الفصل 18 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
25
كلمة
9,470
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

"وجود من نحب معنا! فقط هذا يكفي لمرور الأيام!

في شقة "سميه" ظهراً، كانت تقف هي ومن أمامها "بدر" و"ورده" الذين يساعدوها في فرز أشياء وتجهيزات شقة "ياسمين". كان المكان مزدحماً بالأشياء الخاصة بالمطبخ والغرف والأكواب المغلفة وغيرها، وذلك بسبب وصول الشاحنات الكبرى عند أذان العصر. كما كانت "عايده" و"دلال" تساعدانها أيضاً، الاثنتين في جانب آخر غير الذي تعمل به هي وابنتها وزوجها. نظرت "سميه" التي يوجد بيديها منشفه قطنية تقوم بمسح الأشياء، إلى "دلال" التي برغم ما بها جاءت لتساعدهن في تلك المناسبة مهما حدث. صاحت عالياً ببهجة حتى جلبت

أنظار الجميع لها وهي تقول: "عقبال ما نفرح بأولادك يا دلال ونعملهم الحلو كله! ابتسمت لها "دلال" بينما رددت "عايده" بسعادة: "دا يوم المنى والله، ربنا يسعدهم ويفرح قلبهم ويجعلهم سالمين علطول يارب! نظرن لها بإمتنان، بينما تحدثت "ورده" بضجر لصغيرها الممسك بقدميها: "يا حبيبي روح لحازم وياسمين فالبلكونه هناك، سيبني فاللي أنا فيه عشان خاطري." طالعهما "بدر" باستنكار، ثم ذهب ليحمله وهو يدلله قائلاً ليشاكسه:

"متزعلش يا حبيب بابا، ورده وحشه! "بدر انت بتقوله ايه هيكرهني كده." طالعها بحب وهو يردد بمشاكسه جعلت الأخرين يضحكون بخفه: "طب هو. حد يقدر يكره القمر ده بردو، دا حتي عيب فـ حقي، ده انتِ إختياري الحلو اللي فحياتي! خجلت ثم إعتلت ضحكاتها وضحكاته حينما رددت "سميه" قائلة: "شوف الواد، قدام أمها كده عيني عينك! ضحك هو بخفه بينما ضحكت "دلال" ثم قالت للآخرى بضجر زائف:

"الله مش مراته وحبيبة قلبه، آعمل يا حبيبي اللي انت عايزه، ما أصلها وراثه من عمك حامد معذور!! حرك رأسه بقلة حيلة كما فعل الاخرين وهن يضحكن بخفه. ومن ثم توجه بالصغير ناحية الشرفة فوجدهما يحتضنان بعضهما بخفه، يبدو أنها مواساة كل منهم للآخر. تنحنح بصوت عالٍ ثم تحدث قائلاً بحرج زائف: "شكلي. جيت فـ وقت مش مناسب ولا ايه؟ ضحك "حازم" بتبجح، بينما خجلت هي. فتحدث "حازم" قائلاً بجرأة: "مراتي يجدع!

"حقك يا عم، امسك بقا خد يامّن عشان محدش عارف يعمل حاجه منه." أنزل الصغير ليتوجه ناحية "ياسمين" التي حملته، ثم خرج هو من الغرفة وبقيت هي وزوجها والصغير. كانت تدلله بخفه وهي تنظر له بحب. رفعت أنظارها له من صمته فوجدته يحدجهما بحنو. فنظرت له بابتسامه ثم رددت بهدوء ممازحة: "لايق عليا أبقى أم يا أبو الحزايم ولا إيه؟ ابتسم له بحب ثم مال ليطبع قبله على خد الصغير قائلاً: "طبعا لايق، وأحلي أم كمان."

ابتسمت له باتساع بينما عاد شارداً مرة أخرى. فاعتدلت في حملها للصغير ثم انحنت لتحثه على الجلوس على المقعد. ومن ثم اعتدلت مرة أخرى وهي تتنهد بعمق ثم قالت:

"مش عارفه أقولك ايه يا حازم بسبب اللي إحنا بنعمله ومش متوافق مع. اللي بيحصل ده، بس أكيد هتعدي وكل حاجه هتبقي تمام. أنا عارفه إن مهما حصل منها ليك متقدرش تكرهها ولا حتي جميله. يمكن أكون مش متأثره أوي بسبب اللي حصل ده وممكن يكون غصب عني احساسي ده سواء أنا أو روز، بس انت كنت شايف المعامله كانت إزاي مكناش بناخد منها غير الكره بس. حتى حسن مكنش طول الوقت بيكرهنا أوي كده زيها بسبب إنه عاوز يقرب من روز. بس مش عارفه، مش عارفه أقولك ايه والمفروض ده يتقال ولا لأ أصلا."

رفع يديه يربت على كتفها بحنو ثم تابع بنبرة هادئة متفهمة:

"أنا مقدر يا ياسمين كل شعورك تجاهها انتِ ونيروز. بس أنا مبقتش عارف المفروض أعمل ايه. وعدت نفسي إن مهما حصل هفرح ومش هسيب فرصه لأي حزن يعكر من وقت الفرحه القليله دي. بس جه الموضوع ده. أنا قعدت إمبارح أعدي على كل مستشفى قريبه أو مكان عام واديت أرقامي ليهم عشان لو حصل جديد بس مش حاسس بكده. مش حاسس إنها ممكن تكون ماشيه غصب عنها. وإن غسان قالها كده. مش مقنعه. هو شافها إمته ولا اتعامل معاها فين. وغسان مش جبان عشان يعمل

حاجه أو ياخد حقه من حد ويستخبي. دا أكتر شخص ممكن يخاف على حرمة البيت. وكمان فريده. فريده مش بالسهولة دي إنها تنفذ حاجه اتقالت ليها علطول. مش قادر أقولها بس بيجي على بالي دايما إنها مشت بسبب حاجه تانيه غير متوقعه. أنا عارف إنها مهما عملت هفضل أخاف عليها وعارف بردو إنها لو جميله قلبي كان هيوجعني أكتر من كده. الإتنين اخواتي والفرق اللي حاصل بينهم ده ملخبطني مع إنه غصب عني!

كانت تنصت له بتمعن. تنفست عقب أن انتهى بتأثر ثم مدت يديها تضعها على يديه بهدوء وهي تردد باطمئنان: "حاسه إن كل ده هيعدي ما دام احنا مع بعض. عمري ما هسيبك ولا هتخلي عنك فوقت شدتك. وانت أخ حلو أوي. مش عارفه الناس اللي عندها أخ زيك عايشين ازاي معانا كده وبيتنفسوا عادي! ضحك بخفه على مرحها، فابتسمت له بحب ثم تحدثت مرة أخرى:

"كنت بتمني يكون عندي أخ كده يخاف عليا بقا ويضربني وينصحني وبتاع. وكنت بتدايق من الموضوع ده أوي. لحد ما فـ مره بابا قالي جمله لسه محفوره جوايا. قالي انتِ أجمل البنات بس انتِ الولد اللي لو كان نفسي اجيبه هيبقي انتِ. خلي بالك من إخواتك من بعدي."

مش عارفه بقا بس وأنا من بعدها عينك ما تشوف إلا النور. رجولة وشهامة تلاقي، خوف على إخواتي تلاقي. وبصراحة كده كل ما بشوف زينات وهي بتحاول تمحي شخصية إخواتي أو ماما، صوت بابا بيتردد في وداني علطول. فبقوم قايمة مرة واحدة وعينك ما تشوف ألا النور بردو. طالعها بصمت وهي تتحدث بإندماج. وما أن انتهت هي، تحدث يجيبها قائلاً من بين ضحكاته الهادئة:

"مبغلطش في كل مرة لما بقول إنك قادرة تخلي كل حاجة صعبة أسهل من السهولة. وجودك جنبي بيهون عليا كل مر! رفعت يديها تعدل من مظهرها ثم تحدثت بغرور زائف وهي تجلس بجانب الصغير وهو يلعب بالهاتف لديها. بينما طالعته بتعالي وهي تردد بمرح: "أي خدمة يا متر. إحنا مش أي حد برده!

نهض من نومته منذ وقت حينما وجد صديقه ذهب إلى عمله مبكراً. جلس على مصلية "سجادة الصلاة" ليقوم بأداء فرضه الذي تأخر عنه بسبب غيابه في نومه. بينما لم يوقظه الآخر. نهض وهو يتحامل على نفسه مستنداً على المقعد الذي يوجد بجانبه بذراع واحد فقط، بسبب عدم نهوضه طبيعياً. طوى السجادة ومن ثم وضعها على المقعد. كاد أن يستمر في سيره للخارج ولكن قاطع سيره وجود صينية من الطعام. يبدو أن الآخر قد فعلها لإفطاره. ومن جانبها علبة الدواء وزجاجة المياه. ابتسم وهو يتوجه ليأخذ علبة الدواء ومن ثم التفت ليتوجه ناحية البراد ليأخذ زجاجة مياه مثلجة كما يحب. زجاجة مياه مثلجة مع دواء. ما هذا العبث؟

توجه ناحية الباب مرة أخرى ليخرج ببنطاله الرياضي وملابسه المريحة إلى الخارج حيث الحديقة الصغيرة. جلس على إحدى المقاعد وهو يتناول دوائه ممسكاً بزجاجة المياه يتجرع منها. لاحظ لأول مرة تلك الورود القليلة مع زرعة النعناع التي توجد على بعد منه. نهض يأخذ الدورق وهو يسقيهم ببطء متذكراً زرعها وسقيها له عندما كانت تقف بالشرفة. التفت بحركة بطيئة ليرى السيارة وهي تدخل من البوابة الخشبية المفتوحة دائماً. التفت مرة أخرى يكمل ما يفعله عندما وجد صديقه يهبط من سيارته. دقائق وتوجه "شادي" بملابس عمله يقف خلفه وهو يحمل الأكياس بإنهاك. ثم هتف بصوت عالٍ يمازحه

عندما التفت الآخر له: "إنت كده هتقطع عليا. يعني تبقي الهدوم هدومي وحلوة عليك إنت! ضحك "غسان" عالياً ثم قلب عينيه بغرور وهو يتوجه ليجلس أمامه قائلاً له: "عشان أنا كاريزما. إنت زيرو كاريزما! توجه ليجلس وهو يبتسم قائلاً له بمرح: "مقبولة منك يا غس. فطرت؟ "بلاش غس. لسه مفطرتش. كنت بسقي الزرع! طالعه الآخر بهدوء. ومن ثم نهض ليشير له بأن يأتي معه إلى الداخل وهو يحمل الأكياس بذراعيه ثم قال باستفزاز:

"شايف أنا شايل الأكياس بإيدي الاتنين إزاي. تعرف تعمل كده؟ نظر له "غسان" بتحدي وهو يتوجه ناحيته ثم هتف بثبات: "لأ بإيد واحدة أشيل وأعمل حاجات تانية." عقد مابين حاجبيه باستغراب وهو يتساءل: "زي إيه يعني يا مكسور؟ سرعان ما فاجأه "غسان" بلكمة في وجهه حتى تراجع إلى الخلف خطوة واحدة وهو يتأوى. ابتسم له "غسان" بتشفي ثم انحنى لينتشل الأكياس من على الأرض وهو ينهض مرة أخرى قائلاً له بنبرة ضاحكة:

"تعالى بقي ورايا وشيل الكيس اللي على الأرض ده عشان مش عارف أشيله. دراعي مكسور وكده! تأوى الآخر وهو ينظر في أثره بغيظ. ثم انحنى هو الآخر ليتوجه ناحيته ومن خلفه. حتى وصلا إلى المطبخ بعد لحظات. تنهد "شادي" بعمق وهو يتحدث وكأن شيئاً لم يكن واضعاً يده بألم على مكان ضربة صديقه: "بقولك إيه." التفت "غسان" ينظر له والآخر يضع بعض الأشياء في الثلاجة وكذلك هو يساعده. نظر الآخر له فوجد "غسان" ينتظر ما سيقوله. فأردف

يكمل ما بدأه بعقلانية: "حاسس إنك لازم تعرف أبوك أو أمك إنك تمام وكويس وعندي وتبقى ترجع براحتك يا سيدي أو مترجعش. المهم يعني يعرفوا إنك بخير." التفت "غسان" مرة أخرى يضع ما بيديه ثم خرج صوته ليقول: "إعملي لمون بالنعناع! نظر له "شادي" بتعمن. وهو ينظر له يتجاهل حديثه فتوجه "غسان" يخرج من المطبخ إلى الصالة ثم جلس على الأريكة تزامناً مع رده: "إنت عاوز إيه من الآخر يا شادي؟ إتجه الآخر خلفه. ثم تقدم ليجلس بجانبه قائلاً

بهدوء: "عاوزك مرتاح. وأهلك كمان يبقوا مرتاحين. وعاوز أقولك إنك زي ما اتأذيت بتأذي غيرك. خوف أمك وأبوك وإخواتك عليك. وإنك سبت نيروز زي ما بتقول. كل ده؟ مش أذى؟ وضع "غسان" يده على رأسه بتعب. ثم رفع أنظاره ليواجه الآخر قائلاً له:

"أنا هلاقيها منك إنت كمان يا شادي. وبعدين بسام هيخاف عليا ليه بعد ما شافني قذر زي ما بيقول عني. وأنا أه بحب نيروز بس حاسس إني مش عارف ولا قادر إني أقف قصادها زي الأول بعد ما شافتني في أضعف أوقاتي! ولا قادر أقف قصاد بسام من تاني. إنت مش فاهم ولا حاسس باللي أنا بحسه واللي حسيته. عاوز إيه من حد بان بأوحش صورة في وقت ما كان هو اللي مضحي وخايف!

"يا غسان هو ميعرفش إنت عملت كده ليه بالظبط. الواحد لما يحس إنه اترفض واتساب بيقعد فترة مش حابب نفسه ولا واثق فيها ولا فاللي حواليه. لما يحس إنه قليل دي أوحش حاجة ممكن حد يحس بيها. ولما يسكت وينفجر مرة واحدة فده تعب. حتى لو مستحمل اللي حصل حاسس إنك محتاج تستحمل وتقدر أكتر. عارف إنك مقدر وده ضغط عليك. بس ده بسام يا صاحبي بسام اللي إنت طول عمرك كنت بتحميه من وهو صغير من ضرب العيال ومن كل حاجة. بسام توأمك اللي لو حد

اتعور التاني بيحس إنه هو اللي اتعور ونزف مش هو بس. وهو اتجرح ولحد الوقتي الجرح مفتوح. عارف إنك حسيت بيه بس عمرك ما هتكون في مكانه. لأن محدش بيحس بالحاجة إلا اللي جربها. ولو قولت الهبل اللي إحنا كنا بنعمله أنا وإنت مع البنات زمان ده فده ميجيش حاجة جنب شعور أخوك. بسام حب بجد وبضمير أوي. وعلى قد ما حب فـ هو لسه بيتأذى. هروبك اللي بمزاجك ده مش حل. عشان لو فيه فجوة بالفعل حصلت فالبعد بيكبرها يا صاحبي. وحتى لو إنت مش قادر

ولا عارف تواجه حد استنى وإقعد شوية بعيد عنهم بس مش كتير. بسام مسيرة هيقف قدامك أو قدام غيرك وهيعرف الحقيقة. ونيروز اللي إنت سبتها وإنت عارف إنها بتبادلك نفس الشعور. مش هتفضل كتير تستناك وتحبك وتثق إنك هترجع. الإحساس لما بيتبدل مش حلو. خليك عارف إن كل واحد وليه طاقة. ولما طاقتك خلصت فمرة واحدة مشيت وسيبتهم كلهم."

أما أمك وأبوك طاقتهم عمرها ما هتخلص من نحيتك. واختك مش هتغفرلك كتير مشيك في وقت هي محتجاك فيه. ونيروز مش هتستني بكل حب وثقة كتير. مش هتمل، اللي بيحب مبيملش. بس الثقة لو قلت صعب تاني تتملي يا صاحبي. كان ينصت له بدقة. وعقب ما انتهى تنفس بصوت مسموع، يخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره. ثم تنهد وهو يتحدث قائلاً بمشاعر مختلفة: "حطيت نفسك مكانهم كلهم وسيبتني. يعني أنا مبسوط إني مشيت وسيبت أهلي اللي بخاف عليهم أكتر من نفسي؟

ولا مبسوط إني مشيت وسيبت الإنسانه اللي حبيتها واللي حسيت بالراحة معاها لأول مرة؟ عارف إني كده كده هرجع، بس محتاج وقت. عاوز آخد وقتي زي ما كل واحد بياخد وقته براحته. أنا مش عارف أنسى أي كلمة قالها بسام، ولا حتى عارف أتخطى نظرة عينها وهي بتقولي متمشيش. أنا مش مبسوط بكل ده يا شادي ونفسي أرجع، بس نفسي وكرامتي أهم ما عندي. لما أحس بالرضا هرجع من غير ما أتردد لحظة!

رفع الآخر يديه يربت على ذراع الآخر. ولم يكن سوى ذراعه المكسور. نفض غسان يد الآخر وهو يبعدها بخفة. فاعتلت ضحكات صديقه ثم قال من بينها: "متزقش يا عم مكنش قصدي. روق كده. هروح أجيب الغدا اللي طلبته من الأكياس اللي مدخلتش التلاجة ونتغدى. وبعدها نعمل أحلى كوبايتين لمون بالنعناع ونخرج شوية نتمشى." ***

خرجت من عملها منذ مدة قصيرة ولكنها ظلت تنتظرها لفترة في مكان معين عندما تخرج من جامعتها. وقفت نيروز أمام كورنيش البحر في مكان عام مشهور. لذلك كان هو ذلك المكان التي قالت لجميلة بأنها ستنتظرها هناك. لا تعلم هي كيف مر الوقت وكيف مرت ساعات عملها عليها. من دونه؟ كم كانت مملة؟ بطيئة؟

في مثل هذا الوقت كان سيقف معها ويشاركها وقفتها تلك المطلة على أمواج البحر. ترددت أكثر من مرة وهي تصارع نفسها في أن تكتب له رسالة. كل منهم لديه رقم الآخر بسبب طبيعة العمل ولكن دون محادثة. هو لم يبدأ بسبب ما تضعه من حدود وهي لن تبدأ بسبب وعدها التي قطعته. أخذها عقلها لابنة عمها وما فعلته. شردت لدقائق في أسباب هروبها التي لا تستطيع تحديد أي واحدة منهم، فهم كثرة بالنسبة لها. انتفضت سريعاً بهلع عندما وضع على كتفها من الخلف يد شخص. التفتت بسرعة وهي تنظر بخوف فوجدتها أمامها تنظر لها بابتسامة صغيرة. تنفست بعمق وهي تتوجه لتجلس على الاستراحة تزامناً

مع قولها: "حرام عليك يا جميلة. مش ممكن كنتِ تتكلمي الأول. حسرتيني." توجهت الأخرى لتجلس بجانبها ثم نظرت لها وهي تلتفت لتجيبها باستنكار: "ما انتِ اللي كنتِ سرحانة. واخد عقلك صح؟ التفتت نيروز تنظر لها بصمت. فجميلة قد لاحظت ما فعله غسان يوم عقد قران شقيقة الأولى. خرج صوت نيروز سريعاً بتبرير: "انتِ فاهمة إيه يا جميلة بس.." "يا حبيبة جميلة انتوا مقفوشين أصلاً. أراهنك إن ما كل العيلة عارفة!

وبعدين بصراحة غسان بجح أوي ولا مش فاكرة يوم كتب كتاب ياسمين؟ نظرت لها بصمت وسرعان ما اندفعت قائلة بشراسة طفيفة كأخذ حق بمرح: "طب وعز يا چيچي. ده انتوا مفضوحين جداً. أوي بصراحة." تلعثمت الأخرى في نظراتها وحتى حديثها حينما أردفت قائلة بتوتر: "انتِ بتقولي أي كلام علفكرة." "كده واحد واحد. وبعدين حرب النظرات اللي بينك وبينه دي مقفوشة." تنهدت جميلة بشرود ثم نظرت من أمامها وهي تتحدث قائلة بخيبة:

"مش عارفة أقولك أه أو لأ. منكرش إن في إعجاب حصل غصب عني. وهو باهتمامه وكلامه اللطيف معايا حتى لو قليل قدر يخليني أنتبه ليه. عارفة إنه ممكن يكون قد خطوة الجواز لأن فرح كانت بتلف وتدور قبل كده واحنا بنتكلم بس بابا مش هيوافق. وأخاف تيجي اللحظة دي ويرفضه عشان لو اتقهرت ساعتها هحس إني حبيته وأنا مش عارفة الوقتي أنا بحبه ولا لسه!

"عارفة. أصعب حاجة إن الواحد ميعرفش ولا يقدر يحدد مشاعره. ولما تيجي خلاص تعرفي إنك حددتيها. بيبقى في الوقت الغلط والصعب. هو الحب بيلخبط الواحد كده؟ قالتها بمرح. فضحكت جميلة بخفة وهي تنظر لها قائلة بمراوغة:

"هو يلخبط فعلاً. لو بتحبي واحد زي غسان. على قد ما أنا مستغربة إزاي وبالسرعة دي بنتكلم في كده. بس لو حطيت نفسي مكانك وكنت حددت مشاعري هزعل أوي بسبب اللي حصل. عشان كده عارفة انتِ ممكن تحسي بإيه وحاسة إنك بتحاولي يعني تكوني تمام قدام الأنظار وانتِ زعلانه. مستغربة أوي من كده بس اتأكدت إنك وقعتي ومحدش سمي عليكِ."

"أنا مش عارفة المفروض أعمل إيه. وأول مرة أحس بالحاجات دي وحاسة إني متلخبطة أوي. ومنتظرة حاجات كتير وخايفة من حاجات أكتر. بس المهم دلوقتي انتِ يا جميلة والقعدة دي عشانك. عارفة إنك زعلانه عشان فريدة بس مش عارفة تتكلمي. علفكرة انتِ جميلة أوي يا جميلة برغم كل اللي حصل ده." قالتها وهي تواسيها لتجعلها تخرج ما بقلبها. ابتسمت جميلة بتفهم لما تفعله رفيقة دربها. فتنفست بعمق وهي تهتف:

"أنا كويسة جداً. بقيت أشتري راحتي ودماغي وكمان هبدأ في خطوة الدكتور النفسي اللي قولتيلي عليه قريب. بس هو جه موضوع فريدة ده وحاسة بحاجة معكرة مزاجي. برغم من مشيها من البيت اللي أنا عاجزة عن تفسيره بس زعلانه عليها. على طول بتعاطف معاها حتى لو عملت إيه فيا. عارفة إن علاقتي بـ حسن مش أوي بس فريدة كانت على الأقل بتكلمني وبتاخد مني هدومي وساعات بحس إنها عاوزة اللي يفهمها ويقدر مشاعرها وتقعد تحكي معاه. بس دايماً حاطة قدامها

حاجز مامتها اللي بتفكرها بيه دايماً. مامتها مش بتحبنا ودايماً عاوزاهم يكرهونا. متأكدة لو ده مكنش بيحصل كنا هنبقى أقرب اتنين لبعض. هي أخذت حاجات أنا مخدتهاش بس معاملة بابا هي الحاجة الوحيدة اللي بتجمع بين ألمنا. حتى لو مامتها بتدافع عنها ساعات بس أنا كنت بحس بيها أوي وهي أكيد كانت عارفة أنا بحس بإيه!!

رفعت ذراعها تربت عليها بحنان عندما انتهت من حديثها ومن ثم نهضت وهي تمسك يديها لتنهض خلفها متحدثة بهدوء تقترح: "تعالي أشربك لمون بالنعناع ونروح عشان قربوا ينقلوا الحاجة خلاص." ابتسمت لها الأخرى ولكن نيروز خرجت منها بسمة بغير وعي وهي تنظر لما قالته بغير تصديق في نفسها. مهلاً! هذه كلماته! واقتراحاته! ومشروبه المفضل!! نهضت جميلة وهي تبتسم بهدوء وسرعان ما استوعبت ما قالته الأخرى قائلة بتساؤل: "لمون بالنعناع!!

بس انتِ مش بتحبيه يا روز وأنا يعني مدوقتوش قبل كده كتير بصراحة. ما تيجي نجيب جوافة إيه رأيك؟ قالتها باقتراح وتفكير فسحبتها الأخرى خلفها وهي تردد بنبرة لا تحمل النقاش: "ده الليمون بالنعناع ده تحفة. حاجة كده سكرة هتحبيها لما تجربيها أكتر من مرة." صمتت تتابع ملامح وجهها فحينما وجدتها مترددة واصلت تكمل بضغط وهي تسحبها حتى سارت بجانبها: "اسمعي بس ده جميل أوي. تعالي.. تعالي.." ***

بعد مرور وقت في شقة زينات كانت تجلس بغرفتها على فراشها. فمنذ ما حدث أمس وهي تتجنب زوجها بسبب صفعها أمام الجميع. رفعت يديها تمسح دموع عينيها سريعاً عندما دلف عليها الغرفة ثم توجه ليجلس بجانبها. دارت وجهها عنه وهي تتمسك بهاتفها مرة أخرى لتبدأ في الدق مرة أخرى على ولدها فمنذ ما حدث وهي تطلبه ولكن لارد!!

حتى أنها تدق على هاتف صديقه هو الآخر. قذفت الهاتف سريعاً بغصب دفين ثم نظرت له بحدة وهو يجلس بجانبها وكأن فاض بها الكيل حتى تحدثت قائلة بانفعال على فجأة: "عجبك اللي حصل واللي بيحصل ده! قللت من شكلي قدامهم، خليك عارف إني مش هسكت! التفت ينظر لها بملامح وجه خالية من التعابير، ولكن ظهر البرود في نبرته حينما ردد:

"وانتِ اللي مقللتيش مني ومن منظري لما قولتي كلامك ده. عدي يومك يا زينات وفكري الوقتي فـ بنتك اللي المفروض مسئوليتها منك مش تكون مش هنا أصلاً. وانتِ هنا ولا دارية بحاجة! "أعدي يومي وبنتي مش فيه؟ لأ وكمان هم رايحين يفرحوا أهم وانتَ عاوزني أفرح غصب عني؟ وأشوفهم وهم مبسوطين وأجي على نفسي عشان خاطرهم؟ انتَ مش بني آدم طبيعي. وإن كنت جاي عشان تقولي انزل معاهم فـ أنا مش راحة فمكان! نهض علي فجأة بإندفاع ثم نظر

لها بحدة وهو يهتف بجمود: "براحتك يا زينات. بس خليكِ فاكرة إن بكرة الجمعة يعني هم كلهم جايين هنا عندك. عشان بقالهم كتير مجوش بسبب كل مرة يحصل حاجة. يعني إن مروحتيش هم اللي جايينلك. وابقي شوفي بقا هتعملي إيه!!

كان بإمكانها أن تصرخ وأن تغضب أن تفعل ما يجب فعله. ولكنها سكنت تماماً. وفي عقلها ما تنوي أن تفعله لهم. حسناً. قد جاءتها الفرصة الآن والتي تفكر بها منذ فترة. كان ينتظر ردها. فرفعت هي أنظارها ثم رمت له بقنبلتها الغير معتادة قائلة ببسمة خبيثة: "ومالو. ييجو فـ أي وقت."

نظر لها بتمعن ولم ينتظر لحظات. حتى رحل من أمامها خارج الغرفة. أما هي فجلست مرة أخرى وهي تبتسم بخبث. حقد طغى على عاطفة أمومتها. كل ما يجول بخاطرها الأذية فقط. جذبت الهاتف مرة أخرى لخط آخر تنوي لها منذ ما حدث من هروب ابنتها. تريد أن تهيج دماء ولدها حتى يفتعل المشاكل. ولكن أين هو الآن؟ تحاول الوصول له بأي طريقة ولكن لا رد أيضاً! ***

مر الوقت منذ خروجهما معاً. وبعد أن شربت المشروب الخاص به هو. لم يمر سوى القليل ومن ثم عادت الاثنتان إلى المنزل. وها هما في شقة "سمية" الآن ومن أمامهم الجميع. وبجانبهم الحقائب والأشياء الخاصة بشقة "حازم".

كان "حازم" بالأسفل. هو و"بدر" وبعض من الشباب التي تربطهم صداقة بـ "حازم". كان باب شقتها مفتوحاً على آخره. خرجت "دلال" من المطبخ وهي تحمل العديد من الأكواب من العصير على صينية كبيرة. ثم وضعتها على منضدة صغيرة بجانب باب الشقة. كان الشباب يحملون الأشياء من الأعلى إلى الأسفل شيئاً فشئ. حتى "بدر" كذلك. و "حامد". لم تستطع "ياسمين" كبت زغروتتها بسبب ما يحدث من بهجة. حتى علت في المكان واحدة بواسطتها. ولسوء الحظ لم تكن متواجدة "وسام" لتساعدها فقد كانت في دروسها. اتجهت "سمية" سريعاً تقف بجانب بناتها. ثم نظرت لـ "ياسمين"

وهي توكزها قائلة: "اتلمي يا بت مش قولنا بلاش هيصة كبيرة! ضحكت "ياسمين" عالياً. ثم مالت عليها قائلة بخفوت: "بقولك إيه يا سمية؟ دا فرحي وأعمل اللي أنا عايزاه. ومش هو قال إفرحوا وكأن مفيش حاجة حصلت؟ من عيني ومن كبدي بس كده!! صمتت ثم استقامت مرة أخرى تهتف عالياً ببهجة تكمل ما كانت تتحدث به: "علّوا بقا الأغاني دي. نشوف كده بتقول إيه!!

كانت تنظر لـ "جميلة". التي ترددت في أخذ تلك الخطوة أمام أنظار النساء القلة. ترقبت "نيروز" الوضع ومن ثم اتجهت سريعاً لتجعل صوت الأغاني يعلو في المكان ببهجة. كانت حركة جريئة منهما. اندمج كل منهم بما يفعله الآخر لوقت وصوت الأغاني يملأ المكان. وكل من كان يصعد من الشباب يتراقص على تلك الأغاني للحظات. ثم يعود كل منهم لحمل الأشياء مرة أخرى. بالطبع كان "سليم" يسمع كل ذلك وهو في الأسفل مع ولده والأخر أمام الشاحنات الكبرى التي ستوصل ما يخصهم أمام العمارة التي ستسكن بها "ياسمين". ولم تكن سوى عدة شوارع لتوصلهم إليها نظراً لقرب المكان فقط. حتى أن طابق شقة ملكها منذ فترة كانت في الطابق الثاني مباشرة!!

وبعد أن لاحظوا أن قل عدد الشباب الذين يصعدوا لجلب الأشياء أو بالأحرى قد هبط كل ما يخصها. توجهت "ياسمين" تمسك بيد شقيقتها و"جميلة" حتى يتراقصوا على الأغاني الحماسية. وكل من النساء تضحك عليهن بقوة. حتى أن "ياسمين" قامت بمسك يد والدتها للتراقص معها. وكذلك "جميلة" مع "عايدة". و"نيروز" مع "دلال". دقائق وتمر ما زالوا يتراقصون على الأغاني الصادحة. وقفت لحظتهم عند صعود الرجال. وهم ينظرون من باب الشقة بمفاجأة. توقفت "نيروز"

بسبب إحراجها وكذلك "جميلة" ووالدتها. أما "ياسمين" فتعمدت تجاهلهم. كان قد رحل مع الشاحنات "سليم" الذي أخذ المفتاح من ولده. ولكن "حازم" و"بدر" ظلا حتى تذهب النساء معه في سيارته لتنظيم الشقة. صاح "حازم" عالياً بحزم وهو ينظر لـ "ياسمين" التي تتراقص مع والدتها التي يبدو عليها الإرهاق

ولكن كان رقصها هادئ: "آيه اللي بيحصل ده؟! توجهت الأنظار ناحيته. حتى توقفت "ياسمين" وهي تنظر له باستفهام. فأقترب هو ثم تحدث قائلاً بطريقة عكس طبيعة ما يردفه: "انتوا إزاي ترقصوا كده من غير ما تستنوني!!

قالها ثم ضحك على ضحكات الآخرين التي صدحت في المكان بأكمله. فاتجهت "نيروز" تغير من الأغنية ومن ثم قامت بتشغيل واحدة أخرى. بينما اقترب "حازم" يمسك يد "ياسمين" ليتراقص معها بخفة على الكلمات المبهجة. وكذلك توجه "بدر" يتراقص بخفة مع "ورده" تحت أنظار الجميع. ابتسم "حامد" لهم بحنو. ومن ثم وجه أنظاره لـ زوجته التي تنظر لهم بسعادة رغم ألمها. كانوا مندمجين مع المشهد من أمامهم. دقائق ودقائق وهم يتراقصون بخفة. إلى أن توقفت

الأغاني مرة أخرى حتى يتوجهون للذهاب إلى شقة "حازم". ولكن قاطع تجهزهم تلك التي خرجت من باب شقتها ثم صفعتها من خلفها وهي تتوجه لتدخل من الباب المفتوح لدى شقة "سمية". التفت الجميع عندما وجدوها تقف على أعتاب باب الشقة وهي تنظر لهم بحدة. لم تستطع كبت غضبها إلى وقت معين بل خرجت بعزم غيظها. ابتسمت "ياسمين" لتوقعها لما سيحدث. ثم صاحت عالياً

بكيد: "الله زوزو!! .. تعالي ارقصي معانا. ده إحنا يدوب لسه موقفين الأغاني أكيد كنتِ سمعانا دا إحنا كنا هايصين دلوقتي! توجهت "زينات" أمام الأنظار إلى الداخل ثم تجاهلت حديث الأخرى وهي تقف أمام "سمية" ثم ردت قائلة بحدة: "انتِ إزاي يا كبيرة انتِ تسمحيلهم يشغلوا أغاني وانتِ عارفة اللي فيها؟ ده ذوق منك واحترام لظروفنا؟

نظر "حازم" لها بحدة ومن ثم توجه ليقف أمامها و "سمية" من خلفه. وكذلك توجه "بدر" الذي حذره "حامد" من فعل شيء ليقف بالقرب منهم. بينما تحدث "حازم" قائلاً بتوضيح ولكن بنبرة جامدة: "إحنا مش هنقعد نبكي على الأطلال. أراهنك إن أنا مقهور على بنتك أكتر منك. ولا إحنا قاعدين ساكتين إحنا بندور عليها وزي ما في وقت نفرح فيه أكيد في وقت حزن محدش يعرف عنه حاجة. فأهدي كده وسيبينا نفرح ولو زعلانة أوي حطي سدادة ودان!!

"إتجرأت أوي وطلعلك لسان يا بنت عايدة بعد ما كتبت كتابك؟ إيه جاي تلقطي منها طولة اللسان وقلة الأدب بعد كتب الكتاب كان فين ده من زمان يعني! قالتها وهي تشير على "ياسمين" التي نظرت لها بغضب وهي تتوجه لها تقف أمامها ثم أجابتها باندفاع: "طولة اللسان دي عشان تكوني عارفة مبطلعش غير لـ الناس الصفرا." "صفرا!! البركة فيكي يا حبيبتي ده من بعض ما عندك." قالتها بغل تحت أنظارهم. فتحدثت "سمية" قائلة لها بنبرة جادة:

"جرا إيه يا زينات انتِ عايزة منا إيه؟ ما تسيبي الواحد يشم نفسه ويفرح ولا هو حرام! ابتسمت "زينات" بخبث ثم التفت تنظر على الجميع تزامناً مع ردها: "آه. حرام يختي. لما الفرحة تكون مع ناس حرامية وخطافين بنات ومعندهمش ذمة يبقي حرام. ولما يكونوا قاعدين عندك كده علطول فالساقطة واللاقطة يبقي انتِ كمان مطبخاها معاهم..! إندفع "بدر" الذي بدا على وجهه الغضب يقف من أمامها ثم صاح عالياً بانفعال:

"بقولك إيه يا ست انتِ. وأقسم بدين الله لو ما اتخرستي وخليتي لسانك جوا أنا مش عاوز أقولك هعملك إيه. محدش حرامي هنا إلا انتِ. انتِ اللي عاوزة تسرقي الفرحة منهم. وغسان وعمي ومراته دول يتشالوا فوق الراس مش زيك انتِ وولادك الناقصين. اللي يا عالم بيهببوا إيه وجاية تطلعيهم علينا. أنا سكت كتير أوي عليكي. وانتِ كل شوية بتحاولي توقعي بيني وبين مراتي وتخربي علينا. لا ومش بس كده وكمان عاوز تجيبلي عروسة عليها. ومعايرتك ليها في الراحة وفي الجاية وكمان جايه تغلطي في ناس من عيلتي ودمي بيجري في دمهم. لا مش هستكلك ولا هسكتلك وانتِ جايه على واحدة يتيمة معندهاش أب."

واحده بتربي بناتها وتجوزهم من غير جوزها. لو انت فاكره إنك بتيجي عليهم عشان معندهمش راجل، فأحب أقولك أنا الراجل هنا من زمان، من قبل حتى ما حازم يخطب ياسمين. الرجالة بتكتر عليك، خدي بالك، وانت مش قدي!

توجه "حامد" يمسك بذراعه، وكذلك "ورده". أما "دلال" فبقيت صامته دون ردة فعل، بل تتحسر بداخلها على ما يحدث. نظرت هي له بغيظ، ثم كادت أن تتحدث حتى وجدت "نيروز" من أمامها، التي نظرت لها بتمعن. فتناست الأخرى ما كانت ستردفه للأخر حينما وجدتها أمامها. فابتسمت بسخرية لها، ثم رددت بتهكم: "أهلا! إيه اللي عندك تقوليه انت كمان؟! نظرت لها "نيروز" بصمت، ثم نظرت على الباب من خلفها وهي ترفع يديها قائلة باختصار وتبجح: "اطلعي برا."

نظرت لها بتحدي، فواصلت مرة أخرى قائلة بجرأة: "اطلعي، محدش عاوزك ولا عاوز كلامك ده. وكمان إحنا ماشيين، واعتبريها زي ما تعتبريها... برا! صُدم الآخرون من وقاحة "نيروز" الغير معهودة بالمرة، ولكن بدا للبعض بأنه الحل الأمثل لعدم معرفتهم ماذا سيحدث بعد من مشاكل. لم تصدم الأخرى بل اعتادت مؤخراً على شراستها دون سبب. ضحكت عالياً باستفزاز، ثم التفتت لتخرج من باب المنزل تزامناً مع قولها:

"من عيني، هطلع يا بنت سميه. مش عارفه القطط من إمتى بقت بتعض كده، بس وماله. تعدي. خدي بالك انتوا عندي بكرة ها! ومش هطردكم زي كده... قالتها ثم خرجت بعد أن حاصرتها الأخرى. توجهت النساء لتقف بجانب "نيروز" مرددين بحديث أشبه بـ: "عيب كده يا نيروز.."

لم ترد عليهم هي، بل تركتهم وهي تخرج من باب الشقة، حتى تبعتها "ورده" وهي تحمل صغيرها لتعطيه لزوجها. ومن ثم توجهت إلى الأسفل. فنظرت "سميه" بأثرهم بقلة حيلة. بينما توجه "حازم" يهبط مع "ياسمين" التي توجد بجانبه. خلى المكان قليلاً، حتى أن حمل "بدر" صغيره وهو يتوجه مع عمه إلى شقته، بينما هبطت "سميه" و"عايده" و"دلال" و"جميله" إلى الأسفل هم أيضاً. ولكن بسبب أن السيارة لم تكفيهم، فسيذهب بهن "حازم" على مرتين إلى شقته!! ***

كان هو يجلس في المستشفى حيث غرفته. يقوم بالإطلاع على بعض الفحوصات الطبية. يحاول جاهداً بأن يصب تركيزه على عمله، ولكن أفكاره بما فعله تحاوطه. صداع رأسه! هي وهو، شقيقه، عائلته التي تتجنبه. يبدو أنه أصبح منبوذاً من جميع الأطراف، وليست هي فقط التي رحلت وتركته بعد ما تخلل حبها بداخله وبقوة. إلى الآن يتعافى وسيتعافى. إلى الآن مريض نفسياً. يتعالج عند طبيب نفسي!

جال بخاطره لحظة يأس من كونه يتعالج لفترة طويلة حتى يتعافى، وإلى الآن لم يستطع أخذ خطوة إلى الأمام. ولكنه يعلم جيداً أن عدم تعافيه بنسبة كبيرة كان بسببه هو، وبسبب عدم حبه لنفسه وعدم ثقته التامة به، وليس من الطبيب!

نهض وهو يقف، ثم وضع الأوراق فوق بعضها بإنتظام. ومن ثم أخذ كشف واحد فقط من الأشعة الخاصة بحالة معينة. ثم أمسكها بيديه وهو ينهض ليرتدي معطفه الطبي الأبيض بسرعة، ومن ثم خرج من بعدها من الغرفة متوجهاً إلى الأعلى وهو يصعد على السلم. قاطع سيره إلى الناحية الأخرى حيث المصعد وجودهما في غرفتها. لم يأخذ خطوة للدخول كما يفعل كل مرة. ولكن هو يعلم أن "عز" وشقيقته قد رجعا إلى المستشفى مرة أخرى لحجز آخر جديد بسبب حالة "فرح" الغير مستقرة مما يحدث لها من تشنجات بسبب ما تفكر به. شرد بها للحظات. قد لامس حالتها قلبه بعد حديثها أيضاً. اتجه إلى الناحية الأخرى ومن ثم ركب المصعد ليصعد إلى طابق آخر خاص بحالات تتأهل للعمليات!

أوصله المصعد سريعاً، رغم بعد الغرفة والطابق، إلا أنه يقف أمامها الآن. يتردد كثيراً لتلك الزيارة التي هي رغماً عنه بسبب طبيعة عمله. يكفيه هروب فقد تولي حالته صديق له وطبيب آخر عندما يكون "بسام" مؤهلاً لذلك. وللحق، لم يتأهل نفسياً بعد. أمسك مقبض الغرفة بسبب تردده، ثم فتحه على مرة واحدة. وبسبب تردده لم يدق الباب حتى. يبدو أن عقله قد ارتبك قبل أعصابه. ما أن فتح الغرفة وجده مسطح على الفراش، وهي تجلس بجانبه ممسكة بيديه. نظرت إليه "تاج" بملامح وجه باردة. تجنب النظر إليها وهو يتوجه ليقف أمام الحالة، ولم يكن سوى والدها "داود". تنفس بعمق حتى كاد أن يبدأ بحديثه اللبق. ولكنها كانت الأسرع حينما أوقفته عن ما ينوي قوله،

ثم قالت بجدية: "دكتور بسام! لو سمحت ابقي خبط على الباب. أظن من الذوق إنك تعمل كده يا دكتور يا متعلم." رفع والدها يده كإشارة ليوقفها عن الحديث. والدها ومدللها، أينما طلبت هو يجيب. فسادها وضياعها بسبب تربيته السلبية والمتوسعة والمتفتحة بكثرة. أينما طلبت منه بأن يتحدث يتحدث، وأن لا يردف بشيء لم يتحدث! يبدو أن موضوع "بسام" هو يعرفه جيداً. التفت "بسام" ينظر لها بتمعن، ثم خرج منه صوته وهو يقول:

"هو المفروض إنك متتواجدش هنا أصلاً عشان حالة المريض النفسية." يبدو أنه يرمي لها بحديثه قاصداً شيئاً آخر حينما استهزأ بآخر حديثه. نظرت له بحدة ومن ثم صمتت وهي تتجه لتعدل من جلسة "والدها". جلس أخيراً بانهاك، ثم خرج منه صوته بضعف: "إزيك يا.. دكتور."

أومأ له "بسام" بابتسامة متصنعة. بينما كانت تتابع هي الحوار بترقب، فقد حذرت والدها بما يكفي من أن لا يتفوه بشيء. كاد أن يتحدث مرة أخرى بأسف لتلك الصدفة، فتفهم "بسام" ما سيقوله حتى قاطعه قبل أن يتحدث متحدثاً بلباقة كطبيعة عمله:

"طبعاً ألف سلامة عليك يا باشمهندس داود. إن شاء الله محتاجين منك إنك تشد حيلك كده معانا عشان الرحلة عاوزة همة. دي الأشعة أهي معايا، بس أنا جيت أقولك إننا محتاجين أشعة تانية عشان نشوف اتطورنا لحد فين. جاهز؟

أومأ له بنعم منهكاً. فاتجه "بسام" يضغط على زر الطلب والمساعدة في الدور حتى تتأتى له عدد من الممرضات ليساعدوا الرجل في النهوض والسير به إلى غرفة الأشعة الكبيرة. فعلها بخفة. فتلك المستشفى حديثة الطراز كما يعلم هو ونعلم!

يأتي لها ذوات الطبقة المتوسطة وما فوقها. وأن ذلك "داود" كان رجل مقتدراً ويعد ثرياً بنسبة ما، ولكن ليس ثراء فاحش، فكانت وظيفته كمهندس مباني تجعله مرموقاً عند البعض، وبسبب أن "تاج" ابنته الوحيدة عاش يدللها ويلبي طلباتها بعد وفاة والدتها التي لم يتزوج بعدها. وما هي إلا لحظات حتى جاءت له ممرضتين وأخرى مسئولة عن غرفته. قامتا بإسناده على مقعد حديث الطراز حتى خرجوا من الغرفة باصطحابه إلى الغرفة الأخرى في نفس الطابق. تبعته "تاج" لتذهب من خلفه مباشرة. فأوقفها "بسام" بنبرته الجادة

وهو يقول ليقاطع سيرها: "استني." وقفت ليتجه هو يقف من أمامها. فرفعت أنظارها على تلك الأوراق الذي يقدمها لها. وزعت نظرها بين ما بيديه وبين وجهه، ثم تنفست قائلة: "المفروض أروح معاه وأشوف هيعمل إيه. حضرتك موقفني ليه يا دكتور؟ قالت آخر حديثها بسخرية. فنظر بحزم وهو يقرب الأوراق أكثر حتى انتشلتها هي، ثم قال: "مش هوقفِك عشان سواد عيونك. محتاج أتكلم فحالة والدك يا مدام تاج، إن مكنش يدايقك!

بالطبع بادلها السخرية. فطالعته ببرود وهي تتجه من أمامه لتجلس على مقعد طويل وهي تشير له بأن يجلس، قائلة من بين نظراتها الباردة: "عايز إيه؟

"أولاً أنا يوم ما هعوز حاجة مش هطلبها منك انت. ثانياً وده الأهم بالنسبالك، حالة والدك مش مديني أي إشارة بالتحسن والتطور. ولكن إننا نشجع المريض دايما إنه يكون أفضل ده أساسي. ودي التحاليل، معاك اهيه، خليها معاك النسخة دي عشان ده هيثبت بعدين للمستشفى إن كان في تطورات بتحصل من الحالة قبل الدكاترة. وكله هيبقي محسوب على نتيجة الأشعة اللي والدك هيعملها دلوقتي وهتطلع كمان شوية. لو كويسة عن اللي فاتت هياخد وقت بالعلاج كتير على ما حالته تتحسن هنا. ولو لقدر الله غير كده هيحتاج استئصال والعملية، يؤسفني أقولك الراجل ف السن ده وإنه تجاهل المرض عشان يعيش ده غلط. وممكن متكونش ناجحة بنسبة متوسطة."

رمى عليها سهام اخترقت قلبها حتى آلَمَته. كانت بمثابة صدمة صغيرة وتحسر على حالة والدها. هي تعلم أنه مريض، ولكن ليس لحد الخطورة. جاهلة؟ نفضت من عقلها كل شيء وهي تنهض على مرة واحدة ثم تحدثت بانفعال تنفي ما قاله هو: "يعني إيه عملية ومش هتنجح؟ قصدك إنه هيموت ويسيبني؟ انت عارف انت بتقول إيه؟ لا انت أكيد بتقول كده عشان اللي حصل واللي قلتهولك. بتاخد حقك مني صح؟ عشان كده بتلعب بأعصابي يا بسام!

"دكتور بسام لو سمحت. وأنا مش ندل وخسيس للدرجة دي عشان أدخل مشكلة بايخة زي دي في شغلي. ياريت تهتمي بصحته أكتر وآحنا هنا الخدمة كويسة أوي ليه. وكلها ابتلاءات من عند ربنا. المهم تفوقي انتي يا مدام." قذفت الأوراق أرضاً ثم جلست مرة أخرى وهي تتحدث قائلة بضعف، رغم حديثها الذي في كل مرة يضغط على جرحه: "انت مجنون؟ وبتاخد حقك مني؟ أنا عارفة!!

حسناً، هذا من الداخل بالنسبة لها أشبه بانهيار وتكذيب شيء لا تريد تصديقه بأي شكل. نظر لها بخيبة ثم وزع أنظاره عليها وعلى الأوراق من أسفل قدمها. حتى بدأ بالتحرك من أمامها وهو يقول باشمئزاز داخلي وظهر حتى في نبرته: "ربنا يصبرك على نفسك يا تاج، عشان اللي زيك مش عارف مستحمل نفسه كده إزاي!

قالها ومن ثم سار من أمامها حتى بعدما رفعت أنظارها له بجمود. لم يعطها الفرصة بالرد بسبب اختفائه من أمامها تدريجياً. ركب المصعد ليهبط فالأسفل مرة أخرى متوجهاً للسلم الداخلي يهبط من عليه. دقائق ووصل إلى الطابق التي توجد به الأخرى. وقف أمام غرفتها حتى لا يترك نفسه مع أفكاره وانهياره. يشغل نفسه فقط. وقف أمام غرفتها بأنفاس عالية يتنفسها ثم دق الباب دقة واحدة حتى أذنت هي من الداخل. حاول أن يبقي ثابتاً حتى دلف عليها الغرفة

فوجدها تستمع إلى صوته في الهاتف الذي كان يقرأ به القرآن والآيات التي تعبر عن الشفاء. كانت تجلس على الفراش. اعتدلت في جلستها سريعاً بحرج وهي تغلق الهاتف. فتوجه هو بغير وعي يقف من أمامها حينما سمع صوته وهو يرتل القرآن. رفعت "فرح" أنظارها له بعينيها الحمراء من كثرة البكاء. فنظر

لها بدهشة قليلة وهو يردد: "انتي بتعيطي؟ "لا عادي..! قالتها بتعلثم وهي ترفع يديها تمسح وجهها. فلاحظ كدماتها الزرقاء التي توجد على يديها يبدو أنها بسبب حالتها النفسية!!

رفع يده بتردد ليضعها على يدها يتلمسها. فلم تتحرك هي بسبب استغرابها مما يفعله. فنظر لها بإطمئنان وهو يبتسم بانكسار ثم أخفضها سريعاً وهو يوزع أنظاره على درج معين به أشياء معتادة في الغرف. توجه ليفتح الدرج ثم جذب ورقة وقلم وهو يدون اسم دواء ثم قطعها وهو يمد يده لها قائلاً بهدوء: "خلي عز يجيبلك العلاج ده! أخذتها منه بتردد وهي تبتسم له. فنظر لها هو بتعمق ثم خرج منه صوته وهو يتساءل على فجأة: "إيه اللي وصلك للحالة دي؟!

حركة عينيها المترددة أثر توترها كان هو القائم. ظل أمامها ينتظر ردها فتنفست هي بصوت مسموع ثم أجابته بضعف: "حاجات كتير.. مش عارفة أحدد حاجة واحدة. بس أ... صمتت بتحشرج ثم واصلت بنبرة مختنقة: "بس أنا.. تعبت! تابع كل حركة تفعلها. رعشة يديها والكدمات الزرقاء وأعينها الحمراء. وأيضاً كما علم تشنجاتها فالليل. كفيل لظهور ما تمر به من تعب. أخرج أنفاسه الصغيرة وكأنه يشعر بالراحة في ذلك ثم أجابها بعفوية: "وأنا كمان تعبت!!

نظرت له باستفهام ثم لاحظت تعابير وجهه المتألمة. لا يبدو أنه ينزف أو مجروحاً، ولكن يبدو أن قلبه هو المجروح حتى في مكان عمله يأتي له الجرح من حيث لا يدري. صمتت تنتظر ما سيكمل أم هذا فقط؟ فوجدته يكمل وهو ينظر لها موزعا أنظاره بينها وبين نقطة أخرى ثم يشرد:

"أيوه تعبت. كلنا بنتعب بس بإختلاف التعب، وبإختلاف شدته. حاجات كتير قادرة توصل الإنسان لحالتك دي أو هنروح بعيد ليه حالتي برده. يعني حاجات كتير قادرة تخليه مش عارف يتكلم ولا يتعامل ولا يصدق مين ويكذب مين. يثق في مين؟ يحب مين وميسبهوش! تبان من الحكاية إن ده أقل تعب بس اللي بيعيشها ويجربها أصعب حاجة ممكن ميقدرش يتعافى منها لحد الآن. فاهمة؟ فـفهمني." هزت رأسها تؤكد وبشدة. فنظر لها بابتسامة صغيرة. إلى أن

خرج صوتها باستفهام منهك: "الدكاترة فعلاً بيتعبوا." "ما انتي دكتورة أهو." قالها بثبات. فهزت رأسها بنعم وهي تبتسم مردفة بهدوء: "صح. الظاهر إن الكل بيتعب ومفيش راحة! صمتت ثم جال على خاطرها سؤال. حتى أردفته بعجز: "لما كلنا بنتعب. يبقى مين بيتعبنا؟! بالطبع كان المقصود بكل ذلك التعب النفسي. فابتسم لها بثقة ثم تحدث بتفهم لا يريد إنكاره: "اللي بيتعبونا. هم نفسهم بيتعبوا برده يا.. فرح.."

قالها بهدوء. حتى دون ألقاب في آخر حديثه ولكن بسمته من الخارج لها حينما قالها وبدأ بالتحرك ليخرج من الغرفة كانت بسمة راحة. تعجب من بين إرادة ساقيه للذهاب أمام غرفتها أكثر من مرة. لا يدري لماذا. الآن يتجاهل كل شيء وقد عرف الطريق إن أراد أن يتناسى ويشعر بالقليل من الراحة فسيذهب إليها هي غالباً. ولا يعلم لما السبب ولكن وجد ربع علاجه ودوائه الآن على الأقل وسيفكر بوقت آخر لما ذلك ولما هي!!

_ساعات مرت عليهما وهما بالخارج بعد آخر مرة كانا فالمنزل. كان يجلس بحديقة عامة بها من الأشخاص الكثير. وكان أغلبهم من كبار السن لا يعلم لماذا ولكنها صدفة جميلة!! ابتسم "غسان" الممسك بزجاجة المياه بيديه السالمة. وهو ينظر من أمامه والأخر بجانبه يتناول بعض من الطعام الجاهز. خرج صوت "غسان" وهو يردد بعمق: "متخيل إن لينا وقت وهنبقي زيهم كده. الأيام بتعدي بسرعة أوي. وبتعدي هدر من غير حاجة ممكن الواحد يفتكرها ويبقي فخور بنفسه!

ترك "شادي" الطعام من بين يديه ثم أجابه بغمزة عين قائلاً وهو يشاكسه: "لأ في.. الحب ياض!! أعظم الإختيارات يالا.!! ضحك "غسان" بخفة ثم أجابه قائلاً بهدوء: "الحاجة الوحيدة اللي الواحد ممكن يعتبرها أحسن حاجة حصلت فحياته. بس المهم مصداقية الإختيار ويكون حب يستاهل فعلاً." شرد بآخر حديثه على شقيقه. فخرج صوت "شادي" وهو يلمح له بموضوعه: "وهي تستاهل بقا على كده؟ "ملحقتش أقول وأحب. بس أيوه تستاهل أوي!

قالها بعفوية وتحسر في وقت واحد بسبب رحيله قبل أن يعترف لها بحبه وبما يكنه لها. صفق "شادي" عالياً بحماس من إجابته ثم ردد ببهجة جعلت الأنظار عليه: "أيوه بقا.. ولع الدنيا يا غسان" "بلاش غسان.. واهدي الناس بتبص علينا." حرك الآخر رأسه بغير اهتمام ثم توجه ينظر له قائلاً: "يعم دول معظمهم قد أبوك وجدك. يعني حاجة كده مسكرة ولطيف!! لم يعر "غسان" له أي اهتمام لحديثه بل صب أنظاره على الطعام الذي يوجد بيد الآخر قائلاً بسخرية:

"ده المفروض عشا ولا ما بين الغدا والعشا؟ "سميها زي ما تسميها. أصل أنا جعان." التفت "غسان" ينظر من أمامه بقلة حيلة من صديقه. فنظر بتمعن للعجوزين من أمامه والفتاتين التوأمين. حيث كانتا تقف كل منهما أمام العجوزين بصندوق من الورد. حتى أعطى العجوز لزوجته وردة بيضاء تشبه ما فعله من تعامل لطيف. ابتسمت له بحب. فتوجه بحركة بطيئة يقبل قمة رأسها وهو يتحدث. كان يتابع هو المشهد من أمامه ببسمة صغيرة. تذكر الورد ونيروز!!

أين هي الآن! الورد هنا ولكن هي ليست هنا. فاق من شروده عندما توجه له التوأمان تعطيه "ورد" لم يكن معه فتاة أو جنس ناعم. حسناً، موقف محرج بالنسبة لـ"شادي" الذي تنحنح بحرج زائف. لم يستطع "غسان" أن يرفضهما، فابتسم لهما وهو يأخذ من الصندوق وردتين، واحدة بيضاء وأخرى وردية. فابتسمت له الفتاة الأولى باتساع، فخرج صوته وهو يسألها بحنو: "اسمك إيه؟ نظرت له الفتاة ثم تحدثت بجرأة عكس شقيقتها التي تقف من خلفها، قائلة لتجيبه:

"أنا فيروز وهي.. نيروز! نظر لها بغير تصديق، وكذلك صديقه الذي ضحك بدهشة من تلك الصدفة. بينما ذُهل "غسان" من صدف الحياة التي تتعمد بأن تذكرنا دائماً بما حدث لنا وبأشخاص نريد فقط نسيانهم لفترة أو تخطي لما فعلو وفعلنا بهم من شيء! أخرج أموال من جيبه ثم وزعها بينها وبين الأخرى التي تقف من خلفها. أخذتا الأموال منه، بينما تابع بنبرة هادئة وهو يبتسم قائلاً بصدق: "أسماؤكم حلوة أوي."

إبتسمتا له بفرحة ثم بدأتا بالتحرك من أمامه. فتحدث "شادي" من بين ضحكاته قائلاً بدهشة: "ده ينهار أبيض على الصدف يا جدع! إلتفت "غسان" ينظر له مبتسماً: "وأحلى صدف." قالها وهو يمسك "الوردة" ليقدمها لصديقه. فنظر له "شادي" بشك، وسرعان ما وضع يده على فمه بخجل كمثل الفتاة وهو يتحدث بنبرة ناعمة مثل النساء قائلاً بدلال حتى نظر له العجوزين من أمامهما: "يوه يا سي غسان متكسفنيش أومال!

ضحك "غسان" عالياً، ثم توجه بمرح يعلق من الورده بجانب إذن صديقه الذي نظر له بخجل مصطنع. كانت أنظار العجوزين من أمامهما مسلطة على ما يحدث بتمعن، إلى أن حدث حتى تحدث العجوز وهو يردد عالياً مشيراً لهما بإشمئزاز: "إخص على الرجالة!! فتحا فاههما بشدة مما حدث، بينما تحدثت زوجة العجوز وهي تشير على الورده بيد "غسان" والأخرى المعلقة بجانب أذن الآخر، قائلة بتقزز: "مش مكسوف من نفسك يا واد انت وهو؟ جاتكم القرف مليتوا البلد!

نظر الاثنان إلى بعضهما بغير تصديق، بينما أنزل "شادي" الورده سريعاً وهو يردد بتبرير: "يا حاجة انتِ فاهمة غلط والله احنا مش كده. إحنا... نهض العجوز وهو يرفع عكازه قائلاً بتهديد وهو يردد بنبرة مرتفعة: "إخرس خالص امشي انت وهو من هنا حالا بدل ما هلم الناس دول عليكم." هز "شادي" رأسه بالإيجاب وهو يتجه يمسك بيد الآخر الذي يضحك بقوة. نفض "غسان" يد الآخر قائلاً من بين ضحكاته: "ابعد إيدك يا غبي انتِ بتثبتلهم؟!

ترك "شادي" يده وهو يركض سريعاً ليبعد عنه بخطوات. أما "غسان" فنهض ببطء من مكانه تحت أنظار العجوز الواقف من أمامه وهو يهدده بعكازه. فتحدث قائلاً وهو يراه ينهض على راحته قائلاً بنصيحة رغم تقززه: "يا ابني دا انت مفكش حيل خالص وكده حرام حتى وقرف! اتهد يمكن ربنا يهديك!!

ضحك "غسان" رغماً عنه وهو يتجه حتى يمسك برأس العجوز ليقبله برضا وأسف يغلفه المرح. فأوقفه العجوز وهو يرجع إلى الخلف سريعاً رافعاً عكازه كحاجز وهو يهتف عالياً: "متقربش مني. إمشي.. إمشي.. الله يقرفك! كبت "غسان" ضحكاته وهو يومأ له، ثم التفت ليسير حتى وجد صديقه منهاراً من كثرة ضحكاته العالية في المكان. ضحك "غسان" هو الآخر وهو يسير بجانبه ثم ردد من بين ضحكاتهم: "أهم دول المسكرين اللُطف اللي بتقول عليهم يا عم."

قد أظلمت عليهم الأنوار الطبيعية بسبب حلول المساء عليهم بشقة "حازم". ساعد كل منهم الآخر وبشدة في تنظيم بعض الأشياء. كان كل منهم يعمل على قدم وساق إلى أن أنجزوا الكثير وتبقي الأكثر بسبب كثرة الأشياء من حولهم. انتهوا منذ فترة صغيرة من تنظيم أركان الشقة اليوم. سيعودوا لها غداً ووقت آخر. وبسبب عدم تأخر النساء الأخريات أيضاً، نظرت "سمية" نظرة أخيرة على المكان برضا. فنظر لها "حازم" وهو يتساءل: "ها كل حاجة تمام كده؟

محدش ناسي حاجة؟ نفت هي كما نفى البقية. فابتسمت لهم جميعاً "ياسمين" قائلة بسعادة: "بجد يا جماعة مش عارفة أقولكم إيه!!

إبتسموا لها بحب. فتحركت هي لخارج الشقة مع شقيقتها وابنة عمها وشقيقتها الأخرى. ومن ثم خرجت "دلال" و"عايدة" أيضاً حتى يبدأ كل منهن بالهبوط للأسفل. أما "سمية" فخرجت وهي تنتظر "حازم" ليقوم بغلق الشقة جيداً، حتى أغلقها جيداً ومن ثم هبط معها إلى الأسفل. حتى ركب السيارة ومعه السيدات أولاً، كلا من "سمية ودلال وعايدة". هو لم يأخذ وقتاً كبيراً في توصيلهم بل دقائق أو ما أشبه بـ 10 دقائق لـ 15 دقيقة. انتظرت الفتيات مع بعضهن إلى أن يأتي مرة أخرى. فجلست "ياسمين" على السلم بانهاك بعد وقت

قليل وهي تنظر لهن قائلة: "يخربيت الجواز يجماعة والله!! ضحكن عليها بخفة. فتحدثت "نيروز" قائلة لتشاكسها: "كله يهون عشان تبقي مع حبيب القلب والكبد زي ما بتقولي! قهقت "ياسمين" عالياً ثم هتفت بتأكيد: "ده فعلاً. حازومي يا جدعان ده الحب والكنتلوب. واد مسكر وجان وعسل كده مش عارفة أخو البت دي إزاي! ضحكن عليها بخفة، حتى "جميله" التي أجابته سائلة من بين ضحكتها: "زي الناس يا حبيبتي. أنا اللي مش فاهمه حبك ليه!

بالطبع يمزحان مع بعضهما كالعادة. فنهضت "ياسمين" من مكانها وهي تنظر لها قائلة بجدية زائفة: "يعني أنا متحبش؟ نظرت لها "جميله" بترقب ثم صاحت تسألها قائلة: "عاوزة الصراحة؟ "أه." "تتحبي و أوي كمان." اتجهت "ياسمين" تحتضنها سريعاً تحت أنظار "وردة" و"نيروز" الضاحكة. "هبل بجد والله! قالتها "وردة" بقلة حيلة. وسرعان ما سمعوا صوت "حازم" المرتفع وهو يصيح عالياً من مشهد شقيقته والأخرى التي تحتضنها: "فالشـارع!!

قالها باستنكار. فتوجهن ليركبن السيارة، تزامناً مع رد "ياسمين" وهي تمازحه بمشاكسة قائلة: "وإيه يعني؟ طب دي حاجة من ريحتك والله إزاي أسيبها ومحضنهاش" ضحكوا على جرأتها وحديثها المرح بخفة. ومن ثم بدأت السيارة في السير إلى حيث مبني منزلهم!!

كان يجلس معها على مائدة طعام لتناول وجبة العشاء والتي أعدها هو وهي معه تقوم بمساعدته. كان يبتسم لها بتصنع بين الوقت والآخر. أما هي فنظرة الحب لم تفارق عينيها بتاتاً. لا تعلم أنها مغفلة؟! نظر "شريف" إليها فوجدها تنظر له. فتحدث قائلاً يسألها من بين ابتسامته: "بطلتي تاكلي ليه يا فريدة؟ الأكل مش عاجبك؟ "لا طبعاً، ده حلو أوي بجد مش أنت اللي عامله يبقى أكيد حلو زيك!! أومأ لها بهدوء وهو يبتسم ثم تحدث قائلاً بمراوغة:

"تعرفي إن كتر الكلام الحلو مبحبوش!! قالها بطريقة هادئة توحي بعكس ما يردفه، فعقدت ما بين حاجبيها باستغراب ثم رددت: "قصدك إيه يا شريف؟ "عارفة إن لو إنسان الدنيا جت عليه بما فيه الكفاية فالكلام الحلو مش هيجيب معاه! نظرت له بحزن ولا تعلم لماذا، هي تعلم فقط أن والده قد تخلى عنه ولكن من دون أسباب حتى أنه لا يفتح ذلك الموضوع. رفعت يديها تربت على كتفه بهدوء ثم هتفت بصوت هادئ:

"أنا مقصدش يا شريف والله، أنا عارفة إنك عانيت بس عمرك ما قولتلي ليه ولا شاركتني حزنك حتى. عارفة موضوع باباك بس مش عارفة ليه ولا حتى أعرف فين عيلتك وكده! اتكلم واحكيلي وأنا هسمعلك بكل حب بجد! يا لهذه الغبية من وجهة نظره، يريدها أن تعرف الأسباب التي جعلته وحيداً، ووالدها سبب من ضمن تلك الأسباب بل وهي الأخرى مجرد انتقام عابر بالنسبة له!! تنفس بحرارة ثم أجابها باختصار كحديث مشفر لها:

"أوقات مينفعش نعرف الأسباب، بس في أوقات تانية بتتعرف عشان ده الوقت المناسب! تنهدت بعدم فهم ولكنها صمتت بسبب ما يردفه من ألم بالنسبة لها. قاطع حديثها الرقيق التي كانت ستردفه دقات الهاتف الخاصة به من جانبها. انتشلته ثم نظرت على الشاشة لترى الاسم المدون، فعقدت حاجبيها بتساؤل وهي تقدمه له: "مين خالد ده يا شريف؟ وإيه الحروف اللي جنبه دي؟ نهض وهو يمسك هاتفه ثم أجابها بجدية: "مش لازم تعرفي!

قالها وهو يتوجه ناحية باب الشقة ليفتحها، بينما هي نهضت تتحدث قائلة باندفاع: "مش قصدي بس أنت رايح فين الوقتي؟ "مش ملاحظة إن أسألتك بتكتر يا فوفه؟

قالها ومن ثم أغلق الباب من خلفه وهو يهبط حتى يذهب إلى الخارج. بينما هي نظرت باستغراب من حديثه وكلماته وبروده. لم يأت على خاطره بأنه خداع ولكن على أي حال لم تعطي بالاً، ولا حتى تركيز لذلك بل اتجهت تجذب الأطباق حتى تذهب بها إلى المطبخ وهي تدندن بعض كلمات الأغاني الحزينة بصوتها الهادئ. لا تعلم بأن حزن الكلمات سيمر عليها ومر هو من الأساس على حالها وغفلتها من كل ما تفعله وما سيفعل بها!!

إلى الآن صوت ضحكاتهم العالية على ما حدث!! وهما يجلسان في الحديقة الصغيرة التابعة للمنزل. ضحكات هستيرية وكأنهما مخدران. يبدو أنها ضحكات من عقل باطن تعبر عن ألم أحدهما وبشدة بدلاً من البكاء. أما الآخر فهو يقهقه بشدة على المشهد. تحدث "غسان" من بين ضحكاتهما العالية ثم ردد: "يخربيت كده يا جدع! إيه اللي إحنا بنعمله دا يا شادي؟! نظر له "شادي" ثم بدأ بالضحك وهو يضرب كف على الآخر قائلاً بنبرة ضاحكة: "والله ما عارف!

دا شكل الجيران هيطلعوا ينفخونا إسكت بقا! أومأ له وهو يضحك ومن ثم بدأ يهدأ هو والآخر بالتدريج. حتى نهض "غسان" يسقي الزرع الصغير والورود أيضاً، حتى وإن كانت قليلة. نهض "شادي" من خلفه ثم تساءل بنبرة هادئة يشاكسه: "من إمتى وأنت بتهتم بالورد ده يعني؟ التفت ينظر له ثم ابتسم ليقول: "من ساعة ما شوفت عنيها." "يا ولا!!

"من ساعة ما روحت بيتنا القديم ووقفت في البلكونة، وهو شدني. منظر الزرع بتاعها والورد جنب بعضه كده حلو أوي حتى كنت بسقي اللي ناحيتي كل ما أقف في البلكونة وهي مش فيها." قالها وهو يبتسم ثم واصل يكمل: "نظامها وخوفها على الورد والزرع غريب. اللي يخاف على زرعه تموت أو على وردة تعطش وتدبل عمره ما يعرف يأذي حد! ضرب الآخر يده كتصفيق له ولحديثه وكلماته بحرارة. فعدل "غسان" من ياقته بغرور وهو ينظر له بطرف عينيه قائلاً بتكبر:

"بص واسمع من عمك غسان يا حبيبي واتعلم فن الصياعة والتثبيت." صفر الآخر من فمه بإعجاب وهو يهلل قائلاً بأسلوب سوقي كما فعل الأول: "الصياعة فن مش عنعن." ضحك "غسان" بخفة وهو يومأ له قائلاً بتأييد: "بالظبط. يلا ندخل جوه بقا عشان عايز أنام."

قبل ذلك أو بنفس وقته. كانت هي تجلس في غرفتها بعدما مر الوقت منذ مجيئها من الخارج. كانت تنظم ملابسها بهدوء وتقوم بتنظيم بعض أركان الغرفة. وصوت الأغاني الهادئة ذات اللحن الهادئ في الغرفة. كانت تشغل ما يفضل هو. نفعل ما يحبه من نحبه لنحبه! هذا ما توصلت إليه. رغم قلقها وحزنها بسبب رحيله إلى أن صوتها الداخلي وهي تحفز نفسها بأنه سيعود كان هو منبع الثقة لها. تتعايش مع الوضع بل وتفعل ما يحبه من كل شيء حتى لا تشعر بغيابه!!

"كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين شوف بقينا ازاي أنا فين يا حبيبي وأنت فين، إنت فين، إنت فين كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا.... خطوتين!!

خطوتين ولكن لم يكن هو موجوداً. هو ليس هنا ولكنها تنتظر. كانت تهز رأسها مع لحن الكلمات بهدوء. دقت عليها الغرفة شقيقتها والآخرى أيضاً حتى أذنت لهما بالدخول وهي تبتسم بهدوء. حتى دخلت "ياسمين" وهي تحرك يديها برواقة على لحن الكلمات تحت ضحكاتهما العالية. إلى أن انتهت ثم قالت بمزاج: "الله عليك يا ست! اتجه الثلاثة ليجلسن بجانب بعضهن. فتحدثت "ورده" قائلة بتساؤل: "من إمتى يا روز وأنت بتسمعي الست؟

وزعت "نيروز" نظراتها في المكان بينما كان ينظر الاثنان بترقب وانتظار فتحدثت هي باختصار: "من فترة كده. أغيرلكم حاجة تانية؟ قاطع إجابتهم دلوف والدتهم إليهم وهي تبتسم لهن بحب. فصاحت "ياسمين" عالياً ببهجة: "والله ما كنت ناويه أكسفك بس طالما سمسم جت يبقي شغلي أمورتي الحلوة ونهبل كلنا بقا.." نظرت لها "نيروز" بحماس وهي تمسك الهاتف لتقوم بالبحث عن ما قالته الأخرى ومن ثم تشغيله بعدما قامت بتعليية الصوت!

تحت نظرات "سمية" المحبة لهن. اتجهت "نيروز" بحماس ثم أمسكت بيد "ورده" ومن ثم ربطت الأخيرة يدها بيد والدتها بينما أمسكت "ياسمين" بيد "سمية" تحت رقصهم البهيج على الكلمات التي كانت مؤثرة على "سمية" وبشدة وهي تتمايل معهم حتى وإن كانت لا تستطيع بل كانت تحاول وهي متأثرة. تحت نظراتهم السعيدة بما يفعلونه. [ست البنات حبيبتي بخاف من الهوا لو مس شعرة منك من غير ما نكون سوا إن يوم بكيتي ببكي ب قبال اليوم سنة

وإن قلتي آه عينيي بتقول انشالله أنا يا اخواتيي بحبها دي حبيبة أمها] إلى هذه الكلمات التي تعد نصف الأغنية ولم تتحمل "سميه" بل سقطت دموعها بتأثر جلي على وجهها. بينما نظروا إليها بحب. حتى دخل الثلاثة بأحضانها الدافئة بالنسبة لهن. حتى تشبتن بها بقوة. وكأنها هي الملجأ الوحيد لهن. مهما حدث تبقى الأم هي الملجأ الوحيد!

بكت "ياسمين" بتأثر وكذلك "نيروز" و"ورده" وهن في أحضان والدتهن. بقوا بأحضانها إلى أن رجع الوضع كما كان قبل. أحضانها التي تجعل من بداخلها يتنفس براحة واطمئنان وأمان! وكأنهن يقمن بالحماية من وحشة العالم وسوء الأشخاص وقسوة الأيام.

جلس بمقهى يبعد عن الأنظار قليلاً، مقهى ليلي غير معتاد للجلوس به، ولكن منذ أن هاتفه الآخر فاضطر بأن يقابله. لمح هو مجيئه من بعيد، فتنهد يأخذ أنفاسه بغير اهتمام وهو ينظر إلى جهة أخرى بملل، إلى أن وصل الآخر يقف من أمامه، ولم يكن سوى "خالد" الذي ابتسم بلؤم وهو ينظر له قائلاً: "إيه مفيش أهلاً؟ التفت "شريف" يطالعه ثم تجاهله قائلاً بإختصار: "لخص وقول منزلني ليه؟ أنا مش مرسيك على الحوار!

جذب الآخر مقعد ليجلس بمقابلته، وهو يهتف ليجيبه بنبرة جادة خبيثة: "لا ما هو أصل أنا بتعب أوي بصراحة وأنا كل شوية أتصل أسيب ركب البت الغلبانة دي، لأ وكمان عشان أجيب واحدة إنت سهل تجيبها بسهولة، ولا هي صعبة بقا على كده جميلة دي يا شوش؟ "إنت ملكش فيه، ولا في اللي بيحصل واللي عندك قوله عشان مش فاضيلك! ضحك الآخر ضحكة ليست هينة ثم تحدث قائلاً يجيبه:

"صح مليش فيه، بس الأستاذة الدكتورة فرح الشرقاوي يا شريف يا شرقاوي مبتردش عليا بقالها كذا مرة، وعلى قولك يعني لما قولتلي متكش عليها أوي في الحوار ده ولا تديها تفاصيل غير لما تقولي، السؤال بقا لو هي مبقتش ترد وبقت تصد أنا مليش فيه فعلاً؟ إشطا يا با، فين فلوسي بقا اللي أنا صابر عليها بقالي كتير دي؟

"ميهمنيش تصد ولا ترد المهم إني عارف إنها هتسلم صاحبتها بنت الناقص في الآخر، وإن كان على فلوسك فالاتفاق مكنش كده، أنا اديتك النص ولما يخلص الحوار تاخد النص التاني! قالها أمام أنظار الآخر الصامتة، فتنهد يتنفس ببطء وهو يتحدث قائلاً بنبرة متقطعة ليثير حنق الآخر: "مش هنكر الاتفاق بس متبقاش تنسي، وقولي يا شريف يا شرقاوي في سؤال جاي على بالي علطول بس مكنتش بسأله..! طالعه "شريف" ببرود فواصل الآخر يكمل بنفس البرود:

"يعني شريف الشرقاوي هيكون عاوز يأذي فرح الشرقاوي ليه؟ دي المفروض كده على ما جمعت إنها أختك، لسه في الزمن ده إخوات كده يا جدع؟ طب دي حتى حياتها بيتهيألي كده بايظة بسبب قعدتها في المستشفى ولا البت التانية دي كمان و..! غير معتاد على أن يحدثه الآخر بطريقة كمثل هذه، حسناً، نفذ صبره الآن، أمسك الكوب الزجاجي من أمامه بهدوء، ثم نهض يكسره على فجأة ليقاطعه بينما أمسكه من تلابيبه بقوة وهو يقرب من الزجاج بيده

حيث عنق الآخر هاتفا بتوعد: "بص، شريف الشرقاوي بيقولك متدخلش في اللي ملكش فيه حلو! هز الآخر رأسه له بضعف من أثر إختناقه، فأقترب "شريف" يهمس بجانب أذنه بخفوت ومازال يمسكه: "شريف الشرقاوي يعمل اللي هو عاوزه، فإيه بقا..؟ ردد "خالد" خلفه بخوف يحاول إخفائه ولكنه ظهر: "إيه؟ "فإنت غلطت لما حاولت تتعامل معايا بالطريقة دي، فاهدي كده على نفسك بدل ما أوديك في ٦٠ داهية وأضيعلك مستقبلك يا دكتور إنت ومواقعك القذرة دي، حلو الكلام..؟

قالها ومن ثم نفض يده سريعاً يتركه بعدما توجه يفصل بينهما بعض من الرجال الجالسين، عدل "خالد" من مظهره ثم رحل بعيداً دون أن يوجه أنظاره له، نفض "شريف" يد الرجال بقوة وهو ينظر لهم بجمود، ثم ترك من يده الزجاج، حتى أخرج بعض من الأموال الذي ألقاها على الأرض بإهمال تحت نظرات الرجال البغيضة من تصرفه، ومن ثم رحل بعيداً عن ذلك المقهى، وهو يركب سيارته، ثم ابتسم ابتسامة لا توحي بما حدث منذ قليل، وكأن تعامله بالشر والسوء شيء يسعده من الأساس، وإن ظهر للبشر أنياب حادة حينما يبتسموا بشر، فسيكون هو صاحب أكثر الأنياب الحادة، حتى نظراته التي لا توحي بالخير بتاتاً، رحل بعيداً بالسيارة بعد تلك المقايضة الغير هينة بينه وبين الآخر.

جلست بجانبه على الفراش، بينما هو كان يطالعها بحب فاض من عينيه، كانت تقوم بالإستغفار، جلست هي بجانبه أخيراً بعد أدائها ركعتين لله تقوم فيهما بالدعاء لأولادها وبالأخص عودة ولدها، رفع "حامد" ذراعه حتى يقربها داخل أحضانه ثم ربت عليها بحنو وهو يقول بنبرة مطمئنة: "هيرجع يا دلال، هيرجع! صمتت هي لدقائق لا تعرف بماذا سترد عليه، ولكنها حاولت أن تتحدث من بين نبرتها المختنقة:

"عارفة، عارفة إن غسان هيرجع.. أنا بس اللي واجع قلبي أكتر من غيابه كسرته، عمري ما شفته كده أبداً، مش ده ابني اللي يقف زي المضروب على راسه وهو مش عارف يعمل إيه؟ مش ده غسان يا حامد اللي اللي يقف ساكت ولسانه ميطلعش عشان يدافع عنه؟ حزينة على اللي حصل ما بينهم وهم عمرهم ما كانوا كده ولا كان بسام كده أبداً، بسام اللي زعلي عليه أكتر من زعلي منه! ربت عليها بتعب، ثم تنهد يأخذ أنفاسه ليجيبها بهدوء:

"عارف يا دلال كل ده، بس عايزك تعرفي إن الأصل غلاب، مش هقولك أصلهم إيه بس رجوعهم من تاني زي ما كان هو اللي هيقولك، إن شاء الله ربنا هيصلح الحال وكل حاجة هتبقى تمام متوجعيش فنفسك، خسارة القمر ده يتبهدل كده عشان ولاد الكلب دول! قالها بمرح جعلها تضحك بخفة، حتى خرجت من أحضانه وهي تنظر له باستنكار قائلة بمدافعة: "عمرهم ما كانوا ولاد كلب يا حامد، دول ولاد أكتر راجل حنين في الدنيا ربنا يخليك لينا ويديك طولة العمر."

غمز لها بخفة ثم صاح بمرح: "أيوه هو ده الكلام، بلاها زعل خلينا في الغزل يا أم غسان! ضحكت بخفة فسمعوا هم صوتها وتجلي حنجرتها يبدو أنها واقفة على أعتاب الغرفة منذ وقت، نظر لها والدها وهو يفرد لها ذراعيه من على الفراش قائلاً: "خش فحضن أبوك ياض لسه واقف؟ كان يحدثها بالمذكر فجعلها تضحك بقوة، حتى تحركت "وسام" تدخل بين أحضانه بخفة إلى أن غمزت لهما قائلة: "أنا جيت في الوقت المناسب ولا إيه؟ ابتسمت لها "دلال" بحب،

ثم أجابتها بحنو: "كل الأوقات ليك يا حبيبتي، جعانة ولا إيه؟ استقامت وهي تفسح المجال بينهما حتى تجلس بالمنتصف بينه وبينها قائلة: "لا مش جعانة وسعولي شوية هقعد هنا معاكم.." تزحزحت "دلال" كما فعل "حامد" بينما هي جلست أخيراً، ثم تنفست بعمق وهي تهتف: "أنا بحبكم أوي، أوي وشكراً على الهدية اللي ممكن تكون كلفتكم كتير بس عشان تفرحوني، مش عارفة أقولكم كلام حلو بس أنا بحبك أوي يا بوب وبحبك أوي يا مرات أبويا.."

قالتها وهي ترفع كلاً من ذراعيها حتى تضعهم على كل منهما بخفة إلى أن استندت هي على كتف والدها بينما استندت "دلال" على كتف "وسام"، تزامناً مع رد "حامد" وهو يرفع يده ليمررها على خصلاتها السوداء وهو يقول: "مفيش حاجة تغلي عليكي أبداً، لو عاوزة عيوني تاخديها يا ستي." ابتسمت على أثر يده الحانية التي تلمست وجهها بينما رددت "دلال" قائلة: "مفيش حاجة غالية غيرك انت واخواتك عندي، ربنا يخليكم ويييارك فيكم وأفرح بيكم."

قالتها بحنو، فأصبح الثلاثة الآن بجانب بعضهما كجسد واحد بروح واحدة، يغلفهما حب كل منهما للآخر، لم يكونوا سوى أشخاص سوية نفسياً، يحتوي كلا منهم للآخر وبقوة، وكأن كل منهم يأخذ القوة من الذي يليه، من خلال إحتضاننهما لبعض باحتواء، تلك العائلة الذي حدث لها ما حدث ولكن رب أسرتها لم يكن سوى شخص سوي نفسياً، وإن كان رب الأسرة شخص كهذا، فستسمى عائلة هادئة، حنونة، جميلة، عائلة سوية نفسياً.

استغربت بس ما رديت عليه، ما كنت عارفة أقول له إيه. "طيب، أنا بأروح الحين، بس لازم أتأكد إن كل شيء تمام قبل ما أسافر." "تمام، مشكور يا أحمد." "ولا يهمك. ولو احتجت أي حاجة، أنا موجود." ابتسمت له، وهو ابتسم لي ورجع يكمل شغله. بعد ما مشى، قعدت أفكر. هو صادق، لازم أتأكد من كل حاجة. قمت فتحت اللابتوب وبدأت أشيك على الحجوزات، وعلى تذاكر الطيران، وعلى كل التفاصيل اللي تخص السفر. كل حاجة كانت تمام، وما في أي مشكلة.

بس برضه، قلبي كان مقبوض. حسيت بشعور غريب، زي كأن فيه حاجة ناقصة. يمكن لأني بأفارق المكان اللي عشت فيه سنين طويلة. يمكن لأني بأروح مكان جديد وما أعرف فيه أحد. يمكن لأني بأترك ورايا ناس أحبهم. غمضت عيني وأخذت نفس عميق. "لازم أكون قوية." قلت لنفسي بصوت عالي. "لازم أواجه كل شيء." فتحت عيني مرة ثانية، ورجعت أكمل شغلي. كنت عارفة إن السفر مش نهاية العالم، بالعكس، دي بداية جديدة. بداية مليئة بالتحديات، ومليئة بالمغامرات.

وبداية مليئة بالأمل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...