"أنت المغيث لمن سدت مذاهبه.. أنت الدليل لمن ضلت به السبل."
"الخيرة فيما يختاره الله، وما يختاره الله لنا هو خير لنا حتى لو كان عكس رغبتنا، وكل اختيارات الله صالحة حتى وإن كنا لا نفهم كل أسبابه. فالمريض المرض خير له، والمعافى الصحة خير له، والفقير الفقر خير له، والغني الغنى خير له. وكل من حُرم من شيء فذلك لأنه خير له. فوالله، والله لن تجد أجمل من اختيارات الله لحياتك، كلها تنصب في صالحك وأنت لا تعلم، وكل الخير في تدابير الله.
فقل بقلب راض: "رضيت يا رب".. ولا تكره شيئًا اختاره الله لك، فعلى البلاء تؤجر، وعلى المرض تؤجر، وعلى الفقد تؤجر، وعلى الصبر تؤجر. فرب الخير لا يأتي إلا بالخير." انتهت الكلمات عندما خرجت من الخطيب على المنبر في المسجد، خطبة يوم الجمعة الذي أتى عليهم منذ آخر مرة حدث فيها ما حدث، أيام مرت إذن! سمعت "فريدة" هذه الكلمات بتعقل، والابتسامة الصغيرة المريحة تزين وجهها، فيرسل الله لها أحد الرسائل مشفرة!
ومن المحتمل بأن الرسالة يمكن أن تكون لغيرها وليس لها فقط بهذه اللحظة! كانت جالسة على سجادة الصلاة، تحاول التقرب إليه أكثر وأكثر. جلست هي بشقة "عايدة" مع "جميلة" في غرفتها، بسبب رفضها ورفض زوجة والدها الذهاب مع "حازم" في منزله. فتعمد هو الجلوس معهم بشقة والدته كي لا يتركهم هذه الأيام بمفردهم. التوبة!
أربعة أحرف بمعاني كثيرة. تحاول جاهدة بأن تعمل بها. منذ يومين بالتحديد بدأت في سماع الفيديوهات الدينية التي استفادت فيها من نصائحها. خاصة عندما ابتاع لها "حازم" هاتف جديد لمحاولة إرضائها والتخفيف عنها ومساعدتها في البدء من جديد. تسمع القرآن كل يوم قبل النوم منذ آخر مرة، بل وتقرأ به بين الحين والآخر. وحتى أنها حاولت إلى أن انتظمت إلى حد ما في أداء الصلاة في وقتها!
محاولتها في أن تكون أفضل لم تكن منها وحدها ولولا رؤيتها لهم بجانبها لتأخرت حالتها هذه! أنثى وليست كل أنثى ضعيفة. تنهدت "فريدة" تخرج أنفاسها بصوت متقطع عميق عندما سمعت صوت الخطيب يعلو مرة ثانية بقوله الذي تخلل مسامعها بقوة: "شوف.. مهما كان حظك قليل في أي أمر من أمور الدنيا خليك راضي. سيدنا عمر قال: ستمضي أقدارك على كل حال، فاجعلها تمضي وأنت راضٍ عنها، فلربما ثواب رضاك يرضيك يا بن آدم."
تنهدت براحة كبرى. رغم جهلها لأمور كثيرة، لكنها تقتنع اقتناع تام بأن الله يرسل لها رسائل تطمئنها وأن هذه الكلمات ليست كذلك، بل خصصت لها لتهدأ قلبها. نهضت تقف ببطء، ثم وضعت القرآن على مكتب "جميلة" حتى إعتدلت. لم تكن "جميلة" موجودة بالغرفة في كل ذلك، وتعلم هي بأن "حازم" ذهب للصلاة ومن المفترض بأن معه بالتأكيد "غسان" و"بسام" و"حامد" و"بدر". انتفضت بحركة بطيئة عندما تخلل إلى مسامعها صوت شهقات خافتة سمعتها هي رغم قرب الشرفة من الغرفة التي تجلس بها. توجهت لتخرج من الغرفة بخطوات هادئة حتى خرجت ووجدتها تقف بظهرها في الشرفة، ومن سواها صاحبة الشهقات الممزقة التي تسمعها هي في الليل؟
كما تسمع بكاءها الضعيف المعلن بقلة حيلتها وعجزها عن نسيانه! نسيان "عز الرجال! " وكيف يُنسى وهو عز بل وعز الرجال كما يُقال! انتفضت بفزع عندما وجدت من تضع يديها على كتفها من الخلف. وسرعان ما اعتدلت ترفع أناملها تمسح دموعها المنهمرة. ثم التفتت "جميلة" برأسها تنظر لمن جاءت تقف بجانبها. ولم تجد منها سوى سؤال واحد تلقائي خرج على فجأة بكل ترقب منها: "مكنتيش عارفه إنه غالي على قلبك أوي كده صح؟ بتحبيه؟
سؤال معلوم له إجابة معروفة حتمياً! وجدت أن لا مفر من نظراتها العميقة. فهزت رأسها إيجاباً دون أن تتحدث. حركت "فريدة" رأسها بأسى ثم بدأت في الاسترسال بالحديث مجدداً تعلن لها قلة حيلتها هي الأخرى: "أنا مش عايزة أقول حاسة بيكي. عارفة ليه؟ عشان أنا مش عايزة أشبهني بيكي. رغم إني حبيت وحبيته بجد مع إن مدانيش أي احتواء، بس كنت بدور على مكان وحضن تاني ملقتوش هنا!
معرفش عز ده بس لو هو اللي بيتعيط عليه كل يوم بالوجع ده، فهو يستاهلك. عشان إنتِ جميلة بجد مش مجرد اسم وخلاص. أنا بحاول عشانك. وحاولت مع حازم كام مرة أفاتحه فموضوعك مع عز بس كل مرة كان بيصدني. صدقيني مش فارق معايا إنه أخو شريف رغم إني مرعوبة ومعتش عندي ثقة في حد من طرفه، بس حاسة إن إنتِ تستاهلي. تستاهلي حد كويس الواحد يتوجع على فراقه زيك كده. وطالما موجوعة يبقي هو يستاهلك!
أوعدك إني هحاول تاني مع حازم عشانك وهحاول أفهمه إني مش عندي مشاكل كونه أخو شريف. أنا بحاول أنسى كل اللي فات وأبدأ من جديد وكده كده اللي حصل حصل مش هيتغير فيه حاجة! أعلنت لها قلة حيلتها مع إصرارها بأن تقف معها بنفس ذات الوقت. تأثرت "جميلة" من حديثها بقوة حتى أنها تنهدت تأخذ أنفاسها ببطء ثم ابتلعت ريقها تبوح لها بما تشعره:
"بحاول أنساه يا فريدة ومش عارفه. بدور زي المجنونة على حاجة وحشة عملها معايا عشان أكرهه وأبطل أفكر فيه. لكن بردو مشوفتش منه غير كل خير. عز علاقتي بيه مكنتش طويلة بس في الفترة القصيرة دي غيرني. غيرني للأحسن. حسيت إني عايشة عشان حاجة وإن في حد نظرته ليا مختلفة. حبني عشان أنا كده. حبني وفخور بيا من غير ما يستنى مني حاجة. اتظلمنا أوي مع إننا ملناش ذنب في حاجة. نظرة عينه الأخيرة ليا قهرتني وكأنه بيقولي متمشيش أنا مليش ذنب. بس بكل قسوة عملتها غصب عن عين قلبي. هو بجد الحب مؤذي أوي كده؟
تسأل؟ ولمن؟ لمن أُصيبت بفؤادها وطُعنت بالخيانة؟ والأخرى خُذلت من أقرب الناس إليها؟ اثنان لم يرا عدلاً قط! حركت "فريدة" رأسها بألم ثم حاولت الثبات وهي تجيب عليها بما يقهر قلبها وكأن الأخرى ضغطت على جرحها:
"مؤذي لدرجة إنه أعمى وغبي. غبي وبيخلي الواحد يحس إنه طاير وهو أصلاً واقع في سابع أرض. مؤذي لدرجة إنه خلاني أروح لأكتر بني آدم حتى معندوش ذرة فهم يعني إيه حب. خلاني مخدش بالي إنه أصلاً معقد ومش حابب حتى نفسه. خلاني عايزة أهرب حتى لو لطريق ضياعي. الطريق اللي الحب رسمهولي مليان ورد وهو كله شوك وبس! صمتت تبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقها ثم واصلت بنفس خيبة الأمل:
"مؤذي عشان مبيتش و مبيتنساش بسرعة لو كان حب بجد يا جميلة. مؤذي أوي عشان فجأة بعد الحياة ما بتبقى رايقة كله بيقلب لوجع وتعب في الآخر. والقلب بيتحسر منه وبيتظلم من أذاه أوي! وما أن انتهت وجدت دمعتها تفر منها دون أن تشعر. فضمتها "جميلة" إليها بوجع وهي تربت على ظهرها بكلمات مواساة هادئة تربت بها على قلبها الهش وحتى قلب الأخرى!
أخذا راحتهما في الحديث بالطبع بسبب خلو المكان من الأشخاص. فاليوم سيكون اجتماعهن بشقة "سمية" على الغداء بسبب أنه اليوم الذي سيكون قبل موعد زفاف "نيروز" و"غسان". بل ولم تذهب "فريدة" منذ الصباح وانسحبت "جميلة" من تجمع الفتيات قبل وقت لتختلي بنفسها قليلاً. تعلم أنها تقصر بحق فرحتها مع ولـ "نيروز" ولكن الأخرى تعلم وتقدر وتقف بجانبها أينما حدث!
اعتدلت كل واحدة منهما مرة أخرى وكل منهما تحث الأخرى على الثبات والتماسك. رفعت "جميلة" أناملها تمسح وجه "فريدة" ثم ابتسمت لها بتحفيز مع قولها الهادئ: "رغم كل ده بس أنا عندي أمل قوي إن ربنا هيعدينا من اللي إحنا فيه ده. واثقة إنه هيرضينا ويطبطب على قلوبنا. وأدينا صابرين وربنا معانا! قالت حديثها بيقين. ثم رفعت عينيها بتردد تتحدث مرة أخرى:
"بس في حاجة لازم تفكري فيها يا فريدة. فكري تدي لمامتك فرصة تانية. الندم باين عليها بكل ذرة. إنتِ مش عارفه كانت بتيجي كام مرة اليومين اللي فاتوا دول عشان تشوفك. الإصرار عندها إنها تقابلك وتواجهك تاني مش بيروح حتى لو هي هتتكسر. مشوفتيش دموعها في كل مرة كنتي بتقوليلنا نقول إنك نايمة أو مش عايزة تشوفيها. أنا مشوفتش منها حلو بس هي معاكِ أم. أم من ساعة ما رجعتي ونفسها تاخدك في حضنها!
سكنت "فريدة" وهي تنصت إليها بصمت يكسرها. ترقبت "جميلة" رد فعلها ولكنها صمتت للحظات إلى أن أجابتها بعدها بتعب: "حاسة إني مش قادرة أتخطى اللي عملته. رغم إني مش متذكرة أي حاجة وحشة عملتها بالتحديد وعارفة إن لولاها مع بابا مكنتش هعرف أعيش من أساسه. مش عارفه أشرح اللي جوايا من ناحيتها بس أنا.. أنا حاسة إن هي وجعاني بس ظالماها بردو في نفس الوقت."
تنهيدتها المتألمة كافية لشرح الكثير. تحشرج نبرتها. نظرة عينيها الضعيفة. إشارتها المعلنة عن قلة حيلتها في الأمر. حاولت الأخرى بأن تفهمه وتشعر به كمثل شقيقتها. ابتلعت "جميلة" ريقها ببطء، ومن ثم خرجت بحديثها المتردد لها كي تحثها: "حاولي تديها فرصة، وقبل كل ده تعطي لنفسك فرصة. ولو عايزة تبدأي صح من كل حاجة، تبقي ترضي مامتك طالما هي ندمانة يا فريدة! توعديني إنك هتفكري في إنك تعملي كده فعلاً؟
خرج الحديث منها بتحفيز، ولا تعلم الأخرى لما هزت رأسها إيجاباً. فابتسمت "جميلة" بأمل، ثم أمسكت ذراعها محاولة التخفيف عن نفسها قبل شقيقتها هي الأخرى. حتى دفعتها برفق، تزامناً مع قولها الذي خرج بحماس مجهول أثار غرابة "فريدة": "طيب يلا نروح لنيروز بقى."
توقفت "فريدة"، ترفع الحجاب الذي أزاحته قبل قليل. أحكمته على ملابسها الطويلة ذات لون سماوي مريح للأعين، ملابس مخصصة للصلاة بها. وما أن أحكمته وعقدته جيداً، اعتدلت تشير لها ولكنها توقفت تنظر لها باستغراب مخجل عندما رأتها تدقق النظر بها بقوة، والإبتسامة الواسعة زينت محياها أخيراً، وهذا ما كان مريباً بالنسبة للأولى. ابتلعت "جميلة" ريقها، ثم طالعتها مجدداً بفخر وهي تقول بنبرة ظهر بها الزهو والسعادة بما وصلت له:
"مش قادرة أوصفلك إنتِ حلوة قد إيه في الإسدال ده، وحتى شكلك عامل زي الملاك وإنتِ لافة الطرحة حلو ومش مبينة ولا شعرة. أنا مبسوطة عشانك وفخورة بيكِ أوي أوي! تأثرت "فريدة" تأثراً شديداً. في حين توقفت "جميلة" تعي ما قالته من لفظ كان ليس لها من الأساس "ملاك في الملابس!!! ". وذات الرداء الأبيض!! وأجمل من ترتديه كانت هي!! كل هذه الجمل تخصه وحده، تخص "عز الرجال!!
". خرجت من شرودها ومداهمة الذكريات القريبة لها عندما وجدت "فريدة" تندفع بأحضانها بفرح، ثم خرجت وإن أقسمت لها بأن كلماتها صنعت لها يومها هذا لم تصدق: "بجد أنا فرحانة أوي إنه حلو عليا، عشان عارفة إنك بتقولي الصراحة." "هي صراحة فعلاً، جميل عليكِ عشان إنتِ جميلة زي أختك وكده!! قالتها "جميلة" بكبرياء كي تجعلها تضحك، فضحكت "فريدة" بخفة ثم أيدتها قائلة بسرعة:
"دي حقيقة بقى علشان إحنا شبه بعض، والوقتي هنبقى شبه بعض أكتر.. علشان أنا لما خرجت مع حازم وحب يفرحني ويشتريلي لبس، اختارته كله زي ستايل لبسك بالظبط!! قالتها، ففهمت الأخرى على الفور. فظلت "جميلة" في هذا اليوم جوار والدتها حيث كانت "عايدة" ليست بصحة نفسية جيدة بعد الطلاق!! ولكن تأقلمت ولو ذرة مع الوضع، فطلاقها منه يعد إفراج من ظلم. توسعت بسمتها وهي تحرك رأسها بتفهم، ثم أشارت لها بمرح، مشيرة لها بأصابعها:
"كده إتنين فـ واحد رسمي!! تعالت ضحكاتهما بخفة على ذلك العبث، حتى أن كل واحدة تحركت لتخرج بالفعل من الشرفة ومن ثم من الشقة بأكملها. سعادتهما الممزوجة بالألم دائمة إلى حد معين. لحظة رضاهم بما يحدث تجعل الأمر هين. وماذا بعد الرضا.. الراحة..
قبل وقت قليل، في شقة "سمية" كان التجمع من الجميع، حتى عائلة "حامد" وزوجته وحتى "بسام" و"وسام". ولكن إلى الآن مازالت الرجال بالخارج حيث الصلاة. كما كانت "عايدة" موجودة بالطبع. كانت "نيروز" تقف بغرفة الضيوف تنظر على شكلها بعدما انتهت من تنظيمها بعيداً عن الصالة وما سيحدث بها من تجمع على الغداء. وقفت تنظر بإعجاب، حتى أنها رأت "وردة" تعدل شيئاً بسيطاً. كما كانت "ياسمين"، تقف بحماس. إلى أن التفتت تنظر بسعادة لهن وهي تقول:
"تفتكروا هتفرح؟ قالتها بشيء من الحماس، في حين أعجبت "وسام" بفرحتها هذه رغم كل ما يحدث. هزت "نيروز" رأسها بنعم، ثم قالت هي الأخرى: "طبعاً، حاسة هيفرق معاها جداً، حتى حازم كمان مش شايفه هو فرحان باللي عملناه دا قد إيه؟ "بصراحة إنتوا حلوين أوي وقلوبكم نضيفه كده!! لم يكن القول سوى من "وسام" التي قالتها بتأثر. فربتت على كتفها "وردة" التي قالت بمرح: "والله ما في عمتو حلوة زيك كده، ولا إيه يا مرات أخوها؟
قالتها وهي تنظر إلى "نيروز" التي رفعت ذراعيها تحتضن "وسام" بحب، تزامناً مع قولها المرح: "أخت الغالي وأخت جوزي، أكيد يعني حلوة اوي!! دخل من خلفها "غسان" سريعاً، الذي تنحنح بنحنجرته. وبالأساس قد دق جرس المنزل قبل دقيقتين هو والشباب ووالده. تعالت ضحكته وهو يدخل من خلفها حتى رفع ذراعيه عليهما الاثنان أمام الأنظار دون حرج تزامناً مع قوله المشاكس لها:
"ده إنا حلو وبيتقال عليا كلام فالحب أهو، أومال منشفاها عليا ليه يا مفترية!! تعالت ضحكات "ياسمين" التي تحركت بجانبها "وردة" لتقف. ومن ثم دخل "حازم" مع "بسام" و"حامد". تحركت "نيروز" لتقف بجانب "غسان" الذي أسند ذراعه على كتفيها كالعادة في حين نظر بإعجاب على ما يراه ثم عزز من نفسه قائلاً: "والله غسان حلو وبيعمل كل الحلو، ولا إيه يا جوز خالة العيال؟
قالها وهو يرفع ذراعه يشير لـ "حازم" الذي ضحك بخفة وهو يحرك رأسه بنعم. ومن ثم سعادة بالغة في نبرته خرجت عندما قال: "الصراحة يا جماعة مكنتش متوقع إنكم هترحبوا أوي بالفكره لإني كنت عاوز أعملها فـ شقتنا، بس لاقيت ياسمين ونيروز. مصممين نتجمع ونعملهولها هنا ونفرحها وأنا مبسوط اوي بكده ومش عارف أقولكم إيه!! نظر له الجميع بحب. في حين تحدث "بسام" أولاً، وهو يقول:
"متقولش كده يا عم حازم إنت أخونا وأختك أختنا وبعدين إحنا كلنا عيلة مع بعض مفيش بينا الكلام ده!! "عاش يا حبيب أخوك! قالها "غسان"، كتأيد لحديثه هو الآخر. فتحدث "حامد" وهو يرفع يديه يربت على كتفه بحنو: "عيب يا حازم الكلام ده، أنا أبوكم هنا ونفسي أشوفكم فأحسن حال دايماً!!
احتضنه "بدر" بعاطفة أخوة دون أن يردف حديث. فتحركت أنظار الجميع نحو "يامن" الذي حمله "غسان" بمرح، وهو يرفعه لأعلى بذراعيه فتعالت ضحكاته الطفولية العالية التي جعلت كل منهم يضحك عليه بسعادة. إلى أن دق جرس الشقة. فأشارت "ياسمين" سريعاً لهم بأن يخرجوا كي لا تحرق المفاجأة. فرت "وردة" للخارج ومعها زوجها وحتى "ياسمين" و"حازم" و"حامد" و"بسام" ومن ثم "وسام" الذي أشار لها "غسان" بأنه سيلاحقهم على الفور. كادت أن تتحرك "نيروز" لتخرج فقاطعها "غسان" بعبثه وهو يحمل الصغير. ثم غمز لها بجرأة محركاً أنظاره من أعلاها لأسفلها تزامناً
مع قوله الجرئ لها: "بردو لابسة الإسود وأنا لسه حي!! خرجت ضحكتها الخافتة بخجل منه ومن اقترابه منها، فانحنى هو يهمس بهدوء، عكس طبيعة كلماته: "ما تيجي! حركت "نيروز" رأسها بقلة حيلة وهي تبتسم، ثم قالت بيأس منه: "انت فاضي والله، عدينا خلينا نطلعلهم! نفى "غسان" برأسه، ثم اعتدل بتحدٍ قائلاً بوقاحة: "أنا عايز بوسه!
قال طلبه بجدية شديدة، وحتى أنه أول مرة يطلبها منها بهذه الطريقة، تفاجأت من قوله ولكن لم تتفاجأ من وقاحته المعهودة، حاولت أن تتخطاه ولكنه قاطع سيرها مرة أخرى مردداً بتحدٍ ضاحك: "بترجعيني مراهق تاني، بس ماشي! اقترب منها عقب قوله حتى أنه انحنى ليقبلها، ولكن كانت قبلة "يامن" من قبله هي المطبوعة على خدها، تفاجأ "غسان" من فعلته حتى أنه حرك رأسه ينظر له بفخر، ثم قال بضيق زائف:
"هو عال وكل حاجة بس أنا الأول، أنا الأول يحبيب عمك والله! قهقهت "نيروز" من طريقته في قول الحديث، حتى أنها رأته يهبط "يامن" من على ذراعيه أرضاً، فسار ليخرج من الغرفة، ووقف هو يعتدل، ثم غمز لها مجدداً يسألها: "ها كنا بنقول إيه؟ حدقته "نيروز" بغيظ، ثم وكزته بكتفه قائلة بمراوغة تبعده عن الحديث: "كنا بنقول تطلع نقعد معاهم، وتبطل قلة أدب!
ضحك، فنظرت هي على ملامحه الرجولية وحتى ضحكته التي تفضلها، حرك عينيه الشغوفة بحبها، ثم اقترب ببطء عندما وضعها تحت تأثير نظراته العاشقة، قبلها بجانب فمها برقة على اللاصق الصغير الفضي الموجود من أثر تعليقها لزينة ما في المكان، توترت من فعلته حتى تحركت بخفوت، فدار هو ذراعه حول خصرها وهو يبتسم بهدوء، ثم خرج منه حديثه بصدق حينما قال بشغف: "مش مصدق إننا بكرة هنبقى في بيت واحد.. يا بنت الأكرمي!
ترتبك من الفكرة نفسها لطالما تهاب القادم، هي التي تتعمد نسيان ذلك رغم فرحتها ولكنه حاصرها، توسعت بسمتها الرقيقة له، ثم رفعت عينيها تطالع عينيه الشغوفة بها، ثم قالت هي الأخرى بنبرة صادقة: "ولا أنا يا غسان.. ربنا يعديها على خير! اعتدل وهو يقف ولم يحرك نظراته من عليها، رفع يده يرجع خصلاته إلى الخلف بغير اهتمام، ثم خرج الاهتمام في نبرته وهو يبتسم لها قائلاً:
"إن شاء الله هيعديها على خير، وهتبقى عال وهنجيب عيال، ده أنا مش مصدق نفسي إن الشقة خلصت في الكام يوم اللي فاتوا دول، لسه هطلع هدومي وتبقى كده خلصت.. ونبدأ الطريق الأصلي من الأول يا رزقه! نظرت له "نيروز" ضاحكة، ثم رفعت يديها بمرح تتحدث رغم تأثرها بعمق حديثه: "ابقى شوف بقى هتحطها فين، أنا جبت لبس تاني امبارح وطلعت حطيته في الدولاب ومعادش مكان.. سكة السلامة يا بن البدري!
قالت حديثها له باستفزاز، ثم تخطته سريعاً قبل أن يقاطع سيرها، نظر على أثرها بضحك، ثم مد يديه يغلق الضوء قبل أن يخرج هو الآخر بعد شروده في النقطة المعروفة في أمر أي عروسين، تأخذ هي الركن الأكثر مساحة، وهو.. خرج باتجاه الصالة لهم جميعاً، فوجد البعض يجلس على سفرة الطعام الطويلة والبعض الآخر يجلب الأطباق من المطبخ، توجه هو ليساعد البعض الآخر، في حين جلس "حامد" بجانب "بدر" الشارد منذ آخر مرة حدث بها ما حدث لـ "آدم"، رفع يديه يربت على ساقه بحنو، ثم قال على مرة واحدة له دون مقدمات وبصوته الهادئ الذي وصل له هو و"بسام"
الذي جلس بجانبه فقط: "لما بنسيبها لله بتفرج يا بدر، بتفرج والله!
تنهد "بدر" يخرج أنفاسه بثقة من حديثه، ثم هز رأسه له إيجاباً يؤكد ما يقوله الآخر، ثم حرك رأسه هو والجميع ناحية آخر من جاءوا من المطبخ، جلست النساء، حتى توجهت "وردة" تجلس بجانب "بدر" و"ياسمين" بجانب "حازم" الذي جلس بجانبه "جميلة" و"فريدة"، جلست "نيروز" بجانب "سمية" ومن جانبها جلس "غسان" الذي جلس بجانبه شقيقته "وسام"، ومن ثم "دلال" التي ابتسمت بفرحة وهي تنظر لهم جميعاً، قائلة بنبرتها السعيدة:
"متجمعين دايماً، في الفرح كده يارب وعقبالكم يا حبايبي! توجهت بنظراتها في آخر حديثها ناحية "بسام" و"وسام" و"جميلة" و"فريدة". ابتسم لها الجميع على حديثها، في حين بدأ كل منهم الطعام بحديثه الجانبي، خاصة "نيروز" التي نظرت نحوه فوجدته يغمز لها بعبث، لاحظ "حامد" فعلته هذه حتى حاصره بقوله المرتفع أمام الجميع: "ما تهدى يا خويا، هتبقى في بيتك ومعاك من بكرة إن شاء الله! ضحك الجميع عليه بخفة، في حين أكملت "سمية"
له بهدوء من بين ابتسامتها: "أنا بعطيك حد غالي عليا يا غسان، بعطيك نيروز اللي أنا بقولك إنها أمانة في رقبتك.. خلي بالك منها وأوعى تزعلها! تأثرت "نيروز" من حديثها، بينما هز "غسان" رأسه بحركة خافتة، وقبل أن يتحدث، تحدثت "دلال" سريعاً بسعادة: "متقلقيش يا سمية.. غسان ابني وقد الأمانة وهيخلي باله منها، معندناش أغلى من نيروز اللي زيها زي وسام بالظبط! ابتسمت لها "نيروز" بامتنان، فخرج صوت "حامد" هو الآخر يحدثهم بمرح:
"وعلى إيه ده كله.. لو جه جنبها وزعلها سيبهولي أنا، هعرفه! قهقهت النساء وضحك الشباب على تهديده، فوجد هو "غسان" يتحدث باستنكار من بين ضحكاته: "هتعمل إيه يعني يحج؟ "هاخدها منك وهقعد أحضنها وأبوس فيها! قالها "حامد" ببساطة، فضحك الكل مرة أخرى، حتى "نيروز" التي خجلت ومن ثم ضحكت بخفوت هي الأخرى، تركتهم يجيبون على حديث والده بمرح، أما هو فنظر إليها ثم همس بقوله الثابت الذي جعل ضحكاتها تتعالى:
"عايز يبوس، ويامن عايز يبوس وكله سايق فيها! ضحكت "نيروز" عليه وعلى حديثه رغم احمرار خديها، ورغم ذلك لم يفوت هو الفرصة بل نظر إلى خجلها ثم همس مرة أخرى وهو يقترب من أذنها بحركة خافتة قائلاً بمراوغة: "يحلاوة القلب لما يدق يدق والله! ضحكت بخفوت، وللحق كانت دقات قلبها تتسارع بسبب حديثه وحتى قربه وحتى توترها لكل خطوة جديدة ستبدأها وتبدأها بالفعل، ضغطت على فكها بحذر، ثم همست هي الأخرى من بين انشغال الجميع، حتى قالت بتحذير
وهي تحرك الملعقة بتهديد: "لم نفسك يا بن البدري! يعلم أن اليوم وما قبله وما قبل قبله من أيام لم تكن هينة عليه، وحتى لم تكن سهلة، يداهمه التفكير بها، لا يستطيع بأن ينساها، غلب وهزم من قلبه وعقله، الاثنان معاً، ماذا بقى له؟
يدعو الله مع بكائه في صلاته بأن يهون عليه ويهدأ قلبه الذي تخلله التعب من أمور الحياة الصعبة عليه، لا يعلم كيف قاطع شقيقته بالحديث في كل هذا الوقت وحتى والدته تقلل من الحديث معها أيضاً، "فرح" حبيسة غرفتها منذ آخر الأحداث، يتعمد هو في كل مرة بأن لا يراها ولا يتحدث معها، اعتدل "عز" في جلسته ببطء عندما وجد أحداهما تدق الغرفة، كان يتوقعها والدته ولكن عندما أذن لها بالدخول وجدها "فرح" الذي يتعمد هو في كل مرة الصد لها والصمت وحتى الهروب من مقابلتها، تصنع أنه لم ير شيئاً، أما هي فوقفت للحظات، ثم دخلت بتردد تقف من أمامه بمظهرها الذي يتغير نسبياً بسبب حالتها النفسية السيئة، وجدت نفسها ووجدت صوتها الضعيف
يخرج له بتساؤل مترقب موجع: "عامل إيه يا عز؟ صمت ولم يجيب، صمت يكسره قبل أن يقهرها هي! هي التي وصفت بأضعف ضعيفة! ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم خرجت نبرتها المتحشرجة تتوسله من جديد: "رد عليا يا عز علشان خاطري. سامحني لو بتحبني. إنت بقالك كتير مبتكلمنيش ولا حتى بترد عليا. سمعني صوتك ولومني من تاني. إضربني وموتني بس متبعدش عني كده!
تتوسله مع البكاء الذي يعلن ضعفها بعد الخطأ التي ارتكبته بحقه. رفع عز أنظاره إليها. تقسم هي بهذه اللحظة بأن نظراته تكفي لكسرته التي وجدت بداخله، وكانت هي أحد أسبابها. حرك رأسه بخيبة كبرى، ثم قرر بأن يخرج بصوته لأول مرة بعد آخر مواجهة بينهما: "وخاطري! خاطري يا فرح اللي دوستي عليه ومعملتلهوش اعتبار." يومها مرة أخرى، متخليًا عن كبريائه في كل ما يحدث له. هبطت دموعها بكثرة، ثم نفت برأسها تعيد على مسامعه ما قالته له مجددًا:
"سامحني يا عز وحياة أغلى حاجة عندك. والله العظيم خوفت ومكنتش أعرف أن كل ده هيحصل صدقني! وقف ببطء حتى تقابلت نظراته الخائبة مع نظراتها الضعيفة. اعتدل بوقفته، ثم أردف من جديد بنبرة شديدة الهدوء، مهزوزة أتت من عزم ما يحدث بداخله: "المصيبة إني مش عارف. مش عارف أسامحك وأعديلك القرف اللي عملتيه ده!
المصيبة إن نفسي آخد حقي منك ومش عارف بردو. نفسي أعمل حاجات كتير، لو مكنتيش أختي مكنتش أترددت لحظة أعملها. إنت غبية. غبية يا فرح وضيعتي مني حاجات كتير بكل قسوة. أولهم شغفي وطاقتي اللي كنت كل يوم بنزل بيهم عشان أشتغل وأتعب عشان تعيشي كويسة ومش محتاجة حاجة. طلعتي محتاجة أهم حاجة. محتاجة عقل وقلب!
قد يكون حديثاً عادياً على غيرها، ولكن أتى عليها بكل قسوة. هي التي عاشت تدعمه وترفع من شأنه، ثم فعلت عكس كل ذلك. سيثور، سيفعلها. ووالدته الواقفة من خلفهما. أتت. رفع يديه يصرخ بها بصوت مرتفع أتى من طاقته التي نفذت: "اطلعي برا." انتفضت على أثر صوته المفاجئ المرتفع. لم يرفع صوته من قبل ذلك عليها. تفهمت والدته حالته، ولكنها فزعت من صراخه هي الأخرى. سمعته يهتف مرة أخرى بقهر، وهو يشير لها مجددًا:
"برا.. وسيبي خدامك في حاله بقا!!! قلل من شأنه في هذه اللحظة رغم عزة نفسه طوال حياته! الظاهر عكس الباطن إذن، وشعوره بأنه قليل يلح عليه وبقوة، حتى أنه لم يكشفه لأحد سواها من قبل! لم تتحرك من مكانها رغم أمره بنبرته ولهجته وحتى صراخه. لا يعلم بأن فعلته ستجعلها تفعل شيئاً جنونياً تصبر عليه هي وحالها المريب بشخصيتها الضعيفة! الغير متزنة لبعض الأوقات!
وقفت ساكنة ودموعها فقط تتحدث. انتظر أن تتحرك هي، ولكنها لم تفعل. رفع يديه يدفع الكوب الزجاجي الموضوع على الطاولة حتى تهشم أرضاً من أثر دفعه. وصل لأوج انفعاله بوجعه، ليس بأعصابه من الأساس. شهقت حنان بقوة، وهي تتوجه للداخل تمسكه من كتفيه لتهدئه، في حين انفزعت فرح بغير تصديق من حالته، وهي تسمعه يصرخ مرة أخرى عقب فعلته: "قولتلك اطلعي برا وسيبيني!!
تحركت أخيراً بهلع من نبرته ومن حركاته ومن انفعاله الغير معهود بالنسبة إليها! ركضت بسرعة بخوف حتى صفعت باب غرفتها خلفها من عزم خوفها هذا! أما هو فنفض يدي حنان عنه مع قوله المعارض المرتفع هو الآخر: "سيبوني في حالي. سيبوني بقا وخلو الدنيا تسيبني.. أنا تعبت.. تعبت والله..!!
حديث ممزق مرة أخرى موجع. وصل وجعه لها وهي تبتعد عنه كي لا يدفعها وهو في حالته هذه. وقفت بذهول تنظر إليه وهو يتنفس بصوته العالي، ثم سكن تدريجياً ودموعه من تحدثت. وخرجت منه الشهقة التي مزقت قلبها. وهي واقفة توجهت له ولم تخافه ولم تهابه، لطالما ولدها أكثر من تحبه في هذه الحياة. ضمته إلى صدرها بتعب، وهي تحرك شفتيها بألم، مرددة بلهفة كبرى: "بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله عليك يا بني. بسم الله على قلبك يا ضنايا!!
بكت بعجز، ومن قلة حيلتها. شعور العجز وقلة الحيلة أصعب ما يمكن شعوره. واقفة لا يوجد بيديها فعل شيء سوى أن تضمه إلى صدره. خرجت شهقته الخافتة مرة أخرى بحنجرة خشنة لا تتوافق حتى مع بكائه المنكسر! حتى خرج منه حديثه بكسرة قبل أن يخرج من بين ذراعيها: "سيبيني. اخرجي وسيبني مع نفسي!!
طلبه منها كان بكل أمل وترجي بأن تتركه. هزت رأسها إيجاباً وهي تمسح وجهها، ثم التفتت دون إرداف حديث كي تخرج وتتركه. ارتمى على الأريكة المريحة بضعف، وهو يغمض عينيه. يتأكد بهذه اللحظة أن كل ما يحدث له وما يشعره لم يأت من علاقته المفصولة بـ "جميلة"، فقط، بل أتى ذلك من كل ما حدث له منذ نعومة أظافره، وكأن فراقهما هو الشيء الوحيد والأخير الذي أتى بنهاية طاقة تحمله! "وبعيش بالغصب حياة واحد.. مكنش في نفسي أكون هو.."
وكأن الكلمات كتبت له هو وحده ولقصته.. بل ولقصصه وليست قصة واحدة موجعة! كان الوجع معه في كل قصة وبكل مرحلة!
إنتهى بعد مرور الوقت بنهوض كل منهم من على مائدة الطعام. أخذ البعض يساعد من حمل الصحون توجيهاً إلى المطبخ إلى أن انتهوا بالفعل من حملها وتنظيف المكان من بعدهم. ولكن تركت النساء الصحون دون غسلها بسبب ما سيفعله من كشف مفاجأة. جلس حامد بجانب بدر وبسام الذين كانوا يتحدثون مع بعضهم، بينما وقفت سمية بجانب بقية النساء. نظرت فريدة بغرابة على حديث الفتيات الجانبي. في حين نهض حازم يبتسم باتساع، وهو يقف أمامها، ثم رفع أنظاره من أعلاها لأسفلها قائلاً
لها بصوته الهادئ: "شكلك حلو أوي كده إزاي يا فريدة!! قالها وهو يقف بجانبها. نظرت له بتأثر. بينما تحركت نيروز من جانب غسان حتى أشارت لـ ياسمين لتبدأ بقولها البادئ للخطه: "بقولك إيه يا فريدة. ممكن تدخلي تجيبيلي شنطة علاج كده بيضا في أوضة الصالون؟
ورغم غرابة الطلب منها بسبب وجود الجميع، ولكن هزت فريدة رأسها بالإيجاب، ثم بدأت بالتحرك. إلى أن توجهت لتفتح باب الغرفة، ثم مدت يديها لتفتح الضوء. انسحب خلفها الجميع من الفتيات والنساء والشباب. وما أن دخلت بقدميها تفتح النور، رفعت أنظارها في المكان بذهول من ما رأته. المكان مزين بطريقة جذابة، بل ووقفت للحظات تستوعب.. ما تراه أمامها!!
معلق بحروف كبيرة فضية اللون "Happy birthday Fareda"، وبعض من الصور لها وهي صغيرة. صور بحثت عنها عايدة مع حازم وجميلة لديها بأعجوبة. لم تحتفظ بالأساس بها، لكنها بحثت إلى أن وجدت منها على الأقل ثلاث صور. طبعهم حازم مع غسان بحجم أكبر حتى علقوها. لاحظت كتابة بعض الجمل التي لاحظتها مكتوبة بالخط عند تحرك الصور المعلقة بحبال من الأعلى. توجهت لتقف حتى أمسكت الصورة الأولى تنظر إلى ظهرها وما مدون بها بخط كل من كتب لها، وأول
الكلمات والرسائل كانت: [ كل سنة وإنتي طيبة يا فريدة. لو قولتلك إنتي غالية عليا قد إيه عمرك ما هتعرفي. بتمنالك سنة جديدة غير كل اللي راح منك. سنة بدايتها تكون صح وصالحة ليكي. عايزك تعرفي إني دايماً جنبك وعمري في حياتي ما هتخلى عنك. عشان إنتي بالحرف كده "بنت أخوكي". وأقولك على سر بقا. إنتي بنتي الأولى قبل اللي في بطن ياسمين الهبلة. كلام في سرك ده. -أخوكي وسندك طول العمر "حازم" ]
أدمعت عينيها بتأثر شديد حتى هبطت دمعتها بسعادة ومشاعر مختلطة عديدة وهي تقرأ الرسالة الثانية المدونة أسفل رسالته: [ هم قالولي أكتبلك.. بس الكلام مش هيوصف حبي ليكي. مش عارفة أقولك حاجة غير إنك بنتي. بنتي ومش مجرد كلمة وبس.. لا إنتي فعلاً بالنسبالي توأم جميلة بنتي في الحب والمعزة. ربنا يسعدك يا حبيبتي ويفرحك ويجعلك دايماً مجبور الخاطر! كل سنة وإنتي في حضننا وعمرك ما تخرجي منه بعد الوقتي.
-أمك بالرقم اللي تحبيه. عارفة إني الأم رقم ٢ بس شايفاكي بنتي رقم واحد مع جميلة.. كيف توفيهم حقهم فالحب؟ عجزت عن التعبير، بل أكملت بكل حماس رغم بكائها المتأثر وهي تقرأ الرسالة الثالثة:
"بتمنالك سنة سعيدة، سنة تلاقي فيها العوض. صحيح جوزت أهو تلات بنات بس كنت فاكرة إني كده هخلص، افتكرت إني لسه عندي بنتين إنتِ وجميلة. كنت عارفة إنك في الآخر، كل اللي كنتي فيه ده مكنش منك. رغم خوفي على بناتي منك، بس يعلم ربنا إن إحساسي تجاهك كان الحب والتعاطف
والأمنية اللي كنت بقولها: ربنا يفوقك من اللي إنتِ فيه ويهديكِ. واتحققت وبتتحقق. بحبك يا بنتي. عايدة قالت إنها أمك، بس متعرفش هي رقم كام. بس أنا بقولك إني برضه أمك وأم أخواتك، والحقيقة ميفرقش معايا أرقام طالما إنتِ بنتي خلاص يا فريدة. أم الخمسة فتيات، سمية."
تشعر بأن مكانتها الآن عالية، بل وتحلق من كثرة سعادتها بكل هذا الاهتمام. تحركت عينيها نحو الصورة الأخرى المعلقة، حتى أنها ابتلعت ريقها بتشتت مرتبك من التأثر وهي تديرها لتقرأ كما قرأت في السابقة: "الرسالة رقم أربعة. أجيد اللغة العامية ولكني لا أفضل التحدث بها عندما أكتب كلمات متأثرة، لذا سأكتب لكِ باللغة الأم. وسأكون أنا الأخت.
يشهد الله على أن قلبي لم يظل به كره أو بغض اتجاهك. ويشهد أنني أصبحت أحبك وأن مكانتكِ تغيرت بوقت قصير. أتمنى لكِ حياة سعيدة، مليئة بالراحة. أتمنى لكِ بأن يهدأ قلبك وأن تصبحي بخير دائم وعلى ما يرام إلى الأبد. رغم ضعف احتمال دوام الخير إلى الأبد، ولكنها أمنية وتخرج لأعزهم، أقصد لمن أصبحت أعزهم على قلبي الآن. المتمنية بأن تصبح رفيقة أيامك في القادم والحاضر، نيروز الأكرمي."
كما تعشق التحدث باللغة العربية الفصحى ومن سواها نيروز! تنهدت بفرحة وهي تحرك أنظارها للأسفل حتى وجدت الرسالة الخامسة لها: "كل سنة وإنتِ جميلة يا فريدة. الجمال اللي يخلي الواحد يحب يبص لوشك، وياسلام لو مبسوطة ومبتسمة. مسامحاكِ على كل اللي حصل فيا زمان. ونفسي تكوني دايما قوية وكويسة. واعرفي إن جبر ربنا جاي، وإن عمره ما بيظلم حد أبداً.
أختك وردة، اللي بتهديلك كل الورود اللي في المكان. أنا اللي منظماها دي على فكرة. أنا وبدر اللي برضه قالي صراحة إنه مش شايل منكِ بسبب اللي حصل واللي كان بيتقال زمان. إحنا دلوقتي فـ دلوقتي وبس يا فريدة. بحبك." أكثر من ظلمتها وقبل نيروز، كانت وردة التي كانت تعايرها بخصوص موضوع حملها ورحمها. تعجبت من قدرتها على المسامحة وتيقنت بأنها حظت بعائلة نقية قوية مهما مر. ابتلعت ريقها بتأثر، ثم أخفضت عينيها نحو الرسالة السادسة:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا بت يا فريدة يا بت. رغم إني كنت بتدايق منك وبحب أغيظك إنتِ وأمك وكنت بقعد أقول عليكوا صفر. بس متجوش فـ كيدي حاجة كده كده. إحم.. أنا كده بلبخ صح؟ المهم إني حبيتك، مش هقولك بحبك لأ حبيتك وشوفت إنك تستاهلي فعلاً أسامحمك وأتقبلك وأديكي فرصة. كل سنة وإنتِ مزة طول عمرك. خليفتي في الملاعب بقى وكده هنقول إيه!
وأخيراً عايزة أقولك إن أصلاً أي حاجة من طرف وريحة الواد حازم المحامي جوزي حلوة وعسل ومسكر. وأقسم بالله لو بقيتي عمتو حرباية لهزعلك مني.. يلا سلام. مرات أخوكي الحرباية، ياسمين." كانت طريقتها في قول كلماتها مضحكة بقوة، خرجت ضحكتها الخافتة وهي تنظر وتقرأ الكلمات بحب. إلى أن جاءت عينيها على رسالة أخرى رقم سبعة:
"لو ينفع أجمع ليكِ كل الأسف من كل العالم عشان تكوني بخير، هعملها. مستعدة أكون جنبك طول العمر. ولآخر نفس. فخورة بيكِ. فخورة بكونك إنسانة جديدة بتحاولي تكوني صح. بحبك أوي يا فريدة. وإحساس حلو أوي إن بقى ليا أخت ده العادي، بس بقى ليا أخت قريبة مني بجد وشايلة نفس اسمي. كل سنة وإنتِ فريدة دايماً بمعنى اسمك مش مجرد اسم وخلاص.
حبيبة أيامك وحتى أحزانك الحاضرة. صاحبة الاحتواء منكِ ولكِ. توأم روحك الحالية وحتى من قبل، رغم فرق سني الكبير قليلاً عنكِ. شقيقتك جميلة." لم تعد تستطيع التحمل، بل خرجت شهقاتها من بكائها المتأثر، وكل ذلك ولم تلتفت إليهم وهم واقفين من خلفها. بل أكملت الرسالة الثامنة، الصغيرة بقدر معرفة من كتبها لها:
"الحقيقة مجربتش أقرب منك ولا حتى أعرف شخصيتك. بس لفتيني بجمالك وجمال روحك رغم إن اللي كان بيحصل كان عكس كده. بس حسيت إن عندك قبول بملامحك دي. أتمنى نكون أصدقاء بجد. حتى يعني قرب سننا من بعض بيقول كده. عايزة حد نفس دماغي يا ناس. المهم.. كل سنة وإنتِ طيبة وبخير دايماً. ويلا نبقى صحاب عشان إنتِ الوحيدة اللي حاسة إنها هتحب تتابع معايا الماتشات وتشاركني في الحاجات اللي بحبها. حاسة إنك دايسة في أي حاجة. فـ خدي بوسة.
صديقتك القادمة من المحتمل ورغم أمنيتي بذلك. وسام." أيعقل شخص لم تعرفه تخرج منه هذه الكلمات، بل ومن ظلمت شقيقها قبل ذلك؟! انتهت الرسائل؟! رفعت كفها تمسح وجهها ثم التفتت تنظر إليهم جميعاً. ولا تعلم هي ماذا تفعل، إلى أن أردفت بتلقائية متأثرة لهم جميعاً: "أنا.. أنا بحبكم أوي!!
تعلثمت من كثرة التأثر، فابتسم لها الجميع ببهجة. حتى احتضنها حازم بحب. وبدأ من لم يكتب بقول الحديث لها بكل احترام دون تعدية للحدود. هتف بسام أولاً، وهو يحاول تحريك نظراته كي لا تتقابل معها مباشرة، بطبيعته الخجولة: "كل سنة وإنتِ طيبة!! هزت رأسها بإمتنان، وقد عرفت هويته بسبب حلقه لذقنه. وجدت بدر من بعدها يقول هو الآخر بابتسامة صغيرة: "كل سنة وإنتِ طيبة يا وسام!!
ردت عليه بشكر وهي تبتسم بتأثر. إلى تحرك غسان ليقف أمامها وهو يحرك عينيه ويوزعها بينها وبين حازم، الذي يعلم هو ما يفكر به الآخر. تنهد يخرج أنفاسه ثم أردف بثبات لها: "كل سنة وإنتِ طيبة بعد ما طلع عين أمي وأمك بسببك!! قصد اتهامها له بخطفها. قالها بطريقة مضحكة حتى ضحك بآخر حديثه كما ضحك الآخرون. أما هي فابتسمت بإمتنان وأسف وهي تقول: "وانت طيب دايماً إنتِ وروزي. وبتمنى تسامحني!!
حرك رأسه بمعني نسيانه لما فات ومر. ثم ابتسم باتساع، فوكزته نيروز حتى تحرك ليقف بجانبها. وجدت حامد من بعدها يقف أمامها هو وزوجته حتى قال هو الآخر بلين: "عايز أقولك كل سنة وإنتِ طيبة. ونفسي تعتبريني أبوكي وسيبي الباقي عليا يا ستي!! ضحكت فريدة بخفة ثم نظرت على الأخرى وهي تتحدث: "كل سنة وإنتِ طيبة يا فريدة. ربنا يجعلها سنة الجبر والعوض عليكي يارب."
احتضنتها عقب قولها كما احتضنت شقيقتها والفتيات والنساء. وقفت ياسمين تصفق عالياً لتنتبه ثم قالت بحماس: "يلا. يلا هجوم على التورته!!
قالتها وهي تشير على التورته الكبيرة الذي حجزها حازم وأوصى عليها. تحرك الجميع نحوها وقد أمسك حازم يديها ليقطع معها القطع. بمساعدة عايدة هي الأخرى حتى انتهت بأخذ الجميع قطع بأطباق ورقية ووقف بكل جانب يتناولونها مع الحديث العشوائي. نظرت له نيروز بسعادة بها بعد الشراسة. فعقد غسان ما بين حاجبيه باستغراب وهو يتساءل: "مالك يا روزه؟! قلبت نيروز عينيها بملل. ورغم معرفتها برده، ولكنها تحدثت له ببرود:
"لا مفيش أبداً. ببص عليك وإنت واخد راحتك أوي وقاعد بتوزع ابتسامات كده لأي واحدة. ليكون في حد أحلى مني في عينك يا بن البدري!!!
قالتها رغماً عنها وعن شعورها بالضيق من طريقته قبل قليل. ورغم حبها لـ فريدة، ولكنها شعرت بأنه أخذ راحته بالحديث والإبتسامات والضحكات، بل وهو الوحيد الذي فعل ذلك. كان الحديث عادياً، ولكن الطريقة لم تكن عادية بالنسبة لها. حاولت تجاهل الشعور، ولكنها لم تحتمل، بل أرادت أن تحرك عبثه معها. كبرياء أي أنثى إذن بطبيعتهن!!
نظر لها "غسان" بغير تصديق وقد فهم ما ترمي إليه بحديثها. حرك رأسه بقلة حيلة وهو يبتسم ثم ابتلع ما بفمه حتى انتهى بقوله اللين لها وهو ينحني حتى همس جوار أذنها بحديث يأسرها هي وقلبها: "عايزك تعرفي إن في حضور غيرك عيني مبتبقاش شايفة غيرك! أتت جملته في منتصف قلبها. توسعت بسمتها بفرحة وهي ترفع عينيها تطالع عينيه الذي تحرك بها يعتدل بوقفته وهو يغمز لها بعبث. ثم سمعها تتحدث بغمزتها هي الأخرى له وبحديثها المعتاد:
"ثبتني يا بن البدري! "ابن البدري يا ستي بنت الأكرمي كفته على وشه في حبها حتى وهي مجنونة وغيرانة غيرة عبيطة كده.. بس.. ما تيجي!!! ضحكت "نيروز" بسخرية منه ثم هزت رأسها تجيبه بموافقة ساخرة: "ما أنا فعلاً جايه يخويا. هاجي معاك كمان شوية توصلني سنتر التجميل أعمل شوية حاجات كانت ناقصة كده وتبقي ترجع تاخدني بعدها بساعة! غمز لها "غسان" بوقاحة ثم سألها بجرأة: "هتعملي إيه؟
فتحت "نيروز" عينيها بذهول من وقاحته حتى أن وجهها قد تصبغ بحمرة الخجل. ابتلعت ما يوجد بفمها وهي تتجاهله سريعاً. فردد هو مجدداً بضحك: "يخرب عقلك وعقل قلبك اللي بيدق ده ومخليكي حمرا في بعضك كده! كتمت ضحكتها بصعوبة ثم رفعت يديها توكزه بكتفه وهي تنبس بكلمات معتادة منها: "احترم نفسك لو سمحت بقا. بطل قلة أدب شوية! خرجت ضحكته بعبث وهو يتعمد محاصرتها لتخجل ثم مرر عينيه من أعلاها لأسفلها مردداً مرة أخرى بغمزة عين معهودة منه:
"تحت العباية حكاية والله. العباية السودا عليكي حوار كبير أوي. يبخت اللي إنت من بخته يا رزقه! "يا بختك يا بن البدري. ولم نفسك بقولك بدل ما أقول لعمو حامد." تعمدت أن تهدده. نظر لها بتحدي ثم حرك رأسه بثبات وهو يشير لـ "حامد". توسعت عينيها بصدمة من فعلته فقد حاصرها بخجلها عندما هددته. جاء "حامد" سريعاً يقف ثم قال بضيق زائف له: "عاوز إيه يا بن الكلب؟ بتقطع كلامي مع حب عمري ليه؟ "نيروز كانت عايزة تشتكيلك مني يا حامد."
قالها "غسان" ببراءة زائفة وترت من موقف "نيروز". حدجه "حامد" بحنق وهو يرفع ذراعه يضعه على كتف "نيروز"، وهو يسألها بإهتمام مشاكس: "قولي يا حبيبتي. عملك إيه ابن الجامد ده؟ كان الوضع مخجلاً إلى أن عزز بنفسه فضحكت كما ضحك "غسان". وعاد الوضع محاصراً بالنسبة لها. حركت رأسها بعشوائية ثم أجابته وهي تلعن من وقف أمامها: "كان بيقولي.. بيقولي أنه.. العباية يعني حلوة عليا وكده!
عقد "حامد"، ما بين حاجبيه من حديثها الغير منطقي. كبت "غسان" ضحكته. فتحدث "حامد" بثقة وعفوية: "طب ما عنده حق يا بنتي! تعالت ضحكات "غسان" بقوة حتى انتبه له الجميع. فرفع يديه يزيح ذراع "حامد" بكيد. وهو يردد عالياً لـ "حازم": "شغل أغنية رومانسية عشان نرقص سلو ونتدرب كده لبكره. مفيش حنة فخلينا نهيص يعم ونفرح بقا!
سحب "نيروز" من يديها فحرك رأسه "حازم" بموافقة وتسجيل الصوت موجود بالمكان بالفعل. فتح هاتفه وبجانبه "ياسمين" تساعده في اختيار أغنية مناسبة. أخذ الجميع الوضع بالرقص. فكان "بدر" مع "ورده" و"حامد" مع "دلال" و"بسام" مع وسام" و"نيروز" مع "غسان" بالمنتصف. والمضحك بأن ستتراقص "جميلة"، مع "فريده". صدح صوت الأغاني في المكان عندما بدأت الكلمات في الظهور بصوتها عالياً بحماس هادئ: "إنتي السلام وقت الحروب إنتي الشمس ساعة غروب
لما بشوفك قلبي يدوب ما إنتي ساحرة القلوب إنتي السلام وقت الحروب إنتي الشمس ساعة غروب لما بشوفك قلبي يدوب ما إنتي ساحرة القلوب إنتي الأحباب إنتي الأهل والصحاب إنتي الحقيقة في السراب إنتي الطريق وقت الضباب إنتي الأحباب إنتي الأهل والصحاب إنتي الحقيقة في السراب إنتي الطريق وقت الضباب ما إنتي الحب في دنيا مليانة ضيقة أحلى حاجة في كل دقيقة والثانية معاكي بتسوى عمر ما إنتي الأجمل بين البيض وبين السمر
ما إنتي الحب في دنيا مليانة ضيقة أحلى حاجة في كل دقيقة والثانية معاكي بتسوى عمر ما إنتي الأجمل بين البيض وبين السمر إنتي الأحباب إنتي الأهل والصحاب إنتي الحقيقة في السراب إنتي الطريق وقت الضباب إنتي الأحباب إنتي الأهل والصحاب إنتي الحقيقة في السراب إنتي الطريق وقت الضباب"
تراقص الجميع على هذه الكلمات التي شرحت جيداً مدى علاقة كل منهم للآخر وحتى "حازم" الذي رقص مع "ياسمين" بحذر رغم اعتراضه في البداية. و"نيروز" التي أدمعت عينيها بتأثر وهي تنظر نحو عيني "غسان" وفمه المتحرك بالكلمات لها تحديداً. لوهلة تخيلهما غداً بنفس الوضع. أدمعت عينيها بتأثر. بل ومنظرهما كأنهما أمير وهو ممسك بيد أميرته ويتراقصان بالمنتصف ومن حولهم البقية. ساحة رقص عميق يشرح الكثير حتى رقص "جميلة" مع "فريده" والتي
توافقت الكلمات معهما بشدة. انتهت الكلمات باحتضان كل طرف الآخر.. حتى "بسام" الذي قبل قمة رأس شقيقته كما فعل "حازم" مع زوجته وحامد وبدر. ولكن ضم "غسان" نيروز بين ذراعيه بحب وصدق. بهذه اللحظة حتى همس لها يعترف بالمرات القليلة الذي يهتف لها ذلك عادة ما يعترف لها بعبثه ومرحه ولكن هذه المرة قالها بكل
صدق نبع من قلبه قبل عقله: "بحبـك يا نيروز... بحبك يا بنت الأكرمي! "وبنت الأكرمي بتحبك يا بن البدري والله." لحظة صمت سمع الجميع بها جملتهما معاً. وانتهت بتهليل من حولهم بل وتصفيقهم وخاصة عندما تعجب البعض من حركة "بسام" العفوية عندما خرجت صفارة من فمه بتهليل. ضحك الجميع عليه بخفة. فاعتدل "غسان" بعد دقائق. يشير لـ "بسام" قائلاً له: "مش يلا؟ حرك رأسه إيجاباً له وهو يسبقه للخارج. عقد "حامد" ما بين حاجبيه بتساؤل له:
"رايحين فين؟ "هوّصل نيروز الكوافير وهروح أنا وبسام مشوار كده عالسريع هنخلصه ونجيب نيروز ونرجع. عاوزين حاجة؟ رفض الجميع بلطف. فخرج من الغرفة. وتبعته "نيروز" التي ذهبت لتأتي بحقيبتها من الداخل بسرعة. فوقف "غسان" يسأل شقيقه بسرعة: "كلمته؟ موجود فالبيت ولا هيجي عن الورشة برا؟ "لا رد عليا وقالي إنه فالبيت وحتي عنوان البيت يعني عرفته!
هز رأسه له بتفهم. حتى جاءت "نيروز" من الداخل. تزامناً مع خروج "بسام" من الشقة يسبقهم. أخرج هو المال الذي وضعه بظرف لها. ثم ابتسم لها بلطف وهو يقدمه لها قائلاً بنبرة هادئة قبل أن يخرج: "خدي دول عشان لو إحتاجتني حاجة النهارده وبكره. خليهم معاكي! هزت "نيروز" رأسها بحرج. رغم أنها لا تعد أول مرة ولكن استشعرت هذه المرة بكثرة قيمة الأموال. حركت رأسها نفياً وهي تقول:
"لا أنا معايا مش محتاجة خليهم معاك يمكن تحتاجهم. وبعدين المصاريف اليومين دول صعبة وإنت مش ملزم تدفعلي حاجات زي دي دلوقتي! قال كلمة معارضة معروفة عند الرجال اختصاراً لـ "انا حقاً اعترض" مع أخذ أول حرف من أول كل كلمة. حتى نظرت له بصدمة وهي تسمعه يكمل: اومال مين اللي ملزم يا روحسميه "غسان" مد يديه بتحذير وهو يأمرها بقوله مرة أخرى بجدية: "خدي عينيهم فشنطتك وبلاش عبط ع المسا!!
أخذتها "نيروز" منه عندما رأت ضيقه، حتى خرجت ضحكتها. فنظر لها بسخرية وهو يردد بنفس طريقتها: "قال مش ملزم قال." رمى لها نظرة ساخرة قبل أن يخرج، فضحكت هي عليه بخفوت وهي تخرج بعده. ولم تتعجب من وقاحته التي أصبحت معهودة بالنسبة لها، بل وتيقنت بأن من دون وقاحته لم يكن هو "غسان".. لم يكن هو: "حدة الشباب"!!!!
في شقة "زينات"، كانت تجلس على المقعد بغرفتها بيأس كبير، يأس من كل محاولاتها للتقرب من ابنتها. يؤلمها فؤادها، تقهر لما حدث لها، تتردد في أخذ خطوة أخرى. ولكن اليوم، اليوم عيد مولدها. كيف لأم أن تنسى عيد مولد من حملته بأحشائها؟ ابتلعت ريقها بخبء أمل كبرى وهي تنهض. ستذهب بإصرار، ولكنه إصرار محبط لعلمها بالنتيجة الحتمية!
اشترت لها هدية. ستأخذها معها وتمسكها بيديها. جلبتها من على الطاولة الصغيرة وهي تلف حجاب رأسها لتخفي خصلاتها بغير اهتمام. ثم خرجت من الغرفة وهي تأخذ المفتاح معها. وحدة الشقة قاسية، حتى أن قلبها يؤلمها رغما عنها عن فراق ابنها "حسن" التي تود أن تعرف وتعلم بكل لهفة أين هو. ستفعل ذلك، ستحاول!
لم يعد لديها سوى المحاولة. رفعت المنشفة تمسح دموعها بأسى. فكل من حولها يتركها وحيدة، حتى زوجها التي تعلم بأن سجنه قد كان حان من القرب بالحكم عليه هو الآخر!! بسمة سخرية لاذعة. فوجوده مثل عدم وجوده حقا. أغلقت باب شقتها خلفها ببطء، ثم توجهت تقف أمام شقة "سمية". تعلم ما سيفعل وما فعل لأجل ابنتها.
بسبب حديث "حازم" لها، والتي بدأته هي عندما ترجته بأن يجعل شقيقته تسامحها. لقاء، ولكن رده كان فقط بحديث يعلن رفضه بقلة حيلته عندما ردد على مسامعها وقتها بـ: "قبل عدة أيام"
"أنا مقدرش أخلي حد يسامح حد، دي حاجة مليش يد فيها. مش عارف أقولك حاجة غير إنك فعلا ظلمتيها وظلمتي كل شخص هنا. بس حتى لما قررتي تفوقي مفوقتيش بس غير من ناحية بنتك عشان بس اللي حصل فيها. ورغم كل ده.. مش عاوز غير الراحة لأختي اللي صدقيني لو طلبت مني متشوفش وشك ده تاني هنفذ لها طلبها لحد ما تطلب هي بنفسها إنها تشوفك عشان محتاجة تسامحك."
كان حديث "حازم" ليس هين عليها في ذلك الوقت، حتى أنها رددت سريعا بلهفة تجيبه بحديث تصنع الإنصات الطبيعي له رغم دهشته:
"بس أنا ندمانة فعلا ونفسي ترجع لحضني مش عشان بس حصل ليها اللي حصل. أنا فوقت والله العظيم يا حازم يا بني من اللي حصل فيها وفكرت في كل اللي عملته واللي قولته بس مكسوفة من نفسي أوي ومن وحاشتي دي. علشان كده كل شوية برجع لورا لما أجي أقول لحد فيكم يسامحني. إذ كان بنتي اللي من دمي ولحمي رافضاني بكل الطرق أومال إنتو هتعملوا إيه. نفسي أرتاح يا بني والله نفسي. الوحش بردو مكنش بيرتاح أكتر من المظلوم والله." "حازم وابنك!!!
بصي يا مرات أبويا إنت مش فارقالي أنا مش فارقلي غير أمي ومراتي وأخواتي. وزي ما قولتلك مش هقدر أضغط على حد يسامح حد غصب عنه. لازم الخطوة تيجي منها. ومتقلقيش يعني هي طالعة زينا بتقلب بس بتسامح بعد كده وبتعدي. لا هي زي حسن ولا زيك ولا حتى زي جوزك اللي هو للأسف أبويا. فـ الله يسهلك." قالها "حازم" بكل هدوء وكاد أن يتحرك من أمامها في ذلك الوقت، ولكنها قاطعت سيره بمسكها لذراعه وهي تزرف الدموع متساءلة بترجٍ مخذول:
"طيب بلاش كل ده.. قولي حسن ابني فين. عرفني فين مكانه أو حتى قولي هو كويس ولا لأ. لو مش علشاني عشان خاطر قلب الأم اللي بيتوجع ويتحرق غصب عن عيني حتى لو أنا وحشة ومستاهلش!! في هذه اللحظة تعمد القسوة.. بل وهو الآخر ذو طبع ليس هين بقليل في وقت حزنه وغضبه!
تشبيهه من "عايدة" بأن شخصيته وشخصية "نيروز" متقاربتان إلى حد ما. ابتلع ريقه رغما عنه ثم نظر على يديها الموضوعة على ذراعه وهو يوزع النظر بينهما ثم أجاب أخيرا بنبرة هادئة قائلا لها قبل أن يرحل ويتركها: "ابنك مش عارفين ليه وقت معين هيفوق فيه ويقدر يقوم لأن بيفوق فترة صغيرة ويرجع تاني. بس أكيد لما يفوق ساعتها هنعرف وهعرف وهاجي أعرفك." قصد عدم إعطائها حل مفيد. رحل بعد هذه المقابلة وتركها واقفة بعجز متعب.
"عودة للوقت الحالي" خرجت من شرودها عندما فتح لها الباب بواسطة "بدر". طالعها بصمت للحظات، إلى أن أشار لها بالدخول فقط دون أن يتحدث. دخلت بخطوات بطيئة إلى أن أغلق "بدر" من خلفها الباب. توجهت لتقف وهي ترى "حازم" يقف بالصالة مع "بدر" و"حامد" فقط. وبقية النساء والفتيات بالداخل. طالعوها بصمت، إلى أن أشار لها "حازم" عندما علم سبب مجيئها:
"موجودة جوه. أدخليها بس لو رد الفعل صعب عليكي بعد ما قالتلك متجبش تاني. أنا مش مسئول عن اللي هتحسيه!! ابتلعت "زينات" ريقها بصعوبة وهي ترى "حامد" يحدج "حازم" بأن يكون لين أكثر! هزت رأسها له بموافقة وهي تتجه نحو الداخل، حتى وقفت تنظر من على أعتاب باب الغرفة. ابتسمت بحنين لبسمتها الواسعة التي تراها أمامها الآن عندما وجدتها تضحك مع "ياسمين" و"وسام" و"ورده" وحتى شقيقتها "جميلة"..!!
لاحظن النساء وقوفها، فأشارت لها "سمية" بالدخول وهي تهتف باسمها عاليا بنبرة عادية هادئة. حتى التفتن لها الفتيات، وتلاشت بسمة "فريدة" تدريجيا. أشارت "سمية" لهن بأن يخرجن، حتى خرجن واحدة تلو الأخرى، وكما خرجن النساء هن الأخريات. طالعت "زينات" المكان بتأثر من تزيينه وتنظيمه بهذه الطريقة، من البالونات وجملة عيد ميلادها وحتى صورها والزينة الكثيرة والورود. عادت بنظراتها نحو وجهها بإشتياق، وخانتها نبرتها الضعيفة
عندما هتفت بتحشرج لها: "كل سنة وإنت طيبة يا.. فريدة!! قلبت "فريدة" عينيها بضيق موجع، ثم رمت لها جملها القاسية مرة واحدة لها: "إنت جايه ليه؟ مش قولتلك معتيش تيجي تاني. قولتلك مفيش فرص. مش هعرف أسامحك. إيه مفهمتيش كلامي؟ حركت رأسها بخيبة، ورغم انعدام الأمل ولكن تحتفظ بالإصرار كونها ابنتها التي ستتحملها أينما حل! ولكن أين كان ذلك؟ نزلت دمعتها دون تشنج وجهها وهي تبدأ بحديثها لها:
"ومش همل. مش همل منك يا فريدة ولا همل من محاولة إني ارجعك لحضني من تاني. إنتي بنتي. وصدقيني أنا تعبانة علشانك أوي. نفسي تسامحيني من غير حتى ما تكلميني علطول بس تسامحيني. يمكن أموت حتى من غير ما تسامحيني. بترجاكي وحقك. حقك يبنتي تعملي فيا اكتر من كده. أنا اللي علمتك تكوني بالجحود والقسوة دي بس والله ندمانة على كل حاجة عملتها. علشان خاطر أمك تحسي بيا وتسامحيني!!
تتأثر من حديثها ودموعها، ولكنها تحاول الإخفاء متحلية بالثبات. وأي ثبات ودمعتها هي الأخرى قد هبطت منها دون أن تشعر! هزت رأسها نفيا، بل وتلعن قلبها بسبب عدم قدرتها على تخطي الماضي رغما عنها. ولأول مرة تتمنى أن تسامحها بالفعل، ولكنها شعرت بالعجز. ظهر الضعف والعجز عندما أشارت نحو موضع قلبها باكية:
"نفسي. نفسي بس ده مش قادر يعدي كل اللي فات. نفسي أنسى. بس هنسى إزاي إن كل اللي أنا وصلتله كان منكم من الأول. هنسى إزاي إني لما إحتاجت حضن مشيت ولما مشيت روحت وجيت وأنا ضايعة. مين هيقبل بواحدة زيي دلوقتي؟ تواجهها بالحقيقة المرة التي لم ترميها بآخر سؤال لها لأحد. نفت "زينات" برأسها بلهفة سريعة وهي تردد بتعلثم، تبث بها الأمان والثقة بعد فوات الأوان:
"لأ متقوليش على نفسك كده.. متقوليش على نفسك كده يا بنتي. إنت الكل يتمناكي. كله يتمني واحدة زيك والله العظيم." ابتسمت "فريدة" بسخرية وهي تنفي هي الأخرى مرددة بنبرة قوية تخرج بالحقيقة الموجعة: "بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟ أنا محدش هيقبل بواحدة زيي.. واحدة ضايعة. ضايعة من غير ما تتجوز حتى. مين هيديني فرصة؟ مين هيفهم اللي فيا؟ مين هيحس بيا وبحالي ويقدره؟ وحتى لو تفتكري هستحمل حد يعايرني بالماضي؟
عجزت "زينات" عن إبداء المواساة وعن إخراج الحديث حتى. حقيقة المجتمع وما يراه تجاه فتاة مغتصبه! وجدتها تصرخ بها مرة أخرى وهي تنهرهها رغم إرادتها بأن تعطيها الفرصة!! "حــرام عليكي!!! كل ما بحاول أنسي وأبدأ من جديد بتيجي توجعيني!! ليــه؟ أنا مش قولتلك مش قادرة أعطيكي فرصة." ليه بتعملي فيا كده؟ جاءت بأوج البكاء، أشد ما يكون. واصلت مرة أخرى باستسلام، تشير لها بخيبة: "خليكي!
أنا اللي همشي المرادي من المواجهة دي. همشي أنا وخليكي بس أرجوكي تسيبيني فحالي بعدها بقا! قالتها "فريدة" بوجع، ومن ثم هربت منها ومن المواجهة سريعًا، وهي تسير بخطوات سريعة إلى أن سارت بسرعة أمام الأنظار في الصالة، غير عابئة بمناداتهم عليها. فقط هتفت بنبرة سريعة باكية: "لو سمحتم مش عايزة حد ورايا، سيبوني مع نفسي!
أمسكت "ياسمين" ذراع "حازم" كي لا يرحل خلفها لتتركها مع نفسها تهدأ. كما أوقفت "وردة"، "جميلة"، وحتى أوقفت "سمية" و"دلال" "عايدة"!
خرجت "زينات" تمسك بعلبة الهدية التي كانت قادمة بها. أمسكتها بخيبة أمل كبرى، وكأنها لم تعد تبقى على شيء. أقرب تشبيه لطفل فلسطيني ممسك بلعبته باكيًا بقهر بعد أن تهشم بيته وفقد أحبائه. طفل أفضل منها حتى، عاجز، قليل الحيلة، منكسر، لم يعد يعرف أين الطريق بعد ذلك. طفل تائه، خائب، قُتِل به أي شعور بالأمل. هاجت الدماء بعروق "حازم" وهو يحاول الاندفاع ناحيتها، ولكن أمسكه "بدر" و"حامد" سريعًا، وهما يسمعانه يصرخ عاليًا من ألمه، ألم قلبه، وحتى وجعه على شقيقته الذي يحاول جاهدًا
بأن تكون أفضل بأعجوبة: "إنت إيه يا شيخة؟ حرام عليكي! إحنا ما بنصدق تكون كويسة! سيبيها فحالها بقا... سيبونا فحالنا حرام عليكم... إنتوا إيه؟
لكل شخص طاقة تحمل معينة. ذهب صوته وخرج مبحوحًا بآخره، بحة بحنجرة رجل مقهور عاجز. تحمل الكثير. نبرته هشمت قلب "ياسمين" التي ربتت عليه باحتوائها سريعًا. انسحبت "زينات" سريعًا حتى أغلقت باب الشقة خلفها. فتركوه يجلس بقهر على المقعد وهو يضع كفيه على رأسه. وقفت أمامه "ياسمين" التي كلما تعتقد أن الأمور لديه تتحسن بنفسيته تصبح أسوأ!
ضمت رأسه وهي تركع أرضًا له. فرفع "حازم" ذراعيها يمنعها سريعًا بسبب حملها، حتى وقف بسرعة، وكأنه لم يراها في هذه اللحظة، بل ضمها بتأثر مما تفعله لأجله في كل مرة. وقد شعرت هي بانسحاب الجميع من حولهما. أمسكت كفه باحتواء وهي تسنده معها ناحية غرفتها. وحتى خرجت "عايدة" لشقتها مع "جميلة". كما استعد "حامد" للخروج مع "دلال" وابنتهما!
وكما أيضًا ينسحب "بدر" مع "يامن" لغرفته، وبقت "وردة" تحتوي والدتها كي لا تتعب أكثر، فقد اقترب موعد عمليتها جدًا، وهذا ما لا يعلمه الكثير! "خلي بالك من نفسك يا رزقة، ساعة وهرجعلك! أردف "غسان" جملته وهو جالس بمقعد سيارته قبل وقت قليل، من الأمام تزامناً مع نظراته لها من شرفة السيارة عندما هبطت "نيروز" من السيارة أمام سنتر التجميل. أشارت له بالوداع وهي تردد هي الأخرى غير عابئة بوجود شقيقه "بسام" بجانبه:
"ماشي يا غس، مع السلامة بقا وبلاش تتأخر عليا!
ضحك على اللقب، حتى أنه سمع ضحكات "بسام" بجانبه. حرك السيارة مرة أخرى عندما تيقن من دخولها من البوابة الحديثة حتى أُغلقت خلفها. تحرك بها وهو يضحك حتى انتهى وهو يحرك نظراته نحو "بسام" الذي عاد ينظر من الشرفة بشرود. قرر بدء الحديث قبل أن يذهب للمكان المحدد. الأيام الماضية لم يسعفه الوقت بالحديث، وحتى لم يجد نفسه لحظة واحدة مع شقيقه بمفرده دائمًا في تجمع، إما عدم وجوده بسبب ذهاب "بسام" للعمل!
تنحنح "غسان" يجلي حنجرته، ثم قال بتلقائية دون حذر وهو يسلط أنظاره على الطريق: "سرحان فـ إيه؟ فـ "فرح" أخت "عز"؟ لم يترك "غسان" الجواب على السؤال، بل أجاب على سؤاله بإجابة وسعت من عيني "بسام" بصدمة من علمه بما يدار بذهنه. حرك "غسان" عينيه بطرفها فوجده في حالة ذهول مخفية. حاول إخفاءها سريعًا وهو يحرك رأسه باهتمام زائف، ظهر لـ "غسان" عندما قال بتبرير سريع: "إيه اللي بتقوله ده يا غسان؟
إسكت يا عم وخلينا فيك وفـ فرحك بكـره وبـ... قاطع "غسان" حديثه سريعًا عندما علم ما يفعله من بعده عن الحوار. ردد بنبرة غير حاملة للنقاش بما يفعله ويحاول فعله من الأساس: "بـتـوه ليـه؟ أخذ "بسام" أنفاسه ثم سكن وصمت متصنعًا عدم الإنصات. فوجده يتنهد ليخرج أنفاسه بصوت وهو يقول بهدوء مع قيادته للسيارة: "إحكي وقولي علاقتك بيها إيه؟ وليه هي ومن إمته شاغل نفسك بيها كده!!
أصل دي مش زعلة واحد عادي ولا خيبة أمل من واحد عادي لواحدة ساعة آخر مرة كنا موجودين فيها معاها وقت اللي حصل! لم يجبه "بسام"، بل هربت الكلمات وبالفعل يشعر بأنه المخذول ولن يجد مبررًا لما يشعره من الأساس. حرك رأسه ينصت لـ "غسان" الذي تحدث مرة أخرى بوضوح: "عايز أسمع منك، عايز أسمعها إنك مش حاسس ناحيتها بحاجة، علشان دي بالذات متنفعكش! لما يصدم الآن؟ ولما يحزن مرة أخرى؟
قصد "غسان" أن يقطع له الأمل وبنفس الوقت يضغط عليه ليخرج بحديثه المكتوم. وبالفعل حديثه جعل "بسام" يتحدث سريعًا بما يكنه من مشاعر متضاربة له: "مش عارف.. أنا بحاول محبهاش، بحاول مقربش منها بس كل مرة بفشل لحد ما حسيت إني مـ... توقف عن الحديث بتردد عندما وجد ملامح "غسان" خالية من الترقب وكأنه لا يود سماع الآتي. ضغط "غسان" على فكه وهو يسمعه يكمل بسرعة وينهي التردد:
"لحد ما حسيت إني مـعجب بيها، ولحد ما حسيت إن في مرحلة قربت تبقى أكتر من الإعجاب لما لقيتني إتوجعت من اللي عملته بس خوفي عليها وتعاطفي معاها كان غالب، عشان ساعتها كنت عاوز أحتويها وأفهم ليه عملت كده بالظبط. هي إنسانة كويـ.." يدافع عنها؟ مجددًا. يقع بنفس الخطأ. فرمل "غسان" السيارة حتى وقفت بسرعة بعد سرعته في القيادة، فاندفع "بسام" إلى الأمام بسرعة وهو يسمع نبرته الحادة له بقوله: "تاني؟ تاني يا غبي؟
رجع إلى الخلف بذهول من فعلته. ثم حرك رأسه بيقين من ما يفعله. تشنجت ملامح "غسان" مرة أخرى وهو يهتف مجددًا: "ما تكمل! إنسانة كويسة.. وطيبة وحلوة ونضيفة ومتعاطف معاها عشان عانت ومحدش حاسس باللي هي بتحس بيه وكلام كتير فاضي زيك وزي قلبك الأهبل... دايما موقع نفسك فـ حب ناس غلط حتى لو كانوا مظلومين بس معاك مينفعوش. هتستحملها ازاي. دي؟ هتعيش معاها. ازاي كده؟ هتدخل علينا واحدة باعت أخوها؟
عاوزها بعد كده بضعفها ده نلاقيها مضيعة أختك ولا مراتي بسبب تهديد من حد مجهول كارهنا؟ ما هو محدش عاد ضامن بقا! تفكيرك ده تفكير إنسان مش طبيعي. إنت مجنون شكلك كده! يحاول جاهدًا بأن لا ينفعل عليه كما حدث في السابق. يعلم بأن معه كل الحق. ابتلع "بسام" ريقه بكسرة ثم قال بخيبة ظهرت لشقيقه بوجع عندما قال: "مش ذنبي! مش ذنبي يا غسان ولا ذنب قلبي. وأنا مقولتلش إني بحبها لسه ومقولتلكش إني هتجوزها وأدخلها بيتنا ووسطنا.
عارف إنك خايف عليا وعلي أختك ومراتك وأمك وأبوك بس أنا معرفش أنا بيحصلي كده ليه! "مش هستناك لما تقول يا بسام. كل حاجه واضحه زي الشمس. لهفتك ونظرتك وشرودك ده مش لحد طبيعي. لحد واقع. وقعه خبيثه بيداريها بأي شكل عشان عارف إنها علاقه غلط. أو يمكن حد بيعوض وجود حد بحد تاني وساعتها هتبقي حاجه كبيره. علشان أنا حتى لو حصل وقبلت فرح دي فأنا مقبلهاش تنظلم وإنت بتنسى بيها تاج. بنات الناس مش لعبه زي ما قلبك مش لعبه سامعني"
واجه "غسان" بحديث قد يكون جاد بالصعوبة القاسية عليه. حرك السيارة مرة أخرى حتى بدأ في القيادة. بعد صمت، وجده يتحدث بتبرير مرة أخرى: "بس أنا مبنساش حد بحد ولا بعوض وجود حد بحد. أنا نسيت وبنسي تاج فعلاً. ونفسي أبدأ حياه نضيفه من جديد. مش حرام!!!!! حرك "غسان" رأسه بغيظ مكتوم منه. حتى نفى برأسه وهو يكمل له الحديث بإصرار:
"مش حرام. بس الحرام عليك هو قلبك اللي كل شويه بتتعمد توجعه وتكسره. وأنا مش هقبل بـ ده المره دي. مش هشوفك بحالتك اللي كانت موجوده. أنا نفسي تكون بخير إنت وأختك وأمك وأبوك. عاوزكم كويسين عشان أنا اللي مببقاش بخير لو ربع حاجه حصلت ليكم. فكر كويس يا بسام أنا مبقفش فطريقك وأعارضك. بس دي حياه ومستقبل. وصحه ونفسيه بتتهدر وبتاخد وقت مجهود وتعب منك ومني ومننا كلنا. هتقبل تتوجع تاني؟ هتقدر تتخطى من جديد؟
هيبقي عندك الطاقه إنك تروح لدكتور نفسي تاني كل المده دي عشان تتعافى؟ صدمه أخرى بالنسبة لـ "بسام" من أين يعلم فكرة ذهابه للطبيب النفسي؟ إلى هذه الدرجه يكشفه شقيقه؟ تعمد عدم الحديث أكثر كي لا يواجهه بالطبيب النفسي ذلك. ولكنه سمعه يكمل مرة أخرى:
"الدكتور النفسي اللي إنت قعدت عنده شهور تتعالج وكان مفيش حل. عشان إنت اللي مكنتش عاطي لنفسك الفرصه. ولما جت وحسيتك بقيت تمام. لقيتك عاوز توقع نفسك فالحفره الغويطة دي من تاني. وبردو إستنيتك تيجي تتكلم وتحكي. حكيت.." صمت "غسان" ثم أضاف سريعاً بتفهم لعقل الٱخر: "لأ .... عارف ليه؟
عشان إنت نفسك مش مقتنع اقتناع تام بكل اللي بيحصل ده. خوفت تقولي عشان لسه مش ضامني من ساعة موضوع تاج. وأراهن على عمري كله إنك كنت هتقولي لحد ما وقفت بيك اللحظه إني أروح أبعد فرح دي عنك زي ما حاولت أبعد تاج من غير ما تعرف. بس الوقتي أنا عرفتك. مش هروحلها ولا هعمل معاها زي تاج من وراك. فرح أخت عز دي ضعيفه وشخصيتها شخصيه جبانه اكتر من إنها غبيه وغلبانه فنفس الوقت وأنا عارف كويس رغم اللي هي عملته بس عمرها ما تيجي فقذارة تاج. فبلاش المقارنه بتاعتك اللي تخليك تروح تختار واحده احسن من واحده وكل واحده فيهم عندها الوحش اللي على قدها فاللي عملته دي غير دي وإنت غيرهم هم الإتنين. وإنت بقيت كويس ماشي لكن هي مضمنهاش!
إن مكانتش أصلا مريضه نفسيا عشان مفيش حد عاقل بيروح يسلم ناس من غير ما يعرف أسباب ويشغل عقله. مضمنش سلامتها النفسيه دي ولو حصل هقفلك يا بسام عشان دي مش ليك وحتى لو هي ليك فأنا مش هقبلها وهي كده. إنت بتتغير هي الله أعلم. وإحنا دلوقتي رايحين لـ عز. عز أخوها يعني ولا كأن أي حاجه حصلت ولا كأنك تعرف اللي إسمها فرح دي. مفهوم؟
أوامر من عزم خوفه لم يتركه لوجعه كما فعل فالمره السابقه. إبتلع الغصه المريره التي توجد بحلقه من مشاعره المختلطه. رغم قدرته على إتخاذ القرارات ولكنه يعلم تمام العلم بأن شقيقه لديه كل الحق في كل الحديث. لذا هز رأسه فقط دون نبس أي حرف. تنهد يخرج أنفاسه. فوجده يركن السياره عند الموقع المحدد أمام أحد المنازل. ثم حرك رأسه له وقد تعمد إظهار اللين له بنبرته الخائفه عليه وهو يردد:
"صدقني يا بسام أنا خايف عليك. مش عاوزك ترجع تاني للي كنت فيه. إنت أخويا وصاحبي وعمري ما هقبل بحاجه تأذيك. عمر ما هسمح لحد يوجعك حتى لو كان مين. أنا كل روحي أخواتي. وإنت جزء من روحي. ابوك لو عاش من تاني لحظة وجعك دي مش هيستحملها ولا حتى أمك اللي قلبها نشف من كتر العياط عليك. ولا وسام اللي مش عارفه تحدد زعلها منك ولا عليك. كل ده أنا عيشته وإنت كنت قافل علي نفسك بوجعك كنت بحاول أراضيهم وأوفق بيني وبينك وإنت أصلا مش موجود!
صدقني يا "خويا" محدش هيحس بيك غيرنا ولا حد هيخاف علي مصلحتك ألا إحنا!! انتهي الحديث بوقوفهما معاً أمام منزل "عز". هذه المره توجه "بسام" يقبل قمة رأسه ببر. ولم يراه في هذه اللحظه سوى "حامد البدري", والده. ومن ثم رفع ذراعيه يدخل "غسان" باحضانه بإمتنان موجع وهو يردد بتفهم: "أنا فاهم كل حرف قولته خارج منك ازاي وليه. إنت أبويا واخويا يا غسان مش هزعل منك ولا من كلامك. بس أنا اللي متلخبط ومش عارف أحدد أي حاجه!!
ربت "غسان" على ظهره بحنو وهو يبتسم حتى خرج من بين ضم الٱخر له ثم هتف بإطمئنان له: "هتعدي. فكر إنت بس فالصالح ليك حتى لو على حساب وجع فالأول بس ولو ليك نصيب في حاجه هتاخدها ولو حد ليه نصيب يتغير ساعتها الوضع ممكن يتغير صدقني بس أصبر! أمل ٱخر. إذن نقطة الاعتراض على طبيعة الشخصيات!! هز له رأسه إيجابياً. وقد رفع يديه يدق جرس المنزل. حتى مرت لحظات. وفُتح لهما الباب بواسطة "عز" التي وقفت بجانبه "حنان" ترحب بهما بعد
أن علمت من ولدها مجيئهما: "إزيك يا معلم. وحشني إنت يا صاحبي خد بالك!!! كلمات شبابيه خرجت من "غسان" الذي احتضن "عز" وهو يدخل. ومن ثم رد عليه "عز" بسعاده من إهتمامه. حتي إحتضن "بسام" هو الٱخر. وقد علم من هو وإستطاع بنظراته وعقله أن يفرق حتي من طبيعة الحديث. مد "غسان" كفه يرحب بـ "حنان" قائلاً بابتسامه لبقه: "إزيك يا أم عز؟! طالعته "حنان" بإستغراب طفيف من طبيعة حديثه. ولكنها رحبت به سريعاً وهي تصافحه قائله بعفويه:
"الحمد لله إذيك يا دكتور بسام! منورنا إنت وأخوك والله! ضحك "عز" بخفوت عندما رأى بسمة "غسان" تتلاشى وهو يجيبها: "أنا مش دكتور بسام والله يا جدعان..دا الراجل حلق ليكم دقنه عشان تفرقوا .. حسوا بيا بقا!!! شهقت "حنان" بتلقائيه وهي تتحدث بنبرة آسفه له: "لمؤاخذه يبني. عليا دي ..أصل التاني كان بدقن زيك كده والله. مكنتش أعرف إنه حلقها وبقا هو إنت وإنت هو!!!
كان حديثها عفوي مما جعل ضحكات الثلاثه تتعالى. توجه "بسام" يرحب بها بلباقه وهو يردد لها بلطف من بين ضحكاته: "أنا اللي بسام يا أم عز ..ويا ستي بلاش دكتور أنا زي إبنك عز يعني.. وحمد لله على السلامه تاني!! "منوريني والله. تعالو أدخلو الصالون من هنا تعالو!!! قالها "عز" مما يتوجب عليه إخفاء الوجع وإظهار الترحيب بضيوفه. ذهب من خلفه الإثنان وأخرهم "بسام". الذي بحث بعينيه عنها رغماً عنه ثم لام نفسه بما قـيل قبل قليل.
يريده بأن لا يذهب عبثًا، ولكن رغماً عنه شعوره ذلك. "بقا أودي العربية علشان أشوفك، أروح ألاقيها متصلحة بعد كام يوم ومشوفكش بردو، قاصدها ياض صح؟ كان الحديث من "غسان" لـ "عز" الذي ابتسم له وهو يوضح: "محصلش والله، بس اليومين دول سيبت الورشة كتير علشان مكنتش بقدر أشتغل زي الأول، يلا ربنا يعدي أيامنا دي على خير، إنتم عاملين إيه؟ وحازم؟ وفرحك إمته بقا يا عم؟
ضحك "بسام" عليه بخفة، في حين تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يبدأ في الحديث بنبرته الهادئة يطمئنه: "كلنا كويسين الحمد لله، والفرح بكرة وجيت بنفسي عشان أعزمك، بس مش جاي عشان كده بس، جيت أنا وبسام نشوفك ونطمن عليك عشان عارفين إنك مش تمام!! طالعهم "عز" بتأثر، وقد ظهرت له قلة حيلته، حينها أجابهم بوضوح بما يشعره:
"أصل مفيش بإيدي حاجة، والحمد لله راضي، كل اللي هيوصله شريف ده يستاهله وزيادة، ولو على موضوع جميلة، فأكيد تستاهل حد أحسن مني!! قال حديثه برضا واضح لهما، ولكن أخره يتألم ومؤلم، عندها تحدث "بسام" سريعًا، محاولًا وجود حل: "بس مفيش أحسن منك ليها يا عز، ربنا يشهد إنت بتتعب قد إيه وملكش ذنب في اللي حصل ده كله، وإحنا مش جايين نقطمك، إحنا جايين عشان حاسين بيك وعاوزين نلاقي حل ونرجعك إنت وجميلة لبعض، بس عاوزين نسمعها منك!!
استشعر "عز" إلى مدى تصل شهامتهما الاثنان، وجد بعدها "غسان" يتحدث بثبات، ونبرته القوية وصلت له حينما حفزه بقوله: "أنا عاوز أسمع منك بس إنك لسه عاوزها وأنا هتصرف مع حازم، وسيب عليا الموضوع ده، أنا سايب "حازم" اليومين دول واللي فاتوا يهدي ويرجع في قراره ومكلمتوش، بس أنا نفسي ترجع لها فعلاً عشان هي كمان مش كويسة من غيرك زي ما إنت مش كويس من غيرها!!! يجد الأمل في آخر النفق، تلهف عندما سمع وجعها، فسألهما سريعًا بلهفة:
"طب يعني هي عاملة إيه الوقتي؟ كويسة؟ ابتسم الاثنان على لهفته، فتحدث "غسان" سريعًا، يشاكسه: "أيوه كده أنا عاوز الرد بلهفة العاشق دي، تيجي بكرة الفرح وهتصرف لها أنا متشيلش هم." أيده "بسام" بحماس، ولوهلة شعر بأنهما أول سند له من صنف الرجال منذ زمن، أخذ أنفاسه بغير تصديق وهو يحرك رأسه بتأثر، يطالعهم بمشاعر عدة حتى قال:
"أنا مش عارف أقولكم إيه.. بس أنا أول مرة ألاقي حد حامل همي وبيفكرلي كده زيكم، أنا مش هنسالكم الزيارة دي حتى لو مش هيبقي فيها حل بس سؤالكم عليا كفاية!!! ربت "غسان" على كتفيه بعاطفة أخوة وهو يبتسم له باطمئنان قائلاً:
"لا متقولش "حتى لو مش فيها حل" قول "هتتحل والماية ترجع لمجاربها"، وبعدين إحنا بقينا أخواتك وأصحابك، إنت جدع يا عز وأنا مش ناسي يوم ما جيت المستشفى ساعة أختي من قبل حتى ما تعرف إن أخوك هو اللي عمل كده، جيت وإهتميت وسألت وحاولت تساعد ومشيت ساعتها من غير ما أفوق وأشكرك، وبعدها حصل تاتش بيني وبينك بسبب سوء تفاهم بس غصب عني، عمري ما أنسى في يوم حد وقف جنبي في وقت صعب، إنت اللي بدأت تبقي صاحبنا وأخونا، فمتحسش نفسك غريب ولا تحس اللي بيحصل ده غريب دا العادي بين الإخوات، وإن شاء الله تبقي جميلة من نصيبك وتمسكها تحطها في بيتك بقا بعد ما أتجوز أنا ونيروز خلينا نخلص بقا يعم!!
المتشابهون يتلاقوا! وكما كان لقاؤهم، كان ملئ بالشهامة منهما، تأثر "عز" من حديثه حتى أنه ربت على ساقه بشكر. وسمع "بسام" يكمل: "وإن شاء الله الأمور تتصلح." "هتبقى عال يصاحبي وهتجيبوا عيال كمان!!!
غمز له "غسان" عقب قوله، فضحك "عز" بخفة وهو يشير له بعلامة الدعاء، رغم أنه يعلم أنها صعبة التحقيق ولكنه يجد الأمل بهما. ورغم معرفة التوأمان بإحتمالية الصعوبة في التنفيذ بما يودانه، ولكنهما عقدا العزم على بذل كل الجهد بالمحاولة مع صاحب العقل المتصلب قليلاً، "حازم"!! إعتدل "غسان" بجلسته، وهو يشير لشقيقه قائلاً بنبرة مرتفعة قليلاً:
"طب نستأذن إحنا بقا، ومتنساش، هستناك بكرة أول واحد، وإبقى هات معاك أم عز لو عرفت تفرق بينا غير كده متجبهاش!!! قال حديثه بتبجح، ولأول مرة يقهقه "عز" بالضحكات، وسرعان ما قاطع نهوضهما عندما تحدث سريعًا: "محدش هيتحرك إلا تشربوا العصير، إنتوا مسمعتوش الخلاط من شوية ولا إيه، مينفعش الكلام ده، بعدين أم عز تزعل! "سمعته يا عز، يارب جوافة بس علشان البرد ده!!!
أردفها "بسام" بمرح، فضحكوا عليه بخفة حتى استمرت جلستهم بالحديث إلى أن انتفضوا مرة واحدة عندما سمعوا صوت صراخ "حنان" والدة "عز" عندما صاحت بفزع: "ألحقني يا عز، ألحق أختك مبتنطقش!!!!!!
إنصعق "عز" حتى نهض بسرعة ومن خلفه "غسان" وحتى "بسام" الذي تسارعت دقات قلبه بخوف، تجمعوا سريعا، ووقف "غسان" أمام غرفتها، بينما العجيب أن "بسام" الذي دخل والآخرى مسطحة بخصلات شعرها السوداء، أخذ "عز" يهزها بلهفة وخوف، وقد تغيرت ملامح وجهه وهو يضرب وجهها بخوف، مرددًا بلهفة: "فرح، ردي عليا يا فرح علشان خاطري!!!!!! الخوف من الضياع رغم ما فعلته، بكت "حنان" بانهيار، وهي تدفع "بسام" بلهفة من بين بكائها مرددة بخوف
له وهي تحثه بنبرة متلهفة: "ونبي تشوفها يا بني، شوفها إنت دكتور!!!
وكأنه ينتظر الكلمات منها حتى يخرج من حالته هذه، انحنى سريعًا، يدلك ما بين حاجبيها وهو يتحسس نبض رقبتها بخوف، وأنامل مرتعشة، فوجده موجود ولكن ضعيف بنسبة ما، في هذه اللحظة دخل "غسان" سريعًا عندما شعر بتوتر شقيقه وحتى توترهم وخوفهم في هذه اللحظة جعل عقلهم يتوقف، لاحظ زجاجة العطر الموضوعة على التسريحة، جذبها "غسان" سريعًا، ثم ألقى غطاءها على الأرض بسرعة وهو يتوجه بها ناحية أنفها ينثر منها الكثير، و"بسام" يدلك ما بين حاجبيها وحتى كفها البارد من بين يديه الأخرى حتى فعل "عز" مثله في كفها الآخر ووالدتها في قدمها من الأسفل، إلى أن كانت لحظات، وقد رمشت هي أخيرًا، تنفس "عز" الصعداء وهو يمسك كفها بين كفه بلهفة مرددًا
لها كي تفوق أكثر: "فرح، سمعاني يا فرح؟ أنا عز.. أنا موجودة جنبك هنا أهو.. ردي عليا!
كل حرف خرج منه بخوف. فتحت عينيها أخيراً، وقد رأت سقف الغرفة. وقوعها أرضاً جعل الجميع يلتف حولها وهم جالسين. لاحظ "عز" إمساك "بسام" لكفها بخوف، إلى الآن ولم يتركها. وكز "غسان" شقيقه بخفوت، وهو بسنده ليقف حتى يسحبه خلفه لخارج الغرفة. خرج معه "بسام" بخواء وغير استيعاب. وقف الاثنان أمام الغرفة مرة ثانية لدقائق، وقد لاحظ "غسان" ارتجافة يد شقيقه الخافتة، تيقن بأنه وقع بحبها دون أن يدري هو من الأساس ما يشعره. بل وتيقن بأن مرحلة ما قاله له قبل وقت صعب التنفيذ عليه، ولكنه سيقف معه إلى أن يفعلها. ضمه "غسان" بخفة وهو يربت على ظهره، إلى أن لاحظ خروج "حنان" بلهفة خلف "عز". نظرت لهما بأسف،
وهي تقول: "معلش على القلق ده تعبناكم معانا. أنا اتخضيت عليها. أصل كنت عايزة الكاسات الجديدة علشان أحط فيها ليكم العصير وهي اللي عارفة مكانها ولم روحت لقيتها واقعة على الأرض كده روحي راحت." كان حديثها عفوي لدرجة كبيرة، مما جعل "عز" يضحك بخفة رغم توتره. ابتسم لها الاثنان، وأول من تحدث كان "غسان" ليلهيهم عن حالة شقيقه: "ولا يهمك يا أم عز. ألف سلامة عليها. ولو احتاجتوا حاجة إحنا موجودين.. بس هنستأذن إحنا دلوقتي."
عارضتهم قائلة سريعا بلهفة: "إزاي بس والعصير؟ "مرة تانية إن شاء الله. بكرة في الفرح متعوضة. تنورونا وتشربوا العصير بينا ومعانا." هزت رأسها موافقة، فودعهما "عز" محتضناً كلا منهما مع قوله الممتن: "مش عارف أقولكم إيه والله.. شكراً! ابتسم "بسام" له، وقد خرج قبل شقيقه الذي حدج "عز" بنفاذ صبر زائف وهو يجيبه: "عيب منك يا عز. متخلينيش أشتمك وأقلب عليك بقى! خلي بالك من أم عز وأختك وهستناك بكرة. عايز أي حاجة؟ "سلامتك."
وكان هذا الرد الوحيد منه، ومن ثم خرج الآخر حتى ركب السيارة بجانب شقيقه، ومن ثم أغلق هو الباب وهو يتوجه إلى الداخل مرة أخرى يطمئن عليها من على بعد. بينما في الخارج شغل "غسان" محرك السيارة محاولاً التحدث باللين مرة أخرى مع الآخر وهو يقول: "مكنتش أعرف إنها غالية أوي كده.. ده حب مش إعجاب! فارقة معاك أوي؟
يسأله بألم له، وهو يعرف الجواب. أصبح الوضع معقد. معقد جداً. صمت رغماً عنه عندما أشار له "بسام" وهو يقول بنبرة هادئة محاولاً الهروب من الحديث مرة أخرى: "بلاش كلام دلوقتي يا غسان. أنا مش قادر. خليها بعدين واطلع خلينا نقف الربع ساعة دي على ما مراتك تخلص! علم ما يفعله شقيقه، فقرر تغيير مجرى الحديث بمشاكسة له وهو يقول: "ومالك يا خويا متقل مني ومن مراتي كده ليه كأني مصدر إزعاج وصداع في حياتك كده؟ خرجت ضحكته
بالفعل وهو يجيبه باستسلام: "يعم أنا اللي مصدر صداع أصلاً ليك. فالله يسهلك." "عندك حق ولو مش بتديني حب أو مرتب مش من حقك تبقى مصدر صداع في حياتي! قالها بتبجح ومرح. نظر "بسام" لـ "غسان" بلوم مصطنع وهو يبتسم على حديثه بقلة حيلة، فوجده يزفر بندم زائف وهو يردد مرة أخرى ناظراً على الطريق من أمامه: "مشكلة كبيرة إن خلقك ضيق ولسانك طويل! هز "بسام" رأسه له بتأييد قوي وهو يشير إليه بيديه قائلاً بضحك هادئ: "أهو ده عيبك بقى!
قلب "غسان" عينيه بملل منه، ومازال يتعمد التخفيف عنه. قال كلماته المعهودة دائماً عندما سأله هو هذه المرة وليست هي: "عارف غسان البدري قال إيه؟ طالعه "بسام" بتساؤل في عينيه وهو يشير له باستفهام، فواصل "غسان" يجيبه بتبجح له وعلى حديثه في البداية: "وإن رأيت فيا عيباً.. فأعلم أن العيب في عينك إنت يا روح أمك! وجد أن لا مفر من الضحك على وقاحته ومرحه الدائم. ضحك "بسام" عليه، فعاد "غسان" يسأله برأسه بتلك الكلمات المعتادة:
"عَـلْ كده؟ حرك "بسام" رأسه يؤكد من بين ضحكته الخفيفة، ثم أيده وهو يجيبه بحديث كان قد أخذه منه بهذه اللحظة وأردفه بنفس الطريقة عندما أشار له بقوله وهو يجيب مثله تماماً: "عَـلْ يا حبيب أخوك! ***
بعد مرور وقت.. في شقة "سمية".. عادت "ياسمين" بعدما ذهبت المطبخ قبل وقت لتعد له مشروب من الليمون ولهم جميعاً لتخفيف من حدة الأجواء. ولكنها كانت قد خرجت من الغرفة لتجلس مع "سمية" في الصالة ومع "بدر" مرة أخرى، وحتى "وردة" كانت تساعد "ياسمين" وهي تعاندها بسبب حملها. أغلقت "سمية" الهاتف وهي تزفر، فسألها "بدر" باهتمام لعودتهما: "لسه قدامهم كتير ولا إيه؟
"لا لسه خارجة أهي عشان تركب معاهم. عشر دقايق وهتلاقيهم جايين. أنا بس عايزة أعرفكم قبل ما نيروز تيجي! أومأ لها حتى خرج بحديثه هو الآخر وهو يوزع أنظاره بينها وبين "حازم": "وعمي جاي أهو هو ومراته ووسام!
وما أن قالها وجد جرس المنزل يدق. نهض "حازم" من قبله ليفتح الباب. وما أن فتحه وجدهم أمامه. دخلوا بعد أن أفسح لهم المجال. ثم لاحظ هو فتح باب شقة "عايدة" هي الأخرى حتى خرجت وهي تبتسم له بإطمئنان هي و"جميلة" التي جلبت "فريدة" هي الأخرى. وما أن رآها "حازم" اطمئن وخرجت أنفاسه بارتياح. دخلن الثلاثة فأغلق هو الباب خلفهم. حتى وجد "وردة" تخرج مع "ياسمين" من المطبخ وهي تتوجه لهم بأكواب العصير والحديث العشوائي متزايد. إلى أن لاحظ لطف ما حدث. وجد "يامن" يهتف باسمه بطريقة طفولية جعلته ينظر بغير تصديق. انحنى ليحمله بحب وهو يقبله بمرح. فسمعه يردد
له بنبرة طفولية بريئة: "متـ ـزعلش" مع حذف حرف اللام قالها. تأثر من فعلته ثم نظر نحو "بدر" الذي حث صغيره على فعل ذلك. قبله "حازم" بتأثر وهو يحمله ثم قال بسعادة طفيفة: "والله لو كان في زعل فبعد متزعلش دي خلاص يا يامن اتبخر وراح!
دغدغه بمرح. ثم توجه به حتى جعله يميل أمام وجه "فريدة" وهو يحثه على تقبيلها. حتى قبلها فحملته هي بحب. ولاول مرة تشعر بالحب الصادق دون أن تفعل له شيئ منه. صغير وهي أكبر. احتضنته بسعادة عندما ردد لها على مسامعها مثل ما فعل ما شقيقها الذي حثه على قولها لها الأخرى! انتبه الجميع عندما أشارت "سمية" لهم ومن ثم بدأت بإخراج ما تود قوله لهما ولمن يعلم ومن لا يعلم بما سيحدث لها وما تود تنفيذه.
كنت عاوزة أقول لكم حاجة مهمة بالنسبالي، حاجة ووصية. أنا اتحدد لي ميعاد للعملية كمان يومين، يعني من يوم صباحية "نيروز" من بليل هكون موجودة في المستشفى عشان أعملها. فيه اللي يعرف وفيه اللي ما يعرفش، بس الأهم إن الوقت راح وحتى نيروز مش لازم تعرفوها وسيبوها تفرح، وساعتها يبقى ربنا يسهلها. عاوزة أوصيكم على بناتي، خلي بالكم منهم. بناتي هنا مش وردة ولا نيروز ولا ياسمين بس لأ، بناتي جميلة كمان وفريدة وحتى وسام. كل دول أمانة في رقبتكم. يشهد الله إني قلبي أبيض من ناحية كل واحد فيكم، وعاوزة أسمع منكم كلمة مسامحينكم على أي حاجة حتى لو ما جتش على حد في يوم. الواحد مش ضامن عمره، وهبقى بين إيدين ربنا.
كانت تعلم فتياتها ولكن لم يكونا يعلما بأن حديثها، وأن اللحظة موجعة لهذه الدرجة. خاصرتهما بالتأثر وهما اللذان يحاولان التخطي والنسيان بهذا الوقت. أدمعت عيني "وردة" بتأثر. ابتلعت "ياسمين" ريقها بصعوبة وهي تقول بتحشرج. ضمها "حازم" عقب قولها: "ما تقوليش كده يا ماما. أنا متأكدة إنك هتبقي كويسة، عشان خاطري بلاش الكلام ده بقى."
ورغم تفاجؤ "فريدة" ولكنها صمتت تبتلع ريقها بصعوبة عندما علمت لأول مرة بأنها مريضة قلب من الأساس، عند إشارة شقيقتها لها لتفهم. أخذت النساء تتحدث بحديث مطمئن لها. بينما توجهت "وردة" تحتضنها تحت تأثر زوجها وحتى الجميع. ضمتها "سمية" بحب وهي تهدهدها، إلى أن سكن الجميع مرة أخرى. بعدها هتفت "دلال" والدمعة تكتمها بصعوبة:
"هنستناكي يا سمية. هنستناكي ترجعي لحضن بناتك من تاني ومتخافيش، أنا عارفة إن ربنا كريم ولطيف وهيلطف بينا كلنا لما تخرجي منها بخير." توجهت بعدها تقبل رأسها بعاطفة شديدة، وكأنهما الصديقتان حتى بعد مرور كل ذلك الوقت. فعلت "عايدة" هي الأخرى معها كمثل ما فعلته. حتى خرج "حامد" بحديثه الهادئ المطمئن هو الآخر:
"طيب إحنا بقى كلنا متأكدين إنك هتبقي بخير يا أم وردة. وبعدين بتوصيهم على بناتك، واللي المفروض يكون أبوهم موجود. صدقيني لو حد قرب منهم في وجودك أو في غيابك فهو الخسران، حتى لو كان من ولادي."
صديق زوجها، بل أخيه مجازيًا. تأثرت بشدة وفي هذه اللحظة شعرت بأن روح زوجها تطوف حولها تشاركها وقت حزنها وفرحها. صمتت تعجز عن الرد إلى أن مسح الجميع دموعه بسرعة وقد تظاهروا باللاشيء عندما سمعوا صوت المفتاح وخيال الثلاثة من خلف الباب وصوتهم.
فتحت "نيروز" الباب بمفتاحها، حتى دخلت وهي تضحك من عبث "غسان" كالعادة وخلفهم "بسام". دخلت ترحب بهم وبتجمعهم هذا، حتى انسحبت تضع ما بيديها بالداخل في الغرفة. أغلقتها خلفها لتبدل ملابسها إلى أخرى مريحة حتى ينتهي التجمع وتدخل المرحاض. وقفت تنظر إلى مظهرها في المرآة بمشاعر مختلطة من توتر وارتباك وخوف وفرح وسعادة وحماس ولهفة. كل ذلك مع شريك الحياة والأيام "غسان". وسرعان ما داهمها الشعور الذي يداهم أي فتاة. الشعور التي
تحاول هي تجاهله ولكنه لح عليها الآن وبقوة. عندما نزلت دمعتها بكسرة من فقدان والدها. عجز وحزن. كيف لي بأن أفتقدك وأنا سأبدأ مرحلة أود وجودك بها. أود رؤية فرحتك بي. أود أخذك بعناق، عندما أودعك بالخروج من منزلك والذهاب لمنزل الزوجية. أود الرقص معك على أنغام متأثرة بفراق مؤقت وليس بفراق دائم كمثل الآن. يكسر قلبي في كل مرحلة أدخل بها وأبدأها وأنت لست هنا. كيف السعادة الكاملة من دونك أخبرني؟
كيف عدم الخوف من الآتي وأنت لم تكن ولم تزل ظهرًا لي؟
كل هذه الأسئلة تسألها له وهو الغائب المستتر تقديره هو بمكانه الآن بين الأموات بعيدًا عنها. رفعت كفها تمسح عينيها ثم وضعت بها كحل أسود لتخفي احمرارها من البكاء حتى استعدت للخروج. وما أن خرجت وجدت عائلته قد رحلت مرة أخرى ودخلت والدتها للداخل. وبقي "غسان" في الشرفة بعد أن علم منهم ما سيحدث. شعوره الآن بالخوف ليس عاديًا بتاتًا. بل ولم يخبرها قبل موعد زفافهما. من المحتمل بعد الزفاف، أو اليوم الثاني منه في الصباح ليترك لها
فرصة لتحدثها. لها كل الحق بذلك والذي وقف لهم به وهو يعارضهم بهدوء بأنها يجب أن تعلم. وهو يضع بينه وبين نفسه كل الاحتمالات لحدوث الأسوأ قبل الأفضل. حرك رأسه بانتفاضة خافتة عندما وكزته بكتفيه. عقدت بين حاجبيها باستنكار منه حتى سألته بسرعة من تغيرت ملامحه. وبنفس الوقت عندما لاحظ عينيها رغم وضع الكحل بها سألها
هو الآخر بنفس وقت سؤالها: "مالك؟ نظرا الاثنان إلى بعضهما بذهول من ما حدث. بل وحديثهما وطباعهما أصبحت واحدة. ضحكت بخفوت كما فعل رغم تعكر صفو مزاجه. ولكن ضحكاتها تجعله يضحك حتى دون أسباب مقنعة. وجدها تتحدث بسخرية من أمرهما له: "طيب مين هيقول الأول طيب؟ "إنت.. عشان أنا كويس، لكن إنت معيطة ومدارية عينك بكحل أنا مش قادر عليه والله!
يثبتها ويغازلها ليخفف عنها في هذه اللحظة. كانت شفقته عليها أكثر من حبه أو أتت من حبه لها. نظرت له بخجل وهي تتنهد ثم هربت بنظراتها وقد نجح هو بتشتيتها كي لا تسأله. وجدها تشير بغير اهتمام وهي تتحرك بعينيها نحو ركن آخر بالشرفة هاربة من سؤاله لها تشتته كما يفعل، ولا تعلم هي بأنه بارع أكثر منها بفعلها: "فرحان؟ نظر لها "غسان" بعمق. وفي هذه اللحظة مد يده يدير وجهها ناحيته وهو يجيبها بصدق نبع منه بقوة:
"ومين عاقل ما يفرحش إنه هيشارك "نيروز" في اللي جاي من عمره؟
جملة خرجت لها بصدق. حتى رفعت عينيها تحتضن بنيتها الداكنة وأهدابه الكثيفة. في هذه اللحظة وكأن ستار مشاعرها كشف له، وبالأخص مشاعرها التي تود أن ترى بها الاحتواء منه. وبالسرعة الكافية عندما اجتمعت الدموع هبطت منها وتعابيرها خالية. حتى هبطت دمعة وحيدة على كفه. نظر لها بغير تصديق، ولا يعلم هو لماذا تبكي الآن. لم يسألها ولكنه رفع ذراعه يضعها على رأسها من الخلف حتى حركها ببطء ناحية صدره ودار ذراعه الآخر على ظهرها وهو يتشبث بها في هذه اللحظة. تعتقد بأنه يواسيها ولكنه يأخذ راحته منها هو الآخر مثلها. شهقت بخفوت. وقد قرر سؤالها بعد أن تهدأ ولكنها أتت له بالجواب قبل السؤال عندما ضربت
فؤاده بجملتها المنكسرة له: "كان نفسي يبقى معايا.. كان نفسي يبقى موجود." علم مخزي الحديث. حديث ألم قلبه. ضمها أكثر وهو يحتضنها بتشبث. بل وماذا لو علمت بأن والدتها هي الأخرى حياتها على شعرة بهذه العملية الجراحية. تثير شفقته بقوة. حتى أنه في هذه اللحظة يكتم دموعه لأجلها. خرج منه حديثه المختنق يبرر لها سريعًا بلهفة وصدق: "أنا أبوكي يا نيروز. أبوكي وأخوكي قبل ما أبقى حبيبك وجوزك. أنا موجود جنبك.. ومش هسيبك!
شعرت بصدق كلماته رغم انكسارها. وها هو مشهد "ياسمين" وحديثها سيتكرر مرة أخرى باختلاف الاثنين. خرجت من أحضانه وهي تتحدث بما تشعره قائلة بضعف: "بس أنا كنت عاوزة أبقى زي أي عروسة. كنت عاوزة أمسك إيده وأرقص معاه وأقوله إني زعلانة إني هفارقه وهخرج من بيته لبيت تاني. كنت عاوزة أفارقه الفراق ده، مش الفراق الصعب التاني. نفسي يرجع ثانية واحدة بس أحضنه ويشوفني بفستان الفرح وبعد كده يرجع تاني. بس مبقاش من غيره كده!
كسرتها تشرح الكثير من وضعها. ضمها مرة أخرى ومن ثم رفع أنامله يمسح دموعها برفق، وهو يواسيها مجددًا محاولًا التماسك: "هو في مكان أحسن من كل ده. مكان كلنا راجعين ليه. ولو هتمنى أرجع زيه كده هقول يارب يبقى ليا بنت منك تحبني كل الحب ده. هدعي ربنا من دلوقتي إنه يقدرني أعمل اللي هو عمله معاكي. بنت سالم الأكرمي مفيش زيها ولا هيكون غير بناتي إن شاء الله! غير مجرى الحديث عندما حاول تشتيتها لتخرج من حالتها.
إبتسمت من ما قاله فوجدته يرفع كفها نحو شفتيه يقبلها برقة واحتواء، ثم أكمل بحنو لها وبوعده الصادق:
"أوعدك إني هبقى جنبك دايماً وعمري ما هسيبك، وأوعدك إني أملى المكان الفاضي اللي سابه ده. رغم إنها صعبة حد يملى مكان الأب، بس هحاول أكسر القاعدة وأعمل لك اللي إنتِ عايزاه عشان لما تحسي بيا بحاجة أول حاجة تحسيها إني أبوكي فعلاً، وأبويا أبوكي. صدقيني مبيقولش كلام كده وخلاص، بيحبك أوي ونفسه كمان تقوليله يا 'بابا'. عارف إنه جه قريب فرحان وهو بيقولي إنك قولتيها له.. مكنتش مصدق إن الكلمة هتخليه طاير من الفرح كده. ساعتها عرفت
إن حتى هدخلك وسط ناس بيحبوكي وعمرهم ما يتمنوا لكِ الشر ولا يغيروا منك أبداً. وعرفت برضه إنك إنتِ الوحيدة اللي تنفعي تكوني أم لعيالي في المستقبل، وإن الحياة متبقاش حياة لو مشاركتهاش معاكي إنتِ. إنتِ نيروز واحدة بس، نيروز مختلفة عن كل الموجودين، استثنائية بفرحها وخوفها وحتى حزنها ومشاكلها. نيروز اللي حببتني في الاختلاف لما لقيتها حاجة غير.. حاجة واحدة بس مش هتتكرر. نيروز متمشيش ولا لحد غير غسان وبس والله العظيم!
يعترف بكل ما يكنه ومن المرات القليلة الذي يكون بها حديثه جاد. أدمعت عينيها بتأثر من حديثه، حتى أنها دفعت نفسها بتلقائية في أحضانه بكل تأثر، حتى قالت له بنبرة باكية جعلته يضحك بخفة على تلقائيتها حينما قالت: "مش عارفة ليه بقلبها لكِ نكد وإنتِ ملكشِ ذنب تسمعي كل ده مني. أنا نكدية فعلاً! ربت "غسان" على حجابها بحنان وهو يضحك، ثم خرجت إجابته الصريحة منه لها مباشرة: "حتى لو نكدية.. فـ بنت الأكرمي نكدها غير."
هذه المرة ستغير أول كلمة فقط وستثبت بقية الجملة عندما قررت قولها، وهي الأخرى تردفها بقله: "بحبك.. يابن البدري وبحب قلبك! صدق نبع منها، تود الحفاظ على قلبه هذا. ضحك بخفة ثم غمز لها بوقاحة وهو يطالعها بعدما اعتدلت، حتى خرج منه حديثه بعبث جرئ: "ما أنا أتحب بردو.. دا أنا عليا حضن بيدوخ اللي بيترمي فيه! "يعني حد بيحضنك غيري يعني ولا إيه مش فاهمة!
تنقلب عليه بكل سرعة، ذُهل من شراستها المفاجئة له بعد كل ذلك اللين. حرك رأسه نفياً وهو يهتف بالإجابة بثبات يثبتها: "لأ.. علشان المكان ده مكانك إنتِ ومش لحد غيرك! غمزت له بإعجاب، ثم أخرجت هاتفه من جيب بنطاله بمرح. ثم فتحته بعد أن علمت رقمه السري. فتحت الكاميرا لتقوم بتصوير ذكريات جديدة، خاصةً أن موعد الزفاف لم يكن عليه يوم بل مجرد ساعات وستكون معه وله!
قامت بتصوير الفيديوهات والصور بعشوائية ومرح، رغم وقوف الغصة المرة لأجلها بحلقه هو. انتهت الوقفة عندما وضع هاتفه بجيب بنطاله، ثم اعتدل وهو يتحدث لها بلين: "يلا أدخلي ارتاحي ورانا بكرة يوم طويل. وأنا كمان همشي.. عاوزة حاجة؟ هزت "نيروز" رأسها نفياً، وتعلم ما سيفعله هذه المرة. انحنى ليقبلها من وجنتيها كما تعتقد، ولكن قبلته هذه المرة كانت بجانب عينيها بنتهي الرقة والمشاعر الهادئة. غمز لها وهو يعتدل ثم قال سريعاً بعبث:
"أنا محدش يتوقعني يا رزق!
خرجت ضحكتها عليه بقلة حيلة وهذا ما يريده. نظرت بأثره بعمق وحب بلغ لكثير عندما وجدته يغلق الباب خلفه. خرجت من الشرفة وقبل أن تتوجه للمرحاض، قررت الذهاب لغرفة والدتها. دقت بهدوء، إلى أن فتحتها عندما وجدت الصوت بالداخل. وما أن فتحتها وجدت "ياسمين" تستند على فخذ "سمية" و"وردة" تستند على صدرها وعلى ساق "وردة" صغيرها. ودت سريعاً بأن تقوم بالتقاط الصورة بذلك المشهد الجميل ولكن هاتفها ليس معها. توسعت بسمتها عندما ركضت سريعاً لتفعل مثل "ياسمين" على ساق والدتها
الأخرى قائلة بحماس: "خدوني معاكم! "إنتي يا بت مش فرحك بكرة، جايه تتحشري ليه بينا؟ طب إحنا سايبين جوزنا وجابين لنبع الحنان مش زيك راحة تترمي في حضن الأستاذ قليل الأدب بتاعك ده!!! لاحظتها ولاحظت أحضانها معه. تعالت الضحكات، فوكزتها "سمية" بذراعها بلوم قائلة بسرعة:
"يا بت كلميها بحنية شوية. دي هتتجوز ومش هتيجي كل مرة تلاقيها قاعدة هنا في أوضتها. طب بدر وحازم ومتعودين على أنهم يقعدوا هنا عشان شقتهم مش هنا، رغم إنهم عندهم القدرة إن كل واحد يروح ويجي كل يوم بس اتعودوا. واحد بيسافر وبيقعد هنا عشان خاطر مراته وواحد متعود على كده من صغره. أما بقا غسان فشقته فوق وده مزعلني ومفرحني ومش عارفة أقول إيه!!!
ضحكن الثلاثة على حديثها المتعلثم من مشاعرها وفرحتها بها. تحدثت "ياسمين" بتأثر وهي تحرك نظراتها لها وهي تجلس عكسها: "بعيداً عن كل ده، بس أنا فرحانة إني بجوز أخر واحدة فينا، وأصغر واحدة. فرحانة إن أم البنات بتفرح لتالت مرة بينا. بحبكم وربنا يخلينا لبعض دايماً ومنتحرمش من بعض! اعتدلت "نيروز" تقبلها بحب، ثم سمعت من بعدها قول "وردة" لها والمتأثر بشدة:
"أنا كمان فرحانة أوي. مبسوطة بيكم كلكم ومبسوطة بيكي يا نيروز أوي. عارفة إني أخرتها هسافر تاني وإن ده وضع مؤقت، بس كل ما بفكر في كده بزعل أوي. لكن دي الحقيقة. فعشان كده بحاول أعيش اللحظة بلحظتها معاكم ولو هتنتهي مؤقتاً بفرح نيروز هتبقى أحسن حاجة بالنسبة لي." ضمتهن "سمية".
بحب وهي تتشبث بهم حتى بـ "يامن" الذي دخل بالمنتصف بينهن. وللحق، بالنسبة لها، تراهن الآن ومن قبل ذلك وفي هذه اللحظة كمثل "يامن"، لا يكبرن هن بعينيها. صغارها التي عاشت تحميهن من الحياة، حبيبات أيامها. وحينها تيقنت أن السند ليس شرطًا بأن يكون صبيًا أو شابًا، ولدًا، رجلًا. قد يكون السند بهيئة ثلاث فتيات بعد موت سندها وحبيب أيامها الذي لم يأت مثله أبدًا ولم ترى مثله أيضًا بعينيها.
صعد وهبط قبل دقائق ليضع بعضًا من ملابسه كما قال. دخل شقة والده ووجد الجميع بصوتهم يعلو في غرفة "حامد". توجه بهدوء يدخل عليهم حتى صاح "بسام" عاليًا بسعادة: "أوعى للعريس! ضحك "غسان" بخفة وهو يجلس بينهما في المنتصف، ثم وضع ذراعه على والده والآخر على والدته وشقيقته وشقيقته يجلسان على المقعدين من أمامه. نظر له "حامد" بتأثر، وحتى "دلال" هبطت دمعتها المتأثرة حينما قالت له وهي تربت على صدره:
"ألف مبروك يا حبيبي. ربنا يسعدكم ويهنيكم ببعض. وأعيش وأشوف أحفادي أنا وأبوك وهما بيتنططوا كده في الشقة وقالبينها ليا! لم يستطع "بسام" إكمال الوضع بتأثر، بل هتف سريعًا بتساؤل لها: " هتستحمليهم ساعتها يعني يا حجة دلال؟ شهقت بلوم له، ثم قالت بعفوية وحب: "طبعًا، مش ولاد ابني! ضحكت "وسام" عليها بسخرية وقبل أن ترد، رد "حامد" بنفس ردها وهو يسخر: "ما عشان ولاد ابنك وبالذات ده فمش هتستحمليهم يا دلال."
ضحك الجميع، حتى هي وهي تحدجه بغيظ. فردد "غسان" لها يشهدها الحوار: "شايفه يا دلال؟ شايفه يا أم غسان ابنك ضناكي بيتظلم إزاي؟ أهو هيسلبكم الشقة ويهج وأبقى أشوف حد فيكم كده بيقولي إنزل وحشتنا قعدتك! عند هذه النقطة صمت الجميع، كان حديثهم من قبل مجيئه على هذه النقطة. تحدث "بسام" بتردد له يعلمه بطريقة ما أن يلطف لهم الوضع:
"ما بلاش الكلام ده بقى يا غسان. دا إحنا كنا لسه بنواسي بعض يعني عشان هتخرج من الشقة ومش هتبقى معانا زي الأول. دي وسام كانت بتعيط من شوية وأمك وأبوك عينه دمعت كده بس بعد كده شتمك في غيابك عادي جدًا. والصراحة يعني أنا كمان دمعت زيه بس مش شتمتكش والله!
يمرح رغم التأثر كي يخفف عنهما وعنه. لطالما كانت عائلة مترابطة متماسكة، يحسدها الكل على تمسكها إلى الآن. حرك "غسان" رأسه بلوم لما يشعرونه، وحتى وزع هو نظراته بينهما أولًا، حتى أمسك كف "دلال" يقبله ببر، وهو يوضح لها بصدق: "جرى إيه يا أم غسان؟ دا أنا يعني كل اللي بيني وبينكم كام دور. متحسسنيش إنك هتجوزي عروسة، أومال لما وسام تتجوز هتعملي إيه؟
مش عاوزك ولا عاوزكم تفكروا في الهبل ده. أنا هنا معاكم زي الأول وأكتر كمان. وإهتمامي وحبي ليكم عمره ما يقل أبدًا." صمت ثم أكمل عندما التفت يقبل قمة رأس "حامد" وكفه: "وإنت يا بابا، إنت عارف أنا بحبك قد إيه وكل خناقي معاك نهايته أنا ببقى عارفها. كفاية بس إن كل اللي يقابلني يقولي إنك زي حامد البدري في شبابه. فمش هتفرق يا حامد لو مشيت في مني نسخة تانية." أضاف سريعًا قبل أن يهزم أمام تأثره:
"بهزر معاك معاك يعم.. أنا موجود ممشيتش. دا إنتوا معملتوش كده يا جدعان لما روحت الجيش. ما بلاش الكلام اللي يخلي الواحد يجيب نيروز بفستان الفرح على هنا علطول! قهقهت "دلال" كما ضحك "حامد" وضحك شقيقه وشقيقته. وكزته "دلال" بمرح وهي تقول: "يواد بلاش كلامك ده. إن شاء الله تعيشوا في بيتكم وتعمروه ويتملى بحسكم وحس ولادكم يارب! ابتسم لها باتساع، حتى اعتدل ينحني أرضًا ليمسك كف "وسام" وهو يقبله برقة يرسل لها الإهتمام
والحب مع قوله وحديثه: "يا بت متعيطيش. بلاش الهزأة دي. أنا حاسس إن اسمي غسانة مش غسان وكل واحد قاعد بيودع فيا علشان هروح بيت جوزي. لا اصحوا.. دا إحنا رجالة أوي! ضحك الكل بخفة فعاد ينظر لها بلين عندما وجدها تمسح دمعتها الخافتة. ثم أضاف بمثل لين نظراته أمام الكل: "صدقيني مش هملك خالص. وغلاوتك عندي مش هتتغير. وأنا عاوزك كده من تاني يوم تلمي شنطتك وعزالك وتطلعي تقعدي معانا. والله ماحد قايلك بم حتى!
أهم حاجة ويسو تكون مبسوطة! ابتسمت له بحب، ثم احتضنته وهي تضمه لها. ثم ضمت بذراعها الآخر "بسام" وهي تسمع معارضة والدتها: "ميصحش يخويا. تطلع فين وتقعد مع مين؟ على ما تقدموا كده وتبقوا عرايس قدام نبقى نقعد عندكم ونبات كمان! "ما تهدي يا أم غسان ومتعاندنيش. لأحسن اطلع أبني لكم برج فوقي. يصح ونص كمان. هو أنا يعني كان ولا هيكون عندي أغلى منكم. هي بس اللي زادت عليكم في الغلاوة زادت. لكن عمر حبكم ما يقل أبدًا!
ابتسمت بقلة حيلة عليه، حتى رفعت أنظارها عليه وهو يقف ليعتدل. ثم قال وهو يضع يديه على رأسه يرجع خصلاته إلى الخلف: "يلا هسيبكم أنا تنحنحوا من تاني مع بعض. هاخد بسام بس عشان عاوزه في حاجة. كملوا يلا أنتم! أشار لهم بمرح وهو يخرج. فنهض "بسام" من خلفه سريعًا إلى غرفة الأول. فتحركت "وسام" تجلس مكان ما كان يجلس "غسان" بالمنتصف. وضع "حامد" ذراعه عليها بحب، حتى قصد أن يظهر لها الإهتمام وهو يقول لها بمشاكسة:
"حبيبة بابا الأصيلة اللي هتلبس زي لون بدلتي مش زي أمها! قالها "حامد" بلوم، فضحكت هي بخفة حتى وجدت "دلال" تبرر سريعًا له: "بقى يا راجل عايزني ألبس فستان لونه بيج؟ هو أنا لسه صغيرة؟ عيب عليك دا لو ولادك كانوا اتجوزوا بدري كان فات أحفادك على رجلك دلوقتي." ضحك عليها ثم غمز لها وهو يشير لها بكفه المجعد غير عابئًا لمن تجلس بينهما:
"ما أنا قولتلك يا أم غسان إنك حلوة وزي القمر ولسه شابة. ولا إنت يا ولية عايزاني أقولك كده كل شوية بقى! قال حديثه بطريقة مضحكة. والعجيب أن زوجته خجلت وهي تطالعه بحرج رامشة بأهدابها. فتحت "وسام" فمها ببلاهة وهي تحرك نظراتها بينهما قائلة وهي تقطع لحظة تقبيله لوالدتها من وجنتيها: "إيه؟ إنا لسه موجودة في النص يا حبايب!!!
في غرفة "غسان" جلس هو يريح جسده على الفراش بعدما بدل ملابسه لأخرى مريحة. جلس بأريحية وبجانبه شقيقه الذي ينتظر حديثه. ترك "غسان" هاتفه وهو يضعه أسفل الوسادة ثم حرك رأسه متصنعًا عدم الآهتمام وهو يقول: "بقولك لو معاك رقم الدكتور اللي بتروح عنده ده هاتهولي! عقد "بسام" ما بين حاجبيه بغرابة وهو يسأله: "ناوي تروح عنده وكده؟ ولا إيه الحكاية؟
عاهد بأن لا يظهرها مجنونة ومختلة عقليًا أمام أحد حتى لو كان الآخر يعلم بأن ذلك لا يعد اختلالًا في العقل. ولكنه لم يقلل منها ومن شأنها. سيضحي بصورته إذن وهو يكذب في هذه اللحظة عندما هز رأسه له إيجابًا قائلًا بكذب وضح للآخر: "أه.. هاتوا! "وبتكذب ليه؟
وإنت لو كذبت على الدنيا كلها متعرفش تداري عليا حاجة عايزها. أنا حاسس بيك وعارف قد إيه إنت مضغوط بسبب موضوع مرض مامتها وإنها لحد دلوقتي متعرفش حتى ملامحك وكلامك بعد ما عرفت إنها هتروح المستشفى يوم صباحيتكم بليل. وهي لسه متعرفش.."
متخافش يا غسان، والله كل ده هيعدي وهى هتتقبل الوضع إن شاء الله. وهعطيك يا عم الرقم عشان عارف إنك محتاج مساعدة الدكتور اللي مراتك تعرفه وبتروحله من قبل مني أصلا. المرضى ليهم أسرار بس أنا شوفتها هناك زي ما هي شافتني بس ما قولتش زي ما هي جت قالتلك وفتنت عليا. قال آخر كلمتين بمرح. وجد غسان أن لا مفر من الحديث، أعلن عجزه بالأمر حينما قرر سرد ما يشعره بحديثه الآتي:
"مش عارف يا بسام، حاسس إني وحش وأنا بداري عليها ومش عارف أقولها. هي تبان سهلة بس عليها هي أنا عارف إنها صعبة. والمشكلة إني اتزنقت معاهم ومش عارفين هنعرفها بأنهو طريقة. بس الأكيد مش يوم الفرح ولا ليلة الفرح. بس أمها هتروح المستشفى بعده بيوم من بليل يعني لازم تعرف مفيش مفر. وأنا خايف.. خايف أوي لأن نيروز بيجيلها انهيار عصبي بنسبة بسيطة. خايف ليحصلها كده بصعوبة المرة دي وأنا بقولها. ودا اللي مخليني متردد. وف نفس الوقت
مش عارف إزاي هيجيلي قلب وعقل كده أشاركها أول طوبة في حياتنا وبيتنا وأنا حاسس إني ضاحك عليها لوقت معين. حاسس إني عقلي علطول سرحان ليها بـ ده. وحتى لأول مرة أخاف من رد فعلها لما تعرف بالذات معايا. نيروز مش بتتهاون وممكن تعملها مشكلة عشان خبيت عليها حاجة زي دي فوقت زي ده حتى لو الموضوع عدى. متقفلة من نواحي كتيرة. بس أهم حاجة عندي إنها تكون بخير وبس."
تفهم الآخر ما يكنه وما يشعر به لذا رفع يديه بعاطفة أخوة يربت على خصلاته بإطمئنان تزامناً مع قوله له: "لا متفكرش فـ كده، كل حاجة هتبقى تمام بإذن الله. وأنا هبعتلك رقم الدكتور على الواتس وهو أدرى بحالتها بردو وهيساعدك ويديك حل. ومتخافش ولا كأنك قولتلي حاجة عنها!!! تنفس بإرتياح، ثم ابتسم له بإمتنان، وهو يعتدل، حتى دفعه عنه بتبجح يطرده بصراحة: "طب يلا شد من هنا عشان عاوز أرتاح!!
أخذ بسام منه الغطاء وهو يتسطح بجانبه بعناد، مردداً بنبرة باردة: "لا ما أنا مش هتحرك من جنبك الليلة دي. هنام معاك. ما هي آخر ليلة فالعزوبية بقا." نظر له غسان بريبة مردداً بوقاحة له: "قصدك إيه ياض؟ "قصدي إنك هتنامي فحضني النهارده يحلوه ومفيش هروب!!!
خرج بمرحه القوي هذه المرة الذي لم يراه منه من فترة، قالها وهو يغمز له. فنظر له غسان بخوف مصطنع، ومن ثم خرجت الضحكات بقوة، حتى نظم كل منهم الغطاء عليه، ونظر كل منهما على السقف بشرود، إلى أن خرج السؤال من بسام بحيرة: "تفتكر هنعمل إيه فأوضتك بعد ما تمشي؟! "ولا أي حاجة يا روح أمك.. هتفضل زي ما هي ياض. وهجيب نيروز وهبقى أبات هنا يعني كله زي ما هو.. فأعقل وإهدي كده!!! ضرب بسام جبهته بهزيمة وهو يقول بضيق زائف:
"يا خسارة.. كان نفسي أفتحها عيادة. كان هيبقي ليك نسبة بس إنت حر، خليها تنفعك هي ونيروز!! ضحك غسان بخفوت، ثم حرك عينيه نحوه وهو يجيبه بعمق:
"هي نفعتني فعلاً. إحساس حلو لما خلاص بتتجوز اللي بتحبها وهتعملوا بيت وأسرة بعد معاناة. معاناة عادية بتحصل بين أي اتنين. مقنعت إن قصتنا دي علفكرة مش مأساة يعني. وعارف كمان إن اللي حواليا بيعانوا عني وقصتهم دي محتاجة تتعمل كتاب. من حازم وعز وحتى بدر وآدم. كل ما الواحد يحس إنه على حافة الاعتراض بيرجع بسرعة يحمد ربنا ويصلي ركعتين شكر على كل حاجة. على أمك وأبوك وعلى أخ زيك وأخت زي وسام. وعلى شريكة حياة وأيام راحت وجاية..
نيروز.. أوقات بقعد أفكر لو مكناش رجعنا كان هيحصل كل ده. كنت هعيش إزاي من غير حكايتي مع نيروز دي. طب كنت هحب مين ولو حبيت كنت هحبها كده زي ما بحب نيروز. كل مرة بقتنع إن اختيارات ربنا لينا هي أحسن لينا فكل حاجة حتى لو جت فحاجة معارضينها فالأول. يعني مضحك أوي تخيلي وأنا مثلاً خلاص هتجوز زي أي واحد بيتجوز بس واحدة غيرها وإحنا لسه منقلناش من هناك بس هتجوز أنا هنا علشان شقتي هنا. كل ده وواحدة غير نيروز. وقدامها وهي عايشة
هنا. تخيل مضحك بعد كونه صعب الصراحة. عشان لو مش نيروز فمش هتبقي حاجة أصلاً!!
يسرد عليه بعمق، وهو يستمع إليه بحب. حرك أنظاره بعشوائية حتى إنتفض مرة واحدة عندما رأى قطرات الدماء تهبط على الغطاء من أنف شقيقه. عقد غسان ما بين حاجبيه، فجذب بسام المناشف الورقية بسرعة يضعها نحو أنف غسان قائلاً له يعلمه: "مناخيرك بتنزل دم بردو. خليك حاططها على ما أجيبلك القطرة وأجي!! قالها ثم نهض بسرعة من على الفراش فاعتدل غسان بغرابة حتى أنه لم يشعر بهبوط الدماء عندما كان يتحدث عنها!
وضع المنشفة على أنفه حتى رأى شقيقه يدخل بسرعة يعطيها له بلهفة تزامناً مع قوله وهو يعنفه: "أنا مش قولتلك تبقي تحط منها. بتهمل فنفسك ليه؟ وغير كده بتضغط نفسك ليه يا غسان. سيبها لله وكل حاجة هتتحل والله. بس بلاش تحمل نفسك ضغط كده!!
قصد موضوع "نيروز" الذي يضعه تحت ضغط. أخذ غسان أنفاسه عندما وضع من القطرة وإنتهي ثم عاد ليتسطح على الفراش مرة أخرى وشقيقه بجانبه. أغلق بسام الآنارة، ثم نظر نحو شقيقه فوجده أخذ وضع النوم دون أن يردد حرف واحد. تركه فالغد يعد حمل ثقيل عليه بأحداث كثيرة. أخذ وضع النوم هو الآخر وهو يبتسم من كونه بجانبه ونفذ ما فعله. يعلم هو لولا أنه آخر يوم له لما تركه ينام بجانبه. أما غسان لم يتوقف عقله عن التفكير لها وعليها. يتألم لأجلها بشدة. ولا يعلم هو ما هو الآتي. يتمنى زوال هذه العقبة ليستمر بعيش حياتهما دون عبء!!
تنهد يأخذ أنفاسه بصوت، وهو يزفر ليرتاح ثم أغمض عينيه بتفكير وتشوش من كل الأحداث التي تتضارب بعقله. لم يستطع التفكير إلا بها ولها. فقط لـ "نيروز الحب".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!