الفصل 13 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
21
كلمة
12,852
وقت القراءة
65 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

قد يكون لديك شخص يفهم ما بك دون أن تبذل جهدًا للحديث! خرج من غرفته بعد تجهزه للعمل إذن، ولكن المنزل هادئ، فقد أخبرته والدته عندما استيقظ على الفور بأنها سوف تذهب لتجلس مع "سميه" قليلاً وتعد معها بعض الأشياء خاصة أن صديقتها مريضة وهي تعلم ذلك جيدًا!

خرج فوجد شقيقته تجلس بالصالة ويبدو أنها شارده إلى حد ما. توجه ناحيتها ثم جلس بجانبها وهو يضع ذراعه على كتفيها فانتفضت هي سريعًا. نظر لها "غسان" باستغراب يغلّفه بعض من الحنان الخاص به فابتسمت له "وسام" بسمة صغيرة. تنهد هو قائلاً لها بمشاكسة: "صاحية بدري ليه؟ مش غريبة منك دي؟ التفتت تطالعه وبملامح وجهها المتوترة، أجابته بهدوء عكس طبيعة شخصيتها مما جعله يقلق داخليًا: "عادي، قلقانة شوية بس، هي ماما لسه مجتش؟

وفين الناس اللي هنا أصلاً؟ تنهد يأخذ أنفاسه ببطء وهو يجيبها قائلاً بتفهم: "أمك لسه راحة عندهم من شوية وحامد نزل يشتري شوية حاجات مش فاهم إيه النشاط ده، وبسام راح الشغل أصلاً من بالليل وبايت هناك." صمتت هي لم تتحدث بل أومأت له فقط، فواصل هو من جديد وهو يقول باقتراح: "ما تيجى معانا النهارده نروح نجيب بدر ووردة من المطار؟ نظرت له بلهفة وهي تتحدث قائلة: "بجد؟ "بجد قوي."

قالها بثقة، مما جعل الأخرى تبتسم. هو يعلم أنها تمر بفترة ليست جيدة من الضغط النفسي والدراسي لها تحديدًا في سنة كتلك! ابتسم لها باتساع متفهمًا حالتها تلك، ثم نهض وهو يردف قائلاً بنبرة حماسية طفيفة: "إجهزي عما أخلص شغل علشان نمشي علطول." هزت رأسها بلهفة، أما هو فنهض من جانبها وهو يومئ لها ببسمة صغيرة وهو يقول: "عاوزة حاجة وأنا جاي أجبهالك؟ قالها وهو يتجه سريعًا ناحية باب الشقة وكأنه ينتظر جوابها،

فأجابته هي قائلة بلهفة: "آه هاتلي آ... "ماشي سلام." قالها سريعًا يقاطعها قبل أن تكمل حديثها، ثم أغلق الباب من خلفه بجدية زائفة، فتطلعت هي بأثره بفاه مفتوح وهي تردف قائلة بقلة حيلة: "إيه العيلة الهبلة دي؟ قالتها بتعجب، ولكن سرعان ما فتح الباب مرة أخرى سريعًا، وهو يبتسم لها باتساع قائلاً بمرح: "قولتيلي عاوزة إيه؟ "سلامتك طبعًا يا حبيب قلبي يا خويا يا جميل."

قالتها سريعًا وبسرعة عندما وجدت التهديد المُرَحّ في عينيه، فأومأ لها وهو يردف قائلاً بهدوء: "إذ كان كده فيبقى عال أوي، سلام." قالها وهو يغلق الباب من خلفه، ثم ضحك بخفة، هو يفعل ذلك من الأساس حتى تستعيد طبيعتها المشاكسة وشخصيتها المرحة، فوجودها كذلك قد يوتره ويقلقه من الأساس ويشعره أنه لديه نقص في شيء ما تجاه اهتمامه بها!!

خرج وهو يضحك بخفة فوجدها تنتظره أمام باب الشقة وهي تمسك هاتفها، فانتبهت هي له عندما أغلق الباب، فتركت "نيروز" الهاتف وهي تبتسم له بسمة صغيرة، فبادلها البسمة وهو يردف قائلاً لها: "ده صباح الخير." "صباح النور."

قالتها مبتسمة، فتوجه هو ناحية السلم وهو يهبط إلى الأسفل ومن ثم هي خلفه تهبط بهدوء متخلية عن الحرج قليلاً، فقد شعرت أن وجودها معه بات طبيعيًا، بل وتصرفاتها معه ومع شقيقته أصبحت متقربة نوعًا ما. هي تحتاج وقتًا فقط، كل منا يحتاج وقتًا لشيء معين، فالوقت خير دليل!! "السعادة الحقيقة قد تكمن أيضًا بوجود دفء القريب، أصوات متداخلة من التجمعات، شعور البهجة، صفة التعاون مع بعضهم قد يولد طاقة لمن لا طاقة له!

من يمتلك تلك الأصوات والتجمعات التي حتمًا تكون إجبارية فهو بسلام، ليس ضروريًا كم عدد الأصوات، الشيء الضروري الوحيد هو مدى نقاءهم وحسن نيتهم! بشقة "سميه" الأقدام كثيرة والتعاون سيد مكانهم، حيث جاء لها منذ الصباح الباكر، كل من "عايدة" و "دلال" والآخرين الذين بالمنزل من الأساس. وقف "حازم" بالشرفة التي توجد بصالة المنزل وفي يديه كوب من القهوة وبجانبه "ياسمين" التي طالعته بلطف وهي تتحدث قائلة بتساؤل: "ها، إيه رأيك؟

اعتلت ضحكاته العالية وهو يطالعها ناظرًا بعمق عينيها وكأنه سيغازلها، هذا ما قالته لنفسها، ولكن ضرب بما تريده الأرض وهو يردف قائلاً: "أنا لسه مبدأتش!! وبعدين في قهوة من غير وش بذمتك؟ طالعته بضجر وهي تردف قائلة لتجييه بحنق: "أنا مبعرفش أعملها غير كده يا أبو الحزايم، ولا إنت عاوز تخلع قبل كتب الكتاب بيومين؟ "ده من العبيط اللي يهرب ويسيب عيون زي عيونك دي!! نظرت له بخجل زائف وهي تقوم بضربه بخفة على كتفيه قائلة بمرح مشاكس:

"يواد بتكسف. ثبتني يخرب عقلك.! قهقه عاليًا وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بقلة حيلة منها، فأخذ أنفاسه بعد دقائق وهو يردف قائلاً بهدوء: "تكوني جاهزة بقا، هنزل الشغل أشوف ورق كده بس وهرجع علطول، يعني أرجع ألاقيكي جاهزة عشان نتحرك، طريق المطار ساعتين يا ياسمين، ساعتين ها، بلاش مرقعه واخده بالك! ابتسمت باتساع وهي تجيبه بمرح:

"خلاص فهمتك يا خبيث.. إن شاء الله هجهز بسرعة عشان هاجي معاك ومش هستنى حد يأخرني كمان، يعني روز هتكون لابسة وجاهزة لما تيجي من الشغل، وكده كده ماما أقنعتها إنها تفضل هنا عشان متتعبش وأهو تخلي بالها من البيت وتعمل أكل ليهم على ما نيجي هي ومامتك وطنط دلال." نظر لها باهتمام وهو ينصت لها بتمعن وما أن انتهت أومأ لها وهو يعتدل في وقفته ليستعد للخروج: "خلاص تمام كده، هنزل أنا بقا، عاوزة حاجة إنت وعيونك الحلوة!

قالها وهو يغمز لها بطرف عينيه، فابتسمت هي بحب وهي تجيبه بحنو: "سلامتك." ابتسم لها باتساع ثم تركها وغادر الشرفة، ومن ثم اتجه سريعًا للخروج، أما هي فاتجهت مسرعة ناحية المطبخ ومن به من الداخل، فابتسمت لها "دلال" أولاً وهي تغمز لها بطرف عينيها ما أن رأتها قائلة بمرح: "الحلو خلص كلام حلو؟ ضحكن النساء بخفة، خاصة "عايدة"، أما "ياسمين" فضحكت عاليًا وهي تردف قائلة ببراءة مزيفة وهي تشير على "عايدة":

"بصي يا طنط ابن الست دي مبيقوليش كلام حلو خالص وأنا بعاني أوي من ده." نظرن لها بتشكك خاصة أنهن يعرفن جيدًا، طبيعة شخصية "حازم" الحنونة! فنظرت "سميه" لهن جميعا وهى تقوم بالطهى قائله بثقه كبرى: "أقطع دراعى إن ما كانت بنتى دى كدابه وظالمه الغلبان التانى معاها. إسألونى أنا دي قادره ومفتريه وأنا عارفاها." قهقهن جميعا على حديثها. فنظرت "ياسمين" إلي والدتها بحنق. فبادلتها والدتها النظرات وهى تردف قائله بأمر:

"إعمليلك شغله. تعالى إعملى شهقه الملوخيه يلا! "ما انت عندك اتنين ستات يشهقوا إشمعنا شهقتي يعنى! قالتها "ياسمين" بضجر زائف وكل منهن يطالعها بإستمتاع. "أصل رتمها موسيقي ياعين أمك! قالتها "سميه" بسخريه. فاعتلت الضحكات جميعا عليها. حتى ضحكت هى الٱخري أيضا. فأردفت "عايده" من بين ضحكاتها قائله بحنو ممزوجا بالمرح:

"خلاص متزعليش نفسك. أنا هشهق للملوخيه يستى. وطنطك دلال تعمل البطاطس. وأمك أهى تطلع الفراخ المحمره من الفرن وتدخل الباقى. راضيه ولا مش راضيه؟ "ولو مش راضيه. أرضي عشان خاطر عيونك يا حماتى يا قمر! قالتها "ياسمين" بمرح. فضحكن عليها بخفه. حتى ضحكت والدتها وهى تحرك رأسها يمينا ويسارا بقلة حيلة من ابنتها متمتمه بخفوت وبنبره حملت من مشاعر الأمومه ما يكفى: "ربنا يهديك ويصلح حالك يا بنتى! ويكمل فرحتك على خير." ***

وصل كلا منهم إلى مكان العمل الخاص بهم. بعدما وقفت السياره فى جانب من إحدي الجوانب أمام المبنى الصغير. دلفت "نيروز" بعدما دلف الآخر بخطوات ثابته ثم صعدا السلم إلى الطابق الثانى وبعد دقيقتان. إلتفت خلفه بعدما صعدا أخيرا. فوجدها واقفه بمكانها يبدو أنها مشتته نوعا ما. إقترب منها "غسان" بضعة خطوات ثم تنحنح قائلا بصوت هادئ مع إبتسامته الصغيره:

"الأوضه اللى هناك دى فيها مكتب ليك مع محاسبين مبتدئين زيك كده بالظبط. وهناك واحده هتتولى تدريبكم تحت إشرافى. لو إحتاجتى حاجه قوليلي. تمام؟ بالطبع قالها وهو يشير على غرفه من تلك الغرف الثلاث الموجوده بجانب بعضها. ابتسمت له هي ثم تنهدت لتتحدث قائله بشكر: "تمام أوى. شكرا بجد يا غسان!

قالتها بعفويه بطبيعتها لردها على حديثه. لن تعطي بالا بأنها نطقت إسمه للمره الأولى وبعفويه ظهرت من حديثها. إنتبه هو لنطق إسمه منها فنظر لها بتعمن. تداخلت الأمور فى بعضها الأن. أيحدثها بأنه ليس من الجديه بأن تنطق إسمه كهذا فى العمل دون رتبه. أم يتركها تأخذ على الأجواء بطبيعتها التى لم تظهر إلا قليلا. وللحق وصل له التفكير بأن إسمه أصبح أفضل كثيرا الأن بعد نطقها هذا. أكان يبتسم!! شاردا!! ماهذا!!

حرك رأسه بقوه كدلاله على النفى سريعا. وسرعان ما فاق هو من شروده فوجدها قد تحركت من فتره بالفعل وهو غير واعي لذلك!!

حاول تجاهل كل شئ إلى الأن ثم عدل من شكله وحلته متنحنحا بقوه مع سيره بخطواته المتوسطه فى سرعتها إلى غرفة مكتبه الخاص غالقا الباب من خلفه. ولكنه وقف فجأه عندما وجدها فى غرفة مكتبه جالسه على أحدى المقاعد التى توجد أمام مكتبه. عقد ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما أصبح يعتدل ليسير نحوها بضعة خطوات حتى يجلس على المقعد الذي يوجد خلف مكتبه. بدل نظراته إلى نظرات عاديه. ولكن هى كان لها النصيب بأن تتحدث أولا بإبتسامتها الرسميه وهى

تفرك يديها بهدوء. ولكنه نظر لها بتعمن ثم إستشف توترها الضعيف التى تخفيه هي. أما الأخري فهى التى تتولى إدارة هذا الفرع الصغير من الشركه التى تعد صغيره أيضا. هى ليست بالطبيعه الحاده الجامده كمثل باقى النساء فى أى شركه ليست متكبره نوعا ما. شخصيتها بالتأكيد قويه بطبيعة عملها ولكنها مجرد إمرأه عاديه تولت إداره المكان من صديق الأخر بسبب مجهودها الذي يشهد البعض به. نظرت له "إنچى" بملامحها المبتسمه ثم أردفت قائله بترحيب

له وبنبرتها الواثقه أيضا: "صباح الخير يا مستر غسان. مستنياك من شويه كنت عاوزه أتكلم فحاجه!! إبتسم لها "غسان" بتكلفه ثم تحدث قائلا بصوته الأجش يجيبها: "صباح النور. إتفضلى طبعا. خير؟ إبتسمت له بإتساع ثم نظرت له بثقه وهى تردف قائله بثبات عكس حديثها:

"كنت عاوزه أتأسف عن المشكله بتاعت الحجاب اللى حصلت منى. أنا فعلا غلطت لما فكرت فى كده من الأساس. بس كونى مديره هنا بغفل عن حاجات من كتر الضغط. والمنصب اللى وصلتله موصلتلوش بصعوبه برده فـ.." أخذ أنفاسه ثم قاطع حديثها بهدوء عند نقطه معينه مردفا بثبات لا يخلو من إبتسامته الرسميه:

"مش غلط الواحد يعترف بغلطه ويتأسف. بس حضرتك بتتأسفى للشخص الغلط. ممكن وبكل ثقه تتأسفى للمحجبات اللى مشى نصهم من القرار اللى طلعتيه واتبقى القليل منهم. وأنا مقدر منصبك وأجتهادك اللى وصلك انك تبقى مديرة المكان هنا. ومش أنا اللى هروح أتكلم فى غلط إتصلح وأكبر المواضيع. بغض النظر عن إن قرارك إتاخد من غير موافقة شادى رئيس الشركه وده كفيل يرجعك خطوات كتير أوي لورا!! بسمه متوتره!!

ظهرت أخيرا بعد تمسكها الثابت أمامه لمده. أيقنت أن من حديثه وثغراته البسيطه فى الحوار ليس سوى شخصا ليس بالهين أبدا. حتى وإن كان لينا بحديثه ونظراته. حتى ملامحه لم تكن صارمه كموظف له جهد كبير فى عمله. ورغم ذلك لم يحبذ أن يترأس شيئا كهذا!! إستجمعت ثقتها بسرعه ثم وضعت قدما فوق الأخرى بثبات مقرره الحديث بوضوح بعدما علمت جيدا أنه تفهم سبب زيارتها. إبتسمت بسمه صافيه لم يظهر بها خبثا. ولكن ظهر بها بعض الجديه والخوف

على مستقبل عملها وجهدها: "اوكى. معنديش مشكله أنزل إعتذار الموظفين كلهم يشوفوه. وبشكرك طبعا على تفهمك للوضع اللى أنا فيه وإن مفيش حاجه هتوصل لمستر شادى. وأتمنى نكون صحاب مع الوقت أكيد! .. عن إذنك."

قالت أخر حديثها وهى تنهض لتقف بكعب حذائها العالى وهى تنظر له بصمت. بالطبع هى أعلى منه الأن كثيرا. وهى تقف. ولكن هو لم يرفع أنظاره إليها ولم يقف إحتراما لخروجها من الأساس كموظف عادي. هى إنتظرت بضع لحظات ولكنه أومأ لها بصمت من مكانه فاتجهت ملتفته لتخرج من الغرفه. مع وصول تفكيرها بأن تتحاشاه قليلا. هو ليس شرسا. ولكن من الأفضل التقرب منه بالحسنى فقط وستنضبط الأمور. هزت رأسها بإيجاب لتأكيد تفكيرها. تفكيرا خاص بطبيعتها العاديه. الغير مكترثه بأخذ حقا لها من مجرد حديث عابر. هي تتجاهل وفقط!!

*** مر وقتا ليس كثيرا. ولكن تحديدا فى المشفى. كان يجلس على مكتبه فى غرفه ليست كبيره بحجمها. وأمامه طبيب نفسيا يعمل معه بالمستشفى والٱخر كان "عز" بعدما تقدم معهم بعد رؤية الطبيب لحالة شقيقته. أخذ "بسام" أنفاسه ثم تنهد قائلا بهدوء وبنبره مطمئنه:

"أستاذ عز ده الدكتور عاصم أمين ماشاء الله غنى عن التعريف وده زي ما عرفت هيبقى مسئول عن حالة فرح نوعا ما وهيشرحلك حالتها ببساطة عشان تفهم كويس وتكون واعى للي بيحصل أو اللى هيحصل! أومأ له "عز" بصمت بالطبع غير قاردا على تحمل كم الصدمات تلك منذ ٱخر مره تحدث فيها معه ورؤيته لشقيقته كذلك بالتأكيد!! فى حين إبتسم "عاصم" بسمه إمتنان وشكر للأخر الذي مدحه فى أول حديثـه. صمت قليلا. ومن ثم بدأ حديثه بعقلانية متعلم وهو يقول:

"خلينى أقولك يا عز بقا ونشيل الألقاب. عاوز أبدألك بحاجه مهمه جدا وبالترتيب كده وخليك هادي لأن كل ده وارد إنه يحصل لكل إنسان طبيعي. طبعا أختك مش مجنونه زي ما جه في دماغ حضرتك عن المرض النفسي وإنك واضح إنك زعلت وأخدت الفكره وسكت!

توترت ملامح "عز". قليلا. نعم هو فكر بذلك. ولكنه لايفقه كثيرا فى أمور الدراسه هو شخص يعي جيدا الأمور ولكنه متعلما إلي حد معين ولم يستكمل دراسة ما بعد الاعداديه. لكن تلك الدنيا كفيله بتعليم الاشخاص جيدا. سواء متعلم أو غير ذلك حقا. إبتسم "عاصم" تحت أنظارهم الإثنان. ثم تنفس بهدوء متحدثا مره أخري ليواصل ما بدأه: "مش.

مشكلة كلنا بيجيلنا أفكار غلط، محتاجين حد يصلحها. بس فرح جالها انهيار عصبي بشكل معين أو بنسبة معينة. النسبة مش كبيرة أوي، لكن هو نتيجة اضطراب تفكير وقلق وتوتر زايد. لأن الانهيار بيعرض مشكلة ما موجودة بالفعل وممكن يخرج زي ما خرج كده نتيجة حاجة عندها ويتسبب بالاكتئاب والقلق والخوف زي ما قولت لحضرتك. هي مش فاقدة النطق، هي مش قادرة تتكلم بس. لكن كام جلسة بسيطة جداً، مع أفعال وأنشطة جديدة عليها هترجع كويسة بإذن الله.

تفهم بالطبع الوضع جيداً بعد شرح الآخر بالتفصيل. فنهض بإحترام وهو يومئ له بإمتنان من نظراته قائلاً: "شكراً يا دكتور، وبإذن الله هحاول أعمل اللي عليا. عن إذنكم! أومأ له الاثنان بابتسامة حقيقية وهما يرونه يختفي من أمامهم شيئاً فشئ، حتى أغلق الباب من خلفه. فالتفت "عاصم" برأسه للآخر ثم ابتسم له بعبث وهو يقول: "إيه يا دكتور فينك؟ بقالك فترة مجتش العيادة. أمورك تمام يعني ولا الشغل مش متظبط؟

ابتسم "بسام" بسمة صغيرة مفاجأة. نعم! هو يذهب لطبيب نفسي منذ فترة، وفترة تعد كبيرة أيضاً، من قبل تعيينه في عمله الذي جمعه بعاصم. ولكنه كان يعرفه قبل العمل وتعيينه في نفس المشفى. هذه كانت مجرد صدفة فقط. ذهب ويذهب وسيذهب إلى الآن له بسبب عقبة معينة لم يستطع التعافي منها إلى الآن. تنهد يأخذ أنفاسه وأرقه البادي على وجهه من إنهكه بعمله. ثم أردف قائلاً بهدوء:

"عندي ضغط شغل الأيام دي يا دكتور. بس إن شاء الله انتظرني قريب. فنحن لم نتعافى بعد والله! قال آخر حديثه بمرح طفيف، مما جعل الآخر يضحك بخفة وهو يتحدث قائلاً من بين ضحكاته الهادئة: "ممكن تزود برضه إنك بتيجي عشان تراضي نفسك وبس. مع إنك ظالمها وجالدها أوي الصراحة ومش عارف تحبها. لازم تحب نفسك. حط تحت دي عدد من الخطوط اللي نفسك فيها يا دوك. بس متقلش عن مليون خط!

بالطبع حديثه كان ممزوجاً بحد كبير من المنطق والعقلانية. فابتسم الآخر بشرود بعدما أومأ للطبيب. غاص في ذكرياته الذي لم يتعافى منها إلى الآن. حسناً، دقائق مرت وهو شارد. يبدو ذلك. لأنه عندما فاق مجدداً، لاحظ اختفاء الآخر والذي كان سبباً في شروده إذن. "خلاص بقا صدعتو أمي وربنا. الصلح خير يا جدعان!

همس "آدم" بتلك الكلمات وهو يجلس أمامهم الإثنان. بالطبع كان حديثه يغلفه المرح ليخفف من حدة الأجواء. فنظر "حسن" إلى الآخر بحدة وهو يردف مجدداً: "صلح إيه اللي بيتكلم عليه؟ أنا مش عيل يا شريف عشان تسيبني لوحدي بعد ما ظبط انت كل حاجة وغليت الدم في عروقي وتمشي من غير ما تطفي عليه! وفي الآخر يتحط عليا من ابن عم الدغف ده! تحامل "شريف" على أعصابه من شدتها ثم أردف قائلاً بجمود ليجيب الآخر:

"ما قولتلك كان عندي زفت حاجات في البلد بخلصها وجت فجأة! هنخيب على بعض يا حسن! دا اللي جمعنا ببعض من الأول حقنة وشريط برشام! فـ روق كده يا باا محدش واخد من أمها حاجة! ماشي! تشنجت ملامح "حسن" فقط فالآخر معه حق ببعض حديثه فظل صامتاً لفترة. أما "آدم" فتغاضى عن ما قاله الأول عنه. ثم تنهد يردف قائلاً:

"خلصنا بقا معتش حد يفتح في أم الحوار ده تاني. وانت يا عم في رقم بيرن عليا من امبارح ولما فتحت أشوف متسجل إيه طلع الحوار ليه علاقة بأمك! ابتسم "حسن" بتهكم وهو يردف قائلاً: "فكك. لو رديت مش جايلك م المكالمة دي غير وجع دماغ. وأنا وانت بندفع كتير عشان نروقها أصلاً! لاحظ "شريف" حديثه الغير مكترث بوالدته. فلاحت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه. أما "آدم" فلم يستطع منع نفسه من الحديث الذي كان يتردد أن يردفه:

"عندك حق في حكاية الدماغ! بس هتندم على أمك يا حسن. يا ما أمك اللي هتندم عليك. خليك كويس يعم معاها لاحسن مفيش بعد الأم إسألني أنا!! "هه! أم!! هو أي أم ولا إيه؟ طب أمك كانت طيبة وغلبانة ولو إني الصراحة مبيفرقش معايا أصلاً. بس لو أمك عايشة لحد دلوقتي وشيفاك كده حقها تزعل وتتقهر. لكن أمي! أمي السبب أصلاً في كل حاجة بتحصل ليا هي أو أبويا!

مش غبي أنا عشان أقولك اني طالع كده من نفسي. أمي مساعداني على ده أصلاً. وكلام فسرك رياحة! بس اللي مش رياحة بقا إنها خلتني أكره كل اللي حواليا وأقارن نفسي بيهم على طول. دايماً شايف غيري أحسن مني! خد يا حسن فلوس ما عايدة إكيد بتدي لحازم إشمعنا أنا! اسهر يا حسن براحتك ما أبوك مبيكلمش حازم إشمعنا إنت! إكره يا حسن إخواتك هما مش بيحبوك! وعايدة بتكرههم فيك. ماشي يا ما! تقولك ماشي ياحسن بس متقولش إخواتي تاني هما مش إخواتك!

صمت قليلاً بعدما أردف حديثه بتعب. استشفه "آدم" بالطبع غير واعٍ بنسبة قليلة بسبب تعاطيه للمخدر الذي كان يحقنه به قبل مجيء "شريف" بفترة قصيرة. كان أول عتابهم لم يفعل المخدر تأثيراً. أما بعد فترة فعل تأثيره على عقله وبدنه وحديثه بالطبع. أما "آدم" فلم يفعل مثله تلك المرة. وكان "شريف" جالساً بصمت واعٍ بالكامل لكل حرف كان يتفوه به الآخر. ما إن انتهى "حسن" فرد ظهره سريعاً بقوة على الأريكة من خلفه ثم أغلق عيناه لعدم السيطرة

على غفوته الإجبارية تلك. عقله ما بين الواقع والأحلام الآن. نظر "آدم" عليه بشفقة ثم نهض واقفاً متجهاً إليه خطوات بسيطة فارداً الغطاء الرقيق ذلك عليه حتى دثره جيداً. أما الآخر فأخرج "سيجاره" ليشعلها وكأنه يتلذذ بذلك. وما أن انتهى آدم أشار له بأن يتبعه إلى الخارج. وبالفعل انسااق ورائه. فوقف "آدم" ينظر للآخر وهو يردف قائلاً

له: "أومال مش شايف الحاجة اللي قولت هتجيبها وانت جاي معاك؟ "ما انت لو تتقل هناك حطيتها على السفرة. اضرب انت والنحنوح وأعملو الدماغ اللي نفسكم فيها. وآدعيلي بس فلوسكم تحضر بقا ما أنا مش هدفع لكم من جيبي مخلفتكوش ونسيتكم! أومأ له "آدم" وهو يخرج نقوداً من جيب بنطاله الرياضي ثم قدمها للآخر وهو يتحدث قائلاً بصوت متوسط من العلو:

"إمسك دول. كان حسن جايبهم معاه قبل ما يجي وقالي ادفعهم للحاجة. دول آخر ما عندنا يا شريف مفيش فلوس ندفعها تاني عشان متقولش قليل وبتاع! لا أنا عاد بيجيني فلوس وحسن أخر نهبه ليه دول! ضحك "شريف" عالياً ثم تمتم بإعجاب وهو يردف قائلاً: "لا حلو والله ننوس عين ماما سمع كلامي أهو وبدأ يسرسب ويخنسر! "ما البركة فيك ناصحنا ومروق دماغتنا!

قالها "آدم" بسخرية. ومن ثم ابتسم الآخر له باستفزاز وهو يأخذ منه الأموال مستعداً للخروج من المنزل بأكمله. "ما أقسى أن تشعر بأن شخص ما سيفارقك، بعد قسوة الشعور بالحب من طرف واحد! مر وقت عليه وهو جالساً بجانب فراش والدته ممسكاً بيديها صامتاً لا يعرف بماذا يتحدث من شدة خوفه بأن يخسرها. فاليوم وبعد فترة موعد العملية الجراحية الخاصة بها. وشقيقته في الغرفة الأخرى في سبات عميق!!

تنهدت حنان بتعب، ثم رفعت يد ولدها لتقبلها بحنان بالغ. استشعر قبلتها الرقيقة تلك، ولكن دمعة دافئة فرت منها امتزجت بقبلتها له. تلهف عز، ثم رفع أنظاره بتعب لينظر لها بقلق بدا على ملامحه المتوترة. "بتعيطي ليه بس يا حنان؟ قالها بمراوغة حتى يهون عليها قليلاً. أما هي فابتسمت بسمة منكسرة لتردف قائلة بصوتها الهادئ الضعيف نوعاً ما:

"بعيط على خوفك يا عز. بعيط وأنا بحمد ربنا على ابن زيك، طول عمره بار بيا ولا عمره زعلني ولا وجع قلبي في يوم. بعيط يا بنى على تعبك علينا وشقاك. بعيط على قلبك الموجوع واللي انت كاسره بنفسك من غير خطوة يا ضنايا من الموضوع إياه! عايزاك تعرف يا بنى إنك قد المقام وأكتر وتليق باحسن ناس يا حبيبي. عمرك ما كنت قليل. القليل قليل الخبرة، قليل التفكير والعقل يا بني."

تأثر بحديثها، ثم فرت دمعة كان يكتمها أمامها. كانت تأبى الهبوط، ولكن عند يقينه بأن الأخرى تشعر جيداً بما يجري بداخله وتبوح بما في قلبها وكأنها آخر مرة. هز رأسه سريعاً ينفي حديث عقله، فوجدها تأخذ نفسها البطئ وهي تواصل مجدداً: "لو جرالي حاجة يا بنى، خلي بالك من نفسك ومن فرح. فرح اللي متأكده إن فيها حاجة ومش عاوز تقولي ولا تريح قلبي الموجوع عليكم."

قالت آخر حديثها بنبرتها الباكية الواضحة من حديثها بكثرة. فربت هو على وجنتيها ثم قرب من يديها على موضع قلبه وهو يردف قائلاً بإنهاك تخلله من بكائها هذا:

"والله كلنا كويسين وهنبقى تمام. مش عاوزك تفكري فحاجة. انت قوية يا حنان وهتستحملي، أنا عارفك وحافظك. عشان خاطري متسيبنيش أصلي مش هقدر أعيش من غير وجودك اللي مهون عليا الدنيا. خليني أقول وبأعلى صوت فيا 'انتهت المعركة وانتصرت أمي على السرطان'. خليني أقولها وأنا فرحان وصوتي مش طالع من فرحتي! بكت على بكائه الصامت وهو يردف حديثه بنبرته المتحشرجة. فوضعت يديها على صدرها بتعب وهي تأخذ أنفاسها بضعف قائلة بصوتها المتحشرج:

"مش بإيدي يا بنى. مش بإيدي. بإيد ربك. إدعي، مش هيخذلك أبداً. راضية أنا راضية بكل المكتوب. متخافش يا عز، متخافش يا حبيبي. أنا معاك. معاك وقلبك الموجوع. بس قولها يا عز. قولها خدها مني نصيحة. قولها يا بني إنك بتحبها ومفيش لحظة بتعدي غير وانت بتفكر فيها. قولها إنك عاوز تتقدم لها بس خايف. إفتح قلبك يا ضنايا وخش البيت من بابه. مش هستحمل وجع قلبك ده وأنا عايشة ولا حتى وأنا ميتة!

تركها ثم تقدم ليجلس على المقعد وهي تتحدث وهو يمسح ما تبقي من دموع عيناه، يأخذ أنفاسه متنهداً بتعب وهو يقول: "حبي ليها مش مبرر يخليها تقبل توافق على واحد زيي. مش شايفه أنا فين وهي بتعليمها ده لوحده فين! دكتوره هتقبل بواحد حياالله ميكانيكي سيارات! ده حلم. حلم صعب قوي عارف إنه مش هيتحقق وبردو مبحرمش وبفضل أحلم بيه. بس انت أهم عندي من كل حاجة. عاوزك متسبنيش وتفوقي وتبقي كويسة ونبقى نشوف الموضوع ده بعدين. وعد. ماشي."

أومأت له بهدوء وهي تهز رأسها بنعم. نعم، منهكة، متعبة، خائفة! *** جلست بمكانها والهاتف بيديها تطلب ذلك الرقم منذ ليلة أمس ولكن لا رد. تهز قدميها بقوة من فرط توترها وقلقها البادي عليها وعلى والدها. تفكر هل من شخص فعل به شئ؟ أم رحل دون عودة؟ فرت منها دمعة واحدة. دمعة جامدة، رغم تشنج وجهها، الذي لا يهيئ لمن يراها بأنها تبكي للتو. فاقت على فتح باب منزلها وهي تلتفت بلهفة لعل الآتي هو ولدها، ولكن خاب ظنها عندما وجدته هو!

زوجها! ابتسم بتهكم على تلهفها ذلك متفهماً بماذا كانت تعتقد. فأغلق سليم الباب ومن ثم اتجه بخطوات بطيئة ليجلس بجانبها بتعب، خاصة أنه غادر وقت الظهيرة، إذن الآن! نظرت زينات له بجمود ما أن رأت بسمته المتهكمة تلك. فنظر هو لها بإستفهام وهو يردف قائلاً بحدة: "بتبصيلى كده ليه يا وليه انتِ؟ طالعته بغيظ وهي تنفخ أنفاسها بقوة. فواصل هو حديثه الساخر وهو يقول: "بصي يا زينات ابنك مش جاي الوقتي. مش جاي أغنيهالك."

فلتت أعصابها وهي تحدجه بشرر مردفة بنبرة منفعلة: "وانت بقا مخاوي وبتعرف المستخبي ولا نفسك أصلا ما يرجعش؟ "ابنك القرش فايده الوقتي لما يخلص ويخف من القرش اللي فايده هتلاقيه راجعلك زي الكلب تحت رجلك عشان تلقميله زي ما بتديله من ورايا. أوعى تفتكري إني أهبل وبرياله ومش عارف. بس انت حره، ده كفيل يوريك تمن اللي بتعمليه واللي إحنا كلنا عارفينه. ابنك مدمن. يعني اديله كمان ودمريه أكتر. وأقولك حاجة بقا...

ابقي ادفعي فلوس مصحته، دا لو مجالكيش بكفنه الأبيض اللي عكس أعماله السوده. حوشي من دلوقتي للحاجتين وادفعي التمن لوحدك عشان أنا متبري منه ومن خلقته وخدي دي كمان لو جه هنا أنا هطرده بنفسي عشان معتش قاعد فيها. ارتاحتي؟ قال حديثه بانفعال منها ثم نهض بعصبية بالغة متجهاً حيث غرفته، تاركها تنظر بأثره بغضب. نظرات قاتلة حارقة! لو بقى هو ثابتاً لاحترق منها للتو! "هي بقت كده يا سليم.. ماشي!! ***

في الشقه المقابله. كان المكان قد رتب كثيراً. حسناً والطعام أيضاً. وبقوا هم جميعاً جالسين بالصالة حتى بعدما جاء لهم حامد بزيارة مع المشتريات الذي كان هابطاً ليشتريها مبكراً. وبعد مجيء جميلة من جامعتها مبكراً لإلغاء بعض محاضراتها وقلقها بإختفاء صديقتها لأيام، وأيضاً لم تجيب علي هاتفها حتى. وبين حازم الذي جاء منذ قليل مع مجئ والده أيضاً. كان جميعهم بالصالة حتى ياسمين كانت قد ارتدت ملابسها وتجهزت بقى فقط انتظار شقيقتها وغسان. وكما كانت قد جاءت لهم وسام بعد علمها بالتفاصيل من ياسمين على الهاتف فارتدت هي الأخرى وتجهزت وجاءت لانتظار البقية معهم. إذن الجو مليئاً بالحماس في ذلك الوقت!

ابتسم حامد لهم جميعاً وهو يرى التجمع هذا الذي ينقصه البعض بالطبع. ثم أردف قائلاً بلباقة: "متجمعين دايماً. بالخير وربنا يرد لينا أولادنا بالسلامة إن شاء الله! ابتسموا له جميعاً باتساع فخرج صوت وسام وهي تردف قائلة بلهفة: "هم إتأخروا ليه دول يخربيت الحماس اللي مش سايب الواحد في حاله والله." ضحكوا جميعهم بخفة. فنظرت لها جميلة وهي تتحدث بمرح:

"بس يا ثانوية عامة انت المفروض أصلا متتكلميش انت تشكريهم علي الخروجه الحلوه دي وبس! ابتسمت وسام بمرح وهي تجيبها على حديثها بقولها: "أبو الغساسين حبيبي قلبي وكبدي وعيني بقا." قهقهوا عليها بقوة خاصة والدها الذي أجاب على حديثها بمرح لهم قائلاً: "المفروض أبو الغساسين ده اللي أخدت الإذن منه. وأنا كنت كيس جوافه عند دلال في الفريزر وكده." قالها وهو يهز رأسه بمرح. فضحكوا عليه بقوة. فردت دلال كمحاولة للدفاع عن ولدها:

"ونبي دا حنين ومفيش في طيبة قلبه أبداً. مش كفاية عاوز يهون علي البت ياخويا ويفرفشها بدل التوتر اللي هي فيه ده! ابتسموا لها جميعاً. نظرت "ياسمين" إليها وهي تردف قائلة بجدية زائفة: "وانتِ يا بت، توتري نفسك ليه أصلاً؟ ما في داهية مش نهاية العالم ياختي. أخرتها واحد زي أبو الحزايم ومعاه في بيته، وكده يبقى خلاص خلصت!

ضحكوا عليها بقلة حيلة. وبعد دقائق من انتهاء ضحكهم، نظرت "جميلة" إليهم وهي تردف قائلة بحديثها الموجه لـ "وسام": "أكيد طبعًا ياسمين بتهزر يجماعة! قاطعتها "سمية" سريعًا وهي تتحدث قائلة بجمود وتحذير للأخرى: "أكيد طبعًا بتهزر. دي كانت بتذاكر تحت السلاح بتاعي اللي هو لامؤاخذة الشبشب يعني. ده ممشى جيل بحاله. كملي يا جميلة كنتِ بتقولي إيه؟

ضحكوا عليها بخفة مع النظرات الضجرة من الأخرى لوالدتها. فواصلت "جميلة" حديثها الهادئ بعد انتهائهم وانتهائها من الضحكات:

"كنت بقول يعني إن ثانوية مش كلها وحشة ولا كلها ضغط. بس حاولي تعيشيها صح. اعملي كل اللي نفسك فيه، بس من غير تأثير في مذاكرتك ولا وقتها. اخرجي واتفسحي واتبسطي، بس قصادهم وقصاد وقتهم تذاكري. اعملي حاجات جديدة مكنتيش بتعمليها. اتفرجي وابحثي أكتر عن حلمك وابدأي خططي ليه من دلوقتي كمان. خططي عشان أنا واثقة إنك قدها وكلهم واثقين إنك قدها. وأي حد مكانك وزيك قدها وقدود. أوعي اليأس، ده مش كويس، ده غير إنه حرام ومش من ديننا خالص. تفائلوا بالخير تجدوه. وإحنا كلنا متفائلين خير يا فنانة!

ابتسمت بتأثر كما ابتسموا هم لها جميعًا، بسمة امتنان. وكطبيعة شخصية مثل "وسام" الغير متوقع رد فعلها، قامت متجهة لتحتضن الأخرى بتأثر، ثم ضمتها بقوة وهي تردف قائلة لها مع تفهمها لحالتها التي عرفتها مؤخرًا من شقيقها، وبصوت خافت: "حاسة بيكي. علفكرة انتِ أرق وأجمل دكتورة، وبكرة هتعرفي ده كويس بجد."

أدمعت عيني "جميلة" بتأثر مع نظرات الحب الموجهة إليهم. وكانت قد أدمعت تلك طيبة القلب المندفعة في تصرفاتها وحديثها "ياسمين". ثم رفعت يديها تخفي آثار دمعتها وهي تردف قائلة بسخرية لا تتماشى مع بكائها منذ لحظات، وكأن يوجد لديها عطل في مشاعرها: "فخورة بيكو يا ولاد. فخورة بيكو يا حبايب مامي! ضحكوا عليها عاليًا، وعلى طبيعة حديثها المرح. فنظر لها "حازم" وهو يردف قائلاً بمشاكسة وتبجح:

"دي تقوليها لولادنا في المستقبل إن شاء الله." "شوف الواد الحبيب الشقي! قالها "حامد" بمشاكسة مما جعلهم يضحكون جميعًا، من أول عائلة "حامد" التي لاقت نفسها أخيرًا وسط العائلة المبهجة هذه، إلى عائلة "سمية" المتضاربة بسعادتها المتضاعفة من رجوع "ورده" وزواج "ياسمين"، إلى أخيرًا عائلة "عايدة" الذي يوجد دومًا شيئان لا ثالث لهم، الرضا الدائم الممزوج بالحزن بما قابلهم والذي سيقابلهم من عقبات! ***

خرجت سعيدة من أول يوم في عملها. ثم وقفت مع تلك التي عرفتها جيدًا. ما إن رأتها وللحظة كانت مدربتها صديقتها في الجامعة. نظرت "نيروز" إلى صديقتها بسعادة وهي تردف قائلة: "حقيقي مبسوطة أوي إني شوفتك هنا يا صفا بجد، الدنيا صغيرة أوي فعلاً." ابتسمت "صفا" باتساع وهي تجيبها قائلة بامتنان:

"شفتي بقا الدنيا ياروز. كنتِ وحشاني بجد. وعلفكرة انتِ شاطرة جدًا. وهقول لمستر غسان عليكِ وعلى خبرتك الكويسة بما إنك مبتدئة يعني. أهو يقوم مقدملك شهادة كده ولا حاجة هو ومدام "إنچي"." "تسلمي يا صفا، ده من ذوقك حقيقي والله. سلميلي على مامتك أوي وأختك! "تسلمي يا روز. زي ما قولتلك، أول ما فرحي أنا ومحمد يتحدد، أول واحدة معزومة هنا انتِ! قاطع حديثها "غسان" الواقف من خلفهم وهو يردف قائلاً بجدية زائفة:

"وأنا مجيش ولا إيه النظام يا صفا؟ "ينهار أبيض مستر غسان، ده انتِ تنور الفرح كله حقيقي والله." ابتسم بلباقة وهو يومأ لها بشكر، ومن ثم وجه نظراته لتلك الواقفة التي تبتسم لهم ببلاهة، وهو يقول: "خلصتي يا نيروز؟ تنحنحت هي وهي تومأ له، ومن ثم هبط من على السلم الجانبي. فالتفتت تهبط من خلفه، فأوقفتها صديقتها وهي تردف قائلة بفضول متسائل: "هو إيه الحوار يا بت ياروز؟ ما ترسيني." ضحكت "نيروز" بخفة وهي تتحدث على عجالة:

"لسه زي ما انتِ ياصفا متغيرتيش!! بصي هقولك بكره إن شاء الله يستي، مرضية! "أوكى dont forget بقا! "مش هنسي. باي." قالتها "نيروز" سريعًا وهي تهبط بسرعة على الدرج، حتى وصلت أخيرًا إلى الطابق الأرضي، فوجدته يفتح السيارة من الخارج ليركب بها. فتوجهت سريعًا إلى الخارج، ومن ثم وقفت لتبتسم كإذن، ثم ركبت بهدوء. فأومأ هو لها بهدوء بعدما أغلقت الباب من خلفها، ومن ثم بدأ بالتحرك سريعًا حتى لا يتأخرا على ما خططوا إليه!

نظرت هي إلى جانب الشرفة وهي تتذكر طرفات صديقتها من بداية اليوم إلى آخره بالعمل. نظر بطرف عينيه فوجدها شارده. فمد يديه لتشغيل المفضلة لديه دائمًا، "أم كلثوم! ". وكانت الأغنية لسوء الحظ لم تبدأ من أولها، يبدو أنها كانت مشغلة من قبل، حيث بدأت وعلى فجأة مما جعلها تنتفض بتوتر، حين قالت كوكب الشرق بصوتها القوي على فجأة بالنسبة لهم: "ياما عيون شغلوني، لكن ولا شغلوني، إلا عيونك انت، دول بس اللي خدوني، وبحبك أمروني."

حسنًا، الأغنية تقصد إحراجه! أم تقصد خجلها! هو لم يظهر ذلك، بل لم يتصرف بغباء أكثر. ترك الأغنية تكمل، وكأن شيئًا لم يحدث. أما هي، ابتسمت بتكلف كاعتذار لانتفاضتها تلك، ثم أردفت قائلة بصوت هادئ قليلاً: "صوتها حلو علفكرة." "ده كده كده." قالها وهو يقلب عينيه بثقة من حديثه. ففكرت هي بأنها سوف تسمعها حينما يخلو لها الوقت إذن! فوجدته يقاطع حبل أفكارها وهو يردف قائلاً بتساؤل عبثي:

"طلعتِ اجتماعية وعملتي صحاب بسرعة. خالفتي التوقعات! التفتت بملامح وجهها المبتسمة وهي تجيبه محاولة تصحيح ما قاله: "انت تعرف إن صفا صحبتي أصلاً من أيام الجامعة، لكن الباقي لسه متعرفتش! همهم وهو يسلط أنظاره على الطريق يجيبها بنبرة هادئة: "بكرة هتتعرفي وتعملي صحاب شغل أحلى من أي صحاب." "أتمنى! التفت بأنظاره لها يطالعها، ومن ثم تنهد بحماس طفيف وهو يقول: "جاهزة تقابلي مين! ابتسمت "نيروز" بحماس وهي تردف قائلة تجيبه

بنبرة ممزوجة باللهفة: "أيوه طبعًا، ده أنا بحبه أوي بجد وهو كمان بيحبني بردو." ابتسم باتساع على تغيرها اللحظي، ثم تنحنح قائلاً باختصار وعبث: "وأنا كمان! ارتبكت ملامحها، خاصة أنه لم يوضح هو أيضًا ماذا! ابتسمت وما إن حركت رأسها ناحية الشرفة جاءها صوته الأجش وهو يقول لها بعبث، مع ضحكاته الخفيفة: "أنا قصدي يعني وأنا كمان بحب يا من!

التفتت تنظر له بحرج وهي تومئ له، مدققة بتفاصيله خاصة ضحكاته الهادئة تلك، فابتسمت لا إرادياً بقلة حيلة وهي تنظر مجدداً للناحية الأخرى، فابتسم هو بثقة وهو يردف قائلاً بثبات يغلفه المرح الطفيف، ومازالت أنظاره على الطريق وكأنه يحدث نفسه بخفوت: "مشكلة الواحد إنه وسيم!

فتحت أعينها على وسعها عند وصول كلماته إلى مسامعها، فتعمدت عدم الظهور بسماعها لتلك الكلمات وكتم بسمتها على غروره الزائف هذا، ثم تحدثت قائلة بعد دقائق من الصمت ومازال وجهها ناحية الشرفة: "وصلنا أخيراً."

قالتها والسيارة تقف أمام المبنى بعد دقائق، فهبطت هي أولاً، ومن ثم ركن هو السيارة ثم هبط من خلفها متجه ناحية الداخل، وكانت هي على بعد خطوات منه كونها هبطت من قبله، فابتسم لها وهو يحرك رأسه للجهة التي توجد هي بها قائلاً بصوت عالٍ نسبياً حتى تسمعه: "بتهيألي بقينا أقرب بكتير من الحركة دي دلوقتي، ده أنا بشوفك كل يوم يوم حتى وراكبة جمبي قدام وفـ عربيتي! إتجهت نحوه وهي تقترب ثم ابتسمت بتكلفه وهي تقول: "مقصدش!

قالتها وهي من خلفه، فصعد هو أولاً، ومن ثم هي خلفه، دقائق ووصلا هما إلى الطابق المخصص لهم، فوجدوهم أمام باب شقة "سمية" ينتظرونهم عندما رأوهم من الشرفة، ابتسموا هم لهم جميعاً، فتحدث "حازم" مردفاً بمرح: "بالكم أطول من نهر النيل والله! ابتسم "غسان" بإستفزاز له وهو يجيبه قائلاً بصوته العالي نسبياً: "ما براحتنا يا جدع! "براحتك يا معلم، بس خلصونا بقا لقد أرهقني الإنتظار!!

قالتها "وسام"، وهي تتجه ناحية شقيقها، فابتسموا جميعاً عليها، فتنهد "غسان" وهو يبتسم لها بحنو، ثم أردف "حازم" بعقلانية: "بصوا بقا إحنا دلوقتي أنا وياسمين، ونيروز، ووسام وانت، وجميلة كمان هي مكنتش هتيجي بس أنا جبتها، فهنقسم ازاي بقا؟ ضحكوا عليه بخفة وهم واقفين، فإردف "غسان" بتفهم من بين ضحكاتهم:

"كده كده في شنط كتير فإحنا ناخدها من قصرها ونقسم صح من دلوقتي، يعني أكيد انت مع ياسمين في العربية ومعاكم أختك ونيروز، وأنا ووسام أو لو حابين تغيروا مفيش مشكلة! أومأوا له جميعاً، فتحدثت "وسام" على فجأة قائلة بضجر: "طب ما حد منكم يجي معانا بدل الملل ده يجدعان! نظروا لها بتفكير، بل وفكرت هي أيضاً، فرأت أن من الممكن أن تاخذ تلك التي تقف أمامهم معهم، في حين أنها لم تستطع أخذ "ياسمين" وشقيقة الآخر منه، ومن سيارته،

فأردفت قائلة باقتراح: "بص انت هتبقي معاك خطيبتك واختك اوكي، أنا بقا هاخد الحب دي معانا! ايه رايكم؟ أومأ لها البعض، ولحسن الحظ جاء إشارتها على "نيروز"، فابتسمت لها "نيروز" وهي تقول بلطف: "وأنا مش هكسفك والله، يالا بينا! قالتها وهي تتجه لتمسك بيديها ثم هبطوا لأسفل، تحت أنظارهم المدهوشة، فأردفت "ياسمين" بمرح بأثرهم وكأنها شارده: "يالهوي ياله من ميكس جبار!

قهقهوا عليها بقوة، فابتسمت لهم جميعاً بقلة حيلة، أما هو فلا يعلم لما تضاعف الحماس بنسبة قليلة به عن ذي قبل! تجاهل هو شعوره سريعاً، ثم نظر لهم وهو يقول: "طب كلو بقا يبدأ يجهز وينزل! أومأوا له حتى هبطن جميع الفتيات بالكامل، فوقف "حازم" وهو ينظر للآخر قائلاً بهدوء عاقل: "كده حلو أوي، بس خد بالك منهم بقا، نيروز بتخاف من السواقة السريعة فبلاش شقاوه يا صاحبي! "والله عيب منك! اللي ميحبش نخليه يحب، ده السرعة إنجاز حتى!

قالها بثقة، مما جعل الآخر يضحك له بخفة، هو يعلم أنه يمزح، فأردف قائلاً بخوف زائف: "ده كده ربنا يستر! قالها ثم انتبه لهم جميعاً يقفون من خلفهم ناحية باب الشقة، فوجد الآخر والده يتجه نحوه ببطء وهو يبتسم قائلاً بهدوء: "خلي بالكم من نفسكم يا عيال، معاكم أرواح مش مهم انتم المهم اللي معاكم! شهقت "دلال" عالياً، وهي ترد على الآخر بلوم: "بقا كده يا حج، ده غسان وحازم ولادك بردك، إخص منك والله!

قهقهوا جميعاً عليها، فأردفت "سمية" بابتسامة منهكة: "تروحوا وترجعو سالمين يارب، في رعاية الله يا حبايب قلبي! ابتسموا هم لها حتى أومأ لها الاثنان بلطف، فجاءهم صوت "عايدة" قائلة بحنان: "يلا إستودعتكم الله، مع السلامه." قالتها وهم جميعاً يرونهم متجهين ناحية السلم ليهبطوا منه، فالتفتت "غسان" بجدية للآخر وهو يتحدث قائلاً بنبرة جادة مازحة: "هو إحنا رايحين نحرر القدس ولا ايه؟ قهقه "حازم" عليه بقوة وهو يهبط من خلفه قائلاً

بمزاح: "ياريت، ده مكنوش عملوا كل ده وربنا! ابتسم الاخر بقلة حيلة، ودقائق ومن ثم وصلا أمام المبنى سريعاً، وكل واحد اتجه ليركب سيارته، وكل من الفتيات أخذن أماكنهن المناسبة، وبعد عناء من "حازم" بأن أي واحدة منهن تركب في الأمام بجانبه، فرفضن هن حتى لا يسببو الإحراج لبعضهم وأيضاً ليجلسن يتسايرون في أمور عدة، وللصدفة حدث نفس الأمر في السيارة الأخرى بعد تعب وإنهاك في الإقناع بأنه شيئاً عادياً!!

وبعد مرور بعض الوقت وبالنسبة له هو قد حان الآن موعد تسارع دقات القلب حد الخوف مما هو آت، وقف مستنداً على الحائط وبجانبه شقيقته التي تجلس بإنهاك وخوف والقنينة الطبية المعلقة بيديها لدخول الأدوية منها لها بسبب تدهور حالتها مؤخراً، بكت بصمت فقط ولم تتحدث بشيء، أما هو فبقي مستنداً، انتبهوا هم لذلك السرير الطبي المتحرك ووالدتهم مسطحة عليه والممرضين وعلى رأسهم أكثر من طبيب كان "بسام" من ضمنهم، كان السرير يتنقل بعدما تجهز للدخول إلى العملية الجراحية إذن!

هرول "عز" لها يقف بجانبها ثم انحنى سريعاً يحتضنها بقوة ودموع عينيه الدافئة تهبط على الأخرى وشقيقته قد نهضت خلفه تقف لتحتضنها هي الأخرى بضعف، نظرت له "والدته" بحنو وهي تردف قائلة بصوتها الضعيف أمام أنظار الجميع: "خلى بالك من نفسك يا عز، ومن فرح، سيبهالك أمانة حتى لو مطلعتش حافظ عليها وعليك، ماشي؟ هبطت دموعه بكثرة هو وشقيقته أمام أنظار "بسام" المتأثرة، فأخذ "عز" أنفاسه بضعف وهو يحدثها بنبرة متحشرجة: "حاضر!

بس أمانه عليك لترجعيلي تاني، لو مرجعتيش أنا مش هقدر من غيرك!! "ربك، بإيد ربك الواحد الأحد! إدعيه يا حبيبي، مش هيردك مكسور أبداً صدقني.." قالتها بضعف وهي تشير بيديها في آخر حديثها على الأخرى التي تبكي، وكأن الحديث قد مُسح من ذاكرتها. اتجهت مسرعة تلبي نداء والدتها، ثم انحنت بإنهاك على الأرض وهي تمسك يديها بقوة، تربت عليها بضعف وهي تقول بنبرة منكسرة بها بعض الضعف وثقل من لسانها: "متسيبنيش يا ماما!

نظرت لها حنان، ثم بكت بصوتها المبحوح وهي تحاول أن يخرج حديثها بثبات، ولكن خابت آمالها عندما خرج صوتها الضعيف من بين بكائها وهي تقول: "مالك يا فرح؟ كنت عارفة إن فيكِ حاجة يا ضنايا.." "متسبنيش يا ماما!!

وكأن لم يأتِ على لسانها غير تلك الجملة التي أردفتها مرتين متتاليتين. ورغم إصرار الطبيب النفسي وشقيقها بعدم الصعود حتى لا تتأخر حالتها، ولكنها أبت ورفضت رفضًا قاطعًا. أومأت لها والدتها وهي تهز رأسها بضعف فقط، ومن ثم تحرك السرير المتنقل من أمام أنظارهم، ومن خلفهم بسام الذي توجه لهم مراعاة لمشاعرهم وهو يقول باطمئنان:

"كل حاجة في إيد ربنا، إحنا وسيلة فقط، متبطلوش دعاء لو بجد محتاجينها. ربنا يهون عليكم وإن شاء الله تخرج وتفوق وتنجح العملية وتبقي كويسة! رمى بأخر حديثه على كتف عز، فأومأ له الآخر بضعف، ثم بدأ الآخر بالتحرك سريعًا خلف من قبله. فتوجه عز ناحية شقيقته ثم جلس بها على المقعد وهو يأخذها بأحضانه، رابتاً على ظهرها بحنو. هو الآن يعي جيدًا ما معنى فقدان الأم. جاء له تفكيره على شقيقه، أحقًا الآخر شعر بكل ذلك؟ وظلمه؟

أم أنه ظالم وسيء الظن دائمًا، ويحمله دائمًا هو وشقيقته ووالدته ذنبًا ليس لهم يد به؟ نفض من عقله تلك المشاعر الذي حملها له لوهلة، وهو يبدل نظراته للحدة بمجرد تفكيره بذلك الجاحد والذي يخلو بدنه من القلب إذًا! وما أن نظر الناحية الأخرى وجده يقف ينظر بشماتة. أحقًا هنا؟ أم يتخيل؟ أيعقل يفكر بشيء ويحدث؟ نهض سريعًا، حتى انتفضت فرح بفزع، ومن ثم رأت شقيقها يتجه ناحية معينة، وما إن ظهر كل شيء وجدته يتجه إلى شقيقها من أباها!

دق قلبها سريعًا بهلع وهي تنهض تقف بمكانها غير قادرة على الحركة من تلك المفاجأة. مفاجأة بمثابة شقيق لهم يكرههم جميعًا بشدة. تكاد تجزم بنظراتها تلك أن الواقف هناك ليس إلا شيطانًا بمخالب، وقبل كل ذلك شيطانًا بتفكيره الذي يظلمهم به ومازال!

أما الآخر فاشتدت أعصابه وهو يتجه له بسرعة، ولكن ما إن وصل ناحيته وجد الآخر يبتسم بتهكم، حتى وقف عز أمامه وهو يمسح دموعه بشدة من على وجهه، ناظرًا له بشرر يتطاير من عيناه البنية الداكنة كمثله. الاثنان يشبهان بعضهما إلى حد كبير. لحظات واقف شقيقه والآخر من أمامه لا يعرف لماذا أتى. كل ما يعرفه عنه من مدة أنه شقيقه الذي يعرف عنه بالجفاء والجمود في المعاملة، والخبث بالتفكير ورغبته العارمة في أي انتقام دون أسباب مقنعة. ولم يكن سوى شقيقه "شريف". أحقًا شقيقه؟

أم ماذا حدث الآن؟ ظلت ناظرة له فقط. أما شريف، بعدما انتهى من حديثه وجد عز يتجه له يقف أمامه، فأردف قائلاً بنبرة باردة مسلطًا أنظاره عليه: "ها كنت بتقول إيه بقا يا عز الرجال؟ فلتت أعصاب الآخر وهو ينظر له بغضب، مرددًا بنبرة جامدة: "بقولك إيه اللي جابك هنا؟ إيه! مبتسمعش؟ "مش عيب لما تقول لأخوك الكبير كده؟ بس عادي هعديهالك. أما بالنسبة للي جابني هنا، فـ أمك!!

قال آخر كلمة ببطء حتى يثير غضب الآخر، وبالفعل نظر له عز بغضب كونه فهم أن الآخر يسبه كذلك وليس مجرد إجابة على حديثه. فأردف شريف بنبرة عادية مبتسمًا بهدوء: "لأ فعلاً أُمك مش بشتمك، دي حقيقة! "إنت هتستعبط؟ وأنا أمي هتكلمك تيجي هنا ليه؟ مش كفاية تقطيمك فيها لحد ما جالها المرض والهم من الزعل! هز شريف رأسه بنفي بطريقة مستفزة وهو يجيب الآخر بتحدي: "متنفعش إنها كلمتني عشان المفروض الدنيا تصفى قبل ما تروح للخالقها وتتوكل."

هاجت الدماء في عروقه، ثم رفع يده سريعًا حتى يلكمه في وجهه. فأوقفه شريف على فجأة ممسكًا يده وهو ينظر بعيناه، ثم نهض بهدوء من على المقعد قائلاً له بنبرة تحذيرية: "دي! غلط تتمد على الأكبر منك!

أنا جاي شمتان فيك وفـ أختك ومستني لحظة القهر والحزن في عينكم عليها، مستني تروح للخالقها زي ما أمي راحت، مستني أشوفك تايه ومتشتت ومش عارف تروح فين وتيجي منين. كنت عاوز أقولها حاجة واحدة بس قبل ما تدخل العملية وتموت، كنت عاوز أقولها وانتَ فطريقك لجهنم قولي لأبويا إني مش مسامحه!

قال حديثه دفعة واحدة بحدة، ومن ثم نفض يد الآخر بقوة. ثم نظر بعيناه الجامدة إلى الأخرى التي لم تبدِ أي ردة فعل. فوجدها تبكي. فوجهت حديثها له أخيرًا وهي تتحدث قائلة بضعف من بين بكائها الصامت: "مـامـا ملهاش ذنب فاللي حصل، ولا إحنا يا شريف.." صمتت تلاحظ ملامح وجهه. فوجدتها جامدة. فواصلت مرة أخرى قائلة بتبرير: "يمكن بابا يكون سبب، بس إحنا مالنا؟

قلوبنا مش ملكنا. بابا محبش أمك، محبهاش، ومع ذلك اتجوزها غصب خلف بثينة وبعد كده انتَ! وكل مرة كان بيطلع فيها شغله برا البلد كان بيطلع لأمي. أمي اللي كانت مطلقة والناس كانت بتاكل وشها فالرايحة والجاية. كان بيحبها من قبل ما تتجوز اللي قبله. لا هو استناها ولا هي استنته. إيه ذنبي أنا وعز إنهم يتقابلوا من تاني ويتجوزوا؟ إيه ذنبنا إننا جينا من زوجة تانية قبلت بالوضع غصب عنها؟

ممكن تكون من وجهة نظرك غلطانة، بس والله أمي مبعدتش بابا عنكم. هو اللي بطل يجيلكم بطل يسأل بمزاجه فالأول بس، رغم كل اللوم اللي ماما كانت بتلومهوله، بطلت رجله تعتب عندكم بعد كده بسبب جدو اللي حلف عليه ما يرجع تاني. غاب عنكم، تعب من الندم عشانكم، تعب من الهم وهو بعيد عنكم وكل السبل مقفولة. مات معانا، بس مات بحسرته. مفيش أب بيكره عياله، بيظلمهم بس والله ما بيكرههم. ليه تحملنا ذنب وغلطة مش بإيدينا؟

ليه يا شريف تغيب ومنعرفش عنكم حاجة غير فين وفين؟ ليه كل مرة كنت بتظهر فيها بعد غياب تيجي لامي وتقطم فيها وتقولها كلام محدش يستحمله؟ ليه تقولها يا قاتلة؟ أمي مقتلتش ولا كانت سبب في موت حد صدقني يا شريف!

قالت حديثها باندفاع وببكائها العالي الممزوج بنبرتها المنهكة، تحت نظرات عز المنكسرة وهو يستمع للحقيقة الذي يقصد بأن لا يفكر بها كثيرًا. أما الآخر فكان يستمع بصمت ونظرات جامدة. وما أن انتهى أجابها بحده بالغة من حديثه وهو يشير لها بيديه تعبيرًا عن انفعاله: "ممكن يكون ظلمنا؟

لأ هو ظلمنا أوي. وأمك ظلمتني أنا وأختي كتير أوي. لما نكبر واحدة واحدة ومنلاقيهوش جنبنا يبقي ظلمتنا. ولا لما كله يموت وكله يمشي ويسيبنا من قرايبنا بعد جدي ما مات؟ ولا بعد ما هو سابنا فالبداية بمزاجه!

خلاني مسئول بسرعة. ساب أمي تتعب وكل يوم في المستشفيات. ساب أختي من غير أب يحميها ويكون سندها معايا. سابني وسابني وسابنا لحد ما اغتصبوا أختي وأنا كنت شاب لسه معنديش خبرة كفاية من الدنيا ومعرفتش أجيب حقها فالأول بعد تعب من اللي عملوا فيها كده. ماتت لما ظهرت فنظر الكل إن كل ده كان بمزاجها بسبب واحد حقير خدعني بعد ما كان خلاص حقها فـ جبناه. انتحرت!

موتت نفسها من كتر كلام الناس عليها. موتت نفسها من كرهها ليها ورفض الناس ليها. كل ده كان من إيه؟ مني؟ ولا من أبويا وأمك اللي بعدته عننا وسابنا متسوحين؟ مات لما إيه؟ لما الأخبار جاله فالآخر وكل الناس كانت بتتكلم عنها لحد ما وصله؟ مات لما أمي جالها جلطة بسبب زعلها على بثينة وراحت فيها؟ مات زعلان على كده ولا مات زعلان إنه هيسيبكم إنتم عشان كان بيحبكم أكتر مننا وفضلكم عننا فالأول بمزاجه؟

ولا مات مقهور إنه هيسيب حبه اللي دمرنا عشانها وتربي عيالها لوحدها من بعده!! قالها بإنفعال فاق الحدود ومع تشنجات وجهه. نعم هم يعلمون عن ما عانه شقيقه من آلام، ولكن لم يتعظ بعد. يحملهم الذنب إلى الآن متناسياً القدر، متناسياً حديثه عن من فعل بعائلته هذا غيرهم!

نظرت فرح له بشفقة وبخوف في آن واحد. ودموع عينيها تهبط على وجنتيها بغزارة مع احمرار عينيها. ولأجل ذلك، ما أن انتهى هو من حديثه نظر لشقيقه الآخر فوجد دمعة عابرة هبطت على وجهه الجامد بنظراته إليه! ابتسم شريف. بسمة ساخرة بها بعض الألم، ولكن خرج صوته الحاقد وهو يردف بغل فاق خروجه من نبرته حتى: "بتعيطوا؟ هه.." إنتوا ما عشتوش ربع اللي عيشته أنا في عذاب. ما عشتوش تعبي وجناني ووحدتي بعد ما كل شيء راح مني.

ما عشتوش أيامي في سفري برا أتعافى لوحدي عشان أرجع. ورجعت، وما اتعافيتش من أي حاجة برضه. رجعت آخد كل الحقوق اللي المفروض بتاعتي وراحت مني بسبب كل واحد فيهم وفيكم. أنا بكرهكم. ولو وصل بيا الحال إني أقتلكم بإيدي، هقتلكم. وأولكم أمكم اللي جوه بين الحياة والموت! "كفاية بقى كفاية.. امشي وسيبنا، ملكش دعوة بينا تاني عشان ما نِتوجعش ولا تتوجع. إحنا مش إخواتك زي ما انت عايز، ولا انت أخونا خلاص. امشي!

قالها "عز" بنبرة جامدة بها بعد التعب. ولكن نظر له الآخر بملامح وجهه الخالية من أي تعابير، ثم خرج منه صوته بنبرة باردة حملت من الشماتة ما يكفي: "أنا همشي. همشي بس أنا شمتان فيكم وفرحان فوق ما تتصوروا. ونفسي اللي دخلت دي ما تطلعش غير على كفنها ونعشها! قالها دفعة واحدة، ثم نظر للاثنين باشمئزاز. ومن ثم تحرك بخطوات سريعة مختفياً من أمام أنظار الاثنين التائهين.

نظرت "فرح" للآخر، ثم تقدمت عدة خطوات هذه المرة لتأخذه بأحضانها الدافئة. رفع يده هو بإنهاك على ظهرها يربت عليها بحنو يغلفه الانكسار. لحظات، ثم اتجهوا معاً ناحية المقاعد يجلسون عليها. والأخرى شارده خائفة على والدتها. أما الآخر فنظر لآخر الطرقة بدموع عينيه الزائغة الذي لا يرى منها شيئاً الآن من كثرة تجمعها. نظر بآخر الطرقة ومن ثم على السلم الصغير الموجه لغرفة واحدة، وكانت غرفة العمليات! ***

بالطبع قد مر العديد من الوقت، ولكن ليس وقت وصولهم إلى المطار بالكامل. كانت قد سارت السيارتين خلف بعضهما كما كانا مقسمين، مثلما خططوا. كانت تجلس هي بجانب شقيقته في الخلف وهما يتحدثان بأمور عدة، حتى صوت الضحكات المنخفضة قليلاً والعالية من أخرى. أما هو فكان ينظر بين حين وآخر من المرآة، ولكنه حاول تحاشي نظره اتجاهها هي. بسبب تركيزه غير المنطقي بنظراته على تلك صاحبة الضحكة الرقيقة.

تحدثت "وسام" من بين ضحكاتها العالية وهي تردف بمرح لاق للأخرى كثيراً: "يخرب عقلك، طلعتي حوار يا روز." ضحكت "نيروز" بخفة، ومن ثم غمزت لها بعينيها بمرح وهي تردف قائلة بعبث: "أومال! أي خدمة يا ستي." ابتسمت باتساع، بينما سلط الآخر أنظاره على الطريق بتركيز. فجاءة صوتها وهي تشاكِسه: "جرى إيه يا غس، ما تشارك معانا الحوار." نظر لها بحدة من المرآة كونها نطقت تلك الكلمة الذي لا يحبذها كثيراً، وأيضاً أمام الأخرى.

حسناً، ما مشكلة "أبو الغساسين" لما لم تردفها للتو استبدالاً بتلك الكلمة الأخرى! تمنى لو لم تلاحظ الأخرى تلك الكلمة، ولكن جاءه صوتها بكتم ضحكتها وهي تتحدث موجهة حديثها لشقيقته: "غـ..ايه؟ تنحنح بحنجرته يصلح من شكله قبل أن تتحدث شقيقته. فأردف قائلاً بمراوغة ناظراً لشقيقته بتحذير: "غـ.. غتاته! أومأت "نيروز" بصمت متفهمة ما فعله، تكتم ضحكاتها. بينما ما إن سمعت الأخرى ذلك، قهقهت بقوة وهي تتحدث قائلة بمشاكسة من بين ضحكاتها:

"مقبولة منك يا روحي." ضحك رغماً عنه وهو يحرك رأسه بقلة حيلة. حتى ضحكت "نيروز" أيضاً على مشاكساتهم معاً. عايشت وللمرة الثانية مشاكسة أفراد تلك العائلة في السيارة! أحبت كثيراً شجارهم المرح هذا الذي يغلفه الحب مهما حدث! عاود النظر إليهم من المرآة ومن ثم تحدث بنبرة متسائلة مرحة: "طب إيه؟ "إيــــــــه؟ رددوها الاثنان بوقت واحد بنبرة واحدة عالية. وما أن انتهوا، ضحكوا بخفة. ثم جاءهم صوته يكمل ما بدأه قائلاً بتساؤل:

"ما جوعتوش؟ ابتسمت "نيروز" بحرج من هذا الموقف. أما الأخرى فابتسمت باتساع عندما وجدت شقيقها يردف تلك الكلمات وهو يصف السيارة في إحدى الجوانب أمام أحد المطاعم. فأردفت قائلة بلهفة: "طبعاً، دي مش عاوزه سؤال! نظر لها وهو يلتفت برأسه، ثم عاد ليسألها مرة أخرى: "طب عايزة تاكلي إيه يا خفة؟ صمت قليلاً، ومن ثم نظر إلى الأخرى بابتسامة صغيرة مردداً بعبث: "بصي الناس المؤدبة اللي بتتكسف. ها تطلبي إيه انت كمان؟

نظرت لشقيقها بفاه مفتوح. بينما الأخرى ابتسمت فقط لم تتحدث بعد. ولكن "وسام" تحدثت ببطء وهي تنظر للآخر بتشكك لترفع يديها لتضعه على وجهه لتتحكم بحركة رأسه حتى يلتفت ينظر لها وهي تربت بمرح قائلة: "بصيلي هنا.. أيوه كده!! صمتت لتواصل مجدداً: "الأمورة دي عمرها ما هتقولك تاكل إيه. أنا بقى اللي هقولك. انت تروح تجيب لنا كريب كده ومعاه طحينة ومخلل ويا سلام لو...

توقفت عن الحديث عندما وجدته تجاهل حديثها بالكامل وهو يدفع باب السيارة الأمامي من خلفه بعدما خرج منها. نظرت بأثره بحنق وهي تحول أنظارها من النافذة لتنظر إليه وهو يسير وكأن شيئاً لم يحدث. فاقت من شرودها وصدمتها عندما وجدت الأخرى تضحك بقوة على ردة فعل الآخر وردة فعلها. ابتسمت هي لها بسمة صافية، ثم رددت قائلة بسخرية: "بتضحكي؟ والله.. دي أقل حاجة!! *** "بتهزّي؟ وبعد ما قتلت جوزها عملوا فيها إيه؟

نبس "حازم" بتلك الكلمات بفضول وهو ينظر إلى الطريق، ولكن حديثه كان موجهاً للآخرة التي لم تكف من بداية موضع قدمها في السيارة إلى الآن عن الحديث بالمواضيع المختلفة والشيقة بالنسبة لهم. نظرت "ياسمين" له، ومن ثم وجهت حديثها لهم الاثنان قائلة بحزن طفيف: "لا، ما بعد كده بقى في الجزء التاني. هو قال على التيك توك: انتظروا بارت 2." نظرت "جميلة" إليهم بفضول وهي تتمتم قائلة بشرود: "ياربّي.. ده الفضول وحش أوي."

"متنسيش تبعتيلي الصفحة علشان أتابعها." قالها باختصار حتى تومئ له الأخرى. ولكن أخطأت هي عندما سمعت حديثه. نظرت له بضجر وهي تتحدث قائلة بحنق: "والله! "إيه؟ "لا بجد والله! "عملت إيه طيب أنا؟ قاطعهم نبرة "جميلة" العالية لتتحدث قائلة باندفاع: "في إيه؟ نظرت "ياسمين" لها بغضب وهي تتحدث قائلة باندفاع: "ما انت مش عارفة.. البيه بيقولي ابعتيلي البيدج! وأنا بعتهاله، بس الأستاذ مش بيهتم بالريلز اللي أنا ببعتها ولا بيشوفها."

اندفع "حازم" بحديثه المنفعل قليلاً وهو يقول: "ده كل يوم أكتر من ١٠ آلاف ريلز. أشوفهم كلهم إزاي يا مفترية! "آه ما انت زهقان مني. ما لو بتحبني كنت شفتهم كلهم. اللي بيحب حد يا بيه بيبلعلّه الزلط. لكن انت شكلك مبتحبنيش ومش مهتم بيا!! "أه انت طالبة معاكِ نكد دلوقتي. وبصراحة الوقت مش مناسب و.." "بـــــــــــس! خــــــلاص! اسكتوا! قالتها "جميلة" بصراخ حتى توقف من هذا الشجار التافه من وجهة نظرها.

صمتت الأخرى، بينما هو ترك السيارة عند ذلك المطعم الذي وقفت أمامه تلك السيارة الأخرى ولكن من الجانب الآخر! بينما نظرت "جميلة" بطرف عينيها وهي تردف بنبرة ساخرة: "هو إيه الهيافة دي يا بت انت! "مش ناوية تعقلي بقا؟ "آه ما انت أخته هتحاميله بقا وتدافعي عنه ولأ وكمان.." وضعت "جميلة" يدها سريعًا على فم الأخرى توقفها عن الحديث وهي تتحدث باشمئزاز: "خلاص! يكش تولعوا أنا مالي! ***

بشقة "سمية" كانت تجلس على الأريكة وبجانبها صديقتها "دلال" بينما قد رحل زوجها منذ فترة، وكذلك الأخرى لتفعل عدة أشياء بمنزلها ومن ثم تعود سريعًا. إذن الاثنان بمفردهم الآن. التفتت "دلال" برأسها إليها فوجدت وجهها شاحب قليلاً ويبدو عليها التعب والإرهاق. فمدت يديها تربت على يد الأخرى وهي تتحدث قائلة بنبرة هادئة: "هبطي النهارده يا سمية، كتر خيرك يا حبيبتي."

ابتسمت لها الأخرى التي تجلس بجانبها بهدوء ثم أخذت أنفاسها ببطء حتى تجيبها بامتنان وهي تردف قائلة لها: "تعب ساعة ولا كل ساعة، تعبتي النهارده معايا يا دلال والله كتر خيرك." "متقوليش كده يا حبيتي إحنا أهل." صمتت قليلاً وهي تنظر لها ومن ثم أردفت قائلة بتردد: "انتِ بتاخدي علاجك يا سمية وواخدة بالك من صحتك كده؟ أصل شكلك تعبان أوي!! ابتسمت "سمية" بإنهاك وهي تجاهد أن يخرج منها حديثها ثابتًا:

"الحمد لله في نعمة وباخد علاجي وأهو شوية كده وشوية كده، مستنية بس أخلص فرح ياسمين عشان أروح أكشف فالآخر لما أخلص." "بس لازم تكشفي قبل ده كله، وتشوفي علاجك بيجيب نتيجة ولا معتش! رفعت "سمية" يديها تربت على كتف الأخرى بود مردفة بهدوء:

"متقلقيش عليا، أنا كويسة والله، وأديني أهو آخدة أجازة مرضية من الشغل، وإن كان على الكشف البت ياسمين بتتحايل عليا كل يوم بس أنا مش راضية الوقتي، خايفة، خايفة تيجي معايا والدكتور يقول حاجة كده ولا كده وأبوظ عليها فرحتها، لو عرفت إن حالتي وحشة ممكن تلغي الجوازة أصلاً، دي هبلة بنت هبلة وعرفاها! ضحكت "دلال" بخفة وهي تنظر لها بحب مرددة بود:

"إن شاء الله هتبقي كويسة وربنا هيكمل فرحتكم على خير، وإن كان على ياسمين فوالله ما هتلاقي أحن منها عليكي يا سمية." هزت رأسها بشرود تجيب الأخرى بعاطفة الأمومة وحدسها: "عندك حق!

ياسمين حنينة أوي، آه تبان لك صعبة ومتسبش حق ليها بس والله غلبانة أوي من جوه، منكرش إنها أطيب ما في بناتي، بس دي لو وقعت متعرفش تقوم نفسها تاني، مش زي نيروز، نيروز هادية وعاقلة بس شديدة وقت الجد لا عمرها بتسامح بسرعة ولا بتنسي بس بتلين فالآخر، ما هو من اللي حصل فيها بردك! "ربنا يخليهم ويبارك فيهم ويبعد عنهم أي شر، ويرجعلك وردة بالسلامة." ابتسمت لها بامتنان وهي تجيبها قائلة بخوف:

"والله أنا حاطة إيدي على قلبي من مجيء وردة على هنا ومش على بيتها، وانتِ عارفة بدر وسليم علاقتهم مش أوي، وكلام زينات السم اللي بترمي لوردة وبتعايرها بيه، وانتِ عارفة وردة مايلة لا بتعرف ترد ولا تصد! هزت "دلال" رأسها بحزن تقديرًا لما قالته الأخرى لها ومن ثم تنهدت قائلة باطمئنان:

"متقلقيش نفسك يا سمية، ولو على بدر يعني انتِ عارفة انه بيحب وردة وروحه فيها ومش سايبها، شيلي اللي في دماغك ده، ده بدر ابني بردو وعارفة دماغه عاملة ازاي." "مش القصد يا ختي، انتِ عارفة الرجالة كلها دماغهم واحدة وممكن يسمعوا لغيرهم برده." ضحكت "دلال" بخفة وهي تحرك رأسها قائلة:

"لا من الناحية دي أضمنلك بدر برقبتي، أنا مقدرة شعورك كأم وخوفك على بنتك وزعلك عليها، بس بردو إحنا معندناش حد وحش، إحنا تعبنا أوي عشان عيالنا يطلعوا رجالة بجد مش كلمة وخلاص، اطمني ومتسيبيش نفسك لدماغك." تنفست "سمية" بعمق وهي تنظر لنقطة ما بالفراغ بشرود مرددة بهدوء: "ربنا يستر ويعدي الأيام الجاية دي على خير! ***

قبل قليل، كان قد خرج ومعه بعض المشتريات، ولكنه ابتسم عندما وجد الآخر يقابله بوجه متهجم قليلاً. فنظر "حازم" إلى "غسان" وهو يقترب منه شيئًا فشيئًا حتى وقف أمامه أخيرًا. بعد لحظات، بادله الآخر البسمة، فتحدث "حازم" قائلاً ببسمة صغيرة: "إيه الأخبار؟ لقيتك حودت فجنب تاني، فـ وقفت أنزل أنا كمان وبالمرة أجيب طفح ليهم!! قهقه "غسان" بقوة ومن ثم أجابه على حديثه بمشاكسة: "أوبا!! شكلك متنكد عليك يا معلم!

لاحت بسمة ساخرة بجانب فم الآخر وهو يردد قائلاً بتهكم: "وأي نكد؟ هو مش باين ولا إيه؟ "ده الحمد لله الذي عافانا بقا! قالها "غسان" بمزاح، فابتسم الآخر بقلة حيلة، ومن ثم نظر "غسان" مجددًا وهو يردف قائلاً بهدوء: "طيب أنا هتحرك أنا بقا، متتأخرش جوه! "في رعاية الله."

قالها "حازم" وهو يلتفت ينظر بأثر الآخر الذي تحرك للتو، فالتفت يكمل سيره إلى ذلك المطعم. أما الآخر فقد سار إلى أن وصل أمام سيارته ثم قام بفتحها ومن ثم الدلوف فيها بهدوء تحت أنظار الآخرين. فابتسمت "وسام" وهي تردد بلهفة قائلة وهي تنظر للأكياس التي بيديه: "أيوه بقا يا غسان يا جامد، أومال بتتجاهلني ليه يعم." نظر لها مبتسمًا وهو يردد بعبث: "مش عيب تقوليلي أجيب إيه بتحبيه وأنا موجود؟

"إشطا عليك يا أبو الغساسين. بس الغلبانة دي؟ نظر هو لها فوجدها تنظر بحرج، فأردف قائلاً لها بعبث وهو يبتسم: "لا ما هي هتحب أي حاجة بنحبها ولا إيه؟! ابتسمت "نيروز" وهي تطالعه قائلة بهدوء: "أنا بحب كل الأكل عمومًا، فعادي بجد." صفقت "وسام" سريعًا وهي تردف بعفوية: "لا ده انتِ كده تاخدي قلبنا بقا!!

تنحنح "غسان" بقوة وهو يقدم لشقيقته الأكياس ملتفتًا حتى يقوم بتشغيل السيارة. أما الأخرى فابتسمت بخجل حتى احمر وجهها بتلميح الأخرى غير الواعية بما قالته للتو. فتحوا الأكياس ومن ثم بدأ كلٌ منهم بالمشروب أولاً. فنظرت "وسام" له وهو يتجرع ما بيديه قائلة بمشاكسة: "جايب لنا فراولة، وانتَ لمون بالنعناع! نظرت "نيروز" له وهو يشرب ما بيديه بتمعن، هي لا تفضل كثيراً ذلك المشروب. أما "وسام" فاردفت قائلة بطمع: "طب دوقني طيب!

ابتسم بقلة حيلة وهو يقدمه لها بعدما التفت. فأخذته هي منه ومن ثم شربت منه حتى شعرت بالانتعاش! فقدمته له مجددًا. ولكن لم يلتفت بل نظر لها بابتسامة صغيرة وهو يتساءل قائلاً: "تشربي؟ هزت رأسها بنفي وهي تبتسم قائلة بهدوء: "لا شكرًا." "مبحبوش! "جربي." ابتسمت بحرج وهي تهز رأسها بنفي حتى كادت أن تتحدث، فقاطعتها وسام قائلة: "عالفكرة غسان الوحيد فينا اللي مبيقرفش، فجربي مش هتخسري حاجة."

غمز هو لشقيقته بمرح، فنظر لها مجدداً فوجد بعينيها التردد، ولكن أخذ هو تلك الخطوة وهو يقدم يديه أكثر فأكثر حتى أصبحت العلبة أمام فمها. توترت هي كثيراً، ثم رفعت يديها سريعاً تأخذه منه قبل الخطوة التالية الذي سيقوم بها. ضحك بخفة وهو يحرك رأسه قائلاً، وكأنه يتحدث بشفرة ما: "كان لازم أعمل كده يعني!

لم تلاحظ الأخرى كثيراً ما يجري، بل اندمجت في تناول طعامها. ولكن نيروز جربت ذلك المشروب، تشنجت في أوله، ولكن بآخره استمتعت بطعمه قليلاً، حتى بدا على ملامح وجهها. ومن ثم رفعت يديها تقدمه له مرة ثانية وهي تبتسم بامتنان. فردد قائلاً من بين ابتسامته الملتفة وهو يتساءل بنبرة مشاكسة قليلاً: "ها.. إيه رأيك؟ "حلو." "أنا بردو شايفه حلو أوي."

قالها وكأنه يرسل إحدى الألغاز لها. لمحت هي ما يلمح له دون أن تبذل جهداً بالتفكير، حتى طريقة حديثه تعني ذلك. دق قلبها دقات متتالية ولكن ليست خائفة. خجلت قليلاً وهي تحرك رأسها ناحية الشرفة تنظر منها، بينما التفت الآخر حتى يقود السيارة بالفعل. *** بعد قليل، دلف هو السيارة بعدما قام بوضع المشتريات، ومن ثم التفت تحت أنظارهم الاثنين، ولكنه ابتسم هذه المرة وهو يقدم لها الأكياس قائلاً بنبرة هادئة يغلفها الحب: "خدي! متزعليش."

قالها بخفوت، ولكنها سمعته بسرعة. وسرعان ما تبدلت ملامحها سريعاً وهي تأخذ الأكياس بين يديه مردفة بمرح: "مقدرش أزعل منك يا أبو الحزايم، متزعلش إنت كمان مني! كان هناك من ينظر لهم باشمئزاز وكأنها رأت مشهداً مقززاً للتو. أغلقت هاتفها، ومن ثم جاءهم صوتها الساخر وهي تردف قائلة: "انتوا بجد عبط أوي." نظرت ياسمين لها بحدة مصطنعة، وسرعان ما أردفت باستفزاز قائلة:

"بحب الناس العبيطة، ملكيش دعوة، اخرجي منها يا دكتورة وسيبيني أنا والعبيط.. قصدي أنا وحازومي!! قامت بتصليح حديثها بسرعة، ولكنها تناست الجزء الأول منه. فتنحنح حازم مردفاً بحرج مزيف: "إحم.. إنت كده بتغلطي من غير ما تاخدي بالك، مش قدام البت بقا أستري عليا!

غمزت له بمرح وهي توزع أنظارها عليهم، ثم قامت بفتح الأكياس. أما هو فابتسم لها باتساع وهو يتحرك حتى يقود السيارة، متناسين تلك التي هتفت بلا مبالاة وهي تنظر لها تقدم لها الأكياس حتى تأخذ من الطعام: "علاقة توكسيك. جاتكم القرف والله! ***

جلست أمام حقيبتها بعدما أغلقت الباب من خلفها جيداً. نظرت لها وهي تقوم بتجهيزها. بالطبع وضعت فريدة كل الأشياء الهامة في الحقيبة الكبيرة نسبياً، كما وضعت بعض من ملابسها تجهيزاً لما تقوم بتخطيطه بعد الغد!! ترددت كثيراً في فعل ذلك، ولكن الآخر كان يضغط عليها بالذكاء بعدما عرف نقاط ضعفها إذن!! انتبهت لإضاءة شاشة هاتفها بقدوم رسالة منه، فاتجهت تنتشله بيديها حتى تقوم بفتح موضع الرسائل المرسلة من صفحته، حتى وجدت ما

يظهر لها من تلك الرسالة: [ها؟ وصلتي لحد فين يا فوفه؟ ابتسمت وهي تضغط على لوحة المفاتيح من أمام أصابعها تكتب: [تقريباً جهزت كل حاجة كده، وهمشي يوم كتب الكتاب زي ما قولتلي يا حبيبي، وعشان برضو محدش ياخد باله وكلهم هيبقوا برا البيت! لحظات وأرسل هو سريعاً ليقوم بالرد عليها!! [كده انتي فهمانه يا فوقه، خدي بالك من نفسك، وأنا ورايا شوية حاجات كده هعملها وهبقى أكلمك.]

أجابته بالموافقة، ومن ثم وضعت الهاتف على المكتب بجانبها. ولكن جاءها صوت طرقات الباب العالية. ولكن الطارق لم يمهلها فرصة للرد أو للاتجاه لفتح الباب. وبعد محاولات من الطارق لفتحه إلا أنه كان مرصداً من الداخل بواسطتها. توترت كثيراً، ثم هرولت تخفي تلك الحقيبة تحت الفراش الخشبي، ومن ثم عدلت من هيئة المكان واتجهت تتصنع النوم حتى تفتح الباب للطارق. وما أن فتحت فوجدتها والدتها تحدقها بغيظ وهي تقول: "كل ده عشان تفتحي؟

قافلة الزفت عليكي من جوا ليه؟ تركت يدها بعد أن فركتها، ثم حاولت فريدة أن يخرج منها صوتها بثبات، حتى نجحت: "اصل كنت نايمة! "ومن إمتى يا عين أمك بتقفليه عليكي وإنتي متزفتة نايمة؟ .. المهم يعني، قصري! تعالي اتغدي عشان شوية ورايحين عند سمية نستنى الهانم وجوزها من السفر زي ما أبوكِ عايز! تعكر وجه فريدة وهي تردف بضيق: "طب ما تروحوا انتوا وسيبوني هنا عادي! "إنتي سمعتيني؟

إخلصي مش ناقصين تقطيع من أبوكِ وقرف، كفاية اللي قالهولي لحد كده أوي. يلا اجهزي مرة واحدة عشان تتغدي ونروحلهم علطول! اضطرت للرضوخ وهي تومئ لها بالموافقة رغماً عنها. هي بالأساس لم تحبذ أبداً كل فرد بعائلتها سوى وقت الخدمة التي تريدها من أي منهم فقط!! ***

مر الوقت، ولكن تقريباً كان في حدود ساعة إلا بضعة دقائق. دلف آدم باستغراب من ذلك المسطح على الفراش منذ أن كان صديقهم معهم، لم يستيقظ بعد. دلف الغرفة، ومن ثم اتجه له وهو يزيح ذلك الفراش الصغير من عليه، ثم هزّه هزات متتالية وهو يتحدث قائلاً بصوت عالي نسبياً: "حسن! ما تقوم يا حسن كل ده نوم!!

من الطبيعي أن يوجد رد حتى ولو تأوه بسيط من ضربته الخفيفة على وجنتيه، ولكن لم يأتِ رد منه. دق قلب الآخر بسرعة وهو يعتدل بسرعة حتى يضربه على وجنتيه أكثر من قبل، ولكن لا فائدة. ردد آدم بغير وعي وهو يتحدث بنبرة مهزوزة خائفة: "لا يا حسن.. فوق عشان خاطري." أخذ يدفعه بيديه بقوة، ولكن حسن كان بعالم غير العالم. اتجه سريعاً يأخذ الهاتف حتى يدق على شريف، ولكن لم يجيبه أولاً. ومن المرة الثانية جاءه صوته وهو يفتح الخط قائلاً:

"إيه يا معلم؟ عاوزين دماغ تانية ولا.." قاطعه آدم سريعاً وهو يردف بصراخ ممزوج بالخوف: "شريف! حسن مبينطقش، تعالي نشوف هنتصرف إزاي، بسرعة... الوو.." كاد أن يكمل حديثه، ولكن يبدو أن الآخر قد أغلق الخط أو هناك مشكلة ما بالشبكة. أخذ يقوم بالمحاولة للاتصال عليه، ولكن لم يأتيه أي معلومة بأن هاتف الآخر يدق!!

ربما قد أغلقه، ولكن هو لم ينتبه لكل ذلك من الأساس. كل ما يجول بخاطره هو أن ينقذ صديقه. خطر بباله بأن يقوم بالاتصال على الإسعاف ويحدث ما يحدث إذن. أهم ما يكون هو إنقاذ حياة الآخر، حتى وإن علم الأطباء بأنه مدمن ويتعاطى الكثير!! قد كان كل ما يهمه أن يدب النفس بالآخر وإن كان موجوداً. رعشة يد، ارتباك، توتر! خوف!

خوفه الأول من عدم استيعابه لذلك الموقف المفاجئ السريع، وخوفه الثاني على صديق أيامه منذ زمن، صديق طفولته، صديق طريقه الذي يؤدي إلى الهلاك، هلاك اختار كلاهما السير به بإرادته. ولأن طبيعته التي تغلب عليه دائماً رغم ما به هو تحديداً، غلبت عليه عاطفته وهو تفر منه دمعة على وجهه المشبع بالخوف وهو يملي معلوماته أثناء إجراء مكالمة الإسعاف. والآخر مسطح أمامه لا حول له ولا قوة، لا علم له بأنه على قيد الحياة حقاً أم ماذا. ***

أخيراً قد وصلت السيارات إلى المطار. وبعدما خرج جميعهم من السيارات وقابلوا بعضهم في بهجة، ثم دلفوا ساحة المطار مع بعضهم البعض. منذ فترة استغرقوا الكثير وهم جالسين بجانب بعضهم في الاستراحة، والبعض منهم واقف على قدميه. نظر "غسان" الواقف لـ "حازم" وهو يردف قائلاً بهدوء: "ربنا يسهل كده ويكونوا خلصوا من الإجراءات." أومأ له الآخر بالتأييد وهو يقف من أمامه. أما "ياسمين" الجالسة بجانب شقيقة الأول، أردفت قائلة

بلهفة ظهرت في حديثها: "مش قادرة أستنى يا جماعة بجد، يا خرابي على الاستعجال بقى." ضحكوا عليها جميعاً بخفة. فكانت "نيروز" جالسة بجانب "جميلة" فلاحظت توتر وجهها فمالت عليها تحدثها بخفوت بجانب أذنيها: "مالك يا جميلة شكلك مش كويسة! "مش عارفة، حاسة إن قلبي مقبوض كده، وكمان برن على فرح مش بترد بقالها كام يوم! حتى تليفون مامتها بيرن ومحدش رد برضه! تذكرت هي عندما قابلت شقيق صديقتها في المستشفى، فأردفت قائلة بتذكر:

"أنا شفت عز في المستشفى و... "عز! ماله عز؟ قالتها "جميلة" بلهفة رغماً عنها. فعقدت "نيروز" ما بين حاجبيها قائلة: "مش عز يا جميلة! مالك؟ أنا بقول شفت عز في المستشفى بيكلم دكتور بسام بس كان كويس، معنى كده إن فرح أو مامتها تعبانين." توترت ملامح "جميلة" بشدة ثم حاولت أن يخرج منها صوتها بثبات، ولكن مزج بالخوف: "فرح ومامتها؟ بجد؟ معنى كده إن حد منهم فيه حاجة؟ طب أعمل إيه؟

"أكيد لازم تزوريهم في المستشفى هناك وتشوفي فيه إيه، أو لو معاكي رقم أخوها اتصلي واعرفي فيه إيه قبل ما تروحي، لو مش عاوزة تروحي لوحدك هاجي معاكي! كادت أن ترد الأخرى عليها ولكن جاءهم صوت الشباب وصوت الفتيات الصادح بالبهجة وكل منهم يردف بنبرة واحدة: "أهـــم! جـــــم هـــناك!

نهضت "نيروز" بلهفة وهي تنظر بأثر شقيقتها ويامن الذي يسير بجانبهم. ابتسمت باتساع وهي تسير بخطوات سريعة مع الآخرين حتى يقابلوهم. ابتهجت ملامح "وردة" وهي تحتضن شقيقتها وشقيقتها الأخرى مع بعضهم وهي تردف قائلة بنبرة متحشرجة: "وحشتوني أوي يا ولاد الحلوة! احتضنوها بتأثر. هرول "يامن" إلى "غسان" فرفعه الآخر على ذراعه بسرعة وبفرح وهو يقبله من وجنتيه بحب أمام ذلك الواقف من أمامهم. فأردف "بدر" قائلاً بمرح:

"يعني ابن الكلب ده تروح تسلم عليه قبلي؟ ضحك "غسان" وهو يتجه له ومازال الصغير على ذراعه ثم احتضن من يعتبره شقيقه الأكبر بحب وتأثر، حتى خرج من أحضانه والترحيب به ناظراً إلى "وردة" التي كانت تحتضن "جميلة" و"وسام" قائلاً: "حمد الله على السلامة يا وردة! "الله يسلمك يا غسان!

ابتسم لها بامتنان ثم قدم لها الصغير وهو يتجه ناحية الحقائب ليحملها بعدما انتهى "حازم" من الترحيب بالآخر وزوجته. حملا كلاهما الحقائب و"بدر" مازال يرحب بالفتيات جميعهم. فأردفت "وسام" بمرح: "الواد يامن ده شبهي يا أبو البدور! "ده يبقى قمر بقى؟ ابتسمت بخجل عندما أيدته "وردة" أيضاً بالذي أردفه. كان حديثهم أثناء سيرهم حتى وصلوا إلى السيارات. فوقت "غسان" وهو يتحدث قائلاً بصوت عالي نسبياً:

"أنا قسمت الشنط في شنطة عربيتي وشنطة عربية حازم، فأنا راكب معايا وسام ونيروز، لو هتيجي يا بدر إنت ويامن، وحازم ياخد وردة مع ياسمين وجميلة؟ ها؟ ابتسم "بدر" باتساع وهو يتجه حيث سيارة "غسان" مردفاً: "مفيش مشاكل يلا يا يامن!

أومأت "وردة" وهي تودع صغيرها بيديها، في حين كان على يد ياسمين وهي تقبله بقوة ومشاكسة. فأنزلته يسير أرضاً، ولكن لم يصغِ إلى والده بل سار في اتجاه "غسان" وهو يمسك بقدميه بمرح مبتسماً في وجهه. حمله "غسان" سريعاً بسعادة ثم احتضنه قائلاً بمرح: "خلاص ده بقى حبيب عمه وبتاعي من النهارده! ضحكوا جميعاً عليه. فأردفت "وردة" بلامبالاة زائفة: "خده وفوقه تلاته هدية! ابتسم لها باتساع. ثم أردف "حازم" بمشاكسة:

"انبسط يا عم عيل وتلاته، وإنت عندك شقة يبقى ناقص العروسة! قهقهوا عليه بقوة فأردف "غسان" قائلاً بثبات: "وماله نجيبها، إحنا جامدين أوي بردو! أردفت "وسام" بغير اهتمام وهي تتوجه للسيارة وهي تدخل بها قائلة بتهديد مرح: "وماله يا أبو الغساسين، بس ابقي قولي مين سعيدة الحظ عشان أعمل الواجب! قالتها ثم ركبت السيارة بجانب ياسمين التي ركبت قبلها بلحظات، وجميلة. فأردفت "نيروز" قائلة بعفوية تجيب على حديث الأخرى قبل أن تركب:

"مش عارفة حاسة في تهديد في كلامها! قهقه "غسان" الواقف وهو يحمل الصغير قائلاً: "حاسة! ... لا اتأكدي، ربنا يستر." ضحكت بخفة. ومن ثم نظرت لـ "وردة" تحتضنها بحب، ثم اتجهت حيث السيارة الأخرى والأولى اتجهت إلى السيارة التي بجانبها. فنظر "بدر" إلى صغيره بغيظ الذي يوجد في طوله حمل "غسان" له، فأردف قائلاً بضجر: "بتبيعني يا كلب! خليك معاه بقا واشبعوا ببعض!

قهقه "غسان" بقوة ومن ثم أردف قائلاً من بين ضحكاته وهو يلتفت ينظر حوله ثم فتح باب السيارة من الأمام قائلاً بمرح: "طب وطي صوتك أصل حد يشك فينا!

ضحك الآخر عليه وهو يركب هو الآخر بالأمام بجانبه ناظراً إلى صغيره الجالس على قدم "غسان". فابتسم له بحب وهو يدغدغه والصغير يضحك بقوة لأثر ما يفعله والده تحت ضحكات الآخرين في الخلف السعيدة بما يحدث أمامهم. دقائق معدودة وسارت السيارات بسرعة من مكانها حتى تصل إلى المنزل بعد ذلك اليوم الشاق! ***

كان ينتظر بتوتر هو شقيقته، فهو موعد خروجها من غرفة العمليات. جلس يربت على ظهرها وهي كذلك، تبكي تارة وهو يهدهدها والأخرى تفعل مثل ما يفعل معها. نظر هو لشقيقته وهو يتحدث قائلاً بنبرة متحشرجة يطمئنها: "هتبقي كويسة إن شاء الله." "أنا خايفة أوي يا عز، أوي!! نظر لها بتعب وهي تردف تلك الكلمات بكسرة. فأخذها بين أحضانه وهو يجيبها بهدوء: "وأنا معاك، متخافيش أبدا!

صمتت لحظات ولكن لاحظو الطبيب يأتي من على بعد ومعه بعض من الممرضات، فوقف على فجأة أما هي فتأوهت قليلا وهي تقف، حتى اقترب منهم "بسام" يطمئنهم قائلاً: "السلام عليكم، هي خرجت من العمليات وهتتحط تحت الملاحظة ٢٤ ساعة نشوف إيه النتيجة، وربنا يشفيها بإذن الله! ابتهجت ملامح "عز" كونها خرجت على قيد الحياة فأردف قائلاً بلهفة: "يعني يعني هي كويسة وخرجت؟

"أيوه طبعاً خرجت بس خرجت على الغرفة من الجهة التانية، متقلقوش خالص، وربنا يخليها ليكم." صمت عندما وجد "فرح" تبكي فأردف قائلاً يطمئنها: "إهدي يا آنسة فرح، متقلقيش هتبقي كويسة إن شاء الله، بس يستحسن بلاش ترهقي نفسك عشان نفسيتك وتعبك! إتجه "عز" يربت على ظهرها وهو يمسح من أثر دموعها على وجهها، بعدما نظر للطبيب بإمتنان وهو يقول: "ربنا يخليك يا دكتور." "على إيه؟

أنا معملتش حاجة كله بإرادة ربنا، خلي بالكم إنتوا من نفسكم، ومتقلقوش، كلنا في إيد ربنا." إبتسم له وهو ينظر له يتحرك من أمامه شيئاً فشئ، وبجانبه عدد قليل من الممرضات الذي يوجههم على ما سيفعلونه بتلك الحالة! "قولتلك! هتبقي كويسة متزعليش بقا، خليني أطمن مرات خالك اللي نازلة رن عليا دي." إبتسمت من بين دموعها وهي تردف قائلة بهدوء: "يارب تبقي كويسة، أيوه طمنها يا عز مش كفاية منعتهم إنهم يجو المستشفى!

آبتسم لها بسمة صغيرة وهو يومأ لها، يخرج ذلك الهاتف من جيبه حتى يقوم بالاتصال على من يستعلم عن حالة والدتهم. *** مرت ساعة وأكثر وتلك الجالسة على الأريكة تنظر بسخط، وبجانبها ابنتها وزوجها، لاحظت "سمية" نظراتهم فحاولت أن ترضيهم وهي تردف قائلة بابتسامتها الصغيرة: "أجبلك تتغدي يا زينات إنت وسليم وفريدة! نظرت لها بتعابير وجه جامدة ثم أردفت قائلة بتعالي: "لا كتر خيرك يا حبيبتي، إتغدينا وطبخنا مش مستنين يعني أكل من حد تشكري!

أومأت لها "سمية" رغماً عنها أما "عايدة" فكانت جالسة بصمت، إلى أن أردفت "زينات" قائلة لها: "وهو حازم بقا على كده واخد جميلة معاه فالخباثة من غير ما يقول لابوها؟ إنتبه ذلك الجالس بجانبها وهو يعبث بهاتفه، نظرت "دلال" لـ "عايدة" بإشفاق، إلى أن جاءهم صوت "سليم" بنبرة جامدة: "حازم راجل البيت من بعدي، وطالما قالتله خلاص يا زينات بقا! "هو في الحقيقة جميلة مكنتش راحة، بس هي جت بدري أوي من الجامعة فهو خدها يفك عنها شوية."

قالتها "عايدة" بهدوء وبابتسامة مكلفة، أما "سليم" فتابع بصمت، إلى أن إردفت "فريدة" بنفاذ صبر: "إحنا بقينا المغرب تقريباً، جايين إمته دول بقا! نظرت "دلال" إليها بملامح وجهها المبتسمة وهي تجيبها قائلة بلطف: "الصبر حلو يا بنتي، زمانهم على وصول." أومأت لها بابتسامة مصطنعة وسرعان ما تلاشت سريعا، فنظرت "زينات" لـ "سميه" وهي توجه حديثها لها مردفة بكيد وتبجح: "ألا قوليلي يا ختي، هي بنتك وردة لسه على الحال اللي هي فيه ده؟

تلاشت بسمتهم جميعهم عدا أفراد عائلتها من زوجها وابنتها، وشحب وجه "سميه" تدريجياً، وقبل أن ترد "دلال" لتدافع عنها، نطقت "فريدة" بخبث لوالدتها وهي تقول بلوم مصطنع: "حرام عليكي يا ماما هو اللي فيها ده بيتداوى أصلا، ما خلاص بقا، هتعيش طول حياتها كده! نظرت "عايدة" لهم بصمت وسرعان ما أردفت باحترام حتى لا تسبب أزمة: "أنا شايفة إن ملوش لازمة الكلام في المواضيع دي." أومأ البعض منهم، والبعض الآخر صمت، إلى أن أردفت "دلال"

وهي تقول: "طب يلا نحضر الأكل أصل خلاص قربوا خالص على هنا." أومأ لها البعض من النساء، ففرت "سميه" معها إلى المطبخ وذهبت "عايدة" خلفهم، تاركة ذلك الجامد الذي لا يعير لحديثهم الآن أي انتباه، وزوجته وابنته منتظرين فقط لإصطياد أي خطأ! ***

وصلت السيارات أخيراً أمام المبنى الخاص بسكنهم، هبط كلاهما بإنهاك من السيارات، "جميلة" هبطت ثم صعدت مع "نيروز" أولاً وهما بيديهم أشياء بسيطة، وهبطت "وردة" مع "ياسمين" ثم انتظروا "غسان" و "بدر".

أخذ كلاهما من "غسان" و "حازم" الحقائب ليصعدا بها ولكن في المصعد، وحملت "وسام" بعض الأشياء البسيطة ثم صعدت بها، ومن ثم صعد "بدر" بجانب زوجته وشقيقتها وأصبح أمام المبنى خالي بعدما كان مزدحماً منهم، وبعد قفل كلاهما من أصحاب السيارات سياراتهم وحمل الأشياء والحقائب جميعها وبعض منهم بالمصعد والبعض الآخر على السلم، حتى وصل جميعهم أمام باب المنزل الخاص بـ "سميه" التي هرولت لتفتح لهم الباب سريعاً بعد رؤيتها لهم من الشرفة،

قامت بفتح الباب لتجدهم جميعاً متراصين بجانب بعضهم و"بدر" و "وردة" في المقدمة وعلى ذراع زوج ابنتها يأمن، أدمعت عينيها سريعاً وكذلك "وردة" ومن ثم دخلت بأحضان والدتها بتأثر قوي ثم فرت منها الدمعات المتأثرة وكل من الآخرين يهللون بالأصوات المرحة والمشجعة حتى لا يتعكر الجو والمكان للحزن!

ومن ثم دلف "بدر" بأحضان "سميه" ودقائق ودلف جميعهم الشقة، وما أن نظر "بدر" لحامد الذي أتى الشقة فور علمه بإقترابهم، اتجه بخطواته السريعة ليدخل بأحضان من يعتبره والده ومن "دلال" يحتضنها بعدما احتضنت وردة، دلفوا إلى الداخل أكثر وجلس جميعهم بجانب بعضهم، ولكن وقفت "وردة" تبدأ بالترحيب بـ "زينات" بتردد هي وابنتها. "إيه يا بنت سميه خايفة تسلمي عليا ولا إيه؟

آرتبكت "وردة" أمام الأنظار ولكن سرعان ما هتف "بدر" سريعاً ليدافع عنها قائلاً: "معلش يا جماعة، أصل وردة بتشوف بقلبها قبل إيدها، طيبة أوي، متقصدش متقصدش." حاولوا جميعاً إخفاء ما أردفه الآخر من تلميح، فنظر "سليم" إلي "بدر" وهو يردف قائلاً بتهكم: "حمد الله بالسلامة يا بدر، وهتغاضي عن سلامك الفاتر ليا، الوقت ميسمحش للعتاب طبعاً! أردف "حامد" يهدأ من حدة الأجواء الغير مباشرة:

"معلش يا سليم جاي تعبان ومش واخدين بالهم بقا وكده." نظر له "سليم" ومن ثم عائلته بحدة فهم لم ينسوا بعد آخر تلك المشكلة التي بدرت منهم، إتجه "بدر" ليجلس بجانب "غسان" وهو يميل بجانب أذنه قائلاً بخفوت: "يا ساتر!! ضحك "غسان" بعدما إنتبه لمن يقصد بحديثه فأردف قائلاً له بخفوت: "دمه سم! نظرت "سميه" لهم جميعاً وهي تردف قائلة بلطف: "طيب يلا علشان ناكل كلنا."

أومأ لها "بدر" و "وردة" في حين رفض جميعهم وكل منهم يردف قائلاً بـ لا!! حتى تحدث "سليم" قائلاً: "لا بالهنا، نستأذن إحنا بقا." أشار لزوجاته الاثنتان وبناته لينهضوا! بعدما رفضت الأخرى بأن يذهب دون طعام! ولكنه رفض وهو يتحرك ليسير باتجاه باب الشقة بعدما أشارت له "زينات" بأنها تريد الذهاب وهي تردف قائلة بخفوت: "يلا إحنا شكلنا ضيوف تقال!

لحظات وخرجوا من باب الشقة صافعين إياه من خلفه. هزت "نيروز" رأسها بـمبالاة من تصرفات عمها التقليدية. فأردفت "دلال" قائلة بهدوء: "يلا يا حبايبي على السفرة أنتم تعبتوا كلكم انهاردة! أيدتها "سمية" فنهض البعض يذهب خلفهم حيث غرفة الطعام. و "غسان" و "نيروز" الذان أصبحا بجانب بعضهما بعد تحرك البعض من أماكنه. فأردفت له بابتسامة وهي تقول بتساؤل: "مش هتاكل؟

التفت ينظر لها برأسه بعد أن حاول أن يتحاشاها ولكن الآن أصبحت بجانبه. فأردف قائلاً يجيبها: "لا الحمد لله شبعان! انت مقومتيش ليه؟ ضحكت بخفة وهي تجيبه قائلة بهدوء: "الحمد لله بردو! كان ينظر من خلفها على الاثنين الذين انسحبا بهدوء ليقفا بالشرفة التي توجد بصالة المنزل. ثم ضحك وهو يحرك رأسه قائلاً: "مش سهلين دول! التفتت تنظر خلفها على شقيقته و"حازم" ومن ثم ضحكت بخفة وهي تلتفت تجيبه وهي تهز رأسها بهدوء قائلة: "دي حقيقة."

قاطع حديثهم "سمية" وهي تتوجه لتقف من أمامهم ثم تحدثت قائلة بلهفة: "ايه ده انتو لسه مقوموتوش يلا علشان تاكلوا! "لا أنا مش هقدر الحمد لله. هروح البيت ولو دلال سألت عليا قوليلها اني مشيت! قالها وهو ينهض. حتى نظرت "سمية" له بلوم وهي تردد: "ليه كده؟ زعلت منك والله! "معلش مرة تانية. سلميلي على بدر ووردة هبقي أجيلهم لما يرتاحوا. مع السلامة!

أردف كلماته وهو يتجه حيث باب الشقة حاملاً مفاتيحه وهاتفه ليضعه بجيب بنطاله وهو يخرج منه. لم يعطها فرصة حتى للرد عليه. تركته ظنت أنه منهك ويحتاج إلى الراحة. فعادت النظر إلى "نيروز" وهي تردف قائلة: "طيب قومي انت يلا! تحدثت تجيبها وهي تنهض متجهة حيث طريق غرفتها وهي تقول: "لا أنا مش جعانة خالص. بالهنا والشفا أنتم!

خدي بالك انت بس من وردة وبدر وأكليهم ونيميهم في أوضة وردة ونيمي يامن فالتلاجة ومشي خططك زي ما مرتبالها وسيبيني! حركت "سمية" رأسها بقلة حيلة وهي تردف قائلة بتيهة ناظرة لها وهي تتحرك من أمامها: "هم العيال دول جرالهم إيه؟ ***

جلس أمام غرفة صديقه في تلك المستشفى الحكومية المتهالكة قليلاً. وهو يهز ساقيه بتوتر شارداً بأن صديقه على قيد الحياة وقد علم ذلك عندما جاءت سيارة الإسعاف ونقلته إلى هنا. خرج الطبيب من الغرفة وهو يقف أمام "آدم" الجالس قائلاً له بهدوء: "هو تحت الأجهزة دلوقتي ولولا ستر ربنا كان هيروح فيها. وتحليل الدم لسه هيطلع عشان نعرف عنده إيه بالظبط. هيفوق على بكرة بإذن الله! ارتبك عندما هتف الطبيب بتحليل الدم. بالطبع إن حلل له دم!!

سيعرف حتماً بأنه متعاطي وتلك مستشفى حكومية لا بد من أخذ أقوال وتحقيقات بخصوص ذلك بواسطة كشف الأطباء. شرد بهذه النقطة حتى بعدما أردف الطبيب كلماته ومن ثم رحل من أمامه تاركاً إياه يفكر في حل لتلك المعضلة!! *** بعدما بدل ملابسه. وقف في الشرفة قليلاً وبيديه زجاجة المياه يرتجع منها شارداً بكيف يصبح عندما يراها. كيف يصبح كثير الحديث والأسئلة. كيف يسحب منها الحديث! متذكراً نظراته لها في المرآة وهي تعبث وتضحك وتأكل!

مع شقيقته!! متذكراً حديثها. تذكر أنه يحاول إخفاء تعبيراته عندما يراها وهو يتظاهر بأن كل شيء لا يثير اهتمامه. متذكراً كيف عندما تقترب منه بأي جلسة بمكان. يحاول التهرب منه ولكن أحياناً يفشل بذلك! وصل له تفكيره بأنه قد يكون أحبها من جديد! أم مجرد إعجاب؟ تسارعت دقات قلبه هو هذه المرة. وسرعان ما هز رأسه سريعاً ينفي تفكيره وهو يردف بخفوت وكأنه يتحدث مع قلبه وعقله: "أكيد لا!

ابتسم بسمة ساخرة عندما تذكر دقات قلبه المتسارعة. لأن قلبه من يدق هذه المرة وليس قلبها إذن! سمع صوت فتح الشرفة الجانبية. فالتفت سريعاً ينظر فوجدها هي. إذن لا مفر من الهروب من الشرفة الآن. انتبهت هي له هذه المرة وهي تأخذ زجاجة المياه الكبيرة لتسقي الورد الذي يوجد ناحيته. ابتسمت له بحرج. فأومأ لها بصمت. وسرعان ما تحدث سريعاً وهو يقول: "مش معقول كل ما أطلع فالبلكونة ألاقيكي."

احمر وجهها ولم تنظر له بل واصلت في أن تسقي الزرع والورد. وهي تردف قائلة لتجيبه: "أنا مش قصدي بجد. ممكن مجرد صدفة. لو متدايق مني ممكن أخرج! قالتها بتردد. فابتسم هو ليصحح ما أردفه بعبث: "أنا.. أدّايق منك انت.. طب ده ينفع؟! ابتسمت بحرج وهي تقوم بنقل الزرع من مكانه لتبدله بالآخر. محاولة أن تخفي وجهها المحمر ولكنه لاحظ حركتها تلك. فأكمل يواصل ما تحدث به من البداية: "طب مين الأهبل اللي ميحبش الطماطم الحمرا."

صمت ثم واصل بعبث: "مش ناوية تزرعيها هنا؟ تركت زجاجة المياه الكبيرة ثم اعتدلت تجيبه بتوتر: "إن شاء الله. عن إذنك." قالتها ثم فرت سريعاً تخرج من الغرفة تاركة خلفها بابها مفتوحاً من أثر خجلها بمقصده لاحمرار وجهها. فاتبسم هو بأثرها بغير وعي. لحظات. ومن ثم تحدث قائلاً بدهشة: "طماطم فالبلكونة وتتزرع هنا؟ هي فهمت إيه؟ صمت بحيرة. ثم رفع الزجاجة الذي يوجد بها قطع من الثلج يتجرع منها ومن ثم أخفضها وهو يردف قائلاً

بتيهة لم يستطع التحكم بها: "شكلي وقعت فيكِ من تاني يا بنت الأكرمي!! قالها وهو يتجه ليدخل من الشرفة إلى الغرفة بهدوء. شارداً. بكيف يحدث كل ذلك؟ كيف يشعر بها؟ الشيئ الوحيد الذي لم يلومه هو قدرته واستطاعته بإخفاء مشاعره أمامها. شارداً مرة أخرى بحيرة من بين حب أم إعجاب أم عبث؟ لا يعلم أي شيء الآن. لم يستطع أن يحدد مشاعره ولكن اهتمامه هذا غير طبيعي بالنسبة له!!

تذكره لكل تفاصيلها إلى الآن وهو يملي عليها ما يتذكره دون حساب. ليس طبيعياً بالنسبة له أيضاً. عقله وقلبه الآن يعاركان بعضها ما بين: انه مجرد عبث!! إلى: أحقاً وقعت بحبها من جديد؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...