الفصل 9 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل التاسع 9 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
29
كلمة
11,334
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

جاء اليوم التالي وكان يوم عطلة، نهاية الأسبوع يوم الجمعة. في وقت ما بعد أداء الصلاة تحديداً، بعدما خرج الثلاثة من المسجد، كانوا يسيرون بجانب بعضهم. أمامهم كورنيش البحر والمقاعد التي في بعضها أشخاص وأخرى فارغة، والهواء الخفيف المنعش للروح مع ذلك المنظر الذي يقوم بتطاير خصلات شعر كل منهم. تأمل كل منهم تفاصيل المكان، والبعض غارق بالذكريات. تنهد "حازم" يأخذ أنفاسه بعمق ثم أردف بتذكر قائلاً بابتسامته الصغيرة:

"فاكرين لما كنا بنستنى بعض اليوم ده وكل جمعة كنا بنجرب مسجد مختلف؟ وجه الاثنان نظراتهم له، فتحدث "غسان" قائلاً بتذكر: "أيام ما تتنساش يا صاحبي! ابتسم الآخر له بود، ثم جاءهم صوت "بسام" وهو يجيب الأول قائلاً: "طبعاً فاكرين يابو الحزايم، وأدينا فضينا اهو بقا من الأيام اللي فاتت وننزل نعمل الذكريات دي كل شوية بقا، إحنا ورانا إيه يعني؟ ابتسموا بخفة على حديثه، فتحدث "غسان" قائلاً بسخرية من حديث الآخر: "ورانا إيه؟

المستشفى والعيانين بتوعك بيبكوا في الزاوية." اعتلت ضحكات الاثنين معاً على حديثه، فتحدث "حازم" من بين ضحكاته مردفاً بمرح: "جرا إيه يا أبو الغساسين، ما تسيبه يا صاحبي يشم نفسه." "بغض النظر بجد عن إننا فضينا، بس كانت أيام جميلة. وكمان أخوك حسن يا حازم لما كان بييجي معانا بالغصب منك عشان يصلي." قال "بسام" حديثه بمرح خفيف، فابتسم "حازم" مردفاً:

"مشكلتنا اللي مش مقتنعين إنها طبيعية وبنزعل منها، إننا بنكبر. ياريتنا فضلنا صغيرين، مكنش حصل حاجات كتير. وحسن الله يهديه بقا." فهم الاثنان ما يرمي إليه الآخر حديثه، الذي يردفه بحزن خفيف حتى وإن جاهد ألا يظهر في نبرته. "كل حاجة وليها رجعة. قولي بقا عامل إيه في المحاماة والشغل! قالها "غسان" لتغيير مجرى الحديث، فتحدث "حازم" قائلاً بمرح: "محاماة تحرق الدم."

"أومال لو شفتوا الكشف والحالات اللي تجيب النقطة عندي هتقولوا إيه! "طب بس، أومال لو شفتوا انتوا المقابلات الشخصية ولا المحاسيب الجدد اللي بتعامل معاهم. أنا بطلع عين أمي، ولسه هيطلع من أول يوم الحد في المكان الجديد." نظر كل منهم إلى بعضهم بصمت لمدة ثانيتين، ومن بعدها انفجر جميعهم بالضحك على حالهما وحديث كل منهم الممزوج بالسخرية والتعليق على الآخر. فتحدث "بسام" من بين ضحكاته وبنبرة جاهد أن تخرج ثابتة من كثرة الضحك:

"ثانية يا جماعة، لا لا مينفعش. حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب." قالها بنبرة مليئة بالضحك. فتحدث "غسان" يجيبه من بين ضحكاته: "أبو العمل على اللي اختاره يا حبيب أخوك! قهقه ثانية لكل منهم على حديث الآخر الساخر، في جو يملؤه النفوس المحبة الناضجة، والباقية لكل منهم. "والله زمان يا رجالة." قالها "حازم" بحب وهو ينظر إليهم، بنظراته المحبة المرحبة، وكأنها نظرات ترحب بهم في كل مرة ينظر فيها إليهم.

-تقف هي تنظر لشقيقتها بنفاذ صبر وهي تقف أمام المرآة تقوم بضبط حجابها للاستعداد للخروج، ووالدتهم تجلس أمامهم. قلبت "نيروز" نظراتها الموحية بنفاذ صبرها ووجهتها إلى والدتها، ثم عقدت ما بين حاجبيها عندما وجدت الأخرى يظهر على ملامحها الإجهاد. "مالك يا ماما! شكلك مرهق كده ليه؟ ابتسمت "سمية" ابتسامة صغيرة مكلفة وهي تردف قائلة بهدوء يبث للآخرى بعض الاطمئنان:

"أنا كويسة يا حبيتي متقلقيش. هبطانة بس شوية. خلوا بالكم أنتم من بعض ومن جميلة، هونوا عليها كده يا حبايبي." "إحنا خارجين أساساً مش عشان نجيب لبس وحاجات ناقصة للفرح. أنا قولت كده عشان هي تيجي وتخرج وتفك عن نفسها." أردفت "ياسمين" حديثها وهي تقف أمام المرآة تتطلع على مظهرها، فأومأت لها والدتها وشقيقتها تأييداً على حديثها. نظرت "نيروز" لوالدتها قائلة مرة أخرى باقتراح:

"طب بقولك يا ماما أنا هقعد معاكي عادي. أصل شكلك هبطانة وأنا خايفة عليكي. أو بصي تعالي معانا ونكشف ونشوفك مالك بالمرة!! "خلاص يا نيروز أنا قولتلك يا بنتي هبطانة عادي مش حاجة. المهم إنتي متسبيش اختك لوحدها، خليكي معاها. وأنا هاخد علاجي اهو وهبقى كويسة متقلقيش!

نظرت "نيروز" بتمعن لوالدتها وهي تردف كلماتها، ثم اضطرت في النهاية إلى الرضوخ لعرض والدتها. فنظرت لهم "ياسمين" وهي تلتفت برأسها إليهم، ثم أردفت قائلة بهدوء ثابت محاولة تغيير مجرى ذلك الحديث: "روزي روحي شوفي جميلة خلصت ولا إيه، وأنا خلاص هلبس الجاكيت بس وأجيب الشنطة ووراكي أهو." نظرت لها "نيروز" بحدة قائلة بتهكم: "طيب ياريت متتأخريش عشان زهقت."

قالت حديثها ثم اتجهت خارج الغرفة. تأكدت "ياسمين" من خروج شقيقتها من الشقة بالكامل بعدما انتظرت بضعة دقائق، ثم اتجهت تجلس قبال والدتها وهي تردف قائلة بعدما أخذت أنفاسها بهدوء: "إنتي شكلك تعبان فعلاً يا ماما ولازم نروح دكتور لأن كده مش هينفع. إنتي؟ إنتي مش بتاخدي علاجك؟ جاءها صوت والدتها وهي تردف قائلة بهدوء: "يا حبيتي باخده والله، بس معتش بيأثر زي الأول."

"طيب إعملي حسابك إننا هنروح نكشف لأن كده مينفعش. أنا حتى خلاص قربت أشك إن نيروز عرفت أو قربت تعرف وبقت شاكة فينا كأننا مخبين آثار. وبعدين بصراحة بقا يا سمية هتعرف ومسيرها تعرف! تحدثت "سمية" بلهفة واضحة من نبرتها، مسرعة تجيب على حديث الأخرى: "لأ.. لأ متقوليلهاش حاجة يا يبنتي مش لازم ما إنتي عارفة!

نظرت الأخرى لوالدتها بقله حيلة وهي تومأ لها بنعم، ترسم آلاف السيناريوهات في مخيلتها للحظة الحاسمة، وعلم شقيقتها بحقيقة مرض والدتها. مرض هي تهاب اسمه فقط. مرض توفى منه والدها الراحل أيضاً، التي ما إن عانت بعد غيابه لفترات، وأصبح كل مخاوفها الفراق ورحيل الأحباب من جانبها. أصبحت لديها وكأنها فوبيا الفقدان، خوف من فقدان أي شخص ما متعلقة به.

-خرج من غرفته بعدما تجهز للخروج من منزله. اتجه بخطوات ليست ببطئه وليست بسرعة ليفتح باب المنزل. جاءه صوتها، صوت والدته "زينات" وهي تتحدث قائلة بغير اهتمام وبنبرة خافتة متهكمة بعض الشيء: "وده رايح فين ده! نظر لها وهو يقف بمكانه ثم أردف "حسن" قائلاً بنبرة عادية ممزوجة بالسخرية الطفيفة: "رايح أصلي الجمعة، إيه؟ مصليش؟ لوت فمها بسخرية وهي تعلو ضحكاتها المستفزة قائلة بسخرية لازعة: "جمعة إيه يا عين أمك!

قول العصر بقا دول صلوها من زمان واتولد ناس ومات ناس وانت نايم زي السطيحة! نفخ "حسن" بنفاذ صبر قائلاً بتشنج: "بقولك إيه ياما أنا مش فايقلك، أنا خارج، عايزة إيه من الآخر! "وأنا هعوز منك إيه يا روح أمك، سكة السلامة يا حبيبي." تركها بعدما قالت حديثها، ثم فتح باب شقته ودلف منه للخارج بعدما صفع الباب خلفه.

اتجه عدة خطوات حتى لفت انتباهه تلك التي تقف أمام شقة والده وشقيقته، بجانبها يقفان بجانب بعضهما ويبدو أنهما ينتظران شخص ما. لاحت نصف ابتسامة عبثية على شفتيه وهو يتجه أكثر لهم، ثم وجه نظراته نحو "نيروز" وهو يردف قائلاً بتلاعب: "على الفين العزم." "إن شاء الله من غير ما تقولي لي يا خطيبتي." "رايحين مشوار يا حسن، وبعدين هي مش خطيبتك وخلصنا من الحوار ده! قالت جميلة حديثها قبل أن ترد الأخرى عليه.

نظر هو لشقيقته ثم أردف قائلاً بسخرية وبنبرة باردة: "وانت بقا حامي حمى الديار وبتدافعي عنها؟ وبعدين انت مالك؟ أه لسه خطيبتي واركنيني فجنب كده يلا." نظرت له جميلة بحدة وكادت أن ترد على حديثه، حتى بدأت نيروز بالتحدث قائلة بجمود: "أنا مش خطيبتك يا حسن، أنا رفضتك افهم ده لو سمحت واحترمه." "لا خطيبتي يا نيروز، واوعي تفتكري إني سايبك كده لحالك، لا مش عشان رفضتيني مثلاً. اسكت تؤ، فوقي!!

نظرت له نيروز بارتباك، ثم حاولت أن تجيبه وأن تتحلى ببعض الشجاعة كما حفزتها شقيقتها. تحدثت مردفة بثبات مصطنع: "لأ، موضوعنا خلص من زمان وأنا مش عاوزاك، من فضلك ابعد وشوف نصيبك في حتة تانية." نظر لها بحنق وهي تردف تلك الكلمات التي تثير حنقه. وما أن انتهت، اعتلت نبرة جميلة وهي تحدث الآخر قائلة: "سمعت يا حسن؟ شوف بقا انت كنت رايح فين بعد إذنك عشان الموضوع ما يكبرش! "موضوع إيه ده اللي يكبر يا جميلة؟ بتكلمي مين كده؟

قالت ياسمين حديثها وهي تخرج من باب شقتها تغلقه خلفها، ثم اتجهت إليهم بخطوات ثابتة. نظر لها حسن وهو يقلب عينيه بملل، ثم أردف قائلاً لها ببرود: "موضوعي أنا ونيروز يا سوسو." نظرت له ياسمين باشمئزاز وهي تردف قائلة بانفعال طفيف مكتوم: "موضوعك أه قلت لي؟ لا يا حسونة، انت تشيل الموضوع ده من دماغك أصلاً. أقولك، هو أصلاً مفيش موضوع!

قالت حديثها وشقيقتها تبتلع ريقها بترقب لما سيأتي، هي تعلم أن هذا المستفز وشقيقتها لا يتوافقان مع بعضهما. أما الأخرى فكانت تنظر لشقيقها بتشفٍ من رد ابنة عمها تلك العنيدة تجاهه. نظر حسن لياسمين ببرود مماثل وهو يردف قائلاً: "لا مش هشيله من دماغي، ده هو أساساً في دماغي يا سوسو ومطلعش منه خالص! نفخت جميلة ثم أردفت قائلة، قاطعة رد الأخرى، ثم تحدثت بنفاذ صبر: "ما قالت لك يا حسن، أنا مش عاوزاك، رفضتك، مش حباك!

خلي عندك كرامة، طالما رفضتك يبقى خلاص خلصنا وحافظ على اللي اتبقى منك! تشنجت ملامحه من حديث شقيقته وهو ينظر لها بشرر، خاصة بعدما ابتسمت الأخرى بانتصار التي كانت تحدثه من قبلها. أردف قائلاً بنبرة منفعلة وهو يتجه مسرعاً نحوها يجذبها من معصمها وهو يضربها على وجهها ضربات متتالية تزامناً مع قوله الصارخ بها: "مين ده اللي معندوش كرامة يا بت؟ تعالي أوريكي مين اللي عنده ومين اللي معندوش!!

حملقت نيروز بصدمة، ثم وضعت يديها على وجهها والدموع تهبط من عينيها بصمت، وحالة صدمة من ذلك المشهد لا تعرف كيف تتصرف فيه. والأخرى تتجه مسرعة تفصل بينهما وهي تصرخ بصوت عالٍ بانفعال، لاكمة إياه من ظهره: "ابعد! ابعد عنها يا حيوان!

اتجهت نيروز مسرعة تدق شقة والدة جميلة عالياً. ثوانٍ، وما أن خرجت عايدة مسرعة وهي تنظر لذلك المنظر من أمامها، شهقت عالياً عندما رأت الآخر يمسك شقيقته ويتلفت ينظر لمن فتح ذلك الباب. فاتجهت مسرعة تدفعه بعيداً عنها وهي تأخذ ابنتها بين أحضانها قائلة بلهفة صارخة بقله حيلة وغضب: "عملت إيه؟ عملت إيه في بنتي، حرام عليك!

نظر لهم بتشفٍ، والآخرون يحدقونه بنظرات مشمئزة. فخرجت "زينات" من شقتها مسرعة بعدما سمعت تلك الأصوات العالية، خاصة أن شقتها تقرب أكثر لوقائع تلك المشكلة. نظرت لهم وهم أمامها، ثم توقعت هي جيداً ما الذي حدث عندما نظرت لابنها ونظراته لهم، والأخرى تجلس على الأرض بأحضان والدتها وشكلها وهيئتها المبعثرة وشعرها المتشعت الخارج من حجابها بإهمال نتيجة ضربة الآخر لها. نظرت عايدة بحدة لـ "زينات" وهي تردف قائلة بجمود:

"شيلي ابنك عن بنتي يا زينات، ولو مد إيده عليها تاني أنا هقطعاله بنفسي. أنا ممكن اسكت عن أي حاجة إلا إهانة بنتي من ناس زيكم، فاهمة! ابتسمت الأخرى بتشفٍ واضح وهي تردف قائلة بنبرة باردة ولكنها حملت الكثير من الحقد: "تلاقي الدكتورة دي هي اللي مش متربية وعاملة حاجة كده ولا كده، خلتيه يتعصب عليها!

كانت جميلة تشهق شهقات عالية، وما أن سمعت حديث الأخرى عنها، خرجت من أحضان والدتها عنوة، ولكنها ما زالت جالسة على الأرض وهي تتحدث قائلة باندفاع من بين دموعها: "أنا متربية غصب عن عين أي حد! ابتسمت زينات بسخرية، والآخر بدلها نفس النظرات وهو يردف قائلاً بتحذير: "ابقي فكري كويس قبل ما تتكلمي معايا، أصل شكلي هربيك من أول وجديد يا زبالة! "هي برضه اللي زبالة يا عرة الرجالة؟

قالت ياسمين حديثها سريعاً بصراخ وهي تتجه نحوه تلكمه بقدميها في مقدمة معدته، حتى تأوه هو تزامناً مع قولها العالي المنفعل: "إيه؟ جاي تستقوى على واحدة وعامل راجل عليها وانت متعرفش عن الرجولة حاجة!! ضربها على وجهها سريعاً، ثم دفعها بعيداً عنه بقوة حتى اصطدمت بباب شقتها هي، وهي تتأوه من ألم ظهرها نتيجة دفعته القوية، حتى وقعت مسطحة على الأرض.

شهقوا جميعاً بلا استثناء من الذي يحدث أمامهم من أول ضربها له حتى نهاية سقوطها أرضاً. نهضت هي سريعاً تقف من جديد وهي تصرخ به مجدداً تحت صدمتهم بعدم التصرف بما يحدث!! "أنا هوريك يا حسن، والله لا أوريك بدل ما انت فارد جناحاتك على أختك وأختي يا راجل!

نظر لها بسخرية لاذعة دون أن يتفوه بحرف، ثم اعتلت ضحكاته المريضة وكذلك والدته بعدما رأته يضحك كذلك. خرجت "سمية" سريعاً من شقتها بعدما سمعت صوت صراخ ابنتها العالي، ثم اتجهت مسرعة إلى "نيروز" التي كانت تبكي بصمت تأخذها بأحضانها وهي ترى نتائج الذي حدث باستغراب. ثم تحدثت قائلة بلهفة وخوف وهي تنظر لبناتها ولجميلة الجالسة بأحضان والدتها مرة أخرى وهي تشهق عالياً: "فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟

لم يأتها رد سوى من "زينات" وهي تجيبها قائلة بتعالٍ وغِل واضح من نبرتها: "فيه إن بنتك مش متربية ولا عاملة حساب لحد، إن كان هي ولا السنيورة بنت عايدة! قالت حديثها وهي تمط شفتيها بمسخرة قائلة مرة أخرى بسخرية: "بنات آخر زمن! ضحك الآخر وهو يؤيدها بحديثها قائلاً: "بنات آخر زمن فعلاً، ده لو كانوا بنات أصلاً. وبقولك إيه يا بت انت، لو إيدك دي اتمدت عليا تاني هزعلك، أنا سبتك بمزاجي فاهمة؟

اندفعت نحوه مرة أخرى وهي تصرخ عالياً بغضب جامح وهي تقوم بعضه بأسنانها في كتفه الأيمن بقوة من أثر غيظها وهي تقول بتشفٍ: "وريني هتعمل فيا إيه يا راجل، والله ما هسيبك! قالت حديثها بعناد تزامناً مع فعلتها القوية له في كتفه. صرخ هو بها عالياً حتى دفعها بقوة تحت الصراخ العالي للنساء والبكاء من معظمهن! وانتبه لهم بعض سكان المبنى، ولكن ليس لهم التدخل بسبب ذلك الـ "سليم" وتعامله السيء معهم!!

دفعها بعيداً، ثم اتجه نحوها مرة أخرى ليقوم بضربها. قاطع فعله صعود عدة أقدام على السلم وليس صراخ النساء من حوله وبكائهم! وصل ثلاثتهم إليهم، ثم وقف أمامهم كلا من "حازم" و"غسان" و"بسام". نظر لهم حازم بصدمة وهو يردف قائلاً بتساؤل: "فيه إيه بيحصل هنا؟ اتجهت نحوه ياسمين سريعاً تقف بجانبه، فنظر هو بصدمة لهيئتها ووجهها المحمر، ثم وجه نظراته لشقيقته التي بأحضان والدته والأخرى التي تبكي بصمت بأحضان والدتها.

و"زينات" التى تتطالعه بشماته. وجه انظاره الاخيره الى "ياسمين" ثم نظر لهم بحده قائلا بانفعال: " قولت في ايييه بيحصل هنا؟ ردت عليه "ياسمين" قائله بهدوء يتنافي مع شده اعصابها: "فيه إن حسن مد ايده عليا ومد ايده علي جميله اختـكـم زي ما انت شايف" نظر له "حسن" ببرود قاتم فتحدث "حازم" قائلا بجمود حاد: " الكلام ده حصل؟ نظر له "حسن" بـ صمت ثم تحدث قائلا بسخـريه ممزوجه بالبرود: "اه حصل هتعمل ايه يعني!!

سرعان ما اندفع "حازم" نحوه بسرعه ليلكمه في وجهه وهو صارخا به بانفعال حاد: " يبجاحتك يا اخي بتمد ايدك علي اختك وعلي بنت عمك وكمان خطيبتـي يا زبـ ـاله! ده أنا هعرفك قيمتك من أول وجديد يا كلـ ـب" اندفع "غسـان" وشقيقه نحوهم بسرعه يحاولون تهدئته والفصـال بينهم حتي فصلوهم عن بعضهم اخيرا. فتتحدث "حسن" بانفاس مسموعه قائلا:

" ايه محموق عشان مديت ايدي علي اختك اللي مش متربيه ولا عارفه تتكلم معايا ولا محموق عشان خطيبتك الي مدت ايدها عليا ومش متربيه بردو" صرخت "ياسمين" عاليا وهي تندفع ناحيته قائله بغضب: " اخرس يا حـ ـيوان انا اشرف منك ومن عشره زيك ومتربيه احسن من تربيتك العـ ـره" كادت أن تضربه في وجهه فابعدتها والدتها بسرعه عنه صارخه بها قائله: " ابعدي! قولتلك ابعدي عنه في راجل يجيب لك حقك! نظر "حازم" لـ "ياسمين" بحده

ثم اردف لها قائلا بجمود: " خدي مامتـك واختك وادخلي جوا .... يـــــــــلا" إنتفضت هي علي ٱثر صوته لتلبي أوامره وهي تفتح باب شقتهم وتدلف به هي وشقيقتها ووالدتها الي الداخل بهدوء. فتحدثت "زينات" قائله وهي تنظر" لحازم" بشرر مستغله الموقف: " ابقي قول لحماتك تربي بنتها اصله.... قاطعها هو قائلا: " بقولك ايه انت! ياسمين متربيه أحسن من تربيتك للعيل اللي بيمد ايده علي الأضعف منه وبيستقوي عليهم ..ما ده اخره!! نظر له "حسن"

بملل ثم إردف قائلا بسخريه: " وانت بقا متربي يا حازم؟ صمت عن حديثه لبرهه ثم واصل مجددا: " اوعي تفكر إني هسيب حقي و إنها تمد ايدها عليا ولا هسيب نيروز لحد غيري كمـان! وهعرف كل واحد مقامه كويس هنـا سامع!! اندفع "حازم" نحوه بغضب وشرر لاكما إياه في وجهه مره اخري قائلا بغضب: " انا ال هعرفك قيمتك وهربيك أحسن تربيـه يـا زبــ ـاله وربـنا لاوريك" اتجه " بسـام" سريعا يفصل بينهم قائلا بصوت مسموع عاليا:

" خلاص يا حازم خلاص يا حسن عيب اللى بتعمله ده! عيب كده يا حسن دا حازم أخوك و أكبر منك احترمه! اتفضل ادخل انت ووالداتك شقتكم لحد ما الأوضاع تهدي" رد عليه " حسـن" بسخريه قائلا وهو يدفعه بعيدا عنه بقوه: " وانت بقا اللي هتعلمني ايه العيب وايه الأدب يا محترم! ملكش دعوه !! كاد الاخر أن يرد عليـه حتي انتبه هو لشقيقه يتجه اليه قبله هو!! فاتجه نحوه " غسـان" يقف أمامه ببرود تام ثم اردف قائلا بنبره هادئه وكأن لم يحدث شيئا:

" هو فعلا محترم يا حسن بس تفتكر انا زيه؟ نظر له اللٱخر بصمت ففاجئه "غسان" بلكمه قويه في وجهه من الناحيه الاخري بعدما أردف حديثه ليتأوه هو بصوت مسموع! فرفع يديه يتحسس بأصابعه مكان ضربه هذا الغـسـان! هذا الذي يعد عدوه منذ طفولته. شهقت "جميله" وعايده بصوت مسموع حتي شهقت والدة الاخر أيضا من مفاجأه ضرب "غسـان" لهذا المستفز!! بسبب طريقته التي لم تكن ظريفه مع شقيقه التوأم.! فأكمل "غسـان" حديثه قائلا بنبره

واثقه نابعه من حديثه: " فــ بلاش اللي مني عشان متزعلش مني يا بو علـي" نظر له الاخر بشررر يتطاير من عينيه بعدما اتجه الاخرين يمـسكون "بغسـان" بعيدا! عن هذا المسـ ـتفز الهمجـ ـي!! نظر "حسن" له بشرر مردفا بصوت جهوري: " ايـ ــه تلات رجاله على راجل واحد! دي رجوله يعنى! ابتسم "غسان" بسخريه وهو ينظر للاخر قائلا بثبات ساخر: " ٣ رجاله على ايه! راجل! مفتكرش يا بو على! " ايوه راجل غصب عن عين أي حد إيه مش مالى عينك ولا ايه؟

قال "حسن" حديثه بانفعال! فرد عليه "غسان" قائلا ببرود مصطنع: " لا مش مالى عينى بصراحه هتملاها ليه! هناسبك؟ ولا هتجوزك؟ طب بص كده يا بسام شوفه كده مالى عينك ده يا حبيب اخوك!! قال "غسان" حديثه بسخريه من الاخر وهو يشير فى اخر حديثه لشقيقه!! والاخر يكتم ضحكاته على حديث شقيقه! فـكان ينظر "حازم" و "بسام" للمشهد أمامهم بصمت وتمعن للاخر! فبدل "غسان" نظراته للحده قائلا مره اخرى وهو ينظر له هو ووالدته: " روح اتعلم تبقى راجل!

ويـــلا هوينـــا من هــنا" ثم وجه نظراته لـ "زينات" قائلا مره اخري بحده "يــــــلا" " يلا يا حسن يلا يلا خلينا نمشي من هنا بدل الهم ده" اردف قائلا مره اخرى عندما وجد الاخري تجذب ابنها وتتجه به ناحيه شقتها. " ايوه كده خدى الحيله للى ليكى وربيه من تانى ياأم الناقص... قصدي يا ام حسن !! نظر الاثنان له بحنق وشرر يتطاير من أعينهم ثم دلفو داخل شقتهم صافعين الباب من خلفهم بقوه!! نظر "حازم" بأسف لهم وهو يردف قائلا بحرج:

" حقكو عليا من اللى حصل ده كله" ابتسم له "بسام" قائلا بهدوء: " حصل خير يا حازم متزعلش انت نفسك و ربنا يهديه" " متتأسفس يا صاحبي! كده تعادل! ولو إن أخوك ناقص بصراحه ويستاهل اكتر من ده! قال "غسان" حديثه بهدوء وثبات للاخر! فتحدث "حازم" قائلا مره أخري: " حقك عليا من تانى يا صاحبي! " انت اخونا ياحازم خلاص ال حصل حصل" ابتسم لهم بامتنان وبادلوه نفس بسمته! وكل منهم يتجه حيث شقته بهدوء وكأن لم يحدث شيئا!

خاصه عندما دلفت حازم داخل الشقه بعد والدته وشقيقته! عندما ٱشار لهم قبل قليل بان ينسحبو بهدوء عند المشاده الحاده بين"غسان" وشقيقه! دلف الى داخل شقتهم ثم أغلق الباب خلفه! بعدما ابتسم بامتنان للٱخرين وتأسف لهم مرات اخرى! اغلق الباب تزامنا مع دلوف الاثنين إلى شقتهم بهدوء بعد تلك التى تسمى بالعـارـكة!! بعد عدة دقائق مرت دلـفت والدتها إلى الغرفه وهى توقظها من نومها بعنـف قائله بصوت عالى نسبيا: " قـومى!

قــومى يا ٱخرة صـبـرى! شوفى أخوكـه حصلـه ايه! قومى يابت!! تململت "فريده" بانزعاج وهى تعتدل لتنهض جالسه على الفراش بنفاد صبره قائله بعدما انتاب حديث الاخرى الفضول الطفيف بها: "ايـه يا مـاما خير ايه الـ حصل؟ "يابت بقولك قومى جيبي تلج من الفريزر وتعالى على الصاله بسرعه ! قالـت "زينات"حديثـها ثم اتجهت خارجه من الغرفه تاركه الأخرى يظهر على ملامح وجهها الاستغراب!! خرجت متجهه إلى الاريـكه الذي يجلس عليها "حسن" بصالة المنزل.

" عينى عليك يا بنى!! قالتها وهى تتجه اليه ناظره له بشفقه! نظر لها الاخر وهو يردف قائلا بغضب دفيـن: " وعهد الله ما هعدى ال حصل ده! بكره تشوفى" انتبه هو لشقيقته وهى تتجه نحوهم ببطئ ثم مدت يديها بالكيس الذي يوجد به مكعبات الثلج تزامنا مع حديثها: " ايه ده يا حسونه مين علم عليك كده! اخصص بجد ! نظر لها بشرر مردفا بغضب: " انت مالك خليك فحالك! وهاتى الزفت ده" نظرت له بضجر ثم بدلت نظراتها للإصفرار وهى تبتسم بتشفى!

ثم تركتهم واتجهت مرة اخري إلى غرفتها وكأن ذلك المسطح على الاريكه باجهاد ليس شقيقها!! اخذت "زينات" المكعبات الثلجيه منه ثم وضعتها على وجهه بملامح وجه متشنجه!! تأوه هو عندما وضعت والدته الثلج على مكان ضربة "غسان" فى. الجهة اليسرى من وجهه مردفاً بصوت متألم: "آه ما براحة يا ما، الله، بتوجع" لوت "زينات" فمها بتهكم مردفة باشفاق بادٍ من نبرتها:

"الله ما هي لازم توجع يا عين أمك، ده أنت واخد بونيتين وجعوني أنا فوشي من صوتهم يا حبيبي، ولا البونيه التانية، تتقطع إيده ابن دلال اللي عمل فيك كده، هو والتاني اللي ما يتسمى أخوك! أردف "حسن" قائلاً بتوعد وهو ينظر لنقطة ما في الفراغ: "آه لو أعرف مين في الاتنين اللي عمل فيا كده، نقول إيه، توأم ياما توأم، ومتلخبط أنا، لولا كده كنت هتصرف تصرف تاني! لوت "والدته" فمها بتهكم متحدثة بسخرية: "اتنيل يا خويا كده!

أردفت مرة أخرى عندما نظرت له وأشفقت على حاله وشكله: "طب آه لو أعرف اسمه ولا مين اللي عمل كده، هدعي عليه ليل نهار" "مفيش غيره، غسان.. وأقولك يا ما ادعي على الاتنين وخلاص! نظرت له "والدته" ثم أردفت قائلة بتفكير وهي تضع إصبعها تحكه بمقدمة رأسها: "والله فكرة يا واد، ربنا يهديهم ولاد دلال الاتنين، إن كان ده ولا ده! واللي ما يتسمى معاهم! ابتسم ابتسامة انتصار وكأنه فاز للتو عليهم!

لا يعلم أن حديثه هو ووالدته ليس مثيراً للانتصار، بل كان مثيراً للضحك الساخر منهم وبقوة! "يامن كده غلط! لازم تلم ألعابك بعد ما تلعب ماشي" قالتها "ورده" بلطف لصغيرها، كانت جالسة وزوجها كان بالداخل، وما أن أردفت تلك الكلمات خرج من الغرفة متجهاً إليهم بابتسامة واسعة، نظرت هي له ثم أردفت قائلة بمشاكسة: "مش خير يا بدري، إيه مفرحك كده! نظر لها "بدر" ثم أردف قائلاً بمكر: "عادي، مفيش حاجة، غير كمان يومين بس هننزل مصر!

كانت تستمع إلى حديثه بملامح وجه عادية حتى سمعت آخر حديثه فابتسمت بفرحة قائلة بلهفة: "بتهزر؟ بجد؟ لا بسرعة كده إزاي؟ نظر لها بابتسامة صغيرة ثم عدل من ياقته الوهمية قائلاً بغرور زائف: "آه بجد، هو أنا أي حد ولا إيه؟ "إزاي ده، ده أنت أحلى حد في الحدات كلهم! قهقه بقوة على حديثها، وهو يقترب من صغيره يحمله بين يديه بحب، والأخرى تبتسم باتساع على منظرهم معاً حتى اتجه لها يأخذها بين أحضانه، فأردف يامن قائلاً بتلقائية:

"جوعان يا ورده! نظرت له والدته ثم نظرت لزوجها، ثوانٍ وانفجرا بالضحك بقوة! فأردف "بدر"، بضجر من صغيره: "يخربيت فصلانك ياض! إيه! مبتجوعش إلا في الأحضان! ضحكت "ورده" بخفة على حديث الآخر مردفة بمرح: "ده أصلاً أصلاً حبيب ورده" ابتسم الصغير "يامن" باتساع عندما وجد والدته تشاكسه بحديثها المرح وهي تنظر له وتضع يديها على خديه بحب تدغدغه! نظر لهم "بدر" بحب، مردفاً بعناد: "حبيب ورده مين! كلنا عارفين إن ده حبيــب بــا بــااه"

قهقه "يامن" بقوة على تلك الكلمات من والده، كلمته المعتادة مع دغدغته في معدته، ضحكوا على ضحكته الرنانة الطفولية التي تسلب عقل من يراه حتى وإن كان لا يعشق الأطفال! خرج "يامن" من ضحكاته أخيراً، مردفاً بنبرة طفولية تلقائية: "يامن شطور" ضحكت "والدته" بخفة عندما أدرف هو تلك الكلمات، أيقنت أنه يريد تلك الكلمات الملحنة مثل الأغنية التي ترميها على ماسمعه! والآخر أدرك ذلك أيضاً. ابتسم كلا من "بدر"، و"ورده"

مردفين بصوت واحد بنبرة هادئة، يلحنون للآخر ما يريد قائلين بنفس واحد وصوت واحد في آن واحد: (يــــامــــن الــــشــــطــــور بــيـــخــــلــص الفــــطــــور ويــشــرب اللــبــن ويشــرب الـلـبن ويــجرى عـلى النــوم زي مـيــن يا ولاد زي الــ الشــطــور) ابتسم "يامن" بحماس وهو يضرب كفيه معاً يصفق بهما بسعادة، ضحك عليه والده ووالدته بخفة مقبلين خديه معاً بجوانبه المختلفة في وقت واحد بحب فاض ووسع كل شيء من حولهما!

"يخف ثقل الأيام بهم! بالأصدقاء، كلمة نراها كثيراً ولكن لا يعمل بها إلا القليل! الصديق قريب، أن يكون حنوناً، لطيفاً، يزال واقفاً رغم ما بي، يزال يتحمل ما بداخلي وما بدر مني، هذا هو الصديق، أن يكون قوتي بأيام ضعفي، وأن يكون مسكني وسكينتي في وقت لا يوجد أحد بجانبي! السند وقت لا سند لي، الظهر حينما يكسر ظهري، الحب الدافئ حينما يخذلني أحدهم، الحضن الحاني حين يقسو عليا كل ما في هذا العالم! فـ الصديق قريب، والقريب صديق."

مر الوقت وكانت هي تقف تنتظر ابنة عمها على باب شقتها هي وشقيقتها! تحدثت "نيروز" قائلة بهدوء: "تفتكري هتيجي وتنزل معانا؟ ولا هتطلع تقول لا مش جايه؟ نظرت لها "ياسمين" مردفة بثقة: "هتيجي، عشان بتحبك، جميلة عمرها ما تسيبك أبداً بالذات! ابتسمت "نيروز" وكادت أن تجيب الأخرى، فانتبهت "لجميلة" تتجه إليهم بهدوء بعدما عدلت من مظهرها وحجابها مرة أخرى، اتجهت وهي ترسم ابتسامة، ولكنها كانت ابتسامة منكسرة لا يعرفها سواهم!

تحدث "نيروز" وهي تنظر لها قائلة بلهفة: "جميلة انتي كويسة صح؟ "الحمد لله، مش هتنزلو؟ يلا" نظرت لها "ياسمين" ثم أردفت بمرح حتى تخفف من ألمها: "إحنا أسود مبيأثرش فينا حاجة، يلا بينا" ابتسموا بخفة على حديثها وهن يتجهن معاً ناحية الدرج يهبطن من عليه للأسفل إلى حيث وجهتهم! "لينصر الأخ أخاه ظالماً أو مظلوماً، وإن كان ظالماً فلينهه، وإن كان مظلوماً فلينصره" "مقتبس"

كان جالساً على المقعد في غرفته وبجانبه شقيقه يرتشف كلا منهم الشاي، بعدما دخلا إلى شقتهما، نظر "بسام" إلى "غسان" بتردد وهو يردف قائلاً بمرح: "مالك يا غس؟! نظر له الآخر بحدة خاصة، إنه ليس وقت ذلك المرح الآن، فأردف الآخر مرة أخرى: "متضايق صح؟ قالها ولم يأتِ من الآخر رد، فأخرج "بسام" هاتفه من جيب بنطاله ثم فتحه على وضع المكالمة ووضعه على أذنيه بجدية! عقد الآخر مابين حاجبيه ثم أردف "غسان" قائلاً باستنكار: "بتعمل إيه ياض!

نظر له "بسام" وهو يردف قائلاً بجدية مصطنعة: "بتصلك بالراجل بتاع (بيو بيو أحمد محسن بيو بيو) عشان يعملك فيديو من بتوعه وتفرفش كده ومتبقاش متضايق! نظر له "غسان" بصمت ثم ثوانٍ وانفجر الآخر بالضحك، فتحدث "غسان" وهو يكتم ضحكاته قائلاً: "ع فكرة مبتضحكش! "والله كذاب، ده أنت كاتم الضحك، بص بص هتموت وتضحك!

ثوانٍ وضحك "غسان" بخفة على حديث الآخر وبقلة حيلة منه، نظر "بسام" لشقيقه ثم أردف قائلاً بعقلانية متردداً من ردة فعل الآخر، بالفعل هو كان يهيأ لذلك العتاب بالضحك حتى لا يثار غضب الآخر: "بعيداً عن الهزار، ليه عملت كده يا غسان! نظر له "غسان" ثم أردف قائلاً بثبات: "وأنت، عاوزني أعمل إيه مش فاهم! أسيبه يتكلم معاك بالطريقة دي! ولا أقفله ساكت وهو فارد جنحاته عـ الاضعف منه!

"لا طبعاً متسكتش، بس تتحكم في دراعك، مكنش ليه لزوم ضربك ليه وأخوه كان موجود..! أجابه "غسان" بحدة: "أنا مش مستني حازم يجيبلي حقي يا بسام سامعني! وبعدين دي تربية ناقصة يعني مينفعش معاه إلا كده وأبو كده كمان، افهم ده كويس فاهم؟! ده واللي زيه مش عاوز معاملتك المحترمة دي! ده عيل حيلة أمه! عارف يعني إيه؟ ولا بلاش نزود!

نظر "بسام" لشقيقه وهو يومأ له بقلة حيلة محاولاً تغير مجري الحديث. هو يعلم جيداً أن لا فائدة من إقناعه بوجهة نظر أخرى. "أمك نايمة ولا دارية باللي حصل ده كله، والبت وسام برضه في أوضتها وبعيد عن الصوت والسلم، وأبوك مش هنا، والجو هادي خالص والدنيا هوس هوس وأنا وأنت يا حبيبي يا حبيبي! نظر "غسان" له بريبة مصطنعة خاصة عندما قام الآخر بإرسال غمزة وقبلة طائرة له. فأردف قائلاً باستنكار: "ما تتظبط ياض!

نظر له الآخر وهو يضحك بخفة على كلمات شقيقه. فتحدث "بسام" عندما انتهى من ضحكاته قائلاً: "بس أبوك اتأخر، هيكون راح فين كده؟ "أنا عارف هو راح فين، هييجي أكيد مش هيتأخر أوي متشغلش بالك. قوم إعملي كوباية شاي." "ما هو في إيدك اهو يا معلم! أردفها "بسام" بجدية مصطنعة محاولاً تقليد مشهد تمثيلي. "اهو، اعمل شاي عشان الكوباية اتكسرت! "ما الكوباية في إيدك اهي يا معلم." "اهيي، روح اعمل شاي بقا! "ماشي، هي نصيبها كده!

قهقه كلاهما عالياً عندما أردفوا تلك الكلمات، خاصة أنها معروفة من المقطع الشهير بالفيديوهات. فتحدث "بسام" قائلاً من بين ضحكاته العالية: "والله إحنا تافهين! نظر له الآخر مردفاً بنبرة ضاحكة: "البركة فيك، عديتني يا شيخ وأنا طول عمري كاريزما! "يا عم محدش واخد منها حاجة، اديني ٣ دقايق أعملك أحلى كوباية شاي بدل اللي اتعملت من غير ضمير دي يا معلم."

قالها سريعاً بنبرة ضاحكة وهو يهرول خارج الغرفة بمرح، مما جعل الآخر يبتسم بقلة حيلة منه. لكنه يعلم تمام العلم أنه يفعل كل ذلك كي يخفف من غضب وضجر الآخر من ذلك الموقف قبل ما يقرب ساعة. أخذ يفكر مرة أخرى في الموضوع هذا، وكيف ذلك المستفز يجرؤ على معاملة شقيقه وشقيق الآخر كذلك. كيف يجرؤ على ضربه لفتيات من دمه هو!

كيف له أنه كان يريد الزواج من تلك الخجولة البريئة، كيف لذلك المتخلف الارتباط بتلك التي يعرف أنها عانت كثيراً ولن تتحمل شخص مثل الآخر! _"أتأسف لك يا صديقي عن كل من خذلوك يوماً، أتأسف كثيراً بالنيابة عن من أحزنوك، أتأسف وأتأسف حتى يُشفى قلبك من الخذلان!

بعد مرور ساعة وأكثر على ما يقرب، انتهت "ياسمين" من شراء عدة أشياء خاصة بها. خرج ثلاثتهم من المول وكانوا يسيرون بجانب بعضهن، حتى وجدوا منطقة ما فارغة للجلوس فيها على كورنيش البحر كان قريباً بنسبة ما من المبنى الخاص بسكنهم. تحدثت "ياسمين"، وهي توجه أنظارها لهن قائلة بإنهاك: "تعالوا نقعد هنا، ونشم شوية هوا كده أصل هبطت!

أومأوا لها تزامناً مع اتجاههن معاً للجلوس في تلك البقعة الفارغة. نظرت "نيروز" لـ "جميلة" فوجدتها تائهة شارده، خاصة أنها لم تتحدث كثيراً. فتحدثت "نيروز" قائلة بهدوء وأسف موجهة أنظارها وحديثها للأخرى: "أنا آسفة يا جميلة لو كان اللي حصل ده بسببى لما حسن شافني، ممكن أكون أنا السبب في كل ده بس متزعليش نفسك ومتزعليش مني و.... قاطعتها "جميلة" بهدوء وبابتسامة صغيرة قائلة بكسرة:

"متحمليش نفسك ذنب انتِ ملكيش يد فيه يا روز، انتِ ملكيش دعوة بحاجة، أنا بس هاخد وقت صغير وهبقى عادي ما انتِ عارفاني متعودة! بس صدقيني انتِ ملكيش دعوة مش انتِ اللي روحتي اتجوزتي على أمي، ولا انتِ اللي خلفتي واحد أقل ما يقال عنه راجل ولا انتِ اللي معرفتيش تربية. أنا اللي بتأسف ليكِ على فكرة إنك مستحمـلانا لحد دلوقتي وانتِ مش مجبرة على ده منه!

أدمعت عيني "نيروز" وكذلك الأخرى بتأثر من حديثها. فرفعت "نيروز" ذراعها تحتضنها من الناحية الأخرى، خاصة أن جميلة كانت تجلس بالمنتصف. كان ذلك تحت نظرات "ياسمين" المتأثرة. كانت تنظر بتفهم لعلاقتهم القوية المترابطة وكأنهما توأمان بروح واحدة وإن لم تلدهما نفس البطن، وإن كانا من رحمين مختلفين! دوماً كشخص واحد يتقاسمان كل شيء مع بعضهما البعض، وكان للألم النصيب الأكبر من المشاركة معاً به. تنهدت "ياسمين" بعمق وهي

تأخذ ببطء وهي تتحدث قائلة: "هتأثر كده وهعيط، وازروط الدنيا بقا." ضحكت "نيروز" و"جميلة" بخفة. فرفعت "ياسمين" ذراعها هي الأخرى لتحتضن "جميلة" بحب. فأصبح ثلاثتهم يحتضن بعضهن وكأنهن شخص واحد بثلاثة أجساد وروح واحدة، يتقاسم كل منهن ألمه للآخر! _"أمان العائلة، الأمان الأول والأخير، أول ما نشعر به من أمان كان في هذا الركن الدافئ منها!

كانت والدتهم تضع لهم الطعام على المائدة، بعدما نهضت من نومها وجاء والدهم من الخارج. كانت تعد الغداء برغم تأخير موعده، ولكنهم جميعاً كانوا يجلسون على المائدة دون استثناء قبال بعضهم. انتهت وضع الطعام ثم جلست بجانبهم هي وابنتها. فبدأ "بسام" بالحديث قائلاً بمشاكسة لوالده: "مقولتليش يعني كنت فين يا حجوج بعد صلاة الجمعة أتأخرت يعني." نظر له "حامد" بصمت ثم وزع نظراته بتردد على الجالسين، خاصة هي زوجته. فأردف قائلاً بهدوء

وجدية متردده عكس طبيعته: "كنت في المقابر عند "سلمى" بزورها.. وبرضه أبويا وأمي كمان." نظروا له بصمت بعدما أردف كلماته، ثم بدأوا بالرحمة عليهم. وقد أدمعت عيني "دلال" عندما جاءت سيرة "سلمى" ابنتها!

نظروا لها باشفاق على حالتها، وخاصة نظرات "غسان" المهتمة منذ بداية الحديث. كان ينظر بتمعن لكل تفصيلة كانت تفعلها والدته، هو يعلم أنها تتأثر كثيراً بهذه السيرة، وأن شقيقته لن تغيب عن بالها يوماً. تنحنح هو قائلاً ومحاولاً تغير مجري الحديث مردفاً بمرح مشاكس لوالدته: "الأكل حلو أوي يا دلال، بس مسكر أوي! عقدوا جميعاً ما بين حاجبيهم، فنظرت له والدته تستجوبه بعينيها. فتحدث هو من جديد قائلاً بثبات:

"عشان حطيتي إيدك الحلوة فيه يا جميل." ضحكوا جميعاً بخفة. فتحدثت "دلال" قائلة بحب: "بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي." ثم أردفت قائلة مرة أخرى بتذكر: "واه، طب إعملوا حسابكم العزومة بكرة إن شاء الله." تحدثت "بسام" مردفاً بتلقائية: "بإذن الله. بس هو انتِ عازمة أم حسن معاهم؟ "لا مليش كلام معاها قد كده وانت عارف بتسأل ليه؟ نظر لها "بسام" وهو يردف قائلاً بتلقائية: "أصل حصلت مشكلة جامدة النهارده."

نظر له "والده" يستجوبه، فنظر هو لشقيقه فوجد "غسان" يحدجه بحدة. فأردف "بسام" قائلاً بتردد: "بس خلاص يعني المشكلة اتحلت." "لا قول عشان أنا فضولي مش هيكفي يا بيسو." قالتها "وسام" بمرح. فنظر له "والده" مردفاً بجدية ممزوجة بالمرح، هو يعلم أن هناك خطب ما! "اه طب يا ولاد الكلب قولولي حصل ايه كده يلا حالا! قالها بهدوء يتنافى مع طبيعة حديثه. تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يستقيم واقفًا بجانب المائدة قائلاً بنبرة حملت التوعد:

"قول بقا انت يا بسام عما أغسل إيدي أصلها مفيش فايدة فيها بتتوسخ على طول! كان يرمي بحديثه بتوعد للآخر. ابتلع الآخر ريقه بخوف مصطنع قائلاً: "مصر تعرف يعني يا حج؟ "أيوه يلا واروي فضول البت بنتي الغلبانة دي كمان." ابتسموا بخفة عندما قال حديثه بمرح. فاتجه "غسان" ناحية الحوض ليغتسل، فاردفت "والدته" من على بعد قائلة: "لحقت تاكل يا بني؟ "الحمد لله يا حبيبتي شبعت!

قالها غسان من على بعد وهو يبتسم لوالدته. والآخر بدأ بالفعل بقص ما حدث اليوم من أحداث لوالده وشقيقته، والأخيرة تستمع له بحماس طغى على ملامحها. ***

كانت تجلس بجانب زوجها بعدما أتى من الخارج، وتفكر هل تقص عليه ما حدث اليوم وتضع البهارات الخاصة بها في كل حديثها أم تؤجل ذلك عندما يكونوا مجتمعين معًا جميعهم، وتستطيع أن تتشفر بهم أمامهم وأمام نظراتهم. أخذت تفكر في ذلك الحوار جيدًا وترتب له، فقاطع شرودها مناداة زوجها عليها عدة مرات حتى انتبهت هي وهي تجيبه قائلة بـ: "ها! في حاجة يا سليم؟ "مالك مش مركزة ليه سرحانة في إيه! قالها باستغراب، فاجابته هي قائلة بدفاع:

"لا لا مفيش حاجة، بفكر في الواد حسن أصله أصله تعبان." أجابها "سليم" ببرود قائلاً: "وده ماله المحروس؟ "ومالك بتقولها من غير اهتمام كده ليه، ولا كأنه ابنك يعني." "ابني. ابني يا زينات بس لما يتظبط هيبقي ابني، افهمي." قالها بنفاذ صبر. فاردفت هي بغضب وحقد بادٍ في نبرتها: "لا مش هفهم يا سليم، طول ما انت واخد التاني تحت جناحك والدنيا ماشية وعند ابني لأ!

"أنا قولتلك ابنك مفيش منه رجا لا في تعليم ولا شغل ولا قرف، إيه مبتفهميش خالص! قال حدثه بصوت عالٍ نسييًا، ثم اتجه يقف من مكانه إلى باب شقته يخرج منه بنفاذ صبر، صافعًا الباب من خلفه. والأخرى تجلس وكأن شيئًا لم يكن، وهي تفكر بعلاقته بابنها. تقسم بتفكيرها لهلاك الآخر وتعزيز ابنها عنه. تفكر وكأنها أفعى سامة، ليست فقط بلدغها، بل بتفكيرها وكيفية التغلب على فريستها. *** "هيلووو يا حبايب عاملين إيه!

"بتأسف لأن حاسة إن البارت صغير واتأخرت عما نزلته كمان، بس كله من الامتحانات منها لله." "انچوي وقولولي رأيكم في البارت واعملولي نجمة حلوة كده زيكم." "وإن شاء الله البارت ده ليه جزء تاني لأن الأحداث فيهم كتير شوية." "مش هطول في نزوله، هنزله بسرعة ومش هتأخر بإذن الله." "ليس الضعف ضعف البنيان بل ضعف العقل، ضعف الحكم، ضعف التصرف"

كانت "فرح" تتجهز للخروج إلى حيث ذاهب والدتها للكشف على حالتها والحكم النهائي بوالدتها. كانت تلبسها ملابسها بهدوء وتمشط لها شعرها وهي شاردة الذهن. والآخر كان يجلس أرضًا يقوم بتلبيس حذاء والدته الطبي في قدميها. وقع المشط الخاص بتسريح خصلات الشعر منها للمرة التي لا تعرف عددها بسبب رعشة يديها الغير ملحوظة للكل. نظر شقيقها لها بتمعن ثم أردف قائلاً بتساؤل يحمل بعض اللهفة:

"مالك يا فرح، دي عاشر مرة توقعي المشط من إيديكي ومش المشط بس، مالك انت تعبانة؟ نظرت له بارتباك وملامح وجه متوترة، وهو مازال ينظر لها ينتظر ردها. ووالدتها تلتفت تنظر لها بتساؤل من عينيها. جاؤهم صوتها الهادئ قليلاً وهي تقول: "لأ، لأ مفيش شوية إجهاد بس تلاقيني، تلاقيني منمتش كويس! نظرت لها "حنان" بحب وهي تردف قائلة: "طيب خليكي هنا يا حبيبتي ارتاحي وعز أهو معايا! "لا لا أنا هاجي عادي."

نظر لها "عز" بتمعن وليديها المرتعشة وملامح وجهها المحمرة قليلاً، واستغراب من تصرفاتها من بداية يومهم. فتحدث قائلاً محاولاً التخفيف عنها: "طيب خليكِ، هعملك ليمون تشربه يهدي أعصابك لأنك بتترعشي لو مش حاسة بنفسك! ابتسمت له نصف ابتسامة مكلفة. ثم نهض ليستقيم من جلسته وخرج من الغرفة بأكملها ناحية المطبخ حيث ما عقد العزم. نظرت لها "والدتها" وهي تجذبها من معصمها لتقف أمامها وهي تردف قائلة بصوت ضعيف: "مالك يا فرح؟

أنا مش عارفاكي من امبارح أنا أمك! فيكِ إيه يا ضنايا؟ جاهدت هي أن ترسم ابتسامة واسعة مريحة على وجهها وهي تردف بثبات جاهدت أن يخرج منها: "أنا كويسة يا حنون، بس متوترة تلاقيني عشانك أو عشان الامتحانات قربت، بس كل حاجة بتعدي متقلقيش عليا! "متوجعنيش في قلبي يا بنتي، لو بتحبي أمك، متشيليش هم، انتِ لسه صغيرة! ماشي؟

أومأت لها "فرح" وهي تهز رأسها بالإيجاب بضعف لتعود شاردة الذهن من جديد. قاطع شرودها عندما دخل هو من جديد عليها. ثم اتجه ناحيتها وهو يرفع الكوب على فمها لترتشف منه. قاطعت فعلته هي وهي تمد يديها المرتعشة تأخذه من بين يديه، لكنه أبعد يديه قائلاً بهدوء: "لأ! اشربي وهو فـ إيدي كده، عشان رعشة إيديكي." ابتسمت له بحب وكذلك الأخرى وهي ترتشف ببطء، حتى انتهت وهي تردف قائلة بود: "شكرًا يا عز." نظر لها بحدة وهو يردف قائلاً:

"شكرًا إيه ده يا نغة؟ ده أنا كنت بشيلك على إيدي دي فرق ٦ سنين مش قليل، كنت بأكلك وأشربك وكمان كنت بنيمك جنبي وفحضني." ابتسمت بخفة وكذلك "والدته" وهي تنظر لهم بحب قائلة: "ربنا يخليكم لبعض يا حبايب قلبي! *** "بس يا حامد وده كل اللي حصل باختصار يعني! قالها "غسان" وهو ينظر له والآخرين بجانبهم أيضاً يجلسون بجانب بعضهم، بعدما أكمل "غسان" الجزء الأخير والآخر قص عليهم كل ما في البداية. نظر "حامد" إليه وهو يردف قائلاً:

"بعقلانية: هو طبعاً كويس إنكم تدخلتم تهدوا الموضوع، لكن متتورطش نفسك تاني بدراعك يا غسان! قالها بلطف لنصيحة ابنه، ولكنه يعلم تمام العلم أنه ليس إلا تصرفاً واجب فعله، خاصة بعد دفعه لأخيه! هو يعلم أن نقطة ضعف ولده هي العائلة، ولا يقبل عليها أي شيء ولو ذرة. نظر له "غسان" بتعمق وهو يردف قائلاً بجمود: "اللي يغلط في حد من عيلة البدري لازم ياخد جزاته، وبعدين ده غير القرف اللي كان بيعمله مع أهل بيته! "حصل خير يا جماعة."

قالها "بسام"، فأيده "حامد" مردفاً بتفهم: "حصل خير فعلاً، بس لازم تتحكم في أعصابك ودراعك بعد كده، دول جيران مهما كان." "لا من ناحية الأعصاب فهو تلاجة!! أردف بها "بسام"، فنظر له شقيقه بحدة. قاطعهم صوت "والدتهم" وهي تردف قائلة: "مهما كان دول جيران وكمان قرايب." أجابتها "وسام" مردفة: "جيران إيه يا ماما، ده شكله بني آدم مستفز أساساً! قاطعهم صوت "غسان" وهو يرف قائلاً بهدوء: "أنا قايم البلكونة أنا."

أومأوا له جميعاً بصمت، وخاصة أنهم يعلمون أن تلك هي وقفته المفضلة، وأن في ذلك الوقت يريد هو الاختلاء بنفسه قليلاً. وكذلك استأذن الآخر للذهاب إلى المستشفى لأمور علم بها في الحال. والأخرى ذهبت إلى غرفتها، وكذلك والديها. ***

عادت "جميلة" و"نيروز" إلى المنزل، وصعدتا على الدرج بهدوء حتى وصلتا إلى الطابق الخاص بهن. عقدت "جميلة" العزم بأن يجلسا معها فترة، فأرادتا أن لا يزعجاها خاصة بعد حالتها تلك. دقت "جميلة" الباب عدة دقات وهما الاثنتان خلفها. دقائق بسيطة وفُتح لهن الباب بواسطة "حازم" الذي ابتسم لشقيقته قائلاً: "حمد لله على السلامة يا چيچي." ابتسمت له هي وهي تتدلف إلى الداخل وهما من خلفها، فتحدث هو من جديد قائلاً:

"كويس يا روز إنك جيتي، كان بابا بيسأل عليكي وكان عايزني أناديكي، بس مقولتش يعني إنك مش موجودة! ابتسمت هي له وهي تتدلف إلى الأريكة في الصالة. أما الأخرى فعقدت ما بين حاجبيها لتجاهله إياها، ليست من طبيعته بأن يعتبرها مثل الهامش ولا ينظر لها ولا يشاكسها بحديثه كعادته. دخلت "جميلة" و"نيروز" بالداخل حيث يجلس عمها. والأخرى دلفت الشرفة مع "حازم" بصمت بعدما أردف لها بأن تأتي معه إلى الشرفة باقتضاب.

نظرت "نيروز" لذلك الجالس أمامها وكعادته بيديه بعض الأوراق. انتبه "سليم" لها فترك ما بيديه وهو يعتدل في جلسته قائلاً بنبرة جادة: "عاوزك عشان موضوع الشغل." استمعت له باهتمام بعدما دق قلبها بتسارع وهي تنظر له بتعمق، تطالب بالمزيد بعينيها العسليتين. نظر لها ببرود وهو يردف قائلاً باقتضاب: "أنا موافق! ابتسمت هي باتساع وكذلك الأخرى بفرحة، فأردفت "نيروز" بسعادة: "شكراً يا عمي."

نظر لها بغير اهتمام وهو يواصل حديثه مرة أخرى قائلاً: "انزلي واشتغلي الشغل اللي انتِ عايزاه، بس خليكي واخده بالك إن عيني عليكي، ويا ريت ميحصلش من تصرفاتك الغبية دي حاجة وتعرفي الحدود بينك وبين اللي برا البيت كويس، لأنك مبتعرفيش تتصرفي وممكن تفضحيني برا، وأي حد يضحك عليكي. مش محتاج أقولك خلي بالك من نفسك ومن أفعالك برا بيتي عشان أي حاجة هتحصل منك هتبقى وشي أنا، مفهوم؟

تجمعت الدموع بمقلتيها، لم تستطع أن تكمل سعادتها بموافقته، ولكن كلماته اللعينة تلك في كل مرة تشرخ بداخلها شرخاً وتكسر بداخلها كسراً لا تعرف كم عدده. نظرت له بصمت وعدم وضوح لدموعها المتحجرة بعينيها التي تأبى أن تهبط أمامه هو خاصة. تريد أن تهاجمه، تصده، تقف له، لكنها تعلم جيداً أن تحدثت بحرف واحد معترضة سوف ينهي ذلك الحوار بعدم عملها. أما "جميلة" فنظرت لوالدها نظرات عدم رضا، نظرات خزي منه، نظرة حملت كل معاني الكلمة من خذلان!

نظرات خائبة الرجاء بأن هو سيظل هو لا فائدة منه! لا تغير لطباعه الحادة! لا لين لتعامله وقلبه القاسي أبداً! جاهدت "نيروز" أن تتحدث بنبرة جادة ثابتة ولكنها خرجت مهزوزة وهي تردف قائلة: "حاضر يا عمي، عن إذنك." نهضت هي بسرعة حتى لم تلحق بها الأخرى وخرجت من الشقة بأكملها. نظرت "جميلة" لوالدها نظرات معاتبة دفينة، تحمل بداخلها كره له ولكن لا تستطيع قول ذلك، تنهَر نفسها لتفكيرها بذلك الأمر، ألا أنه والدها كيف ذلك!

لكنها فاض بها الكيل الآن وأصبحت تعي جيداً أن هذا لا يستحق تلك الكلمة التي تناديه بها دوماً "أبي"! *** كانت "ياسمين" تقف بالشرفة بصمت إلى الآن تنتظر معاتبته لها، ولكن بدأت هي بالحديث أولاً على فجأة وبتلقائية: "حازم، أنا آسفة! أجابها وما زال ينظر أمامه ولم يوجه نظراته لها وهو يردف باقتضاب: "على إيه؟ "اللي حصل النهارده." وجه نظراته لها وهو يردف قائلاً بهدوء: "ليه يا ياسمينا؟

حسناً، هي الآن أيقنت جيداً أنه يعاتبها ويحزن جيداً لمناداته لاسمها الحقيقي دون أدنى تحريف به، عادة ما يردفه لها عندما يكون غاضباً منها. "انت زعلان مني عشان اللي حصل النهارده مني صح؟ نظر لها بصمت وهو يردف قائلاً بعقلانية وعتاب: "أنا مش زعلان منك على قد ما زعلان منكِ. أنتِ غلطتي وصغرتيني وأنا واقف. مينفعش تضربيه ولا تعملي فيه حاجة وأنا موجود، أقطعاله. لكن أنتِ عملتي إيه؟

اتسرعتي وروحي مديتي إيديكِ عليه وأنا موجود وكمان وأنا مش موجود. تغاضيت وبتغاضى عن تسرعك بدراعك، بس كفاية كده، ده مش صح ليكِ خالص. لازم تتحكمي بأعصابك وتفكري كويس قبل ما تعملي الحاجة. عارف إنك بتدافعي عنك وعن جميلة، بس ده مش عاوز حد زيك يمد دراعه عليه لأنه كده كده دراعه أقوى منك. حواء اتخلقت من ضلع آدم يا ياسمين." نظرت له بتفهم ونظراتها المتأسفة. هي تعلم أنها أخطأت بحقه عندما وضعته على الهامش وتصرفت هي.

"أنا آسفة، متزعلش مني. أنا بس حاولت آخد حق ليا وحق غيري مسؤول مني وأنت مش موجود. بس فعلاً معملتش حساب إنك مش موجود بس هترجع. مقصدتش أقلل منك، بس كلامه وتصرفاته عصبتني وحرقت دمي وغلط فيا كأني واحدة جاية من الشارع وأنا تربيتي معروفة كويس هي إيه. وبعدين أنا بقول آسفة دي مش بقولها لكثير يا حازم. هن يا جن بقى. سكوتك دا بيوترني. تعال عاتبني علطول يا حازم متسيبش التراكمات تخلق حاجز ما بينا عشان خاطري!

ابتسم أخيراً لها بحب وهو يردف قائلاً: "مقدرش أزعل منكِ، بس بوعيكِ على اللي حصل واللي هيحصل. متزعليش أنتِ وأنا أكيد هجيبلك حقك منه." "أسدد أسدد جيبلي حقي حالا بالا بالا بقا يلا أنا وجميلة. بجد جميلة متستاهلش اللي حصل ده، حاسة إنها مكسورة وزعلانة قوي ومش عارفة تقول لمين إن أخوها اللي من دمها جه عليها. متخيل؟

"أنا عارف وحاسس بيها. جميلة مبقتش قادرة وطاقتها خلصت من اللي حواليها وبالذات أبويا اللي المفروض هي تروحله تشكيله أول واحد من اللي حصل، لكن لكِ أن تتخيلي إن محدش قاله حاجة عن الموضوع أصلاً. ولو عرف لو حصل إيه مش هياخد صف جميلة أبداً حتى لو ميتة في إيد حسن. ضعيف، ضعيف قدام مرات أبويا. ست خربت حياتنا وأنا واعي عليها. أبويا يتجوزها بعد ما أمي خلفتني علطول عشان أصلاً زينات بنت عم أبويا وأبوكِ نقطة سودة فعيلة الأكرمي.

جوزها مبخلفش فجدي الله يسامحه يطلقها منه ويجوزها حد من الاتنين. يا بختك بأبوكِ. راجل أصيل حب أمك حب ميتوصفش. لكن أبويا عند أول مطب باع أمي واتجوزها عليها. لأ وإيه يحبها أكتر منها. وأمي تستحمل عشاني وكملت وخلفت جميلة بعد ما التانية حملت في حسن زي ما جدك حكم."

حاسس إني المفروض مكنتش أوعى على كل ده ولا أفهمه. ولا مضطر أستحمل. بس هي الدنيا! نظرت له بتأثر وهي تربط على كتفه بحنان، مع مراعاة المسافة بينهم. لكنها فعلت ذلك دون وعي منها. ابتسم لها بحب، فاردفت هي بتأثر: "انت قوي واستحملت كتير يا حازم. مفيش غيرك يقف جمب مامتك وجميلة. انتوا حلوين أوي مع بعض وربنا هيراضيكم ويطبطب على قلوبكم." نظر لها بعمق عينيها وهو يجيبها بنبرة متحشرجة:

"كلامك كله دوا لجروحي. بحس معاك مشاكلي بتتبخر وإن ليها حل تتحل في ثواني. قوللي بتعملي إيه فيا؟ "لا مبعملش ده، سر المهنة وعيونها! ابتسم لها قائلاً بتلقائية: "طب قول لي لسر عيون المهنة إني بحبهم وبييهونوا عليا كل حاجة! ابتسمت له بخجل، فانتبهوا هم لتلك التي تتدلف عليهم الشرفة بملامح وجه متشنجة. نظر لها شقيقها بتعمق وهو يردف قائلاً: "إيه يا جميلة مالك؟ أجابتهم قائلة وهي توزع أنظارها عليهم: "بابا وافق على شغل روز."

"طب ودي حاجة تخليكِ عاملة كده؟ مش فاهم! نظرت "ياسمين" باستغراب من أمرها، فأجابته "جميلة" قائلة: "ما بابا حط بصمته في الكلام، ومشت زعلانة أوي! بدلت "ياسمين" نظراتها للحدة، وكل ما خطر ببالها أن ليس سوى زوجة عمها من فعلت هذا!! "قالها إيه؟ قالها "حازم" و"ياسمين" في آن واحد، فنظروا إلى بعضهم. ولكن ليس الأمر مثيراً للمرح الآن. صمتت "جميلة" لا تعرف ماذا تجيب حتى لا تثير الموضوع للضجة أكثر.

خرجوا جميعاً بلا استثناء إلى الصالة حيث يجلس الآخر، فتحدث "حازم" بتساؤل: "إيه يا بابا؟ إيه اللي حصل مع نيروز؟ لم ينظر له والده بل تحدث قائلاً بغير اهتمام: "مفيش. وافقت على الشغل." "بس يا عمي! نظر لها "سليم" بسخرية قائلاً بتهكم: "آه بس! هعملها إيه يعني؟ نظرت "ياسمين" له بتعمق، ثم ثوانٍ واستأذنت تخرج من أمامهم من باب الشقة تحت نظراتهم المستنكرة من والدهم في هذا الموضوع. ***

كانت جالسة بأحضان والدتها تبكي بين الحين والآخر دون علم والدتها بسبب بكائها، ولكن أحضانها كفيلة بأن تسكنها. تحدثت "سمية" قائلة بخوف: "مالك يا حبيبتي؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ من ساعة ما جيتي وأنتِ بتعيطي! المفروض تفرحي إنه وافق! طيب قالك إيه؟ إيه اللي حصل؟ خرجت "نيروز" من أحضان والدتها وهي تردف قائلة بنبرة متحشرجة: "مقالش يا ماما. أنا بس بحب أرتاح في حضنك. فيها حاجة دي؟ نظرت لها والدتها بتعمق وهي تردف قائلة بحدة

لم تعهدها الأخرى من قبل: "قولي قالك إيه، لأن كده كتير. معتش ينفع اللي بيحصل ده! نظرت لوالدتها بتمعن وهي تنهض واقفة تزامناً مع قولها: "قولتلك يا ماما مفيش حاجة. أنا هروح أتوضى وأصلي وأقف في البلكونة شوية."

قالتها سريعاً لتهرب من نظرات والدتها وهي تخرج من الغرفة بأكملها. نظرت والدتها بأثرها بتشكك من أمرها، وهي تفكر في شيء ما. تفكر بمواجهة عمها هذا الذي لا يكف عن إيذاء ابنتها نفسياً. فقامت لتنهض ترتدي حجابها وتذهب حيث عقدت العزم. *** "لن أسمح لأي شخص مهما كان بأذيتك. لن أسمح لهم بكسر آخر ما يوجد بك. لن أسمح لهم بالاقتراب من تلك الملاك. قطعة من قلبي. وجزء لا يتجزأ من كل شيء. أنتِ كل شيء!

تجلس هي أمامهم تشرب من مشروب الشاي باستمتاع وبرود. وهم الاثنين أمامها يطالعاها بحقد وشرر. حتى تحدثت "زينات" قائلة بنفاذ صبر: "أنتِ جيتي وشربتي الشاي وبقالك مدة قاعدة. إيه؟ عايزة عشا بالمرة؟ نظرت لها "ياسمين" بابتسامة صفراء وهي تردف قائلة ببرود: "ومتعشاش ليه؟ مش بيت عمي؟ بس تصدقي أنا جعانة فعلاً. قومي إعمليلي عشا! نظرت لها بحدة، فتحدثت "فريدة" قائلة بتعالٍ ونبرة غاضبة دفينة بها: "ما تقصري! وتقولي جاية ليه من الآخر؟

ولا مكفاكيش اللي حصل منك المرة اللي فاتت! وبعدين مش غريبة منك تيجي وتقعدي كل ده وكمان تشربي وعايزة تاكلي؟ نظرت "ياسمين" للكأس الذي بيديها وهي تردف قائلة دون النظر إليهم: "غريبة صح؟ تصدقي! ده مريب كمان! فعلاً محدش ضامن إنه يشرب ميه حتى من عندكوا. بس أقولك يا صفرا أنتِ عادي فدا روز حبيبة قلبي! أجابتها "زينات" بنبرة ساخرة: "ومالها ست روز بتاعتك إن شاء الله؟ مش أنتِ اتفقتي على حاجة وعلى ما أظن حصلت؟ فيه إيه تاني؟

كانت "فريدة" تستمع لهم بعدم فهم، فجاءهم صوتها وهي تردف قائلة بثبات: "صح. بس بصمتك أنا حساها وشماها في الحوار. حطيتي بصمتك وشعللتيها صح؟ "وأنا هقول إيه؟ ده أنا اللي هتضر مش انتوا! نهضت "ياسمين" على فجأة وهي تردف بحدة جامدة لهن وبصوت تحذيري: "تمام أوي! أقسماً بربي اللي ما بحلف بيه كذب. لو ما شلتوا أختي من دماغكم وبطلتوا تفكير الحرابي اللي انتوا فيه ده، لكون متصرفة تصرف مش هيعجبكم! سامعين!!

آه، ابقى قابلي في حتة فيها إضاءة حلوة عشان أعرف أصورك كويس يا فوفه. أوكيه؟ ابتلعت "فريدة" ريقها بخوف من حديث الأخرى ونبرتها التحذيرية، أما "زينات" فأردفت بتشنج قائلة محاولة الثبات: "إحنا كنا ماشيين كويس، ليه الغدر؟ "الحرابى ما بيتأمنش ليها معلش! ممكن تلدغ في أي لحظة! بس على مين، أنا أكبر من حربايتين زيكوا ولدغتي متجيش جنبكم حاجة، ماشي؟ سلام."

قالتها وهي تتجه خارجة من الشقة بأكملها، صافعة الباب خلفها، والاثنان خلفها يبتلعان ريقهما من كثرة ارتباكهما من حديث الأخرى الموحي بالدمار القادم. هم يعلمون أن تلك الـ "ياسمين" ليست هينة أبداً. ***

في المشفى، كان "عز" يقف أمام الطبيب الجديد الخاص بالجراحة والعمليات اللازمة في تلك المشفى، والذي تولى حالة والدته بعدما سلمها الطبيب الآخر له للعملية الجراحية. وبجانبه شقيقته التي يظهر على هيئتها الإجهاد وملامح وجهها المصفّرة. تحدث الطبيب قائلاً بهدوء وهم جميعاً أمامه ناظراً على التحليلات الخاصة بها:

"فيه تحسن، لكن هنحتاج نعمل عملية استئصال مادام ينفع يتشال وعشان مينتشرتش برضه. ومتقلقوش، الأعراض دي عادي. استأذنك بس يا أستاذ عز تاخد والدة حضرتك وتعمل أشعة أخيرة عشان العملية، عند الأوضة اللي هناك دي عشان. وطبعاً الوالدة بعد ما تعمل الأشعة اللازمة للعملية هتضطر تقعد هنا كام يوم على ميعاد العملية، لو حضرتك جاهز." نظر له "عز" وهو يردف قائلاً بخوف وبدقات قلبه المتسارعة! هو يعلم أن سوف يأتي ذلك اليوم

لتلك العملية لا محال: "شكراً يا دكتور." ابتسم الطبيب مردفاً بهدوء: "اسمي بسام. وبعدين مفيش شكر، دا واجبي. بالشفاء إن شاء الله وربنا يخليهالك ويبارك في عمرها! ابتسم له "عز" بامتنان وهو يتجه بوالدته ببطء ناحية الغرفة المحددة للأشعة وهو في عالم آخر، ووالدته تطمئنه وتبتسم راضية أينما حدث. وبعدما أشار لشقيقته بأن تظل مكانها هي.

وضعت "فرح" يديها على رأسها بإجهاد وصدمة، غير قادرة على النطق مما أرتَمى على مسامعها وكأنه الشئ الوحيد الذي كان ينقص لسقوطها. خاصة، إنها تداهم تلك البقعة السوداء منذ بداية اليوم، ولكن استسلمت لها بالنهاية ووقعت ترتطم أرضاً بقوة.

هرول "بسام" يصيح بالممرضين عالياً وهو يحملها أرضاً متجهًا بها ناحية الغرفة الخاصة بالكشف. دخل بها إلى الغرفة وبجانبه الممرضة الخاصة به "عبير"، ثم سطحها على الفراش وهو يحقن بها الإبرة الطبية بعدما انتهى من كشفه. نظر هو إلى الممرضة قائلاً بلهفة: "مدام عبير، معلش هاتيلي كمان حقنة من جوه! أومأت له الممرضة سريعاً وهي تتجه إلى الخارج، فاصطدمت بـ "عز" وهو يدور بالمكان يبحث عنها. انتبهت له "عبير" وهي تسأله:

"حضرتك بتدور على اللي كانت هنا؟ "أيوه! "هي وقعت من طولها وهي جوا دلوقتي و... لم يستمع لها هو، بل أسند والدته التي شهقت عالياً على المسند وهو يتجه للداخل بلهفة بعدما قاطع حديث الأخرى غير عابئ بمناداة والدته عليه. "فرح، فرح مالها يا دكتور؟ قالها بلهفة وهو يصيح عالياً. فوقف أمامه "بسام" وهو يردف قائلاً بهدوء متفهماً لحالته:

"اهدوا يا أستاذ عز، اهدوا. هو بس تعب أو ضغط نفسي من اللي سمعته، واضح إنها ضعيفة. هتبقى كويسة إن شاء الله، بس هي محتاجة تبات النهاردة في المستشفى وجنبها الممرضين يتابعوها." تحدث "عز" بلهفة وبنبرة متحشرجة: "طب، طب هي هتفوق امتى؟ وهتفضل كده كتير ولا إيه؟ طمني يا دكتور!

"هدّي نفسك يا أستاذ عز. مجرد ضغط نفسي بس، هتبقى كويسة بس تاخد مجموعة العلاج وتخرج وتبقى كويسة. زائد إن جسمها ضعيف ومأكلتش تقريباً بقالها فترة. هي بتعاني من مرض معين؟ "لا لا خالص، هي كويسة الحمد لله بس، بس نفسيتها مش أحسن حاجة عشان والدتي." قالها "عز" بلهفة. فانتبه "بسام" لتلك التي تتدلف الغرفة وبيديها العلاج الخاص بالأخرى ويدها الأخرى تسند والدة "عز". تحدثت الممرضة تشرح له قائلة:

"والله يا دكتور، أصرت تدخل تتطمن على بنتها وكانت قالبة الدنيا." ابتسم "بسام" مردفاً باحترام: "أم عز، تعمل اللي على كيفها. اتفضلي قعديها مفيش مشكلة، بس أرجو عدم الإزعاج عشان المريضة، وخمس دقايق ولازم تخرجوا. وطبعاً أوضة مدام حنان جاهزة في الدور اللي فوق." أومأت له بانكسار تزامناً مع اتجاه "عز" لها يجلسها على المقعد أمام ابنتها وهي تتحدث قائلة بنبرة باكية: "يا حبيتي، أنا كنت حاسة إنها تعبانة وفيها حاجة. كنت حاسة...

آه يا بنتي! اتجه "بسام" يحقن بها الإبرة التي بيديه قائلاً للأخرى بتفهم: "مفيش داعي للقلق ده كله يا مدام، ده ضغط نفسي بتحصل بس. العلاج ده تروح يا أستاذ عز تجيبه من الصيدلية في المستشفى في الدور اللي تحت."

قالها وهو يتجه ناحية المكتب يدون بعض الأدوية على الورقة بسرعة. فأخذها الآخر وهو ينظر له بامتنان صادق، ثم أسرع على الفور خارج الغرفة ليسمح لدمع عينيه المكتوم بالهبوط غير عابئ بمن يراه كذلك. اتجه يهرول سريعاً ناحية الجهة التي يوجد بها العلاج بلهفة شارداً في حل معضلتين، والدته وشقيقته. *** خرجت هي متجهة ناحية شقة شقيق زوجها تدق الباب دقات خافتة نسبياً، ففتح لها "سليم" ولحسن الحظ. نظرت له بشرر يتطاير من عينيها قائلة

بجمود ولكن بصوت غير ملفت: "قلت إيه لبنتي يا سليم مخليها مش مبطلة عياط؟ هو كل مرة؟ خد بالك أنا معتش هسكتلك، مش عشان رفضت اتجوز واحد زيك بعد موت جوزي تعمل كده فيهم، فاهم؟ نظر لها ببرود وهو يردف قائلاً بثبات: "وانتِ جاية تخوفيني بالبوقين دول يا سمية؟ بنتك مين دي اللي تسلك في شغل من غير مشاكل لغبائها وتصرفاتها؟ "لا لحد هنا ومش هسكتلك، كفاية بقا دايس فيهم بمرضك النفسي ومكمل. انت إيه؟

خلي في قلبك شوية رحمة يا أخويا، هتتحاسب على كل ده، وهتتحاسب باللي بتعمله ببنتك يا ظالم. انت راجل ظالم ومفترى وملكش إلا حد ظالم يقهر فيك زيك! قالتها بجمود. أخذ هو يتطلع حوله خوفاً من أن يكون أحد يتصنت عليهم. فنظر لها بحده مردفاً: "قلبك جمد عشان تعملي اللي بتعمليه ده؟ اتجرأتي أكتر من اللازم يا سمية! نظرت له هي مردفة بصوت عادي كالسابق ولكن بحده جامدة:

"سيب بنتي في حالها يا سليم وارحمها عشان ربنا يرحمك، كفاية اللي هي شافته." قالتها وهي تتجه إلى حيث شقتها تفتحها لتدلف منها إلى الداخل، فاغلق هو الباب بقوة يصفعه قبل أن تغلقه هي. *** "اذكر أنني نمت بعد انهيار مفزع، فاستيقظت شخص لا أعرفه."

بعد مرور وقت كانت تجلس بغرفتها وحدها بعدما دخل عليها والدتها وشقيقتها مطمئنين على حالها بهدوء، ولكن لا يعلم أي منهم ما فعلته والدتها منذ وقت. تجلس بمفردها وبعدما أدت فروضها والتدرع إلى الله بالدعاء تشكو وتخرج له ما بداخلها.

هي الآن شاردة الذهن وهي تتجه ناحية الدفتر الخاص بالمذكرات والظرف الذي يوجد به أشياء عدة من طفولتها البريئة. تبتسم تارة، وتتشنج ملامحها من البكاء تارة. أخذت المذكرات الخاصة بها وفتحت منها صفحات معينة، وكانت الأولى يكتب بها وهي تقرأ ما بها بصوت متحشرج:

* "النهاردة بابا جالي أول يوم في الثانوي واستناني لما خرجت، وروحنا أحسن مطعم بعدها وجابلي أنا وماما وإخواتي حاجات كتيرة أوي بنحبها، وقالي قد إيه هو مبسوط إن أنا بكبر وبنجح وبوصل ببطء للي بحلم بيه." ابتسمت بسمة منكسرة، ولكن هي كانت تعيد على تلك الجمل والكلمات بعدما توفي، فأصبحت بعد كل جملة تكتبها تدون أسفلها الشعور العكسي لها عندما توفي هو وتركها وحيدة. كان أسفل تلك الجملة وبالتاريخ أيضاً:

* "مكنتش أعرف إنه هيسيبني في آخر الرحلة، متوقعتش إنه هيمشي قبل ما أحقق اللي كنا بنحلم بيه سوا! طالعت تلك الجملة الحزينة بدموع عينيها المحبوسة. فتحت صفحة أخرى غير تلك لتجد بها: * "فوقت لقيتو مش موجود عرفت إنه راح وسابني وأنا مش واعية. من وقتها حاسة إن قلبي مكسور وضهري مقطوم. من وقتها إحساس الأمان هرب ومرجعش تاني! طالعت تلك الجملة بأسى وهي تنظر على التي بأسفلها بخيبة أمل كبيرة:

* "ولسة قلبي مكسور لحد النهارده، لسه ضهري مقطوم، ولسه الأمان اللي اتبخر مرجعش تاني من وقتها! طالعتها بكسرة وهي تهبط دموعها ببطء على خديها دون صوت. ففتحت عدة صفحات أخرى قبل ذلك، وكانت الصفحة تحتوي بجملة مكتوبة بمربع أحمر ويوجد تحتها "سلسة على شكل وردة" معلقة بتغليف أسفل الجملة التي كانت تحتوي بـ:

* "النهاردة غسان شوحلي للمرة اللي مش عارفة عددها جوابات في البلكونة، بس المرادي كان فيها سلسلة على شكل وردة جميلة أوي وحظي إن بحب الورد جداً. حسيت إن لحد هنا ولازم أقول لبابا عشان حاسة إني بعمل حاجة وحشة من وراه! نظرت مجدداً على الكتابات الموجودة أسفل تلك الفراشة المكتوب به:

* "قولت لبابا، ضحك وقالي الطفولة جميلة، بس انتِ أجمل عشان مخبتيش عليا. قالي أشوحاله تاني في بلكونته ولو هو جابها تاني لبلكونتي ساعتها آخدها أعينها للذكريات. وقولتله كمان إنه طول الوقت بيجيبلي جوابات من البلكونة بس بقرأها وأشوحها تاني زي ما كانت من غير رد. مضربنيش لأنه عمره ما عملها، بس قالي لو خوفتي يبقى بتعملي حاجة غلط. بس أنا عمري ما خوفت لما كان بيشوح الجوابات، كنت أقرأها وأشوحها تاني مكانها، بس كنت حاسة إن همي على بطني أوي لما كان بيحط في الظرف شوكولاتة بالفراولة وكنت باخدها آكلها ومرجعهاش مع الظرف. قولتله كده ضحك عليا أوي ومن غير ما يتكلم أخدني فحضنه وطبطب عليا وقالي هتتمني ترجعي للأيام دي تاني!!

أغلقت الدفتر الخاص بها وهي تبتسم وفي نفس الوقت تبكي بصمت عند تذكرها لكم هذه الذكريات. اتجهت لتضعه مكانه ثم لتتجه ناحية الشرفة تجلس بها قليلاً. حل المساء بعد وقت ليس ببعيد. في شقه "حامد" كان هو يجلس بجانب زوجته على الفراش، ينظر لها باهتمام وحب خاصة. بعد ذلك الحوار الذي فتح على الغداء. انتبهت هي لنظراته، فابتسمت له بخفة وهي تتحدث قائلة بخجل: "مالك يا حج؟ بتبصلي كده ليه؟ ابتسم لها يشاكسها بكلماته المرحة دائما الهينة على

قلبها في كل مرة يتحدث بها: "بحب أبصلك، وبحب ملامحك، وكمان بحب ابص لولادي عشان ملامحهم نفس ملامحك الحلوة دي!! ابتسمت باتساع وهي تطالعه بنظراتها المحبة الحنونة قائلة بخجل ممزوج بالمرح: "جرا إيه يا حج؟ هو إحنا لسه صغيرين يا خويا على الكلام الحلو اللي بتقولهولي كل مرة ده! "اه صغيرين، ده أنا اللي حبيتك من بدري واتجوزت صغير، بالك إنت لو كنا استنينا شوية مكناش جبنا عيال طويلة وهبلة كده!

إعتلت ضحكاتها على حديثه، فتحدث هو قائلاً بهدوء:

"عارف إنك زعلانة وبتتوجعي، عارف إنك لسه متعافتيش من موت سلمى هنا، برغم سنها الصغير اللي ماتت بيه من زمان، بس عارف إن قلب الأم ملوش وقت ويداوي وبيفضل يوجع، بس ده قضاء وحكمة من ربنا. خلفنا ٣ توأم هي اللي اتولدت ضعيفة وفضلت ضعيفة لحد ما راحت عند اللي أعز مني ومنك ومستحملتش اللي كانت فيه. عوضنا ببنت جميلة بعد مدة كبيرة وكانت وسام. وسام يا دلال اللي رفضتي تسميها سلمى عشان ميحصلش اللي حصل، بس ده أي كلام، لأننا في امتحان من ربنا لازم الصبر والشكر ليه مهما حصل، كله خير من عنده!

وسلمى دي هتشفع لينا أنا وإنت وهندخل الجنة على إيديها تعرفي كده ولا لأ؟ أوعي تيأسي رحمة ربنا كبيرة أوي وتسع كل شيء من حوالينا متخيلة؟! كانت تبتسم على حديثه تارة وتبكي تارة أخرى. فتحدثت هي أخيراً من بين شهقاتها الضعيفة ودموع عينيها الصامتة، وهو يربت على كتفيها بحنان يأخذها بأحضانه بهدوء وهي الأخرى تردف بـ:

"أنا عارفة، عارفة إنه الحمد لله قضاء وقدر من ربنا، وراضية، بس قلبي، قلب الأم، قلبي بيوجعني جواه نار على فراقها حتى معاشتش معانا الفترة اللي تخليني أعمل كده! بس دي بنتي، تعبت فيها وروحي فيها بخاف، كنت خايفة أجي هنا مع إن عشت هنا كتير بعد ما ماتت، بس بفتكر غصب عني كل اللي حصل من موتها لكل حاجة بعدها." نظر لها باشفاق وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً بنبرة متحشرجة:

"عارف إنك مكنتيش عاوزة تيجي هنا، وعارف إنك خايفة تيجي، بس ده مش صح، إحنا هنا بعد موتها بكتير، متسبيش نفسك لتفكيرك عشان تعرفي تعيشي يا دلال! وسلمى الأمر لله." ابتسمت بانكسار وهي تجيبه قائلة: "الحمد لله راضية، عارفة إني ساعات بقول حاجات مش لازم تتقال، بس ربنا قادر يطمن قلبي ويهديه، بس الواحد بيفكر الوحش اللي في المكان قبل الحلو غصب عني! "ربنا يرحمها برحمته، ويجمعنا بيها في الجنة."

ابتسمت له بحب صادق وهي تتنفس بعمق بين أحضانه الدافئة، وكلماته الهينة التي دوماً تخفف عنها ثقل الحياة والأيام. *** كان هو على الجانب الآخر يقف بالشرفة يبعث بهاتفه بملل واضح، ولكن الأهم أنه يمسك تلك الزجاجة المثلجة من المياه يتجرع منها على فترات وهو يقف والهواء يداعب خصلاته السوداء ويطيرها. ابتسم حينما تذكر شقيقه وما فعله معه قبل أن يذهب إلى عمله.

بنفس ذلك الوقت كانت هي تقف بالجانب الآخر في الشرفة الجانبية له، لكن تلك المرة كان مصباح الشرفة لديه مفتوحاً وينير المكان بعض الشيء، لكن هي لم تنتبه له. تنفست بعمق وراحة كبرى بأصوات مسموعة وهي تفرد ذراعيها للهواء المنعش الذي يداعب وجهها. بالطبع كانت ترتدي "غطاء رأس خاص بالبيجامة التي كانت ترتديها هي"، فلم يداعبها الهواء ككل مرة من حيث خصلاتها. انتبه هو لها وهي تتنفس بعمق مغمضة العينين، فتنفس بعمق يتنحنح قائلاً:

"ده حماس؟ ولا طهق من الدنيا؟ انتفضت كما تنتفض كل مرة على صوته المتنحنح، ثم التفتت منتفضة على صوته تنظر له قائلة بتلقائية: "بسم الله." إبتسم "غسان" على تلقائيتها وهو يردف قائلاً بثبات: "بتخوفي؟ "لا مش قصدي بس. بس اتخضيت! قالتها "نيروز" بملامح وجه محرجة ظهرت عليها بوضوح، فتحدث هو يجيبها قائلاً: "عادي، أومال لو اتخضيتي وكمان اتخبطتي بجزمة طويلة كعبها عالي في راسك!

قالها بثبات لا يتماشى مع طبيعة حديثه. فهمت هي ما يرمي إليه بحديثه، فابتسمت بحرج قاتل وملامح وجهها المحمرة. فواصل هو من جديد قائلاً وهو يوجه نظراته للبحر الذي أمامه على بعد: "عارفة إن عندي صداع لحد دلوقتي من جزمتك الدبابة القتالة دي! هربت بنظراته سريعاً بحرج، ثم تحدثت قائلة بتوتر: "حقيقي أنا مكنتش أقصد، بس ثواني اجيبلك برشام ليه هيروقه بسرعة؟!

لم تعطيه الفرصة للرد بل هرولت سريعاً من أمام أنظاره تختبئ من حرجها منه. فوجد هو شقيقه يتسحب بهدوء من ورائه، فاردف قائلاً بثبات وهو ناظراً أمامه: "حاسس بيك ورايا متحاولش، وبعدين بزمتك ده شكل حد يخض! إعتلت ضحكات "بسام" وهو يتجه ناحيته يقف بجانبه، قائلاً بمرح: "ما هو وحياتك نفس الشكل!

قهقه "غسان"، عالياً، يومئ له بالإيجاب. ثوانٍ وهلت هي من الشرفة الجانبية، لكن وقفت للحظة ما إن رأت الاثنين يقفان بجانب بعضهما وبالأخص هما الاثنان يرتديان نفس الملابس، يقومان بشرائها معاً ويفعلان ما يسمى بالـ Matching. وقفت تفتح فاها وهي تنظر بملامح وجه متوترة. كان الآخر يبتسم على ردة فعلها، أما شقيقه فكان يقف غير واعٍ لما يحدث. عقدت العزم بأن لا يصح أن تقف كثيراً دون التصرف. اتجهت بالعلبة توجهها وهي تقف على مقربة منهم، ثم مدت يديها بها إليه ولكن لسوء حظها، أنها مدت يديها لـ"بسام" فأخذها هو بغير فهم للذي يحدث. فتحدث "غسان" قائلاً

بهدوء من بين ابتسامته: "مش دا أنا اللى محتاجه! بس عادي أنا وهو واحد! ابتسمت بحرج قائلة وهي تتجه بعيداً عنهم خطوة للوراء: "معلش، أنا بس مش عارفة أفرق، عن إذنكم." اتجهت مسرعة إلى الداخل وعلى ملامح وجهها الابتسامة المكتومة على ردة فعلها الحمقاء! ولكن كيف تفرق هي؟ هي معذورة!! ابتسم هو لشقيقه والاخر ينظر بتمعن لعلبة العلاج بين يديه! "وليه يعني ما إحنا عندنا." ابتسم "غسان" لشقيقه يشاكسه قائلاً بتبجح:

"أصل أنا بجح وبحب اللي عندهم!! "يا جدع! قالها "بسام" بسخرية، فتحدث الآخر بجدية: "خش، خش نروح لامك وابوك نشوفهم مختفيين فين! اتجهوا ناحية الغرفة فوجدوا والدهم يحتضن شقيقتهم ووالدتهم. فاتجه "بسام" سريعاً يقف أمامهم كالطفل وهو يتحدث قائلاً: "يعني من لقى حبايبه نسي أصحابه؟ ولانا مليش نصيب في الأحضان دي؟ قهقهت "وسام" عليه فابتسم والده بخفة ووالدته أيضاً، فاتجه هو سريعاً عندما أشار به والده بذراعه يجلس بجانبهم!

فتحدثت "دلال" قائلة: "إحنا ينولنا الشرف واحنا بنحضن الدكتور بتاعنا اللي قد الدنيا ده." ابتسم هو متحدثاً بمرح: "عارفين يا جماعة مشكلتي في إيه؟ جاءهم صوتهم جميعاً وهم يردفون بـ: "إيه؟ كان الآخر ينظر لهم من خارج الغرفة بحب طغى على ملامحه قاطع دخوله ذلك المشهد وهو يقف يتطلع إليهم، بينما واصل "بسام". الآخر حديثه قائلاً: "مشكلتي أن دلال لسه ما قالتش لعم سلطان البواب إني دكتور قد الدنيا!

اعتلت ضحكاتهم على حديثه، فأكمل والده يجيبه قائلاً: "لأ إزاي دي تفوتها برضه؟ طبعاً قلت له أمك قالت لي أقوله إنك دكتور قد الدنيا وأنا ما أكسرش كلمة لمراتي أبداً! اعتلت ضحكتهم على حديثه، بينما كاد أن يواصل حامد حديثه من جديد، فانتبه هو للآخر غسان واقفاً على بعد منهم يبتسم بشرود! "يخربيت أبوك قطعت لي الخلف ياض واقف كده ليه؟ قهقه غسان عليه وهو يدلف إلى الداخل، قائلاً بتبجح مرح: "قطعت لك الخلف إيه؟ ناوي تخلف كمان؟

شهقت والدته شهقة مصطنعة، فأكمل والده حديثه وهو يقول: "وماله ما يجيبش تاني قطاطيط حلوين ليه؟ ولا إيه رأيك يا ويسو؟ نظرت وسام لوالدها وهي تردف بلهفة: "أيوه يا بابا، أنا عاوزة... عاوزة بنتين توأم." ابتسمت والدتهم بسخرية بالطبع من كبر سنها، فأردف بسام قائلاً باقتراح: "فيه حل أحسن، إحنا نجوز غسان ويجيب لنا التوأم دول! أردفت دلال ترد على حديث الآخر بتعالٍ:

"ده يوم المنى لما يتجوز ويخلف بنات قمر شبه كده، ده أي واحدة تتمناه، ده محاسب ق... قاطعوها جميعاً دون استثناء وهم يردفون بصوت واحد وكان بنبرتهم العالية: "محاسب قد الدنيا! قهقهت هي عالياً وهم أيضاً، لرديفهم معاً تلك الجملة المعتادة منها! انتهت وسام من ضحكاتها بصعوبة وهي ترد قائلة: "طيب يا عيلة يا بنت الحلوة، أنا كان نفسي أقعد أكتر معاكم بس أستأذنكم، ثانوية عامة عاوزاني في كلمتين! مش هوصيك يا بوب على البنتين التوأم بقا!

قالت حدثها وهي تتجه مسرعة خارج الغرفة، فتحدث والدها بمشاكسة: "والله البت دي بتفهم، إحنا نجيب توأم للبت الغلبانة اللي ملهاش إخوات دي! ضحكوا بخفة على حديثه الذي أردفه بمرح، فاتجه غسان يجلس بجانب والدته من الناحية الفارغة، والأخرى تنظر له بحب يفيض من عينيها وهي تربط على كتفيه بحنان! "ده أنت متخرمش على الآخر يا بو علي، بقا حرمة تعمل فيك كل ده؟ قالها شريف بسخرية منه، فتحدث حسن قائلاً وهو يجيبه:

"لا وأنت الصادق، كان فيه تيران عليا، حرمة مين اللي تعلم عليا! نظر له آدم بإشفاق وهو يلومه قائلاً: "أنا قلت لك يا حسن غسان لأ، وبعدين بصراحة ميضربكش في وشك ضربة زي دي إلا غسان، أخوه ما يعملهاش لأ، وأنا قلت لك البعد عنه غنيمة بس أنت فارش جناحاتك أوي، البس بقا! أجابه حسن قائلاً بنفاذ صبر:

"ونبي يا خويا بلاش تقطع فيا، أعمل إيه يعني وبعدين سيبني في حالي، أنا مغلول ومحروق دمي ومش عارف آخد حقي إزاي وأنت رايح تقطع فيا، نقطني بسكاتك! نهض آدم ومازالت سيجارته بيديه، قائلاً بهدوء: "أنا سيبها لك أهو مخضرة وماشي، يكش أنت بس تعقل، لاحسن المرة الجاية مش محتاج أقولك مش هيبقى في جسمك حتة سليمة منه، ده عوء ولبط ولا تعرف هو بيفكر في إيه، فخلي بالك بقا يا خويا وأنا حذرتك وأنت حر. سلام، هطير أنا!

قالها سريعاً وهو يتجه خارج المقهى الليلي بأكمله، نظر حسن بأثره بشرود، خاصة أن آدم صديق حسن المقرب منذ الطفولة مهما حدث كانا بجانب بعضهما، برغم طريقهم الهالك لكلا منهما، نظر له شريف بخبث وهو يردف قائلاً: "طب واللي يقول لك تاخد حقك بحرفنة إزاي يا بو علي! نظر له حسن بعدم فهم وهو يردف قائلاً بتساؤل: "قصدك إيه؟ مش فاهم." اتجه شريف يجلس بجانبه وهو يربط على كتفيه، فتأوه الآخر قائلاً وهو يصيح به:

"آه ما تحاسب يا عم، اللي ما تتسمي عضانى ومتعور هنا." "لامؤاخذة يا صاحبي، دا أنت حالتك صعبة." "طب كمل كنت بتقول إيه؟ نظر له شريف بمكر، خاصة أن خططه بدأت أن تسلك طريقها بوضوح في كل شيء. "هقولك! تروح القسم بشكلك ده وترفع عليه قضية، تعمله محضر يعني، تعدي، عدم تعرض أي بتنجان بحيث تكون خدت حقك كده ولو هه يعني ومتسيبش اللي متبقي منك على الأرض كده! نظر حسن أمامه بشرود وهو يردف قائلاً محاولاً عدم الاستسلام لكتلة

شره والانسياق وراء خيره: "أيوه بس، بس ده ابن عم آدم وكمان قريبنا، وإن كان كده هطلع ضامن نفسي مية مية يعني إنه يتعلم عليه! لا لا فكك." "يا عم اسمع بس، محضر يتفتح يتجاب من بيته في ثانية، في شهود معاك على التعدي، يبقى خلاص أنت اللي كسبان كده والدليل أهو في وشك، ولو عاوز كمان تدبس البت اياها اللي علمت عليك يبقى دوس، وأخوك بردك! قالها شريف بأسلوب إقناعي كي يقع الآخر بشباكه!! "لأ هحبس أخويا إزاي!

ومينفعش أرفع قضية على أخويا، بعدين ده محامي وأبويا محامي يعني لا مش ظابطة خالص." "خلاص يا عم بلاش أخوك، وقع اللي أنت محروق دمك منه وخلاص، وبعدين أنت حر، أنا همي على مصلحتك بردك." نظر له الآخر بشرود، وليس سوى ذرة للانسياق وراء كتلة شر الآخر وتلبية ما يريد الفساد به! شارد الذهن يفكر جيداً، بنظراته التي تحولت للحدة لاسترداد حقه، بالتفكير في ذلك "المحضر لعدم التعرض!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...