
"سرحان في إيه؟"
نظر لها "غسان" بسكون ثم سرعان ما غمز لها مرددًا باختصار:
"في الست وكلام الست!"
ضحكت هي بخفة وهي تضع يديها على وجهها ثم نظرت له باستنكار على وضعهما وحديثه حينما رددت باستفهام مشاكس:
"وكانت بتقول إيه بقى؟"
"أول ما قابلتك واديتك قلبي يا حياة القلب.. أكتر من الفرح دا محلاه.. أكتر من اللي أنا فيه مطلبش..!!!"
كانت الكلمات من إحدى أغانيها ولحسن الحظ كان حديثه متوافقًا مع المناسبة التي تخصهما الآن، طالعته بإعجاب، ثم غمزت له خلسة مرددة بخفوت:
"يا خسارة ضاعت عليك بوسة الخد، يلا مردودة!"
قصدت بأن تستفزه، بل وضغطت على نقطة حصره الآن بين التجمع، لا تعلم هي بأنه اعتبره تحديًا منها، وللحركة الجريئة انحنى هو سريعًا يقبل وجنتيها على سهوة حتى فتحت عينيها على وسعها، فعلها وسط انشغال الجميع، وأول من لاحظت فعلته كانت "والدته" التي ضحكت بخفة وهي تحاول لهي "سمية" قبل أن تنتبه لفعلته، حدجته "نيروز" بغيظ، ثم دفعته عنها بضيق واضح مرددة قبل أن ترحل من جانبه:
"هتفضل قليل الأدب كده طول عمرك مش هتتغير!"
قالتها محاولة أن تتخلى عن خجلها فقد تعتقد بأن الجميع انتبه لفعلته، أمسك كفها سريعًا قبل أن ترحل ثم وضع به "دبلتها" التي خلعتها وكانت ما زالت معه، رفع يديها اليسرى ثم ألبسها إياها في إصبعها وهو يقول:
"حاجة زي دي تتنسى إزاي يا روزة.. لو اتقلعت تاني هقلعلك دماغك!"
نظرت له بغير تصديق من آخر حديثه فوجدته يؤكد برأسه ما قاله وسرعان ما تحركت رأسه سريعًا لتهليل الشباب عندما دخل "حازم" مع "عايدة" وابنتها و"فريدة".
"المــــتـــر الغــالي!!"
قالها بعض من الشباب الذين تربطهم علاقة صداقة معه منذ فترة وليس الجميع ولكنه رحب بهم بسعادة من رؤيتهم وقد لاحظ هو انتظارهم له، تحركت عينيه نحو "غسان" الذي وقف ينظر عليه من على بعد، ثم غمز له الأخير وكأنه يفهم معنى نظراته، التفت "غسان" برأسه عندما وجد "نيروز" تحتضن "جميلة" بعمق وتأثر، بل وأحضانهما لبعضهما قد استمرت لدقائق معدودة سمع هو بها قول "جميلة" الممزق الذي تخلل مسامعه عندما قالت بضعف محاولة التماسك كي لا تنهار في هذه المناسبة:
"سبته! سبت "عز" يا نيروز غصب عني!"
ابتلع ريقه وهو ينظر على "نيروز" تربت على ظهرها بمواساة تحثها على التماسك، بل وذهب تفكيره نحو وضع "عز" الآن، تفاجئ بـ "شادي" و"بسام" يسحبانه لمنتصف الصالة وقد تعمد "حازم" تشغيل هاتفه على إحدى الأغاني ليوصلها بسماعات الصوت العالية، قد فعل هو ذلك تعمدًا، حيث لم يفعلها أي منهم احترامًا لوضعه هو وشقيقاته ووالدته.
تعالت الضحكات ببهجة ورقص "حازم" مع "غسان" الذي اندمج في الرقص ومعه الشباب وحتى انخرط "بسام" هو الآخر وهو يتراقص مع "بدر" و"شادي" وحتى.
حامد أمسك كف غسان يتراقص معه.
في حين أمسكت نيروز أيدي جميلة لتخفف عنها وتخرجها عن الوضع الذي هي فيه. وقفت عايدة ودلال وسمية ينظرن بسعادة بالغة على الصالة التي ازدحمت بمثل هذه البهجة البالغة. حيث أمسكت وسام كف وردة للتراقص معها بهدوء، هي الأخرى.
كان هناك اثنان يقفان فقط دون رقص، بل واحدة تتابع بتأثر. وكانت ياسمين التي تعمدت تجاهل وجود حازم. والأخرى وقفت تنظر وتتابع رغما عنها بسبب ما حدث لها، وكانت فريدة التي شعرت ومازالت تشعر بأنها لا تستحق مشاركتهم في هذه المناسبات. تفاجأت فريدة بشدة عندما توجهت إليها ياسمين وهي تمسك يديها بهدوء، وهي تبتسم. ثم انحنت تهتف بجانب أذنها كي يصل إلى مسامعها صوتها إثر صوت الأغاني العالي:
"ممكن ترقصي وتشاركينا؟ أنا نسيت كل اللي فات وعاوزاكي تنسي ونبدأ مع بعض صفحة جديدة."
كان طبيعيا خروج مثل هذا الحديث من هذه الشرسة صاحبة القلب اللين. لطالما كانت دائما صاحبة قلب هادئ لا يحمل بداخله شيئا، عكس طبيعة نيروز، وحتى وردة التي تأخذ جانب ومن ثم تعود وكأن شيئا لم يحدث. تأثرت فريدة بشدة حتى أنها تشبثت بكف ياسمين وهي تتوجه لتقبل قمة رأسها مرددة بعمق:
"أنا آسفة يا ياسمين، سامحيني!"
حركت رأسها باطمئنان لها، وقد سحبت كفها لتجعلها تتراقص بخفة. كان رقص الفتيات غير خادش للحياء، فقط رقص هادئ. ولم تتحرك ياسمين إلا بحذر، حيث لم تتناسى هي كونها حامل. تفاجأت هي بمن يفصلها عن فريدة وسط كل ذلك الرقص. ابتسم حازم لفريدة وهو يشير لها، ففهمت هي ما يفعله. حيث توجهت جميلة تتراقص مع فريدة، في حين سحب حازم ياسمين خلفه نحو الداخل، ومن ثم أغلق بعدها باب غرفتها خلفه. التفت يطالعها بغيظ وخوف بآن واحد، ثم قال بتعنيف:
"بترقصي وإنت حامل؟ مش خايفة على نفسك وعلى اللي فـ بطنك؟"
كانت ساكنة هادئة، لم تخرج عليه شراستها وكأن طاقتها استنزفت. ابتلعت ريقها بهدوء، ثم هزت رأسها نفيا تجيبه بسخرية مؤلمة:
"لسه فاكر تخاف عليا دلوقتي؟ ده مش رقص، أنا كنت بحاول أخفف عن فريدة، لكن انت الدور والباقي عليك انت!"
صمتت عن الحديث حتى خرجت نبرتها المتحشرجة وهي تلومه:
"انت حتى مدتنيش فرصة أكون جنبك وإنت فأصعب أوقاتك. مخلتنيش معاك وسيبتني وأنا هنا منهارة من العياط في إن وضعك عامل إزاي دلوقتي. مكنش زعل منك قد زعلي عليك. شوفتك مكسور ولسه شايفاك مقهور وبتحاول تبين عكس ده عشان إخواتك ومامتك. مكنش لازم تسيبني بالطريقة دي، حتى وأنا حامل معملتش حساب أنا هتعب إزاي عشانك وإنت عارف إنك أغلي حاجة عندي. انا كل اللي قاهرني إنك قسيت عليا فوقت وجعك وأنا اللي موجوعة عشانك إنت. انا يمكن أكون غلطت وغلط كبير لما خبيت عليك، بس متحملنيش ذنب كل اللي حصل وتظلمني وأنا اللي مش عارفة أفكر غير فيك وفوجعك!"
سمع وأنصت جيدا لها، وأغمض عينيه بألم، ثم فتحها يواجهها بضعف:
"أنا تعبان، تعبان أوي يا ياسمين، ومش قادر، بس غصب عني لازم أقف زي الجبل وميأثرش فيا حاجة. لكن والله العظيم الجبل ده وقع، وقع ومعتش قادر يقوم من تاني بسبب كل ده. أنا تعبت، تعبت أوي!"
أعلن انهياره هو أمامها، بل وبكى بكاء وصلها هي حتى ألمها. نزلت دموعه بتعب، فاحتضنته هي وهي تضمه إليها بكسرة واضحة مرددة بنفس نبرته الباكية:
"أنا آسفة يا حازم، حقك عليا من كل ده. آسفة على اللي حصل مني وأسفة على كل اللي بيحصلك حتى لو أنا مش سبب فيه. بس متعملش فنفسك كده!"
لم يقوى على المواجهة مرة أخرى بالحديث. كفى ألم إلى ذلك. شعور الراحة في أحضانها لم يتذوقه منذ وقت ومنذ ما حدث. بل ويقسم هو بأن وجودها الآن بجانبه خفف عنه ولو ذرة. ربت على ظهرها بوجع، ثم تنهد يأخذ أنفاسه ببطء مرددا باختناق:
"بلاش عياط بقا كفاية عشان صحتك وحملك. أنا هنسى اللي عملتيه بس صدقيني مش عارف حتى أقعد فالبيت من غيرك. كل الأماكن كئيبة من غيرك يا حب العمر!"
قصد بأن يلين من أجلها ومن أجل صحتها. خرجت من بين أحضانه وهي تبتسم، ثم رفعت أنظارها تطالعه فوجدته يرفع أنامله يمسح دموعها متحدثا مرة أخرى بهدوء:
"أنا مش عاوز دلوقتي غير الهدوء وراحة البال. ليكي وليا ولأمي وإخواتي. أنا هضغط على أمي تيجي تقعد معانا تاني هي وإخواتي رغم إنها رفضت وأنا جاي وقالتلي إنها مش هترجع، بس أنا مش عاوزها تقعد هنا بقيت خايف من كل حاجة، حتى خايف على فريدة تقعد لوحدها. كل اللي عاوزه منك إنك ترتاحي عشان الحمل وعايز علاقتك بفريدة تتحسن. إنت مش هتصدقي هي فرحت إزاي لما عرفت إنك حامل ولا وهي كانت بتترجاني أصالحك. عاوزها تتغير بيكم وبوقوفنا جنبها. عارف إنك قلبك طيب وصفيتي من ناحيتها، بس أنا مش هسيبها هنا من غير ما أتأكد فعلا إن نيروز كمان مسامحاها ومش متقلة منها. وحتى وردة وكل اللي موجودين!"
تفهمت ما يشعره تجاه شقيقته وما تشعره هي من أنها عبء. ابتسمت له باطمئنان، ثم أردفت ترد على حديثه بهدوء:
"أنا عارفة كويس كل ده وحاسة بيكم. أنا مش عندي أي مشاكل إنهم يقعدوا معانا. وفريدة أنا حاسة بيها وزعلانة علشانها، بس زي ما زعلانة فأنا نسيت كل ده قصاد نظرتها الموجوعة دي. أنا مش شايلة منها صدقني. وحتى وردة كمان مش بتكرها، بتحبها ومسامحاها على فكرة، وكمان نيروز لو لاحظت إنها خدت جنب منها، بس هي أكيد هتسامحها دا لو ما خرجتش ولقيتهم بيرقصوا مع بعض. لأن صدقني نيروز مش بتكرهها بس متستناش منها دلوقتي إنها تكون مكانتها عندها زي جميلة. إنت عارف هي عندها إيه، بس لو عليها فهي مش وحشة عشان تكرهها. إحنا هنا أقوياء ببعض يا حازم وهنعدي كل وحش وإحنا كلنا مع بعض وجنب بعض وكمان وإحنا بنكبر وبنزيد!"
قالت حديثها بأمل، وحتى في آخره وهي تلمح لحملها وحتى زواج نيروز من غسان. ابتسم بسعادة متألمة لما تفهمته من حديثه. اعتدلت بوقفتها، ثم توجهت تقبل قمة رأسه بحب، فضمها إلى صدره بأسف لما شعرت به وهي في وضعها ذلك. وجدها تخرج من بين ذراعيه، ثم حثته قائلة بهدوء:
"يلا نطلعلهم!"
أومأ لها بالإيجاب، فخرجت وهو بجانبها. وفر هو سريعا وهو يرى الشباب تتجهز لتصعد بالأشياء. لاحظت سمية ابتسامتها الواسعة، ففهمت ما حدث جيدا. بدأ الشباب في حمل الأشياء، وحتى غسان الذي أعطى المفتاح لوالده ليصعد هو في المصعد ليفتح باب الشقة. في حين سيكون الصعود على السلم لأربعة أدوار أخرى، وهم بالفعل في الطابق الثالث، ليصبح ما يصعدانه هو الطابق السابع. خرجوا واحدا تلو الآخر، وقد سبقت سمية لتصعد هي الأخرى في المصعد بحذر، ومعها دلال ووردة ووسام التي ابتسمت للفتيات قبل أن تصعد. تبقت نيروز تنظر على من يحمل الأشياء هو الآخر، وكان آخرهم شادي الذي ابتسم لها باتساع هو الآخر، ثم تساءل عن مجهول وهو يقول:
"علمتيلى الخدمة اللي قولتلك عليها؟ قولي أه بقا دا أنا طالع عين أمي عشانكم اهو!!"
هزت رأسها بتأكيد، وقد خرجت ضحكتها عندما سمعته يدعو لها ولصديقه، وقد حمل ما بيديه وهو يحرك أنظاره نحو من تلفت الجميع بجمال ملامحها فريدة، التي نظرت أرضا وهي تقف بأحد الأركان. حرك نظراته سريعا وهو ينحني ليحمل ما عليه حمله، ثم خرج من باب الشقة، وقد خرج من بعده شابين وهما يحملان هما الآخران من جهازها. تبقت ياسمين وهي تقف تتحدث مع جميلة بمشاكسة كي تخرجها من حالة حزنها، في حين توجهت نيروز هذه المرة، ثم وقفت أمام فريدة بهدوء وهي تقول على فجأة:
"أنا مبسوطة بس هتبسط أكتر لو محستيش إنك تقيلة علينا. أنا مسامحاكي على فكرة وعشان كده عاوزاكي تعتبري نفسك زي وردة وياسمين. عاوزين ننسى اللي فات فعلا ونبدأ من جديد. موافقة؟"
ابتسمت فريدة بتأثر، وقد أدمعت عينيها عندما احتضنتها نيروز. تيقنت ياسمين بأن شقيقتها لم تأخذ الطباع الجريئة من غسان فقط، بل امتزج لين قلبه بها، وقد أخذت منه الإحتواء بعد إن كانت لم تتهاون لفترة معينة.
لاحظن الفتيات وقوف زينات على أعتاب باب الشقة المفتوح. زينات التي لم تغفل لها عين منذ أمس، وظهر ذلك على عينيها وحتى ملامحها المرةقة بالحزن على ابنتها فقط.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها ولم تتحرك نظراتها من على "فريدة" التي تعمدت أن تتجاهلها. لحظة صمت ولم يتحدثن بشيء. بينما تخطت "زينات" ودخلت حتى وقفت أمام أنظار "فريدة".
علمت بأنها موجودة عندما سمعت كل هذه الأصوات، وخاصة صوت "عايدة" و"حازم"، وزغروطة الأولى وحتى الفتيات. علمت بأن شيئاً كهذا لم يتركها "حازم" التي عاشت تنبذه. تنهدت تأخذ أنفاسها بوجع، ولم يخرج منها سوى سؤال واحد تستعلم منه عن حالها وهي تردد:
"عامله إيه يا فريدة؟ كويسة؟"
الآن تسأل عن حالها؟ ماذا لو أجابتها بصدق؟ وقالت لها بأنها منكسرة حزينة لا تقوى حتى على الوقوف الآن، ولكنها مرغومة بل وحثت نفسها على أنها لديها الفرصة بالفعل! حركت رأسها بخفوت أمام الأنظار. وقد بقى القليل من الأشياء الذين يهبط لها بعض الشباب من أصدقاء "غسان" ليأخذونها دون صوت حتى يصعدوا بها مجدداً.
ابتلعت ريقها بوهن، وقد حبست دموع عينيها وهي تبرر لها بخزي:
"سامحيني علشان خاطري يا فريدة، لو بتحبي أمك سامحيها وحسي بيها وبوجعها علشانك يا بنتي!"
لم تصدق أي من "نيروز" و"ورده" وحتى "ياسمين"، و"جميلة" لخروج كمثل هذه الكلمات المخزية من فم "زينات". ومهما فعلت فهي أم بالنهاية. وأي أم تظل عمياء إلى حدوث هذه اللحظة والحادثة الموجعة لهم جميعاً، وخاصة هي "فريدة" التي هبطت دمعتها بضعف، وهي تلومها مرددة بتعنيف خرج ضعيف لها:
"وإنتِ محستيش بيا ليه؟ محستيش بيا من زمان ليه وأنا ما كنتش عاوزة منك غير حضن بس يهون عليا قسوة الأيام وقسوة أبويا؟ كل حاجة عندك كانت موافقتك على طلبات مرفوضة من غير حتى ما تهتمي أنا كنت إزاي وحالتي إيه. سبتيني وحيدة معرفش أي حاجة. بشحت اهتمام وحنان من برا عشان اتحرمت منه منك ومنه هو. هو اللي هيتسجن قريب عشان ياخد جزاءه من غير أي ذرة شفقة فيا من نحيته. لكن انتي.. انتي هتاخدي جزاءك إزاي من كل اللي عملتيه فيا وفيهم وفكل حد مسبتوش يتهنى بحاجة بتحصل؟!"
بكت، وكما بكت بكت والدتها. انهارت "زينات" في البكاء وهي تحرك رأسها بنفي قوي حتى رددت سريعاً بنبرة مندعة أتت من وجعها عليها:
"لأ، لأ أنا أخدت جزائي والله العظيم أخدته فيكي وفاللي حصلك. أنا مش قادرة حتى أرفع إيدي أحضنك من كتر وجعي وأسفي وندمي. ياريتك تحسي باللي أنا حاساه. محدش هيحس بيا غير لو كان أم واتحط في مكاني. قلبي قايد نار علشانك. موجوعة ليكي. مبنامش ولا عارفة أعمل حاجة غير إني بفكر فيكي وفتعبك!!"
نزلت دموع "فريدة" بكثرة. ولا يعرف للدموع طريق محدد. هي التي كانت ومازالت ضحية كبرياء، وحتى وإن فعلت أشياء خطأ بإرادتها في البداية. ولكن أتت النهاية بأنها بالفعل ضحية! ماذا فعلت لك وللحياة؟ كي يحدث كل ذلك بكل ألم دون شفقة أو رأفة بحالي؟ سؤال منها هي لكل من ظلمها. وجدتها تهتف مرة أخرى بترج موجع، وبكل لهفة رددت لها:
"إديني فرصة، فرصة واحدة وبس تكوني معايا وفحضني من تاني!! وهعوضك والله هعوضك عن كل وحش شوفتيه فحياتك. بس تعالي، تعالي فحضن أمك اللي موجوعالك علشان خاطري!!"
نبرتها المترجية للصدمة الكبرى أثارت عاطفة "نيروز" وشقيقتها وحتى شقيقتها الأخرى. وحتى "جميلة". وكان الرد القاسي من "فريدة" عندما نفت بقوة وهي تبتلع ريقها ومن ثم أجابت بعنف في حديثها:
"متستحقيش الفرصة!!! عارفة ليه؟ علشان أنا مخدتش أي فرص منك ولا منه فحياتي. أنا اللي عايشة براحتي بس كنت مغصوبة على مرضكم ده. لحد ما خليتوني وحشة زيكم. عايشة أكسر فاللي حواليا من غير ما أفكر زيكم. هو اللي بكسره ده يستحق ده ولا لأ. ما كنتش أستحق. وزي ما ما كنتش أستحق ما كنتيش نيروز ولا ياسمين ولا وردة يستحقوا الكره ده ليهم. ولا حتى جميلة وحازم اللي شوفت فعيونهم حب أكتر منك ومنه. انتِ ست ظالمة زي ما جوزك راجل ظالم ومحدش فيكم يستحق فرص من تاني!!"
بكل قسوة شديدة رمت عليها الحديث ولم تتوقف إلى ذلك، بل أكملت بكل شدة وهي تضيف:
"وعلشان كده بقولك لأ. لأ مش هرجع لحضن أمي. أو هرجع بس لأم تستحق فعلاً. أم عاشت تنصحني وتنصح عيالها بإنهم يحبوني ويحترموني مهما حصل. أم اتظلمت كتير بسببك وبسبب جوزك. أم مخلفتنيش بس خلفت إخواتي اللي من دمي واللي وقفوا جنبي هما وأمهم رغم كل اللي حصل. هي قالتلي. قالتلي إن أنا بنتها فريدة أخت حازم وجميلة. لكن انتِ يا أم حسن ملكيش فرص عندي. أنا اسفة!!!"
وقفت بعد أن قالت حديثها ذلك. وقفت تنظر بكسرة. حديثها رغماً عنها بل وللمفاجأة تود أن ترمي بأحضان والدتها الحقيقة. ولكن ما فعلته معها منذ أن أنجبتها إلى الآن لم يغيب عن بالها. هناك من وقفا على أعتاب باب الشقة ولم يكونا سوى "غسان" و"حازم" اللذان هبطا فقط للإتمام على انتهاء الأشياء بالفعل وبقى الآخرين لتعديل الأشياء أكثر. وقف "حازم"، بصمت، بعد أن دخل هو و "غسان". ثم سمعا هما والآخريات صوت "زينات" الباكي وهي ترد على حديث ابنتها القاسي:
"بس أنا اللي أمك مش هي!! أنا اللي خلفتك وحبيتك حتى لو معرفتش أعبر عن حبي بس ندمانة. أنا اللي هحس بيكي وهتقهر علشانك ومحدش هيحس نفس اللي أنا بحسه ولا حد هيحبك أكتر مني... عندك حق أنا أم حسن فعلاً. بس حسن اللي أنا بردو ظلمتك زي ما ظلمته بس هو فين الوقتي؟ وحتى إنتي؟ أنا محدش باقيلي غيركم وحتى هو باعني وعرفت إني مش مهمة عنده. لكن إنتي.. إنتي الوقتي الحاجة الوحيدة اللي فيها أمل ليا. سامحيني. سامحيني وحسي بيا لو بتحبي أمك!!"
تترجاها للمرة التي لا تعرف عددها. تلك المغرورة التي عاشت تقسم هي بأن لو كان أحدهم سيردد لها بأنها ستقف أمامها بمثل هذا الخزي لأنكرت! نظرات المواجهة صعبة، خاصة عندما ننتظر الأمل في جواب أحدهم ومن ثم... ماذا يحدث؟ تكسر مجدداً عندما يختفي الأمل منهم ويحل محله الخزي والعار والندم كمثل هذه اللحظة عندما أصرت الأخرى على قسوة قلبها عندما أجابتها بنفي قاطع:
"أنا مش باقية لحد بعد النهارده غير اللي بيحبني فعلاً وواقف جنبي. أنا معادش عندي حاجة أحافظ عليها وأعينها. كل حاجة راحت مني وآخرهم انتِ وانتِ واقفه هنا تترجيني أسامحك بس بكل قسوة برفض. عارفة ليه؟ علشان متسأليش أنا جبت القسوة دي منين. أصل كلها منك ومنه. منكم. ودلوقتي أنا خسرت. خسرت نفسي بس هقدر أقوم من تاني عشان دا أنا.. لكن لما اخسر أبويا الظالم هرجعه تاني إزاي؟ لما أخسر أخويا اللي عيشت مشوفش منه غير كره بردو. وهو اللي المفروض يقف جنبي عنهم ويسندني. هرجعه بردو إزاي؟ وحتى إنتي وأنا مش عارفة أسامحك بس مش عاوزة أخسرك. هسامحك بردو إزاي؟"
تحدثت "زينات" بلهفة سريعاً مرة أخرى تترجاها للمرة الأخيرة:
"طب لو مش عاوزة تخسريني إديني فرصة. فرصة بس وحياة أغلى حاجة عندك بلاش عشان خاطري أنا!!!"
"معنديش حاجة غالية بعد النهارده. وأنا للأسف اللي ضيعت أول حاجة. بعدها ضاع مني كل شخص كان السبب فكل ده بطريقة مباشرة وغير مباشرة. فـ لا مفيش فرص. عشان أنا لما هبدأ من جديد مش عايزة حد من الماضي الموجوع ده يفهمني إنه كان السبب فحاجة حصلت أنا بحاول أتعافى منها. إمشي."
سكنت "فريدة" عقب قولها ثم أكملت وكل الأنظار لها وعليها:
"..إمشي ومتجيش تاني عشان مش هتلاقي غير الرفض انتي وجوزك وابنك.. إمشي وسيبني فحالي بقا!"
لم تجد سوى الرفض. رداً على كل ما فعلته لها بحياتها. وقفا بخزي من نفسها وللصعوبة القاسية آخر ما فعلته قبل أن ترحل أنها نظرت لـ "حازم" نظرة مترجية له بأن يجعله يسامحها ولكنه هرب بأنظاره منها متخلياً عن ما تريده. بل توجه ليضم "فريدة"، وهو يهدهدها. أما الأخرى فخرجت من الشقة بأكملها وحيدة لا تشعر إلا بالخزي والإنكسار.
أدمعت عيني "ورده" بتأثر، في حين وقفت "نيروز" بتعب.
إلى أن وقف بجانبها "غسان" رابتاً على كتفها بحنو.
خرجت "فريده" مبتسمة بألم من بين ذراعي "حازم" ثم قالت هروباً من الأنظار:
"أنا هطلع لهم عشان لو محتاجين حاجة فوق. حد هيجي؟"
"أنا هاجي معاكي.. استني!"
قالت "ورده" حديثها سريعاً. فابتسمت لها "فريده" وهي تومئ لها. وسرعان ما هبط الشباب بأجمعهم ومعهم "بدر" و"بسام".
في حين توجه "حازم" يقف أمام "ياسمين" وهو يردد لها بلين:
"ادخلي غيري عشان نروح عند الدكتورة يلا!"
حركت رأسها بالإيجاب. ثم تحركت للداخل.
وقف الشباب ببهجة ثم تحدث كل منهم بالوداع لـ"غسان" كي يذهبون.
فتحدث "غسان" لهم بإمتنان:
"عقبال اللي متجوزش لسه واللي اتجوز عقبال عيالكم بقى. هشوفكم تاني في الفرح محدش يكنسل!"
إحتضنوه بحب. ثم وقف يودعهم وهو ينظر لهم، بعضهم يهبط على السلم والبعض الآخر في المصعد بعد أن ودعوا "حازم" و"بسام" بالفعل و"بدر" هو الآخر.
إلتفت "غسان" ينظر برأسه فوجد شقيقه واقف مع "حازم". فنظر هو تجاه "بدر" الشارد وبجانبه "شادي" الذي يعلم ما يتحدث عنه وهو يراه يتحدث مع "بدر" بخفوت:
"جاهز يا بدر؟ لو كلمتهم يلا بينا!"
رفع "بدر" نظراته نحوه وقبل أن يتحدث له بالإيجاب نبس بمعارضة طفيفة:
"ما تخليك يا غسان، المفروض تكون موجود في وقت زي ده. وهاخد أنا شادي أو بسام!"
تحركت عين "غسان" من عليه ثم نظر إليها وهي تقف من على بعد. ثم عاد ينظر إليه قائلاً بجدية:
"ملوش لزوم الكلام ده يا بدر. اسبقني على تحت وأنا هاجي وراك وشادي وبسام هما اللي هيفضلوا عشان لو حد احتاج حاجة على ما نيجي!"
لم يجد "بدر" سوى الموافقة عندما وجد نفاذ الصبر والإصرار منه. خرج يسبقه بالفعل إلى أسفل.
في حين طالع "غسان" "شادي" وهو يأخذ منه مفتاح سيارته و"بسام" بإهتمام. ثم قال:
"أنا همشي المشوار اللي قولتلكم عليه. خليكم معاهم فوق عشان لو في حاجة تتشال أو تتحرك من مكانها وإن شاء الله مش هتأخر!"
وافقه "بسام" في حين توسعت بسمة "شادي" وهو يهز رأسه بحماس مردداً بغير تركيز وهو ينظر خلف "غسان":
"أم عيون قناصة!!!"
إلتفت "غسان" برأسه حتى وجد "منه" تقف أمام باب الشقة تدقه. تخطاه "شادي" سريعاً ليتوجه لها.
في حين خرجت ضحكات "بسام" عليه مردداً لـ"غسان" بنبرة ضاحكة:
"شادي وقع بجد مش لعب عيال يا غسان!"
أكد "غسان" له وهو يهز رأسه ضاحكاً بخفة. وجد "نيروز" تتجه نحوه بعدما رحبت بـ"منه" وتبقت مع الأخرى "جميلة".
ابتسم لها "غسان" وهو يقف فردت له البسمة الواسعة. ووقف "بسام" يتابع النظرات فيما بينهما حتى قال بمرح:
"ألاقي فين حد لما أشوفه عيني تطلع قلوب زيكم كده!"
خرجت ضحكة "نيروز" الخافتة في حين أجابه "غسان" بمرح. ولم ينسى هو ما قد انتبه له وما يحاول شقيقه بأن يخفيه كي لا يعلم:
"هقولك بعدين.. شد من هنا بقى!!!"
تنحنح "بسام" بحرج زائف ثم توجه ليخرج من باب الشقة بعد أن أشار لـ"شادي" بأنه سيسبقه.
أما "شادي" فلم يترك "منه" تقف وحدها مع "جميلة" التي سعدت لرؤيتها. ردد هو بهيام لها وهي التي تحاول تجاهله:
"حاطة لينسيز على قنصاتك ليه؟"
خرجت ضحكتها الرقيقة وهي تلتفت بوجهها له مرددة بنبرة صريحة:
"عشان متقوليش يا أم عيون قناصة. كنت عارفة إن هاجي وألاقيك هنا لما نيروز كلمتني وعزمتني. هو أه أنا جيت متأخر بس عشان مشوفكش وبردو زي اللزقة موجود!"
لم تكمل الحديث دون أن تعكره. فالبداية سعد هو بشدة ولكن لم تكتمل فرحته هذه. ولحسن الحظ جعلت هي بحديثها "جميلة" تضحك.
هتف "شادي" باستنكار لها متصنعاً الحزن:
"وأنا اللي مستني أشوفك انت وعينيك. أتاري عينيك مش عايزة تشوفني!"
كانت كاذبة في قولها بل أصبحت هي تتلهف لتراه ولتتحدث معه. وكان ذلك الشعور رغماً عنها.
وجدت نفسها تسأله باندفاع وبمتهى الجدية:
"انت عاوز إيه مني يا شادي؟ ومتقوليش رقمك والكلام ده، عشان أنا بسأل بجد!"
سألته "منة" بجدية شديدة لتنهي تعلقه وحتى تعلقها الأخير به.
انسحبت "جميلة" تتوجه ناحية "نيروز" التي تركها "غسان" وغادر.
فابتسم "شادي" وهو يرد ببساطة:
"عاوز رقم أبوكي!"
" هنهرج بقى والجو ده؟ هلعبلك بوكس من جديد!"
حرك رأسه هذه المرة بجدية شديدة ثم قال بعقل قليل ما يخرج منه:
"أنا فعلاً عاوز رقم أبوكي عشان ناوي أدخل الباب من بيته والله العظيم لو مش مصدقاني!"
قهقهت على حديثه بقوة وهي تشير له محركة رأسها إيجاباً:
"مصدقاك.. مصدقاك. صريح للدرجة اللي وترتك وانت بتقول الباب من بيته مش البيت من بابه يا شادي.. بيه!"
قالتها "منه" بسخرية لاذعة فخرجت ضحكته الهادئة الجذابة.
ظلت لوهلة تنظر له فقط دون رد فتحدث هو من جديد يسألها متمنياً الإجابة التي ترضيه:
"موافقة؟"
شعرت بالجدية التي أربكتها في حديثه. فابتلعت ريقها بتوتر. ثم سألته بتلقائية:
"طب انت حبتني امته؟ ولا لسه محبتنيش وعاوز تخطبني كده!"
"لا حبيتك، بس مكنتش عارف أقولها لألاقي نفسي مقتول في حتة مقطوعة. أو مش كده بالظبط. أنا فعلاً حبيتك من أول مرة شوفتك فيها أعجبت بيك. ولما قصدت أخبط فيكي وأحاول أشاغلك بس ملقتش منك غير الصد. مكنتش عارف إنه حب. بس لما غبت عنك ومشيت من هنا مكنتش بفكر غير فيكي ومش عارف بمعني أصح أخرجك من دماغي رغم إني شوفتك بس مرات معدودة. أنا عندي القدرة إني أعترفلك إني بحبك وبالطريقة اللي تخطف كمان بس مردتش أقولها إلا لما أحس الأول منك إن في قبول حتى. زي ما انتي احترمتي نفسك وأهلك ورفضتي أي محاولة مني إني أتقربلك أنا كمان حسيت إني عايز أحترمك وأحترم أهلك عشان لما أقولك بحبك يبقى كله عارف أنا لما حبيتك عملت إيه ودخلت البيت إزاي. حاولت أكون محترم في مرة رغم إني طول عمري مكنش ليا في الكلام ده!"
قال "شادي" حديثه بعقلانية وصدق جعل تلك الجريئة ترتبك أمام نظراته.
رفع عينيه ينظر نحو خصلات شعرها التي هبطت إحداهما على عينيها. رفع يديه يزيحها للخلف ولكنها أمسكت يديه تنفضها وهي تحدجه بغيظ مرددة:
"انت لسه قايل إيه يا متخلف انت!"
فتح "شادي" عينيه بذهول وهو يشير على نفسه متحدثاً:
"متخلف؟ في واحدة تقول لخطيبها يا متخلف؟ .. وبعدين بصراحة انت اللي شعرك وعينيك يسحروا أعمل إيه يعني؟"
" لسه مبقتش خطيبتك! وبعدين خف محن شوية!"
كيف سيدخل بعلاقة مع تلك المعتوهة! حرك رأسه بقلة حيلة منها وهو يبتسم ثم سألها سريعاً:
"طب موافقة ولا لأ يا أم عيون قناصة؟"
"موافقة يا شادي.. بيه!"
كانت نبرتهما الاثنان ساخرة مثل بعضهما. وما أن انتهى كل منهما ضحك عليهما كل من كان يتابع حوارهما ذلك. حتى "ياسمين" التي تجهزت ووقفت تتابع ما بينهما هي و"حازم" وحتى "وسام" التي هبطت لتحمل "يامن" وتلاعبه ومن بجانبها من "جميلة" و"نيروز".
إنتهت الوقفة بتصفيق كل منهم الحار لهما.
ابتسم "شادي" بفرحة ثم عدل ياقته الوهمية بغرور زائف.
إنتهت بصعود "شادي" مع "نيروز" و"وسام" ومعهم "يامن".
في حين ظلت "جميلة" مع "منه" في الأسفل التي لاحظت حزنها وسكونها وحتى ضحكاتها التي لم تكن صادقة إلى حد كبير.
من الواضح بأن هناك طرف سيعلم ما حدث لها. ولم يكن الطرف سوى "منه"!
بعد رحيل "حازم" مع "ياسمين" بالطبع!!
"وقد يستصعب العبد ترك معصية معينة، ولكن أحياناً تأتي على القلب لحظة فارقة.. يقع جلال الله من قلب العبد موقعاً، وتأخذه أخذة الشوق إلى مراتب القرب، فيكون ترك المعصية حينئذٍ أيسر عليه من نفسه الذي يتنفسه. وهذا هو الحب حقاً."
مابين بكاء عاجز بالفعل وما بين إصرار على أن يتوب ويكون أفضل من ذلك، يعلم أنه يقبل العبد أينما حل. ولكن شخص مثله بتردده في ترك شيء رغماً عنه تركه من الأساس، بل شيء أدمنه بالفعل. من سوء إلى أصدقاء سوء. وكالعادة يحاول بأن يقطع تناول المخدرات عنه، ولكنه يفشل في كل مرة. ومحاولته في التوقف جعلت لديه من الدمار ما هو متبقي عنده إلى الآن. كلما طلب جسده الجرعة عذبه وحرمه، ولكن ينتهي به الوقت عند حقنه بوريده رغماً عنه. الجلسة المعتادة منذ وقت. وهو الآن يجلس على سجادة الصلاة رغم ارتجافة يديه بالاحتياج، ولكنه يعلن ضعفه وقلة حيلته لربه. بل والدعاء الذي سمعه من الشيخ دعاء يردده عندما يشعر بقلة حيلته:
"اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، فرج همي ويسر أمري وأرحم ضعفي وقلة حيلتي وارزقني من حيث لا أحتسب. اللهم أبدل قلقي سكينة، وهمي انشراح وسخطي رضا وخوفي طمأنينة وعجزي قدرة وضيقي فرح وعسري يسر وضعفي قوة. يارب يا قادر يا مقتدر!!!"
ومن لديه سواه يدعوه؟ "فلئن رددت يدي فمن ذا يرحم؟" وضعه يشرح الكثير من عجزه. لا يعلم هو بأن النجاة أخيراً أُرسلت له قبل الموت على ذلك الحال. فقط فعل ما هو هين عليه، التقرب من الله وترك بالفعل أذيته لنفسه وجسده. والطبيعي بأن لحظة موته بسبب ما يتناوله تقترب يوم عن يوم.
نهض "آدم" يطوي سجادة الصلاة. وللصورة المتعاكسة عن كل ذلك بأن جسده الآن يحتاج الجرعة خاصة. يديه التي ترتجف. آخر واحدة لديه. آخر ما يتم حقنه لديه. ماذا سيفعل بعد ذلك؟ جذب الكيس البلاستيكي وقبل أن يربط الحبل على ذراعه كي يظهر الوريد بكل قهر. سمع صوت دقات الباب. نظر برهبة وهو ينهض ثم توجه بخطوات بطيئة يفتح الباب. غير منتبه بأنه بالفعل يمسك إحدى الإبر التي تحقن في الوريد بيديه. ترك فقط الحبل البلاستيكي وبقية الأشياء وخرج. فتح الباب بتعب رغم رعشة يديه. وما أن وجد "غسان" وبجانبه "بدر" ابتلع ريقه بصعوبة. لا يعلم هو بأن سيارة إحدى المصحات موجودة بالخارج لأخذه رغماً عنه لتنتشله من بئر ذلك الألم. دخلا الاثنان حتى أغلق أحدهما الباب خلفه. وقعت الإبرة من يدي "آدم" المرتعشة حتى تحركت أنظار "بدر" و"غسان" لها وهي واقعة أرضاً. تحركت أنظار "آدم" بريبة تجاه شقيقه الذي اقترب منه ثم ردد بنبرة خائفة لا يعلم من ماذا ولكنها خرجت حتى ألمت قلب من سمعها:
"إنت عاوز إيه؟ عاوز إيه مني يا بدر؟"
قالها وهو يرجع خطوات إلى الخلف ثم انحنى يمسك الإبرة من على الأرض. فوضع "غسان" قدمه يضعها سريعاً على يد "آدم" قبل أن يأخذها. فرفع عينيه ينظر له بإنفعال حل محله الهلع عندما هتف "بدر" له وهو يسنده لينهض قائلاً بنبرة مختنقة:
"أنا آسف يا آدم، بس لازم ده يحصل. لازم تروح مصحة عشان تبقا.."
قاطعه "آدم" رغماً عنه بصراخ وقد وصل عقله وجسده لأشد الاحتياج الذي جعله يهيج كذلك وهو يصرخ به بخوف:
"لأ يا بدر! لأ عشان خاطري! مش هقدر! مش هقدر والله!!!"
نبرته الصارخة الباكية جعلت دموع "بدر" تهبط وهو يحرك رأسه نفياً على حديثه. انتبه هو على فتح "غسان" للباب كي يدخل به رجلان مرتديان زي خاص بعملهما. ثم أمسك كل منهما ذراع من ذراعي "آدم" الذي نفى التحرك بجسده ونبرته الصارخة وصلت بكل ألم لهما:
"علشان خاطري لأ! لأ ونبي! ورحمة أمك ما تعمل كده يا بدر!!!"
قالها ببكاء جعل دموع "بدر" العاجز لأول مرة تهبط وقد ضمه "غسان" بألم وهو ينظر إليه يحاول التملص من بين أيدي الرجلان وهو يصرخ بهما بغضب ممزوج بنبرته الباكية:
"إبعدوا..إبعدوا عني! شيلهم يا غسان! شيلهم عني ونبي!!!!"
لم يستمع له أي منهما. بل ذهب "غسان" وهو يكتف قدميه ثم حملوه إلى الخارج حيث السيارة المتخصصة. إلى أن وضعوه بها سريعاً وقد أحكموا الغلق عليه. ووقف "غسان" يتابع المعلومات من أحدهما إلى أن سارت السيارة بالفعل. التفت "غسان" برأسه وهو يكتم دموعه على ذلك المشهد الذي انتهى بقول "آدم" القاسي لـ "بدر":
"مش هسامحك! مش هسامحك يا بدر بقولك!!"
قالها بصراخ وهو يحاول التملص. ولكن أين هو الآن؟ رحل وترك "بدر" مع ألمه. "بدر" الذي احتضنه "غسان" للمرة الثانية وهو يهدهده حينما سمعه يهتف بتعب:
"مش قادر يا غسان! مش قادر! شكله كان صعب أوي عليا!!!"
يعلم بأنها لحظة ومشهد لم يكن هين لذا تعمد عدم تركه والذهاب معه كما حثه. ضمه باحتواء وحنو بعاطفة أخوة شديدة. إلى أن أخرجه وهو يمسح وجهه بالمنشفة الورقية ثم قال يحثه بحديثه المطمئن:
"اجمد يا بدر! إنت أخ وأخ كويس ومسؤول. وآدم هيخرج. عارف إنها فترة هتكون صعبة عليه بس لما يخرج هيشكرك وهيفضل فاكرلك الحاجة دي لقدام أوي. إنت كان بإيدك تغير حياته للأحسن ولما جتلك الفرصة مترددتش. فمتترددش في حاجة صح أخدتها. إنت بس تدعيله وكل اللي عليك انك تعمل ده وتدفع مصاريف رحلة التعافي. ونبعتله لبس وكل اللي يحتاجه من غير زيارات لحد ما يبقى كويس خالص. ووعد هيخرج حتى يبوس رجلك وإيدك على اللي عملتهوله ده. بس دلوقتي لازم تكون أقوى من كده!!"
صمت للحظات. إلى أن حرك رأسه يوافق حديثه. فوجده يشير له بالرحيل. وقد تعمد أن يسبقه ليبدأ في تسخين السيارة أولاً. ولم تكن سوى سيارة "شادي" بسبب عطل سيارته. تركه يقف وهو ينظر على المكان بحزن. حتى أخذ قرار مهم بالنسبة له. سيتعمد بعد الآن جلب عمال قلة لتغيير الديكور حتى يخرج شقيقه كي ينسى كل ما حدث وما مر. سيعمل على تغيير مجرى حياته وإن تطلب الأمر بحثه عن عروس ليجعله يتزوج كي يبدأ حياته بطريقة صحيحة بعد أن يخرج كي لا يتفرغ لما جعله يدخل هذه المصحة. هز رأسه بإصرار على خططه المستقبلية ثم سحب خلفه الباب ليغلقه. رافعاً أنظاره نحو شقته هو التي توجد في الأعلى. ترك كل ذلك ورحل عندما فتح باب السيارة ليجلس بجانب "غسان" في الأمام الذي ابتسم له بإطمئنان وأمان. وحتى الآخر يعلم بأن لولا وجوده بجانبه لما فعل هذه الخطوة الصعبة.
عواقب الأفعال للمرة الذي لا نعرف عددها تداهمنا. وأي مداهمة؟ وعاقبة ما فعله في الماضي أتت وتأتي الآن. جلس بخزي. ولم يغيب عن باله كل ما فعله. بل ولم يهتم كثيراً في البداية لموضع أولاده. تحثه كتلة الخير الصغيرة بأن يخرج ليواجه من تلطخت بشر أحدهم بسببه هو. وحتى الأخرى التي كانت على مشارف الضياع. ماذا فعل هو لهما؟ وحتى لـ "حازم" الذي وضعه ويضعه في لحظة تحت ضغط شديد، أوقات ما يكون الضغط أكبر منه بكثير. ولكنه يتحمل رغماً عنه. يسمع بالفعل الأصوات لتلك المناسبة. ومنذ ما حدث وهو جالس وحده بشقة "عايدة". يعلم بأنه مهدد الآن للخطر وأن حياته في بوادر الضياع. ليس بيديه الهروب. ولكن بيديه الاعتراف على نفسه إن وضع بمثل ذلك الوضع. يعلم بأنه سيضع نفسه به لا محال. لذا قرر فعل ما توده كل واحدة من زوجاته. توجه ليفتح باب شقته للطارق. وما أن فتحه وجدها تقف أمامه بعينيها المتورمة. دخلت "زينات" تاركة من خلفها باب الشقة مفتوح. ثم أمسكت هي تلابيبه بإندفاع تعنفه بضعف عكس ما تفعله الآن:
"إنت السبب! إنت السبب منك لله ربنا ينتقم منك يا شيخ!!!"
وقف "سليم" ساكناً بين يديها إلى أن أمسك يديه يهبطها من عليه. ثم تعمد خروج نبرته الساخرة بين حديثه الذي خرج لها:
"وإنت البريئة مش كده؟ برأتي نفسك في ثانية وإنت نص البلاوي اللي بتتحدف علينا كانت ومازلت بردو بسببك؟ ضيعتي عيالك زيي بالظبط. إحنا الاتنين تعادل. قوليلي كده إبنك فين دلوقتي؟ أو حتى إيه اللي يوصل بنتك إنها تخرج تعيش مع واحد وتسيبك وتسيبني؟"
"لا مضيعتهمش. حتى لو أثرت فأنت أول واحد ظالمهم. إنت السبب وحتى اللي كنت بعمله معاهم كان منك بردو. إنت قادر وجاحد. ومحدش وصل بنتك واللي عملته ده غيرك إنت يا سليم!!!"
واجهته بعنف وشراسة من بين دموعها وللقسوة بأنه أظهر عدم ندمه إلى الآن ويحملها هي الأخرى الذنب الأكبر؟
، ابتسم بسخريه وقد لاحظ هو وقوف "عايده" التي هبطتت من الطابق الأعلى وبجانبها يقف "بدر" و"غسان" الذي أتى من الخارج وحتى وقفت "جميله"هي الٱخرى تتابع بوجعٍ ما تراه هي وصديقتها "منه" التي تتألم من أجلها
إبتلعت "زينات" ريقها ثم رفعت يديها تمسح دموعها بقوه مردده بنبره قويه له قائله وخلفها الكل يتابعها :
_"طلقني يا سليم ، وحالاً ، طلقني عشان أنا معنديش حاجه أفضل علشانها على ذمتك يوم واحد ، بعد ما ظهرت بظلمك لغيرك وحتى قسوتك على ولادك اللي لحد الٱن مش ندمان عليها ، طلقني يا بن عمي عشان أنا مش هفضل على ذمة واحد هيبقي رد سجون كمان فتره زيك كده !!!"
كانت جريئه في ٱخر حديثها ، تبدلت ملامحه إلى ٱخرى متشنجه بقوه ولم يسعفه إلا عقله الذي حثه بتلبية ما تريده ولكن ليس قبل تأديبها ، حيث دفعها بعزم ما لديه من قوه ومن ثم سيبدأ في أن ينقض عليها ويهاجمها برده وهو يضربها ، أول من دخل سريعاً يمنع كل ذلك رغم أنها تستحق ولكن رجولته لم تسمح له بأن يرى أحداهن تُهاجم على قول الصواب ! ، دخل "غسان" يدفعه عنها بعيداً قبل أن ينقض عليها ، ثم دفعه حتى ترنح "سليم " إلى الخلف ، كاد أن يهاجمه "سليم " بشراسه فأمسكه "غسان" بغضبٍ وقد تخلى عن ٱخر ذرة صبر به وهو يوبخه بإشمئزاز تزامناً مع هزه له بقوه :
_" إنت جنس ملتك إيه يا راجل إنتَ ؟؟؟ إنتَ إيه؟؟ جبروت ؟؟؟"
دفعه "سليم" عنه بعنفٍ وهو ينفض يديه من عليه ثم قال يتحذيرٍ له :
_" إنت مالك إنت ، ابعد وملكش دعوه، خليك فحالك وإحترم حتى السن اللي بيني وبينك ده ، بدل ما أسجنك فيها وقادر وأعملها يا بن حامد !!!!"
حرك "غسان " رأسه بسخريه منه ثم قال بتهكمٍ أمامهم جميعاً له هو :
_"الاحترام للمحترم أما سنك ده تبله بدموع عينك لما تتحط ورا الحديد زي الغريب اللي ملوش حد فالدنيا دي ، حتى عيالك قرفانين منك !!!"
أثار غيظه من جديد ، ولكن وقف "بدر " لم يتحرك في حين دخلت "عايده" و"جميله" فقط إلى الداخل ، نهضت "زينات" بنفسها ببطئ ثم أصرت على قولها ولكن قاطعها جملة "عايده" هذه المره وهي تردف بمنتهي الانكسار له :
_" طلقني يا سليم!!"
سيطلقهما الإثنان؟؟ ، لم تكون مشكله بالنسبه له ، بل وجه نظراته صوب "جميله" الساكنه التي كتمت دموعها ،يري بأن أحد لا يستحق الأسف منه سوى هي وشقيقتها وفقط !! ،وقبل أن يبتلع الغصه المريره التي توجد بحلقه تجاهها هتفت "جميله" تقاطع كلماته بما تريده هي الٱخرى هروباً منه :
_" الوقت فات على اللي هيحصل ده ، لو سمحت طلقها وريحنا ، طلقها عالاقل مش هتتربط بإسمك لكن أنا أشيل اسمك من إسمي ازاي ؟؟ ..حاسة ان مينفعش أقول كده يا أستاذ سليم ، بس أنا حاسة بالقرف وأنا إسمي مربوط بيك وهيفضل مربوط طول عمري!!!!"
لم تردد أبي ؟؟ فعلتها ؟؟ رغم كونها قاسيه على قلبها ولكنها قالتها ، حرك نظراته من عليها ولم يحاول مره أخرى من كثرة قسوته المعهوده ، نظر ناحية "عايده " الذي ظلمها طوال حياته من كل الإتجاهات ، ولم يهتف سوى عدة كلمات جعلتها تشعر بالراحه ولو ذره:
_" إنتِ طالق يا عايده!!"
جاء على مسامعه هذه الكلمه بقوه "حازم " الذي دخل بسرعه ومن خلفه "ياسمين" ، ابتسمت "عايده " براحه ثم أغمضت عينيها بألمٍ وقد احتضنتها هذه المره "جميله " التي شعرت بوجعها ، بينما وقف "سليم" يحرك أنظاره نحو "زينات " التي تأوت من ظهرها ، لم يحدجها هي سوى بسخطٍ حينما قالها لها هو الٱخر :
_"انتِ طالق ، طالق يا زينات !!"
لم تتحرك إنش واحد بل إبتسمت مع بكاءها وللقهر لم تجد هي أحضان أحدهم كمثل ما رأت الأخرى تحتضن إبنتها ، هي التي فعلت ذلك بنفسها !! ، طالعه "حازم" بخيبة كبرى امتزجت بلومه له للمره الذي لا يعرف عددها ، لم يقدر هو على قول أي حديث ، إلتفت الجميع بسرعه عندما وجدوا هم عسكرى ورجل من قسم الشرطه أحدهم دخل بلا إذن وهو يسأل حيث ما رأى التجمع:
_" مين هنا "سليم الأكرمي ؟؟؟!"
ترقب الجميع ولم يقوى أحد على قولها ، عندما تيقنوا بأنها اللحظه الحاسمه !! ، إعترف "شريف" عليه بالفعل وفُتحت القضيه وإن سُأل ولده فسيقول أو قال الحق بالفعل !! ، كل المؤشرات تؤدي إلى حبسه وحكم جديد في هذه القضيه الذي إعتقد بأنه دفنها ومر عليها الزمن !، علم هو بأن شهادته واعترافه بما فعله هي الوحيده الٱن التي ستؤدي به إلى السجن بالفعل !! ، لم يقوى أحد على الإشاره عليه بل حتى هو لم يفعلها ، وأول من قالتها وأشارت إليه كانت "زينات " التي هتف بسرعه وهي تنظر إليهم مشيره على زوجها بقولها:
_", هو ده ، هو ده المحامي سليم الأكرمي اللي إنتوا عاوزينه !"
أشار للعكسري الوحيد من معه بأن يسحبه ببطئ وحذرٍ معه ، عندما هز له "سليم " رأسه يؤكد حديثها فلا يوجد مفر بالفعل ، بطاقته بجيب بنطاله !! لم يتبقي شئ إذن !!
_" مطلوب القبض عليك!!"
كل يعلم للسخريه !؟ ، وقبل أن يلبى أمره ويأتي من خلفه وقف ينظر إلى "حازم " التي كانت تمسك"ياسمين" كفه بإحتواءٍ،سيرددها ؟؟ المساعده ؟؟
_" مش هتقف جنب أبوك يا حازم ؟؟"
_"ربنا يهون عليك أيامك يا حضرة المحامي !!!"
قال "حازم" جملته بأشد ألم ، إعتبره "سليم" بأنه قالها بمنتهي البساطه ولكن كانت عليه ليست هينه، نكس رأسه بخزيٍ وهو يخرج من الشقه بأكملها ، تاركاً "جميله" تبكي بقهرٍ هي والنساء، ربت "غسان" على كتف "حازم" بمواساه ، ثم قال له بتحفيزٍ :
_"إنت أجمد من كده يا حازم ، شد نفسك أخواتك وأمك محتاجينك جامد ، وحتى ابنك اللي جاي !!"
هز رأسه بخواءٍ وفقط ، كيف سيبكي وهو الذي فاضت دموعه وانتهت ، بل ودموعه التي تهبط بداخله وليس بالخارج !!...، كانت الشقه شقة "عايده" فتوجهت هي نحو الداخل وقد تركت الجميع كي تختلي بغرفتها فقط ، في حين تحرك "بدر" بألمه هو الٱخر للشقة الأخرى ، وانسحب "حازم" ومن خلفه "ياسمين" نحو غرفته ، ووقفت "جميله" تبكي مع مواساة "منه" لها ،
أما "زينات" فوقفت تتابع ما يحدث بعينيها الحمراوتان ، لم يتحرك "غسان" من أمامها ، بل تحدث ليوضح لها ما فعله حتى هتف لها بحده :
_"أنا معملتش كده عشان خاطر عينيكِ، أنا بس شخصيتي كراجل مسمحتليش أشوفك وإنتي بتتهاني كده وللأسف على كلام صح وطالع منك إنتِ !!!
وكان الحديث الثاني منه هو رحيله ليتركها واقفه وحيده في الشقه ، ترك الباب مفتوح وهو يتوجه ناحية شقة "سميه" التي ظلت في الأعلى هي ووالدته ووالده ، وقد هبطت "نيروز" الٱن تدخل من خلفه سريعاً وعلى ذراعيها "يامن" النائم ، الذي أخذه من على ذراعيها "بدر " وهو يمتن لها بنظراته وحديثه ، حتى دخل به إلى الداخل ، وجدته يقف في شرفة صالة منزلها ، توجهت تقف من خلفه بخفه ، وأما هو في هذه اللحظه فكانت الأفكار تحاربه من جميع الإتجاهات يفكر هو الٱخر بأمورٍ كثيره ،..
أولهم عدم علمها إلى الٱن مرض والدتها الذي يعد عبء عليه ، وحتى قصة شفقته على عدة أطراف من ما حدث، انشغاله بشقيقه وما لاحظه عنه وحتى موضوع "عز" الذي أثار ضيقه وحزنه !!
والآن تعاطفه وحزنه مع "حازم" الذي يراه منكسرًا، يخفي انكساره ولكنه يراه. يرى الرجل عندما ينكسر، وجد من يضرب كتفه من الخلف بخفة. تنفس بعمق وارتياحية، وقد شعر بأناملها، فلم تكن أنامل حانية مثل هذه سواها. طالعته باهتمام، وقد لاحظت شروده، ثم تساءلت بشغف:
"بتفكر في إيه؟"
"في إن هيحصل إيه لو كل ما الدنيا تضيق بالواحد يكون عنده زرار يضغط عليه ويختار أكتر حضن بيرتاح وبيطمن جواه، ويترمي فيه!"
نبس "غسان" حديثه بعمق، وقد استشعرت هي مدى ضغطه، فسألته وهي تعلم الجواب:
"وكنت هتختار حضن مين؟"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه بتعب، ثم قال بكل صدق واختصار، وعينيه لم تفارق بنيتها الفاتحة:
"حضنك انت!!!"
ومن ثم رفعت ذراعيها تضمه إليها تلبي غرضه دون فهمها لما يجري بداخله. تنفس هو بعمق وراحة كبرى لم يشعر بها سوى في أحضانها. وجدته يهمس بجانب أذنها قائلاً بحب بالغ وهو يربت على ظهرها:
"معًا وفـ حضن بعض.. هي الغاية يا بنت الأكرمي!!"
قصد بأن يظهر لها بأن وجودها أكثر ما يهمه بحياته أكملها. ابتسمت "نيروز" بتأثر، ثم خرجت ترفع عينيها نحو عينيه الدافئة، ومن ثم توسعت بسمته حينما قالت هي بصدق، معتاد في قولها المعهود:
"ثبتني يا بن البدري!!"
"أقل حاجة يا بنت الأكرمي.. ما تيجي!!!"
قالها لها غامزًا لها بجرأة، فضحكت هي بقلة حيلة ثم رددت بيأس منه:
"ملكش حل والله أبدًا!!"
ابتسم "غسان" بشغف، وقد تعلقت نظراته بعينيها للحظات، وهو يجيبها بنبرة صادقة أسرتها:
"كل حاجة ليها حل إلا عيونك!!"
رمشت "نيروز" بأهدابها بحرج من حديثه اللين المفاجئ والجاد، حتى أنها قلبته لمرح مشاكس وهي تقول:
"كده كتير عليا أوي يا بن البدري!!"
ضحك بخفة ثم أمسك كفها يقبله بلطف، لم يخلو من أسفه اللطيف الذي كان رغما عنه من الأساس:
"أنا آسف يا نيروز إنك مش عارفة تفرحي وتاخدي حقك في الفرحة بسبب الظروف دي، بس أنا متأكد إن ربنا هيراضينا ولسه وقت كمان نعرف نفرح فيه.. بجد!!!"
يتأسف في أشياء وأحداث تحدث رغما عنه، بل ومنها ومن عائلتها. وإن كان للأسف، فكانت هي الأحق بقوله. تنهدت تخرج أنفاسها وهي تطالعه بتأثر، ثم قالت بتفهم:
"دي حاجة غصب عننا يا غسان، أنا مش زعلانة، كفاية إن إحنا مع بعض، هي دي الغاية زي ما بتقول، ولا إيه؟"
هز رأسه يؤكد لها بهدوء ما قالته وما قاله هو. وجدها تقترب منه لتقبله بوجنتيه كما اعتادت. فنظر هو عليها بشغف، ثم رفع إصبعه يدخل بعض من خصلاتها التي خرجت رغما عنها من حجابها البيج الهادئ كمثل ملامحها الهادئة التي سلبته هو!! ابتسمت له بحنو، ثم أشارت له ليتبعها وهي تمسك كفه تسحبه خلفها:
"تعالى نشوفهم فوق، في حاجات ظبطوها وبقى شكلها حلو أوي بالذات في البلكونة اللي فالصالة، وكمان في بلكونة الأوضة هحط فيها ورد وهنقل الورد اللي هنا فوق وهجيب كمان ألوان مختلفة وأهم حاجة طبعًا النعناع بتاعك و..!!"
استرسلت في إكمال حديثها بشغف. فرح هو بأنه رآه بصدق منها، بل وتحاول لأجله. دخلت معه المصعد بحماس، وهي تحاول أن تظهر له فرحتها بالمناسبة كي لا تشعره بشعور ليس جيد. ورغم ألمها وحزنها على ما يحدث، ولكنها تقاوم. تقص عليه بعض من الأمور التافهة غير المهمة وبعضها مهم، ولكنه ينصت على أي حال وينتظر بفارغ الصبر اليوم المعهود عندما تكون في بيته ومنزله وأن تكون بالفعل زوجته وشريكة أيامه وحتى حياته القادمة!!!!
***
"وتشوفني تقول مليان قوة..
مع إني مكسور من جوه!!"
لم يقوى على إكمال عمله بل والذهاب له ثانية بعد المواجهة بينه وبين "جميلة". جميلة أيامه هكذا أطلق عليها، عندما يشعر المرء بأن جاءت له أمنيته التي يريدها بعد وقت دام للترجي بأن تكون له ومن ثم.. في لحظة سريعة لم تكتمل دقيقة واحدة، يتبخر كل ذلك وتذهب بالفعل هذه الأمنية الذي عاش يحلم بها!! عن أي وجع في هذه اللحظة يتحدث!! شارد هو الشارد الغريب في الطريق، لا يعلم هو أين الراحة به؟ أين الركن الهادئ؟ أين العدل؟ خرج من شروده عندما وجد "والدته" أمامه ممسكة بصينية الطعام، لا يعلم هي كيف دخلت وكيف كان الحديث الذي كان قبل:
"يبني انت مأكلتش حاجة من امبارح، كُل لقمة وريح قلبي!!"
رفع عينيه الحزينة يطالعها بامتنان، ثم ابتسم لها "عز" بتكلف وهو ينهض ليراضيها حتى وضع ما بيديها بركن ما، تزامنا مع قوله:
"شبعان يا أم عز، اقعدي ارتاحي متشغليش بالك بيا، أنا كويس كده!!"
جلست "حنان" بعدما سحب يديها يجلسها بجانبه. ابتسمت بألم، وقد خانتها دموعها وهي تحيبه:
"كويس ازاي بس يبني؟ انت مش شايف نفسك؟ ريح قلبي وساعد نفسك تكون أحسن، أنا مستحملش أشوفك كده مكسور، مقدرش ولا هقدر أشوف عز ابني زينة الرجال بالكسرة دي، أنا مخلفه راجل يا عز، راجل واقف في وش الدنيا حتى لو جت عليه، بس أنا ربيته على إنه يقف ويصدها وميستسلمش، وصدقني هو نصيب، نصيب والله وهي مش من نصيبك، واللي خلقها خلق غيرها يا حبيب أمك، إنت بس شاور ومحدش هيقولك لأ أبدًا!!"
كان حديثها كحديث أي أم. ابتلع غصة مريرة بحلقه، ثم استرسل بحديثه يوضح لها بتعب ينفي قولها له:
"مكنتش عايز غيرها هي، ولو هشاور على حد حتى بعد اللي حصل، فمش هشاور غير عليها هي، مش عارف أشوف غيرها يا أم عز، قلبي مش مساعدني أصدق إنها خلاص مبقتش ليا، أنا تعبت، تعبان من كل حاجة ومش قادر، مش قادر من ساعة ما فهمت إن بنتك كانت سبب من أسباب بعدها عني، هو أنا مستاهلش؟ مستاهلش واحدة زيها؟ مستاهلش واحدة بحبها وقلبي مختارش غيرها؟.. الحمل كان تقيل أوي عليا، ولما ظهرت في حياتي خف، خف بوجودها وأنا اللي كنت حاسس إني اتولدت عشان أشقى وأتعب وبس، لما حسيت إنها ليا وبقت معايا عرفت إن من حقي أحب وأتحب، أتاري الدنيا كانت بتلاعبني وبتضحك على عقلي وكأنها بتقولي انت تعبت كتير يا بن آدم فـ خد لك يومين بضحك عليك بيهم وبعلقك فيهم بحاجة مش ليك!!!!"
هبطت دموعها من حديثه وحتى دموعه هو الآخر. سمعته يكمل بكل وجع وكأنه أقل ما يمكن قوله:
"مش عارف أشكي ازاي وأنا اللي معنديش عنوان حتى متحدد بحاجة معينة، كل حاجة بتوجع فيها، حتى الحاجة الوحيدة اللي كان من حقي أختارها راحت مني!!!"
حرك "عز" رأسه بقهر، ثم تشبث بنظراته يطالع عينيها الباكية وهو يضيف بترجي وتمني:
"نفسي أرتاح يا أم عز، ابنك تعب، تعب ومعتش قادر، إمته الراحة قوليلي؟؟؟"
حديثه قاسي على قلبها الضعيف الهش. ضمته إليها بحنان وتأثر شديد وقد امتزجت شهقاته ببكائها العالي وهي تشدد من ضمها إليه. ابتلعت ريقها كي تردد بنبرتها الباكية له والمتلهقة:
"ارتاح يا حبيبي، ارتاح في حضن أمك يا ضنايا، الله يسامحها الدنيا يا بني الله يسامحها!!"
لم يقوى على إرداف الحديث أكثر، وحتى هي كانت آخر ما قالته ببكاء شديد كان حديثها الأخير. وحتى لا تعلم هي كيف انتظمت أنفاسه وغاص بأحلامه الأخرى وما يريدها معه. نام في أحضانها التي تريح من بها كونها أم!! اعتدلت تمسح دموعه بتعب، ثم عدلت من جلسته على الأريكة وهي تفرد عليه الغطاء. لا يوجد بيديها فعل شيء سوى أنها قبلت قمة رأسه وقد هبطت دمعتها على وجهه ذو الملامح الرجولية صاحب البشره السمراء التي كانت داكنة أثر ما يعمله بحرفته. قبلت كفه بأسف، ثم اعتدلت تنظر على نومته بعجز، قبل أن تخرج من غرفته، تقسم هي بأن نومته هذه لم تكن إلا "نومة المظلوم"!!
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!