الفصل 8 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثامن 8 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
29
كلمة
6,894
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

أشعر وكأنني شخص مكتف من جميع أطرافي، وكأنني جسم بلا روح، تحركني ولا أستطيع سوى النظر بتلك العينين المتهالكتين، وكأنه جاثوم يكتم أنفاسي بتكتيف حركتي! فقط أستطيع التنفس بصعوبة، والنظر بعينين هلكت من فرط ما بها! وعندما تفتح لترى العالم، لا ترى سوى شيئًا كبيرًا مخيفًا، قابضًا للقلوب!! فقط تنظر وترى برغم ما بها، وما أن رأت لا تستطيع التحدث حتى بنظراتها الضعيفة!

جلست "فرح" في حالة صدمة من المكالمة الهاتفية لها منذ قليل، عندما صدمت هي من ردة عليها، أغلقت الخط بيدي مرتعشة، حالة صدمة توقف عقلها عن التفكير لبرهة من الزمن، أيقصد هاتفها؟ صورها؟ صور أصدقائها؟ الفيديوهات الخاصة بها وخاصة جميلة!! وماذا يقصد بوالدتها! المريضة! صدمت أكثر من فكرة تهديده لها عن طريق والدتها!

فتلك هي الصدمة الحقيقية بالنسبة لها، فإن وضعت والدتها بكفة وجميع من في هذا العالم القاسي بكفه الأخرى حتمًا سوف تعلو تلك الكفة التي توجد بها والدتها!! بالنسبة لها كل شيء قد يهون وقد يتعوض عدا الأخرى عدا والدتها!!

الصمت الميت لأعصابها كان هو سيد المكان، حتى دق هاتفها من جديد، نظرت له نظرات مترددة، أخذت تفكر قليلاً قبل أن تلتقطه بأناملها المرتعشة، وما أن أخذته عزمت على الرد مرة أخرى لتزيل خوفها منه، لكن صدمها برده عليها الذي أصابها بمقتل وهو يقول:!! "بتقفلي السكة في وشي يا فرح!

ومالو هعديهالك، بس في حاجات تانية مش هعديها زي مثلا لو حد شم خبر بالمكالمة دي، صورك اللي كلها بقت عندي دي، هتبقى كلها متركبة على مواقع استغفر الله انتِ فاهمة بقا، كل ده هيحصل إن حد عرف بالمكالمة سواء من بيتك أو من حد من إدارة وأمن الجامعة!! أجابته بنبرة حاولت أن تخرج منها بثبات لكن فشلت محاولتها وخرجت نبرتها المرتبكة الممزوجة بالخوف وهي تبتلع ريقها: "أنا . أنا عملتلك إيه حرام عليك!

"عملتي يا حلوة بس أنا مش مكلمك عشان مثلاً مطينة سمعتي في الجامعة بين البنات، وإني مش محترم والكلام اللي منه. وأنا طبعًا كمعيد هاخد إجراء قانوني بس لا، أنا أصلاً مش جايلك عشان كده لا، أنا للأسف وللفرصة السعيدة برضه ملقتش حد ظروفه أطين منك عشان استغله وعشان الأوامر كده برضه! "قـ . قصدك إيه؟ اعتلت ضحكاته المريضة وهو يجيبها بنبرة جامدة آمرة لها:

"قصدي يا حلوة إن قدامك وقت مش كبير وجميلة دي تبقى عندي، ماهو مفيش واحدة كلمتني كده زيها في الجامعة كلها برضه، وإن ده طبعًا يتنفذ بالحرف اللي هقولك تفاصيله بعدين على الرايق مش محتاج أقولك هيحصل إيه!

هجرسك بين الجامعة كلها وأخلي اللي ما يشتري يتفرج، لأ وايه أعرف أوصل للوالدة المريضة دي اللي أي كلمتين هيتقالوا ليها هتطب ساكتة يا عيني، ولا لما الراجل بتاع بيتكم يعرف، وأزود شطة من عندي الدم هيغلي في عروقه والعرق هيطلع، أصل عرفت برضه إنه شاب، وأخوكي راجل البيت بعد ما مات الحج يا عيني!

كانت تستمع إلى حديثه بأعين مفتوحة من أثر صدمتها، تسمع أنفاس محبوسة، جاهدت أن تجيبه بثبات وتتجرأ أكثر لعلها آخر محاولتها في تلك المكالمة الميتة لأي شابة تقع في موقف كهذا: "بـ ـس أنا معمـلتش كده، إيه هتتبلي عليا؟ "ياه ده أنا تفوقت حدود البلى على الناس، انتِ مش عارفة أصلي لحد دلوقتي ولا عارفة أنا مين ولا حتى بشتغل إيه!

واه بتبلى ومش محتاج أقولك الكلام بين الناس بيتساقط، ده غير الصور الجميلة اللي هنتعمل وصورك لوحدك كمان يعني رفيقة الدرب مش هعملها كده هعينها للأحلى، يلا سلام خدتي أكتر من وقتك يا آنسة فرح، فكري كويس، وهكلمك تاني أعرفك الدنيا ماشية إزاي، واه أنا استغلالي فعلاً وضربت بيكِ عصفورين بحجر واحد! أغلق الخط بعد انتهائه من حديثه البارد الذي كان يردفه هو من بين ضحكاته الشيطانية!!

ولكن كان عليها هي هذا الحديث، وكأنه سكين يؤلمها، يؤلمها ببطء عند تفوهه بكل حرف يخرج من بين أسنانه الحادة وكأنها أنياب لوحش قرر الفتك بها في الحال!! صدمة، هذا ما تعيشه الآن، رعشة يديها الملحوظة، ثباتها في مكانها إلى الآن لا تستطيع التحرك من التفكير بتلك العواقب المحسومة لديه!! . تجاهد البكاء، تجاهد أن تبكي ولكنها لم تفر منها أي دمعة إلى الآن!

كان الأمر في البداية سهلاً، ولكن الآن أصبح أعسر من ذي قبل، أصبح الحال أعسر وأصعب مما كانت هي عليه، تلك التي لم تأخذ نصيبًا من اسمها يومًا!! "كان وداع الحلم باردًا وكأنني لم أبذل له شيئًا" نهض ليستقيم وهو يضع بعض من أوراق عديدة على جانب المكتب، وأوراق أخرى كانت بيديه، خرج "حازم" من غرفته ثم توجه ناحية باب المنزل، فوجد والده يقف بصالة المنزل ويبدو إنه كان متوجهًا لغرفته، قاطع "سليم" سيره ثم تحدث موجهًا أنظاره لحازم:

"خير انت نازل؟ أجابه "حازم" بنبرة هادئة مقتضبة بعض الشيء: "آه" جاءه صوت الآخر بنبرة جامدة: "اومال اختك فين؟ تحرك "حازم" من أمامه ثم فتح باب المنزل تزامناً مع رده على والده وهو يقول: "تقريبًا في أوضتها، أنا نازل أصور ورق من المكتبة وجاي، عن إذنك" قال حديثه ثم أغلق الباب من خلفه بهدوء، تحرك "سليم" إلى غرفة ابنته ثم وقف أمامها ودق الباب دقات خافتة ثم فتح الباب بهدوء بعدما همهمت هي براحة للطارق لكن لم تتوقع أنه هو!

والدها! . نظر "سليم" عليها فوجدها جالسة على الفراش الخاص بها ممسكة بهاتفها تبعث به بملل!! رفعت أنظارها عندما دلف هو إلى الداخل ثم تحدث قائلة بتساؤل: "أيوه يا بابا في حاجة ولا إيه؟ "آه فيه! قالها بحدة وهو ينظر لها بتعابير وجه خالية من أية انفعالات!! فنظرت له "جميلة" تستجوبه بعينيها!! بينما تحدث هو من جديد قائلاً بنبرة حادة:

"لما أدخل ألاقيكي قاعدة على السرير لأ وفـ ايدك التليفون كمان ولا همك مذاكرة ولا همك حاجة ولا كأنك في طب اللي أنا تعبت عشان تدخليها ويبقى اسمك دكتورة! ضاقت أنفاسها من كلماته وهي تجاهد نفسها ليخرج منها حديثها بثبات: "أنا أول ما دخلت طب مكنتش قاعدة كده يا بابا! وأنا أكيد بذاكر وكنت بذاكر وأي حد بيذاكر بياخد راحة!! لوي شفتيه بتهكم وهو يجيبها قائلاً بسخرية: "راحة!! الراحة دي لما تكوني في كلية أي كلام يا هانم مش كلية الطب!

حبست الدموع في مقلتيها وكأن حديثه المألوف لها يؤلمها من الداخل كألم شخص يُذبح بسكين حادة، ولكن هذه المرة قطعت السكين آخر إنش بها، تحدثت بنبرة متحشرجة ممزوجة بجرأتها له: "هو حضرتك يا بابا قاعد تقولي طب طب!! مفتكرتش طيب لما دخلتنهالي غصب عني؟! ولما ضربت بسقف طموحاتي الأرض، خليتني إنسانة بسعى لحاجة حلوة لناس كتير بس أنا مش حباها!! كنت فاكرة إن أي شخص النصيب والقدر هو اللي بيضيع منه حلمه مهما تعب! ولكن انت!

انت اللي ضيعت مني حلمي ودخلتني حاجة مبحبهاش، حاجة ببقى قايمة كل يوم الصبح وأنا بتخيل نفسي رايحة للي كنت حاباه مش دي ده عشان أقدر أكمل! أنا كنت قادرة وجايبة الحلم بتاعي بس انت ضيعته، وكمان ضيعتني! كان يستمع إلى حديثها بتعابير وجه خالية، وما أن انتهت تحدث هو قائلاً بتهكم: "اه وأنا القادر الظالم في حكايتك الفاضية دي!! نظرت له بخيبة أمل والدموع تسيل من عينيها تهبط وتهبط وكأنها شلالات من الماء لا يعرف لها طريقًا:

"إيه ظلمتني! لما من صغري كنت مجتهدة وبجيب أعلى الدرجات، بس انت مكنتش جنبي مكنتش بتشجعني، وكأنك كنت عاوز فوق أقصى اللي كنت بجيبه! بعمل اللي عليا دايماً، لكن بتحسسني إني منبوذة ومهما عملت برضه مش عاجبك! ولما أنقص ربع درجة كنت تضربني وتحبسني في أوضتي لوحدي بالأسبوع عشان أتعلم من الخطأ اللي هو حرف مكان حرف بس اللي مكنتش بشوفه عشان كنت بتكسرلي النضارة فكل مرة بتضربني على الغلط!!

أنا مختارتش حاجة واحدة في حياتي، كل حياتي ماشية زي ما انت حابب أنا مجرد آلة انت اللي بتمشيها! متخيل إنك بتمشيني لحد دلوقتي! كل يوم الصبح وأنا نازلة! بتمشيني زي ما حابب فكل مرة بفتح كتبي أذكر. قالت حديثها بانهيار وهي تخرج ما بقلبها المتهالك. كانت تبتسم بسخرية على حالها تارة، وتبكي بانهيار شامل تارة أخرى. نظر لها "سليم" بصمت ثم أردف قائلاً بنبرة عادية وكأن الأخرى كانت تتحدث عبثاً:

"إنتي كنتي عاوزاني أعمل إيه وإنتي جايبة مجموع طب إن شاء الله؟ أدخلك كلية الإعلام؟ إيه إعلام دي؟ بتأكل عيش؟ قوللي انطقي. ولا كنت أطبطب عليكي وأخدك في حضني وأقولك معلش ادخلي اللي عاوزاه وضيعي نفسك! "آه كان المفروض تعمل كده! حضنك اللي معرفش المفروض أحس بإيه وأنا جواه! تحسسني بحنانك! اللي عشت طول عمري محرومة منه وإنت عايش! طول عمرك جامد عليا عمرك ما كنت حنين! محاولتش تحتويني في مرة ولا تظهر حنيتك عليا!

مخليني أمشي أدور على الحنية في كل الناس وإنت لسه موجود! مخليني أدور عليها في كل الوشوش وأنا بتمسك بمبادئي وأقول لأ مش هخون ثقتك ولا ثقة ماما وحازم فيا وأحافظ على نفسي وأفضل طول عمري محرومة من حنانك! إنت مش مخليني أمشي أدور على حنانك لوحدي لأ، مخلي فريدة تمشي تدور برضه على حنيتك!

للأسف برغم إن شخصياتنا عكس بعض وإنها خدت حاجات كتير مخدتهاش أنا واتدلعـت أوي عشان الصغيرة بس برضه نقطة سودة في حياتنا إحنا الاتنين إننا إلى الآن بنمشي ندور ونقارن! ليه؟ ليه بتخليني أقارن وانتبه لحاجة مش عاوزة انتبه ليها؟ خلتني أبص لحنان عمو سالم لنيروز وياسمين وكمان وردة! خلتني أقارن نفسي بيهم بإحساس الحزن الممزوج بالغيرة من أقرب ناس ليا! ليه خلتني أعمل كده ليه؟

كانت تتحدث بانهيار وهي تبكي بكاء لم يمر عليها قبل ذلك، وكأن دموع عينيها قالت لها الآن حانت اللحظة الحاسمة للهبوط بغزارة. تنهد، يأخذ أنفاسه وهو يجيبها بجمود: "أنا هسيبك. تعرفي مع نفسك إزاي تكلمي أبوكي بعد كده! شكلك نسيتي إنتي واقفة وبتتكلمي مع مين يا دكتورة جميلة! قال حديثه ثم خرج من الغرفة بانفعال وهو يزيح الباب بعصبية بالغة. تركها!

كما تركها بحزنها أوقات كثيرة، تركها منهارة بمكانها. ركعت على ركبتيها إلى الأرض ثم بكت بصوت عالٍ، تود الصراخ، ولو كان بإمكانها أن تفعل لفعلت! شهقات عالية، همهمات غير مفهومة تشرخ قلبها من الداخل تكسره للمرة التي لا تعرف ما عددها! ينزف قلبها من شدة قسوته اللعينة تلك.

هرولت "عايدة" التي استمعت لآخر حديثهم من بعيد. ركضت إليها وهي تتحامل على ألم قدميها، ثم جذبتها من جلستها على الأرض واتجهت بها ناحية الفراش وهي تحتضنها ببكاء صامت. شهقات الأخرى تمزق قلب والدتها بكل معاني الكلمة. احتضنتها بكل ما تملك من قوة وهي تضمها، وكأنها تفرغ بها جميع حنان العالم. لكن الأخرى لا تفكر إلا في شيء واحد، لما رحل وتركها؟ لم لم يشعر بها يوماً؟ أليست هي قطعة منه؟ أردفت "جميلة" من بين شهقاتها العالية

بنبرة باكية منهارة: "مشى يا ماما مشى وسابني منهارة. محسـ ـش بيا!! محضنيـ ـش زي ما كنت فاكرة!! ضرب بسقف طموحاتي الارض تانـ ـي! خرج الحديث متقطعاً من بين شهقات بكائها وهي تتشبث بوالدتها كمن هرب من وحش مخيف للتو. أردفت الأخرى وهي تهدهدها، رابطة على ظهرها بحنان وهي تقول من بين بكائها الصامت الكاسر لداخلها: "بس يا حبيبتي بس، بس يا ضنايا!!

قالت حديثها كعادة أي أم. لكن تلك "عايدة" تعلم تمام العلم أن الآخر صنع من ابنتها مريضة، ومعقدة نفسياً، هشّم الكثير بها منذ أن كانت طفلة لا تفقه شيئاً. "آآآه، أنـ ـا تعبـ ـت واللـ ـه تعبـ ـت أووى يا مـامـ ـا." أردفت "جميلة" كلماتها الممزقة المتقطعة من شهقات بكائها. بكائها الحاد الممزق لقلوب من رآها كذلك.

ربطت الأخرى على ظهرها للمرة التي لا تعرف عددها، وهي تتلو عليها آيات من القرآن الكريم، كتاب الله. آياته المطمئنة الساكنية للقلوب لأي شخص محطم. كان قد مر الوقت عليهم وهم بالخارج معاً. دلف ثلاثتهم إلى المبنى صاعدين الدرج. كانت "وسام" تصعد بجانبهم وهي تبتسم ببلاهة، فتحدثت قائلة وهي تنظر لهم: "انبسطت أوي إنكم جيتولي وكمان انبسطت بالخروجة الصغيرة دي. والأكتر واتبسطت وانتوا معايا يا ولاد الحلوة."

ابتسمـا لها الاثنان بحب. فتحدث "بسام" من بين ابتسامته وهو يقول بمرح: "إحنا لينا إلا ويسوو الرخمة." نظرت له بحنق، ثم وجهت نظراتها لشقيقها الآخر، وكانت نظراتها له وكأنها تقول له خذ حقي الآن يا رجل! ابتسم لها "غسان" بثقة، ثم وجه حديثه للآخر، مردفاً بنبرة تحذيرية: "متشتمهاش ياض عشان مزعلكش!! "أخويا ابن أمي وأبويا." قالتها "وسام" بمرح مشاكس لهم، فضحك الاثنان بخفة. حتى تحدث "بسام" بضجر مصطنع:

"حاسس إن أنا مش أخوكم ومنبوذ من العيلة القاسية دي!! نظرا له الاثنين باستفزاز، وكانت نظراتهم له مماثلة. وصلا هم إلى الطابق الذي يوجد به شقتهم. خاصة أنه الطابق الثالث، وليس من الضروري أن يصعد جميع من في ذلك الطابق في المصعد المتهالك قليلاً. أخرج "غسان" المفتاح من جيب بنطاله، ثم بدأ في فتح باب شقتهم. حتى فتحه ودلف الاثنين أولاً إلى الداخل بهمجية! وكأنهم أطفال!

ابتسم هو على شكلهم. وكاد أن يدلف إلى الداخل حتى وجدها تخرج من باب الشقة المجاورة له. خرجت واتجهت نحو جزامة الأحذية كالمرة السابقة. وجدها تبحث من جديد في نفس ذلك المكان من قبل. ابتعد هو سريعاً حتى لا يصطدم به شيئاً كالمرة السابقة. ثم تنحنح بحنجرته وهو يقف خلفها. إلتفتت له "نيروز" ثم وجدته. فطالعته بحرج طفيف وهي تتجه بزاوية ما بعدما وجدته يقترب منها أكثر. أقترب منها هو ثم جذب الحذاء المألوف له قبل ذلك، من على المفرش المماثل له فاللون مرة أخرى، ثم وضعه أرضاً وهو واقف بمكانه، ووجه أنظاره لها قائلاً

بثقة وثبات: "كده أحسن. عشان متدوريش كتير! تنهدت هي براحة تأخذ أنفاسها. ثم تحدث قائلة بخفوت ممزوج بالإستغراب من ردة فعله: "شـ ـكـ ـرًا." أومأ لها بصمت ثم توجه من جديد ناحية باب المنزل الخاص به. فالتفت لها من جديد مرة أخرى فوجدها تحدق باستغراب في الحذاء أرضاً، ويبدو على خديها الحمرة القليلة. تحدث قائلاً وهو يجلي حنجرته قائلاً بتساؤل: "بيدق جامد ليه؟

رفعت أنظارها تطالعه بارتباك من دقات قلبها المتسارعة من فرط حرجها. ثم بدلت نظراتها للتساؤل وهي تردف قائلة بهدوء: "هو. إيه؟ "قلبـ ـك." حملقت به بصدمة حينما قالها الآخر ببساطة. أحقاً يسمع دقات قلبها المتسارعة؟ أتلك الدقات عالية تسمع؟ فلو كانت دقات القلب تسمع فبالتأكيد لكشف الخائن وعرف السارق. وظهـ ـر العاشق.

لم ترد عليه هي، بل ظلت محدقة ببلاهة من طريقته الغريبة في الحديث. وعلمه لأشياء بديهية. ولكن مهلاً، بديهية لمن هم أقرب إليها فقط. أما هو؟ فاقت من شرودها عندما اختفى من أمام أنظارها وهو يدلف إلى داخل منزله بهدوء. ثم أغلق الباب وهو يستأذن بصوت خافت وهادئ حتى لا يسبب لها الإحراج. تنهدت تأخذ أنفاسها براحة وهي تعقد حاجبيها كلما تذكرت الحوار ثم أردفت قائلة بغير وعي: 'غريب أوي!!

اتجـ ـهت إلى حيث شقة عمها ثم دقت الجرس دقة واحدة وهي تطرق الباب طرقتين خافتتين. ثوانٍ فـ ـتح لها الباب من قـ ـبل زوجة عمها. "عايده" ! "ادخلي يا نيروز تعالي، ادخلي يا بنتي جايه في وقتك!! دلفت الأخرى إلى الداخل بهدوء وهي تعقد حاجبيها بتساءل لزوجة عمها، فأجابتها الأخرى قائلة من بين دموعها المتحجرة بعينيها:

"ادخلي يا بنتي لجميلة، شوفيها، دي متخانقة مع أبوها وأنا روحت لها وبعد كده قالت لي عاوزة أقعد لوحدي، فطلعت وقفتلت على نفسها، ومش عارفة أعملها حاجة." كانت تقول حديثها بحسرة وحزن على ابنتها، فـ هرولت "نيروز" إلى الغرفة بلهفة عندما استمعت لحديث "عايدة"، دقت الباب دقات متتالية، ولم يأتيها رد. دقت مرة أخرى ولم يأتيها رد آخر. كادت أن تفتح الباب حتى وجدته مغلق من الداخل.

فزعت هي وجال بخاطرها أنها ليس سوى أن الأخرى فعلت شيئًا بنفسها. ولكنها تنفست الصعداء عندما سمعت صوت شهقاتها من الداخل. فأشارت لزوجة عمها بأن تذهب هي إلى غرفتها تستريح. ثم وجهت أنظارها إلى باب غرفة الأخرى بحزن وهي تتحدث قائلة بخفوت حتى لا يسمعها عمها: "افتحي يا جميلة! ده أنا نيروز. مش هتفتحيني؟ لم يأتيها رد سوى صوت شهقاتها العالية التي تعلو أكثر مع الوقت.

"طب افتحي لي عشان خاطري. أنا اللي محتاجة لحضنك مش انتِ. انتِ أقرب حد ليا افتحي لي لو بتحبيني ومش عاوزاني أمشي مخذولة. لو بتحبيني! افتحي." قالت حديثها وهي تبكي بصمت. استشفته الأخرى من الداخل واستسلمت أمامها. اتجهت "جميلة" لتفتح الباب من الداخل وهي تنظر للأخرى بعينيها الباكيتين. ثوانٍ

وارتمت "جميلة" بأحضان "نيروز" بقوة، وهي تسمح لانهيار ذاتها للمرة التي لا تعرف عددها إلى الآن. مرت الدقائق وهما يحتضنان بعضهما وكل منهم يخرج كل ما لديه من بكاء. كانا الاثنتان يحتضنان بعضهما كمن يتقاسمان الألم حتى لا يحمله أحد منهم بمفرده. وكأن بكائهما وشهقاتهما العالية تقول بأعلى الأصوات لديها: "تبًا لتلك القلوب التي تجرح دون أن يشعر بها أصحابها إلا بعد حين."

دخل إلى المبنى الذي يقطن به حتى وجد "شقيقه" الآخر يصعد بتثاقل على الدرج بخطوات غير موزونة. فأسرع له على الفور ثم صعد بسرعة سانداً إياه وتحدث بلهفة واضحة قائلاً: "حسن مالك يا حسن أنت كويس؟ نظر له شقيقه بأعين متثاقلة ثم أردف يهمهم قائلاً بنبرة تائهة: "انت مالك؟ ابعد عني ملكش دعوة." رد عليه "حازم" بنبرة منفعلة قليلاً: "يا خي فوق بقا من اللي انت فيه ده! " تنهد قائلاً بنبرة أهدأ من ذي قبل بعد ثوانٍ:

"حاضر هبعد بس لما أوصلك الشقة الأول في حالتك دي!! نظر له "حسن" بصمت ثم بدأ هو بمساندته حتى وصلا إلى الطابق الخاص بهم ثم ترك أخيه يستند على الحائط بجانب باب شقتهم ويسنده هو أيضاً من الناحية الأخرى ثم مد يده ليرن الجرس ومن بعدها دق الباب عدة دقات متتالية خلف بعضها حتى أنها كانت عالية نسبياً! ثوانٍ وفتحت لهم "زينات" التي ما أن رأت حاله ابنها شهقت شهقة عالية لتمد يدها تتلمسه كمحاولة الاطمئنان عليه قائلة بلهفة وخوف واضح:

"حسن يا ابني! حصـلك ايه يا حسن رد عليا!! وجهت أنظارها الحادة لهذا الذي يقف بجانبه ثم نظرت له نظرة حادة قائلة بجمود: "عملتله ايه عملت لابني ايه؟! لم يهتم لها هو ثم أسند شقيقه إلى داخل شقته الآخر، متجاهلاً حديثها حتى أسنده على الأريكة التي توجد بالصالة ومن بعدها التفت هو ينظر من ورائه ليجدها مازالت تنظر له نظرات حادة تخرج شرر من أعينها وتعابير وجهها المتشنجة! تحدث هو بهدوء ممزوج بالبرود محاولاً التحكم بأعصابه:

"أنا مش محتاج أقولك إني معملتش لابنك حاجة ده هو اللي عامل في نفسه." نظرت له بحده ثم تحدثت بنبرة منفعلة عالية قائلة وهي تجيبه على حديثه: "انت تبعد عن ابني وملكش دعوة بيه فاهم! سيبوه في حاله أنا عارفة إنك بتكرهه تلاقي أمك اللي مكرهالك فيه، مكرهالك في ولادي." رد عليها "حازم" بثبات: "ابنك أنا لو سيبته لحاله أصلاً، هيروح خالص." ثم أشار على شقيقه وهو مسطح على الأريكة غافل الأعين. ليردف قائلاً مرة أخرى: "ايه مش واخده بالك!

وأه معلش أنا أمي مبتكرهنيش في حد لأن ببساطة مربتنيش على كده زي ما حسن وفريدة طالعين ماشاء الله يعني العين عليهم جامدة." نظرت له بازدراء بعد حديثه لينتبهوا هم لتلك التي تتجه إليهم مسرعة من أثر الصوت والفوضى في منزلهم وما أن رأت شقيقها متسطح على الأريكة ويبدو عليه التعب والإنهاك! فتحدثت "فريدة" باستغراب مما يجول حولها قائلة بلهفة: "فيه إيه يا ماما وماله حسن نايم كده ليه؟

لم تتفوه والدتها بكلمة بل ظلت تنظر لهذا الذي يقف أمامهم فتحدث "حازم" قائلاً بسخرية وهو ينظر لشقيقته: "لا مفيش، أصلي مليش دعوة زي ما أمك بتقول وابقى خلي بالك من أخونا بقا." توقف هو عن الحديث ثوانٍ ليكمل قائلاً بسخرية: "قصدي أخوكي." ثم تركهم ورحل من الشقة بأكملها تحت نظرات شقيقته المستغربة لعدم فهمها الحوار الذي دار بينهم. ونظرات أخرى مشتعلة حانقة غاضبة من تلك التي تسمى زوجة والده!

اتجـه هو ناحية شقته ثم أخرج المفتاح وهو يضعه بغير اهتمام. ودلف إلى الداخل ثم صفع الباب من خلفه كردة فعل لكبت أعصابه على الأخرى. دلف إلى الداخل كان المكان هادئاً إلى حد ما. انتبه هو لصوت همهمات وشهقات من غرفة شقيقته. عقد حاجبيه وهو يتجه إلى الغرفة. فوجدها تبكي والأخرى تجلس بجانبها بحزن. اتجه بلهفة إلى الداخل وهو ينظر لها قائلاً بخوف لاهف: "جميلة! مالك يا جميلة!

رفعت "جميلة" أنظارها تطالع. صدم هو عندما رأى عيناها الحمراء الداكنة المتورمة! نظرت له والدموع تهبط على خديها بصمت. اتجه لها هو سريعاً ثم جذبها إلى أحضانه بقوة وهو يهدهدها رابطاً على ظهرها بقوة فتحدث قائلاً لها بصوته المختنق المتحشرج: "اهدئ يا حبيبتي. اهدئي يا جميلة. بسم الله. بسم الله!!

قالها وهو الآخر مختنق بنبرته وهي تبكي بانهيار في أحضانه. وكأن دموع عينيها كانت مخزونة إلى وقت محدد وحان لذلك اليوم بالانفجار. نظرت لهم الأخرى بأعينها المكتوم بها الدموع. انسحبت "نيروز" بهدوء من الغرفة تاركة لهم المساحة الكافية لأخذ راحتهم في البكاء وإخراج ما بداخلهم. انسحب متوجهاً إلى باب المنزل تدلف من خارجاً حيث شقتها هي. ظلت الأخرى تبكي بأحضان شقيقها والآخر يضمها بقوة بأحضانه رابطاً على ظهرها بود.

تحدث "حازم" وهو يخرجها من بين أحضانه ليجلسها على فراشها بهدوء: "مالك يا جميلة؟ مالك إيه اللي حصل لك؟ طالعته والدموع تهبط منها بغزارة ثم تحدثت بين شهقاتها المتقطعة الممزقة لقلب الآخر حتماً: "ليه بيعمل فينا كده ليه؟ أنا تعبت يا حازم أنا لسه محتاجاه والله العظيم غصب عني بس مهما حصل أنا محتاجاه." صمتت من بين حديثها لشهقاتها المتقطعة ثم عاودت الحديث مرة أخرى ببكاء:

"حتى. حتى لو انت بتحاول تملي مكانه. بس بردو لسه مكانه فاضي. لسه فاضي والله العظيم." ومحدش هيقدر يملاه غيره! قالت كلماتها بانهيار، إحساس المهانه والكسرة كان يظهر في كل حرف كانت تخرجه هي من بين حديثها. حروف وكلمات خرجت من هذا القلب المتهالك مباشرة. فهم هو مخزي كلماتها وحديثها. نظر لها بخزي، نظرات خائبة الأمل والرجاء من الآخر. هز رأسه بمعنى الاطمئنان لها وهو يأخذها بأحضانِه وخرج منه حديثه المتحشرج وهو يقول:

"أهدى، أهدي يا جميلة خلاص! بصيلي، محدش بياخد كل حاجة في دنيتنا دي. مش عاوزك تهلكي كل تفكيرك في المواضيع دي. مش كل الوقت شاغلة نفسك بـ دا. آه هو صعب بس انتِ قوية وقادرة تتحملي. انتِ عارفة لما تفكري بتوصلي نفسك ولنفسيتك لـ إيه! كلنا عندنا طباع وخصال موجودة فينا وثابتة كمان، يعني الأمل ميت إنها تتغير! هو كده مش هيتغير طباعه الجامدة ثابتة. ويمكن تتغير! الله أعلم!

بس أنا عاوزك ترمي ورا ضهرك. فكري بشكل إيجابي في حياتك. أنا جنبك، أنا وماما. وكمان ياسمين. ونيروز، كلنا هنا معاكي! ومنقدرش نسيبك! نظرت له تطالعه بأعين حمراء من كثرة البكاء وهي تخرج من أحضانه! فهزت رأسها بهدوء لحديثه وهي تردف قائلة بخفوت: "حاضر" استقام هو ثم انحنى مرة أخرى ليطبع على مقدمة رأسها قبلة حانية بهدوء تزامناً مع حديثه لها قائلاً: "ارتاحي يا جميلة. نامي وارتاحي الوقتي"

دثرها جيداً بالغطاء وهي تعتدل لتتسطح على الفراش. ثم انتهى وخرج من الغرفة، غالقا الباب خلفه بهدوء. خرج بعدم اقتناع لحديثه معها منذ قليل! يفكر متى سينتهون هم من هذا العذاب النفسي!! يفكر ماذا لو كان الآخر حنوناً معهم. بالطبع لن يحدث كل ذلك! *** كان يجلس هو وشقيقه ووالديه بصالة المنزل أمام التلفاز يشاهدونه. والأخرى في غرفتها التي ما إن أتت من الخارج دخلت لتذاكر دروسها!! تحدث "حامد" وهو يوجه أنظاره لأولاده قائلاً بحنق:

"وإنتو بقا هتفضلوا قاعدينلي كتير كده! عاوز أتغزل في مراتي لو سمحتم." طالعته هي بخجل، تزامناً مع نظرات أولاده الضجرة له!! "مش كبرنا يا حج على الغزل والبتاع ده! قالتها "دلال" بخجل وهي تنظر له، رامشة بأهدابها!! جاءهم صوته وهو يجيبها قائلاً: "كبرنا ده إيه يا أم غسان يا عسل! طب والله انتِ اللي يشوفك ويشوف بنتك يقول إن انتِ الصغيرة! ده انتِ لسه بخيرك ولسه عسل زي ما انتِ."

ابتسمت له هي بحب، مع نظرات الاشمئزاز لكل من "بسام" و"غسان". وجه "حامد" أنظاره المستفزة لهم حتى يثير حنقهم أكثر وأكثر. "جرا إيه ياض انت وهو! إنتو مش شايفين إن فيه رومانسية هنا! كل واحد ياخد بعضه ويختفي من هنا يلا! نظر له "غسان" وهو يتحدث قائلاً له بثبات ممزوج بالسخرية: "الرومانسية بتاعتك دي عفى عليها الزمن يا حامد! بدل "بسام" نظراته للهيام وهو يدرف قائلاً: "طب ونبي لتقولها تاني كده (يا ام غسان! بدوب هنا والله!

نظرت لهم "والدتهم" بخجل، والآخرون تعلو ضحكاتهم بقله حيلة من الآخر!! خرجت "وسام" من غرفتها وهي تقف أمامهم بصمت وبشعرها الغير مرتب. تمسك القلم بيديها ثم تثاءبت وهي تضع يدها على فمها قائلة لهم بينما هم ينظرون إليها ببلاهة! "معلش يا جماعة بس أين يذهب الإنسان حينما يشعر أن جميع الأماكن لا تناسبه! قالت حديثها بجدية مرحة مضحكة وهي تحك رأسها بتفكير!! تجعل من يراها تتحدث كذلك بذلك المنظر يضحك عليها!

طالعها "حامد" بتمعن، ثم أردف قائلاً بتلقائية وهو يفرد ذراعيه لها: "لـحضن أبـــوه" ابتسمت باتساع وهي تتجه مسرعة له، تدخل بين ذراعيه، لتستكين بين أحضانه براحة وهي تتحدث قائلة بمرح: "البوب حبيبي وحبيبنا كلنا وعم الناس والله" اعتلت ضحكاتهم جميعاً عليها، فـتحدث "بسام" من بين ضحكاته بمرح قائلاً: "حاسس إنك عاوزة تاخدي دش كده عشان شكلك مرعب بصراحة! نظرت له بحنق، فـتحدث "غسان" قائلاً بمشاكسة ماكرة للآخر:

"طب ما تبص انت يا دكتور! متخلنيش أقول ثانوية عامة كانت ريحتك بتطلع عليا إزاي! قهقه جميعهم على حديثه، تزامناً مع النظرات الحانقة من الآخر لشقيقه! تحدث "غسان" بعد دقائق قائلاً: "أنا داخل البلكونة شوية" أومأو له جميعاً بالإيجاب تزامناً مع ذهاب الآخر مجدداً لغرفتها. فأصبح والداه وهو بمفردهم، فـتحدث "بسام" قائلاً بتساؤل مـرُح: "إيه يا كتكايت الحب مش ناوين تطيروا إنتو كمان! "بس ياض"

"رايحين ننام يا حبيبي تصبح على خير انت بقا" أردف كل من والده ووالدته مع الترتيب حديثهم، ثم اتجها معاً إلى حيث غرفتهم، والآخر يضع يديه على كتفيها بحب بالغ وهما يستندان بعضهما براحة إلى الغرفة. نظر هو بأثرهم بحنان، ثم نظر حوله بريبة مصطنعة وتحدث قائلاً براحة وهو يجلس بأريحيه على الأريكة قائلاً بخبث: "حلو أوي. كده الواحد يفتح إم بي سي 3 على رواقه!! ***

"تطمئنني عينيك بأن كل شئ على ما يرام حتى وإن احترق العالم فأنت هنا وأنت عالمي." ينظر كل منهم لسقف الغرفة وهما مـسطـحان على الفراش بجانب بعضهما. التفت هو برأسه لها يطالعها بعد وقت مر عليهما وهما كذلك. وجدها شارده ويبدو من نظرة عينيها التائهه للأعلى أن بها بعض الحزن. الذي استشفه هو. تنهد يأخذ أنفاسه وهو يتحدث قائلاً: "سرحان في إيه يا جميلة؟ بتحبني زياده على حـبك ليا ولا إيه؟

التفتت له تطالعه وهي تبتسم بخفة على حديثه. فتحدثت "ورده" قائلة بهدوء من بين ابتسامتها الواسعة: "كده كده بحبك. ومبسوطة كمان أوي إنك هتنزل معانا مصر" ابتسم لها تزامناً مع تنهيدته الواثقة وهو يردف قائلاً: "بس حاسس إنك مش مبسوطة أوي. فيكِ إيه يا ورده! صمتت لثوانٍ ثم اردفت قائلة بهدوء: "هو انتِ عارفني كده إزاي!! "أصلك ورده! والورد مبيلفش ويدور. لو حزين بيدبل علطول ويبان عليه! ولو مبسوط بيبقى مـبهج والأنظار كلها عليه!

قالها وهو يعتدل على الفراش يجلس عليه وهو يطالعها بسهام عينيه الحنونة!! ابتسمت له باتساع وتأثر، وهي الأخرى تعتدل جالسة بجانبه. طالعها هو مجدداً بنظراته يطالبها بإخراج ما بها! نظرت له بتردد ثم تنهدت، تأخذ أنفاسها قائلة: "كنت بكلم ياسمين وقالتلي إن نيروز مش متظبطة ومش أحسن حاجة يعني مبقتش زي ما كانت بقت بتتزهق كتير ومش بتقعد دايماً معاهم. تفتكر بترجع لنقطة الصفر؟ جاءها نبرته الهادئة في الحديث وهو يقول:

"هو أنا ممكن أقولك حاجة ملهاش علاقة بالسؤال. وهي إن نيروز دايماً بتخافوا عليها وتعاملوها بطريقة زيادة عن المألوف شوية. يا حبيبتي كل واحد وليه طاقة معينة. وأنا شايف إن مش لازم كل شوية تبينوا قلقكم عليها لأن كده أصلاً مش بيخليها تتقدم لقدام. وعلفكرة هي كويسة وقوية كمان بس محتاجة تدي لنفسها الفرصة مش حد غيرها خالص. عشان لما تبدأ تبدأ صح من تاني!

كلنا بيجيلنا وقت بننهار باختلاف المدة اللي بتقعد عندنا كل شخص وعلى حسب قوة تحمله. ونيروز شخصية إن شاء الله تستحمل. عاوزك متشيليش هم كل حاجة على قلبك. وأنا محتاجك تفكري في كل حاجة بنظرة تانية غير المعتادة عندك! عشان تعرفي تعيشي وتتحملي" كانت تستمع إلى حديثه باهتمام. فتنفست بعمق ثم تحدثت قائلة بهدوء: "مش عارفة يا بدر!

صدقيني نيروز بتتحمل كتير بس عند نقطة معينة وبتنفجر لما طاقتها بتخلص بتبقى شخص تاني. حاسة من كلام ياسمين إنها خلاص على آخرها!

وكمان عمي، أنا كل شوية بفكر في كلام عمي ليها لما ياسمين قالتلي هو قالها إيه. قالها كلام محدش يستحمله، الغريبة إنها ساكتة على طول، مدتش رد فعل. دي حاجة تقلقني، هو أخ مش دايماً بتدي رد فعل، بس المرادي قال كلام صعب، وأنا وياسمين، وهي اللي عرفناه، يعني لما ماما عرفت معرفتش هو قالها إيه. متخيل تكون شايلة كل ده وساكتة.

"أنا حاسس لما ترجعي وتروحلهم الدنيا هتتحسن لما يشوفوكي. صدقيني كل حاجة هتبقى تمام، والأجواء هتتغير كده من الكبت للفرحة لما تروحلهم بعد غياب. بالنسبة لعمك، فأنا مش حابب أتكلم بحاجة تخصه، لأن انتي عارفة." قال حديثه وهو ينظر لها بعمق عينيها الخضراء، وهو يمسك يديها يدلكها بحنان بالغ. ابتسمت هي له وهي تنسحب داخل أحضانه الدافئة. فتنهد هو بعمق يأخذ أنفاسه بشرود. جاءه صوتها بعد دقائق وهي تتحدث قائلة بثقة:

"أنا متأكدة إنك أنت كمان شايل في قلبك وساكت، مش هتحكيلي أي حاجة." تنهد يأخذ أنفاسه وهي في أحضانه ثم تحدث قائلاً: "شيل هم الأخوات ده صعب على فكرة، حاسس بيكي. أنا كمان مش أحسن حاجة. آدم بقاله كتير مبيكلمنيش، ومكمل في طريق هلاكه لنفسه برضه! حتى مراحش لعمي يزوره، ولا حتى أختي راحتلهم لسه. بس أختي أنا مقدر إنها مش بتعرف تخرج عشان البيت وجوزها وحماتها. أنا من الآخر يا وردة حاسس إننا متفككين كده، أو مش عارف."

خرجت من أحضانه بهدوء وهي تبتسم قائلة، محاولة بث الأمان له: "إيه رأيك لما ننزل نحاول نلم الشمل ونعمل حاجة مختلفة ونتجمع كلنا؟ حاسة إن هيبقى فيه فرق، ولا إيه رأيك؟ متأكدة إن كل حاجة هتبقى تمام. وأختك ظروفها معروفة. حتى آدم في جانب كويس غير إنه طيب، صدقيني هيبقى تمام. أنت أحلى أخ بجد وأحلى حبيب وأحلى أب يا بشمهندس."

ابتسم لها بحنان وهو يومئ لها بالإيجاب تأييداً لحديثها، ثم طبع قبلة على خديها بخفة. فتحدثت هي من جديد بعد ثوانٍ قائلة وهي تسمع صوت بكاء "يامن" من الغرفة الجانبية: "شفت أهو كده كملت، هروح أشوفه يمكن ييجي يحكيلنا أحزانه هو كمان." اعتلت ضحكاته على حديثها وهو ينظر بأثرها عندما هبطت من على الفراش متجهة ناحية باب الغرفة تخرج منه بقلة حيلة. ***

كان قد مر الوقت وكانت هي تجلس شارده في حالة ابنتها تفكر بها وبانهيارها بأحضانها منذ وقت مر. انتبهت له وهو يدلف إلى داخل الغرفة بعدما أتى من غرفة المكتب الخاصة به. نظر لها ثم تحدث بغير اهتمام وهو يقول: "صاحية ليه؟ نظرت له "عايدة" بصمت ثم أردفت قائلة باقتضاب: "مفيش! قلب عينيه بملل وهو يتجه ناحية المرحاض الداخلي بالغرفة. فقاطعت هي سيره بنبرتها الآمرة: "استـنـى!

التفت لها يطالعها بتساؤل. نظرت له بتردد. كادت أن تواجهه مدافعة عن ابنتها، يحترق قلبها عليها، ولكنها لا تستطيع المواجهة. تحدثت قائلة بتردد محاولة تغير ما كانت تنوي قوله: "إحنا معزومين بعد بكرة يوم السبت عند دلال واستاذ حامد." "مش فاضي ورايا شغل." قالها باقتضاب. فتحدثت هي مرة أخرى قائلة بهدوء: "لازم نعمل الواجب طالما اتعزمنا." "وأنا قولتلك يا عايدة إني مش فاضي، روحي انتي."

قالها وهو يتجه مرة ثانية إلى المرحاض. فتحدث قائلاً مرة أخرى وهو يدلف إلى الداخل: "وقومي طلعيلي هدوم البسها عشان رايح لزينات." نظرت له وهو يغلق الباب خلفه. نظرات معاتبة. خائبة الرجا والأمل من تصرفاته الدائمة معها ومع أولادها. *** "يعني مش هتقوليلي إيه قافل مزاجك؟ نظرت "نيروز" لشقيقتها قائلة بهدوء وهي تبتسم بسمة صغيرة متكلفة: "عادي يا ياسمين مفيش حاجة." نظرت لها "ياسمين" ثم تحدثت قائلة وهي تطالعها بتمعن:

"أنا حازم قالي، وعارفة إنك زعلانة عشان جميلة. نفسي مرة أسألك وتجاوبيني إيه مزعلك بجد." "مش حابة أتقل عليكي." قالتها "نيروز" بتلقائية. فتحدثت الأخرى قائلة: "والدموع المحبوسة في عينك دي مش ناويه تنزل وأنا موجودة جنبك عادي، ولا انتي هتعيطي خلاص؟ هربت هي بانظارها وهي تنظر لأي مكان غير عينين الأخرى. نهضت "ياسمين" تقف ثم تحدثت قائلة بتفهم لحالتها:

"هسيبك تقعدي مع نفسك زي ما انتي عايزة، بس أنا موجودة في أي وقت ونفسي نتشارك الزعل سوا." رفعت "نيروز" أنظارها تطالع أثرها وهي تذهب من أمامها بعدما قالت حديثها وذهبت. استقامت لتقف متوجهة حيث مكانها المفضل في الشرفة. دلفت إلى داخل الشرفة ثم وقفت، رفعت رأسها بأسى وهي تنظر إلى السماء بشرود.

وفي تلك اللحظة كان الآخر يقف نفس وقفتها تلك في الشرفة الجانبية لها. نظرت هي بعينها العسليتين إلى السماء، تنظر بتمعن وكأنها هي من تحتضن السماء بأعينها. "في معلومة بتقول اللي بيبص للسما كتير يا إما بيحب يا إما فقد شخص غالي عليه." التفتت منتفضة حينما جاءها صوته. التفتت تنظر لهذا الواقف فوجدته يقف نفس وقفتها وهو ينظر إلى السماء وكأنه لم يقل شيئاً قبل عدة ثوانٍ. خرج منها صوتها الخافت وهي تقول بتردد: "بس أنا مش.. بحب."

قالتها ببطء خافت لتجيبه على حديثه. فالتفت هو بأنظاره لها يطالعها. فـتنهد غسان يأخذ أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً: "سابك غالي عليكي." نظرت له بصمت وهي تهز رأسها بالإيجاب. فجاءها صوته وهو يجلي حنجرته قائلاً بثبات: "عارفة أحلى حاجة ربنا قالها إيه عن الموت؟ نظرت له بصمت، ولكنه ممزوج بالفضول. جذبها حديثه. هزت رأسها بتساؤل له دون وعي. فنظر هو لها من جديد قائلاً بعقلانية:

"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ." جاءه صوتها وهي تجيبه قائلة بتأثر: "صدق الله العظيم." "الدنيا دي محدش بيديم فيها للتاني. فبنِموت عشان نبقى لبعض ومع بعض في الآخر طول الوقت، فاهمة حاجة؟

توترت حينما فهمت إلى ما هو يرمي لها بحديثه. تسارعت دقات قلبها بسرعة وهي تفرك بيديها بهدوء. فـتحدث "غسان" من جديد قائلاً مرة أخرى بتساؤل: "قلبك بيدق جامد ليه؟ نظرت إلى الجهة الأخرى بحرج ثم صمتت لثوانٍ. وأردفت مرة أخرى بتساؤل لإرادتها بأن تعلم من صاحب تلك المقولة تحديداً، أهو أم توأمه الآخر، أصبحت لا تفهم شيئاً؟! "هو.. هو انت مين؟

ابتسم ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيه بالطبع لن تراها هي بوضوح لظلام المكان من حولهم، أو بمعنى أصح تلك الإضاءة الضعيفة. "عاوزة تعرفي أوي؟ نهرت نفسها لتسرعها وهي تسأله ذلك السؤال. بالطبع كانت تريد أن تعلم من هو صاحب تلك الكلمات الهينة، أهو نفسه من رمت حذائها ليصطدم برأسه، والذي اعتذرت له أكثر من مرة، أم الآخر؟ أم من؟ "عن اذنك."

قالتها سريعاً بخجل وهي تتجه ناحية باب الشرفة تخرج منه. وقبل أن تضع قدميها خارجها جاءها صوته وهو يجيبها قائلاً: "لو عاوزة تعرفي فأنا اللي دماغه لسه وارمة من جزمتك! أنا غسان المبطوح منك!! ابتسمت تلقائياً وهي تخرج من الشرفة، حتى تحولت البسمة إلى ضحكة خافتة وهي تتذكر ذلك الموقف معه. اعتدل في وقفته هو الآخر وهو يمسك زجاجة المياه الباردة ليشرب منها.

كعادته، فهو يعشق شرب المياه المثلجة الباردة في كل الأجواء، حتى وإن كانت غير مناسبة، وخاصة في ليالي الشتاء القارصة. *** "صديق السوء دائمًا يدعوك للفساد، فبعض الأصدقاء في الحقيقة هم أعداء، ولكن يا ليتنا نشعر قبل فوات الأوان! "مش شايف يا شريف إنك زودت قوي على حسن وخلّيته يتقل في الشرب؟ ده ماشي، مش شايف قدامه! وقف آدم بهذه الكلمات وهو ينظر للآخر بتمعن وترقب. نظر له شريف بغير اهتمام وهو يتحدث قائلاً:

"أنا عزمت وهو داس قوي، يعني مليش فيه! ولا أنت قلبك رهيف وخايف؟ وبعدين ما كلنا في الهوا سوا، مالك! نظر له آدم بقلة حيلة وهو يردف قائلاً: "آه كلنا في الهوا سوا، بس أنت موصلتش لمرحلة حسن يا شريف! وبعدين ده بيجرّب وبيشرب أي حاجة وخلاص من غير ما يعرف. ده مبيقولش لأ، يعني متضغطش قوي في العزومة عليه! "متقلقش عليه يا خويا، هو أصلاً مسطول لوحده! قال شريف حديثه بتهكم وهو ينظر للآخر.

تنهد آدم بقلة حيلة ثم صمت هو الآخر، لا يعلم ماذا يجيب من تصرفات صديقه. *** مر الوقت وذهب هو إلى شقته حيث زوجته الثانية. تحدث سليم قائلاً وهو يجلس بجانب زوجته على الفراش: "حسن جه من بره؟ نظرت له زينات بتردد وهي تتحدث قائلة: "آه، آه يا خويا جه ونايم كمان من بدري جوه. في حاجة ولا إيه؟ بالطبع سألته هذا السؤال ترقبًا وخوفًا من أن الآخر قد قال لوالده شيئًا مما حدث مهما منذ وقت. "لا مفيش." تحدثت هي قائلة من جديد

تحاول سب أغواره لموضوع ما: "مالك كده سرحان؟ بتفكر في إيه؟ أجابها قائلاً بهدوء: "متشغليش بالك." نظرت له زينات بخبث قائلة: "مشغلش بالي إزاي بس يا خويا؟ قول لي إيه شاغلك؟ يكونش البت ياسمين ولا نيروز عندهم حاجة! قالت حديثها بمكر حتى تجعله يأتي بحديث معين هي تريده أولاً بالأساس. "فكرتيني بالمحروسة، قال إيه عاوزة تنزل تشتغل ولسه مدتهاش موافقة لحد دلوقتي." ردت عليه زينات، قائلة بهدوء مصطنع عكس ما يجري بداخلها:

"وماله يا سليم؟ ما تنزل تشتغل. إحنا يعني خسرانين! خليها يا خويا تغور والرجل تخف عند بنتك. ما هو دي تروح لـ دي وبنتي في النص وحيدة! سيبها مش خسران أنت حاجة. ده إحنا ممكن نبقى كسبانين، يمكن العروسة تحن وتوافق على حسن من تاني، الله أعلم! فكر هو بحديثها وأنساق وراء ما كانت تريد هي من البداية. رد عليها قائلاً بتفكير: "تفتكري؟ بالطبع كبتت الحقد والغل بداخلها وهي تجيبه بـ: "ومفتكرش ليه؟ اسكت خلي نخلص!

"طيب هبقى أقولها تنزل." قالها بغير اهتمام مما جعل الأخرى تبتسم بانتصار وغِلّ بان واحد. "قايمة راحة المطبخ وجاية تاني أعملك شاي؟ نظر لها وهي تستقيم ناهضة، ثم تحدث قائلاً: "لا مش عاوز." خرجت وهي ممسكة بهاتفها إلى خارج الغرفة، ثم فتحت صفحة الرسائل الخاصة بها وضغطت على الصفحة الخاصة لـ "ياسمين". دقيقتان ثم أرسلت لها رسالة محتواها: "بداية لموافقة عمك. مبروك من برا قلبي."

أرسلت الرسالة ثم أغلقت الهاتف بغل وهي تتجه مرة أخرى إلى الغرفة تكبت حقدها من جديد. *** كانت جالسة تبعث بهاتفها بغرفتها بملل، تقوم بإرسال رسائل لـ "حازم" تارة وتتصفح هاتفها تارة. جاءها إشعار يعلن عن قدوم رسالة ما. نظرت هي إلى مرسل الرسالة فوجدتها زوجة عمها. فتحت الرسالة ثم قامت بقراءتها بسرعة. سريعًا ما لاحت على شفتيها ابتسامة الانتصار المتلذذة. ثم قامت هي بالضغط على لوحة المفاتيح الإلكترونية لتقوم بالرد

على محتوى رسالة الأخرى: "أكيد هتبقى من برا القلب، أنت للصدفة الحلوة معندكيش قلب أصلاً يا مرات عمي." ضغطت بالإرسال بعدما وضعت رمزًا تعبيريًا كقبلة لتثير حنق الأخرى. ثم وضعت الهاتف تحت الوسادة على الفراش وهي تبتسم بانتصار وكأنها انتصرت في معركة للتو. *** مر الوقت عليه وهو يقف في الشرفة. عقد العزم أن يخرج هو منها. دلف غسان بخطوات بطيئة إلى خارجها متوجهًا حيث صالة منزلهم.

فوجد شقيقه يجلس بأريحية على الأريكة الطويلة التي توجد بالصالة. كان الآخر مندمجًا في مشاهدة التلفاز أمامه. فاتجه غسان ليجلس بجانب شقيقه بسام. ثم التفت له ووجه أنظاره للآخر. "خش لى كده شوية ونيم الكنبة دي خلينا ننام عليها." قال غسان حديثه للآخر وهو يجذب الغطاء بيديه من المقعد الذي بجانبه بذراعيه فقط. انتبه له بسام ثم نظر له مبتسمًا وهو يقول: "أشطا، ويلا اتفرج معايا."

فرد الآخر الغطاء عليهما بعدما تسطحا على الأريكة بوضعية النوم. "إيه ده يالا! هتف بها غسان باستنكار للآخر وهو ينظر لشاشة التلفاز. "دي دورا." قالها ببساطة وهو يحرك كتفيه باللامبالاة مثبتًا أنظاره على شاشة التلفاز من أمامه. "العــامــيــه!!! هتف بها غسان بصوت عالٍ نسبيًا بملامحه المستنكرة الممزوجة بالسخرية من شقيقه. هز له بسام رأسه بمعنى التأكيد لسؤال شقيقه المستنكر.

نظر له غسان بصمت بتعابير وجهه الخالية، ثم ثوانٍ ومد يده للآخر وهو يحدثه بلهجة آمرة: "هــات الـريمـوت." "ولو مجبتوش يابو الغساسين! قالها بسام بمراوغة وهو يبتسم بعبثية للآخر. ابتسم له غسان ببرود وهو يهتف قائلاً بثبات: "بـراحتك." عقد الآخر ما بين حاجبيه بتساؤل وهو يرى شقيقه يهتف تلك الكلمة. وسرعان ما قام على فجأة ثم جلس فوقه ببرود وكتم أنفاس الآخر وقام بربط يديه باحتراف وهو يأخذ من بين يديه عنوة. كان يتحرك بسام

بعنف وهو يهتف بهلع للآخر: "خلاص، خلاص أنا آسف يا غس والله." "وقتك خلص، ابدأ ضرب منين؟ انطــق! نظر بسام لشقيقه بتعابير وجه ضاحكة ممزوجة بالخوف، فتحدث الآخر بترجّي: "ونـبى لا، خلاص، خلاص يا بو الغساسين بقا." في تلك اللحظة كان قد خرج والدهم من الغرفة متجهًا حيث المطبخ حتى يأتي بزجاجة مياه. توقف حينما رأى ذلك المنظر من أمامه، شاهقًا شهقة عالية نسبيًا مردفًا بـ: "آه يا رخاص يا ولاد الكلب!! ... بتعمل إيه يازبالة أنت وهو!!

نظرا له الاثنان بتعابير وجه مصدومة، فتحدث بسام سريعًا محاولاً شرح الموقف: "بابا!! متفهمناش غلط! هزه غسان بقوة وهو يبرك فوقه يتحدث معنفًا شقيقه: "انت متخلف! "انت كده بتثبتلي إنك غبي! "بثبت له إيه يا زبالة يا رخيص انت وهو! نظر الاثنان لبعضهما ثم وجهوا نظراتهم لوالدهم، ثم ثوانٍ وانفجرا كلاهما بالضحك عالياً. "بتضحك؟ بعت نفسك بكام يا دكتور يا رخيص؟ قالها "حامد" باشمئزاز معنّفاً "بسام".

ابتعد "غسان" عن شقيقه بسرعة عندما انتفض الآخر مدافعاً عن نفسه وهو يقول: "والله يا حج ما في حاجة، انت ظالمنا، افهمنا بس." "اخرس يا كلب، يعني دكتور وكمان رخيص يا كلب! قهقه "غسان" عالياً، خاصةً أنه يعلم أن والده يمزح بالجدية الزائفة فقط لإثارة حنقهم. وجهوا جميعاً نظراتهم لبعضهم بصمت لمدة دقيقة، ثم ما أن انتهت تلك النظرات وانفجر الجميع بالضحك عالياً، تزامناً مع برك "بسام" أرضاً من فرط ضحكاته العالية الرنانة.

تحدث "بسام" من بين ضحكاته وهو يقول بحب مازحاً: "وربنا يا حامد دماغك دي! إيه بس دمك زي العسل." هندم والده ملابسه ثم عدّل من وضعية ياقته الوهمية بغرور وهو يهتف بـ: "منا عارف يا ضنايا دمى خفيف مش يلطش زيكم! ضحك الاثنان عليه بخفة وهو يقف أمامهم، وكانت ضحكات ممزوجة بحب العائلة السوية القوية. عائلة بذلت قصارى جهدها ليحصد مالكها زرعها النقي النظيف كنتيجة لزرعه بعد تعب وبذل الجهد.

ظلوا ينظرون لبعضهم بالضحكات المرحة وهم يتحدثون مع بعضهم بمشاكسات ضاحكة كلاهما، يتبادلون جميع النظرات الجيدة الدائمة مهما مر العمر، ولكن النظرة الدائمة لهم تكمن دائماً بدفء الحب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...