الفصل 17 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
21
كلمة
9,955
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18
من قال أن كسرة الفؤاد وتهتكه شيء يصيب البعض المحدودين؟ بل ويصيب طرفين يحبان بعضهما فقط. ماذا عن كسرة قلب من الأهل؟ الإخوة؟ الأصدقاء؟ أكثر ما يمر على المرء من صعوبة حين يجد نفسه فجأة في أنظار الجميع بأنه المخطئ المذنب بينما كان هو الطرف الأكثر حذرًا والأكثر تضحية! أن يجد نفسه بمفرده بعدما خيبت آماله وخذله أقرب شخص إليه! تلك هي حالته، عندما وقف في الأسفل في ركن صغير أمام جراج سيارته. وقف يتنفس بصوت عالٍ منذ مدة، وصدره يعلو ويهبط من أثر ما به. كان يتأوى بشدة وهو ينحني ليجلس أرضًا، واضعًا يده على ذراعه الآخر وأخرى على رأسه من أثر اصطدامه بالحائط، مما سبب له دوار رأس جعله يجلس على ركبتيه بإنهاك. تنهد بقوة وهو يكتم دموع عينيه، متحدثًا لنفسه من الداخل بأنه ليس بإمكانه البكاء في هذا الوقت، ليس بإمكانه البكاء من الأساس، بل يتوجب عليه الصمود. خابت آماله حينما نزلت منه دمعة وحيدة على خده، امتزجت بلحيته الخفيفة، حتى سارت إلى عنقه وهي تدخل أعلى مقدمة صدره المكشوف بسبب تمزق قميص حلته! صمت تام، فالمكان وصوت أنفاسه هي العالية. ولأن الوقت قد مر قليلًا، إلا أن المكان حول المبنى لا يوجد به أشخاص. حتى منظر البحر من أمام المبنى خالٍ من الأشخاص بسبب جو الشتاء الذي يقسو في الليل. صوت البحر فقط وأمواجه هي العالية، وكأن الأمواج تشاركه ثورته المكبوته والمكتومة. كان بإمكانه أن يبرح شقيقه ضربًا. كان بإمكانه أن يجعله ينزف من الدماء ما يكفي. ولكن ردة فعله كانت هادئة، منكسرة. ولأول مرة يظهر عليه التعب والكسرة من شخص ما قد أثر به. ولكنه شقيقه، لما لا يتأثر بتفضيلها عليه وتكذيبه؟ وظهوره بالصورة السيئة. لم يقو على الحركة الآن. يبدو أنه يفكر في الانتظار بضعة دقائق حتى يقوى على الحركة وقيادة السيارة لمدة ليست قصيرة، حيث الوجهة التي نواها هو. الآن رأسه تؤلمه بشدة، ولكن ألم تفكيره بما فعله هو وبما فعله شقيقه كان أقوى من ألم رأسه الحقيقي. رفع يده السليمة ثم ضرب الحائط من أمامه بقوة وهو يصرخ ليخرج ما به من تعب على صدره المتألم يهدأ من أثر صراخه! قبل قليل، كانت ومازالت واقفة بالشرفة شارده من أمامها، لم تستطع النوم أو إغفال عينيها للحظة! سكون تام حتى في شقتها من الخارج قد دلف البعض للنوم. عدا "بدر" الذي يوجد بالشقة الأخرى إلى الآن! بعد ذلك اليوم المشحون بالأحداث ما يكفي رحل كل منهم إلى شقته بهدوء غلفه بعض الحزن وبقت هي بمفردها. توقفت عن البكاء وهي تنظر على أمواج البحر البعيدة من أمامها. صوت الأمواج! كافٍ لشرح ما يمر به الاثنان. مهلاً! صوت صرخة ولكن لم تكن عالية! سمعتها سريعًا. طبقة هذا الصوت تعرفه جيدًا. ظلام دامس فقط لا ترى شيئًا سوى ضوء خافت. وقفت على أطراف أصابعها وهي تتقدم أكثر لترى بوضوح من الذي يوجد في هذا المكان. ولكن مهلاً! أهذه دفعة ثانية ليده في الحائط؟ دفعة مكتومة لم تصل إلى مسامعها جيدًا، ولكن وصل إلى مسامعها صوت صراخه الدال على عدم قدرته لاخراج ما بداخله. تسارعت دقات قلبها من تخمينها بأنه من المحتمل بأن يكون هو ولم يذهب بعد. توجهت سريعًا لتلتفت وهي تضيء مصباح الشرفة القوي وليس الخافت. ثم توجهت مرة أخرى حتى تقف على أطرافها كما كانت. ولكن لم تر شيئًا، صوت فقط! ولأنها في الطابق الثالث لم تسمع جيدًا، ولكنها سمعت بخفوت. لم تنتظر لتخمن من هو بالتحديد، ورغم خطر الموقف وخطر الوقت، إلا أنها خرجت من الغرفة بهدوء على أطراف أصابعها. وبالأخص هي لم تبدل ملابسها منذ ما حدث. جذبت المفاتيح من المسمار المعلق بجانب الباب ثم هاتفها والأشياء البسيطة التي توجد بجانبه، ثم فتحت الباب بهدوء وهي تخرج من خلفه مغلقة إياه بصوت خافت من بعدها. لم تتوجه إلى المصعد، بل نزلت سريعًا بركض متوسط في السرعة وهي تهبط على السلم. لحظات حتى وصلت فالأسفل. لم يكن العامل موجودًا على البوابة الخاصة بالمبنى. حسنًا، هذا جيد. ولأنها انتشلت هاتفها سريعًا معها، ففتحت الضوء الخافت منه وهي تتوجه جانبيًا بعيدًا عن الضوء الأصلي من الأمام، حتى اخترق مسامعها صوته المتأوي. التفتت سريعًا ثم دلفت بالجانب فوجدته يجلس أرضًا وهي تسلط الضوء عليه حتى أغلق عينيه بقوة من أثر فعلتها. أبعدت الضوء بسرعة ثم توجهت عدة خطوات أمامه ومن ثم وضعت الضوء مرة أخرى لتراه جيدًا. هو. تسارعت دقات قلبها وأدمعت عينيها وهي تنحني من أمامه تجلس على ركبتيها. طالعها بتعب ثم ردد بنبرة مندهشة ولكن لم تظهر بنبرته بسبب طغيان الألم: "نيــروز!!" أومأت له بابتسامة ضعيفة ثم رفعت يديها تتحسس جرح رأسه بأصابع مرتجفة وباردة. حسنًا، يوجد معها إلى الآن علبة المناشف الورقية. أخرجت منها منشفة وهي تضعها على جرح رأسه الذي جدد من إنزاف الدم. كتمتها بقوة حتى لا تنزف مرة أخرى، تاركة ذلك الضوء بجانبها مما أنار المكان! فخرج منها صوتها المتحشرج وهي تسأله بضعف: "بـتوجعك.. لسه؟" أيقول لها بأن وجع فراقه أصعب من ذلك الوجع؟ أيقول بأن تهتك روحه وكسرة نفسه طغت على كل ذلك؟ لم يكن يفضل بأن تراه كذلك في أوقات ضعفه، وهو منحني أرضًا وينزف دمًا! وذراعه مكسورًا! أمسك يديها المرتجفة وهو يبعدها عن وجهه ببطء ثم نهض رغم ألمه. فنهضت هي من بعده تنظر له. لحظات من تقابل الأعين اللامعة من الدموع في الظلام. فخرج منها صوتها على فجأة بعد صمت دام، ثم أردفت قائلة مانعة بأن تهبط دموعها وهي تسأله: "هتمشي؟!" هرب بأنظاره منها ثم رفع من الجراج الآلي بضغطة زر، حتى وجد السيارة من أمامه. ومن ثم أجابها بنبرة منهكة: "لازم!" قالها وهو يتوجه حيث سيارته وهو يتحامل على ألمه ثم فتحها، ولكن أوقفته نبرتها وهي تقف أمامه. نبرتها التي اخترقت سهام قلبه المنهك بما يكفي حينما رددت بترجٍ: "متمشيش!" صمتت ثم واصلت بغير وعي بنبرة بطيئة مختنقة: "أنا كنت لسه.. بقولك.. بخاف من الفراق. بخاف حد يسيبني بعد ما أتعلق بيه!!!" كانت تعابيره خالية. نظر لها بخزي ثم تحدث بأسف للمرة الثانية وهو يهبط من نظراته في أعينها إلى وجهه أخرى: "غصب عني لازم أمشي. أنا آسف. بس دا قلبي ودي كرامتي." قالها ثم هرب سريعًا من نظراتها وهو يركب السيارة بحركة بطيئة حتى أنارت المكان من الخلف. أما هي فلم تستطع الانتظار أكثر من ذلك. كسر قلبها قبل أن يُشبع بحبه. التفتت لتسير بخطوات سريعة أشبه بالركض وهي تصعد الدرج. وعندما شعرت بأن بكائها سيخرج منها رغماً عنها وضعت يديها على فمها وهي تصعد حتى وصلت وهي تفتح الباب بيد مرتعشة. ثم أغلقته من خلفها وهي تستند عليه من الخلف. تتنفس بأصوات عالية. لحظات وهي تقف بمكانها. ثم انحنت لتجلس أرضًا وهي تنظر على يديها والمنشفة الورقية الملطخة بدمائه في يديها. المكان ساكن. صامت. تحاملت على نفسها وهي تنهض لتسير في طريق غرفتها من جديد. تحزن وتدهش من نفسها لأمرين: الأول تحزن عليه ومنه. والثاني لما تحزن من الأساس وهي تحبه من فترة قليلة! أيقنت أنها أحبته وأحبت وجوده من فترة كبيرة ولكن لما لم يختارها أليس يحبها؟ تحزن منه وعليه! ولكن ياليتها تشعر ويا ليتها تستطع بأن تحدد مشاعرها قبل فوات الأوان! في شقة "حامد" كان يجلس ومن جانبه "دلال" الباكية لا حول لها ولا قوة. والأخرى ابنتها الصامتة بصدمة مما حدث من شقيقها وبالأخص "بسام". أيعقل؟ هو يفعل كذلك؟ هذا الذي عاش طيلة حياته كتوماً لغضبه وحزنه. ولكن يبدو أنه مريض بالكتمان! وانفجر إلى حد معين. كان "بدر" يواسيهم بين فترة وأخرى خاصة زوجة عمه وابنتها. أما "حامد" فكان صامتًا. التفت "بدر" لينظر على ذلك الذي خرج من غرفته للتو يقف من أمامهم وهو يتنفس بأصوات عالية. ووجه محمرًا من أثر انفعاله الذي يهدأ منه تدريجيًا. نظروا له جميعًا بخيبة كبرى مما فعله. فخرج صوت "حامد" له مردفًا بحدة: "إرتاحت كده؟" خليته يمشي. كسرت أخوك! لم ينظر إلي والده، بل حاول التحكم بنفسه وهو يجيبه بنفس الحدة مشيرا بيده بعصبية أمام وجهه: "هو اللي كسرني الأول!" اقترب منه والده وهو يشير بيده بانفعال عليه قائلا وهو يصرخ بوجهه: "بردو لسه غبي!" اقترب بدر يقف بالقرب منهما تحسبا لشئ. فواصل حامد ليكمل: "تاج يا بسام تفضل تاج وتصدقها على أخوك ليــه ليه كده!" صرخ بوجه والده وهو يردد بانفعال: "أيوه بصدقها وهصدقها عشان هو يحصل منه كل اللي قالت عليه. طب ليه خبي عليا من الأول طالما هو الصح وهي اللي كذبت ليه مدافعش عن نفسه بتفسير." صمت حامد تحت بكاء الآخرين ونظرات بدر من أمامه. فواصل يكمل بضحكة ساخرة وهو يصرخ عاليا: "إيه معرفتش ترد ليه؟ ما تقول." "ساكت عشان أول مرة اشوفك بالتخلف ده. كنت فاكرك متفتح عن كده. أنا اللي كنت بقول طول عمري إنك أعقل من أخوك. وأنا بردو اللي عيشت طول عمري باجي على غسان وبغلطه دايما. فكل اللي بيعمله عشان بيتعامل بدراعه. بس كنت عارف إن قلبه الطيب وحنيته تغلب كل حاجة. وإتأكدت لما سابك تموت فيه بالبطئ وهو ساكت. واللي شوفت منه خوف عليك بدأت أحس إن هو اللي أبوكم مش أنا!" انتهى من حديثه ثم رفع يده يصفعه بقوة على وجهه تحت نظرات الجميع المصدومة. فواصل حامد يكمل بثبات: "ده عشان إسلوبك معايا. وعشان دموع أمك وأختك. وعشان تعرف إن أخوك خد كتير من القلم ده على قلبه مش على وشه!" لم يصدم بسام بل بقى ثابتا من أمامه لم يحرك له جفن. فنهضت دلال سريعا وهي تحاول أن تتغلب على عاطفة الأمومة ثم قالت من بين بكائها: "ليه يا بني تعمل كل ده؟ ليه يهون عليك وجع قلبي!" طالعها بصمت. فتحدث بدر سريعا وهو يمسكه قائلا: "خلاص يا بسام شوف انت رايح فين الوقتي يلا." أنزل من يده ثم التفت ليتوجه بصمت ناحية غرفته حتى قطع دخوله صوت شقيقته الباكية: "مش هاسامحك يا بسام لو غسان مرجعش." لم يلتفت بل أكمل سيره بعدما توقف وهو يتجه حيث غرفته غالقا بابها من خلفه. اتجه حامد ليسند دلال وهما واقفان بجانب بعضهما رابتا على ظهرها بمواساة. فتحدث بدر سريعا: "متقلقوش يا جماعه. إحنا مش تايهين عن غسان ده ميقدرش ميشوفكوش كام ساعة على بعض! هيرجع والله والدنيا هتبقي زي الفل." رفعت دلال يديها تنفي ما قاله ثم تحدثت بنبرة مختنقة: "لأ يا بدر. لأ. الدموع المحبوسة في عين ابني دي أنا عارفاها. دموع كسرة عمري ما شوفتها فيه قبل كده!" قالتها بانهيار. فتوجه سريعا يسندها من الجانب الآخر وهم يتجهون معا حيث غرفتهم. فوقف بدر على الباب وهو يدخلهم إلى الداخل. ثم أغلق الباب من خلفهم متوجها لتلك التي تجلس بشرود من بين دموعها. فوقف من أمامها ثم تحدث قائلا باطمئنان: "قومي يا وسام واستهدي بالله وحاولي تنامي. شوفي دنيتك ودروسك حتي لو غسان بعيد الوقتي عنك عمره ما هيحب يشوفك في الحالة دي!" طالعته بحزن. ثم جففت دموعها متحدثة بحديث آتي من أعماق قلبها للتو كخبيرة درست شخصيته: "عارف يا بدر. غسان طول عمره هو اللي بيواسينا زي ما انت بتعمل كده دلوقتي. وهو اللي بيشيل هم أي حاجة عندنا. ولما يحصله حاجة بيبقى لوحده ومبيلاقيش حد معاه. انا خايفة عليه أوي عمره ما بعد عننا. خايفة يحصله حاجة ده كان ماشي غرقان في دمه مش شايف قدامه." نظر لها بحنو. ثم مد يده يسندها لتنهض وهو يقول: "إن شاء الله كل ده هيعدي. خليك قوية كده." قالها ثم حثها على السير أكثر إلى الأمام إلى أن اتجهت بمفردها ناحية غرفتها. فوقف إلى أن دلفت الغرفة. ومن ثم نظر هو على غرفة غسان تحديدا بحزن. ثم توجه ليخرج من باب شقة عمه!! في شقة زينات دلف كل منهم إلى غرفته منذ وقت. حتى هي لم تهتم كثيرا لوجود ابنتها. بل اتجهت منذ أن دخلت تفتح باب غرفتها فوجدتها مسحطة على الفراش أسفل الغطاء. ولكن مهلا! هذا من وجهة نظرها فقط. أما هي فوضعت بعض من الوسادات المنحنية والعريضة أشبه بجسدها أسفل الغطاء. حتى يعتقد البعض بأنها متدثرة جيدا. فالغطاء ويتركها لمدة بسيطة. مر الوقت ولكن هي الآن جالسة على الفراش ولم تغفل بعد! وبجانبها زوجها. حتى ولدها منذ أن خرج مع آدم في نصف عقد القران لم يأت بعد. كمثل عادته إما يأتي متأخرا. أو سيظل خارجا من الأساس. تنفست بصوت مسموع وهي شارده ثم رددت بتفكير: "ما هو بردو الموضوع ده مش داخل دماغي. مش معقول فـ لحظة كده." همهم سليم بجانبها. ثم قال بنعاس: "نامي يا زينات الصبح قرب يطلع. إحنا مالنا!" "مالنا ازاي يا راجل؟ ليكونوا بيدبروا لحاجة. أنا عارفة الأشكال دي كويس!" التفتت إلى جانب آخر ثم ردد مرة أخرى بغير اهتمام: "إطفي النور وسيبيني أنام شوية." نظرت له بضجر. ثم أغلقت الإضاءة الخافتة من جانبها وهي تتسطح بجانبه هي الأخرى حتى تستغرق في النوم. إن استطاعت من كثرة تفكيرها وفضولها مما حدث. ولكن لحظة تشفي وسعادة بنفسها إلى ما فعلته اليوم بالفتيات وكسرتهن التي رأتها في أعينهن!! لم يعط أحد بالا لما حدث منها ومن ابنتها بسبب جري الأمر ورقص ابنتها مع والدها. نظرة فخر وابتسامة سمجة زينت محياها على ابنتها. ورغم استغرابها من ذهابها للنوم مبكرا. ولكن لم تعطي لها اهتماما. فهي دائما بمفردها في غرفتها ولم يتوعد لهما سوى واحد!! قبل عدة ساعات كثيرة: ركضت سريعا خارج المبنى وهي تحمل الحقيبة بيديها المرتعشة. ثم سارت بخطوات كبيرة إلى شارع جانبي حيث تقف به سيارته هو. وما أن رأته ركبت السيارة بجانبه سريعا. ثم نظرت له بتردد. كل ذلك وهو ينتظر. وما أن ركبت التفت لها شريف. ثم ابتسم بسمة جانبية قائلا بترحاب: "حمد الله عالسلامه!" ابتسمت له ثم التفتت توزع أنظارها في المكان وهي تحثه قائلة: "طب يلا نمشي بسرعة. أنا خايفة." انتفضت حينما سار بالسيارة بسرعة على فجأة ثم تحدث وهو ينظر من أمامه قائلا بحديث اعتبرته هي مطمئنا: "طول ما انت معايا يبقي مينفعش تخافي!" ابتسمت له بحب. وكالمغيبة تماما لما يريده هو من الأساس. وها هي الآن جالسة بغرفة صغيرة في شقته التي لم تبعد كثيرا عن المكان. تبتسم بشرود على حديثها معه. ثم تذكرت هروبها من أمام أنظاره لغرفة بمفردها. إلى أن ينفذ ما قالته له. هي ضحت وهو إلى الآن لم يضحي بعد. مشاعر كثيرة متضاربة معها تشعر بها مابين فرحتها بهروبها مع من تحب. وما بين هروبها وتقليل من شأنها. وأهلها. ماذا سيفعل والدها الآن وشقيقها؟ والدتها هذا ما تهابه وتخافه أكثر من خوف ووجع ضميرها!! تلك التي ينطبق عليها مصطلح الخيانة. فليست كل الخيانة خيانة حبيبين فقط!! بل خانت أهلها بعد أن خانت نفسها أولا. تنفست بعمق من كل تلك الأفكار المتضاربة، ثم التفتت سريعا تنظر لذلك الذي دلف عليها الغرفة دون أن يدق الباب أولا. ابتسم لها "شريف" وهو ينظر لها من على بعد مرتديا ملابس مريحة عكس التي تراه بها. دب بها الحرج مع الخوف وهو يقترب منها، ثم جلس بجانبها وهو يحاول أن يبقي طبيعيا أمام أنظارها. فتحدثت هي سريعا من قبله وهي تقول: "مبسوط يا شريف؟" ابتسم لها بسمة مصطنعة ثم تحدث يجيبها قائلا بمراوغة: "ومتبسطش ليه؟ انت منمتيش لحد دلوقتي ليه؟ خايفه مني؟" "لأ طبعًا. مش خايفه بس يعني لازم نبقي موجودين مع بعض تحت مسمي. أنا خايفه لأي حاجة تحصل وحاسة بالذنب بصراحة من اللي عملته. انت لازم تجيب مأذون عشان أنت مش هتقعد معايا كده ولا تقرب مني إلا ما نتجوز!" ضحك عاليا بخفة ثم التفت بوجهه ينظر لها بتعابير وجه خالية، ثم خرج منه صوته موضحا: "ما أنا مفهمك ومراسيكى على الحكاية من الأول وإن مفيش فيها مأذون. عاوزة تعيشي معايا على كده ومالو. مش عاوزة براحتك. ما هو أصل أنا لو حبيتك أكيد مش هسيبك وهاخدك تعيشي معايا زي الوقتي. بس انت شكلك ليك رأي تاني يا فريدة!" قالها وهو يتصنع الحزن الغير مباشر بلؤمه. فوضعت يديها سريعا على يده وهي تتمسك بها بقوة قائلة بلطف واندفاع سريعا: "متقولش كده يا شريف أنا مش قصدي حاجة من دي. ومستحيل أسيبك وأمشي بعد ما سيبت الدنيا عشانك. بس أنا عاوزة أحس إني غالية وإني زي أي بنت نفسها تفرح حتى لو بكتب كتاب!" نظر على يديها الممسكة بيده ببرود ثم نظر لها مجددا وهو يتنهد، أيقول لها بأنها مجرد حيلة؟ مجرد قضية؟ مجرد فعلة ينوي أن يفعلها ولكنه ينتظر الوقت المناسب وما يروق له؟ أيقول لها بأنها حقا ليست كأي فتاة تترك أهلها وتهرب؟ خرج منه صوته بعد لحظات وهو يمسك يديها قائلا بهدوء: "أنا قولتلك إن هو ده اللي أقدر أعمله. ورقتين عرفي وتخلص الحكاية من غير دوشة. ومحدش هيقدر يقربلك طول ما انت معايا. لو واثقة فيا أكيد هتفكري في كلامك قبل ما تقوليه!" صمت ثم تابع ليسألها عن مجهول: "عملتي اللي قولتلك تعمليه عشان محدش يدعبس وراكي؟" أومأت له وهي تهز رأسها بالإيجاب لاخر حديثه. أما أول حديثه فتعاملت كالمغيبة والغبيه المتخلية عن مبادئها. رفعت ذراعها تحتضنه بقوة كتعبير عن أسفها. تردد بأن يرفع ذراعه هو الآخر يربت عليها من ظهرها، ولكنه رفع ذراعه يحتضنها بشرود، في نقاط متعددة. تلك التي توجد بأحضانه سيشعرها بما شعرت به شقيقته؟ ولكن مهلا، شقيقته كان رغما عنها كل ما حدث. وهو يجب عليه أن يفعل ذلك؟ بالقوة والغصب من ناحيتها وناحيته؟ وما أن وصل إلى تلك النقطة خرج من أحضانها وهو يستقيم لينهض واقفا تحت أنظارها، ثم سار بخطوات ثابتة إلى خارج الغرفة إلى الأخرى بعدما أغلق الباب خلفه تحت أنظارها المتأسفة. هذا هو الرجل إن أخذ أكبر من حجمه ينظر للفتاة من منظور آخر. وتلك هي الفتاة التي تكسر كرامتها بنفسها ثم تتخلى عن ثقة من حولها بها وترحل. هذه هي نتيجتها من رجل كهذا. والقادم لا يبشر بأنه أفضل أبدا! هذا ما يفكر به؟ هذا حاله؟ لقيادته السيارة لمدة ساعة كاملة وأكثر، وهو يتحامل على جميع آلامه. أوقف السيارة أمام ذلك المنزل الموجود من أمامه. منزل صديق أيامه. هذا الذي بقي له رغم بعدهم الآن عن قبل، ولكن قربهم في البعد أقرب من القرب. هبط "غسان" من السيارة وهو يقف أمام المنزل بإنهاك. اتجه عدة خطوات ثم رفع ذراعه السليمة وهو يدق جرس المنزل بقوة. ثم استند بتعب على الحائط إلى أن يفتح الباب من قبل من فالداخل. دقائق مرت ثم لحظات وهو ينتظر. ذلك الذي اتجه ليتفح الباب له. ففتح الباب أخيرا من قبل صديقه. فنظر من أمامه على الطارق إلى أن وقعت عيناه على ذلك الذي يقف بتعب من أمامه وهو ينتظر. استوعب الأمر "غسان!!" ذلك الثابت من أمامه طوال الوقت ماذا حل عليه الآن وهو يقف الآن ووجهه ملطخا ببعض الدماء. نظر إليه "غسان" وهو يبتسم بضعف ثم نادي عليه بتعب بنبرة ضعيفة: "شـــادي." قالها ومن بعدها انحني ليجلس أرضا لعدم قدرته. فاتجه صديقه يسنده سريعا بلهفة بعد استيعابه للأمر. ورغم ثقل جسد "غسان" إلا أن "شادي" يعتبر في نفس طوله وجسده! تحامل على نفسه والآخر يسنده إلى أن سارا الاثنان معا ببطء إلى الداخل. ثم أغلق الآخر الباب من خلفه بيده الأخرى سريعا. توجه به ثم أجلسه على تلك الأريكة الواسعة حديثة الطراز. فجلس "غسان" عليها بهدوء. ومن أمامه صديقه الذي ينظر له بخوف وهو يحاول أن تخرج منه نبرته سريعا بلهفة: "غسان! مـــالك يا غسـان؟ إيه اللي حصل؟" لم يقو "غسان" على الحديث بل بقى صامتا. من يراه ومن يعرفه جيدا سيرى دموعه المحبوسة جيدا. فعينيه. تفاجأ صديقه من كونه يراه في هذه الحالة لأول مرة. تقدم "شادي" أكثر وهو يربت على ذراعه المكسور فتأوى الٱخر بخفوت. فابتعد هو سريعا ثم أردف وهو يخلعه ردائه الأمامي من ناحية ذراعه فقط ثم قال بصدمة وهو ينظر على ورم ذراعه ولونه الأزرق الداكن: "ده ده شكله مكسور!" أومأ له "غسان" وهو يهز رأسه بالإيجاب. وجرح رأسه ينزف مجددا. فرفع الآخر يده يتحسس ذلك الجرح بلهفة. ثم نهض سريعا إلى الداخل وهو يجلب علبة من الإسعافات الأولية. بحث عنها لدقائق حتى التفت ليرجع مرة أخرى فوجده مسحطا على الفراش غافل الأعين. يبدو أن من أثر قوة جرح رأسه لم يستطع الصمود أكثر من صداع ودوار رأسه. اتجه سريعا له يتحسس نبضه ثم وضع على رأسه منديل قماشيا وقطن معقم. وما أن انتهى دثره جيدا من الغطاء وهو يسطح الأريكة الكترونيا حتى تتسطح أكثر. ثم أغلق الأنوار وهو يتجه سريعا ناحية غرفته يجلب هاتفه وهو يطلب رقم طبيب اعتاد طلبه له في هذه الأوقات عندما يكون بمفرده. فهو يعيش بمفرده في هذا البيت لعمله ولنفسه. فهو يعتبر وحيدا بعدما مات أهله وسافر أشقائه وبقي هو يكون نفسه بنفسه من أموال إرثه. حتى يوصل لما كان يريده. إلى أن أصبح صاحب تلك الشركة الصغيرة التي يحلم إلى الآن بأن تكبر أكثر وأكثر!! انتظر رد الطبيب في ذلك الوقت المتأخر وهو يدق عليه مرة أخرى حتى يعلمه بحالة الآخر بالتفصيل حتى يأت له على الأقل يقوم بخياطة جرح رأسه. أما ذراعه فله أمر آخر!! بدايات الصباح إذن بعض مرور كل ذلك الوقت وأكثر. أتى الصباح محملا بمشاعر عدة مختلطة. أخرى حزينة. أخرى سعيدة شامته. أخرى ضعيفة مكسورة. استيقظ في الصباح في شقة "سمية". هي نفسها وابنتها الكبرى. والذي لم يكن طبيعيا "ياسمين" أيضا. بعد أن استيقظ كل منهم وقاموا بفعل ما يفعلونه في الصباح من الاغتسال والجلوس قليلا حتى الإفاقة!! الآن يجلس كل منهم أمام الآخر بصمت على الأريكة ومن أمامهم الإفطار. نظرت "سمية" لـ "بدر" الصامت من أمامهم ثم تحدثت قائلة ببسمة صغيرة: "عامل ايه دلوقتي يا حبيبي؟ ودلال وحامد كويسين من امبارح ولا أخبارهم ايه؟" أومأ لها وهو يهز رأسه بالإيجاب مبتسما وهو يقول: "الحمد لله. مشكلة وتعدي." التفتت "سمية" تنظر على ابنتيها فوجدت واحدة تطعم صغيرها والأخرى تجلس شارده. نهضت تقف وهي تتجه لـ "ياسمين" ثم جلست بجانبها واحتضنتها على فجأة بسبب ما حدث من كثرة في عقد قرانها. بالطبع ستشعر بأنها ليست صاحبة حظ جيد!! رفعت "ياسمين" يديها تحتضنها هي الأخرى ثم تحدثت قائلة باطمئنان يغلفه المرح: "انت ناويالي على إيه بعد الحضن ده يا سمية؟ هتقتليني؟" ضحكت عليها "والدتها" بخفة ثم ربتت على كتفها قائلة بحب: "الله يصلح حالك يا بنتي ويسعدك يارب." ابتسمت لها "ياسمين" كما ابتسم الآخرين الذين يتابعون. مايحدث ببسمه صغيره ، فتنهدت "ياسمين" ثم نهضت تزامناً مع قولها:




_" هروح أشوف نيروز "




أومأوا لها تزامناً مع اتجاهها حيث غرفة شقيقتها ، دقت الباب عدة دقات ثم دلفت من بعدها مباشرةً تغلق الباب من خلفها مره أخري ، فوجدتها جالسه علي الفراش ، التفتت لها "نيروز" وهي تبتسم لها باتساع ، فتوجهت "ياسمين" لتجلس بجانبها ثم رفعت ذراعها عليها بحركه مرحه وهي تسألها بمراواغه:




_" مش هتروحي الشغل يا حب ؟"




ابتسمت "نيروز" لها ثم رددت قائله بصوت هادئ:




_"لأ مش قادره ، تعبانه وهبطانه من إمبارح"




اعتدلت "ياسمين" سريعاً تنظر لها بتمعن فوجدت عينياها يبدوا أنهما حمرواتان ولكن ليست بشده ، كما أن أنفها أيضاً من النفس اللون الخافت !! ، عقدت "ياسمين" ما بين حاجيبها قائله بتساؤل:




_"كنتى بتعيطى ؟"




هربت بانظارها وهي تومأ لها بالنفي تزامناً مع حركتها وهي تهبط لتتجه ناحية الشرفه حتي فتحتها وهي تتدلف لتقف بها ، تابعتها "ياسمين" لتتحرك من خلفها تقف بجانبها هي أيضاً ، ثم نظرت الآثنتان بشرودٍ من أمامهما ، ولكن هي حركت رأسها إلي حيث شرفه غرفته التي توجد بجانبها وجدتها مغلقه !! ، لاحظت "ياسمين" نظراتها المثبته عليها ، فتنهدت تأخذ أنفاسها ثم خرج منها صوتها وهي تتحدث بثقه :




_" بتحبيـه صح؟"




التفتت سريعاً بمفاجأه تنظر لها ، وسرعان ما تعلثمت وهي تحاول أن تتحدث لتبرر، فقاطعتها "ياسمين" بسرعه وهي تتحدث قائله بهدوءٍ:




_" مينفعش تقولي لأ ، مش هصدقك !!"




تابعت بعقلانيه وهي تلتفت بوجهها لتنظر لها:




_" لو بيحبك هيرجع علشانك"




قالتها ثم توجهت ناحينها تحتضتنها بقوه ، فرفعت "نيروز" يديها تتشبت بها وهي تتحدث بنبره مختنقه:




_" مش عارفه ده حصل إمته وإزاي !!"




تابعت لتتحدث من بعدها وهي تحاول بأن يخرج صوتها من أثر كبت دموعها:





_"بس أنا قولتله ميمشيش و...مشي"




ورغم إستغراب "ياسمين" من حديثها إلي أن تحدثت تجييها قائله وهي تربت علي ظهرها بحنانٍ:




_" أنا متأكده أنه هيرجع ، دا واقع خالص اسكتى انتِ"




خرجت من أحضانها وهي تضحك بخفه ، فواصلت "ياسمين" قائله :




_" تعالي نروح نفطر ، وننزل نشتري هديه حلوه كده عشان وسام عيد ميلادها النهارده، وأهو نروحلها ونهون عليها ، إيه رايك؟؟"




أومأت لها بحماسٍ طفيف دب بها بسبب مواساة شقيقتها ، فابتسمت لها الأخري وهي تشير لها بأن تتبعها إلي الخارج حيث والدتها وشقيقتها ، خرجت لهم ثم ابتسمت ، فبادلتها "والدتها" البسمه ثم قالت:




_"اقعدي افطري يا حبيبتي، ملبستيش ليه عشان الشغل؟!"




_"لا مش قادره أروح ، محتاجه أرتاح شويه"




نظرت لها "ورده" الجالسه بجانبها ثم توجهت ناحية وجنتيها لتقبلها بخفه ، تحت أنظار "بدر". لهن، ولـ "نيروز" الذي أيقن من تعاملها ليلة أمس مع "غسان" بأن بينهم ما يسمي بالحب! الذي جعل الاثنان يقفان في وجه بعضهما يتواجهان بطريقه غير مباشره ، وأيضاً لهفتها ما أن رأت جرحه وشكله التي لم يأخذ أحد بالاً لها بسبب صدمتهم !! ، إبتسم لها "بدر" بخفه ثم تحدث قائلاً بمشاكسه وهو يراها تُقبل من زوجته:




_"يا بختك يا روز ؛ خدتي بوسه عالصبح كده رايقه من غير نكد ولا حاجه "




ضحكوا عليه بخفه ، فعبست ملامح "ورده" كما خجلت أيضاً وهي تردف قائله باستنكارٍ زائف:




_" يعنى أنا نكديه ؟؟




_"أبداً يا روحي دا انتِ ملاكّ انتِ وابنك "




ورغم ما به من حزن علي ما حدث إلا أنه يتوجب عليه التظاهر بالثبات دائماً ،قالها بسخريه مما جعلهم يضحكون بخفه علي حديثـه ، وكل منهم ينظر للٱخر نظرة دفء ، نظره خاليه صافيه من الخبث ، نظره خائفه على الأخر مما يمكن أن يُصيب !!




___________________________________________




كان يجلس في شرفة الصاله يستنشق بعض الهواء النقي وهو يفكر بأمورٍ عده أبرزها حزنه علي ما حل بصديقه دون أن يتفهم الوضع! ، والأخري عدم مواجهة شقيقته علي ما فعلته جيداً ليلة أمس ، كان يتوعد لها حتي ينتهي عقد القران ولكن حدث ما حدث من بعدها ثم انتظر إلي حين مواجهتها ومحاسبتها اليوم !! دموع "ياسمين" ليست هينه بالنسبه له ! ، كما قال لشقيقته ولوالدته إلي ما ينوي فعله بـ "فريده" ، التفت ينظر علي شقيقته التي تقف من خلفه فهي لم تذهب لجامعتها اليوم !! ، ابتسم لها وهو يشير لها بأن تتقدم لتجلس بجانبه تقدمت ثم جلست علي المقعد من أمامه وهي تضع أكواب الشاي من أمامه ، فابتسمت له بحنوٍ ثم أردفت قائله تعطي له كوب المشروب حتي إنتشله بيده :





_" انا فرحانه عشانك أوي يا حازم بجد وعشان البت الهبله ياسمين .."




إبتسم لها بحبٍ فاض من عينيه، ثم تنهد يتحدث قائلاً بهدوءٍ:




_"عقبالكّ يا جميله هتبقي الفرحه اللي قلبي مستنيها ، إني أشوفك مبسوطه وربنا معوضك باللي يحافظ عليكِ ويعوضك عن كل حاجه أياً كان هو مين بس لازم يكون محترم ويصونك إن شاء الله"




شردت بتلك النقطه بعدما ابتسمت له ، أياً كان !! حديثه يطمئنها لكن ماذا إن جاء نصيبها من "عز" ورفض والدها !! هذه وجهة نظر مختلفه ، أشار لها أمام وجهها بيديه ثم تحدث بمرحٍ:




_"إيه يا حجه روحتي فين ؟؟"




خرجت من شردوها ثم تحدثت سريعاً تجيبه :




_"لأ مروحتش ولا حاجه ، كنت بقول العزال بقا هيروح امته شقتكم أصل مش واخده بالي؟"




_"من أول بكره بإذن الله معتش حاجه عالفرح وعلشان نلحق بردو نظبط الدنيا فالشقه !"




أومأت له بهدوءٍ فتركّ هو الكوب وهو ينهض حتي ينفذ ماقاله ، ولكن عقدت هي مابين حاجبيها ثم سألته قائله:




_"انتَ رايح فين الوقتي ، انتَ مش اجازه من الشغل وقافل المكتب؟؟"




_" هعمل اللي كان لازم يتعمل إمبارح ، متشغليش بالك"




نهضت سريعاً من خلقه لتوقفه بعدما عرفت مخذي حديثه ثم صاحت حتي أوقفته مكانه مما جعلت والدتها ننتبه وهي تأتي تقف أمامهم:




_" بلاش ياحازم ، هتطلع خسران ، ومحدش هيقتنع انها غلطانه وأولهم بابا!!"




_"خليكّ يا بني بلاش مشاكل "




قالتها "عايده" بترجي ، ففتح الباب وهو يكمل :




_" دموع ياسمين اللي بقت مراتي ومسئوله مني مش سهله للدرجادي !"




هرولوا خلفه سريعاً بسبب إردافه لتلك الكلمات بحده ، فتوجه هو يدق باب الشقه التي توجد بجانب شقتهم مباشرة ، ووالدته وشقيقته من خلفه بعدما وضعا حجاب رأسيهما سريعاً من علي الأريكه ، دقائق وفُتح لهم الباب بواسطة "زينات" التي يظهر علي وجهها أنها مستيظه للتو بسبب نومها المتأخر ! ، عقدت ما بين حاجبيها باستغراب من أمرهم هم جميعاً أمامها وهو ملامح وجه جامده !! استوعبت سريعا حينما أردف "حازم" يسألها: "بنتك فين؟" نظرت له باستنكار ثم تعمدت تجاهله وهي تترك باب المنزل وهي تتثائب واضعة يديها على فمها، ثم دلفت تجلس بجانب زوجها على مائدة الطعام من جديد. فدلف هو من خلفها ومن خلفه والدته وشقيقته. ثم خرج منه صوته قائلاً بجمود: "ايه مبتسمعيش؟" التفتت تنظر له بحده، بينما طالعه "سليم" بغيظ وهو ينهض من مكانه قائلاً: "هو فيه ايه عالصبح؟" كانت أنظار الجميع مترقبة لما سيحدث. نظر "حازم" إليهم ثم تحدث بتهكم: "لا من ناحية فيه، يبقى فيه. ايه اللي فريدة عملتوه امبارح ده؟ ولا انتوا مش شايفينها غلطانة؟" نظرت له "زينات" بغضب، ثم تصنعت البرود وهي تتحدث قائلة لتفتك بأعصابه: "بقولك ايه بنتي معملتش حاجة، ونايمة. لما تبقي تصحي ابقي تعالي، يلا هوينا!!" لم يستغرب من وقاحتها ولا الآخرون، حتى زوجها لم يتحدث لها بشيء، لم يعير لحديثها انتباه، فتوجه بخطوات سريعة أشبه بالركض ناحية الغرفة وهو يدقها ومن بعدها دلف بها بسرعة، ومن خلفه الآخرون يهرولون من خلفه. توجه ليكشف الغطاء سريعاً، ثم وجد ما لم يتوقعه أحد!! نظر للوسادات بصدمة، ثم وجه أنظاره لهم جميعاً، فوجد على معالم وجوههم الدهشة. ومن ثم سريعاً، توجهت "جميلة" ووالدتها تبحث في المكان، بسبب ما هو ظاهر! لا أحد في الغرفة. وقفت "زينات" وقدميها مثبتة أرضاً، وكذلك "سليم" الغير مستوعب!! جال بخاطر زوجته أنها ليست هنا من ليلة أمس، إذن كونها فتحت الغرفة ووجدتها على نفس الوضع!! تحدث "حازم" بتيه وهو يسألهم: "فريدة فين؟" تحرك "سليم" سريعاً في المكان، وهو يبحث عن أي شيء يدلهم عليهم كما يوجد في قضايا معينة يعلم بها تلك الأشياء. وما أن استوعبت صرخت "زينات" عالياً بولولة وهي تندب حظها، حتى نظر لها "سليم" بحده، ومن ثم تحدث سريعاً بجمود: "بنتك راحت فين؟" نظرت لهم بغضب، ثم صاحت عالياً بغير وعي: "محدش هياخد بنتي ولا هيعمل فيها حاجة غيرهم." أشارت عليهم، فتوجه "حازم" يقف من أمامها وهو يصيح بانفعال: "انت واعية انت بتقولي ايه؟!" كادت أن تجيبه فوجدت زوجها يشير لهم بأنه وجد شيئاً، وما هي سوى ورقة بيضاء من كشكول دراسي! فتحها سريعاً بعد أن توجهوا يقفوا بجانبه. فتحها حتى يقرأ ما بها، فوجد بها ما صدم الجميع من كذبة ابتكرتها حينما كتبت مثلما قال لها "شريف": "غسان اللي قالي أعمل كده، غصب عني." تفاجأ الجميع وحل محل وجوههم الصدمة. هكذا كتبت حتى توقعهم ببعضهم، وللحق ليست هي بل "شريف" الذي كان يعلم منها كل تفاصيل ما يحدث وكل أسرار بيتها التي كانت تخرجها له من شجار شقيقها معه وبالأسباب، ولكن بالصدفة أنه رحل هو أيضاً، فنفس اليوم التي رحلت هي به، فأصبح الأمر مؤكداً بالنسبة لديهم!! هي وهو لا يعلمان برحيل "غسان" ليلة أمس لأنها رحلت من قبله. يبدو أن فرصة ثمينة جاءت لهما على طبق من ذهب. وقعت الورقة من يد "سليم" حينما صاحت "زينات" عالياً بقهر: "إزاي مفكرتش في كده بعد اللي حصل امبارح؟ هو أيوه.. يبقى هو ابن دلال اللي أخد بنتي عشان اللي بينه وبين حسن. هو مفيش غيره اللي بيكره عيالي!" قالتها تحت مفاجأتهم جميعاً، ثم هرولت بملابس منزلها تخرج من باب الشقة سريعاً، وهم من خلفها مباشرة. توجهت بعدما انحنت تأخذ الورقة بيديها وهي تخرج من الغرفة، ثم خرجت من الشقة بأكملها تدق دقات عالية على الشقة التي توجد أمامها. فتح لهم "بسام" بضجر من تلك الدقات العالية، فأمسكته "زينات" بغير وعي من تلابيبه وهي تصرخ به بإنفعال جعل شقة "سمية" تخرج بأكملها: "بنتي فين؟ وديت بنتي فين؟ عملت فيها إيه؟" توجه "حازم" يفصل بينهما سريعاً هو و"بدر" بعدما خرجت بقية عائلة "بسام". ثم صرخ "حازم" بها وهو يبعدها قائلاً: "ده مش غسان مش هو!" سكنت تدريجياً، ثم نظرت لهم جميعاً بحدة، ومن ثم قدمت تلك الورقة لـ "حامد" الذي صدم من الأمر، بعدما فهم ما سمعه من حديث ولده. قدم لها الورقة، ثم نظر لها بحدة وهو يهتف: "عيب اللي بيحصل ده، ابني ملوش علاقة ببنتك، ولا في أي حاجة تربطهم ببعض!" تلك المرة صاح "سليم" عالياً وهو يقول: "لأ فيه! معناه إيه الورقة دي؟ ومعناه إيه أن ابنك يمشي امبارح فجأة بعد ما كانت الدنيا تمام؟ وخناق ابنك مع ابني ده مش كفيل يأكدلنا ده؟" تقدمت "دلال" التي هرولت لتسندها "سمية"، ثم تحدثت بضعف: "سيبوا ابني فحاله. ابني ميعملش كده أبداً، حرام عليكم!" "أيوه أيوه آعملي فيها البريئة، تلاقيقي مطبخاها انت وابنك." قالتها "زينات" وهي تتوجه لها وكأنها ستقوم بضربها. أمسكها "سليم" بحده هو وابنه، تحت نظرات فتيات "سمية" المنصدمة، وخاصة "نيروز" التي تصارعت أفكارها بصدمة! توجه "سليم" بها إلى شقته، ثم وقف على أعتابها متحدثاً بنبرة تحذيرية: "لو بنتي مظهرتش وطلع فعلاً ابنك ليه علاقة بالموضوع، مش هيحصل طيب يا حامد، لا ليك ولا لولادك كلهم!" قالها، ثم دفع زوجته للداخل وهو يصفع الباب بقوة أمام أنظارهم المتفاجئة. توجه "بدر" يسند "دلال" مع "سمية" إلى الداخل. ومن ثم تقدم "حازم" يربت على كتف "بسام" الغير واعي لما يحدث من كثرة صدمته. فالتفت "بسام" ليدلف إلى الداخل، ومن بعدها "حازم" الذي أسند "حامد" الغارق بصدمته ومفاجأته!! حتى أصبح جميعهم في شقة "حامد" من الداخل. هبط من سيارة صديقه أخيراً، بعدما ذهب إلى مشفى قريبة ومن ثم قام بجبس يده ورفع ذراعه الأيسر في حامل ذراعي أسود اللون. خياطة جرح رأسه كانت من الطبيب ليلة أمس حينما جاء إلى المنزل وقام بخياطة رأسه فقط، وهو غافل الأعين في عالم غير عالمنا. هبط بحركة بطيئة، فأوقفه صديقه وهو يهبط، ثم ليتجه له من الناحية الأخرى ليسانده. ابتسم له "غسان" بسخرية، ثم ردد: "مش للدرجادي يا شادي." "يعم اسكت، ده انت مدشمل خالص." ضحك بخفة وهما يسيران معاً، حتى دلفا المنزل بخطوات عادية، إلى أن جلس ومن أمامه صديقه. نظر له صديقه بتعمق، ثم تحدث قائلاً له: مالك يا غسان؟ أنا أول مرة أشوفك بالشكل ده. إيه حصلك يا صاحبي؟ شرد غسان وهو ينظر أمامه ثم تحدث بنبرة هادئة: "بسام صدق تاج يا شادي. أكيد قالتله أي حاجة هبلة عشان يصدقها. حتى ما واجهنيش وقال لي ده حقيقة ولا لأ. كذبني على طول وطلعني في الآخر اللي أذيته!" نظر له شادي بصمت. هو يعرف جيدًا ذلك الموضوع ويتفهم مدى خوف صديقه على أشقائه. فتحدث مرة أخرى ليواسيه: "أكيد هيرجع لعقله والدنيا هتتصلح. ما هو محدش يصدق تاج دي خالص. وأنت خبيت عليه حاجة صعبة جدًا. يمكن هو لحد دلوقتي ما يعرفهاش، فأحسن لما تجيله بالتدريج." خرج صوت غسان منه بتعب. استشفه الآخر وهو ينظر له: "مقدرتش أقول له لحد دلوقتي وأنا واقف قدامه. أنا عندي يعمل فيا اللي عاوزه بس مشوفوش مكسور من تاني أكتر من الأول." أكمل من بعدها بنبرة ضعيفة ولكن ظهرت بحدة من حديثه عندما ذكرها: "أقول له إيه؟ أقول له إن صورها وهي بتخونه اتبعتت لي؟ أقول له إن هي لما قضيتها من وراه قضيتها من كل حاجة وكانت هتستغفله وتلبسه فيها وهو مغفل؟ أقول له إن هي كانت معاه مجرد سد خانة بتضحك عليه وبتستنزف طاقته؟ اللي زي تاج دي مريضة، عاوزة الرجالة حواليها. أقول له كده إزاي؟ أقول له إني رحت هددتها بالصور تمشي وتسيبه وتختفي؟ أقول له إني هددت أبوها وهددتها ووريتلهم الصور ومرضتش أفضحها عشان خاطر أبوها؟ كل ده كان بيحصل من غير ما هو يعرف ولا يحس بحاجة. إيه اللي يخلي واحد يمشي ورا واحدة بالشكل ده؟" قالها مرة واحدة باندفاع. فربت عليه صديقه بهدوء. فرفع غسان أنظاره له متنهدًا بحرارة: "أنا مشيت على عيني يا شادي. لما حسيت إن قلبي اتكسر وكرامتي اتداس عليها. مكنتش عاوز أمشي عشانها. لو كان ينفع أستنى عشانها كنت استنيت!" تفهم شادي الوضع. هو يعلم ما يتحدث عنه الآخر. فهو كان يحدثه في الآونة الأخيرة بمعلومات طفيفة عن شعوره ناحية نيروز. جاءه صوت غسان مرددًا مرة أخرى بشرود: "أنا ملقتش نفسي غير معاها. حتى لو هي مبتعملش حاجة. وهي بتقولي متمشيش عشان بتخاف من الفراق. قرفت من نفسي أوي. حسيت إن بأذيها وباجي على وجعها من غير ما أعمل حاجة!" قالها ثم وضع يده على رأسه عقب انتهائه من إخراج ما به حتى لو لم يكن كاملاً أو بوضوح. فنظر له الآخر بشفقة ثم تحدث قائلاً بمرح حتى يخفف من الجو المشحون: "كل حاجة هتتحل يا صاحبي. ارتاح وأنا هاخد لك إجازة. أهو تلحق تستجم عشان تروق كده وأنت بتفكر في الحب والموب والأسد والدوب بتاعك. وترجع يا غسان على قد ما فرحان إنك معايا زي الأول على قد ما زعلان عشان أنا عارف دلوقتي أمك حالتها عاملة إزاي وأكيد حامد مش هيبقى تمام من غيرك يا صاحبي." "حب وموب!! دي مش بعيد تكرهني بعد اللي عملته وأنا عارف إنه صعب عليها!" صمت ثم أكمل بعقلانية: "هم كويسين طول ما أنا بعيد عنهم دلوقتي!" أومأ له صديقه ثم تحدث من بعدها قائلاً على عجالة: "خليك زي ما أنت كده قبل ما تنام عشان العلاج." قالها ثم اتجه سريعًا إلى الغرفة وهو يجلب علب معينة بيديه وبالأخرى زجاجة مياه. ثم توجه له من بعدها وهو يقف أمامه يقدم له ما بيديه بعدما أخرج له الدواء المحدد. انتشلها غسان من بين يديه ثم تحسس بيديه زجاجة المياه ليتجرع منها ومن الدواء إلى أن انتهى. فنظر له شادي بتفكير وهو يردد: "أطبخ لك بإيدي يا غسان ولا نطلب ونريح دماغنا؟" "بلاش غسان واقفل النور واطلع برا." قالها غسان وهو يمدد على الأريكة بأريحية. فنظر له شادي باستنكار ثم ردد: "بس إحنا في الصالة؟" "أنت عاوز إيه ياض؟ أنا مبقتش مطمن لك." تحدث شادي سريعًا وهو ينفي ما يفكر به قائلاً: "يخرب عقلك الشمال! أنا طالع يعم من هنا. هطبخلك شوية شوربة وفراخ يرموا عضمك المدغدغ ده!" جذب غسان الغطاء وهو يبتسم ثم ردد بخفوت من أثر نومته: "لو هتعرف تعملها زي دلال اعملها!" ضحك صديقه على تبجحه الدائم والذي ينتظره منه منذ أن جاء له منزله من الأساس. يريده بأن يصبح وأن يستعيد طبيعته. يريد له الراحة الدائمة. نظر له بحب صادق من صداقتهم الطويلة وهو يطفئ الإضاءة. يدعو الله له براحة باله وسكينة قلبه. ما أجمل أن يكون لديك صديق كهذا يفرح لفرحك ويحزن لحزنك. قريب رغم بعده. صادق. صافي بعيدًا عن ما أصبح يحدث. يهاب السوء بأن يمسك دائمًا. وأينما حل عليك. حنونًا رغم ما يحدث لكل منهما بحياته. صبورًا في أوقات ضعفك. حزنك. فشلك. سقوطك! تلك هي الصداقة الحقيقية! وقفت لحظتهم جميعًا عندما اجتمعوا بصالة منزل حامد. جلست النساء بجانب دلال وهن يواسونها. ثم جلست الفتيات بجانب وسام. تحدث حامد بحدة وهو يرفع صوته وكأنه يفكر بصوت عالٍ: "يعني إيه اللي بيحصل ده؟ غسان ابني مستحيل يعمل حاجة زي دي." رفعت دلال أنظارها الباكية وهي تولول قائلة بنبرتها من بين بكائها: "ابني معملش كده يا حامد والله ما يعمل كده. اتصل بيه شوفه فين ولا عمل إيه. قوله يرجع عشان يعرفوا إنه معملش كده!" التفت حامد لها بجمود وهو يردد: "أظن ابنك مش غلطان عشان يضطر إن يثبت حاجة أنا متأكد إنه معملهاش. هيرجع يا دلال. هيرجع!!" قالها تحت أنظارهم الحزينة. خاصة نيروز التي تارة تشرُد في الوضع وتارة تفكر أين هو الآن بجروحه!! تنهدت بتعب وهي تأخذ أنفاسها تكتم دموعها وهي تحتضن شقيقته هي!! فخرج صوت بدر وهو يهتف عاليًا: "أكيد غسان ميعملش حاجة زي دي وكلنا عارفين ده حتى حازم. اطمنوا..!" التفت حازم برأسه ثم نظر لهم جميعًا بأسف وهو يتحدث قائلاً بهدوء: "أنا آسف يا جماعة على اللي حصل. أنا متأكد إن غسان ملوش دعوة بالموضوع. وهثبت ده. بس مضطر هستأذن عشان أشوف هعمل إيه في الموضوع ده. بتأسف مرة ثانية يا أم غسان. حقك على راسي يا حج حامد." قالها وهو يشير لهما. فنظرت له دلال بضعف. بينما ابتسم له حامد وهو يردد: "أنت ملكش ذنب يا ابني. الله يعينك ابقى قولنا آخر الأخبار.." مرت دقائق وهو يخرج من باب الشقة بهدوء. بعدما أومأ له. نظر الجالسين إلى بعضهم بقلة حيلة. ومن ثم خرج من غرفته بسام الذي قد دلف بها بعدما حدث ما حدث. هو الآن يخرج وهو يتوجه ناحية باب الشقة ليقوم بفتحه دون النظر إليهم. أوقفته نبرة والدته وهي تتحدث تزامنًا مع مسح دموعها: "ارتاحت كده يا بسام؟ كل اللي بيحصل بسببك يا ابني الله يسامحك. ورطت أخوك في حاجة معملهاش!!" نظر لها حامد بجمود حتى تصمت. وأمام أنظار الجميع الواعية والأخرى التي دب بها بعض الشراسة ولم تكن سوى نيروز التي يمكن أن نقول بأن خصلة شراستها قد تظهر الآن بعدما ربطت الأمور ببعضها. نظرت إليه بحدة من بين دموعها لم يستشفها أحد. ولكن كاد أن يخرج من باب الشقة. فنهضت نيروز على فجأة ثم تحدثت بهدوء في الظاهر ولكن يقتلها من الداخل. ثم رددت عليه ليقتنع بما يتحدثون: "على فكرة غسان كان بيحبك أوي يا دكتور!" ومستحيل يعمل حاجة فيك وحشة أياً كان اللي حصل. كلامه معايا عليك بيظهر قد إيه هو كان بيحبك أوي. قالتها أمام أنظار الجميع الذين تركوها تتحدث بحديثها الصحيح من وجهة نظرهم. نظر لها "حامد" بتعمّق ثم توجه يربت على كتفها بعاطفة أبوية ثم ردّد: "الكلام ده معادش بيأثر يا بنتي. ربنا يهدي كل واحد!" قالها وهو ينظر للآخر بجمود، معلناً مقاطعته حتى يعود شقيقه. وكذلك بقية عائلته. أما "بدر" ففاض به كل ذلك ولكن لا يجب عليه أن يعقد الأمور، فتحدث محاولاً الثبات وهو يتجه يفتح باب الشقة للآخر: "روح يا بسام شغلك واتمنى تفكر في كل اللي اتقال واللي عملته. الموضوع الأول كان بينكم وبين بعضكم بس بسبب كل اللي حصل ده غسان دخل في حوارات تانية خالص مكنش ليها أي حساب. وغيابه بسببك هو اللي بيأكدهم اللي حصل!" كانت ردة فعله صامتة، يبدو أنه سيمرض بالكتمان مرة أخرى بعدما هاج ودمر كل شيء بهستيرية. خرج من الشقة أمام أنظارهم المستنكرة من ردة فعله الباردة ثم أغلق الباب من خلفه. فنهضت "سمية" و"عايدة" التي يجب عليها النهوض سريعاً بسبب زوجها ثم من بعدها الفتيات. فتحدثت "سمية" سريعاً بلباقة: "ربنا يهدي الحال ويصلح الأمور بإذن الله. وانتوا عارفين غسان عاقل وهيرجع. ولو على الموضوع بتاع فريدة فأنا متأكدة إنه برا الموضوع ده خالص وكلنا كده. أكيد سوء تفاهم أو حاجة غلط. الصبر حلو أوي ربنا هيراضينا في الآخر." أومأوا على حديثها. فتحدثت "عايدة" سريعاً بأسف: "سمية معاها حق. هنستأذن إحنا نشوف إيه اللي حصل في الموضوع ده. وهبقى أطل عليكم تاني. عاوزين حاجة؟" أومأوا لها بابتسامة وشكر، ثم بدأوا جميعاً بالخروج من المنزل واحدة تلو الأخرى. ليتوجهوا جميعهم ناحية شقة "زينات" عدا "بدر" الجالس معهم. *** جلس ممسكاً بعظامه ورأسه بتعب، بجانب ذلك الذي سيكون مثله خلال وقت. ولكن بسبب تعاطي "حسن" أكثر من اللازم هذا ما يسبب تأثره بسبب نقص المخدر من جسده. أمسك رأسه بقوة وهو ينظر لـ "آدم" الذي يحاول الاتصال بـ "شريف" الذي أصبح يجلب لهم تلك المخدرات في الآونة الأخيرة. نفخ "آدم" بنفاذ صبر ثم ردّد بانفعال: "مبيردش يا حسن. هنعمل إيه؟" وقف "حسن" ثم انتشل من بين يديه الهاتف وهو يطلب الرقم من جديد ولكن لا رد. دفع الهاتف وهو يقذفه على الفراش بقوة ثم عاد ليجلس بتعب من دوار رأسه، يبدو أنها أعراض الانسحاب فهو منذ أمس ولم يتعاط شيئاً. خرج منه صوته الذي يجاهد بأن يخرج وهو يسأله: "حتى لو شريف رد أنا مش معايا فلوس يا آدم. هنعمل إيه؟ أنا مبقتش قادر!" كان الحديث وكأنه شرارة لانفجار "آدم" بلا سبب. رعشة يديه الملحوظة بدأت تظهر، يبدو أن أعراضه هو الآخر بدأت تظهر. رفع رأسه إلى الأعلى وهو واقف ثم تحدث بصراخ: "متسألنيش هنعمل إيه! مش أنا قولتلك زفت نبطل!" هذه الأعراض من تلك المخدرات التي تؤثر بالجسد والعقل، لا يتوقع لها أي ردة فعل. فعندها إما يكون الإنسان منفعلًا أو يكون باردًا. ولكن يبدو أن انفعال "حسن" بدأ يظهر الآن أكثر من الأول وبسبب صراخ الآخر. توجه "حسن" يمسكه من تلابيبه ثم صرخ به بعنف: "نبطل إيه يا غبي! إنت شايف إحنا عاملين إزاي؟ هنموت!" دفعه "آدم" إلى الخلف وهو يجلس بسبب عدم قدرته على حمل جسده أكثر. قطع حينها لحظتهم دقات الباب العالية. توجه "حسن" ليفتح الباب بخطوات بطيئة. إلى أن فتحه وظهر هو من أمامه. دلف "شريف" بخطوات ثابتة باردة إلى الداخل ومن خلفه "حسن" الغير واعٍ إلا لشيء واحد، هل جلب ما يريده أم ماذا؟ طالع "آدم" بحدة ثم نهض على فجأة وهو يدفعه إلى الخلف ثم أمسكه بقوة وهو يصرخ بانفعال: "إنت مبتردش ليه؟ بتذلنا معاك ليه؟" نفض "شريف" يديه ثم قدم له تلك الأكياس التي مد يده "حسن" ليمسكها سريعاً بغير وعي. ثم تحدث "شريف" من بعدها وهو يعدل من مظهره بثبات: "اللي إنت عملته ده غلط يا آدم وعيب. ماشي." قالها بسخرية ثم واصل يكمل بنبرة ساخرة: "غيرت رقم موبايلي فـ أكيد مش هعرف أرد. أما بقى بالنسبة للي عايزينه فأهو. ومن غير فلوس كمان أصل مزاجي رايق وحبيت أجبلكم هدية في الوقت الصح. أصل آخر مرة جبت فيها كان كتير أوي وبعدها جبت تاني وبعد كده سبتكم تعرفوا قيمتي. شوف يا أخي كام ساعة قلبت حالكم إزاي. براحة شوية مش كده.. الله!" جلس "آدم" بإنهاك على الفراش. ثم مد يده يأخذ تلك الإبر من الأكياس التي قد أخذها "حسن" من قبله ثم حقنها به وهو يشعر بالانتشاء. ابتسم بتشفي على "حسن" الجالس يحقن ما به من هلاك دون وعي. والآخر دقيقة ثم سيفعل مثله. عجباً من هذه المخدرات. وعي بلا وعي. جسد بلا روح. عقل فارغ يمتلئ بها فقط. انسحب هو بهدوء ثم تحدث وهو يخرج من باب المنزل: "عدوا الجمايل ها!" نظروا له من على بعد بأعين زائغة. ومن ثم خرج هو من المنزل غالقا الباب من خلفه. تاركهم كمثل ما يكونا في بداية غيبوبة وتسكين جسدهم وعقلهم من أثر ما حقنوه وفعلوه بأنفسهم. *** "مينفعش نبلغ عن غيابها إلا بعد ٢٤ ساعة. أنا اللي هعرفك يا بابا." قالها "حازم" أمام أنظار الواقفين جميعاً، ناظراً على وجه والده وزوجته التي تجلس بجانبه بمشاعر مختلفة ولكن غيظها وحقدها طغى على خوفها. أحقاً؟ أردفت قائلة بانفعال لهم جميعاً وهي تنظر عليهم واحداً تلو الآخر: "إنتوا بتقولوا إيه؟ بتعملوا إيه وبنتي متغيبة بسبب اللي ميتسماش غسان. إنتوا مش واخدين بالكم من النقطة دي!! بتدوروا عليها وهي اللي قايلة بنفسها إن هو اللي قالها تعمل كده؟" نظر لها الجميع بترقب. فتحدثت "سمية" مداعبة: "أكيد في حاجة غلط يا زينات لأن غسان مستحيل يعمل كده. دا أنا عارفاه من وهو صغير!" أيدها "حازم" والفتيات من نظراتهم. فاندفعت "زينات" تجيبها بانفعال وغيظ: "آه ما إنت لازم تتدافعي عن المحروس عشان صاحبتك وقرايبكم. وبعدين اسكتي إنت. مش بعيد تكوني مطبخاها معاهم." ذهلت الفتيات من تطاولها على "سمية" فنظرت لها "ياسمين" بحدة. بينما صرخت "نيروز" على فجأة وكأنها تخرج ما بداخلها على إثر صراخها العالي ومن ثم تحدثت بصوتها العالي ونبرتها الحادة للأخرى: "إنت بتكلميها كده ليه؟ إحنا مش شغالين عندك عشان تكلمينا كده سامعة؟" فتحت الأفواه من صراخها. كما ذهلوا جميعاً من شراستها الغير معهودة إلا فالقليل. نهض "سليم" على فجأة ثم تحدث بنبرة عالية: "خلاص خلصنا. إحنا مش ناقصين. اسمعوا كويس اللي هقوله ده بالحرف يتنفذ." رفعت "نيروز" نظراتها له بترقب ومن "ياسمين" التي كانت تنظر لزوجة عمها بغضب. ووالدتها التي تقف بجانبها "وردة" التي تتمسك بيديها باطمئنان. و"عايدة" وأولادها بجانبهم. واصل "سليم" بقنبلته قائلاً: "إحنا هندور في كل حتة وهنبلغ عن اختفائها. وبالنسبة لموضوع غسان فأنا كمان مش مقتنع بنسبة بسيطة بس مسيرها هتبان إن كان هو ولا لأ. والعفش بتاع حازم وياسمين هيتنقل بكرة وكأن مفيش حاجة حصلت. كلام الناس مش هنسلم منه لو حد عرف عشان كده لو حد سأل فـ هي في رحلة تبع الكلية. وأمور الفرح هتمشي بلاش الناس تاكل وشنا أكتر من كده." نظر له "حازم" بصدمة كما نظر البعض فقط. فتحدث يعارض والده بقوة وهو يهتف عالياً: "إزاي هيحصل الكلام ده؟ مينفعش!" "اللي قولته هيتنفذ. أنا عارف كويس إيه اللي هيحصل من الناس فبلاش كلام كتير منكم. كله يتوكل على الله يشوف مصالحه. وأمور الفرح والعفش هتمشي زي الأول وإن شاء الله تكون فريدة رجعت وحتى لو حصل العكس محدش هيقدر يوقف حاجة سامعين." كان كقرار قاس جداً ولكنه مرغم على أمره. يحزن لغياب ابنته وكمهنة مثل مهنته يتوجب عليه الحكم في الأمور بالديمقراطية. ولكنها لها رأي آخر حينما صاحت عالياً: "إنت بتقول إيه؟ يعني إيه يفرحوا وبنتي مش عارفة هي فين؟ ولا حتى عارفة هي عايشة ولا جرالها حاجة؟ إنت إيه القرف اللي إنت فيه ده؟ بدل ما يكون عندك دم وتتقهر على بنتك رايح تكمل في فرح ابنك؟" اقترب منها ثم رفع يده يصفعها على وجهها بقوة تحت نظرات البعض المتشفية. اقترب "حازم" سريعاً يفصله عنها، بينما والده شعر بإهانته منها للتو. نظرت لهم جميعاً بكره فاض من نظراتها، ثم أقسمت داخلياً وخارجياً لهم جميعاً بالسوء حينما أردفت: "بتمد إيدك عليا عشانهم؟ أقسم بديني ما هسيب حد فيكم يتهنى على فرحته." قالتها ثم بصقت عليهم من فمها بقليل من الأدب والذوق، ثم تحركت من أمامهم إلى الداخل. تنحنح الجميع من إحراجهم، ثم اتجهت واحدة تلو الأخرى تخرج من باب المنزل. بينما وقف "حازم" ينظر إلى والده بعجز، ثم ردد بخفوت: "ادخل ارتاح يا بابا وأنا هبقى مسؤول عن بلاغ غيابها وهدور عليها بنفسي. متشتالش هم." تردد بأن يتحدث ولكنه رماها على مسامعه أخيراً: "وافتكر إن اللي حصل ده بسببك من أول هروب فريدة المشكوك فيه لحد كلام مراتك دلوقتي. إنت اللي عملت كده فينا كلنا!" نظر له بأسف، ومن ثم توجه ليخرج من باب الشقة متوجهاً إلى الخارج في الأسفل. بينما ذهبت "عايدة" إلى شقتها. ولكن ذهبت الفتيات إلى الأسفل، هن بالأساس كانوا متوجهين نحو الأسفل منذ وقت كبير لشراء هدية، ولكن حدث ما حدث في البداية. شجعت "ياسمين" نيروز والأخرى بأن يهبطن جميعهم معها يكملون ما كانوا يريدون. علاقتهن بـ "فريدة" لم تكن قوية، بل كانت مبنية على الكره بالنسبة لفتيات "سمية". ولكن "جميلة" كانت حزينة شارده على شقيقتها مهما حدث. هبطن للأسفل قبل دقائق بسيطة حيث الخارج قبل خروج "حازم". أما "ورده" فدلفت الشقة مع والدتها. *** "غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني ومهما البعد حيرني ومهما السهد سهرني لا طول بعدك يغيرني ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد عنك" بعد عدة ساعات منذ آخر مرة قد غفا فيها في منزل صديقه، صدحت تلك الكلمات الملحنة من التسجيل الذي قام بتشغيله "غسان" بعد أخذه قيلولة. كان يستمع لها بشرود، كما يعتاد دائماً. دلف عليه صديقه مكان ما يجلس وهو بيديه صينية من الطعام وبجانبه علب معينة من الدواء. ابتسم له برواقة ثم وضع من أمامه الطعام وهو يمازحه بمرواغة غامزاً له بعينيه: "أيوه ياعم.. بعيد عنك حياتي عذاب.." قال آخر حديثه بمرح وهو يدندنها بهدوء. ابتسم له "غسان" فتابع الأخر بلطف: "شوف أحلى ما فيك إنك بتسمع أم كلثوم. تعتبر دي الحاجة اللي عكس كل طباعك." نظر له "غسان" بثقة ثم تحدث بكبرياء وغرور زائف: "عموماً، اللي بيسمع أم كلثوم يبقى إنسان راقي. يعني برا عنك الحوار ده يا بتاع بيبي شارك!!" تنحنح "شادي" بحرج زائف ثم ردد بخفة: "إيه يعني يا عم؟ أنا بحب أغاني الأطفال عادي مفيهاش حاجة محرجة. يعني تعرف إيه إنت عن البندورة الحمرا؟" قالها ومن بعدها ضحك بخفة. فنظر له "غسان" ثم بدأت ضحكاته العالية في الخروج وهو يردد: "الصراحة، وأنا كمان بحبها. من ساعة ما يامن جه!" نظر له "شادي" وهو يبتسم ومن ثم أمسك علبة الدواء وهو يخرج منها الدواء بالتحديد ثم فتح له زجاجة المياه وهو يقدمها له أمام فمه ليجعله يشرب بواسطته. نظر له "غسان" باستنكار ثم ردد بخوف زائف: "شادي! أنا بقيت بخاف منك. هي الوحدة صعبة للدرجادي ياض؟!!" قهقه صديقه بقوة، هو يعلم أنه يمزح. فحرك رأسه بنفي ثم ردد من بين ضحكاته: "الوحدة صعبة أه. خد العلاج بقا يلا. عشان متشكش فيا أكتر." أخذها منه وهو ينظر له بامتنان استشفه الآخر. حتى ربت عليه بخفة. ثم من بعدها نظر "غسان" للصحون وهو يطالعه مرة أخرى بتساؤل. فأومأ له صديقه وهو يتحدث: "أيوه شوربة وفراخ على ما أقسم كده. وعشان تعوض الدم اللي نزل منك. حتى لو مش زي الحجة يعم جاملني. بس عشان تخف!" ابتسم له "غسان" بخفة ثم أبعدها بعيداً عنه قائلاً بإرهاق: "مليش نفس أكل. كمان شوية." "بقولك إيه ياض أنا تعبت وأنا بطبخ الأكل ده. لو مأكلتش منه والله لسيبلكم البيت وهمشي وما هتعرفلي طريق جره." قالها وهو يقوم بتقليد صوته كصوت ناعم مثل النساء. قهقه "غسان" عالياً وهو ينظر على ما فعله. فابتسم له "شادي" أخيراً، كونه يتعامل كما يريده أن يتناسى ما حدث له من شقيقه، هو يعلم أنه انكسر وبقوة. أومأ له "غسان" بقلة حيلة حينما رفع الصحن له ثم قدمه له بين يديه ليبدأ بالفعل بتناول الطعام، الذي اشمأز ما أن وضعه في فمه من أول مرة. كان ينظر له بترقب، فتحدث قائلاً بعشم وهو يبتسم: "إيه رأيك؟ أكيد حلو أنا متعود أطبخ كده بين الوقت والتاني. وأهو ساعة كده وسـ .." قاطعه "غسان" وهو ينظر له باشمئزاز متحدثاً بطريقة عكس ما يردفه: "طعمه حلو!" "طب قولها وإنت بتضحك عشان أصدق. يعني كذاب ومنافق ومضروب ومبطوح!" ضحك "غسان" وهو يحرك رأسه بقلة حيلة منه. ولكنه يعلم جيداً ما يحاول أن يفعله الآخر من تمهيده من جديد. يريده بأن يفكر بعيداً عن ما حدث. خرج من شروده حينما حفزه الآخر بحماس وهو يقول: "بعد ما تخلص أكل، خلينا نطلع نقعد في الجنينة شوية كده في الجو ده." *** "حتى نتخطى الصعاب يجب أن يوجد بجانبنا من يساعدنا على ذلك! بهم يسهل كل شيء! وبهم قد يهون كل شيء! فـ رحلة حياتنا تريد أشخاص لديهم أنفس صافية ويحبون دون مقابل!!" وقف الأربعة أمام شقة "حامد". "نيروز وياسمين وجميلة" وحتى "ورده" التي كانت قد قالت لهم بأن يجلبوا معهم هدية وكأنها من قامت بشرائها بسبب عدم قدرة هبوطها. كانت هي تحمل "يامن". فتح لهن "بدر" الباب الذي ابتسم فور رؤيتهن. بدأن في الدخول، وإلى غرفة "وسام" مباشرة، بعدما ابتسم لها كل من "حامد وزوجته" سريعاً لخطتهم. دقوا عليها الباب حتى نهضت هي سريعاً تفتح لهن الباب. وما أن فتحت الباب تحدثوا قائلين بنبرة واحدة مبهجة: "Happy birthday wesoo" ابتسمت بفرحة طفيفة كونهم تذكروا عيد ميلادها. احتضنتهم بحب، ثم عادت لتجلس وهن بجانبها. تحدثت هي بفرحة رغم ما بها: "بجد مش عارفة أقولكم إيه، شكراً." نظرت لها "ياسمين" بحب، ثم أردفت قائلة تشاكسها: "شكراً إيه يا بت؟ شكراً دي تقوليها للمستر بتاع السنتر، إنما هنا مع بعضينا خطر يا أختي." "كل سنة وإنتوا طيبين يا ويسو." قالتها "نيروز" وهي تبتسم لها، فابتسمت لها باتساع، ثم التفتت تنظر لـ "جميلة" التي تحدثت قائلة: "كل سنة وإنتوا طيبين يا وسام، ربنا يجعلها سنة سعيدة عليكِ يا حبيبتي." نظرت إلى الهدايا والأكياس التي قامت كل واحدة منهن بتقديمها، فابتسمت لهن بحب فاض من عينيها. حتى أنها طالعت "جميلة" بتأثر بسبب ما تفعله وشقيقتها متغيبة. ومن ثم رددت بنبرة متحشرجة: "بجد يا جميلة مش عارفة أقولك إيه في الموقف ده، بس أنا بحبك أوي زيهم والله. وصدقيني غسان ميعملش كده في فريدة أبداً." ابتسمت لها "جميلة" بتأثر هي الأخرى، ثم نهضت لتقوم باحتضانها وهي تردد بنبرة مختنقة: "أنا عارفة يا وسام، متأكدة من غير ما تقولي!" قاطع لحظتهم دقة الباب الواحدة، ومن بعدها دلفت "سمية" بكعكة متوسطة في الحجم، ومن جانبها "حامد" وزوجته. ولكن "عايدة" لم تستطع المجيء بسبب زوجها بالطبع. كل ما يعلمه "سليم" من الأساس أن "جميلة" توجد بشقة "سمية" إن سأل! منعاً للمشاكل الآن! نظرت لهم "وسام" بتأثر، فتحدثت "سمية" بعدما أسندت الكعكة على المكتب، ومن ثم قامت باحتضانها وهي تردد: "كل سنة وإنتوا طيبة يا حبيبتي، وأدي تورته من عمايل إيدي بقا بس عالسريع كده. وورده كانت معايا وأنا بعملها يعني مش مسؤولة لو اتعملت أي كلام بقا!" قالتها بمرح، فأيدتها "وردة" قائلة بغباء: "فعلاً. وعشان كده معرفتش أختار هديتك، فبعت أخواتي يجيبوا نيابة عني وعن بدر." ضحكوا عالياً، خاصة زوجها الذي وضع يده على كتفها بمرح، ثم ردد: "إنتوا بوظتوا الدنيا صح؟" اعتلت ضحكاتهم بخفة على الموقف، فردد "وسام" بشكر: "مش مشكلة أياً كان، أنا مبسوطة أوي بالمفاجأة دي بجد." قالتها، ثم اقترب منها "حامد" يقبل قمة رأسها، ثم قدم لها علبة مغلفة يظهر منها فقط جانب شفاف. أردف ليتحدث بحنو: "كل سنة وإنتوا طيبة يا حبيبة بابا!!" احتضنته بحب كبير، ثم أمسكت منه تلك العلبة على فجأة، ثم نظرت لها بغير تصديق حينما رأت علامة التفاحة من الجانب الشفاف: "ده بجد؟" "أيوه، آيفون قبل الجامعة أهو، ولما تنجحي هجبلك عربية." رددوا جميعاً بدهشة في آن واحد: "عــــربـــيـــه" أومأ لهم بثقة وهو يردد بثبات: "أه، بس لعبة." اعتلت ضحكاتهم جميعاً، ثم ابتسموا بحب حينما اتجهت والدتها تحتضنها بتأثر. فرددت "وسام" بسخرية: "بحبك أوي يا مرات أبويا!" وكزتها "دلال" في كتفيها بمرح، فنظرت لها الأخرى بحب وهي تدقق في عينيها الحمراء من كثرة البكاء، فرددت على فجأة تسألها: "فين هديتي يا ماما؟" "أنا وأبوك جبنالك البتاع التفاحة ده مع بعض، كنا بنحوش عشان تمنه، فخلي عندك دم." ضحكت كما ضحك الآخرين. دقائق وقاموا بتقسيم الكعكة لكل واحد قطعة صغيرة، حتى الصغير الذي خرج مع جدته وجده ومع والده أيضاً. ثم تركوا من جديد الفتيات مع بعضهن مرة أخرى. انتهت "وسام" من تناول قطعتها، ثم رددت بتلذذ: "بجد طنط سمية دي خطيرة والله!" أكملت من بعدها حينما نظروا لها بحب: "أنا مش عارفة أقولكم إيه. رغم كل اللي حصل قدرتوا تشيلوا عني شوية كآبة وزعل. بجد الواحد من هنا ورايح بقا قوي بيكم. ونسيب أمر الكتكوت والبحث عنه ده على جنب." ضحكوا عليها بقوة، هي تمزح من الأساس ليست تنوي حقيقة. وإن جئنا إلى تلك النقطة، فتربيتها لا تسمح لها لتلك التراهات، وأيضاً هي التي أخذت من الحب والحنان ما يكفي من والدها وأشقائها، فأصبح يصعب على شخص التقرب منها أو خداعها! انتهى الأمر بجلستهم معاً في أجواء بعضها مواساة وبعضها بهجة. هن يحاولن بتحسين نفسيتها بسبب دراستها وما يحدث لها من كل تلك العقبات. يمر الأيام بأشخاص هينين يتحملون ما بنا مهما حدث. "ليه صدقت تاج على طول من غير ما تسأل غسان الأول؟" بعد مرور عدة ساعات من الوقت في عيادة الطبيب النفسي، قالها "عاصم" لذلك الذي يجلس من أمامه في عيادته الطبية. نظر "بسام" الجالس بشرود وهو يردف من بين أوجاعه: "مش عارف. أنا معرفتش أواجهه. حسيت إنها الصح. لما وقفنا قصاد بعض مقالش حاجة تشفع له. مقالش غير كلام بايخ من غير تفسير!" "معتبرتهاش ثغرات أو تلميحات منه؟ يمكن عنده حقيقة فعلاً، بس مش عارف يقولهالك. مش قادر مثلاً، أو إنت مدتش له الفرصة." إعتدل "بسام" في جلسته وهو ينظر له باهتمام، ثم ردد: "مش عارف أصدق غير كلام تاج اللي بيثبتلي إنها هي اللي معاها حق. طب هو سكت ليه وهو عارف إنها مشت؟ مقاليش ليه إن هو كان سبب في إنها تسيبني وتمشي وهددها عشان كان بيتقرب منها؟ وأنا كنت طول الفترة اللي فاتت دي بموت كل يوم بسبب مشيها من غير أسباب، ولما كنت بشارك معاه حزني كان بيبقى عادي ولا كأنه عمل حاجة ولا حصل أي حاجة!!" قال أخر حديثه بانفعال، ثم نهض يقف من مكانه. فرفع "عاصم" أنظاره له متحدثاً بعقلانية: "مينفعش نصدق طرف من غير ما نسمع الطرف التاني للأخر، زي ما سمعت الأول لازم تسمع من التاني للآخر برضه. كطبيب نفسي اللي إنت عملته ده هيسبب حاجز بينك وبين غسان. فكرة إنك تفضلها عليه وتصدقها وتسيبه هو من غير ما تديه فرصة يتكلم دي صعبة جداً عليه، ولو قريبين من بعض جداً زي ما بتقول، فإنت اتسببت وبطريقة ما في كسر قلبه. لازم نفكر كويس إحنا بنعمل إيه ونعدل بين أي طرفين. الظلم وحش لأي شخص حتى لو ظالم!" طالعه "بسام" بصمت لم يقو على الحديث أكثر. ابتسم له بتكلفه ثم هرب بعيداً ليخرج من الغرفة وهو يغلق الباب من خلفه ليتوجه أخيراً إلى عمله المسائي. حل المساء في بدايته وهو مازال يجلس على مقعد مريح في الحديقة الصغيرة لدى منزل صديقه. كان يجلس كل منهما مقابلًا للآخر. نظر "غسان" لصديقه الجالس من أمامه وهو يهتف بهدوء: "النهاردة عيد ميلاد وسام." "بجد؟ طب افتح تليفونك وكلمها. إنت عارف وسام متعلقة بيك إزاي." أومأ له "غسان" بهدوء وهو يتحدث بتأييد: "هعمل كده!" قالها وهو يقوم بفتح هاتفه الذي أغلقه فور وصوله لمنزل صديقه. فتحه ومن ثم وجد العديد من الرسائل والمكالمات الكثيرة. انتظر إلى أن يهدأ ويتوقف الهاتف. فنظر له "شادي" بمشاكسة وهو يغمز له قائلاً: "أيوه يا عم المشهور، كل دي رسايل ياض. شوف شوف لتكون من الحب." ابتسم "غسان" بسخرية وهو يتحدث بتهكم: "حب ايه ياخويا، لسه موصلتش للمرحلة دي." ضرب على المنضدة بخفة، ثم ردد بتحدي: "طب افتح الإستوري بتاعها كده!" نظر له "غسان" بحدة من جرأته الزائدة في ذلك الحوار مرددًا بحزم: "متشغلش بالك. نيروز مش زي اللي كنا بنعرفهم أنا وانت. دي كانت هتشنقني عشان مسكت إيدها." إعتلت ضحكات صديقه بخفة، ثم ردد بيقين: "دا إنت وقعت بجد بقا يصاحبي!" قلب عينيه بملل وهو يضع الهاتف على أذنه منتظرًا ردها بفارغ الصبر. ثوانٍ وجاءه ردها اللاهف بشدة حتى ظهر من نبرتها المختنقة، فتابع هو يجيبها بحنو: "كل سنة وانتِ طيبة وغالية على قلبي يا وسام. أنا آسف لو مشيت قبل كل ده. سامحيني." "مسامحتك يا غسان بس ارجع عشان خاطري. إنت مش عارف حالة ماما عاملة إزاي عشانك. لولا العيد ميلاد الصغير بسبب فكرة نيروز وياسمين و.." انتبهت كل حواسه بقوة حينما ذكرت إسمها. فردد بتعلثم يقاطعها: "نيروز؟" "أيوه. إنت فين دلوقتي؟" "طيب يا وسام أنا هقفل الوقتي ومتعرفيش حد إني كلمتك. سلام." قالها ثم أغلق الخط سريعًا بتعب رغما عنه ولم يعطها الفرصة بالحديث أكثر حتى أنها كانت ستتحدث له بآخر الأخبار ولكنه قاطعها سريعًا. طالعه "شادي" بترقب، ثم ردد بخفة يشاكسه حتى يخفف عنه: "مالها نيروز اللي نطقت اسمها زي الحبيب كده؟" رفع "غسان" أنظاره له ثم ردد يجيبه بعفوية: "ما أنا فعلاً بقيت حبيب بسببها ياض. شدتني ليها ببساطتها. بقول لقلبي إشمعنا هي أتاري مفيش تفسير غير إن القلب يعشق كل جميل!!" ضحك "شادي" بخفة حتى امتزجت ضحكاته مع "غسان" وهم يرددون كلمات الأغنية بلحن هادئ بصوت هادئ بطيء في جو يخلو من التفكير في أي شيء للتو وللحظتهم وهما يرددان: "الــــقــلــب ..يـــعـشـق.. كــــل ..جــمــيــل" كانت تقف في شرفتها في المساء وظلامه، بينما هي تسقي الزرع والورد من أمامها بشرود. إلى أن جاءت لزرع النعناع وهي تتذكر مشروبه الخاص. ابتسمت حينما جاء على ذاكرتها للتو ما يحبه. فالتفتت تنظر على الشرفة بترقب تنتظر وبشدة أن يظهر كما يظهر كل مرة ولكن يبدو أن آمالها ستخيب هذه المرة. جلست على المقعد أخيرًا، ثم جلبت ذلك الدفتر تسترجع ذكرياتها منذ زمن. فتحت إحدى الصفحات التي كانت تدون بها كل ما يحدث ولكن ما لم يعرفه سواها أنها كانت تدون تلك الكلمات الذي كان يرسلها لها في خطاباته ثم تقذفه وكأن شيئًا لم يحدث. كانت تفعل ذكريات مثلما كان يقول والدها الراحل. فتحت إحدى الصفحات التي كانت تطويها وهي تبتسم حينما قرأت بخط يديها الطفولي ولكن كان خطها هي وكلماته هو: [مش عارف مش بتردي ليه عليا فكل مرة مع إنك بتفتحي الجواب. ده ريحته حلوه أوي وحاطط عليه ريحة الورد اللي بتحبيها. أقولك على حاجة؟ إنتي بتحبي الورد وأنا بحبك يا رزّة. ردي بقا!!] رزّة!! هذا ما كان يناديها ويدون لها به من لقب كانت لا تحبه في طفولتها ولكن بسبب هدوئها كان يظهر فقط على تعابير وجهها أنها لم تفضله، فكان يشاكسها به دائمًا. فتحت صفحات أخرى من الدفتر الكبير متوجهة لكلمات أخرى: [I love you Nairouz] ابتسمت باتساع وهي تتحسس تلك الكلمات. ثم أغلقت الدفتر وهي تنظر إلى السماء بعدما نهضت. نظرت بحزن إلى السماء ولكن سرعان ما ابتسمت سريعًا حينما قال لها بأن من ينظر إلى السماء يفتقد شخص عزيز عليه. أصبح هو ثاني شخص عزيز تفتقده الآن. حثت نفسها على الثبات ثم تنفست بعمق وهي تنفي ما يقال بأنه فعله مع ابنة عمها. هي تعلم أنها كثيرة العلاقات من الأساس لم تتأثر كثيرًا ما حدث من اتهام ولكن وسواس عقلها يتلاعب بها بين الحين والآخر. ولكنها إن حزنت على ابنة عمها فحزنها على غيابه طغى على ذلك بكثير. ذلك الذي كان جريئًا بعبثه وكلماته. أين هو وأين عبثه وأين كلماته الآن؟ هذا ما فكرت به باستسلام. أفكار وشعور وإحساس توافق مع تشغيله لأغنية قد قام بتشغيلها قبل عدة ساعات ولم تكن سوى كلمات قليلة توصف حالهما. ثلاثة كلمات وحرف. جملة قصيرة تحمل معاني كثيرة قالتها كوكب الشرق. قالتها كوكب أرضه كما يلقبها. ولم تكن سوى 'غــلــبــنــي الــشــوق و غــلــبــنــي'!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...