الفصل 7 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل السابع 7 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
30
كلمة
5,515
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

"أما عن يوسف، "فأسرها في نفسه". وأما يعقوب، "وتولي عنهم". فأما مريم، "فلن أكلم اليوم إنسياً". "وأما عنك أنت، فلا تبح لأحد عن ما في قلبك إلا لواحد، إلا لخالقك، وطبيبك من بعده، لعلك تشفى من ندباتك التي بداخلك." كان قد مر الوقت بعدما نزلت هي من منزلها واتجهت إلى الوجهة التي عقدت العزم أن تذهب إليها. جلست تفرك يديها أمام الجالس أمامها بتوتر. طالعها هو بتمعن ثم تنهد قائلاً، وهو يوجه أنظاره إليها بهدوء:

"متوقعتش تجيلي تاني يا نيروز، بس اللي متأكد منه إنك أكيد مقولتيش لمخلوق إنك جايه هنا! ومتأكد من كده زي ما أنا متأكد إنك قاعدة قدام عيني دلوقتي." طالع هو حالتها وفركها الهادئ ليديها وانخفاض رأسها لأسفل. دق قلبها سريعاً. ورفعت أنظارها له بصدمة داخلية ومفاجأة بعلمه بما تفكر فيه هي! أيقنت هي من المفاجأة أنها أصبحت مكشوفة أمامه بعلمه لتفاصيلها الصغيرة، حتى وإن غابت عنه لفترة.

رفعت رأسها تطالعه، فنظر لها هو يطالبها بالحديث وإخراج ما بداخلها من شحنات سلبية تؤثر بها. حدقت به لثوانٍ ثم وجهت أنظارها على المكتب البعيد عنها قليلاً، وخاصة علقت أنظارها على تلك اللوحة الخشبية الصغيرة الملونة المستعلمة عن هوية الآخر، والذي كان مكتوباً عليها: "د/ عاصم أمين". أوقفت نظراتها وراجعت نفسها لبرهة: أحقاً هي إلى الآن لازالت مريضة ولن تتعافى؟

"لأ، مش اللي بتفكري فيه، انتِ مجرد إنسانة بتبدأي صح، مش لسه زي ما انتِ فاكرة." طالعته بريبة وصدمة في آن واحد ثم أردفت قائلة محاولة الثبات: "أنا جايه عشان تعبت، تعبت من إني مبعرفش أواجهه لحد دلوقتي. قالي كتير وزعلني وكسر فيا حاجات كتير، وأنا ليا طاقة وعند حد معين بنفجر. جايه مستغربة إني لحد دلوقتي ليه طاقتي مبتخلصش عنده! ليه مستحملة وساكتة؟ ليه ببان ضعيفة قدامه؟

نظر لها "عاصم" بتعابير وجه خالية، فتنهد يأخذ أنفاسه قائلاً بهدوء: "يمكن لأنك قولتي قبل كده في وسط الكلام إنه شبه باباكي." أجابته "نيروز" بارتباك قائلة: "أيوه بس عمي حاجة وبابا حاجة!

"بس أنا مقولتش إنهم الاتنين نفس الشخص، أو ما أقنعتش نفسي بكده لمجرد الشبه زي ما عملتي. انتِ عارفة إنك بتثبتي لنفسك أن روحه موجودة معاكي، ومبتفكرش في عمك لمجرد الشبه بينه وبين باباكِ. عارفة إنك بتعملي كده لمجرد لو واجهتيه باباكِ يزعل. ده اللي بتقوليه لنفسك بصمت مع إنك مش مقتنعة بس عايزة تقتنعي إنه كويس وبيعاملك كويس عشان ميبقاش فرق بينه وبين باباكي وتحسي إنه لسه معاك فعلاً!

طالعته بصمت وقلة حيلة من علمه لما يدور بداخلها، فتنهدت قائلة أخيراً: "بس أنا مش مجنونة! "وأيه الجنون اللي في كده! انتِ مقتنعة من جواكِ إنك مجنونة؟ فركت يديها تجيبه بتوتر: "ساعات، لما بلاقي شخص بيهين فيا ويكسرني وساكتة! بالذات لو اللي قدامي مش بيعمل كده زي ياسمين. ياسمين علمتني إن دي حاجة غريبة لو أنا سكت عن حقي، فبعتبرها جنون مني! أجابها "عاصم" بتفهم لحالتها:

"بس ياسمين مش انتِ وانتِ مش ياسمين. خلينا نقول لما حد قالك حاجة زعلتك حسيتي بإيه؟ أو مثلاً كان امتى آخر مرة؟ فركت يديها بتوتر قائلة وهي تنظر أرضاً: "النهاردة قبل ما أجي بشوية."

طالعها هو بتمعن وهي تقص عليه ما حدث لها منذ قليل، ممسكاً دفتراً بيده صغير شكله مريحاً للأعصاب. دفتر كان خاصاً بها على شكل ورود كثيرة كما تحب هي، أحضره لها في جلساتها حتى تنتبه وتتفاعل معه عندما أخبرته أنها تعشق الورود في أول جلساتها من سنوات. فهي تعد حالة قديمة بالنسبة له وتأتي له على فترات، ومازال إلى الآن محتفظاً به، محتفظاً بدفترها الذي يدون به ما تقوله من ملاحظات.

مرت الساعة بعدما أتى هو من الخارج من عمله. كان يقف بالمطبخ يدندن بعض الألحان بطريقة مرحة، يجهز عدة شطائر وأكواب من العصائر المختلفة بطعمها. أخذ "بسام" يتجهز الطعام وهو يعده بانتظام وتلذذ. مرتدياً تلك "المريلة" الوردية الخاصة بالمطبخ على قميصه الأبيض المفتوح من أوله ثلاثة أزرار بإهمال من وقفته.

في الغرفة الجانبية كان يقف "غسان" ممسكاً بصندوق متوسط الحجم بيده، كان قد دخل به المنزل عندما هبط وعاد من جديد. خرج من غرفته متوجهاً حيث الغرفة الأخرى الخاصة "بشقيقته". دق الباب عدة دقات خافتة، فأذنت له هي بالدخول وهي تجلس بمكتبها تذاكر دروسها. اتجه ناحيتها ثم جلس على المقعد أمامها، قائلاً لها بهدوء وهو يشير على المقعد الآخر الذي يوجد بجانبه: "تعالى." اتجـهت له بحماس من ذلك الصندوق الذي يوجد بيديه. "افتحيه يلا."

أخذته منه عندما مد يده وأشار لها بأن تأخذه وتفتحه أمام نظراته. فتحته بحماس لتجد به أشياء عديدة محببة لها. أولهم كانت عدة أقلام كثيرة مختلفة الألوان وأقلام تحديد ملونة، وأكثرها اللون الأصفر منه الذي تفضله هي. والثاني كان كوباً متوسط الحجم مرسوماً على واجهته أقلام خشبية وألوان ولوحات رمزية صغيرة، أشياء تشير إلى حلمها، وكان مكتوباً عليه باللون الأسود والأبيض معاً: "You can do It".

والآخر دفتريـن من اللون الأزرق والأسود، بالإضافة إلى علبة ألوان خاصة برسمها الذي تعشقه. وكان آخر شيء موجوداً عبارة عن بوكس صغير الحجم بلاستيكي به عدة أوراق ملونة يوجد بها العديد من الرسائل اليومية التحفيزية لها. عرفته هي على الفور من مجرد شكله المألوف بالنسبة لها. كان يطالعها بحنان واهتمام. رفعت أنظارها هي له بتأثر قائلة بنبرة متحشرجة: "كل ده عشاني؟ "وقليل عليكِ. أي حاجة تشتري بمال قارون كله! عجبوكِ؟

أجابته بتأثر حيناً سألها: "أوي، عجبوني أوي، وأنا بحبك أوي هات حضن." "لأ، مراتي بتغير عليا." قالها بمشاكسة، فضحكت هي بخفة قائلة باستنكار: "دي يا ويلها اللي هتبقى مراتك يا غسان، خطافة الرجالة الحلوين دي، يا ويلها بقولك أهو من دلوقتي." قهقه هو على حديثها قائلاً: "بس يا بق. بصي بقا الحاجات دي بدل اللي تاهت وضاعت منك في العفش والبهدلة الأيام اللي فاتت. وكمان عشان تبدأي بنفس مفتوحة على نظافة كده! ابتسمت له بحب قائلة:

"طول عمري ببدأ صح في كل مرة بيكم! ابتسم هو لها بهدوء، فتفاجأوا هم بصوته مقترباً منهم وهو يدخل الغرفة على فجأة غير منتبهاً لهم. "شيماءءءء، شيمااااءءء. جا جا جا، أشوشووو! أخذ يـدندن هذه الكلمات وهو يتقرقص، حاملاً الصينية بيده والسماعات في أذنيه. كانا الاثنين يتابعانه باستمتاع جلي على وجوههم. كانا يشاهدان بمرح يكتمون ضحكاتهم حتى لا يقطعون ذلك المشهد المضحك أمامهم.

انتبه هو لصوت الضحكات الخافتة، ثم خلع سماعات الأذن بسرعة، واضعاً الطعام على الكرسي بجانبه. ووضع يديه بصدمة مصطنعة على صدره يخفيه ويخفي المريلة الخاصة بالمطبخ، قائلاً وهو يتصنع المفاجأة: "غساااان! متفهمنيش غلط. أنا.." أنا بيسـو اه بس راجل أوي. قهقه الاثنين على حديثـه، فشاركهم هو الآخر الضحكات. حتى تحدث "غسان" من بين ضحكاته: "كمـل فصلتننا معاك ليـه! ابتسم له بخفه، فاردفت "وسام" قائله: "جرا ايه يا عم بيسو!

وايه الاكل ده كمان! "أنا قولت بقا البت ثانويه عامه وغلبانه وشحاته ومكسوره وحزينة، ومكتئبه ومسكينه، وكمان جايه من برا من شويه من الدرس ولسه عليكى درس وحاجه اخر بهدله، فقولت اروق عليك واعطـف، وكلو بثوابه! قالها بمرح، فتحدثت الأخرى بحنق: "طب وريلنا السندوتشات الجميله دي كده بتنادي علينا ليه." تحدث "غسان" مردفًا، وهو يغمز له بطرف عينيه: "عال وعـ المظبوط يا حنين! "أحنا نيجـى فيك ايه يا بو الغساسين يا مغسن يا معلم انت!

قالها بمشاكسه وهو يغمز للاخر بمرح. "لا أقنعتنى، وبقولك ايه انا عندي صداع أخد ايه ليـه!! قالها "غسان" بتساؤل للاخر، فرد عليه شقيقه قائلاً ببساطه: "لا معرفش الصراحه! عقد "غسان" ما بين حاجبيه قائلاً بحنق: "هو ايه ده اللى معرفش انت مش دكتور يا بارد انت! وضع "بسام" يده علي راسه ثم تحدث قائلا بجديه زائفه: "أوبس!

نسيت، دايما بسقط الحوار ده أنا، معلش عليا دي، قوم تعال معايا اديك برشامه تروق دماغك وتوديك فمكان غير المكان وحاجه ايه صنف جامد! عقد "غسان" ما بين حاجبيه متسائلاً باستنكار من بين ضحكات الاخري: "انت ليه زانق نفسك فجو السرسجه والاجرام! انت دكتور ياض بجد؟ "اه وربنا دكتور، تعالى أوريك البطاقه وصورتي منوره وحدقه فيها كده، تعالى أصورك صوره زيها." اعتلت ضحكات " وسام" قائله:

"والله ما حد عارف انت دكتور ولا بلطجي ولا بتاع برشام ولا فوتغرافر، بس الاكيد! انك كل دول مع عدا دكتور! إعتلت ضحكاتهم جميعا دون استثناء على حديثها! وعلي حديث الاخر المشاكس لهم. "ليـه قومتـى ومشيتى بعد الـلى حصل! رغم انه معاكـى كده علطول زي ما بتقولى؟ وزعت "نيروز" أنظارها بينه وبين ركن ما بعيد بشرود وهي تقول بخيبه: "عشـان أثبت ليه فعلا انى قادره، وبعرف أتصرف وانزل شغل عادى ومحدش يقدر يتكلم معايا كده! ابتسم "عاصم"

ابتسامه صغيره قائلا بهدوء: "يعنى ده رد فعل؟ ودايما هيبقى رد الفعل بتاعك بره زي جوه! صمتت لبـرهه تفكـر ما ردة فعلها تلك! ولماذا تتحدث وكأنها عاقبته عقاب شديد! نظرت له قائله بخيبه أمل: "مش عارفـه، بس أنا أنا معرفتش أعمل أقصى حاجه لرد فعلى معاه غير كده، تفتكر أنا بره هبقي كده مع العالم والناس! رد عليها قائلا بتفهم هادئ:

"من دراستى لشخصيتك انها دايما بتعكس رد الفعل خصوصا مع اللى بعرفوك وتعرفيهم. يعنى ممكن تتكلمى مع شخص من برا مش عارفك كويس زي اللى قريبين منك! تتكلمي عادى من غير ما تعملي كنترول لحد يكشفك أو يكذبك أو يقولك كلام صعب فى وسط كلامك او من غير ما تحسي قدامهم انك ضعيفه! أو مثلا شخص مش واخده منه مواقف مزعلاكى فهطلعى كل اللى فقلبك! قال حديثه بهدوء وهى تستمع إلى كل حرف يتفوه به بإهتمام. تنهدت تأخذ أنفاسها ببطئ قائله:

"أيوه بس ماما واخواتى دول قريبين منى ازاي مش هتعامل معاهم زي بره؟ تنهد بعمق قائلا بتفهم: "انت شخصيه بتشيل مواقف من غير ما تعرف انها مستخبيه جوه! خليـنا نقول ايـه بيخليكـى متتكلميش مع مامتك فى حاجه انتى عاوزه تشاركى حد فيها، أو مثلا مش دايما أو دايما أوي بتتكلمي مع أختك ياسمين على حاجه مزعلاكـى أو شخص! الفكـره انك معاهم على طبيعتك عادى لكن باستثناء حاجات مبتحبيش تشوفيها فيهم أو مواقف واسلوب بيزعلك مثلا حصل معاكى."

توترت ملامحها ثم هربت بنظراتها المثبته على وجهه و نظرت أرضا قائله بخفوت: "هو فعلا فيه مواقف بس مش عارفه هل المواقف دى مخليانى مش على طبيعتي معاهم بقالي كتير ولا ايه! تحدث "عاصم" قائلا بثبات هادئ: "طيب حابـه تحكى مواقف واساليب زي ايه؟ هزت راسها بالايجاب وهي تنظر في مكان مثبت قائله بشرود ممزوج بالتذكر:

"أنا أنا بحبهم بس مش ببقي معاهم زى ما حابه أوي. يعنى مثلا ماما بحسها بتعاملنى دايما كأنى تعبانه أو مريضـه، خوفها عليـا مش مقنع ولا طبيعى مقارنة بياسمين وورده! بس الاكيد انها مش بتفرق بيـنا. بحس إنى صغيره أوى عشان طريقتها معايا بتحسسنى كأنى طفله وممكن أروح منها ومتلاقنيش!

وهو نفس موضوع ياسمـين، مش بتكلم أوي معاها لانها دايما عاوزانى أبقى قويه من يوم وليله، بتحسسني إن. انا ضعيفه ممكن دايما تتكلم وترد عنى. أوقات بفكر انها كده بتمحى شخصيتي! لكن برجع وبقول أنها أختي وبتخاف عليا خاصة هي، هى بالنسبالى حاجه ثمينه غاليه اوى بابا سابها تسندنى، بس فكرة انها أختى وسندانى غير ما يكون بابا جمبي وساندني! وجه "عاصم" نظراته لهـا ثم همهم قائلا بنبره هادئه: "باختصار اللى اتقال مش صح ومش غلط!

واللى عاوز أوصله ليك إنك فعلا قادره تواجههى وقادره تردى، بس كارهه كده لانك من جوه بتخافى شخص يحس ويتكسر زي ما انت حسيتى، أو يستغربى اللى بيعملو كده بيعملو كده إزاي!

بـصى انت باللى مريتي بيه بيخلى شخصيتك حاجه من اتنين يا قويه و مستقويه علي غيرك ومش سامحه لا حلو ولا وحش يحصل من شخص تجاهك ودى مش بتعرف تتغير بسهوله وبيحصلها عواقب، يا شخصيه استسلمت وبقت هاديه وبعيده عن اى مشاكل ولا كلام، لكن بردو شخصيه اتغيرت عن شخصيتها الحقيقيه، وليها يوم ترجع لنفسها، وانت بتفكيرك ومراجعتك لرد فعلك ورد فعل اللى حواليكى ده قرب أوى من تعافيكى ورجعولك لأصلك ونفسك لنيروز القديمه!

وزودي كمان تفكيرك فى شغلك والاختلاط بالناس بعد فتره وبعد! استعمت "نيروز" لتلك الكلمات بانصات متفهمه حالتها الذي يعلم عنها هو أكثر منها. أخذت انفاسها بهدوء وهي تهز راسها بتفهم! تحدث هو من جديد قائلا بلباقه: "حاسس انك اكتفيتى ومبقتيش قادره تتكلمي أكتر! تحدث مره أخري عندما وجدها صامته للدلاله علي صدق حديثه:

"تمام. هتسناك تانى قريب، بشجعك على تقدمك في خطوات كتير خدتيها وفكرتى فيها، وكلعاده أنا اللى بشكرك انك خرجتي كل اللى فقلبك النهارده! مش غريبه عليك بقا أنا دكتور بشكر الناس بتاعتى وبحترمهم. الناس ها مش المرضى، عشان لو هتسألينى زي ما كنتي بتسألينى، انتـو مش مرضي، أو احنا باختصار مش مرضي نفسين، إحنا ضحاياهم! ضحايا لناس تانيه عندها خلل نفسى ممزوج بالمرض! ابتسمت له بامتنان قائله باحترام: "شكـرا يا دكتور عاصم."

ابتسم لها بهدوء وهو ينظر بأثرها بعدما نهضت تخرج من الغرفـه بأكملها بعد تفرغـة كل هذه الندبات التى بداخلها! بعد مرور وقت ليس كثيرا، كانت قد ٱتت من شقه زوجة عمها ثم جلست مع والدتها بصالة المنزل تنتظر شقيقتها. "بردو ياماما تليفونها مقفول! انا قلقت! نظرت لها والدتها بريبه قائله: "يا بنتي متوترنيش، هي ملحقتش تقعد برا كتير! وبعدين أنا نفسي أفهم إيه اللي حصل. نظرت لها "ياسمين" قائلة بقلق:

"تعالي ونتكلم يا ماما، معلش. أنا داخلة جوه عمـ.." قطعت حديثها عندما وجدت باب منزلهم يُفتح بواسطة "نيروز" وهي تدخل بهدوء. انتبهت لها والدتها ثم تنفست بعمق قائلة: "الحمد لله على السلامة يا حبيبتي." نظرت "ياسمين" للأخرى ثم توجهت تقف قبالها بهدوء وتحدثت بجمود قائلة: "كنتي فين؟ وليه قافلة تليفونك؟ نظرت لها "نيروز" ثم صمتت لثوانٍ لتتنهد وتأخذ أنفاسها قائلة: "قاعدة برا مع نفسي شوية."

"وده مبرر يخليكي تقفلي تليفونك وتقلقي عليكي أنا وماما؟ ردت "نيروز" بنفاذ صبر عندما حدثتها الأخرى بذلك: "هو أنا صغيرة يا ياسمين؟ وبعدين متقلقيش، أنا كويسة يا ستي." عقدت "ياسمين" ما بين حاجبيها قائلة بنبرة منفعلة: "هو في إيه؟ واخدة الموضوع ببساطة كده ليه؟ هنا تحدثت "سمية" قائلة بهدوء: "خلاص اقفلوا الموضوع، كفاية." نظرت "ياسمين" لوالدتها ثم تحدثت قائلة بثبات حاد:

"لأ مش خلاص يا ماما، يعني إيه تقفل تليفونها وهي برا لوحدها؟ "مش شايفة إنك كبرتي الموضوع يا ياسمين وعاوزة تتحكمي فيا؟ تحدثت "نيروز" بتلك الكلمات بحدة موجهة حديثها للأخرى التي تطالعها بتعابير وجه متشنجة. اقتربت منها شقيقتها وهي تنظر لها، بدلت نظراتها لحنان وهي تربت على كتفيها: "نيروز، أنا خفت عليكي، مش بتحكم فيكي، افهميني." نهضت "سمية" متوجهة إليهم تقف بجانبهم وهي تقول بهدوء:

"يا حبايبي، الكلام أخد وعطا، لكن اللي عملتوه ده شد وشخط بالهدوء، مينفعش الأسلوب ده." وجهت "نيروز" نظراتها لـ "ياسمين" ثم تحدثت قائلة بأسف: "معلش يا ياسمين، متزعليش مني، أنا بس مضغوطة شوية." "أنا بحبك وبخاف عليكي، بس مقدرش أزعل منك مهما كان. تليفونك ده لو متفتحش تاني مرة وأنتي برا هكسر دماغك يا حبيبتي، ماشي؟ وخصوصًا إنك داخلة على شغل." أجابتها "نيروز" بنبرة ضاحكة عندما قالت لها تلك الكلمات المرحة:

"اقعدي في جنب، مش لما عمك يوافق." ابتسمت قائلة بثقة: "هوافق إن شاء الله." اقتربت منهم والدتهم أكثر ثم ضمتهم إليها بحنان: "شفتوا لما بتبقوا هادين بتبقوا حلوين إزاي؟ تعالوا نقعد في البلكونة شوية." ابتسمت الاثنتان معًا، ثم تحدثت "نيروز" قائلة وهي تخرج بهدوء من أحضان والدتها: "هغير هدومي وهاجي وراكم." أومأوا لها بالموافقة مع هزات رؤوسهم الهادئة وهما ينظران لها وهي تنسحب من أمام أنظارهم متوجهة حيث غرفتها.

_كانت قد هبطت شقيقتهم من المنزل ذاهبة إلى السنتر من فترة قليلة بعدما كانوا معها اليوم. كان يجلس الاثنان بجانب بعضهما في غرفة "غسان" يتحدثون مع بعضهم بأمور عدة. تحدث "بسام" قائلاً للآخر: "حاسس إنك أحسن؟ وجه "غسان" نظراته له ثم تنهد متحدثًا بهدوء: "آه، شوية. البرشامة سكنت الصداع. أوعى يا ضنا تكون مخدرات، مش مطمنالك إني أروح المجرم اللي كان نفسك فيه ده." قهقه "بسام" على حديث شقيقه مردفًا بمرح من بين ضحكاته الرنانة:

"لأ مش مخدرات. هو الصداع ده من امتى ومكانه فين؟ أشار له الآخر من مقدمة رأسه وما فوقه، فتوجه "بسام" يمسك رأس شقيقه يدلكها، ثم أبعد خصلاته السوداء الكثيفة. عقد ما بين حاجبيه عندما وجد ما بين تلك الخصلات في مقدمة رأسه متورمة قليلاً. "دي خبطة وورمة؟ مخبوط في إيه؟ عقد "غسان" ما بين حاجبيه متحدثًا بغير اهتمام: "عادي، مش مهم. مش فاكر الصراحة."

تحدث "بسام" وهو يتجه ليخرج "دهان الرأس" من الدرج الموجود بغرفة شقيقه، كان قد وضعه هو بكل غرفة للاحتياط من قبل. "المرهم ده حطه عليه. بقا في حد يتخبط وميفتكرش اتخبط في إيه؟ نظر "غسان" له بصمت ثوانٍ وهو يأخذ منه الذي بيديه، ثم تحدث قائلاً بتذكر: "افتكرت خلاص! "إيه؟ نظر له "غسان" ثم تحدث قائلاً ببرود: "لأ، هسيبك شوية مع فضولك." تحدث الآخر بترجٍّ مرح: "لأ، كلو إلا ده!

لو سمحت متلعبش بولاد الناس، اتكلم وقول بسرعة، مش عارف آخد نفسي يا غسان." اعتلت ضحكات "غسان" وهو يقول: "امسك، حط المرهم ده وانت ساكت." اتجه ليأخذه من بين يديه ليضع منه على رأس الآخر. فتحدث "غسان" مجددًا بعد دقيقتين من انتهاء الآخر من وضع الدهان: "البس الجاكيت عشان ننزل نتمشى شوية عقبال ما وسام تخلص الدرس وبعد كده نروح نجيبها." تحدث "بسام" وهو ينظر له قائلاً بمرح: "أيوه كده، دلعنا aí!

فوريرة، هروح ألبس وننزل بدل الزهق ده." أومأ له الآخر بابتسامة صغيرة على شفتيه وهو ينظر له بقله حيلة، والآخر ينسحب من الغرفة بلهفة. _جلس ثلاثتهم بالشرفة كما قرروا منذ قليل. كانت أريكة كبيرة نوعًا ما، كانت تجلس والدتهم بالمنتصف بينهم وهي تستمع إلى حديث "ياسمين": "وبس يا سمية، ده اللي حصل ومستنين عمي يناديها يديها الأوكي ونخلص، مع إن نعرفه إنها تنزل وخلاص، مش لازم يقرر هو يعني! أجابتها "نيروز" قائلة بنبرة ساخرة:

"آه، وميطقنيش بقى أكتر ما هو مش طايقني! تحدثت "سمية" بتعقل قائلة: "خلاص، إحنا عملنا اللي علينا. وبعدين مش عاوزين مشاكل معاه. متنسوش إننا بنروح عند زينات جمعة آه وجمعة لأ، ونقعد على سفرة واحدة آه. مش هنروح الأسبوع ده، لكن اللي بعده ممكن يعمل مشكلة واحنا قاعدين عشان أي حاجة ويتلكك! تحدثت "ياسمين" بنفاذ صبر قائلة: "مشاكل إيه يا ماما؟ ما أكتر من اللي المفروض نبقى فيها أصلاً؟

لما أخدنا ورثنا وبابا عايش بالرغم إنه طلع واخد أكتر من حقه! وهم ولدين بس آه مش من نفس الأم لكن الأب واحد! ولا لما بابا مات أخد هو من ورثنا تاني عشان إحنا بنات بس؟ آه حقه، بس برضه ده فيه ياخد أكتر من حقه! وإنتي محاولتيش تقولي لأ، ده حق بناتي، وتتكلمي؟ معملتيش كده، وخلع بحجة أي كلام كالعادة!

لأ وكمان عشان يبقى الضمان صح، يقرر فجأة هو ومراته بعد مدة إنه يجوز حسن لنيروز عشان كل حاجة بتبقى فايدة والكلمة كمان تبقى كلمته هو ومراته! عمل كده عشان معرفش يسيطر على حازم بقربي مني! كان الاثنان يستمعان إلى الحديث وملامح وجههما بلا استثناء كساها الحزن. تنهدت "سمية" تأخذ أنفاسها بهدوء قائلة: "فالأول والآخر نفس دمه هو اللي بيجري في عروقكم! ومحدش بيختار أهله! همهمت "نيروز" لتتحدث قائلة:

"آه، محدش بيختار أهله، بس بتمنى لو كنا بعيد عن كل ده، مكنش لازم ده يبقى عمي ولا من أهلي. مش لازم يكون طالع بيكرهني كده! وأنا معملتلوش حاجة غير بس رفضت شخص مش حباه ومش عاوزاه! حقي! ليه بيكرهنا أوي كده وكمان إنتي يا ماما؟! "ولا يكرهنا ولا نكرهه، إحنا في حالنا وربنا يسترها علينا، مش محتاجين حاجة من حد. حبهم مش هينقصنا ولا يزودنا! صمتوا هم يستمعون إلى كلمات والدتهم، ثم ثوانٍ ودق جرس منزلهم عاليًا! تحدثت ياسمين وهي

تنهض تقف تخرج من الشرفة: "راحة أشوف مين وأعمل شاي، بلاها سيرة النكد دي! أومأو لها بعدما ضحكوا على حديثها بخفة وهي تخرج من الشرفة أمام أنظارهم!! "أن يلتقطك شخص حنون لا يجرؤ على ضياعك من يديه، أن تكون أنت كل الأشياء وأهمها في قلبه." دق جرس منزلها فقعدت حاجبيها وهي تجلس بجانب صغيرها بصالة منزلهم، متسائلة من هذا الذي سيأتي لهم وزوجها يفتح المنزل بمفتاحه الخاص.

اتجهت تفتح الباب، ثوانٍ وفتحته ثم وجدت شخصاً يمسك بيديه الاثنتين بوكيه من الورد التي تعشقه هي ويضعه أمام وجهه حتى أصبح شخصاً مجهول الهوية. "مفاجأة صح؟ قالها وهو ينزل البوكيه من أمام وجهه، فابتسمت بسعادة وهي تتجه نحوه تحتضنه بحب قائلة: "إيه الرومانسية دي يا باشمهندس بدري وايه الورد الجميل ده؟ "ولسه بدرك محضرلك مفاجأة! وبعدين الورد للورد."

قالها وهو يدخل إلى داخل شقته ويسحبها خلفه من يديها ثم توجه إلى صغيره يحمله ووضع قبلة على خديه بمرح قائلاً: "بدرك مش هيسيبك لوحدك تنزلي مصر، هنزل معاك! نظرت له بصدمة قائلة بلهفة ممزوجة بسعادة: "بجد يا بدر! دي أحلى حاجة سمعتها دلوقتي." تحدث بدر مردفاً بهدوء وهو يبتسم لها: "آه بجد، لقيت مهندس رجع من إجازة وهيمسك شغلي لفترة." "أنا بحبك بجد ومبسوطة أوي أوي الحمد لله يارب."

قالتها بلهفة وهي تحتضنهم الاثنان، فابتسم لها بحب وهو يضمها أكثر ليحتضنها هو وصغيره. "جعان يا وردة." قالها يامن وهو يخرج عنوة من أحضان والده. فتحدث بدر بحنق: "يخربيتك واد فصيل." اعتلت ضحكاتها قائلة بمرح: "حالا هناكل سوا يا حبيب وردة، إيه يا بدري سيبه يفصلنا ده حب العمر ده على فكرة." نظر لها بضجر ثم تحدث بحنق واضح: "بس أنا حب عمرك من قبله خدي بالك." بدل حديثه للمرح ثم أرسل لها غمزة مشاكسة فابتسمت بخفة قائلة:

"حب العمر كله ليك لحد ما جه بقا حب العمر ليك وليه!! ابتسم لها بحنان بالغ وهو يضمها مرة ثانية ثم رفع يده وحاوط بها مقدمة رأسه واضعاً قبلة صغيرة، وفعل كالمثل مع صغيره. قبل قليل أتت هي من الخارج ثم صعدت المبنى متجهة حيث شقتها تخرج المفتاح الخاص بها، انتبهت لتلك التي تدق جرس منزل عمها الراحل. فتحدثت فريدة قائلة لتلك التي تدق الباب: "هو في حاجة؟ عاوزاهم في إيه؟ التفتت إليها دلال ثم ابتسمت قائلة:

"إزيك يا بنتي، انتي أكيد عارفاني صح؟ عقدت هي ما بين حاجبيها قائلة بتبرم وهي تنظر للأخرى من أعلاها لأسفلها: "آه، أكيد ما مرش كتير عشان أنساكم يعني يا... " قطعت حديثها ثم تحدثت مرة أخرى قائلة: "معلش نسيت اسمك! قالتها بغير اهتمام، وبتعالي على الأخرى. نظرت لها دلال، ثم ابتسمت بتكلفه قائلة: "طنطك دلال يا بنتي اسمي دلال." نظرت لها فريدة ثم تحدثت قائلة بغير اهتمام وهي تتدلف إلى الداخل: "أهلاً!!

ثوانٍ ثم دلفت إلى الداخل وصفعت الباب خلفها كعادتها، تعجبت الأخرى من طريقتها في الحديث وأسلوبها المبتذل، لم تشغل بالها كثيراً، فهي طيلة سنوات إقامتها في تلك الشقة كانت لا تربطها علاقة قوية بتلك التي تسمي "زينات" وأولادها، ليست قريبة منهم كـ "سمية" و"عايدة" وكذلك أولادهن.

كانت قد فُتح لها الباب منذ قليل، والأخرى دلفت إلى الداخل بشقتها، ثم اتجهت إلى غرفتها بعدما خلعت حجابها فقط، تفاجأت بمن يفتح الباب بسرعة فائقة متجهة نحوها على فجأة ولم تكن سوى والدتها "زينات". وقفت أمامها وعينيها يتطاير منها الشرر، ناظرة للأخرى بتعابير وجه حادة متشنجة نوعاً ما، فتحدثت أخيراً بنبرة جامدة: "انتِ كنتِ فين يا بت؟ نظرت لها فريدة باستغراب قائلة بملل وهي تقلب عينيها: "كنت في الكلية هكون فين يعني!

ردت عليها والدتها بنبرة منفعلة وهي تتجه نحوها، ثم أمسكت خصلاتها السوداء قائلة بحدة وانفعال: "لا يا روح أمك انتِ مكنتش لا في كلية ولا في هم أسود انتِ خارجة مع مين؟ مين الشملول انطقي! تأوهت هي من أثر إمساك الأخرى لخصلاتها قائلة بنبرة متحشرجة وصوت عالي نسبياً: "آه شعري، إيه الكلام ده بس! واحد مين ده؟ "ده الكلام الصح يا زبالة، انتِ عارفة لو أبوكي عرف هيحصل إيه فيكي ومش بعيد فيا."

قالت حديثها بانفعال ثم اشتدت من إمساكها لخصلاتها أكثر وهي تقول مجدداً: "عارفة ولا مش عارفة؟ عاوزاه يقولي إيه يا بت؟ عاوزاه يقولي عايدة نفعت في تربيتها عنك ها؟ ولا يقولي إن جميلة الست الدكتورة محصلش منها زي ما حصل منك!! تأوهت وهي تبكي قائلة من بين بكائها بترجّي: "خلاص، خلاص ونبي يا ماما، بس أمانة ما تقولي لبابا أرجوكي." نظرت لها زينات بحدة قائلة وهي تترك خصلاتها: "أقول إيه؟ أقول إنه معرفتش أربي مثلاً زيها؟

ولا أقوله إن خلاص واحدة ورا التانية جايين هيشمتوا فيا؟ انتِ تقعدي فترة هنا في البيت لا كليات ولا زفت إلا على الامتحانات فاهمة! حتى يا شيخة مش عارفة تستري على نفسك وانتي خارجة معاه ومخليّاهم يشوفوكي على الملأ، ده نيلة روحي وعلى اللي عاوزه خلف." قالت حديثها ثم نظرت لها بازدراء، ورحلت من الغرفة بأكملها بعدما وجدت الأخرى تومئ لها بالإيجاب على أوامرها.

رحلت وتركت فريدة تقف مكانها بصدمة من معرفة الأخرى لشيء كهذا، ثوانٍ وخطر على بالها من أين يمكن لها أن تعلم، متذكرة ابنة عمها. نظرت بشرر يتطاير من عينيها في الفراغ بشرود، قائله بشر: "اقسم بالله ما هسيبك والله. لأخرب عليكى انتى وامك واختك كمان! توعدت لهما وبالأخص هي، بشرر وحقد حتى يحين موعد استرداد حقها، هي من وجهة نظرها. "زي ما قولتلكوا بقا على ميعادنا يوم السبت إن شاء الله تنوروني." ابتسمت سميه، قائله بحب:

"والله ما كان ليه لزوم تعملي كده يا دلال وتتتعبي نفسك." "يا حبيبتي لا تعب ولا حاجة. ومتنسيش بقا تحاولي تاخدي إجازة من الشغل. اليوم بقا من أوله عندي." ابتسمت سميه باتساع، قائله بامتنان: "ماشي يا حبيبتي. كتر خيرك يا دلال." ابتسمت لها دلال، ثم وجهت أنظارها للاثنتين وهما تجلسان بجانب بعضهما أمامها. "هستناكم بقا يا حلوين." أومأت لها نيروز بالإيجاب، وهي تبتسم، ثم تحدثت ياسمين بمرح، قائله:

"حاضر يا طنط من النجمة هنبقى عندك." أعلت ضحكاتها وهي تجيبها، قائله: "والله انت عسل. والواد حازم كمان معزوم ها! غمزت لها بعينيها في آخر حديثها، فابتسمت هي، قائله: "لا ده أنا أجي أبـات بقا من الوقتي وأستناهم." أعلت ضحكاتهم على حديثها، فتحدثت والدتها بحنق زائف: "أنا غلبت في البنت دي يا دلال والله." تحدثت نيروز بتأييد لحديث والدتها: "متبديلهاش بوسام مثلا يا طنط؟ ضحكت بخفة على حديثها، قائله بلباقة:

"دي بنتي يا حبيبتي، تيجي من غير ما أبدلها. ويبقوا بنتين عادي وتلاتة كمان." ابتسموا جميعًا لها بحب، ثم اعتلت ضحكاتهم من بعدها، خاصة بعدما وجدوا ياسمين تنظر بنحنق لوالدتها وشقيقتها. "طب أنا هستأذن أنا عشان لسه هروح لعايدة." قالت حديثها وهي تستأذن منهن، فأومأوا لها بقله حيلة عندما عقدوا العزم أن تجلس مجددًا، ولكنها رفضت حتى تذهب للشقة الأخرى.

"على كورنيش البحر. كانا يجلسان سويا بمفردهما بصمت، كلا منهما شارد، وهو ينظر للبحر من أمامه." وجه غسان أنظاره لشقيقه، ثم سأله بهدوء، قائلاً: "انت كويس؟ فاق بسام من شروده، ثم التفت بانظاره للآخر وهو يجيبه: "مش عارف. ليه جايبني قدام البحر بتثبتني يعني؟ ابتسم غسان بخفة، قائلاً بهدوء عاقل: "إحنا توأم! بنحس ببعض. حاسس إنك مكبوت وانت بتبص للبحر كده، مالك؟ تنهد هو يأخذ أنفاسه، قائلاً:

"مش مكبوت على قد ما افتكرت كسرتي. أو دايما في بالي إن قلبي اتكسر ومش عارف أتخطى، ممكن كده. انت رأيك إيه؟ نظر له غسان بتمعن، قائلاً بثبات: "رأيي انت عارفه، إننا دايما نزعل على ناس تستاهل." "بس هي كانت تستاهل. أيوه كانت تستاهل أزعل، ولسه مش مقتنع إنها ممكن تبيع وأنا كنت شاري." قلب غسان نظراته من على وجه الآخر، ثم وجهها ناحية البحر، قائلاً بشرود وهو يتنهد: "اللي شاري مبيشتريش حد بيـاع."

نظر بسام لشقيقه بخيبة أمل من وجهة نظره الدائمة الثابتة تجاه موضوعه. "ليه يا غسان. ليه أنا اترفض بالشكل ده. وليه أكون أعمى ومتفوقنيش. بندم لغاية النهارده على كل الحب اللي حبيته ليها، وكل الخوف اللي خوفته عليها. واحترامي ليها ولأهلها لحد ما تبقى ليا." نظر له غسان وهو يخرج ما بداخله من كم الذكريات المؤلمة له. ثم تحدث قائلاً بهدوء:

"محدش بيخرج منها إلا ما يتعلم عليه. لازم تدفع ضريبة في دنيتك. أصلها مبـتعلمش حد ببلاش. وبعدين أنا أخويا مشوفوش كده تاني. مشوفوش مكسور كده ومبين ضعفه على حد، وبالذات لو الحد دا ميستاهلش." كان يستمع إلى حديث شقيقه باهتمام، وهو يهز رأسه يؤيد حديثه. فهمه وهو يتحدث، قائلاً محاولاً تغير الموضوع: "تعالى نقوم نتمشى عند السنتر تكون وسام خرجت." أومأ له الآخر بهدوء، وهو ينهض واقفًا، يتجهز للسير مع شقيقه.

"والله ما هقبل أي أعذار، هتيجو يعني هتيجو كلكم." هتفت دلال بتلك الكلمات أمام عايدة وابنتها وولدها. تحدثت عايدة باحراج، قائله: "والله تاعبة نفسك يا دلال، وواجبك وصل يا أختي من ساعة ما هلّـيتِ علينا في العمارة من تاني." ابتسمت دلال باتساع، قائله: "الله يخليكي يا حبيبتي. هستناكي بقا انتي وأستاذ سليم ولأولاد." ابتسمت جميلة قائلة بشكر: "شكرًا يا طنط، مع إن والله مش عاوزين نتعب حضرتك." أجابتها الأخرى

قائلة من بين ابتسامتها: "يا بت ولا تعب ولا حاجة. هستناكي انتي ونيروز وياسمين بقا والبنات الحلوة دي." ابتسموا جميعًا على حديثها، فتحدث حازم قائلاً بمزاح: "ياسمين كمان! يا ما شاء الله. ده كده فل أوي." أعلت ضحكاتهم جميعًا، فتحدثت دلال مردفة من بين ضحكاتها: "بالله نفس الدماغ يا ابني. ربنا يخليكم لبعض ويتمم عليكم فرحتكم بخير." ابتسموا لها جميعًا باتساع، فتحدثت هي مجددًا:

"هستأذن أنا معلش بقا عشان حامد فاته جه من برا والبت وسام زمانها على وصول." أردفت عايدة قائلة باحترام: "انتِ لسه قعدتي. كملي العصير بس! "معلش هقوم أنا. والعصير بقا انتو تكملوه عندي يوم السبت إن شاء الله." قالتها وهي تنهض حتى تخرج من شقتها، فتبعها حازم ليقوم بإيصالها حتى باب شقتهم. دقائق، ودلفت إلى شقتها، فوجدت زوجها جالسًا بصالة المنزل وحده. "كنتي فين يا دلال، وفين ولادك البيت فاضي كده ليه!

ابتسمت له وهي تتجه لتجلس بجانبه وهي تخلع حجاب رأسها: "كنت عند الجماعة بعمل اللي قولتلك عليه. وغسان وبسام نزلوا من شوية ووسام في الدرس لسه." ابتسم لها وهو يومأ لها بهدوء، قائلاً بمشاكسـة: "وانتِ محلوية كده ليه النهارده بقا؟ قهقهت على حديثه، قائلة بمرح: "يعني أنا مش حلوة طول الوقت ولا إيه يا حاج! "وأحلى من الحلاوة يا أم غسان." ابتسمت بخجل، وهي تنظر له بعينيه، قائلة:

"والله انت فايق. وفاكر نفسك لسه صغير على كلام الحب ده." ابتسم لها قائلاً بمشاكسة: "أنا فعلاً لسه صغير. وبفكر أجيب كمان توأم." شهقت هي شهقة عالية، وهي تقول: "لا يخويا استكفينا على كده. هما عيالك قليلين! بكرة يجيبولنا إحنا التوأم! اتسعت ابتسامته، وهو ينظر لها ولملامحها الهادئة الذي يحفظها هو عن ظهر قلب. ملامحها المفضلة له. كـنفس ملامح توأميه.

وصـلا إلى مكان السنتر المخصص لدروس شقيقتهم، ثم وقفا ينتظرانها حتى ظهرت هي من على بعد. اتجهت ناحيتهم بلهفة بعدما لاحظتهما. "احلفو! انتو هنا بجد؟ تحدث بسام يجيبها بمشاكسة: "لأ لسه هناك." نظرت له بحنق زائف ثم وجهت أنظارها لشقيقها الآخر قائلة: "هتخرجني بقا؟ نظر لها غسان بهدوء مردفاً: "لأ، هو مش الخروج في الإجازة! "طب حسوا بيا طيب! قالتها بترجٍ زائف لتسيطر عليهما. تحدث بسام مستسلماً أمامها موجهاً حديثه للآخر:

"خلاص يا غس، خرجها عشان متعيطش وتزروط الدنيا ومنديل ومناخير وقرف." نظرت له بضجر من حديثه الساخر منها، فتحدث غسان قائلاً: "نص ساعة بس عشان نروح والجو برد كمان مش هتقدرى! "أشطا عليك يابو الغساسين يا مغسن يا مستغسن." قالها الاثنان بصوت واحد بوقت واحد مما جعل ضحكاتهم تتعالى جميعاً. فتحدثت هي من بين ضحكاتها قائلة: "طب يلا نروح على الكورنيش عاوزة أشوف منظر الغروب من هناك أوي." أردف بسام حديثه المرح قائلاً:

"رخيص والطلب غالي! قصدي غالي والطلب رخيص." نظر له غسان بحدة، فتحدث بسام قائلاً: "خلاص أنا آسف يا غس مش هقولها تاني، بس حن يجن وخليك حنين وهادي كده." ابتسم غسان بقله حيلة منه قائلاً: "طب يلا خلينا نتحرك، أصل روح المجرم تطلع واحنا مش ناقصين! اعتلت ضحكاتهم وهما يسيران معاً، بعد عدة دقائق وصلوا إلى مكان فارغ ثم جلسوا به بجانب بعضهما. "الجو برد أوي عضمي يا ناس." قالتها وسام حديثها بصوت عالٍ نسبياً، فتحدث غسان قائلاً:

"مش قولتلك! يلا نروح لأن هتاخدي برد وانت مش متقلة." ابتسمت له بحنان وهي تتجهز وترتدي حقيبتها ليستعدا إلى الذهاب معاً. جاءهم صوته المفاجئ قائلاً بصوتاً عالياً: "لأأ اا! نظروا له باستغراب فتحدث هو مجدداً: "مش قبل ما نجيب آيس كريم." وكزته شقيقته في كتفيه بضجر منه، تزامناً مع نظرة غسان الجامدة له. "ايه يا غس هتتحول ولا ايه؟ أنا مش قصدي أخضكم والله. طب إيه؟ نروح؟ أنا بقول نروح وبلاش آيس كريم مبحبوش أصلاً. يلا يلا."

قالها وهو يهرول من أمامهم مع ضحكاتهم معاً على ردة فعله، فتوجه غسان لذلك الكشك الصغير الذي يوجد على قرب من مكانهم يجلب منه كما يريدان هما. *** كانت تجلس مع والدتها في غرفتها وهي تتطعمها بهدوء. فتحدثت هي قائلة بعدما انتهت من تطعيم والدتها: "إن شاء الله هتبقي تمام ومش هترجعي الأكل ده، احنا اتصلنا على الدكتور وقالنا إنه طبيعي الترجيع عشان الكيماوي، فانتي زي الفل أصلاً يا حنان." ابتسمت لها والدتها بحب قائلة:

"الحمد لله يا بنتي، راضية بقضاء ربنا، الحمد لله." ابتسمت لها فرح ثم تحدثت قائلة: "طب أنا هروح أحط الحاجات دي في المطبخ وأصلي وبعدين أذاكر، عاوزة حاجة مني؟ أومأت لها حنان قائلة بحب: "لأ يا حبيبتي، روحي انتِ ربنا معاكي، وأنا هنام."

ابتسمت لها ثم أومأت لها بالموافقة وهي تخرج من الغرفة إلى المطبخ ثم وضعت الأطباق وخرجت متوجهة إلى غرفتها فوجدت هاتفها يصدح عالياً بدقاته المعلنة عن اتصال ما في الغرفة، توجهت لتجيب على المتصل فوجدته رقم مجهول الهوية، ترددت في البداية أن لا تجيب ولكنها عقدت العزم أن تجيب على ذلك المجهول. "ألــو!! جاءها صوت الآخر قائلاً: "أهلاً، كنت فاكرك مش هتردي على أرقام غريبة! بس سهلتِ عليّ كتير! "ميـن معايا؟

"هقولك، أنا بس عاوز خدمة صغيرة، عاوز أقرب من جميلة صحبتك أصلها عجبتني الصراحة، لأ وكمان بتخربش كده والنوع ده معداش عليا، قولتي إيه؟ "انت مجنون! انت مين وإزاي بتتكلم عن جميلة كده!! "لأ مش مجنون، أنا خالد يا فرح ولسه متعرفنيش، أحسن لكِ تفكري فاللي بقولهولك عشان عندي حاجات كتيرة أعملها وهتخسرك كتير منهم، زي دلوقتي تليفونك بقى كله عندي بمجرد ردك على الاتصال ده!

وزي مامتك المريضة دي مثلاً، لو معملتيش اللي قولتك عليه مش عاوز أقولك بقـ.." صُدمت هي من رده ثم أغلقت الخط بأيدي مرتعشة بعدما قطعت حديثه، وهي في حالة صدمة، توقف عقلها عن التفكير لبرهة، أيقصد هاتفها؟ صورها؟ الفيديوهات الخاصة بها وبصديقتها؟ خاصة جميلة! ماذا يقصد بوالدتها! المريضة! صُدمت من فكرة تهديده لها من خلال والدتها المريضة!!

وإن تحدثت عن الصدمة لها، فبسبب كلمة والدتها تهديده لها من خلالها الآن تعد هذه الصدمة الكبيرة، فبالنسبة لها كل شيء قد يهون إلا هي!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...